نهيتكم عن الاستنجاء بهما؛ لأنهما زاد إخوانكم من الجنّ، فلا يجوز تنجيسهما؛ احترامًا لحقوقهم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر هذه الرواية أن الجنّ سألوا النبيّ ﷺ عن الطعام، فأخبرهم بما جعل اللَّه لهم من الطعام، ثم نهى عن الاستنجاء به، ويعارض هذا ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قَدِم وفد الجنّ على رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا محمد انْهَ أُمَّتَكَ أن يستنجوا بعظم أو روثة، أو حُمَمَة، فإن اللَّه تعالى جَعَل لنا فيها رزقًا، قال: فنهى رسول اللَّه ﷺ عن ذلك (١).
فظاهر هذه الرواية أن الجنّ هم الذين أخبروا النبيّ ﷺ بطعامهم، وطلبوا منه أن ينهى أمته عن الاستنجاء به.
والجمع بينهما أن يقال: إن الجنّ لَمّا وفدوا على النبيّ ﷺ طلبوا منه الزاد، فدعا اللَّه تعالى لهم، ثم أخبرهم بأن اللَّه جعل لهم كلّ عظم ذُكر اسم اللَّه عليه طعامًا لهم، وكلّ بعرة علفًا لدوابّهم، ثم إنهم رأوا أن الناس يستنجون بهما، فطلبوا منه أن ينهى أمته عن ذلك، فنهى عنه.
والحاصل أن الجنّ طلبوا من النبيّ ﷺ الزاد، فدعا لهم بما ذُكر، وأخبرهم به، ثم طلبوا منه في وقت آخر أن ينهى أمته عن الاستنجاء بما جعل اللَّه تعالى لهم فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٠١٢ و ١٠١٣ و ١٠١٤ و ١٠١٥] (٤٥٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٩ و ٨٥)، و (الترمذيّ) فيها (١٨) و"التفسير"
стр. 5777
(٣٢٥٨)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٥٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٣٢ و ٦٣٢٠ و ٦٥٢٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٠٨ - ١٠٩) وفي "دلائل النبوّة" (٢/ ٢٢٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في هذا الحديث:
قال النوويّ ﵀: قال الدارقطنيّ ﵀: انتهى حديثُ ابن مسعود ﵁ عند قوله: "فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم"، وما بعده من قول الشعبيّ، كذا رواه أصحاب داود، الراوي عن الشعبيّ: ابنُ عُلَيّة، وابن زُريع، وابن أبي زائدة، وابن إدريس، وغيرهم. قال النوويّ ﵀: هكذا قاله الدارقطنيّ وغيره، ومعنى قوله: إنه من كلام الشعبيّ أنه ليس مرويًّا عن ابن مسعود بهذا الحديث، وإلا فالشعبيّ لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبيّ ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة عِلَل الدارقطنيّ ﵀ (٥/ ١٣١):
وسئل -أي الدارقطنيّ ﵀ عن حديث علقمة، عن عبد اللَّه، أنه سئل: هل كان أحد منكم مع النبيّ ﷺ ليلة الجنّ. . . فذكر الحديث، وفيه: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تستنجوا بها" -يعني بالبعر والروث- فقال: يرويه داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن عبد اللَّه، رواه عنه جماعة من الكوفيين، والبصريين، فأما البصريون، فجعلوا قوله: "وسألوه الزاد. . . " إلى آخر الحديث من قول الشعبيّ مرسلًا، وأما يحيى بن أبي زائدة، وغيره من الكوفيين، فأدرجوه في حديث ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ ، والصحيح قول مَن فَصَّلَهُ، فإنه من كلام الشعبيّ مرسلًا. انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أشار الإمام مسلم ﵀ إلى هذه العلّة فيما أورده من الإسنادين التاليين، ففي الرواية الأولى بَيَّنَ أن إسماعيل ابن عليّة فصّل الحديث، فجعله إلى قوله: "وآثار نيرانهم" من قول ابن مسعود ﵁،
стр. 5778
وجعل ما بعده من قول الشعبيّ عن النبيّ ﷺ ، مرسلًا، ثم ذكر في الرواية الثانية، ما يؤيّد هذا، حيث ساق الحديث من رواية عبد اللَّه بن إدريس، عن داود، فجعل آخر حديثه: "وآثار نيرانهم"، فلم يذكر ما بعده، فدلّ على أنه ليس من حديث ابن مسعود ﵁، كما فصّله ابن عليّة.
والحاصل أن أرجح الروايتين رواية من فصّله، وجعل آخره من مرسل الشعبيّ، لكن مراسيل الشعبيّ صححها العلماء، فقد قال العجليّ: مرسل الشعبيّ صحيحٌ، لا يكاد يُرسل إلا صحيحًا، وقال الحسن بن شُجاع الْبَلْخيّ: سمعت عليّ ابن المدينيّ يقول: مرسل الشعبيّ، وسعيد بن المسيّب أحبّ إليّ من داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، ذكره الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح العلل" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول أن كونه من مرسل الشعبيّ، وإن كان هو الراجحَ، لا يُخرجه عن كونه صحيحًا،، فقد صُحّحت مراسيله، فقد قدّمها ابن المدينيّ في كلامه السابق على الموصول، وهذا غاية في الصحّة.
ويَحْتَمِل أن يكون الشعبيّ رواه عن أبي هريرة ﵁، فقد تقدّم أن البخاريّ أخرجه في "صحيحه" من حديثه مرفوعًا، ولفظه: "وإنه أتاني وفد جِنّ نَصِيبين، ونعم الجنُّ، فسألوني الزاد، فدعوت اللَّه لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وَجَدُوا عليها طعامًا". انتهى. والشعبيّ ممن أدرك أبا هريرة، وروى عنه كثيرًا، وأحاديثه عنه في "الصحيحين"، وغيرهما، راجع: "تحفة الأشراف" (٩/ ٤٩٢ - ٤٩٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن النبيّ ﷺ قرأ على الجنّ، ودعاهم إلى اللَّه تعالى.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من طلب العلم، والبحث عن حقيقة المسألة ووجهها، فقد سأل الشعبيّ علقمة عن شهود ابن مسعود ﵁ ليلة الجنّ، كما سأل علقمة عن ذلك ابن مسعود ﵁ نفسه.
٣ - (ومنها): شدّة اهتمام الصحابة ﵃ بالنبيّ ﷺ وشدّة حرصهم على
стр. 5779
أن لا يناله مكروه، وهذا هو واجب كلّ مسلم أن يكون ﷺ أولى عنده من جميع الخلق حتى من نفسه التي بين جنبيه، كما قال اللَّه : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]، فلا يقدّم ما تهواه نفسه على سنته ﷺ ، بل يجعلها نُصْبَ عينيه، اعتقادًا، وقولًا، وفعلًا؛ لأن هذا هو مقتضى الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦].
٤ - (ومنها): بيان أن النبيّ ﷺ بُعث إلى الجنّ كما بُعث إلى الناس.
٥ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ ﷺ حيث إن الجنّ تخضع لأمره، وتطيعه، وتسأله عما أشكل عليها من أمر المعاش والمعاد.
٦ - (ومنها): إثبات البيّنة على الأمر، وإن كان مما لا يُشكّ فيه، فقد أراهم النبيّ ﷺ آثار الجنّ، وآثار نيرانهم حتى يزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، وإلا فالصحابة ﵃ غنيّون عن طلب البيّنة على مثل هذا.
٧ - (ومنها): إثبات معجزة له ﷺ أيضًا، وهي أنه دعا لهم بأن يجعل اللَّه تعالى لهم العظم الذي أُكل لحمه، وبقي بلا شيء لحمًا وافرًا، بل أوفر مما كان به من قبلُ، وكذلك البعر صار علفًا لدوابّهم.
٨ - (ومنها): أن الجنّ يأكلون الطعام، ولهم داوبّ مثل الناس.
٩ - (ومنها): بيان أن للجنّ حقوقًا على الإنس، وأنه يجب البعد عما يؤذيهم كغيرهم.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة السعي في تحصيل ما ينفع الإنسان، ودفع ما يضرّه.
١١ - (ومنها): أن على الإمام أن يحذّر الناس عن إلحاق الضرر بأيّ مسلم إنسًا أو جنًّا.
١٢ - (ومنها): النهي عن الاستنجاء بالعظم، والبعر، ويُلحق به كلّ ما في معناه، من المطعومات، والمحترمات، كأوراق الكتب، وقد تقدّم البحث في هذا في "كتاب الطهارة" مستوفًى، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5780
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ (١) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مُفَصَّلًا، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
و"داود" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁.
