← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح، فالنهي عن تحلّقهم ليس في حال الصلاة، بل هو في حال اجتماعهم في المسجد، وهذا هو الذي تدلّ عليه روايات الحديث المختلفة، ولذا ترجم الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٥٣٤) بقوله: "ذِكْرُ الزجر عن ترك اجتماع الناس في المسجد في المجلس الواحد، إذا أرادوا تعلُّم العلم، أو دَرْسَه"، ثم أخرجه بسنده، من حديث أبي هريرة ﵁، قال: خرج النبيّ ﷺ على أصحابه، وهم في المسجد جلوسٌ حِلَقًا، فقال: "ما لي أراكم عِزِين؟ ". انتهى. وترجم البيهقيّ في "الكبرى" (٣/ ٢٣٤)، فقال: (١٢) "باب من كره التحلُّق في المسجد، إذا كانت الجماعة كثيرة، والمسجد صغيرًا، وكان فيه منع المصلين عن الصلاة"، ثم أخرج حديث جابر بن سمرة ﵄ المذكور في الباب، بلفظ: "قال: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، ونحن حلق متفرقون، فقال: ما لي أراكم عِزِين؟ ". انتهى. وأخرجه أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٨٠) بلفظ: "قال: دخل علينا، ونحن جلوس في المسجد، فقال: ما لي أراكم عِزِين؟ ". فكلّ هذه الروايات صريحة في أن ذلك كان في غير الصلاة، فإذا كان هذا في غير الصلاة فيكون النهي عنه فيها أشدّ وأغلظ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) جابر ﵁ (ثُمَّ خَرَجَ) النبيّ ﷺ (عَلَيْنَا، فَقَالَ: "ألَا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، ويجوز تشديدها-: أداة تحضيض، وهو الطلب بِحَثّ، كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] (تَصُفُّونَ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، من باب نصر، ويستعمل متعدّيًا، فيقال: صَفَفْتُ الشيءَ صَفًّا، فهو مصفوف، وقد يُستعمل لازمًا، فيقال: صَفَفتُ القومَ، فصفُّوا هم، أفاده في "المصباح" (١)، وما هنا من اللازم. (كمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ ") ولفظ أبي داود، والنسائيّ: "عند ربهم"

стр. 5602

(فَقُلْنَا) وللنسائيّ: "قالوا" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ) ﷺ ("يُتِمُّونَ) بضمّ أوله، من الإتمام (الصُّفُوفَ الْأُوَلَ) بضم الهمزة، وفتح الواو: جمع "الأُولى"، وفي رواية النسائيّ: "يُتمّون الصفّ الأَوّل"، والمعنى: أنهم يتمّمون الصفوف المتقدّمة، وهي ما عدا الصفّ الأخير (وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ") أي يتلاصقون فيها حتى لا يكون بينهم فُرَج، ويؤخذ منه أن تلاصق بعضهم ببعض، وتضامّهم يستلزم تسوية الصفوف، والعكس بالعكس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرَة بهذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٩٧٣ و ٩٧٤ و ٩٧٥ و ٩٧٦] (٤٣٠ و ٤٣١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٦١ و ٩٩٩)، و (النسائيّ) فيها (٣/ ٤ - ٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣١٣٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٦ و ٨٨ و ١٠١ و ١٠٢ و ١٠٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٣٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨٢٢ و ١٨٢٥ و ١٨٢٦ و ١٨٢٨ و ١٨٢٩ و ١٨٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٥٥ و ٢٠٥٦ و ٢٠٥٧ و ٢٠٥٨ و ٢٠٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦١ و ٩٦٢ و ٩٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٧٢ و ١٧٣ و ١٧٨ و ١٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٩٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): الإنكار على من أحدث في الصلاة خلاف السنّة. ٢ - (ومنها): الأمر بالسكون في الصلاة، والخشوع فيها، والإقبال

стр. 5603

عليها، وهو معنى قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٣/ ٢٣٩): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿خَاشِعُونَ﴾ خائفون، ساكنون، وكذا رُوي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهريّ، وعن علي بن أبي طالب ﵁: الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعيّ، وقال الحسن البصريّ: كان خشوعهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك أبصارهم، وخَفَضوا الجناح، وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ وخَفَضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم، وقال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مُصَلّاه، فإن كان قد اعتاد النظر فَلْيُغَمِّض، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، ثم روى ابن جرير عنه، وعن عطاء بن أبي رباح أيضًا مرسلًا: أن رسول اللَّه ﷺ كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية. والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فَرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحةً له، وقُرّة عين، كما قال النبيّ ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٣١٢٨)، والنسائيّ (٧٦١) عن أنس ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "حُبّب إليّ الطيب، والنساء، وجُعِلت قرة عيني في الصلاة"، حديث حسن. وقال الإمام أحمد (٥٣٦٤): حدّثنا وكيع، حدّثنا مِسْعَر، عن عمرو بن مُرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل من أسلم: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا بلال أَرِحْنا بالصلاة"، حديث صحيح. وقال الإمام أحمد أيضًا (٥٣٧١): ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، أن محمد ابن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صِهْر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية ائتيني بوَضُوء لعلّي أصلي، فأستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة". انتهى (١).

стр. 5604

٣ - (ومنها): بيان أن الإمام يحثّ المأمومين على رصّ الصفوف، والمقاربة بينها، وأن ذلك من وظيفته. ٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الاهتمام في تسوية الصفوف. ٥ - (ومنها): الاقتداء بأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبّداتهم. ٦ - (ومنها): بيان أن الملائكة يصلّون، وأن صفوفهم كما وُصف في هذا الحديث، فيعتنون بتسوية صفوفهم، وإتمام الأول فالأول، فينبغي للمسلمين أن يقتفوا بهم في ذلك. وقد أخرج المصنّف ﵀ عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجُعِلت تربتها لنا طهورًا. . . " الحديث (١). ٧ - (ومنها): الأمر بإتمام الصفوف الأُوَل، والتراصّ فيها، قال النوويّ ﵀: ومعنى إتمام الصفوف الأُوَل أن يُتَمّ الأَوَّل، ولا يُشْرَع في الثاني حتى يَتِمّ الأول، ولا في الثالث حتى يتم الثاني، ولا في الرابع حتى يتم الثالث، وهكذا إلى آخرها. انتهى (٢). ٨ - (ومنها): أن السنّة في السلام من الصلاة أن يقول: "السلام عليكم ورحمة اللَّه" عن يمينه، "السلام عليكم ورحمة اللَّه"، عن شماله. قال النوويّ: ولا يسن زيادة "وبركاته"، وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيفٌ، وأشار إليها بعض العلماء، ولكنها بدعةٌ؛ إذ لم يصحّ فيها حديث، بل صح هذا الحديث وغيره في تركها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من عدم صحّة زيادة "وبركاته" غير صحيح، بل الحقّ أن زيادتها صحيح من الجانبين، ولا تخص اليمين فقط، كما ادّعاه بعضهم (٣)، وسيأتي البحث في هذا مستوفى في

стр. 5605

"باب السلام للتحلّل من الصلاة" برقم (٥٨١) -إن شاء اللَّه تعالى-. قال النوويّ ﵀: والواجب منه السلام عليكم مرة واحدة، ولو قال: السلام عليك بغير ميم لم تصحّ صلاته، وفيه دليل على استحباب تسليمتين، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: وقوله: "والواجب مرّة واحدة" محلّ تأمّل؛ لأنه قد ثبت قوله ﷺ : "وتحليلها التسليم"، وهو يعمّ التسليمتين، كما ثبت عنه ذلك فعلًا، فكيف يكون الواجب مرّة واحدةً؟ فهذا قول لا دليل عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): النهي عن التفرّق أحزابًا، بل يجب أن يكون المسلمون صفًّا واحدًا تجمعهم كلمة الحقّ، وتربطهم أخوّة الإيمان، لا يلوون عنقهم إلى القوميّة، ولا إلى الوطن، ولا إلى غير ذلك مما لا صلة له بالدين، وإنما هم يدٌ واحدة على من سواهم، كما وصفهم بذلك النبيّ ﷺ حيث قال فيما أخرجه النسائيّ، وغيره، وأصله في "الصحيحين" من حديث عليّ ﵁ مرفوعًا: "المؤمنون تَكَافَأُ دماؤهم، وهم يَدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. . . " الحديث. وفي "الصحيحين" عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والْحُمَّى"، ولفظ البخاريّ: "ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم، وتعاطفهم. . . " الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀: قد ذكر ابن القصّار هذا الحديث حجة في النهي عن رفع الأيدي في الصلاة على رواية المنع من ذلك جملة، وذكر أن في ذلك نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ٧٧]، قال: والمفسّرون في سبب نزول الآية على غير هذا. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نُقل عن ابن القصّار إن أراد المنع في

