← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

والسجود، وأن القول بأن الاعتدال ركن قصير قول ضعيفٌ، بل باطلٌ، وكذا الجلوس بين السجدتين. وقال النوويّ ﵀: فيه دليل على تخفيف القراءة، والتشهد، وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، ونحو هذا قول أنس ﵁ في الحديث الآتي بعده: "ما صَلّيت خلف أحد أوجز صلاةً من صلاة رسول اللَّه ﷺ في تمام". وقوله: "قريبًا من السواء" يدُلّ على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض، وذلك في القيام، ولعله أيضًا في التشهد. (واعلم): أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام، وأنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وأنه كان تقام الصلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يرجع، فيتوضأ، ثم يأتي المسجد، فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ "سورة المؤمنين"، حتى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب بـ ﴿الطُّورِ﴾، وبـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وفي "صحيح البخاريّ" بـ "الأعراف"، وأشباه هذا، وكلُّه يدلُّ على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جَرَى في بعض الأوقات، وقد ذكره مسلم في الرواية الأخرى، ولم يذكر فيه القيام، وكذا ذكره البخاريّ، وفي رواية للبخاريّ: "ما خلا القيام والقعود"، وهذا تفسير الرواية الأخرى. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ جيّد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٩/ ١٠٦٢ و ١٠٦٣ و ١٠٦٤] (٤٧١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٩٢ و ٨٠١ و ٨٢٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٤)، و (الترمذيّ) فيها (٢٧٩ و ٢٨٠)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٩٧ - ١٩٨)،

стр. 5952

و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٠ و ٢٨٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦١٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: هذا الحديث يدلّ على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس ﵁ يعني الذي بعده بلفظ: "كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي" أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نصّ فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم يُسَنّ فيه تكرير التسبيحات، كالركوع والسجود، ووَجْهُ ضعفه أنه قياس في مقابلة النصّ، وهو فاسدٌ، وأيضًا فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع، فتكرير "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا يجيء قدر قوله: "اللهم ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، وقد شُرع في الاعتدال ذكر أطول، كما أخرجه مسلم، من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن عباس ﵃ بعد قوله: "حمدًا كثيرًا طيبًا ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ"، زاد في حديث ابن أبي أوفى: "اللهم طَهِّرني بالثلج. . . إلخ"، وزاد في حديث الآخَرَين: "أهلَ الثناء والمجد. . . إلخ"، وقد ثبت أن النبيّ ﷺ أثنى على رجل زاد من عند نفسه في الاعتدال ذكرًا (١). ومن ثَمّ اختار النوويّ جواز تطويل الركن القصير بالذكر، خلافا للمرجَّح في المذهب، واستَدَلَّ لذلك أيضًا بحديث حذيفة ﵁ في مسلم، أنه ﷺ قرأ

стр. 5953

في ركعة بالبقرة، أو غيرها، ثم ركع نحوًا مما قرأ، ثم قام بعد أن قال: "ربنا لك الحمد" قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، قال النوويّ: الجواب عن هذا الحديث صَعْبٌ، والأقوى جواز الإطالة بالذكر. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا من إنصاف النوويّ ﵀، وإيثاره النصّ على مذهبه، فقد ثبت في مذهبه أنهم قالوا ببطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وهكذا ينبغي لمقلّدي الأئمة أن يتّبعوا النصوص وإن خالفت نصّ إمامهم؛ لأن نصوص الكتاب والسنة مضمون فيها الحقّ والصواب، لا يتطرّق إليها خلاف ذلك بوجه من الوجوه، بخلاف نصوص الأئمة، فإنها عُرْضة للخطأ والزلل، فالواجب على العاقل أن يتمسّك بالنصوص حيثما كانت، وعند من كانت، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وقد أشار الشافعيّ في "الأُمّ" إلى عدم البطلان، فقال في ترجمة "كيف القيام من الركوع": ولو أطال القيام بذكر اللَّه، أو يدعو، أو ساهيًا، وهو لا ينوي به القنوت، كرهت له ذلك، ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك. فالعجب ممن يُصَحِّح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيهُهُم ذلك أنه إذا أطيل انتفت الموالاة مُعْتَرَضٌ بأن معنى الموالاة أن لا يتخلَّل فصلٌ طويلٌ بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصحّ نفي كونه منها، واللَّه أعلم. وأجاب بعضهم عن حديث البراء ﵁ أن المراد بقوله: "قريبًا من السواء" ليس أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت قريبًا معتدلةً، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفّها أخفّ بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح بـ "الصافات"، وثبت في "السنن" عن أنس ﵁ أنهم حَزَرُوا في السجود قدر عشر تسبيحات، فيُحْمَل على أنه إذا قرأ بدون "الصافات"، اقتصر على دون العشر، وأقلُّه كما ورد في "السنن" أيضًا ثلاث تسبيحات. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضح بما سبق مما قاله محقّقو الشافعيّة،