وقوله: (إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ) يعني أن حديث ابن مسعود انتهى إلى هذا القدر، فما بعده ليس من حديثه، وإنما هو من حديث الشعبيّ، كما بيّنه بقوله: "قَالَ الشَّعْبِيُّ. . . إلخ".
وقوله: (وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ) لا تنافي بين هذا وبين ما تقدّم من رواية البخاريّ: "أنهم من جنّ نصيبين"؛ لأن نصيبين بلدة مشهورة بالجزيرة، قال في "الفتح": ووقع في كلام ابن التين أنها بالشام، وفيه تجوّز، فإن الجزيرة بين الشام والعراق، قال: ويجوز صرف نصيبين، وتركه. انتهى (٢).
وقوله: (مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ) أي من مرسلاته، وقد تقدّم الحديث موصولًا من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاريّ في "صحيحه" فتنبّه.
стр. 5781
وقوله: (مُفَصَّلًا، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ) أي منقطعًا عنه.
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة هذه ساقها الترمذيّ، في "الجامع"، فقال:
(٣١٨١) حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، عن الشعبيّ، عن علقمة، قال: قلت لابن مسعود ﵁: هل صحب النبيّ ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منّا أحدٌ، ولكن قد افتقدناه ذات ليلة، وهو بمكة، فقلنا: اغْتِيل، أو استُطِير، ما فُعِل به؟ فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، حتى إذا أصبحنا، أو كان في وجه الصبح، إذا نحن به يجيء من قبل حراء، قال: فذكروا له الذي كانوا فيه، فقال: "أتاني داعي الجنّ، فأتيتهم، فقرأت عليهم، فانطَلَقَ، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم".
قال الشعبيّ: وسألوه الزاد، وكانوا من جِنّ الجزيرة، فقال: "كلُّ عظم يُذْكَر اسمُ اللَّه عليه، يقع في أيديكم أوفرَ ما كان لحمًا، وكلُّ بَعْرة، أو روثة عَلَفٌ لدوابّكم"، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد إخوانكم الجنّ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي.
стр. 5782
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) يعني أن عبد اللَّه بن إدريس لم يذكر في روايته عن داود، عن الشعبيّ ما بعد قوله: "وآثار نيرانهم"، بل اقتصر عليه.
[تنبيه]: رواية عبد اللَّه بن إدريس هذه لم أجد من ساقها بتمامها، إلا أن أبا نعيم قال في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (٢/ ٦٩):
(٩٩٧) حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن إدريس، عن داود، عن الشعبيّ، عن علقمة، قال: قلت لعبد اللَّه: أصحبَ النبيّ ﷺ أحد منكم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكن فَقَدناه، فذكره إلى قوله: "وآثار نيرانهم". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (٢) ﷺ ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ تقدّم قبل باب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الطحّان المزنيّ مولاهم، أبو الهيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (خَالِد) بن مِهْرَان الحذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقةٌ ثبت، تغيّر في الآخر [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٤ - (أَبُو مَعْشَرٍ) زياد بن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ت ١٩ أو ١٢٠) (م د ت س) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
стр. 5783
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ) بكسر الدال الأولى؛ أي تمنّيتُ، أو أحببت، يقال: وَدِدتُهُ أَوَدُّهُ، من باب تَعِبَ وُدًّا بفتح الواو، وضمّها: أحببته، والاسم: الْمَوَدّة، ووَدِدتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضًا وُدًّا، ووَدَادَةً بالفتح: تمنّيتُهُ، وفي لغة: وَدَدت أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين، وقال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سَمِعَ، ولكنه سَمِعَه ممن لا يوثق بفصاحته، قاله في "المصباح" (١).
قال النوويّ ﵀: فيه الحرص على مصاحبة أهل الفضل في أسفارهم، ومُهمّاتهم، ومَشَاهدهم، ومَجالسهم مطلقًا، والتأسّف على فوات ذلك. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ) هو: سعيد بن محمد بن سعيد الْجَرْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبيد اللَّه الكوفيّ، صدوقٌ، رُمي بالتشيّع، من كبار [١١].
رَوَى عن عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، وأبي تُمَيلة يحيى بن
стр. 5784
واضح، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبي أسامة، والمطلب بن زياد، وأبي عبيدة الحداد، وحاتم بن إسماعيل، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وأبي يوسف القاضي، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى له أبو داود، وابن ماجه بواسطة الذُّهْليّ، وأبو زرعة، وعبد اللَّه بن أحمد، وعبد الأعلى بن واصل، وابن أبي الدنيا، وعباس الدُّوريّ، وجماعة.
قال أبو زرعة: سألت ابن نُمير، وابن أبي شيبة عنه، فأثنيا عليه، وذاكرت عنه أحمد بأحاديث فعرفه، وقال: صدوق، وكان يطلب معنا الحديث، وقال ابن معين: صدوقٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال إبراهيم بن عبد اللَّه بن أيوب المخزوميّ: كان إذا جاء ذكر عليّ بن أبي طالب، قال: ﷺ .
روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٥٠)، وحديث (٩٩٦): "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته"، و (١٨١٤): "غزا رسول اللَّه ﷺ تسع عشرة غزوة. . . ".
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل باب.
٤ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٥ - (مَعْن) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذليّ المسعوديّ، أبو القاسم الكوفيّ القاضي، ثقةٌ، من كبار [٧].
رَوَى عن أبيه، وأخيه القاسم، وعون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وجعفر بن عمرو بن حُريث، وأبي داود الأعمى.
وروى عنه الثوريّ، ومِسْعَر، وليث بن أبي سُليم، ومحمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعوديّ، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال العجليّ: كان على قضاء الكوفة، وكان صارمًا عفيفًا مسلمًا
стр. 5785
جامعًا للعلم، وقال ابن سعد: قليل الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: كان قاضيًا على الكوفة، ثقةً.
تفرّد به الشيخان، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٥٠)، وحديث (٨٠٠): "اقرأ عليّ، قال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال. . . ".
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذَليّ الكوفي، ثقة، من صغار [٢].
رَوَى عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، والأشعث بن قيس، وأبي بردة بن نيار إن كان محفوظًا، ومسروق بن الأجدع.
وروى عنه ابناه: القاسم، ومعن، وسماك بن حرب، والحسن بن سعد، وعبد الملك بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم.
قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا، فأما علي ابن المديني فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد: مات عبد اللَّه، وعبد الرحمن ابن ست سنين أو نحوها. وقال أحمد: أما سفيان الثوري وشريك فإنهما يقولان: سمع. وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت. وقال العجلي: يقال: إنه لم يَسمَع من أبيه إلا حرفًا واحدًا: "مُحَرِّم الحلال كمستحلّ الحرام"، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: سمع من أبيه، ومن علي. وقال أبو حاتم: صالح.
ورَوَى البخاري في "التاريخ الصغير" بإسناد لا بأس به، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه قال: لما حضر عبد اللَّه الوفاةُ قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني، قال: ابك من خطيئتك.
ورَوَى البخاري في "التاريخ الكبير"، وفي "الأوسط" من طريق ابن خُثَيم عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: إني مع أبي. . . فذكر الحديث في تأخير الصلاة، وزاد في "الأوسط": قال شعبة: لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي. وقال ابن المديني في "العلل": سمع من أبيه حديثين: حديث الضبّ، وحديث تأخير الوليد للصلاة. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن
стр. 5786
سعد: كان ثقة قليل الحديث، وأسند حديثه: "مُحَرِّم الحلال. . . " من طريق سماك عنه. وقال أبو حاتم: سمع من أبيه، وهو ثقة. وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه. انتهى.
قال الحافظ: وهو نقلٌ غير مستقيم.
وقال خليفة بن خياط: مات مَقْدَمَ الحجاج العراق سنة (٧٩).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن أرجح الأقوال أنه سمع من أبيه، ولكنه قليلٌ، واللَّه تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٧ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ٢٢٧.
و"ابن مسعود ﵁" ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه عبيد اللَّه، وقد دخل الكوفة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبد الرحمن، عن مسروق، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَعْن) بن عبد الرحمن المسعوديّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود (قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا) أي ابن الأجدع (مَنْ آذَنَ) بالمدّ: أي أعلم (النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ) أي بحضورهم مجلسه ﷺ (لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ) مسروق (حَدَّثَنِي أَبُوكَ، يَعْنِي) أي يقصد مسروق بقوله: "أبوك" (ابْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (أَنَّهُ) الضمير للشأن، أي أن الأمر والشأن (آذَنَتْهُ) أي أعلمته (بِهِمْ) أي بحضور الجنّ (شَجَرَةٌ) وفي رواية إسحاق ابن راهويه في
стр. 5787
"مسنده" عن أبي أُسامة بهذا الإسناد: "آذنت بهم سَمُرَة"، وهي بفتح المهملة، وضمّ الميم (١).
