حبّان) في "صحيحه" (٢١٧١ و ٢١٧٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٤٣)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٩٩٧ و ٣٠٥٥ و ٣١٣٧ و ٣١٨٨ و ٣٢١٢ و ٣٢٩١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٩ - ١٠٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٠٨ و ٨١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧٢ و ١٣٧٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٦٧ و ٩٦٨).
وأما بقيّة مسائل الحديث، فقد تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨١] (٤٣٤) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتِمُّوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥)، وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
و"أنس" ﵁ تقدّم في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٥٠) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُليّ -بضمتين، وتشديد اللام- نسبة إلى "أُبُلّة" موضع بالبصرة، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي) الفاء للتعليل، فالجملة تعليل للأمر بإتمام الصفوف، فكأنه يقول لهم: إنما أمرتكم بذلك؛ لأني تحقّقت منكم خلافه، وقد تقدّم قريبًا المعنى المراد من هذه الرؤية، وأن الصواب أنها رؤية
стр. 5637
حقيقيّة، خلافًا لمن زعم أن المراد بها خلق علم ضروريّ له بذلك، ونحو ذلك، قال ابن المنيّر ﵀: لا حاجة إلى تأويلها؛ لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة، وقال القرطبيّ ﵀: بل حملها على ظاهرها أولى؛ لأنه زيادة في كرامة النبيّ ﷺ (١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٢] (٤٣٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: "أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّم هذا الإسناد بعينه قبل أربعة أبواب.
وقوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. . . إلخ) فاعل "قال" ضمير همّام، واسم الإشارة إلى كتاب مجموع من أحاديث، وهي الصحيفة المشهورة بصحيفة همّام بن منبّه، رواها عبد الرزاق، عن معمر، عنه، ثم رواها أصحاب الكتب الستّة عن أصحاب عبد الرزاق، وقد تقدّم بيانها غير مرّة.
وقوله: (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) أي ذكر أبو هريرة ﵁ أحاديث كثيرة، ويحتمل أن يكون الضمير لهمّام.
وقوله: (مِنْهَا: وَقَالَ. . . إلخ) الجارّ والمجرور خبر مقدّم، و"قال" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ) هكذا بإفراد "الصفّ"، والمراد الجنس، أي سوّوه، وعدّلوه، وتراصّوا فيه.
стр. 5638
وقوله: (فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ) قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" مترجمًا على هذا الحديث: "بابٌ إقامةُ الصّفّ من تمام الصلاة"، ثم أورده، قال ابن رُشيد: إنما قال البخاريّ في الترجمة: "من تمام الصلاة"، ولفظ الحديث "من حسن الصلاة"؛ لأنه أراد أن يُبيّن أنه المراد بالحسن هنا، وأنه لا يُعْنَى به الظاهر المرئيّ من الترتيب، بل المقصود منه الحسن الحكميّ بدليل حديث أنس، يعني الحديث الذي قبله، حيث عبّر فيه بقوله: "من إقامة الصلاة" (١). انتهى (٢)، وتمام شرح الحديث تقدّم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٢] (٤٣٥)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٢٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٢٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦٩).
[تنبيه]: حديث أبي هريرة ﵁ هذا مختصر عند المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا، فقال:
(٧٢٢) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصفّ في الصلاة، فإن إقامة الصفّ من حسن
стр. 5639
الصلاة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٣] (٤٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٢ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ (١) الْغَطَفَانِيُّ) (٢) واسم أبيه رافع الأشجعيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨.
٣ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِير) بن سَعْد بن ثَعْلَبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ بالمدنيّ، ثم سكن الشام، ثم وَلِي إِمْرة الكوفة، ثم قُتِل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة (ع) تقدّم في "الإيمان" ٩٧/ ٥٢٢.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه منَ سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم؛ لاختلاف صيغ الأداء، فأبو بكر قال: حدّثنا غندر، فذكره بلقبه، وقال: "عن شعبة"، وأما ابن المثنّى وابن بشّار فقالا: حدّثنا
стр. 5640
محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، فذكراه باسمه، وصرّحا بتحديث شعبة له.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، غير أبي بكر، فكوفيّ، كالباقين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي: عمرو، عن سالم، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: "عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبِ) بن أوس بن خالد الذُّهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٥١) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ) ﵄ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا) أي يعَدِّلها بيده، أو بأمره (حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا) أي بالصفوف (الْقِدَاحَ) -بكسر القاف، وتخفيف الدال- جمع قِدْحٍ -بكسر، فسكون- وهو خَشَبُ السهام حين تُنْحَتُ وتُبْرَى، قال الخطّابيّ ﵀ في
стр. 5641
"المعالم": القِدْحُ: خشب السهم إذا بُري، وأُصلح قبل أن يركّب فيه النَّصْلُ والرِّيش. انتهى (١). وقيل: هو السهم مطلقًا.
والمعنى: أنه يبالغ في تسوية الصفوف حتى تصير كأنما يُقَوَّم بها السهام؛ لشدة استوائها واعتدالها، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: "الْقِدْح" بالكسر: السهم قبل أن يُرَاش، ويُرَكَّبَ نَصْلُهُ، وجمعه: قِدَاحٌ، وضَرْبُ المثل به ها هنا من أبلغ الأشياء في المعنى المراد منه؛ لأن الْقِدْح لا يَصلُحُ لما يُراد منه إلا بعد الانتهاء في الاستواء، وإنما جُمع مع الغُنية عنه بالمفرد لمكان الصفوف، أي يسوّي كلّ صفّ على حِدَته كما يُسوّي الصانع كلَّ قِدْحٍ على حِدَتِهِ، ورُوعِيَ في قوله: "يُسوّي بها القداح" نكتةٌ؛ لأن الظاهر أن يقال: كأنما يسوّيها بالقِدَاح، والباء للآلة، كما في قولك كتبتُ بالقلم، فعَكَسَ، وجَعَل الصفوف هي التي يُسوَّى بها القِدَاح؛ مبالغة في استوائها. انتهى (٣).
وفي رواية لأحمد في "مسنده" (٤/ ٢٧٢): "كان يسوّينا في الصفوف، حتى كأنما يُحاذي بنا الْقِدَاح"، وفي رواية له (٤/ ٢٧١): "يقيم الصفوف كما تقام الرماح، أو الْقِدَاح"، وفي رواية له (٤/ ٢٧٧)، وابن ماجه (٩٩٤): "يُسوّي الصفّ حتى يَجعله مثلَ الرُّمْح، أو الْقِدْحِ".
(حَتَّى رَأَى) أي عَلِم النبيّ ﷺ (أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ) أي فَهِمنا التسوية التي أرادها منّا، وقال الطيبيّ ﵀: يعني أنه لم يبرح صفوفنا حتى استوينا استواء أراده منّا، وتعقّلنا عنه فعله. انتهى.
(ثُمَّ خَرَجَ) أي من بيته إلى المسجد ليصلّي بالناس (يَوْمًا، فَقَامَ) أي في محلّ إمامته (حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ) الغالب في خبر "كاد" أن يكون مضارعًا، وأن يُجرّد من "أن"، كما قال في "الخلاصة":
كَـ "كَانَ" "كَادَ" وَ"عَسَى" لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ "عَسَى" … نَزْرٌ وَ"كَادَ" الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
стр. 5642
والمعنى: حتى قرُب تكبيره ﷺ للإحرام.