стр. 5606

غير محلّ المشروع فمسلّم، وإن أراد المنع عن رفع اليدين في المحلّ المشروع كالركوع والرفع منه، ونحو ذلك، مما ثبت في الصحيح، فما أبعده عن الصواب، وأبعدُ منه استدلاله بالآية المذكورة، فإنه لم يقله أحد ممن تكلّم فيها، كما أشار إليه القرطبيّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): استدلّ الحنفيّة بهذا الحديث على عدم مشروعيّة رفع اليدين في غير حالة الإحرام، وهو استدلال باطلٌ؛ إذ لا دليل فيه؛ لأنه مختصر من الحديث التالي كما ساقه المصنّف ﵀ بتمامه، قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه": "ذكرُ الخبر المتقَصِّي للقصّة المتقدّمة بأن القوم إنما أُمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم، دون الرفع الثابت عند الركوع"، ثم رواه كنحو رواية المصنّف الآتية. وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "جزء رفع اليدين": من احتجّ بحديث جابر بن سَمُرة ﵄ على منع الرفع عند الركوع، فليس له حظّ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهّد، كذا في "التلخيص الحبير". وقال الزيلعيّ في "نصب الراية" بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر ما مُلخّصه: واعترضه البخاريّ في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرة، فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهّد، لا في القيام، ففسّره رواية عُبيد اللَّه بن القِبطيّة، قال: سمعت جابر بن سَمُرة يقول: كنّا إذا صلّينا خلف النبيّ ﷺ ، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاريّ: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضًا منهيًّا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع، بل أطلق. انتهى. قال الزيلعيّ: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسَّر أحدهما بالآخر، كما في لفظ الحديث الأول: "اسكنوا في الصلاة"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك من يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، ورَوَى الآخر في وقت آخر كما شاهده، وليس في ذلك بُعْدٌ. انتهى.

стр. 5607

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الزيلعيّ من دعواه كون حديث جابر بن سمرة حديثين غير صحيح، والحقّ ما قاله البخاريّ وابن حبّان من أن الحديث واحد، ولكن اختصره الرواة. وعلى تقدير تسليمه نقول: إن النهي لا يتناول الرفع المشروع عند الركوع ونحوه، وإنما هو في الرفع الذي ليس مشروعًا، بدليل أن الحنفيّة أنفسهم يستثنون من هذا النهي الرفع في تكبيرات العيدين بدعوى أنها ثابتة بالنصّ، فما أجابوا به هناك فهو جوابنا هنا من غير فرق. والحاصل أن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، ونحو ذلك ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها، فيُقدّم خصوصها على عموم حديث جابر هذا. ولذا قال السنديّ الحنفيّ ﵀ عند قوله: "فنسلّم بأيدينا. . . إلخ" ما نصّه: وبهذه الرواية تبيّن أن الحديث مسوقٌ للنهي عن رفع الأيدي عند السلام إشارةً إلى الجانبين، ولا دلالة فيه على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، ولذلك قال النوويّ: الاستدلال به على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه جهلٌ قبيحٌ. وقد يقال: العبرة بعموم اللفظ، ولفظ: "ما بالهم رافعي أيديهم في الصلاة؟ " إلى قوله: "اسكنوا في الصلاة" تمام، فصحّ بناء الاستدلال عليه، وخصوص المورد لا عبرة به، إلا أن يقال: ذلك إذا لم يعارضه عن العموم عارض، وإلا يُحْمَلُ على خصوص المورد، وها هنا قد صحّ وثبت الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه ثبوتًا لا مردّ له، فيجب حمل هذا اللفظ على خصوص المورد؛ توفيقًا، ودفعًا للتعارض. انتهى المقصود من كلام السنديّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه السنديّ ﵀ أخيرًا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وهذا من إنصافه للحقّ، وعدم تعصّبه لمذهبه الحنفيّ، كما تعصّب له كثير ممن أعماهم التقليد وأصمّهم عن اتّباع الحقّ. ومن العجيب الغريب أنهم إذا أورد عليهم تناقضهم في المسألة، وقيل

стр. 5608

لهم: إنكم تقولون: إن الرفع في تكبيرات العيدين مشروعة بالنصّ، فلا يتناولها هذا النهي، فهلّا قلتم مثله في الرفع من الركوع ونحوه: إنه ثابت بالنصّ، فلا يتناوله هذا النهي، فما الفرق بينهما؟ على أن دليلهم الذي تمسّكوا به في الرفع في العيدين لا يصحّ عند أهل الحديث، وأدلّة الرفع في الركوع ونحوه صحيحة ثابتةٌ بلا خلاف بين أهل الحديث، فقد أخرجها الشيخان وغيرهما من أصحاب الصحاح، سكتوا، وانقطعوا عن الجواب، إن هذا لهو العجب العجاب، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد اللَّه بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧، أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. ٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح تقدّم قبل باب. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل باب. ٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. و"الأعمش" سبق في السند الماضي. وقوله: (قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ) يعني أن كلًّا من وكيع، وعيسى قالا: حدّثنا الأعمش. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الإشارة إلى إسناد الأعمش الماضي، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَةَ، عن جابر بن سَمُرَة ﵄. وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث جابر الماضي.

стр. 5609

[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٠١١٩) حدّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرة، قال: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، ونحن رافعي أيدينا في الصلاة، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شُمُس؟ اسكنوا في الصلاة"، قال: ودخل علينا المسجد، ونحن حِلَقٌ متفرقون، فقال: "ما لي أراكم عِزِين؟ ". انتهى. وأما رواية عيسى بن يونس، فلم أجد من ساقها مفردة، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٥] (٤٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنى عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ الْقِبْطِيَّةِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ؟، إِنَّمَا (١) يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ (٢)، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ، مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ (٣) "). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) عن (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. ٢ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ١٣.

стр. 5610

٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ الْقِبْطِيَّةِ) الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن جابر بن سَمُرة، وأم سلمة، والحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وعبد اللَّه بن صفوان بن أمية، وأبي رجاء الْعُطارديّ. وروى عنه عبد العزيز بن رُفيع، وبحر بن كَنِيز السّقّاء، وفُرَات القَزّاز، ومسعرٌ. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وحَكَى الدارقطنيّ في "العلل" أنه كان يلقّب المهاجر، وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله حديثان فقط: أحدهما حديث الباب، عندهم، والثاني عند المصنّف، وأبي داود في الخمس. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) أي في نهاية الصلاة، وعند نيّة الخروج منها. وقوله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ) فاعل "أشار" ضمير جابر ﵁، وهو من كلام عبيد اللَّه ابن القبطيّة، والمراد بالإشارة إشارة السلام. وقوله: (عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ) أي على أيّ شيء تشيرون بأيديكم، فـ "علام" هي "على" الجارّة دخلت على "ما" الاستفهاميّة، وأصلها "على ما"، فحُذفت ألفها، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١]، وإليه أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال: وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ و"تومئون" مضارع أومأ، بمعنى أشار، والجارّ والمجرور -أعني "علام"- متعلّق بـ "تومئون"، والاستفهام توبيخيّ، بمعنى أنه لا ينبغي، ولا يصحّ هذا لكم. وقوله: (إِنَّمَا يَكْفِي) وفي نسخة: "وإنما يكفي" بالواو. وقوله: (أَنْ يَضَعَ) في تأويل المصدر فاعل "يكفي". وقوله: (عَلَى فَخِذِهِ) وفي نسخة: "على فخذيه" بالتثنية، أي يُبقي يديه موضوعتين على فخذيه؛ إذ السنّة وضعهما كذلك من أول التشهّد إلى أن يسلّم من الصلاة.