قال النوويّ ﵀: هذا دليلٌ على أن اللَّه تعالى يَجعَل فيما يشاء من الجماد تمييزًا، ونظيره قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤]، وقوله ﷺ : "إني لأَعْرِف حجرًا بَمكة، كان يُسِّلم عليّ قبل أن أُبْعَثَ، إني لأعرفه الآن"، رواه مسلم (٢)، وحديث الشجرتين اللتين أتتاه ﷺ ، وقد ذكره مسلم في آخر الكتاب، وحديث حَنِين الْجِذْع، وتسبيح الطعام، وفِرَار حَجَر موسى بثوبه، ورَجَفَان حِرَاء، وأُحُد. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث ابن مسعود ﵁ هذا يدلّ على أنه ﷺ لم يعلم بحضور الجنّ، ولا رآهم، ويعارضه حديثه الماضي أنه ﷺ قال: "أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ معه، فقرأت عليهم القرآن"، فإنه يدلّ على أنه علم بهم، ورآهم، وقرأ عليهم القرآن، وكلّموه في شأن الزاد.
ووجه الجمع بينهما أن يقال: إنهما واقعتان وقعتا له ﷺ ، ففي إحداهما لم يعلم بهم، وإنما أعلمته شجرة كانت عنده، وأخرى جاءه داعيهم، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن، وكلّموه، كما مرّ الجمع بين حديثه، وحديث ابن عبّاس ﵄: "ما قرأ رسول اللَّه ﷺ على الجنّ، وما رآهم"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٠١٦] (٤٥٠)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨٥٩)، و (البزار) في "مسنده" (٥/ ٣٥٢)، و (أبو نعيم) في
стр. 5788
"مستخرجه" (٩٩٩)، وبقيّة المسائل تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٥) - (بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٧] (٤٥١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، يَعْنِي الصَّوَّافَ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، يُنسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ) هو الحجاج بن أبي عثمان ميسرة، أو سالم الصوّاف الكنديّ مولاهم، أبو الصلت البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٢/ ٣١٨.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ البصريّ، وسكن المدينة مدّةً، ثقةٌ ثبتُ، يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
стр. 5789
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه مكثر، قيل: اسمه: عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٧ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ، الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَمِيّ المدنيّ، الصحابيّ الشهير، شَهِدَ بدرًا، ومات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "وهو ابن أبي كثير"، وقد تقدّم سرّ إدخال لفظة "وهو" غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين، ويحيى بن أبي كثير، وإن كان بصريًّا يماميًّا، لكنه سكن المدينة في طلب العلم عشر سنين (١).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين، ورواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن أبا قتادة ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، يقال له: فارس رسول اللَّه ﷺ .
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ) ذكر أبي سلمة لا يوجد إلا في هذه الرواية، فقد رواه عن يحيى بن أبي كثير جماعة، وهم: همام بن يحيى، وأبان بن يزيد، عند المصنّف، وهشام الدستوائيّ، والأوزاعيّ عند البخاريّ، ومعمر عند أبي داود، فكلّهم اقتصروا على عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، ولم يزد أبا سلمة إلا حجاج الصوّاف، خالف الجماعة في الزيادة،
стр. 5790
ولعله لكونه حافظًا لم يعتبروه شاذًّا، فلم ينبّه عليه، ولا النسائيّ، مع أنه كثير التنبيه في مثل هذا، واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ ﵁، ووقع في رواية الْجَوْزقيّ، من طريق عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير التصريح بالإخبار ليحيى من عبد اللَّه، ولعبد اللَّه من أبيه، وكذا للنسائي من رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، لكن بلفظ التحديث فيهما، وكذا عنده من رواية أبي إسماعيل القنّاد، عن يحيى: حدّثني عبد اللَّه، فأُمِن بذلك تدليس يحيى، قاله في "الفتح" (١).
(قَالَ) أبو قتادة ﵁ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قال ابن الملقّن ﵀: "كان" تقتضي الدوام في الفعل، وقد سلف. انتهى (٢). (يُصَلِّي بِنَا) أي إمامًا للصحابة ﵃ (فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) بتحتانيّتين، تثنية الأولى، وكذلك الأخريان تثنية أخرى، وأما ما يشيع على الألسنة من الأُولة، وتثنيتها بالأولتين، فمرجوح في اللغة، كما نبّه عليه ابن دقيق العيد (٣)، والجارّ والمجرور بدل من الأول بدل اشتمال، كما تقول: أعجبتني الجارية حديثها، وقوله: (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ) متعلّق بـ "يقرأ"، والمراد أنه يقرأ في كل ركعة سورة كما سيأتي صريحًا في الروايات الآتية.
وسُمّيت السورة سورةً؛ لانفصالها عن أختها، وقيل: لشرفها وارتفاعها، كما يقال لما ارتفع من الأرض: سورة، وقيل: لأنها قطعة من القرآن، فعلى هذا يكون أصلها الهمز، ثم خُفّفت، وأُبدلت واوًا؛ لضمّ ما قبلها، وقيل: لتمامها وكمالها، من قولهم للناقة التامّة: سورة، قاله ابن الملقّن (٤)، وجمع السُّورة سُوَر بفتح الواو، مثل غُرْفة وغُرَف، ويجمع على سُورات بضمّ، فسكون، وسُوَرَات بضم، ففتح (٥).
стр. 5791
(وَيُسْمِعُنَا) بضم أوله، من الإسماع (الْآيَةَ أَحْيَانًا) أي في أحيان، جمع حين، وهو يدلّ على تكرّر ذلك منه ﷺ .
وفي رواية النسائي من حديث البراء ﵁: "كنا نصلي خلف النبيّ ﷺ الظهر، فنَسْمَع منه الآية بعد الآية، من سورة لقمان، والذاريات"، ولابن خزيمة من حديث أنس ﵁ نحوه، لكن قال: "بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية: ١].
(وَكَانَ يُطَوِّلُ) بتشديد الواو، من التطويل (الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ) بتشديد الصاد المهملة، من التقصير، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّ الصاد ثلاثيًّا، من باب نصر، من القصر.
وإنما طوّل في الأولى؛ إعانةً للناس على إدراك صلاة الجماعة كاملةً بإدراك الركعة الأولى؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية.
ويؤيّد هذا ما رَوَاه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى في آخر هذا الحديث: "فظننا أنه يريد بذلك أن يُدرِك الناس الركعة"، ولأبي داود، وابن خزيمة نحوه، من رواية أبي خالد، عن سفيان، عن معمر.
ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إني لأحب أن يُطَوِّل الإمام الركعة الأولى من كل صلاة، حتى يكثر الناس.
وقال الشيخ تقيّ الدين ﵀: كأن السبب في ذلك أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرًا من الملل. انتهى.
وهذا الحديث يدلّ على استحباب تطويل الأولى على الثانية، ولا يعارضه حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ الآتي حيث قال: "أَمُدّ في الأوليين"؛ لأن المراد تطويلهما على الأخريين، لا التسوية بينهما في الطول، وقال مَن استحبّ استواءهما: إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء.
لكن يعارض ما ذكر ما يأتي في حديث أبي سعيد ﵁: "كان يقرأ في الظهر في الأوليين، في كل ركعة قدر ثلاثين آية"، وفي رواية لابن ماجه: أن الذين حَزَرُوا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة، فإنه ظاهر في استواء الأوليين.
стр. 5792
وقد جمع ابنُ حبان: بأن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها، مع استواء المقروء فيهما. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن حبّان ﵀ هو الوجه عندي في الجمع بين حديث أبي قتادة هذا، وحديث أبي سعيد المذكور، وإلا فالتعارض حاصل، اللهم إلا أن يُحْمَل على أوقات مختلفة، لكن الأول هو الظاهر.
ومما يؤيّد ما قاله ابن حبّان ما رواه المصنّف من حديث حفصة ﵂ أنه ﷺ "كان يُرَتِّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها"، واللَّه تعالى أعلم.
(وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ) فيه جواز تسمية الصلاة بوقتها، يعني أنه ﷺ كان يطوّل الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر الثانية.
[تنبيه]: لم يقع في حديث أبي قتادة ﵁ هذا هنا ذكر القراءة في الأخريين، فتمسك به بعض الحنفية على إسقاطها فيهما، وهذا استدلال باطلٌ؛ لأنه ثبت في حديثه كما سيأتي في الرواية ففيها: "ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب".