(فَرَأَى رَجُلًا) لم يُذكر اسمه (بَادِيًا) أي ظاهرًا خارجًا (صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ) أي من صُدُور أهل الصفّ، وفي رواية لأحمد، وأبي داود: "حتى إذا ظَنّ أنا قد أخذنا ذلك عنه، وفهمناه، أقبل ذات يوم بوجهه، فإذا رجل مُنْتَبِذٌ بصدره. . . "، وفي رواية لأحمد: "فلما أراد أن يكبّر رأى رجلًا شاخصًا صدره. . . "، وفي رواية له، وابن ماجه: "فرأى صدر رجل ناتئًا" يعني مرتفعًا بالتقدّم على أصحابه (١).
(فَقَالَ) ﷺ ("عِبَادَ اللَّهِ) منصوب على النداء بحذف حرف النداء، وهو جائز في سعة الكلام، كما قال في "الخلاصة":
وَغَيْرُ مُضْمَرٍ وَمَنْدُوبٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وقال الحريريّ ﵀ في "مُلْحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
(لَتُسَوُّنَّ) -بفتح اللام، وضم التاء المثناة، وفتح السين، وضم الواو المشددة، وتشديد النون- ووقع في "صحيح البخاريّ" في رواية المستملي: "لَتُسَوُّون" بواوين، قال البيضاويّ: هذه اللام هي التي يُتَلَقَّى بها القسم، والقسم هنا مقدَّر، ولهذا أكده بالنون المشددة. انتهى. وقد صرّح بالقسم في رواية لأبي داود، ولفظه: "واللَّه لتقيمنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ بين قلوبكم" (صُفُوفَكُمْ) بالنصب على المفعوليّة لـ "تُسوّنّ"، والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سَمْتٍ واحد، أو يراد بها سَدّ الخلل الذي في الصفّ (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) أي إن لم تُسَوُّوا. قال البيضاويّ: "أو" للعطف، رَدّد بين تسويتهم الصفوف، وما هو كاللازم لنقيضها، وقال الطيبيّ: إن مثل هذا التركيب متضمّن للأمر توبيخًا وتهديدًا، أي ليكن أحد الأمرين: إما تسوية الصفوف، أو أن يُخالف اللَّه تعالى بين وجوهكم. انتهى (٢).
قال النوويّ ﵀: قيل: معناه: يمسخها، ويُحَوِّلها عن صورها؛
стр. 5643
لقوله ﷺ : "يَجعل اللَّه تعالى صورته صورة حمار"، وقيل: يُغَيِّرُ صفاتها، والأظهر -واللَّه أعلم- أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، كما يقال: تَغَيَّر وجه فلان عليّ: أي ظهر لي من وجهه كراهة لي، وتَغَيَّر قلبه عليّ؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. انتهى.
وقال في "الفتح": اختُلِف في الوعيد المذكور، فقيل: هو على حقيقته، والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضعَ القفا، أو نحو ذلك، فهو نظير ما تقدَّم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة.
قال: ويؤيد حمله على ظاهره حديثُ أبي أمامة ﵁: ("لَتُسَوُّنَّ الصفوفَ، أو لَتُطْمَسَنّ الوجوه"، أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف، ولهذا قال ابن الجوزيّ: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية [النساء: ٤٧].
ومنهم من حمله على المجاز، قال النوويّ: معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، كما تقول: تَغَيَّر وجه فلان عليّ: أي ظهر لي من وجهه كراهيةٌ؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، ويؤيِّده رواية أبي داود وغيره بلفظ: "أو ليخالفَنّ اللَّه بين قلوبكم". انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا داعي لدعوى المجاز، فالحقّ حمله على ظاهره، من تحويل خلق وجهه إلى خلق آخر، ولا ينافيه ما في أبي داود؛ إذ يمكن الجمع بين العقوبتين، أو بعقوبة بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: معناه: تفترقون فيأخذ كلّ واحد وجهًا غير الذي أخذ صاحبه؛ لأن تقدّم الشخص على غيره مَظِنَّةُ الكبر الْمُفْسِد للقلب، الداعي إلى القطيعة.
стр. 5644
والحاصل أن المراد بالوجه: إن حُمِل على العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية، أو الصفة، أو جَعْلِ القدام وراء، وإن حُمِل على ذات الشخص، فالمخالفة بحسب المقاصد، أشار إلى ذلك الكرمانيّ.
ويَحْتَمِل أن يراد بالمخالفة في الجزاء، فيُجازي الْمُسَوِّي بخير، ومن لا يُسَوّي بشرّ. انتهى.
قال الجامع: هذا احتمال بعيد، فالصواب حمله على الحقيقة، كما سبق، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير ﵄ متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٣ و ٩٨٤ و ٩٨٥] (٤٣٦)، (والبخاريّ) في "الأذان" (٧١٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٦٣ و ٦٦٥)، و (الترمذيّ) فيها (٢٢٧)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٨٩)، و (ابن ماجه) فيها (٩٩٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٩١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٢٩)، و (أبو بكر بن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٠٨)، و (عليّ بن الجعد) في "مسنده" (٥٨١) (١/ ٣٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٧٢ و ٢٧٦ و ٢٧٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢١ و ٣/ ١٠٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨١٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٦٥ و ٢١٧٥ و ٢١٧٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧٨ و ١٣٧٩ و ١٣٨٠ و ١٣٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٠ و ٩٧١ و ٩٧٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): حرص النبيّ ﷺ على تسوية الصفوف، وشدّة اهتمامه بها، حتى يقوم بنفسه حقّ القيام.
٢ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على تسويتها.
٣ - (ومنها): جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة، قال
стр. 5645
النوويّ ﵀: وهذا مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، ومنعه بعض العلماء، والصواب الجواز، وسواء كان الكلام لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أنه دليلٌ على أن تسوية الصفُوف واجبة، وأن التفريط فيها حرام؛ لأن هذا الأمر المقرون بالوعيد، وأمثاله لا يكون إلا على ترك واجب، وهذا هو القول الصحيح المختار، كما تقدّم البحث فيه مستوفًى قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ (ح) وَحَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) بن سليمان الْبَجَليّ الْقَسْريّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ -بضمّ الموحّدة- الْحَصّار، ويقال: الْخَشّاب، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٠) أو (٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
стр. 5646
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) يعني أن أبا الأحوص، وأبا عوانة حدّثا بإسناد سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير ﵄ نحو حديث أبي خيثمة عنه.
[تنبيه]: رواية أبي الأحوص هذه ساقها الإمام النسائيّ ﵀، فقال:
(٨١٠) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: أنبأنا أبو الأحوص، عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُقَوِّم الصفوف، كما تُقَوَّم الْقِدَاح، فأبصر رجلًا خارجًا صدره من الصفّ، فلقد رأيت النبيّ ﷺ يقول: "لَتُقِيمُنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم". انتهى.
وأما رواية أبي عوانة، فقد ساقها الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه"، فقال:
(٢١٠) حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُسَوِّي صفوفنا، فخَرَجَ يومًا، فرأى رجلًا خارجًا صدره عن القوم، فقال: "لتسَوُّنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٦] (٤٣٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبل حديث.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام
стр. 5647
دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في "الصلاة" ١٨/ ٩١٨.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سُمَيٍّ) بضم أوله، بصيغة التصغير (مَوْلَى أَبِى بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الميم: نسبة إلى بيع السَّمْنَ، أو حمله من محلّ إلى محلّ آخر، ويقال له: الزّيّات؛ لأنه كان يجلُب السمن والزيت إلى الكوفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) أي لو عَلِمُوا، فَوَضَع المضارع موضع الماضي؛ ليُفيد استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون على بالٍ (مَا فِي النِّدَاءِ) أي الأذان، قال في "الفتح": وهي رواية بِشْر بن عُمَر، عن مالك عند السّرّاج.