стр. 5611

وقوله: (مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ) بفتح ميم "من"، وهي موصولة بدل من "أخيه"، والجارّ والمجرور صلتها، أي الذي استقرّ على جهة يمينه وشماله، وفي بعض النسخ: "مَنْ عن يمينه" بـ "عن" بدل "على". قال النوويّ ﵀: المراد بالأخ الجنس، أي إخوانه الحاضرين عن اليمين والشمال. انتهى (١). وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٦] (. . .) - (وَحَدَّثنَا (٢) الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ، يَعْنِي الْقَزَّازَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ (٣) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ، تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطّحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلّم فيه بلا حجة [٧] (١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤٢. ٤ - (فُرَاتٌ الْقَزَّازُ) هو: فُرَات بن أبي عبد الرحمن الْقَزّاز التميمىّ، أبو محمد، ويقال: أبو عبد اللَّه البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥].

стр. 5612

رَوَى عن أبي الطُّفَيل، وأبي حازم سلمان الأشجعيّ، وعبيد اللَّه ابن القبطية، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعيّ. وروى عنه ابنه الحسن بن الفرات، وابن ابنه زياد بن الحسن بن فرات، ومحمد بن جُحَادة، وشعبة، والمسعوديّ، وعمر بن قيس الملائيّ، وعمرو بن أبي قيس الرازيّ، وأبو الأحوص، وشريك، والسفيانان، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال سفيان: كان ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٣١) و (١٨٤٢) و (٢٩٠١) وأعاده بعده. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي نسخة: "صلّينا مع رسول اللَّه ﷺ ". وقوله: (قُلْنَا بأَيْدِينَا) أي أشرنا، ففيه إطلاق القول على الإشارة. وقوله: (مَا شَأْنُكُمْ) "ما" استفهاميّة، أي ما حالكم؟. وقوله: (تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٩) - (بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٧] (٤٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: "اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ

стр. 5613

وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، قَالَ أَبُو مَسْعُود: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ التَّيْمِيُّ) من بني تيم اللَّه بن ثعلبة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]. رأى عبد اللَّه بن عمر، وروى عن الأسود بن يزيد النخعيّ، والحارث بن سُويد التيميّ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وأبي عطية الوادعيّ، وإبراهيم بن أبي موسى الأشعريّ، وأبي معمر عبد اللَّه بن سَخْبَرة الأزدي، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم النخعيّ، والحكم بن عتيبة، وزبيد الياميّ، والأعمش، وسعد بن عبيدة، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم. قال البخاريّ عن علي ابن المدينيّ: له نحو ثمانين حديثًا، وقال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ثقة وزيادة، يُسأل عن مثل هذا؟ وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وكان خيارًا، وقال ابن حبّان في "الثقات": رَوَى عن عبد اللَّه بن عمر، وكذا جزم بروايته عن ابن عمر ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل". قال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وكذا قال ابن حبان في "الثقات"، وخليفة بن خياط، وزاد: سنة (٩٨)، وأما ابن أبي خيثمة فحَكَى عن يحيى بن معين أنه مات سنة ثنتين وثمانين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٣ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرَة -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة- الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في ولاية عبيد اللَّه بن زياد (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٠. ٤ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.

стр. 5614

والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن عمارة، عن أبي معمر. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بالبدريّ، قيل: إنه لم يشهد بدرًا، وإنما نُسب إليها، لسكناه بها، ولكن عدّه البخاريّ ﵀ في "صحيحه" ممن شهد بدرًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرة الأزديّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ ﵁، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا) أي يُسَوِّي مناكبنا في الصفوف، ويُعَدِّلنا فيها. و"المناكب": جمع مَنْكِب -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف- وهو مُجْتَمَع رأس العضد والْكَتِف، قاله في "المصباح"، يعني أنه يضع يده على مناكبنا حتى لا يتقدّم بعضنا على بعض، أو يتأخّر (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ "يمسح"، أي في حال إرادة أداء الصلاة بالجماعة، يعني أنه يراعي تسويتنا للصفوف عند القيام للصلاة، ويَتَعَهَّد ذلك (وَيَقُولُ) في حال تسوية المناكب على ما هو الظاهر، كما قاله القاري ("اسْتَوُوا) أي اعتدلوا في صفوفكم بأن لا يتقدّم بعضكم على بعض، وهو معنى قوله: (وَلَا تَخْتَلِفُوا) أي بالتقدّم والتأخّر، و"لا" ناهية، ولهذا جُزم الفعل بها (فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) بنصب "تختلف" على أنه جواب النهي، بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ والمعنى: لا تختلفوا في إقامة الصفوف بالأبدان بالتقدّم والتأخّر،

стр. 5615

فتختلفَ قلوبكم بالأهوية والإرادة؛ لأن اختلاف الظاهر يكون سببًا في اختلاف الباطن. [فإن قلت]: هذا الحديث يدلّ على أن القلب تابع للأعضاء، ففسادها سببٌ لفساده، ويعارضه حديث النعمان بن بشير ﵄ المتّفق عليه: "ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب"؛ لأنه يدلّ على أن الأعضاء تابعة للقلب، فصلاحها بصلاحه، وفسادها بفساده، فكيف يُجمع بينهما؟. [قلت]: يُجمع بأن الاختلاف في الظاهر ناشئ عن فساد القلب، وذلك أن عدم إقامة الصفوف يدلّ عدم الاعتناء بالسنّة، وعدم الاعتناء بها يدلّ على غفلة القلب وفساده؛ لأن من كان قلبه حيًّا صالحًا منوَّرًا بنور الإيمان يكون متّبعًا للسنّة في جميع أحواله، والعكس بالعكس، فثبت بهذا ترتّب الاختلاف الظاهريّ على الفساد الباطنيّ، ثم يَنشَأ من هذا الاختلاف الظاهريّ المتسبّب عن فساد القلب الاختلاف الباطنيّ بمعنى آخر، وهو وقوع العداوة والبغضاء والتحاسد فيما بينهم. فظهر بهذا أن فساد القلب أوّلًا بالإعراض عن السنّة هو الأصل؛ لاختلاف الظاهر بعدم إقامة الصفوف الذي ينشأ عنه اختلاف الباطن بالعداوة والبغضاء والتحاسد ونحوها، فاختلف جهة فساد القلب، فالفساد الأول هو الغفلة عن اللَّه، والإعراض عن اتّباع السنّة، والفساد الثاني هو الفساد الذي يكون بينهم من الأشياء المذكورة، فالفساد الثاني نتيجة الفساد الأول. وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين، وللَّه الحمد والنعمة، وله الفضل والمنّة. (لِيَلِنِي مِنْكُمْ) أمر من الوَلْي، وهو القرب، والدنوّ، أي ليقرب منّي، وأصله "يليني" بياء بعد اللام، فلمّا دخلت لام الأمر حُذفت الياء للجزم. [تنبيه]: تكلّم الشرّاح في حذف الياء الثانية وإثباتها من قوله: "ليلني"، فقال النوويّ ﵀: هو بكسر اللامين، وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد. انتهى (١). وأشار في هامش