والحاصل أن القراءة في كلّ ركعة فرض، كما تقدّم تحقيقه في محلّه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٠١٧ و ١٠١٨] (٤٥١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٥٩ و ٧٦٢ و ٧٧٨ و ٧٧٩ و ٧٩٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٩٨ و ٧٩٩ و ٨٠٠)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، و (ابن ماجه) فيها (٨١٩ و ٨٢٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٧٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٠٣ و ٥٠٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٣٠ و ١٨٣١ و ١٨٥٥ و ١٨٥٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٨٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٥١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"
стр. 5793
(١٠٠٠ و ١٠٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في صلاة الظهر والعصر.
٢ - (ومنها): بيان استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز الجهر في السرية، وأنه لا سجود سهو على من فعل ذلك؛ خلافًا لمن قال ذلك من الحنفية وغيرهم، سواءٌ قلنا: كان يفعل ذلك عمدًا لبيان الجواز، أو بغير قصد للاستغراق في التدبر.
٤ - (ومنها): أن فيه حجةً على من زعم أن الإسرار شرط لصحة الصلاة السرية.
٥ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀: فيه دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار، دون التوقف على اليقين؛ لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه مأخوذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ويَحْتَمِل أن يكون الرسول ﷺ كان يُخبرهم عقب الصلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السورتين، وهو بعيد جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من طويلة، قاله النوويّ، وزاد البغويّ: ولو قصرت السورة عن المقروء، كأنه مأخوذ من قوله: "كان يفعل"؛ لأنها تدلّ على الدوام، أو الغالب.
وقال النوويّ ﵀: فيه دليل لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من طويلة؛ لأن المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يَخْفَى الارتباط على أكثر الناس، أو كثير منهم، فنُدِب إلى إكمال السورة؛ ليحترز عن الوقوف دون الارتباط، وأما اختلاف الرواية في السورة في الأخريين، فلعل سببه اختلاف إطالة الصلاة، وتخفيفها بحسب الأحوال. انتهى (١).
стр. 5794
٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل؛ قال القرطبيّ ﵀: ولا حجة فيه؛ لأن الحكمة لا يُعَلَّل بها؛ لخفائها، أو لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة، ثم يطيلها لأجل الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سنتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق. انتهى. وقد ذكر البخاريّ ﵀ في "جزء القراءة" كلامًا معناه: أنه لم يَرِدْ عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: انتظار الداخل في الركوع ليس عليه دليلٌ، وغاية ما في هذا الحديث أنه ﷺ كان يطوّل القيام بالقراءة، ليدركه الناس، ففي رواية أبي داود من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى"، ولابن خزيمة نحوه، وروى ابن حبّان من طريق سفيان، عن معمر، ولفظه: "كنا نرى ذلك أنه يفعل ليتدارك الناس"، وبوّب عليه ابن حبّان: "باب ذكر السبب الذي من أجله كان يطوّل المصطفى ﷺ في الركعة الأولى". انتهى.
وأخرج أحمد، وأبو داود بسند فيه ضعف، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، أن النبيّ ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وَقْعَ قَدَم. انتهى (١).
والحاصل أن انتظار الداخل بتطويل القراءة مستحبّ، وأما بالركوع، فلا دليل عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ما قاله أهل العلم في توجيه اختلاف صلاة النبيّ ﷺ تطويلًا وتخفيفًا:
قالوا: كانت صلاة رسول اللَّه ﷺ تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل، ولا شغل هناك له، ولا لهم طَوَّل، وإذا لم يكن كذلك خَفَّف، وقد يريد الإطالة، ثم يَعْرِض ما يقتضي
стр. 5795
التخفيف، كبكاء الصبي ونحوه، وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف، وقيل: إنما طوّل في بعض الأوقات، وهو الأقل، وخَفَّف في معظمها، فالإطالة لبيان جوازها، والتخفيف؛ لأنه الأفضل، وقد أمر ﷺ بالتخفيف، وقال: "إن منكم منفِّرين، فأيكم صلّى بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف، وذا الحاجة"، وقيل: طَوَّل في وقت، وخفف في وقت؛ ليبيّن أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط، بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنما المشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها، واختَلَفت فيما زاد.
وعلى الجملة: السنّة التخفيف كما أمر به النبيّ ﷺ للعلة التي بَيَّنَها، وإنما طَوَّل في بعض الأوقات؛ لتحققه انتفاء العلة، فإن تحقق أحدٌ انتفاء العلة طَوَّل، ذكره النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال النوويّ ﵀: قد اختَلَف العلماء في استحباب قراءة السورة في الأخريين من الرباعية، والثالثة من المغرب، فقيل بالاستحباب وبعدمه، وهما قولان للشافعيّ ﵀. قال الشافعيّ: ولو أدرك المسبوق الأخريين أتى بالسورة في الباقيتين عليه؛ لئلا تخلو صلاته من سورة.
وأما اختلاف قدر القراءة في الصلوات فهو عند العلماء على ظاهره، قالوا: فالسنّة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، وتكون الصبح أطول، وفي العشاء والعصر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، قالوا: والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنهما في وقت غفلة بالنوم آخر الليل، وفي القائلة، فيُطَوِّلهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر ليست كذلك، بل تفعل في وقت تَعَب أهل الأعمال، فخُفِّفت عن ذلك، والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك، ولحاجة الناس إلى عَشَاء صائمهم وضيفهم، والعِشَاء في وقت غلبة النوم والنعاس، ولكن وقتها واسع، فأشبهت العصر، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5796
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة، له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث حجة لمالك على صحّة مذهبه في اشتراط قراءة الفاتحة في كلّ ركعة، وعلى قراءة سورتين مع الفاتحة في الركعتين الأوليين، وأن ما بقي من الصلاة لا يُقرأ فيه إلا بالفاتحة خاصّة، وقد تمسّك الشافعيّ في أنه يقرأ فيما بقي بسورة مع الفاتحة بحديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ووجه تمسّكه قوله: إنه قرأ في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك، والفاتحة إنما هي سبع آيات، لا خمس عشرة، فكان يزيد سورةً.
قال: وهذا لا حجة فيه، فإنه تقدير وتخمين من أبي سعيد، ولعلّه ﷺ كان يمدّ في قراءة الفاتحة حتى يقدّر بذلك، وهذا الاحتمال غير مدفوع، وقد جاء عنه ﷺ أنه كان يرتّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وهذا يشهد بصحّة هذا التأويل، وحديث أبي قتادة نصّ، فهو أولى.
стр. 5797
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الشافعيّ ﵀ من جواز قراءة السورة بعد الفاتحة في الأخريين هو ظاهر الأحاديث، ولا تعارض بينه وبين حديث أبي قتادة؛ لإمكان الجمع بينهما باختلاف الأوقات.
ومما يؤيّد ما قاله الشافعيّ: حديث المسيء صلاته، حيث أمره النبيّ ﷺ بأن يقرأ بأم القرآن، وبما تيسّر، ثم قال له: "وافعل ذلك في صلاتك كلّها"، ففيه بيان أن زيادة ما تيسّر على الفاتحة يعمّ الأخريين، وقد تقدّم بيان ذلك مستوفًى في محلّه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وما ورد في كتاب مسلم وغيره من الإطالة فيما استقرّ فيه التقصير، أو التقصير فيما استقرّت فيه الإطالة، كقراءته في الفجر بالمعوّذتين، كما رواه النسائيّ، وكقراءة الأعراف، والمرسلات في المغرب، فمتروك، أما التطويل فبإنكاره على معاذ، وبأمره الأئمة بالتخفيف، ولعل ذلك منه ﷺ حيث لم يكن خلفه من يشقّ عليه القيام، وعَلِمَ ذلك، أو كان منه ذلك متقدّمًا حتى خفّف، وأمر الأئمة بالتخفيف، كما قال جابر بن سَمُرة: وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا.
ويَحْتَمِلُ أن يكون فعل ذلك في أوقات ليبيّن جواز ذلك بحسب اختلاف الأوقات من السعة والضيق، وقد استقرّ عمل أهل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرًا لا يضرّ من خلفه بقراءتها بطوال المفصّل، ويليها في ذلك الظهر، والجمعة، وتخفيف القراءة في المغرب، وتوسيطها في العصر والعشاء، وقد قيل في العصر: إنها تُخفّف كالمغرب، وتطويله ﷺ في الركعة الأولى إنما كان ليدرك الناس الركعة الأولى، رواه أبو داود من حديث أبي قتادة ﵁، وعن ابن أبي أوفى أنه ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع الأقدام، يعني حتى يتكامل الناس، ويجتمعوا، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي سعيد: أنه كان يطوِّل الركعة الأولى من الظهر، بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي النبي ﷺ ، وهو فيها، وذلك -واللَّه أعلم- لتوالي دخول الناس.