стр. 5648
قال في "العمدة": الفرق بين النداء والأذان أن لفظة الأذان والتأذين أخصّ من لفظ النداء لغةً وشرعًا، والفرق بين الأذان والتأذين، أن التأذين يتناول جميع ما يصدُر من المؤذن من قول وفعل وهيئة ونية، وأما الأذان فهو حقيقةٌ تُعْقَلُ بدون ذلك. انتهى (١).
(وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ) زاد أبو الشيخ في رواية له، من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: "من الخير والبركة"، والتقدير: لو يعلم الناس ما في الصف الأول، وقال الطيبيّ ﵀: أَطْلَق مفعول "يَعْلَم"، وهو كلمة "ما"، ولم يُبَيِّن الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد بُيِّنت في الرواية الأخرى: "بالخير والبركة"، قاله في "الفتح" (٢).
[تنبيه]: اختُلف في المراد بالصفّ الأول، فقيل: ما يلي الإمام مطلقًا، وهو الأصحّ، وقيل: أول صفّ تامّ يلي الإمام، لا ما تخلّله شيء، كمقصورة، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة، ولو صلّى في آخر الصفوف، وهذا ضعيفٌ.
وقال النوويّ ﵀: الصف الأول الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله، والحثّ عليه هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا، أو متأخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا، هذا هو الصحيح الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون، وقال طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا يتخلله مقصورة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر، وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أوّلًا، وإن صلّى في صف متأخر، وهذان القولان غلطٌ صريحٌ، وإنما أذكره ومثله لأُنَبِّه على بطلانه؛ لئلا يغتر به.
стр. 5649
انتهى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) أي للتمكّن من النداء والصفّ الأول، ووقع عند البخاريّ في رواية المستملي، والحمويّ: "ثم لا يجدون"، وحَكَى الكرمانيّ أن في بعض الروايات: "ثم لا يجدوا"، ووجّهَهُ بجواز حذف النون تخفيفًا، قال الحافظ: ولم أقف على هذه الرواية (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي يقترعوا، من الاستهام، وهو الاقتراع، يقال: استهموا، فسَهَمَهم فلانٌ سَهْمًا: إذا أقرعهم، وقال صاحب "العين": القُرْعة مثالُ الظُّلْمة: الاقتراع، وقد اقتَرَعوا، وتقارعوا، وقارعته فقرعته: أي أصابتني القُرْعة دونه، وأقرعت بينهم: إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضًا، والأول أصوب، ذكره ابن التيانيّ في "الموعب"، وفي "التهذيب" لأبي منصور، عن ابن الأعرابيّ: القرع، والسبق، والندب: الخطر الذي يَستِبق عليه.
والمعنى: لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية إلا بالاقتراع، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت، وحسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وتكملاته، وأما في الصف الأول فبأن يَصِلُوا دفعةً واحدةً، ويستووا في الفضل، فيُقْرَع بينهم، إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين (٢).
وقال النوويّ ﵀: معناه: أنهم لو عَلِمُوا فضيلة الأذان، وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه به؛ لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، لاقترعوا في تحصيله، ولو يعلمون ما في الصفّ الأول من الفضيلة نحو ما سبق، وجاءوا إليه دفعةً واحدةً، وضاق عليهم، ثم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه. انتهى (٣).
стр. 5650
وقال الطيبيّ ﵀: المعنى: لو عَلِموا ما في النداء، والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق إليه لوجب عليهم ذلك، فوضعَ المضارع موضع ما يستدعيه "لو"؛ ليفيد استمرار العلم، وأنه ينبغي أن يكون على بال منه، ثم أتى بـ "ثُمَّ" الْمُؤْذِنةِ بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقَدَّم ذكرَ النداء؛ دلالةً على تَهَيُّؤ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو الْمُثُول بين يدي رب العزة، فيكون من المقرّبين، وأَطْلَقَ مفعول "يَعْلَم" يعني "ما"، ولم يُبيّن أن الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الحصر والوصف، وكذا تصوير حالة الاستباق بالاستهام فيه من المبالغة البالغة حَدَّها؛ لأنه لا يقع إلا في أمر يَتنافس فيه المتنافسون، ويَرْغب فيه الراغبون، ولا سيّما إخراجه مخرج الاستثناء والحصر، وليت شعري بماذا يتشبّث، ويَتَمسّك مَن طَرَقَ سمعَه هذا البيان، ثم يتقاعد عن الجماعة خصوصًا عن الاستباق إلى الصفّ الأول؟ ولعلّه يعتذر بأنه خارج من زمرة من سَمِع وأطاع. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١)، وهو بحث مفيدٌ.
قال في "الفتح": واستَدَلَّ به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر؛ لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام؛ لما فيه من المزية.
وزَعَمَ بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أُخْرِج مخرج المبالغة، واستَأْنَسَ بحديث لفظه: "لتجالدوا عليه بالسيوف"، لكن الأول أظهر، وأقرب، كما بيّنته رواية المصنّف من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة الآتية بلفظ: "لكانت قُرْعَةً"، وهذا هو الذي فهمه البخاريّ ﵀ حيث قال: "باب الاستهام في الأذان"، ثم استشهد على ذلك بقصّة سعد بن أبي وقّاص ﵁، وهو ما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ كلاهما من طريق أبي
стр. 5651
عبيد، عن هشيم، عن عبد اللَّه بن شبرمة، قال: تشاحّ الناس في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم، وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في "الفتوح"، والطبريّ من طريقه عنه، عن عبد اللَّه بن شُبْرُمة، عن شقيق، وهو أبو وائل، قال: افتتحنا القادسيّة صدر النهار، فتراجعنا، وقد أُصيب المؤذن، فذكره، وزاد: "فخرجت القرعة لرجل منهم، فأذّن" (١).
وقوله: (عَلَيْهِ) أي على ما ذُكِرَ؛ لِيَشْمَل الأمرين: الأذان، والصف الأول، وقال ابن عبد البر: الهاء عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وهو حقّ الكلام؛ لأن الضمير يعود لأقرب مذكور، ونازعه القرطبيّ، وقال: إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا لا فائدة له، قال: والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] أي جميع ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله القرطبيّ أولى؛ لأنه تؤيّده رواية عبد الرزاق له، عن مالك، بلفظ: "لاستَهَموا عليهما"، فقد بيّنت المراد بالضمير في هذه الرواية، فتبصّر.
وقوله: (لَاسْتَهَمُوا) جواب "لو"؛ أي لاقترعوا على ما ذُكِرَ، والاستهام: بمعنى الاقتراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١]، قال الخطابيّ، وغيره: قيل له: الاستهام؛ لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمه غَلَب. انتهى.
قال الطيبيّ ﵀: فلَمّا فرغ من الترغيب في الاستباق إلى الصفّ الأول عقّبه بالترغيب في إدراك أوّل الوقت، ولذا أوجب أن يفسّر التهجير بالتبكير، كما ذهب إليه الكثيرون (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي التبكير إلى الصلاة، قاله الهرويّ، وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتقّ من الهاجرة، وهي شدّة الحرّ
стр. 5652
نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال البخاريّ، ولا يَرِدُ على ذلك مشروعية الإبراد؛ لأنه أريد به الرفق، وأما مَن تَرَك قائلته، وقَصَد إلى المسجد؛ لينتظر الصلاة، فلا يخفى ما له من الفضل، قاله في "الفتح" (١).