стр. 5616

نسخة محمد ذهني (٢/ ٣٠) أنه وقع في بعض النسخ: "لِيَلِيَنّي" بالياء وتشديد النون، وهو الضبط الثاني مما ذكره النوويّ. وقال شارح "المصابيح": الرواية "لِيَليني" بإثبات الياء، وهو شاذّ؛ لأنه من الولي بمعنى القرب، واللام للأمر، فيجب حذف الياء للجزم، قيل: لعله سهو من الكاتب، أو كُتب بالياء؛ لأنه الأصل، ثم قُرئ كذا. والأولى أن يقال: إنه من إشباع الكسرة كما قيل في قول الشاعر [من البسيط]: هَجَوْتَ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا … مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ حيث ثبتت الواو في "تَهْجُو". وقوله [من الطويل]: وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا فثبتت الألف في "تَرَى". قال ابن مالك ﵀ في "شواهد التوضيح" (ص ٢٢ - ٢٤): وإشباع الحركات الثلاث، وتوليد الأحرف الثلاثة -يعني الواو، والياء، والألف- بعدها لغة معروفة، وذكر لذلك شواهد، فراجعه تستفد. أو هو تنبيه على الأصل، كما قيل في قراءة قُنْبُل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، أو أنه لغة كما قاله في "همع الهوامع" (١). وقال العلامة أحمد محمد شاكر ﵀ فيما كتبه على الترمذيّ بعد نقل كلام النوويّ المذكور: وهكذا طُبع في "صحيح مسلم" بحذف الياء في طبعة بولاق (١: ١٢٨)، وفي طبعة الاستانة (٢: ٣٠) في حديثي أبي مسعود وابن مسعود، وكتب بهامشها في حديث أبي مسعود أن في نسخة: "ليليني"، وضبط بتشديد النون، وفتح الياء قبلها، ولكن في نسخة مخطوطة عندي من "صحيح مسلم" يغلب عليها الصحّة بإثبات الياء فيهما من غير ضبط، وكتب بهامشها في الموضعين أن في نسخة "ليلني" بحذف الياء. وقال الشارح المباركفوريّ (١/ ١٩٣): قد وقع في بعض نسخ الترمذيّ: "ليلني" بحذف الياء قبل النون، وفي بعضها بإثباتها.

стр. 5617

قال أحمد شاكر: وإني لم أرها في شيء من نسخ الترمذيّ بحذف الياء، وأظنّ أن حذفها فيه وفي غيره من تصرّف الناسخين، وكذلك ضبط الكلمة على إثبات الياء بفتحها، وتشديد النون؛ ذهابًا منه إلى الجادّة في قواعد النحو بجزم الفعل المعتلّ بحذف حرف العلّة، وقد رأيت كثيرًا من الناسخين والعلماء يجيزون لأنفسهم تغيير ما خالف القواعد المعروفة ظنًّا منهم أنه خطأٌ، والدليل على ظنّ التصرّف منهم أن الشارح نقل عن الطيبيّ أنه قال: من حقّ هذا اللفظ أن يُحذف منه الياء؛ لأنه على صيغة الأمر، وقد وجدناه بإثبات الياء وسكونها في سائر كتب الحديث، والظاهر أنه غلطٌ. قال أحمد شاكر: وليس هذا غلطًا كما زعم الطيبيّ، بل إثبات حرف العلّة في مثل هذا ورد في الحديث كثيرًا، وله شواهد من الشعر، وقد بَحَث فيه العلامة ابن مالك في كتاب "شواهد التوضيح" بحثًا طويلًا (١١ - ١٥) وذكر من شواهده في البخاري قول عائشة: "إن أبا بكر رجلٌ أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس"، وحديث: "من أكل من هذه الشجرة، فلا يغشانا"، وحديث: "مرُوا أبا بكر فليُصلّي بالناس"، ووجّه ذلك بأوجه متعدّدة، أحسنها عندي الوجه الثالث، أن يكون أجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فأثبت الألف -يعني أو الواو، أو الياء- واكتفى بتقدير حذف الضمّة التي كان ثبوتها منويًّا في الرفع. انتهى كلام أحمد محمد شاكر ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن قول أحمد شاكر ﵀: وأظنّ أن حذفها من تصرّفات الناسخين إلى آخر كلامه فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الحقّ أن ما ثبت في النسخ يُعتمد عليه، ولا سيّما إذا كان على وفق القواعد، ولا نتّهم الناسخين بالتصرّف، ومن الغريب استدلاله بما نقله عن الطيبيّ، فإن الطيبيّ ليس من المحدّثين المعتمدين في ضبط الروايات، وإنما هو من أهل اللغة والنحو والبلاغة. والحاصل أن ما ضبطه به النوويّ من أنه بكسر اللامين، وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، مع تجويز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد، هو الوجه الوجيه، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5618

(أُولُو الْأَحْلَامِ) أي ذوو العقول الراجحة، واحدها حِلْمٌ بكسر، فسكون، قال في "اللسان": الْحِلْم بالكسر: الأناة، والعقل، جمعه أَحْلامٌ، وحُلُومٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ الآية [الطور: ٣٢]، قال جرير [من البسيط]: هَلْ مِنْ حُلُومٍ لأَقْوَامٍ فَتُنْذِرُهُمْ … مَا جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ عَضِّي وَتَضْرِيسِي قال ابن سِيدَهْ: وهذا أحد ما جُمِع من المصادر. انتهى (١). وقال في "المرقاة": الْحِلْم بالكسر: الأناة، والتثبّت في الأمور، والسكون، والوقارُ، وضبط النفس عند هَيَجَان الغضب، ويُفسّر بالعقل؛ لأن هذه الأمور من مقتضيات العقل، والعقلُ الراجح يتسبّب لها، وقيل: "أولو الأحلام": البالغون، والْحُلُم بضمّ الحاء البلوغ، وأصله ما يراه النائم. انتهى (٢). (وَالنُّهَى) بضم النون، وفتح الهاء مقصورًا: جمع نُهْيَة بالضمّ بمعنى العقل؛ سمّي به لأنه ينهى صاحبه عن القبائح. وقال في "اللسان": "النُّهَى": العقلُ يكون واحدًا وجَمْعًا، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]، والنُّهْيةُ بالضمّ: العقلُ، سُمّيت بذلك؛ لأنها تنهى عن القبيح، وأنشد ابن بَرّيّ للخَنْسَاء [من الطويل]: فَتًى كَانَ ذَا حِلْمٍ أَصِيلٍ وَنُهْيَةٍ … إِذَا مَا الْحُبَا مِنْ طَائِفِ الْجَهْلِ حُلَّتِ ومن هنا اختار بعضهم أن يكون النُّهَى جمع نُهْية، وقد صَرَّح اللِّحْيانيّ بأنّ النُّهَى جمع نُهْيَةٍ، فأغنى عن التأويل. انتهى (٣). وقال النوويّ ﵀: "أولو الأحلام": هم العقلاء، وقيل: البالغون، و"النُّهَى" -بضم النون-: العقول، فعلى قول من يقول: "أولو الأحلام": العقلاء يكون اللفظان بمعنًى، فلما اختَلَف اللفظ عُطِف أحدهما على الآخر تأكيدًا، وعلى الثاني معناه: البالغون العقلاء، قال أهل اللغة: واحدة النُّهَى نُهْية -بضم النون- وهي العقل، ورجلٌ نَهٍ -بفتح، فكسر- من قوم نَهِينَ،