قال: ولا حجة للشافعيّ في هذا الحديث على تطويل الإمام؛ لأجل الداخل؛ لأن ما ذُكر ليس تعليلًا لتطويل الأولى، وإنما هي حكمته، ولا يُعلّل
стр. 5798
بالحكمة؛ لخفائها، أو لعدم انضباطها (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم حديث أبي قتادة عند ابن حبّان بلفظ: "كنا نرى أنه يفعل ذلك ليتدارك الناس"، فهذا تعليلٌ واضح من الصحابيّ، فما قاله الشافعيّ هو الأرجح، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٩] (٤٥٢) - (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾، وَقَالَ: قَدْرَ ثَلَاِثِينَ آيَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
стр. 5799
٤ - (مَنْصُور) بن زاذان -بزاي، ثم ذال معجمتين- الواسطيّ، أبو المغيرة الثقفيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن أنس، يقال: مرسل، وأبي العالية رُفَيع، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، ومحمد بن سيرين، وميمون بن أبي شبيب، ومعاوية بن قرة، وحميد بن هلال، وقتادة، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، وغيرهم.
وروى عنه ابن أخيه مسلم بن سعيد الواسطيّ، وحبيب بن الشهيد، وجرير بن حازم، وخلف بن خليفة، وهشيم، وأبو حمزة السُّكَّريّ، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقةٌ، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: رجل صالحٌ متعبدٌ، كان ثقةً ثبتًا، وكان سريع القراءة، وكان يحب أن يترسل فلا يستطيع، وقال إبراهيم بن عبد اللَّه الْهَرَويّ، عن هشيم: لو قيل لمنصور بن زاذان: إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل.
وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال غيره: سنة تسع، وقال يزيد بن هارون: مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يَختم القرآن بين الأولى والعصر، وكان من المتقَشِّفين المتجرِّدين، مات سنة تسع وعشرين ومائة. انتهى. وفيها أرَّخه خليفة بن خياط، ويحيى بن بكير، والبخاريّ، وابن قانع، والقَرّاب، وكذا حكاه ابن أبي خيثمة عن ابن معين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، هذا برقم (٤٥٢) وأعاده بعده، وحديث (٤٦٥) و (٨٢٦) و (١١٩١) و (١٦٥٢) وأعاده بعده.
[تنبيه]: وقع للنوويّ ﵀ هنا وهم، وهو أنه قال: أما منصور فهو ابن المعتمر، وهذا غلط بلا شكّ، فإنه منصور بن زاذان، كما نصّ عليه أبو داود في "سننه" (١/ ٢١٣) رقم (٨٠٤) فقال: "أخبرنا منصور بن زاذان"، والنسائيّ في "سننه" في هذا الإسناد، وفي الإسناد الذي بعده، فقال في الأول: "أنبأنا منصور بن زاذان"، وفي الثاني: "عن منصور بن زاذان"، وكذا نصّ عليه
стр. 5800
الدارقطنيّ في "سننه" (١/ ٣٣٧)، والمزيّ في "تحفة الأشراف" (٣/ ٣٠٥)، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٥ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) بن شهاب الْعَنبريّ (١)، أبو بشر البصريّ، ثقة [٥] (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٦ - (أَبُو الصِّدِّيقِ) بكر بن عَمْرو، وقيل: ابن قيس الناجيّ -بالنون والجيم- البصريّ، ثقة [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي سعيد، وعائشة.
وروى عنه قتادة، وعاصم الأحول، والعلاء بن بشير المزنيّ، والوليد بن مسلم الْعَنْبَريّ، ومُطَرِّف بن الشِّخِّير، وهو من أقرانه، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: تُوُفّي سنة (١٠٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٥٢) وأعاده بعده، وحديث رقم (٢٧٦٦): "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ، قتل تسعًا وتسعين نفسًا. . . "، وأعاده بعده.
[تنبيه]: قوله: "الناجيّ" بنون، ثم جيم: نسبة إلى ناجية، قبيلةٌ من سامة بن لُؤيّ، قاله في "اللباب" (٢).
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح" المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
стр. 5801
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، والوليد بن مسلم، كما أسلفته.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين كوفيّ، وهو أبو بكر، ونيسابوريّ، وهو يحيى، وواسطيين، وهما: هشيم، ومنصور، وبصريين، وهما: الوليد وأبو الصدّيق، ومدنيّ، وهو الصحابيّ ﵁.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا هشيم "إشارة إلى اختلاف شيخيه في الأداء، فيحيى بن يحيى صرّح بإخبار هُشيم له، بخلاف أبي بكر.
٥ - (ومنها): أن هشيمًا معروف بالتدليس، وقد عنعن هنا، لكنه صرّح بالإخبار عند أبي داود، في "سننه" (١/ ٢١٣) رقم (٨٠٤) وبالإنباء عن النسائيّ في "سننه" برقم (٤٧٥)، وصرّح بالتحديث عند الدارقطنيّ في "سننه" (١/ ٣٣٧) فزال عنه تهمة التدليس، وللَّه الحمد.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الوليد، عن أبي الصدّيق.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنَّا) فيه أن الذين حَزَرُوا كانوا جماعةً، وقد أخرج ابن ماجه في "سننه" بسند ضعيف، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "اجتمع ثلاثون بدريًّا، من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: تَعَالَوا حتى نَقِيس قراءة رسول اللَّه ﷺ فيما لم يَجهَر فيه من الصلاة، فما اختَلَف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر" (١).
стр. 5802
(نَحْزُرُ) أي نقدّر، يقال: حَزَرت الشيءَ حَزْرًا، من بابي ضرب، ونصر: قدّرته، ومنه حَزَرْتُ النخلَ: إذا خَرَصته، قاله الفيّوميّ (١). (قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بنصب "قيامَ" على المفعوليّة لـ "نحزر" (فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) متعلّق بـ "قيام"، أي في كلّ من صلاة الظهر، وصلاة العصر (فَحَزَرْنَا) أي قدّرنا (قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأوُلَيَيْنِ) بضم الهمزة تثنية الأولى، كما تقدّم قريبًا، أي في كلّ من الركعتين الأوليين، وليس المراد أنه يقرأ في كليهما مقدار ذلك، ويوضّح هذا المعنى الرواية التالية بلفظ: "كان يقرأ في صلاة الظهر، في الركعتين الأوليين، في كلّ ركعة قدر ثلاثين آية" (مِنَ) صلاة (الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ) بنصب "قدر" على الظرفيّة، أي مقدار ما يقرأ القارئ ثلاثين آيةً، وقوله: "قراءة" مضاف إلى (﴿الم (١)﴾) لقصد لفظه، وقوله: (﴿تَنْزِيلُ﴾) بالرفع على الحكاية، ويجوز جره على البدل، ونصبه بتقدير "أعني"، وقوله: (السَّجْدَةِ) قال النوويّ: يجوز جرّها على البدل، ونصبها بـ "أعني"، ورفعها خبرأ لمبتدأ محذوف، قال القاري: ولا يخفى أن هذه الوجوه الثلاثة كلّها مبنيّة على رفع ﴿تَنْزِيلُ﴾ حكايةً، وأما على إعرابه، فيتعيّن جرّ "السجدة" على الإضافة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إضافةُ ﴿تَنْزِيلُ﴾ إلى "السجدة" من إضافة العام للخاصّ، كشجر أراك (وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ) بضم الهمزة أيضًا تثنية الأُخرى (قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أي قدر خمس عشرة آيةً.
وهذا دليلٌ على أنه ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر غير الفاتحة، ويوضّح ذلك قوله: (وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِن) صلاة (الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ) ووقع في شرح النوويّ: "على قدر قيامه من الأخريين"، قال النووي: كذا هو في معظم الأصول "من الأخريين"، وفي بعضها: "في الأخريين"، وهو معنى رواية "من". انتهى (٣). (مِن) صلاة
стр. 5803
(الظُّهْرِ) إذ من المعلوم أنه ﷺ كان يقرأ في الأوليين من العصر غير الفاتحة، وبهذا يتبيّن أن ما ذهب إليه الشافعيّ ﵀ من جواز قراءة غير الفاتحة معها في الأخريين مذهب قويّ، لا كما ادّعاه القرطبيّ في كلامه الماضي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ) أي وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين (مِن) صلاة (الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أي من قيامه في الأوليين، فيكون بقدر سبع آيات، أو نحوها؛ لأنه يأتي في الرواية التالية: "أنه كان يقرأ في العصر في الركعتين الأوليين في كلّ ركعة قدر خمس عشرة آيةً" فيكون نصف ذلك المقدار المذكور.