وقال الطيبيّ ﵀: التهجير: التبكير إلى كلّ شيء، والمبادرة إليه، يقال: هَجَّرَ تهجيرًا، فهو مُهَجِّرٌ، وهي لغة حجازيّة، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، ومنه حديث الجمعة: "فالمهجِّر إليها كالمهدي بَدَنَةً".
قال: لا يقال: الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير، والسعي إلى الجماعة بالظهيرة؛ لأنا نمنع ذلك، فإن كثيرًا من أصحابنا حملوا الأمر به على الرخصة، فعلى هذا يكون الإبراد رخصةً، والتهجير سنّةً، ومن حَمَل ذلك على الندب، فله أن يقول: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظلّ، ولا يخرج بذلك عن حدّ التهجير، فإن الهاجرة تُطلق على الوقت إلى أن يقرُب العصر. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح تفسير الهرويّ بأن التهجير هو التبكير في أول الوقت مطلقًا، والمراد به أول الوقت المستحبّ، فالتهجير في صيف الظهر يكون بعد الإبراد، أي في أول دخول البرودة، فلا منافاة بين التهجير، وبين الأمر بالإبراد، وهذا الذي رجّحته هو الذي قاله المجد في "القاموس"، ونصّه: والتهجير في قوله ﷺ : "الْمُهَجِّر إلى الجمعة كالمهدي بَدَنَةً"، وفي قوله: "ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه" بمعنى التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ في أوائل أوقاتها، وليس من الهاجرة.
وقال قبل ذلك: والْهَجِيرُ، والهَجِيرةُ، والْهَجْرُ، والهاجرةُ: نصفُ النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يَسْتَكِنُّونَ في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وشِدّةُ الحرّ، وهَجَّرْنا تهجيرًا، وأهجرنا، وتهَجَّرنا: سِرْنا في الهاجرة. انتهى (٣).
стр. 5653
وقال في "اللسان" نقلًا عن الأزهريّ: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من المهاجرة وقت الزوال، قال: وهو غلطٌ، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير، والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسَمِعتُ الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، يقال: هَجَّرَ يُهَجِّرُ تَهْجِيرًا، فهو مُهَجِّرٌ، قال الأزهريّ: وهذا صحيحٌ، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد [من البسيط]:
رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا
فقَرَنَ الهجر بالابتكار، قال: وقوله ﷺ : "لو يَعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه" أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها.
قال الأزهريّ: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجل: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالْهَجِير، وبالْهَجْرِ. انتهى (١).
فتبيّن بهذا أن إطلاق التهجير على التبكير المطلق، وهو المبادرة إلى الشيء أول وقته لغة ثابتة، فلا داعي أن يقال: إن هذا الحديث يعارض حديث الأمر بالإبراد في الظهر؛ إذ المراد المبادرة إلى الظهر أو غيره أول الوقت المستحبّ، فالتبكير في صيف الظهر يكون مع الإبراد، أي أن يذهب مبكّرًا بعد أن يُبرِد، ويذهب شدّة الحرّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) أي إلى التهجير، قال ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنًى لا حِسًّا بأن يَسْبِق غيره في الحضور إلى الصلاة؛ لأن المسابقة على الأقدام حسًّا تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوع منه. انتهى.
(وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ) أي من مزيد الفضل، و"الْعَتَمَةُ" بفتحات: هي صلاة العشاء، يعني لو يعلمون ما في ثواب أدائها، وأداء الصبح (لَأَتَوْهُمَا) أي الصلاتين، و"أتى" بالقصر ثلاثيّ، يقال: أتى الرجلُ يأتي أَتْيًا، من باب ضرب: جاء، والاسم الإتيان، وأتيته يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، قال الشاعر:
стр. 5654
فَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أَتْي الْعَسْكَرِ
وأتا يأتو أَتْوًا لغةٌ، قاله الفيّوميّ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: المناسب هنا المتعدّي؛ لأنه عَمِلَ في ضمير المثنّى، فتنبّه.
والمراد لأتوا المحلّ الذي يُصلَّيان فيه جماعةً، وهو المسجد، وإنما خُصّتا بهذا؛ لأنهما في وقت النوم والغفلة، والكسل عن العبادة، فحُثَّ عليهما؛ لكونهما مظنّة التفويت، أفاده القاري (٢).
(وَلَوْ حَبْوًا") أي ولو كانوا حابين، من حَبَى الصبيّ: إذا مَشَى على أربع، قاله صاحب "المجمل"، ويقال: إذا مشى على يديه، أو ركبتيه، أو اسْتِهِ.
أي يزحفون إذا منعهم مانع من المشي كما يَزْحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء ﵁: "ولو حَبْوًا على المرافق والرُّكَب"، قاله في "الفتح" (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٦] (٤٣٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦١٥ و ٦٥٤ و ٧٢١) و"الشهادات" (٢٦٨٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٢٥ و ٢٢٦)، و (النسائيّ) فيها (١/ ٢٦٩ و ٢/ ٢٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٦٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٦ و ٢٧٨ و ٣٠٣ و ٣٧٤ و ٣٧٥ و ٥٣٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٥٩ و ٢١٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٢٨ و ١٠/ ٢٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٧٠ و ١٣٦٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٣)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5655
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة الأذان، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في أبوابه.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة الصفّ الأول، والقرب من الإمام؛ لاستماع القرآن إذا جهر، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقب تكبيره، وأيضًا يَحْتَمِل أن يحتاج الإمام إلى استخلاف عند الحاجة، فيكون هو خليفته، فحصل له بذلك أجر عظيم، أو يضبط صفة الصلاة، وينقلها ويعلمها الناس، وسيأتي في الباب قوله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أولها".
وأخرج الدارميّ بسند صحيح، عن عرباض بن سارية ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ كان يستغفر للصف الأول ثلاثًا، وللصف الثاني مرةً".
وأخرج أبو داود بسند صحيح، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم اللَّه في النار".
وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن البراء بن عازب ﵄ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية، يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، وكان يقول: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة".
وأخرج الطبرانيّ بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف الأول".
وعند ابن حبان عن البراء عن عازب ﵄: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف الأول"، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): بيان جواز تسمية العشاء عَتَمَةً، وقد ورد النهي عن تسميتها بها، فقد أخرج المصنّف عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تَغْلِبَنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب اللَّه العشاء، وإنها تُعْتِم بحلاب الإبل".
وقد جمع العلماء بينهما بوجهين:
(أحدهما): أن النهي للتنزيه، لا للتحريم.
(والثاني): وهو الأظهر، أن استعمال العتمة هنا لمصلحة، ونفي مفسدة؛
стр. 5656
لأن العرب كانت تستعمل لفظة العشاء في المغرب، فلو قال: "لو يعلمون ما في العشاء والصبح" لحملوها على المغرب، ففسد المعنى، وفات المطلوب، فاستَعْمَل العتمة التي يعرفونها، ولا يَشُكُّون فيها، وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخفّ المفسدتين لدفع أعظمهما (١).
وسيأتي تمام البحث في هذا عند شرح الحديث المذكور برقم (٦٤٤) -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان فضيلة التبكير إلى الصلاة في أول وقتها المستحبّ.
٥ - (ومنها): الحثّ على حضور صلاتي العشاء والصبح في المساجد، وبيان ما في ذلك من الفضل الكثير؛ وذلك لما فيهما من المشقّة على النفس بتنقيص أول النوم وآخره، ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين، فقد أخرج أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاةُ العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا".