стр. 5619

ونَهِيٌّ -بفتح، فكسر، فياء مشدّدة- من قوم أَنْهِيَاء، ويقال: نِهٍ -بكسرتين- للإتباع، وسُمِّي العقل نُهْيَةً؛ لأنه يُنْتَهَى إلى ما أَمَرَ به، ولا يُتَجاوَز، وقيل: لأنه يَنْهَى عن القبائح. قال أبو عليّ الفارسيّ: يجوز أن يكون النُّهَى مصدرًا، كالْهُدَى، وأن يكون جَمْعًا كالظُّلَمِ، قال: والنُّهَى في اللغة معناه: الثبات، والحبس، ومنه النِّهْيُ، والنَّهْيُ، بكسر النون وفتحها، والنُّهْيةُ للمكان الذي يَنتَهِي إليه الماء، فيستنقع، قال الواحديّ: فرجع القولان في اشتقاق النُّهْية إلى قول واحد، وهو الحبس، فالنُّهْية هي التي تَنْهَى، وتَحْبِس عن القبائح. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١) بزيادة من "اللسان" (٢). والمعنى: لِيَدْنُ منّي البالغون العقلاء؛ لشرفهم، ومزيد فِطْنتهم، وتيقّظهم، وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض استخلفهم في الإمامة. وقال النوويّ ﵀: في هذا الحديث تقديمُ الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يَتَفَطَّن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها، ويُعَلِّموها الناس، وليقتدي بأفعالهم مَن وَراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنَّة أن يقدم أهل الفضل في كل مَجْمَع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم، والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسنّ، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. وفيه تسويةُ الصفوف، واعتناء الإمام بها، والحثّ عليها. انتهى (٣). وقال الطيبيّ ﵀: المعنى: ليدن منّي العلماء النجباء، أولو الأخطار، وذوو السكينة والوقار، أمرهم به؛ ليحفظوا صلاته، ويضبطوا الأحكام والسنن، فيُبلغوا مَن بَعْدهم، وفي ذلك بعد الإفصاح عن جلالة شؤونهم، ونباهة أقدارهم

стр. 5620

حثٌّ لهم على المسابقة إلى تلك الفضيلة، وفيه إرشاد لمن قصر عن المساهمة معهم في المنزلة إلى تحرّي ما يُزاحمهم فيها. انتهى (١). (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي الذين يَقْرُبون منهم في هذا الوصف، كالمراهقين، أو الذين يقاربون الأولين في النُّهَى والْحِلْم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ") كالصبيان المميِّزين، أو الذين هم أنزل مرتبةً من المتقدّمين حِلْمًا وعَقْلًا. (قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عَمْرو ﵁ (فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَّدُّ اخْتِلَافًا) قال الطيبيّ ﵀: هذا خطاب للقوم الذين هيَّجُوا الفِتَن، وأراد أن سبب الاختلاف والفتن عدم تسوية صفوفكم، وقال أيضًا: لعله أراد الفتن التي وقعت بين الصحابة، و"أشدّ" يَحْتَمِل أن يجري على المبالغة من وضع "أفعل" مقام اسم الفاعل، أي فأنتم اليوم في اختلاف لا مزيد عليه. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن كلام أبي مسعود ﵁ يَحْتَمِل معنيين: [أحدهما]: أنه يقول: إنكم اليوم أشدّ اختلافًا في الصفوف من اليوم الذي قال لنا فيه رسول اللَّه ﷺ : "لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم"، فإنه كان قليلًا، فقد كان أحيانًا يرى النبيّ ﷺ عدم تسوية الصفّ من بعض الناس، فيُحذّرهم، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير ﵄ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُسَوِّي صفوفنا، كأنما يُسوّي الْقِدَاحَ حتى رأى أنا قد عَقَلنا عنه، ثم خرج يومًا، فقام حتى كاد يكبّرُ، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصفّ، فقال: "عباد اللَّه لتسوّنّ صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم". [الثاني]: أنه يقول: أنتم اليوم بسبب عدم تسويتكم الصفوف أشدّ اختلافًا حيث وقعتم في الفتن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 5621

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٧٧ و ٩٧٨] (٤٣٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٧٤)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٨٧ - ٨٨)، و (ابن ماجه) فيها (٩٧٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٣٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٦١٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٤٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٧٢ و ٢١٧٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣١٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٥٨٧ و ٥٨٩ و ٥٩٠ و ٥٩٢ و ٥٩٣ و ٥٩٥ و ٥٩٦ و ٥٩٧ و ٥٩٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٢ و ١٣٨٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦٤ و ٩٦٥)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٢١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب تسوية الصفوف، وعدم الاختلاف فيها؛ لأنه جاء به الأمر، وترتّب عليه الوعيد. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الاهتمام بتسوية الصفوف، وتولّي ذلك بنفسه. ٣ - (ومنها): بيان أن عدم تسوية الصفوف يترتّب عليه الاختلاف القلبيّ، فيستولي بسببه على المجتمع البغضاء، والتنافر، والتحاسد، وعدم توحيد الكلمة، وهذا واللَّه هو الدمار والهلاك، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه. فبهذا يتبيّن ويتّضح تمام الاتّضاح أنه ما حلّ بالمسلمين اليوم من الضعف، والهَوَان، والذلّ، والخضوع لأعداء الإسلام إلا بسبب هذا وأمثاله من تهاونهم بالسنّة، وعدم مبالاتهم بمخالفتها، فإنك لا تدخل مسجدًا يجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة جماعةً، إلا وترى صفوفهم عوجاء، وإذا طلبت من بعضهم أن يكمل الصفّ، أو أن يتراصّ وجدته معرضًا بعيدًا عن الاستجابة، بل ربما قال بعضهم: صلّ لنفسك، ولا تتدخّل في شأن غيرك، ثم إذا دخلوا في الصلاة ترى العجب العجاب من مسابقة بعضهم للإمام في الانتقالات، ومقارنة

стр. 5622

بعضهم له، بل ربّما قال بعضهم: إن المستحبّ في مذهبنا المقارنة، مستندًا إلى بعض أقوال ساقطة مخالفة للأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ : "فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم. . . " الحديث، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم. اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم ثبّتنا على السنّة، أحينا عليها، وأمتنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا، إنك سميع قريبٌ مجيب الدعوات. ٤ - (ومنها): أن أهل الفضل لهم حقّ التقدّم في مجالس الخير والتكريم على حسب مراتبهم، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان يُحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار؛ ليحفظوا عنه، وقد أشبع الكلام النوويّ ﵀ في هذا كما أسلفناه. ٥ - (ومنها): بيان فضل عهد النبيّ ﷺ ؛ إذ كان وقت تناصح، وتوافق، واتّحاد كلمة، وقليل التنازع والاختلاف، وإنما جاء الاختلاف، واشتدّ بعده ﷺ كما بيّنه أبو مسعود ﵁ في هذا الكلام. ٦ - (ومنها): أن العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- ذكروا في حكمة إقامة الصفوف أمورًا: [أحدها]: حصول الاستقامة والاعتدال ظاهرًا، كما هو المطلوب باطنًا. [ثانيها]: لئلا يتخللَّهم الشيطان، فيفسد صلاتهم بالوسوسة، كما جاء في ذلك الحديث. [ثالثها]: ما في ذلك من حُسْن الهيئة. [رابعها]: أن في ذلك تمكّنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصُّوا وَسِع جميعهم المسجدُ، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم. [خامسها]: أن لا يَشْغَل بعضُهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه، إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفُّوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، وكثير من حركاتهم، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 5623