وفيه دليلٌ على أنه ﷺ كان لا يزيد في الأخريين من العصر على الفاتحة بخلاف الظهر، كما أسلفناه آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [السجدة: ١، ٢]، وَقَالَ) بدل ذلك (قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً). ونصّ روايته في "المصنّف" (١/ ٣١٢):
(٣٥٦٨) حدّثنا أبو بكر، قال: نا هشيم، عن منصور، عن أبي بِشْر الْهُجَيميّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "كنا نَحْزِرُ قيام رسول اللَّه ﷺ في الظهر والعصر، قال: فحزرنا قيامه في الظهر، في الركعتين الأوليين بقدر ثلاثين آيةً، وحزرنا قيامه في الظهر، في الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين، من العصر على قدر الأُخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخريين، من العصر على النصف من ذلك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 5804
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٠١٩ و ١٠٢٠] (٤٥٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٠٤)، و (النسائيّ) فيها (١/ ٢٣٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٢٥ و ١٨٢٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٥٩ و ١٧٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٠٢ و ١٠٠٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٠٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٣٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة القراءة في صلاة الظهر والعصر.
٢ - (ومنها): بيان كون عدد ركعات صلاة الظهر والعصر أربعًا في الحضر.
٣ - (ومنها): بيان عدم مشروعيّة الجهر في الظهر والعصر؛ لقوله: "كنا نحزِر"؛ فإنهم ما قدّروا ذلك إلا لعدم سماعهم لقراءته لكونه لا يجهر.
٤ - (ومنها): استحباب تطويل الركعتين الأوليين، وقصر الأخريين في كلّ من الظهر والعصر.
٥ - (ومنها): استحباب كون صلاة العصر على النصف من صلاة الظهر.
قيل: الحكمة في كون العصر على النصف من الظهر كون صلاة الظهر تُفعَل في وقت الغفلة بنوم القائلة، فطُوّلت ليدركها المتأخّر بخلاف العصر، فإنها تفعل في وقت تَعَب أهل الأعمال، فخُفّفت لذلك، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة الحرص على معرفة مقدار صلاة النبيّ ﷺ حتى يتّبعوه عليها، ويُبلّغوا ذلك من بعدهم من الأمّة.
٧ - (ومنها): مشروعيّة قراءة غير الفاتحة في الظهر في الركعتين الأخريين؛ لأن الفاتحة سبع آيات، وهو ﷺ كان يقوم قدر خمس عشرة آيةً، وهذا هو المذهب الجديد للشافعيّ، وهو الراجح لظاهر هذا الحديث.
٨ - (ومنها): كونه لا يقرأ في العصر في الأخريين أكثر من الفاتحة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5805
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، أَوْ قَالَ: نِصْفَ ذَلِكَ، وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) عن بضع وتسعين سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا قبله، و"منصور": هو ابن زاذان، و"الوليد أبو بشر" هو: ابن مسلم العنبريّ.
وقوله: (عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ) هكذا في رواية المصنّف، وهو الصواب، ووقع عند النسائيّ بدله "عن أبي المتوكّل"، والصواب ما هنا، وقد استوفيت الكلام فيه في "شرح النسائيّ" (١)، فراجعه، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً إلخ) قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" -بعد إخراجه الحديث بلفظ: "فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آيةً"- ما نصّه: قول أبي سعيد ﵀: "فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية" يُضَادّ في الظاهر قول أبي قتادة ﵁: "ويطيل في الأولى، ويقصر في الثانية"، وليس
стр. 5806
بحمد اللَّه ومَنِّهِ كذلك؛ لأن الركعة الأولى كان يقرأ ﷺ فيها ثلاثين آية بالترسيل والترتيل والترجيع، والركعة الثانية كان يقرأ فيها مثل قراءته في الأولى بلا ترسيل ولا ترجيع، فتكون القراءتان واحدة، والأولى أطول من الثانية. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ مفيدٌ.
وقوله: (خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً) بفتح شين "عشرة"، ويجوز تسكينها، ويجوز كسرها أيضًا، وهي لغة بني تميم، قال في "الخلاصة":
وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيثِ إِحْدَى عَشْرَهْ … والشِّيْنُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ (٢)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٢١] (٤٥٣) - (حَدَّثَنَا (٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ لَهُ مَا عَابُوهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَبَا إِسْحَاقَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ الْفَرسيّ، ثقة فقيهٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) عن (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
٢ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ،
стр. 5807
نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
٣ - (٣) - (سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٥) على المشهور (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وواسطيّ، وكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ.
٥ - (ومنها): أن سعدًا أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وآخر من مات منهم، وهو أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، ذو مناقب جمّة ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄، قد وقع التصريح بسماع عبد الملك، عن جابر بن سمرة ﵄ في رواية أحمد وغيره، قاله في "الفتح" (أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ) بضمّ الكاف، هي البلدة المعروفة، وهي دار الفضل، ومحلّ الفضلاء، بنيت في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، أمر نوابه ببنائها هي والبصرة، قيل: سميت كُوفة لاستدارتها، تقول العرب: رأيت كُوفًا، وكُوفانًا للرمل المستدير، وقيل: لاجتماع الناس فيها، تقول العرب: تَكَوَّف الرملُ: إذا استدار، ورَكِبَ بعضُهُ بعضًا، وقيل: لأن ترابها خالطه حَصًى، وكل ما كان كذلك سُمِّي كُوفةً، قال الحافظ أبو بكر الحازميّ وغيره: ويقال للكوفة أيضًا: كُوفان بضم الكاف. انتهى (١).
وقال في "اللسان": الْكُوفة: الرَّمْلةُ المجتمعة، وقيل: الكوفةُ: الرملة ما
стр. 5808
كانت، وقيل: الكوفة: الرملة الْحَمْراء، وبها سُمّيت الكوفةُ، وقال الأزهريّ والليث: كُوفانُ اسم أرض، وبها سُمّيت الكوفةُ، وقال ابن سِيدَهْ: الكوفةُ بلدٌ، سُمّيت بذلك؛ لأن سعدًا لَمّا أراد أن يبني الكوفة ارتادها لهم، وقال: تَكَوَّفُوا في هذا المكان، أي اجْتَمِعُوا فيه، وقال المفضّل: إنما قال: كَوِّفُوا هذا الرمل، أي نَحُّوه، وانزِلُوا، ومنه سُمِّيت الكوفةُ، وكُوفانُ اسم الكوفة، قال اللِّحْيانيّ: وبها كانت تُدعَى قبلُ، وقال الكسائيّ: كانت الكوفة تُدعى كُوفانَ، وكَوَّفَ القومُ أَتَوُا الكوفة، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا مَا رَأَتْ يَوْمًا مِنَ النَّاسِ رَاكِبًا … يُبَصِّرُ مِنْ جِيرَانِهَا وَيُكَوِّفُ
وكَوَّفْتُ تكويفًا: أي صِرْتُ إلى الكوفة، وتكوَّفَ الرجلُ: أي تشبّه بأهل الكوفة، أو انتسب إليهم، وتكوّفَ الرملُ والقومُ: أي استداروا. انتهى (١).
(شَكَوْا سَعْدًا) هو ابن أبي وقاص ﵁، وهو خال جابر بن سمرة الراوي عنه، وفي الرواية التالية: "قال عمر لسعد: قد شكوك في كلّ شيء حتى في الصلاة"، وفي رواية أبي داود: "قد شكاك الناس في كلّ شيء حتى في الصلاة".
وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الملك، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنت جالسًا عند عمر ﵁، إذ جاء أهل الكوفة يَشْكُون إليه سعد بن أبي وقاص، حتى قالوا: إنه لا يحسن الصلاة. انتهى.
وفي قوله: "أهل الكوفة" مجاز، وهو من إطلاق الكل على البعض؛ لأن الذين شَكَوه بعض أهل الكوفة لا كلهم، ففي رواية زائدة، عن عبد الملك في "صحيح أبي عوانة": "جعل ناس من أهل الكوفة"، ونحوه لإسحاق ابن راهويه، عن جرير، عن عبد الملك، وسُمِّي منهم عند سيف، والطبرانيّ: الجرّاح بن سنان، وقبيصة، وأربد الأسديّون، وذكر العسكريّ في "الأوائل" أن منهم الأشعث بن قيس (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁، أي في أيام خلافته، حيث كان أمّر سعدَ بن أبي وقاص على قتال الْفُرْس في سنة أربع عشرة، ففَتَحَ اللَّه العراق على يديه، ثم اختَطّ الكوفة سنة سبع عشرة، واستمرّ عليها
стр. 5809
أميرًا إلى سنة إحدى وعشرين، في قول خليفة بن خياط، وعند الطبري سنة عشرين، فوقع له مع أهل الكوفة ما ذُكِرَ.