стр. 5954

كالنوويّ، وابن دقيق العيد، وصاحب "الفتح" أن قول من قال: إن الاعتدال ركنٌ قصير ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ لمنابذته الأحاديث الصحيحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: الحديث الذي ورد في ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، هو: ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن مسعود ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه" (١). وهو حديث ضعيفٌ؛ للانقطاع، قال الترمذيّ: حديث ابن مسعود ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد اللَّه بن عتبة، لم يلق ابن مسعود ﵁. انتهى. وقال أبو داود بعد إخراجه: هذا مرسل -أي منقطع- عون لم يُدرك ابن مسعود ﵁. انتهى. قال الترمذيّ ﵀: والعمل على هذا عند أهل العلم، يَستحِبّون أن لا يَنقُص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، ورُوي عن عبد اللَّه بن المبارك أنه قال: أستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات؛ لكي يدرك مَن خلفه ثلاث تسبيحات، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ (٣) رَجُلٌ قَدْ سَمَّاهُ، زمَنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا رَفَعَ

стр. 5955

رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"، قَالَ الْحَكَمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ هَكَذَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب. ٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" تقدم في "المقدمة" ١/ ١. وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والبراء ﵁، تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن ابن أبي ليلى، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة: أنه (قَالَ: غَلَبَ) بالبناء للفاعل (عَلَى الْكُوفَةِ) وفي نسخة: "على أهل الكوفة"، وهي المدينة المعروفة، وقد تقدّم الكلام عليها