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تسوية الصفوف: ذهب جمهور العلماء إلى أن تسويتها مستحبّة، وقد استُدِلّ لهم بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصفّ من حسن الصلاة"، ولمسلم من حديث أنس ﵁: "سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة"، وللبخاريّ: "من إقامة الصلاة". قال ابن بطّال ﵀: هذا يدلّ على أن إقامة الصفوف سنّةٌ؛ لأنه لو كان فرضًا لم يجعله من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب. قال: ودلّ هذا على أن قوله في حديث أنس ﵁: "من إقامة الصلاة" أن إقامة الصلاة تقع على السنّة كما تقع على الفريضة. وقال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀: قد يؤخذ من قوله: "من تمام الصلاة" أنه مستحبّ غير واجب؛ لأنه لم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها، وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقّق إلا بها في مشهور الاصطلاح، قال: وقد ينطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمّ الحقيقة إلا به. انتهى. واعترضه الصنعانيّ ﵀ في قوله: "ولم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها" قائلًا: التعبير بالأركان والواجبات ليس من المطّرد، واعتبارات الشارع له مسلّم، بل قال في الفاتحة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، وقال ﷺ : "فإنك لم تصلّ"، وغاية كون هذا القول، أو الفعل ركنًا من الصلاة، أو واجبًا منها لم يقع التعبير به في لسان الشرع فيما لا تتمّ الصلاة إلا به، وإن جاء فنادرٌ. انتهى. واعترض الحافظ ﵀ قوله: "في مشهور الاصطلاح"، فقال: وهذا الأخذ بعيدٌ؛ لأن لفظ الشارع لا يُحْمَل إلا على ما دلّ عليه الوضع في اللسان العربيّ، وإنما يُحْمَل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع، لا العرف الحادث. انتهى. وذهب أبو محمد بن حزم: إلى فرضيّة تسوية الصفوف، وبطلان الصلاة بتركه، فقال: وفَرْضٌ على المأمومين تعديل الصفوف، الأول فالأول، والتراصّ فيها، والمحاذاة بالمناكب والأرجل، فإن كان نقصٌ كان في آخرها، ومن صلى

стр. 5624

وأمامه في الصف فُرْجة يمكنه سدّها بنفسه، فلم يفعل بطلت صلاته. انتهى (١). ثم ذكر حديث النعمان بن بشير: "لتسوُّنّ صفوفكم، أو ليخالفن اللَّه بين وجوهكم"، قال: وهذا وعيد شديدٌ، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر، ثم ذكر قول أنس: كان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، وهو في "صحيح البخاريّ"، ثم قال: هذا إجماع منهم، ثم قال: وبقولنا يقول السلف الطيِّب، رَوَينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النَّهديّ قال: كنت فيمن ضرب عمرُ بن الخطاب قدمه لإقامة الصف في الصلاة، قال ابن حزم: ما كان ﵁ ليضرب أحدًا، ويستبيح بَشَرَةً مُحَرَّمة عليه على غير فرض، ثم حكى ابن حزم بعث عثمان ﵁ رجلًا لذلك، وأنه لا يكبّر حتى يخبروه باستوائها، ثم قال: فهذا فعل الخليفتين بحضرة الصحابة، لا يخالفهم في ذلك أحد منهم، ثم حَكَى عن سُويد بن غَفَلة قال: كان بلال، هو مؤذن رسول اللَّه ﷺ يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوِّي مناكبنا، ثم قال: فهذا بلال ما كان ليضرب أحدًا على غير الفرض، ثم حكى قولهم لأنس بن مالك: أتنكر شيئًا مما كان على عهد رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف، قال ابن حزم: المباح ليس منكرًا. انتهى (٢). وقد استدل الإمام البخاريّ ﵀ بكلام أنس هذا على الوجوب، فبوّب عليه في "صحيحه" (٣): "باب إثم من لم يتم الصفوف"، وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: هذا الوعيد يعني الذي في حديث النعمان لا يكون إلا في ترك واجب، وهذا كان يقتضي الوجوب إلا أن الشرع سَمَحَ في ذلك. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "إلا أن الشرع سَمَحَ في ذلك" هذا

стр. 5625

عجيبٌ، فمتى سمح فيه؟ فهل سمح بترك تسوية الصفوف، بعد قوله: "لتسوّن صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم"؟، فهيهات هيهات!!!. وقال في "الفتح": قال ابن رُشيد: أورد فيه حديث أنس: "ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف". وتُعُقّب بأن الإنكار قد يَقع على ترك السنّة، فلا يدلّ ذلك على حصول الإثم. وأُجيب بأنه لعله حَمَل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣] على أن المراد بالأمر الشأن والحال، لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كان عليها ﷺ أن يأثم؛ لِمَا يدُلّ عليه الوعيد المذكور في الآية، وإنكار أنس ﵁ ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول اللَّه ﷺ من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم. انتهى كلام ابن رُشيد ملخصًا. قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأنه يُفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب. وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لَمّا كانت من السنن المندوب إليها التي يَستحِقّ فاعلها المدح عليها دلّ على أن تاركها يستحق الذم، فهو مُتَعقَّب من جهة أنه لا يلزم من ذمّ تارك السنّة أن يكون آثمًا، سَلَّمنا، لكن يَرِدُ عليه التعقب الذي قبله. ويَحْتَمِل أن يكون البخاريّ أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله ﷺ : "سَوُّوا صفوفكم"، ومن عموم قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، ومن ورود الوعيد على تركه، فرَجَح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الصواب، فالحقّ أن البخاريّ ﵀ إنما أخذ الوجوب من هذه الأدلّة، ولا سيّما صيغة الأمر، فقد تقرّر في الأصول أن صيغة الأمر محمولة عند الجمهور على الوجوب، إلا لصارف، ولا صارف هنا، فتنبّه. قال: ومع القول بأن التسوية واجبة، فصلاة من خالف، ولم يُسَوِّ

стр. 5626

صحيحة؛ لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا ﵁ مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان، ونازع مَن ادَّعَى الإجماع على عدم الوجوب بما صحّ عن عمر أنه ضَرَب قَدَم أبي عثمان النهديّ لإقامة الصف، وبما صحّ عن سُوَيد بن غَفَلة، قال: كان بلال يُسَوِّي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب. وفيه نظر؛ لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنّة. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي وجوبُ تسوية الصفوف، كما هو ظاهر صنيع الإمام البخاريّ ﵀ المذكور آنفًا، ومن أوضح الأدلّة على ذلك أمره ﷺ به، والأمر للوجوب كما أسلفناه آنفًا، ومنها الوعيد المذكور في أحاديث الباب بقوله: "أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم"، ومنها ما صحّ من ضرب عمر، وبلال ﵄ على تركه. وخلاصة القول أن الأدلة التي استدلّ بها ابن حزم واضحة في إفادة الوجوب، وأما إفادتها البطلان فغير واضحة، ولذا قال الصنعانيّ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم من كلام الحافظ ﵀ ما نصّه: قلت: الوعيد بقوله ﷺ : "لتسوّنّ صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم " يقتضي الوجوب، كما قاله ابن رسلان في "شرح الترمذيّ" ويؤئده حديث أبي أُمامة ﵁ عند أحمد: "لتسونّ صفوفكم، أو لتُطمسنّ الوجوه" (٢)، ولهذا قال ابن الجوزيّ: الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية [النساء: ٤٧]. نعم الأوامر، والوعيد، وفعل عمر وبلال أدلّة على الوجوب ناهضةٌ،

стр. 5627

وأما على بطلان الصلاة، فلا بدّ من الدليل عليه. انتهى كلام الصنعانيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. فتلخّص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) قَالَ: (٢) وَحَدَّثَنَا ابْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى -يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- (ح) قَالَ: وَحَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) (٣). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (جَرِير) بن عبد الحميد، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ خَشْرَمٍ) هو: عليّ بن خَشْرَم -بالخاء المعجمة، وزان جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف "المسند"، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٤ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام الحجة الفقيه المشهور، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. وإسحاق بن راهويه، وعيسى بن يونس تقدّما في الباب الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من جرير، وعيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة رووا هذا الحديث عن الأعمش بإسناده السابق، وهو: عن عمارة بن عُمير التيميّ، عن أبي معمر، عن أبي مسعود ﵁.