٦ - (ومنها): مشروعيّة الاقتراع في الحقوق التي يُزدَحم عليها، ويُتنازع فيها.
٧ - (ومنها): أن الصف الثاني أفضل من الثالث، والثالث أفضل من الرابع، وهلُمّ جَرًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٧] (٤٣٨) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: "تَقَدَّمُوا، فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّه").
стр. 5657
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) تقدّم في الباب.
٢ - (أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السَّعْديّ الْعُطَارديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦] (ت ١٦٥) عن (٩٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٠.
٣ - (أَبُو نَضْرَةَ الْعَبْدِيُّ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَوَقيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥ وقيل: ٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٥١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وشيخه أُبُلّيّ نسبة إلى قرية بالبصرة.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى) هي هنا بصريّة، فلذا تعدّت إلى مفعول واحد، وهو قوله: "تأخّرًا"، وقوله: (فِي أَصْحَابِهِ) متعلّق بـ "رأى"، والظاهر أن المراد بعضهم (تَأَخُّرًا) أي عن الصفّ الأول، وفي الرواية التالية: "رأى رسول اللَّه ﷺ قومًا في مؤخَّر المسجد. . . "، ولعلّهم إنما تأخّروا لأنهم لما سمعوا قوله ﷺ : "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى" رأوا في أنفسهم قُصورًا عن هذه المرتبة، فتأخروا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "رأى تأخّرًا في أصحابه" يَحْتَمِلُ أن يراد به التأخّر في صفوف الصلاة، والتأخّر عن أخذ العلم، فعلى الأول المعنى: ليَقِف العلماء والألبّاء من دونهم في الصفّ الثاني يقتدون بالصفّ الأول ظاهرًا لا حكمًا، وعلى الثاني المعنى: ليتعلّم كلُّكم منّي العلم، وأحكام الشريعة،
стр. 5658
وليتعلّم التابعون منكم، وكذلك من يلونهم قرنًا بعد قرن إلى انقضاء الدنيا، هذا تلخيص كلام المظهر. انتهى (١).
(فَقَالَ) النبيّ ﷺ (لَهُمْ: "تَقَدَّمُوا) أي إلى الصفّ الأول (فَأْتَمُّوا بِي) أي اقتدوا بأفعالي في الصلاة (وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) بفتح ميم "من"، وهي موصولة مفعول "يأتمّ"، والظرف صلتها، أي ليقتد بكم الصفّ الذي يليكم.
قال القاضي عياضٌ ﵀: وقد يحتجّ بظاهره الشعبيّ من جواز الائتمام بالمأموم، وأن كلّ صفّ منهم إمام لمن وراءهم حتى لو دخل داخلٌ والإمام قد رفع رأسه من الركعة، والناس معه، فإن كان الصفّ الذي يلي الداخل لم يرفعوا رؤوسهم حتى ركع هذا الداخل أدرك الركعة؛ لأن بعضهم أئمة بعض، وعامّة الفقهاء لا يقولون بها، وهذا الحديث إنما جاء في ذمّ التأخّر، وأنهم إذا تأخّروا لم يعلموا ما حَدَثَ في الصلاة، ولا يتنبّه بعضهم لفعل الإمام بفعل بعض.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكون قوله: "تقدّموا، فائتمّوا بي" يريد أهل وقته، ويأتمّ بكم من بعدكم فيما أخذتم به من سُنّتي، وتعلّمتموه عنّي، فحضّهم على التقدّم ليتحقّقوا الاقتداء به في جميع أفعاله وأقواله، ومشاهدة هيئاته في الصلاة وآدابه، وذلك لا يصحّ مع التأخّر. انتهى كلام القاضي ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: تمسّك بظاهره الشعبيّ على قوله: إن كلّ صفّ منهم إمام لمن وراءه، وعامّة الفقهاء لا يقولون بهذا؛ لأن الكلام مجمل؛ لأنه مُحْتَمِلٌ لأن يُراد به الاقتداء في فعل الصلاة، ولأن يُراد به في نقل أفعاله وأقواله وسنّته كي يُبلّغوها غيرهم، والشعبيّ دَفَعَ دعوى الإجمال، وتمسّك بالظاهر منه. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": ظاهره يدلّ لمذهب الشعبيّ ﵀، وأجاب النوويّ: بأن معنى: "وليأتمّ بكم مَنْ بَعْدَكم" أي يقتدوا بي مستدلّين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه، ولا يسمعه
стр. 5659
على مُبَلّغٍ عنه، أو صَفٍّ قُدّامه يراه متابعًا للإمام، وقيل: معناه: تعلّموا منّي أحكام الشريعة، وليتعلّم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا. انتهى (١).
(لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ) أي عن الصفوف الأُوَل (حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّه") أي عن رحمته، وعظيم فضله، ورفيع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال الطيبيّ ﵀ بعد ذكر كلام النوويّ المذكور ما نصّه: جاء في حديث عائشة ﵂: "حتى يؤخّرهم اللَّه في النار"، ومعناه: لا يزال يؤخّرهم عن رحمته وفضله حتى تكون عاقبة أمرهم إلى النار. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قيل: هذا في المنافقين، ويَحْتَمِلُ أن يراد به أن اللَّه يؤخّرهم عن رتبة العلماء المأخوذ عنهم، أو عن رتبة السابقين. انتهى (٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى تفسير التأخير المذكور في هذا الحديث بالتأخير في النار، كما فسّره حديث عائشة ﵂ المذكور، وخير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، والحديث أخرجه أبو داود في "سننه" (٦٧٩) بسند صحيح، عنها، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم اللَّه في النار"، وفي رواية لأحمد في "مسنده": "حتى يؤخّرهم اللَّه يوم القيامة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: هذا الحديث علّقه الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
стр. 5660
ويُذكَر عن النبيّ ﷺ : "ائتمّوا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم"، قال في "الفتح": قيل: إنما ذكره البخاريّ بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه؛ لضعف فيه، قال: وهذا ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحّة، والحقّ أن هذه الصيغة لا تختصّ بالضعيف، بل قد تُستَعمَل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تُستَعْمَل إلا في الصحيح. انتهى (١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٧ و ٩٨٨] (٤٣٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٧٩ و ٦٨٠)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٨٣) وفي "الكبرى" (١/ ٢٨٤)، و (ابن ماجه) فيها (٩٧٨)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢/ ٥٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٨٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١٠٧١٥ و ١٠٨٦٢ و ١١٠٨٧)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٢٧٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٣٢٧ و ٤٠١) و (٣/ ٢٧ و ٥١)، و (ابن الجعد) في "مسنده" (١٤٥٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٧٤ و ٩٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٠٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ التأخّر عن الصفّ الأول.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة العناية بالحثّ على المسابقة في الاقتداء به.
٣ - (ومنها): أن من تكاسل، وتهاون عن الصفوف الأُوَل يعاقبه اللَّه بتأخيره عما ينال به الأجر والثواب من الأعمال الصالحات، ويَحْرِمه من القيام بأنواع الطاعات حتى يكون منتهاه إلى النار، نسأل اللَّه تعالى أن يثبّتنا على طاعته، ويجعلنا من أهل جنّته، إنه بعباده رءوف رحيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5661
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقنديّ الإمام الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ فاضل [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ) -بفتح الراء، وتخفيف القاف، ثم شين معجمة- هو: محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الملك بن مسلم، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن أبيه، ووهيب بن خالد، ومالك، وعبد الواحد بن زياد، ومعتمر بن سليمان، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وبشر بن منصور السّليميّ، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ورَوَى مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه له بواسطة عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن رافع، وعمرو بن منصور، والحسن بن إسحاق، وهلال بن العلاء، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، وغيرهم.