زاد في رواية البخاريّ: "فعزله، واستعمل عليهم عمّارًا": أي عزل عمر ﵁ سعدًا، واستَعْمَل على أهل الكوفة بدله عمار بن ياسر ﵄، قال خليفة: استَعْمَل عَمّارًا على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حُنيف على مِسَاحة الأرض. انتهى. وكأن تخصيص عمار بالذكر لوقوع التصريح بالصلاة دون غيرها، مما وقعت فيه الشكوى، قاله في "الفتح" (١).
(فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ) أي ذكر أهل الكوفة من جملة ما شكوه إلى عمر ﵁ إساءته في الصلاة، وفي رواية البخاريّ: "فشَكَوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن يصلّي"، قال في "الفتح": ظاهره أن جهات الشكوى كانت متعددةً، ومنها قصة الصلاة، وصَرَّح بذلك في رواية أبي عون -يعني الآتية بعد هذا-: "فقال عمر: قد شَكَوْك في كل شيء حتى في الصلاة"، وذكر ابن سعد، وسيف، أنهم زعموا أنه حابى في بيع خُمُس باعه، وأنه صنع على داره بابًا مُبَوَّبًا من خشب، وكان السوق مجاورًا له، فكان يتأذى بأصواتهم، فزعموا أنه قال: انقطع التصويت، وذكر سيف أنهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السَّرَايا، وقال الزبير بن بكار في "كتاب النسب": رفع أهل الكوفة عليه أشياء، كشفها عمر، فوجدها باطلة. انتهى. ويُقَوِّيه قول عمر في وصيته: "فإني لم أعزله من عجز، ولا خيانة". انتهى (٢).
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي إلى سعد (عُمَرُ) بن الخطّاب ليحضر عنده، ويسمع الدعوى، ويُجيب عليها (فَقَدِمَ) بكسر الدال، قال في "القاموس": قَدِمَ من سفره، كعَلِمَ قُدُومًا وقِدْمَانًا بالكسر: آبَ، فهو قادمِ. انتهى (٣). أي رجع سعد ﵁ من الكوفة (عَلَيْهِ) أي على عمر ﵁ (فَذكَرَ لَهُ) أي ذكر عمر لسعد ﵄ (مَا عَابُوهُ بِهِ) أى ما تنقّصه به أهل الكوفة، وقوله: (مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ) بيان لما عابوه (فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي مثلَ صلاته
стр. 5810
(مَا) نافية (أَخْرِمُ عَنْهَا) بفتح أوله، وكسر الراء: أي لا أنقُصُ، قال في "الفتح": وحَكَى ابن التين عن بعض الرواة أنه بضمّ أوله، واستضعفه (إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا، من باب قَعَدَ: سَكَنَ، وأركدته: أسكنته، ورَكَدت السفينة: وقَفَت، فلا تجري، قاله الفيّوميّ (١)، قال القَزّاز: "أَرْكُد" أي أُقيم طويلًا، أي أُطَوِّل فيهما القراءة.
وقال النوويّ: قوله: "لأركُد بهم" يعني أُطَوِّلهما، وأديمهما، وأَمُدُّهما، كما قاله في الرواية الأخرى، من قولهم: رَكَدَت السُّفُنُ، والريح، والماء: إذا سَكَنَ ومَكَثَ. انتهى (٢).
ويَحْتَمِل أن يكون التطويل بما هو أعمّ من القراءة، كالركوع والسجود، لكن المعهود في التفرقة بين الركعات، إنما هو في القراءة وسيأتي في الرواية التالية، من رواية أبي عون، عن جابر بن سَمُرة: "أَمُدّ في الأوليين، وأَحذف في الأخريين" (٣).
(فِي الْأُولَيَيْنِ) بضم الهمزة: تثنية الأولى، أي في الركعتين الأوليين.
(وَأَحْذِفُ) بفتح الهمزة، وسكون الحاء المهملة، وكسر الذال المعجمة، أي أحذف التطويل، وليس المراد حذف أصل القراءة، ووقع في رواية البخاريّ بدله: "وأُخِفّ" بضم أوله، وكسر الخاء المعجمة، وتشديد الفاء، وهو بمعناه.
ووقع عند الإسماعيليّ من رواية محمد بن كثير، عن شعبة بلفظ: "أحذم" بالميم موضع الفاء، من حذم يَحْذِم حَذْمًا: إذا أسرع (٤).
(فِي الْأُخْرَيَيْنِ) تثنية الأخرى، يعني أنه يقصرهما عن الأوليين، لا أنه يُخِلّ بالقراءة، ويَحذفها كلّها، قاله النوويّ، وقال في "الفتح": والمراد بالحذف حذف التطويل، لا حذف أصل القراءة، فكأنه قال: أَحْذِف تطويل القراءة.
(فَقَالَ) عمر ﵁ (ذَاكَ) إشارة إلى ما ذكره من كيفيّة صلاته كصلاة النبيّ ﷺ ، فـ "ذاك" مبتدأ خبره قوله: (الظَّنُّ بِكَ) وفي رواية: ظنّي بك (أَبَا إِسْحَاقَ) بحذف حرف النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الآية [يوسف: ٢٩]، قال الحريريّ ﵀ في "مُلْحَته":
стр. 5811
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دَعَائِي"
أي يا أبا إسحاق، وهي كنية سعد، كُنِي بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر ﵁ له، وفيه دلالةٌ على أنه لم تَقْدَح فيه الشكوى عنده ﵄.
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف ﵀، وقد ساقه الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٧٥٥) حدّثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عبد الملك بن عُمَير، عن جابر بن سَمَرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر ﵁، فعزَلَه، واستَعْمَل عليهم عَمّارًا، فشكوا حتى ذَكَروا أنه لا يُحسن يصلّي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعُمُون أنك لا تحسن تصلّي، قال أبو إسحاق: أما أنا واللَّه، فإني كنت أصلّي بهم صلاة رسول اللَّه ﷺ ، ما أَخْرِم عنها، أُصَلِّي صلاة العشاء، فأَرْكُد في الأوليين، وأُخِفّ في الأُخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يَدَعْ مسجدًا إلا سأل عنه، ويُثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أمّا إذ نَشَدتَنَا فإن سعدًا كان لا يَسِير بالسَّرِيَّة، ولا يَقْسِم بالسَّوِيّة، ولا يَعْدِل في القَضِيّة، قال سعد: أما واللَّه لأدعونّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأَطِلْ عمره، وأطل فقره، وعَرِّضه بالفتن، وكان بَعْدُ إذا سئل يقول: شيخ كبير، مفتونٌ، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه لَيَتَعَرَّض للجواري في الطرق، يَغْمِزُهُنّ. انتهى (١).
وقوله: "أمّا أنا واللَّه" "أمّا" بالتشديد، وهي للتقسيم، والقسيم هنا محذوف، تقديره: وأما هم فقالوا ما قالوا، وفيه القسم في الخبر لتأكيده في نفس السامع، وجواب القسم يدل عليه قوله: "فإني كنت أصلّي بهم".
وقوله: "أصلّي صلاة العشاء" كذا هنا بالفتح والمد، ورواه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" عن أبي عوانة بلفظ: "صلاتي العشيّ" بالكسر والتشديد،
стр. 5812
وكذا في رواية عبد الرزاق، عن معمر، وكذا لزائدة في صحيح أبي عوانة، وهو الأرجح، ويدل عليه التثنية، والمراد بهما الظهر والعصر، ولا يبعد أن تقع التثنية في الممدود، ويراد بهما المغرب والعشاء، لكن يَعْكُر عليه قوله: "الأخريين "؛ لأن المغرب إنما لها أخرى واحدة، وأبدى الكرمانيّ لتخصيص العشاء بالذكر حكمةً، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة، كان ذلك في غيرها بطريق الأولى، وهو حسنٌ، ويقال مثله في الظهر والعصر؛ لأنهما وقت الاشتغال بالقائلة والمعاش، والأولى أن يقال: لعل شكواهم كانت في هاتين الصلاتين خاصةً، فلذلك خصهما بالذكر، أفاده في "الفتح" (١).