стр. 5628

وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث عبد اللَّه بن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع، ثلاثتهم عن الأعمش. [تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه ساقها الإمام ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال: (٩٧٦) حدّثنا محمد بن الصباح، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "لا تختلفوا، فتختلفَ قلوبكم، لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". انتهى. وأما رواية جرير، وعيسى، فلم أجد من أفردهما، إلا أن أبا نُعيم ساقهما في جملة رواية ساقها عن جماعة رووا عن الأعمش، فقال في "مستخرجه" (٢/ ٥٥): (٩٦٤) حدّثنا أبو بكر بن يحيى الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، قال: وحدّث عن أبي بكر بن أبي شيبة في كتابي، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع (ح) وحدّثنا أبو عمرو، ثنا الحسن، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ومخلد بن جعفر، قالا: ثنا جعفر بن محمد الفريابيّ، ثنا أبو كريب، ثنا وكيع، وابن فضيل، وابن نمير، وأبو معاوية، وابن إدريس، وأبو خالد الأحمر، ومحمد بن عُبيد، قالوا: عن الأعمش، وحدّثنا أبو أحمد، ثنا عبد اللَّه بن شيرويه، ثنا إسحاق، ثنا جرير، وعبد اللَّه بن إدريس، وعيسى بن يونس، ووكيع، عن الأعمش (ح) وحدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى الْحِمّانيّ، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، ووكيع، وأبو معاوية، ويعلى، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يَمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استَوُوا، لا تختلفوا، فتختلفَ قلوبكم، لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال أبو مسعود (١): فأنتم اليوم أشدّ اختلافًا.

стр. 5629

انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، وَصَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥. ٢ - (صَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ) أبو محمد البصريّ، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، ويزيد بن زريع، وحماد بن زيد، ومعتمر، وعبد الوهاب الثقفيّ. وروى عنه مسلم، وإبراهيم أبو رِمْثة، وبَقِيّ بن مَخْلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال ابن قانع: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال موسى بن هارون: مات سنة ست وثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٣٢) وحديث (١٨٧٢). ٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٤ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْرَان، أبو الْمنازل البصريّ، ثقةٌ يُرسل، وتغيّر حفظه لَمّا قَدِمَ من الشام [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.

стр. 5630

٥ - (أَبُو مَعْشَرٍ) زياد بن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٩ أو ١٢٠) (م د ت س) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤. ٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) ٦/ ٥٢. ٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢. ٨ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، وأبا معشر، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي معشر، والباقون بصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إبراهيم، عن علقمة. ٥ - (ومنها): أن رواية خالد الحذّاء عن أبي معشر من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن خالدًا من الطبقة الخامسة، وأبا معشر من السادسة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من أكابر فقهاء الصحابة ﵃ وقرّائهم، جمّ المناقب، وقد تقدّم غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَام وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا") أي كرّر "ثم الذين يلونهم" ثلاث مرّات (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ") بفتح الهاء، وسكون الياء، وبالشين المعجمة: جمع هَيْشَة بالفتح: أي اختلاطها، والمنازعة، والخصومات، وارتفاع الأصوات، واللغط، والفِتَن التي فيها، قاله النوويّ.

стр. 5631

وقال ابن الأثير ﵀: قوله: "إياكم وهَوْشَات الأسواق"، ويُروى بالياء: أي فِتَنها وهَيْجها. انتهى (١). وقال الخطّابيّ في "المعالم": أصله من الْهَوْش، وهو الاختلاط، يقال: تهاوش القومُ: إذا اختلطوا، ودخل بعضهم في بعض، وبينهم تهاوشٌ، واختلاف. انتهى. وقال في "المرقاة": "هيشات الأسواق": جمع هَيْشَة، وهي رفع الأصوات، نهاهم عنها؛ لأن الصلاة حضورٌ بين يدي الحضرة الإلهيّة، فينبغي أن يكونوا على السكوت، وآداب العبوديّة، وقيل: هي الاختلاط، أي لا تختلطوا اختلاط أهل الأسواق، فلا يُميّز أصحاب الأحلام والعقول عن غيرهم، ولا يتميّز الصبيان من البالغين، ولا الذكور من الإناث. انتهى (٢). وقال الطيبيّ: هي ما يكون من الْجَلَبَة، وارتفاع الأصوات، وقيل: هي الاختلاط، أي لا تختلطوا اختلاط أهل الأسواق، فلا يتميّز الذكور من الإناث، ولا الصبيان من البالغين، ويجوز أن يكون المعنى: قوا أنفسكم من الاشتغال بأمور الأسواق، فإنه يمنعكم أن تلوني. انتهى (٣). [فائدة]: ذكر القرطبيّ في "المفهم" قال: قال أبو عبيد: الْهَوْشَةُ: الفتنة، والهيج، والاختلاط، يقال: هَوَّش القومُ: إذا اختلطوا، ومنه: "من أصاب مالًا من نَهَاوِش، أذهبه اللَّه في نَهَابِر"، قال أبو عبيد: هو كلّ مال أُخذ من غير حلّه، وهو شبيه بما ذكرنا من الهوشات، وقال بعض أهل العلم: الصواب: من تهاوش بالتاء، أي من تخاليط. انتهى (٤). وقال ابن الأثير: "من أصاب مالًا من مهاوِش، أذهبه اللَّه في نهابِر" (٥)، هو كلّ مال أُصيب من غير حلّه، ولا يُدرى ما وجهه، والْهُوَاشُ بالضمّ: ما جُمع من مال حرام وحلال، كأنه جمع مَهْوَاش، من الْهَوْش: الجمع والخلط، والميم زائدة.

стр. 5632

ويُروى "نهاوِش" بالنون، و"تَهاوِش" بالتاء، وكسر الواو: جمع تَهْواش، وهو بمعناه. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول: "من أصاب مالًا. . . إلخ" أخرجه القضاعيّ في "مسنده" (١/ ٢٧١) رقم (٤٤١) وفيه عمرو بن الحصين متروك، وقال السبكيّ في "الفتاوى" (٢/ ٣٦٩): هذا الحديث لم يصحّ، ولا هو وارد في الكتب المذكورة، ومن أورده من العوامّ، فإن كان مع علمه بعدم وروده أثم، وإن اعتقد وروده لم يأثم، وعُذر لجهله، إلى آخر كلامه. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. [تنبيه]: أورد الحافظ أبو الفضل بن عمّار ﵀ في "علله" حديث ابن مسعود ﵁ هذا من رواية المصنّف، ثم قال: حدّثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمّه أحمد بن حنبل، قال: هذا حديث منكر، قال أبو الفضل: قلت: إنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاريّ ﵁، فهو صحيح. انتهى (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن الإمام أحمد ﵀ إنما أنكر كونه من حديث ابن مسعود ﵁؛ لكثرة من رواه من حديث أبي مسعود ﵁، فقد تقدّم بأسانيد كثيرة، فقد رواه عن الأعمش جمع، وهم: وكيع، وأبو معاوية، وعبد اللَّه بن إدريس، وجرير، وشعبة، ومحمد بن عُبيد، ويعلى بن عبيد، وابن فضيل، وابن نمير، وأبو خالد الأحمر، والثوريّ، وعيسى بن يونس، وابن عيينة (٤)، ولم ينفرد به الأعمش، بل تابعه حبيب بن أبي ثابت، عن عمارة بن

стр. 5633

عُمير، عند الطبرانيّ (١٧/ ٥٩٧) والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢١٩) ولم ينفرد به عمارة، فقد تابعه عمرو بن مُرّة، عن أبي معمر. وأما هذا الحديث، فليس له إلا هذا الإسناد، لكن المصنّف ﵀ لا يرى هذا علّة في صحّته؛ لثقة رجاله، وضبطهم، فلا يضرّ تفرّدهم، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٧٩] (٤٣٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٧٥)، و (الترمذيّ) فيها (٢٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٧٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٨٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٦ - ٩٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٠٤١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٢١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦٦). وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي مسعود ﵁ السابق، فراجعها هناك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٨٠] (٤٣٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّم بعينه قبل ثلاثة أبواب، ومن لطائفه أنه مسلسلٌ بالبصريين، وأن شيخيه من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وفيه قتادة من المدلّسين، وقد عنعنه، لكن الراوي عنه شعبة، ولا يروي عن المدلسين إلا ما صرّحوا بسماعه. لكن يعكر على هذا ما عند الإسماعيليّ، فقد زاد من طريق أبي داود