قال الذُّهْليّ: كان متقنًا، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ متعبدٌ عاقلٌ، يقال: إنه كان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة (١)، وقال أبو حاتم: حدّثنا محمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ الثقة الرضيّ، وقال النسائيّ: ليس به بأس.
стр. 5662
وقال البخاريّ، وابن حبان: مات قبل سنة (٢٢٢)، وقال أبو موسى، محمد بن المثنى: مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقال غيره: مات سنة (٢١٧).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط (١).
٣ - (بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلِيميّ -بفتح السين المهملة، كسر اللام، وبعدها تحتانيّة- أبو محمد الأزديّ البصريّ، صدوقٌ عابدٌ زاهدٌ [٨].
رَوَى عن أيوب السختيانيّ، وسعيد الْجُريريّ، وعاصم الأحول، وابن جُريج، وابن عجلان، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وعبد الرحمن بن مهديّ، وفُضيل بن عياض، وبشر الحافي، وعبد الأعلى بن حماد، وشيبان بن فَرُّوخ، وعُبيد اللَّه القَوَاريريّ، ومحمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، وغيرهم.
قال ابن مهديّ: ما رأيت أحدًا أخوف للَّه منه، وكان يصلي كل يوم خمسمائة ركعة (٢)، وكان ورده ثلث القرآن، وقال القواريريّ: هو من أفضل من رأيت من المشايخ، وقال أبو زرعة: ثقةٌ مأمونٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال نصر بن علي الجهضميّ: ثبت في الحديث، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من خيار أهل البصرة، وعُبّادهم، مات بعدما عَمِي، وقال يعقوب بن شيبة: كان قد سَمِع، ولم يكن له عناية بالحديث.
قال إسماعيل بن بشر: مات أبي سنة (١٨٠)، وكذا قال البخاريّ، عن ابن المدينيّ.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (الْجُرَيْرِيُّ) -بالضمّ مصغّرًا- سعيد بن إياس أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
стр. 5663
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ) بفتح الخاء المشدّدة بصيغة اسم المفعول، قال في "المصباح": ومُؤَخَّرُ كُلِّ شيءٍ بالتثقيل والفتح: خلافُ مقدّمه. انتهى. والمعنى هنا: أي في آخر المسجد.
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) الفاعل ضمير الْجُريريّ، أي ذكر سعيد الْجُريريّ عن أبي نضرة، مثل حديث أبي الأشهب، عنه.
[تنبيه]: رواية الْجُريريّ هذه، ساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٣٨٥) حدّثنا أيوب بن إسحاق بن سافري (١)، قال: ثنا محمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، قال: ثنا بشر بن منصور، عن الْجُرَيريّ، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيد، قال: رأى رسول اللَّه ﷺ ناسًا في مُؤَخَّر المسجد، فقال: "لا يزال قوم يتأخرون، حتى يؤخرهم اللَّه، ادْنُوا مِنِّي، فائتَمُّوا بي، وليأتمّ بكم مَنْ بَعْدَكم". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٩] (٤٣٩) - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو قَطَنٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ، أَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ اَلْمُقَدَّمِ، لَكَانَتْ قُرْعَةً"، وَقَالَ ابْنُ حَرْبٍ: "الصَّفِّ الأَوَّلِ، مَا كَانَتْ إِلَّا قُرْعَةً").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِبْرَاهيمُ بْنُ دِينَارٍ) التّمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (م) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
стр. 5664
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ) النشائيّ -بالمعجمة- ويقال: النشاستجيّ، أبو عبد اللَّه الواسطيّ، صدوقٌ، من صغار [١٠].
رَوَى عن إسماعيل ابن علية، وأبي معاوية، ومحمد بن يزيد الواسطيّ، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وعبد الوهاب بن عطاء، وأبي قَطَن عمرو بن الهيثم، وعلي بن عاصم الواسطيّ، وأبي بَدْر شُجَاع بن الوليد، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن خزيمة، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال القرّاب: مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وقال ابن حبّان: مات بعد الخمسين.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعند أبي داود حديث عُبَادة: "خمس صلوات افترضهن اللَّه. . . " (١).
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو قَطَنٍ) -بفتح القاف، والطاء المهملة- هو: عمرو بن الهيثم بن قَطَن بن كعب الزُّبَيديّ الْقُطَعِيّ -بضمّ القاف، وفتح الطاء المهملة- أبو قَطَن البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن شعبة، ومالك بن مِغْوَل، ومبارك بن فَضالة، ومالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وحمزة الزّيّات، وأبي حنيفة، وسعيد بن أبي عروبة، وأبي حُرّة واصل بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، ويحيى بن معين، ويحيى بن بِشْر اللَّخْميّ، وأحمد بن مَنِيع، وعمرو الناقد، وسُرَيج بن يونس، وبُندار، وأبو ثور، وإبراهيم بن دينار التمّار، ومحمد بن حرب النشائيّ، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، وغيرهم.
قال الربيع بن سليمان، عن الشافعيّ: ثقة، وقال أبو داود، عن أحمد:
стр. 5665
ما كان به بأسٌ، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه، قال: قال أبو قطن، وكان ثبتًا: ما أعرت أحدًا كتابي قطّ، وقال إبراهيم الحربيّ: ثنا عنه أحمد يومًا، فقال له رجل: إن هذا تَكَلَّم بعدكم في القدر، فقال أحمد: إن ثُلُث أهل البصرة قدريّة، وقال عبد اللَّه بن أحمد: قلت لأبي: أيما أحب إليك، أبو قَطَن، أو عبد الوهاب الْخَفّاف في سعيد بن أبي عروبة؟ فقال: الخفاف أقدم سماعًا، وقال ابن المدينيّ: ثقةٌ من الطبقة الرابعة من أصحاب شعبة، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سئل عنه أبو زرعة، فذكره بجميل، وقال أبو حاتم: صدوقٌ صالحٌ، وقال صالح بن محمد البغداديّ: ثقةٌ، وقال عبد المؤمن بن خَلَف النسفيّ: سألت أبا عليّ صالح بن محمد، عن أبي قطن؟ فقال: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره مسلم بن الحجاج في الطبقة الثانية من ثقات أصحاب شعبة، مع وكيع، ويزيد بن هارون، وغيرهما.
وقال ابن حبّان: مات بعد المائتين، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وفيها أرَّخه ابن سعد، عن الواقديّ، وزاد: في شعبان، وهو ابن (٧٧) سنةً.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٣٩)، وحديث في الدعاء برقم (٢٧٢٠).
٤ - (خِلَاس) -بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام- ابن عمرو الْهَجَريّ -بفتحتين- البصريّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن عليّ، وعمار بن ياسر، وعائشة، وأبى هريرة، وابن عباس، وأبي رافع الصائغ، وغيرهم.
وروى عنه قتادة، وعوف الأعرابيّ، وجابر بن صُبْح، وداود بن أبي هند، وجماعة.