وقوله: "ذلك الظنّ بك" أي هذا الذي تقول هو الذي كنا نظنه، زاد مسعر عن عبد الملك وابن عون معًا: "فقال سعد: أتعلّمني الأعراب الصلاة؟ ".
وقوله: "فأرسل معه رجلًا أو رجالًا" بالشك، وفي رواية ابن عيينة: "فبعث عمر رجلين"، وهذا يدل على أنه أعاده إلى الكوفة؛ ليحصل له الكشف عنه بحضرته؛ ليكون أبعد من التهمة، لكن كلام سيف يدل على أن عمر إنما سأله عن مسألة الصلاة بعدما عاد به محمد بن مسلمة من الكوفة، وذكر سيفٌ والطبريّ أن رسول عمر بذلك محمد بن مسلمة، قال: وهو الذي كان يقتصّ آثار مَن شُكِيَ من العُمّال في زمن عمر، وحكى ابن التين أن عمر أرسل في ذلك عبد اللَّه بن أرقم، فإن كان محفوظًا، فقد عُرِف الرجلان، ورَوَى ابن سعد من طريق مَلِيح بن عوف السلميّ، قال: بَعَث عمر محمد بن مسلمة، وأمرني بالمسير معه، وكنت دليلًا بالبلاد، فذكر القصة، وفيها: "وأقام سعدًا في مساجد الكوفة، يسألهم عنه"، وفي رواية إسحاق، عن جرير: "فطيف به في مساجد الكوفة".
وقوله: "لبني عَبْس" بفتح المهملة، وسكون الموحدة، بعدها مهملة: قبيلةٌ كبيرةٌ من قيس.
وقوله: "أبا سَعْدة" بفتح المهملة، بعدها مهملة ساكنة، زاد سيف في
стр. 5813
روايته: فقال محمد بن مسلمة: أنشد اللَّه رجلًا يعلم حقًّا إلَّا قال.
وقوله: "أمّا" بتشديد الميم وقسيمها محذوف أيضًا.
وقوله: "نشدتنا" أي طلبت منا القول.
وقوله: "لا يسير بالسرية" الباء للمصاحبة، و"السَّرِيّة" بفتح المهملة، وكسر الراء المخففة: قطعة من الجيش، ويَحْتَمِل أن يكون صفة لمحذوف: أي لا يسير بالطريقة السَّرِية، أي العادلة، والأول أولى؛ لقوله بعد ذلك: "ولا يعدل"، والأصل عدم التكرار، والتأسيس أولى من التأكيد، ويؤيده رواية جرير وسفيان بلفظ: "ولا يَنْفِر في السرية".
وقوله: "في القضيّة": أي الحكومة، وفي رواية سفيان، وسيف: "في الرعية".
وقوله: "قال سعد"، وفي رواية جرير: "فغضب سعد"، وحكى ابن التين أنه قال له: أعليّ تسجع؟.
وقوله: "أَمَا واللَّه" بتخفيف الميم، حرف استفتاح.
وقوله: "لأدعونّ بثلاث" أي عليك، والحكمة في ذلك أنه نَفَى عنه الفضائل الثلاث، وهي: الشجاعة، حيث قال: "لا ينفر"، والعفّة حيث قال: "لا يَقْسِمُ"، والحكمةُ حيث قال: "لا يَعْدِل"، فهذه الثلاثة تتعلق بالنفس، والمال، والدين، فقابلها بمثلها، فطُولُ العمر يتعلق بالنفس، وطول الفقر يتعلق بالمال، والوقوعُ في الفتن يتعلق بالدين، ولما كان في الثنتين الأُوليين ما يمكن الاعتذار عنه، دون الثالثة قابلهما بأمرين دنيويين، والثالثة بأمر دينيّ، وبيان ذلك أن قوله: "لا يَنْفِر بالسَّرِيَّة" يمكن أن يكون حقًّا، لكن رأى المصلحة في إقامته؛ ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم، أو كان له عذر، كما وقع له في القادسية، وقوله: "لا يَقْسِم بالسوية" يمكن أن يكون حقًّا، فإن للإمام تفضيلَ أهل الغَنَاء في الحرب، والقيام بالمصالح، وقوله: "لا يَعْدِل في القَضِيّة"، هو أشدّها؛ لأنه سَلَبَ عنه العدل مطلقًا، وذلك قَدْحٌ في الدين، ومن أعجب العَجَب أن سعدًا مع كون هذا الرجل واجهه بهذا، وأغضبه حتى دعا عليه في حال غضبه، راعَى العدل والإنصاف في الدعاء عليه؛ إذ عَلَّقه بشرط أن يكون كاذبًا، وأن يكون الحامل له على ذلك الغَرَضَ الدنيويّ.
стр. 5814
وقوله: "رياءً وسمعةً" أي ليراه الناس، ويسمعوه، فيُشْهِروا ذلك عنه، فيكون له بذلك ذكرٌ.
وقوله: "وأَطِلْ فقره"، وفي رواية: "وشدِّد فقره"، ورُوي: "وأكثر عياله"، قال الزين ابن الْمُنَيِّر: في الدعوات الثلاث مناسبة للحال، أما طول عمره فليراه من سمع بأمره فيعلمَ كرامةَ سعد، وأما طول فقره، فلنقيض مطلوبه؛ لأن حاله يُشعر بأنه طلب أمرًا دنيويًّا، وأما تعرضه للفتن؛ فلكونه قام فيها، ورضيها دون أهل بلده.
وقوله: "فكان بعدُ" أي كان أبو سعدة.
وقوله: "شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ"، وفي رواية الطبراني، وأبي يعلى: "قال عبد الملك: فأنا رأيته يَتَعَرَّض للإماء في السِّكَك، فإذا سألوه، قال: كبيرٌ فقيرٌ مفتونٌ"، وفي رواية: "فافتقر، وافْتُتِنَ"، وفي رواية: "فَعَمِيَ، واجتمع عنده عشر بنات، وكان إذا سمع بِحِسّ المرأة تشبث بها، فإذا أُنكر عليه، قال: دعوة المبارك سعد"، وفي رواية: "ولا تكون فتنة إلَّا وهو فيها"، وفي رواية محمد بن جُحَادة، عن مصعب بن سعد، نحو هذه القصة، قال: "وأدرك فتنة المختار، فقتل فيها"، رواه ابن عساكر، وفي رواية سيف: "أنه عاش إلى فتنة الجماجم، وكانت سنة ثلاث وثمانين، وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة خمس وستين إلى أن قُتل سنة سبع وستين".
وقوله: "دعوة سعد" أفردها لإرادة الجنس، وإن كانت ثلاث دعوات، وكان سعد معروفًا بإجابة الدعوة، رَوَى الطبراني من طريق الشعبيّ، قال: قيل لسعد: متى أصبت الدعوة؟ قال: يومَ بدر، قال النبيّ ﷺ : "اللهم استجب لسعد"، ورَوَى الترمذيّ، وابنُ حبان، والحاكم من طريق قيس بن أبي حازم، عن سعد ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك". انتهى ملخّصًا من الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5815
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٠٢١ و ١٠٢٢ و ١٠٢٣ و ١٠٢٤] (٤٥٣)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٥٥ و ٧٥٨ و ٧٧٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٠٣)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (٢/ ١٧٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٦ و ٢١٧)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٧٠٦ و ٣٧٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٧٥ و ١٧٦ و ١٧٩ و ١٨٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٥٩ و ١٩٣٧ و ٢١٤٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٤٩ - ١٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٠٤ و ١٠٠٥ و ١٠٠٦ و ١٠٠٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في كلّ الصلاة.
٢ - (ومنها): أن الإمام إذا شُكِي إليه نائبه بعث إليه، واستفسره عن ذلك، وأنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته، ووقوع فتنة عَزَله، فلهذا عزله عمر ﵁ مع أنه لَمْ يكن فيه خَلَلٌ، ولم يثبت ما يَقْدَح في ولايته وأهليته، وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" في حديث مَقْتل عمر ﵁ والشوري، أن عمر ﵁ قال: "إن أصابت الإمارة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّرَ، فإني لَمْ أَعْزِله من عجز ولا خيانة"، قاله النوويّ ﵀.
وقال في "الفتح": في هذا الحديث جواز عزل الإمام بعضَ عماله إذا شُكِيَ إليه، وإن لم يثبت عليه شيء، إذا اقتضت ذلك المصلحة، قال مالك: قد عَزَلَ عمرُ سعدًا، وهو أعدل مَن يأتي بعده إلى يوم القيامة، والذي يظهر أن عمر عَزَله حسمًا لمادّة الفتنة، ففي رواية سيف: "قال عمرُ: لولا الاحتياط،