стр. 5634

الطيالسيّ، قال: سمعت شعبة يقول: داهنت في هذا الحديث، لم أسأل قتادة: أسمعته من أنس أم لا؟ انتهى. قال الحافظ ﵀: ولم أره عن قتادة إلا معنعنًا، ولعلّ هذا هو السرّ في إيراد البخاريّ لحديث أبي هريرة معه في الباب؛ تقويةً. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قصّة شعبة المذكورة ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٣٧٩) فقال: (١٣٧٢) حدّثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: سمعت شعبة يقول: كان همتي من الدنيا شَفَتَيْ قتادة، فإذا قال: سمعت كتبت، وإذا قال: قال تركت، وأنه حدّثني بهذا عن أنس بن مالك، يعني حديث النبيّ ﷺ : "سَوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة"، فلم أسأله، أسمعته؟ مخافة أن يُفْسِده عليّ. انتهى. قال الجامع: ولعلّ المصنّف ﵀ أيضًا صنع كصنيع البخاريّ ﵀؛ للغرض المذكور، فأورد حديث أنس، ثم أتبعه بحديث أبي هريرة، عكس صنيع البخاريّ ﵀، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ) قال ابن دقيق العيد ﵀: تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها (٢) على سمت واحد، وقد تدلّ تسويتها أيضًا على سدّ الْفُرَج فيها؛ بناء على التسوية المعنويّة، والاتّفاق على أن تسويتها بالمعنى الأول والثاني أمر مطلوب، وإن كان الأظهر أنّ المراد بالحديث الأولَ. انتهى (٣). فقوله: "سوّوا" فيه دليلٌ على وجوب تسوية الصفوف، وقد تقدّم أن هذا الحقّ.

стр. 5635

(فَإِنَّ تَسْوِيةَ الصَّفِّ) بالإفراد، والمراد به الجنس، وفي رواية البخاريّ: "الصفوف" بالجمع (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ") هكذا عند المصنّف بلفظ "تمام"، وكذا عند أبي داود، وابن ماجه، والإسماعيليّ، والبيهقيّ وغيرهم، ولفظ البخاريّ: "من إقامة الصلاة" أي من جملة إقامة الصلاة المأمور بها الممدوح فاعلها في الآيات الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وهي تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها، وسننها، وآدابها. وفي حديث جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن من تمام الصلاة إقامةَ الصفّ" (١)، أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ في "الكبير"، و"الأوسط". قال العينيّ: أي من تمام الصلاة، أو من حسن تمام الصلاة. وتعقّبه صاحب "المرعاة"، فقال: هذا خلاف الظاهر، والحديث معناه مستقيم من غير تقدير لفظ الكمال، أو الحسن. انتهى (٢)، وهو تعقّب وجيه. والحاصل أن الحديث من أدلّة وجوب التسوية، كما أسلفنا تحقيقه في شرح حديث أبي مسعود ﵁ الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٠ و ٩٨١] (٤٣٣) و (٤٣٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧١٨ و ٧٢٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٦٨)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٩١)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٩٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٨٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٢٦ و ٢٤٢٧ و ٢٤٦٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٧ و ٢٥٤ و ٢٧٤ و ٢٧٩ و ٢٨٦ و ٢٩١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٩)، و (ابن

стр. 5636

حبّان) في "صحيحه" (٢١٧١ و ٢١٧٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٤٣)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٩٩٧ و ٣٠٥٥ و ٣١٣٧ و ٣١٨٨ و ٣٢١٢ و ٣٢٩١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٩ - ١٠٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٠٨ و ٨١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧٢ و ١٣٧٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٦٧ و ٩٦٨). وأما بقيّة مسائل الحديث، فقد تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٨١] (٤٣٤) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتِمُّوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥)، وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. و"أنس" ﵁ تقدّم في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٥٠) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُليّ -بضمتين، وتشديد اللام- نسبة إلى "أُبُلّة" موضع بالبصرة، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي) الفاء للتعليل، فالجملة تعليل للأمر بإتمام الصفوف، فكأنه يقول لهم: إنما أمرتكم بذلك؛ لأني تحقّقت منكم خلافه، وقد تقدّم قريبًا المعنى المراد من هذه الرؤية، وأن الصواب أنها رؤية

стр. 5637

حقيقيّة، خلافًا لمن زعم أن المراد بها خلق علم ضروريّ له بذلك، ونحو ذلك، قال ابن المنيّر ﵀: لا حاجة إلى تأويلها؛ لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة، وقال القرطبيّ ﵀: بل حملها على ظاهرها أولى؛ لأنه زيادة في كرامة النبيّ ﷺ (١). وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٨٢] (٤٣٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: "أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّم هذا الإسناد بعينه قبل أربعة أبواب. وقوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. . . إلخ) فاعل "قال" ضمير همّام، واسم الإشارة إلى كتاب مجموع من أحاديث، وهي الصحيفة المشهورة بصحيفة همّام بن منبّه، رواها عبد الرزاق، عن معمر، عنه، ثم رواها أصحاب الكتب الستّة عن أصحاب عبد الرزاق، وقد تقدّم بيانها غير مرّة. وقوله: (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) أي ذكر أبو هريرة ﵁ أحاديث كثيرة، ويحتمل أن يكون الضمير لهمّام. وقوله: (مِنْهَا: وَقَالَ. . . إلخ) الجارّ والمجرور خبر مقدّم، و"قال" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ) هكذا بإفراد "الصفّ"، والمراد الجنس، أي سوّوه، وعدّلوه، وتراصّوا فيه.

стр. 5638

وقوله: (فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ) قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" مترجمًا على هذا الحديث: "بابٌ إقامةُ الصّفّ من تمام الصلاة"، ثم أورده، قال ابن رُشيد: إنما قال البخاريّ في الترجمة: "من تمام الصلاة"، ولفظ الحديث "من حسن الصلاة"؛ لأنه أراد أن يُبيّن أنه المراد بالحسن هنا، وأنه لا يُعْنَى به الظاهر المرئيّ من الترتيب، بل المقصود منه الحسن الحكميّ بدليل حديث أنس، يعني الحديث الذي قبله، حيث عبّر فيه بقوله: "من إقامة الصلاة" (١). انتهى (٢)، وتمام شرح الحديث تقدّم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٢] (٤٣٥)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٢٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٤٢٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦٩). [تنبيه]: حديث أبي هريرة ﵁ هذا مختصر عند المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا، فقال: (٧٢٢) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصفّ في الصلاة، فإن إقامة الصفّ من حسن

стр. 5639

الصلاة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٨٣] (٤٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢. ٢ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ (١) الْغَطَفَانِيُّ) (٢) واسم أبيه رافع الأشجعيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨. ٣ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِير) بن سَعْد بن ثَعْلَبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ بالمدنيّ، ثم سكن الشام، ثم وَلِي إِمْرة الكوفة، ثم قُتِل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة (ع) تقدّم في "الإيمان" ٩٧/ ٥٢٢. والباقون تقدّموا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه منَ سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم؛ لاختلاف صيغ الأداء، فأبو بكر قال: حدّثنا غندر، فذكره بلقبه، وقال: "عن شعبة"، وأما ابن المثنّى وابن بشّار فقالا: حدّثنا

стр. 5640

محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، فذكراه باسمه، وصرّحا بتحديث شعبة له. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، غير أبي بكر، فكوفيّ، كالباقين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي: عمرو، عن سالم، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: "عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبِ) بن أوس بن خالد الذُّهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. قال الجامع عفا اللَّه عنه: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٥١) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ) ﵄ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا) أي يعَدِّلها بيده، أو بأمره (حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا) أي بالصفوف (الْقِدَاحَ) -بكسر القاف، وتخفيف الدال- جمع قِدْحٍ -بكسر، فسكون- وهو خَشَبُ السهام حين تُنْحَتُ وتُبْرَى، قال الخطّابيّ ﵀ في
следующие страницы →