قال إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجَانيّ، عن أحمد بن حنبل: روايته عن عليّ من كتاب، قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان يحيى بن سعيد يتوقى أن يُحَدِّث عن خِلاس، عن عليّ خاصةً، وأظنه حدّثنا عنه بحديث، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ ثقةٌ، قيل: سَمِع من عليّ؟ قال: لا، قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: لم يسمع خِلاس من
стр. 5666
أبي هريرة شيئًا، وقال في موضع آخر: خِلاس لم يسمع من حذيفة، وقال أيضًا: كانوا يخشون أن يكون خِلاس يُحَدِّث عن صحيفة الحارث الأعور، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن خِلاس، سمع من عليّ؟ فقال: كان يحيى بن سعيد يقول: هو كتاب، وقد سمع من عمّار وعائشة، وابن عباس، وقال أبو حاتم: يقال: وقعت عنده صُحُف عن عليّ، وليس بقويّ، وقال ابن سعد: كان قديمًا كثير الحديث، له صحيفة يُحَدِّث عنها، وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحةٌ، ولم أر بعامّة حديثه بأسًا، حديثه في "صحيح البخاري" مقرون بغيره، وقال البخاريّ في "تاريخه": رَوَى عن أبي هريرة، وعليّ ﵄ صحيفةً، وقال أبو طالب: سألت أحمد: سَمِع خِلاس من عُمَر؟ فقال: لا، وقال عبد اللَّه بن أحمد في "العلل": قال يحيى بن سعيد: لم يسمع من عمر، ولا من عليّ، وقال الْجُوزجانيّ، والعقيليّ: كان على شُرْطة عليّ، وقال العجليّ: بصريّ، تابعيّ، ثقةٌ، وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: كان أبوه صحابيًّا، وما كان من حديثه عن أبي رافع، عن أبي هريرة احتُمِل، وأما عن عثمان، وعليّ فلا، وذكر محمد بن نصر في "كتاب الوتر" أنه قال: سألت عمار بن ياسر.
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: مات خِلاس قبيل المائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني واسطيّ، والصحابيّ مدنيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع.
стр. 5667
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ، أَوْ) للشكّ من الراوي، شكّ في قوله: "لو تعلمون" بالتاء المثنّاة الفوقانيّة، أو (يَعْلَمُونَ) بالياء التحتانيّة (مَما) موصولة مفعول "تعلمون" (فِي الصَّفَ الْمُقَدَّمِ) بصيغة اسم المفعول، أي الأوّل، يعني لو تعلمون أيها المخاطبون، أو يعلم المسلمون ما في الصفّ الأول من الفضل الجسيم، والأجر العظيم (لَكَانَتْ قُرْعَةً") اسم "كان" ضمير يعود إلى المفهوم، أي لكانت الخصلة الفاصلة للنزاع قُرْعةً، أو لكانت صلاة الجماعة، بالقُرعة (وَقَالَ) محمد (بْنُ حَرْبٍ) شيخه الثاني في روايته (الصَّفِّ الْأَوَّلِ) بدل قول إبراهيم بن دينار: "الصفّ اَلمقدَّم"، وقال أيضًا (مَا كَانَتْ إِلَّا قُرْعَةً) بدل قول إبراهيم: لكانت قُرْعة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: انتقد الإمام الدارقطنيّ ﵀ هذا الحديث، ودونك نصّ "العلل":
(١٦٤٢) وسئل عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: "لو تعلمون ما في الصف الأول، لكانت قرعة"؟ فقال: يرويه قتادة، واختُلِف عنه، فرواه أبو قَطَن، عن شعبة، عن قتادة، عن خِلَاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وكذلك قال يعلى بن عَبّاد، عن همام، عن قتادة، وغيرهما يرويه عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، موقوفًا، قال ذلك سعيد بن أبي عروبة، وأبانٌ العطار، عن قتادة، هذا أشبه. انتهى (١).
وكذلك انتقده صالح بن محمد، فقد ذكر في "التهذيب" (٢) عن عبد المؤمن بن خَلَف النسفيّ، قال: سألت أبا عليّ صالح بن محمد، عن حديث أبي قَطَن، عن شعبة، عن قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، عن أبي
стр. 5668
هريرة، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: "لو تعلمون ما في الصفّ المقدم، لكانت قرعة"؟ فقال: هذا خطأ، ثنا به يحيى بن معين، وأبو ثور، عن أبي قطن، ولم يرفعه أحد غيره، والصحيح عن أبي هريرة قوله. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لم يرفعه أحد غيره" فيه نظر، فقد تقدّم عن الدارقطنيّ أن يعلى بن عبّاد، رواه، عن همّام، عن قتادة مرفوعًا، فتنبّه.
والظاهر أن المصنّف: رجَّح الرفع على الوقف؛ لأن شعبة، وهمّام بن يحيى اتّفقا عليه، فمخالفة سعيد بن أبي عروبة وأبان العطّار لهما فيه لا تضرّ.
وأيضًا للرفع شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ نفسِهِ، متّفق عليه، وقد تقدّم قبل حديثين، "لو يعلم الناس ما في النداء والصفّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا".
والحاصل أن الراجح هو الرفع، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٩] (٤٣٩)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٩٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٥٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ١٠٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٦)، و (ابن حزم) في "المحلَّى" (٤/ ٥٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٤٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في الأحاديث السابقة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٠] (٤٤٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 5669
٢ - (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد، تقدّم
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
والباقون تقدّموا في الباب، وجرير: هو ابن عبد الحميد، وأبو سُهيل، أبو صالح ذكوان السمّان.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا) "خَيْرُ" مبتدأ خبره "أولها"، يعني أن أفضل صفوف الرجال، وأكثرها ثوابًا أولّها، وإنما كان خيرًا؛ لأن اللَّه تعالى وملائكته يُصلّون على الصفّ الأول، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه"، عن البراء بن عازب ﵄ أن نبيّ اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف المقدم. . . " الحديث، ولفظ النسائيّ: "على الصفوف المتقدّمة".
ولأن الرجال اختصّوا بكمال الأوصاف، والضبط عن الإمام، والاقتداء به، والتبليغ عنه، ولما فيه من البعد من صفّ النساء، وقال ابن الملك: المراد بالخير كثرة الثواب، فإن الصفّ الأول أعلم بحال الإمام، فتكون متابعته أكثر، وثوابه أوفر. انتهى.
وقد تقدّم الخلاف في المراد بالصفّ الأول، وأن الراجح أنه الصفّ الذي يلي الإمام مطلقًا، سواء جاء صاحبه متقدّمًا، أم متأخّرًا، وسواء تخلّله مقصورة ونحوها، أم لا.
(وَشَرُّهَا آخِرُهَما) يعني أن أقلّ صفوف الرجال ثوابًا آخرها؛ لبعده عن الإمام، ولترك الفضيلة الحاصلة بالتقدّم إلى الصفّ الأول، ولقربه من صفّ النساء.
стр. 5670
(وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا) أي لبعدهنّ من مخالطة الرجال، ورؤيتهم، وتعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك (وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا") أي لكونه مظنّة المخالطة، وتعلّق القلب بهنّ، المتسبّب عن رؤيتهنّ، وسماع كلامهنّ.
وقال الطيبيّ ﵀: والخير والشرّ في صفّي الرجال والنساء للتفضيل؛ لئلا يلزم من نسبة الخير إلى أحد الصفّين شركة الآخر فيه، ومن نسبة الشرّ إلى أحدهما شركة الآخر فيه، فيتناقض، ونسبة الشرّ إلى الصفّ الأخير، مع أن صفوف الصلاة كلّها خيرٌ؛ إشارةٌ إلى أن تأخُّر الرجل عن مقام القرب مع تمكّنه منه هَضْمٌ لحقّه، وتسفيهٌ لرأيه، فلا يبعُد أن يسمّى شرًّا، قال أبو الطيّب [من الوافر]:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَاسِ عَيْبًا (١) … كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
وقال المظهر ﵀: الرجال مأمورون بالتقدّم، فمن هو أكثر تقدّمًا، فهو أشدّ تعظيمًا لأمر الشرع، فيحصل له من الفضيلة ما لا يحصل لغيره، وأما النساء، فمأمورات بالحجاب، فمن هي أقرب إلى صفّ الرجال تكون أكثر تركًا للحجاب، فهي لذلك شرّ من اللائي تكنّ في الصفّ الأخير. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: أما صفوف الرجال، فهي على عمومها، فخيرها أولها أبدًا، وشرها آخرها أبدًا، وأما صفوف النساء، فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صَلّين متميزات، لا مع الرجال، فهنّ كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشرّ الصفوف في الرجال والنساء أقلُّها ثوابًا وفضلًا، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه، وإنما فُضِّل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال؛ لبعدهنّ من مخالطة الرجال، ورؤيتهم، وتعلُّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذُمَّ أول صفوفهن؛ لعكس ذلك. انتهى (٣).
стр. 5671
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تفريق النوويّ ﵀ في صفوف النساء بين صلاتهنّ مع الرجال، وصلاتهنّ وحدهنّ محلّ نظر؛ فإن ظاهر النصّ يعمّ النوعين، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٩٠ و ٩٩١] (٤٤٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٧٨)، و (الترمذيّ) فيها (٢٢٤)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٩٣ - ٩٤)، و (ابن ماجه) فيها (١٠٠٠)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٣٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٠٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٠٠ و ١٠٠١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣٦ و ٢٤٠ و ٣٥٤ و ٣٦٧ و ٤٨٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٦٨ و ١٣٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٧٧ و ٩٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨١٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ترتيب صفوف الرجال والنساء في الفضل والثواب.
٢ - (ومنها): بيان أن خير صفوف الرجال، أولها، وشرها آخرها، وأما النساء فبالعكس.
٣ - (ومنها): بيان شدة عناية الشرع بالحثّ على الابتعاد عن محلّ الافتتان، فقد أمر ببعد النساء عن الرجال؛ لئلا يقع محظور شرعيّ.
٤ - (ومنها): بيان فضل الرجال على النساء، حيث يتقدّمون عليهنّ في المواطن المهمة، كصفوف الصلاة، وصفوف القتال، وغير ذلك، مما فضّل اللَّه تعالى به الرجال على النساء، فجعلهم متحمّلين عنهنّ من أعباء الدين، وأثقال
стр. 5672
المعيشة، ما يشقّ عليهنّ تحمّله، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
و"سهيل" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ هذه ساقها الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه"، فقال:
(٢٠٨) حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها"، وقال: حديث حسن صحيح.
قال: وفي الباب عن جابر، وابن عباس، وأبي سعيد، وأُبَيّ، وعائشة، والعرباض بن سارية، وأنس، ﵃، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 5673
(٣٠) - (بَابُ أَمْرِ النِّسَاءِ الْمُصَلِّيَاتِ وَرَاءَ الرِّجَالِ أَنْ لَا يَرْفَعْنَ رُؤُوسَهُنَّ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٢] (٤٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ، مِثْلَ الصِّبْيَانِ مِنْ ضِيقِ الْأُزرِ، خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ (١) الرِّجَالُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ، من كبار [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٥ - (سَهْلُ بْنُ سَعْد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، أبو العبّاس المدنيّ، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
стр. 5674
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى سفيان، والباقيان مدنيّان.
٤ - (ومنها): أنّ صحابيّه من المعمّرين، قد جاوز عمره مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃، وقيل: الآخر هو السائب بن يزيد، والأول هو الأصح، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ ﵄، أنه (قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ) اللام فيه للجنس، فهو في حكم النكرة، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "كان رجالٌ" بالتنكير وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك، وهو كذلك، قاله في "الفتح" (١). (عَاقِدِي أُزُرِهِمْ) منصوب على الحال، وأصله "عاقدين أزرَهم" بنصب "أزرهم" على المفعوليّة، فلما أُضيف سقطت النون للإضافة، كما قال في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كـ "طُورِ سِينَا"
و"عاقدي" جمع عاقد، اسم فاعل، من عَقَدَ الشيءَ، يقال: عَقَدَ الحبلَ وغيره، من باب ضرب: إذا شدّه، وربطه (٢).
و"الأُزُرُ" بضمّتين: جمع كثرة لإِزار، بالكسر: الْمِلْحَفة، يُذكَّر ويؤنّث، وجمع القلّة: آزِرةٌ، مثلُ حمار وحُمُرٍ وأَحْمِرَة (٣).
(فِي أَعْنَاقِهِمْ) متعلّق بـ "عاقدي"، وفي رواية البخاريّ: "على أعناقهم" (مِثْلَ الصِّبْيَانِ) بكسر الصاد المهملة، وضمّها، جمع صَبِيّ، وهو الصغير، وقوله: (مِنْ ضيقِ الْأُزُرِ) بيان لسبب عقدها على الأعناق، والمعنى: أنهم يَعْقِدون أُزُرهم على أعناقهم من أجل ضيقها، كما يعقد الصبيان على قفاهم (خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ) متعلّق بـ"عاقدي"، أو بحال مقدّر، أي حال كونهم واقفين
стр. 5675
خلفه ﷺ ، يصلّون وراءه (فَقَالَ قَائِلٌ) يَحْتَمِل أن يكون هذا القائل هو النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، ويحتمل أن يكون غيره، ويؤيّد الأول ما أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كان منكنّ يؤمنّ باللَّه، واليوم الآخر، فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهةَ أن يَرَيْنَ من عورات الرجال".
ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "وقال للنساء"، قال في "الفتح": قال الكرمانيّ: فاعل "قال" هو النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، كذا جزم به، وقد وقع في رواية الكشميهنيّ: و"يقال للنساء"، قال: فكأن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- أمر من يقول لهنّ ذلك، ويغلب على الظنّ أنه بلال. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأقرب ما قدّمته من أنه ﷺ هو الذي باشر القول بنفسه؛ لحديث أسماء ﵂ المذكور، وأما قول الحافظ: "يغلب على الظنّ. . . إلخ" فلم يذكر مستنده على الغلبة، واللَّه تعالى أعلم.
(يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) "المعشر" بالفتح، كالْمَسْكَن: الجماعة، أي جماعة النساء (لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ) أي من السجود (حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ) هكذا رواية المصنّف، فيكون المفعول محذوفًا، أي رؤوسهم، وفي رواية البخاريّ: "حتى يستوي الرجال جُلُوسًا"، وهو جمع جالس، كالركوع جمع راكع، ويحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى جالسين، ونصبه على الحال.
وإنما نُهي النساء عن ذلك؛ لئلا يَلْمَحْنَ عند رفع رؤوسهنّ من السجود شيئًا من عورات الرجال عند نهوضهم؛ لضيق الأُزُر، وقد تقدّم آنفًا التصريح بذلك في حديث أسماء ﵂ عند أحمد، وأبى داود.
وفي رواية لابن خزيمة رقم (١٦٩٥): "كُنّ النساء يؤمرن في الصلاة على عهد رسول اللَّه ﷺ أن لا يرفعن رؤوسهنّ حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من قباحة الثياب"، ويؤخذ منه أنه لا يجب التستّر من أسفل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ﵄ هذا متّفقٌ عليه.