стр. 5956

قريبًا (رَجُلٌ) بالرفع على الفاعليّة لـ "غلب"، وقوله: (قَدْ سَمَّاهُ) هذا قول شعبة، والضمير المرفوع للحكم، والمنصوب لـ "رجلٌ"، أي سمّى الحكم أي عيّن اسم ذلك الرجل، ويأتي في الرواية التالية تسميته بمطر بن ناجية (زَمَنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ) بنصب "زمن" على الظرفيّة، وهو متعلّق بـ "غَلَب". و"ابن الأشعث" هذا هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الْكِنديّ، الأمير متولّي سِجِستان، بعثه الحجاج على سِجِستان، فثار هناك، وأقبل في جمع كبير، وقام معه علماء وصلحاء للَّه تعالى، لِمَا انتَهَك الحجاج من إماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته، فقاتله الحجاج، وجَرَى بينهما عِدّة مُصافّات، وينتصر ابن الأشعث، ودام الحرب أشهرًا، وقُتِل خلق من الفريقين، وفي آخر الأمر انهزم جمع ابن الأشعث، وفَرّ هو إلى الملك رُتْبِيل ملتجئًا إليه، فقال له علقمة بن عمرو: أخاف عليك، وكأني بكتاب الحجاج قد جاء إلى رُتْبيل يُرْغِبه ويُرْهِبه، فإذا هو قد بَعَث بك، أو قتلك، ولكن ها هنا خمسمائة مقاتل، قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نَتَحَصَّن بها، ونقاتل حتى نُعْطَى أمانًا، أو نموت كرامًا، فأبى عليه، وأقام الخمسمائة حتى قَدِمَ عُمارة بن تميم، فقاتلوه حتى أَمَّنَهم، ووَفَى لهم، ثم تتابعت كتب الحجاج إلى رُتْبيل بطلب ابن الأشعث، فبَعَثَ به إليه على أن تَرْك له الْحمل (١) سبعة أعوام، وقيل: إن ابن الأشعث أصابه السِّلّ فمات، فقُطِع رأسه، ونَفِذ إلى الحجاج، وقيل: إن الحجاج كَتَب إلى رُتْبيل: إني قد بعثت إليك عُمَارة في ثلاثين ألفًا يطلبون ابن الأشعث، فأبى أن يُسَلِّمه، وكان مع ابن الأشعث عُبيد بن أبي سُبيع، فأرسله إلى رُتْبيل، فَخَفّ على رتبيل، واختَصّ به، قال لابن الأشعث أخوه القاسم: لا آمن غَدْر رُتبيل، فاقتله، يعني عُبيدًا، فَهَمّ به، فَفَهِم ذلك، وخاف، فوَشَى به إلى رُتبيل، وخَوَّفه من غائلة الحجاج، وهَرَب سرًّا إلى عُمَارة، فاستعجل في ابن الأشعث ألف ألف درهم، فكَتَب بذلك عمارة إلى الحجاج، فكتب: أن أعط عُبيدة، ورُتبيل ما طَلَبا، فاشترط أمورًا، فأعطيها، وأرسل إلى ابن الأشعث، وإلى ثلاثين من أهل بيته، وقد هيأ لهم القيود والأغلال، فقَيَّدهم،

стр. 5957

وبَعَث بهم إلى عُمارة، وسار بهم، فلما قَرُب ابن الأشعث من العراق ألقى نفسه من قصر خراب أنزلوه فوقه، فهلك، فقيل: ألقى نفسه والحرّ معه الذي هو مقيَّد معه، والقيد في رجلي الاثنين فهَلَكا، وذلك في سنة أربع وثمانين (١). (فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، والأصحّ أنه لا يصحّ سماعه من أبيه، وهو أحد الأعلام من ثقات الكوفيين، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢. (أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) أي أن يؤمّ أبو عبيدة الناسَ في الصلاة (فَكَانَ) أبو عبيدة (يُصَلِّي) أي بالناس (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ) بنصب "قدر" على الظرفيّة متعلّق بـ "قام"، "وما" مصدريّة، أي قدر قولي ("اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ) بنصب "ملء" على الحال، أي مالئَ السماوات، ويجوز رفعه على أنه نعت لـ "الحمد" (وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد ما ذُكر (أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ) بنصب "أهل" على المدح، أو النداء، ويجوز رفعه خبرًا لمحذوف، أي أنت أهل الثناء، و"الثناءُ": الحمد، و"المجد": العظمة (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ") بفتح الجيم على المشهور، ومعناه: الحظّ والغنى، أي لا ينفع صاحب الحظ والغنى غناه، وقيل: بكسر الجيم، أي لا ينفع صاحب الاجتهاد اجتهاده (مِنْكَ الْجَدُّ") "من" هنا بمعنى البدل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الزخرف: ٦٠]، أي بدلكم، والمعنى هنا: أي لا ينفع ذا الغنى غناه بدل طاعتك، وسيأتي تمام شرح هذه الألفاظ بعد باب -إن شاء اللَّه تعالى- (قَالَ الْحَكَمُ) بن عتيبة (فَذكَرْتُ ذَلِكَ) أي هذا الوصف لصلاة أبي عُبيدة (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ) أي عبد الرحمن (سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) ﵄ (يَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية السابقة: "فوجدت قيامه"، والظاهر أنه أراد بالصلاة هنا القيام، حيث عطف عليه قوله: (وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) قال في "العمدة": "إذا"

стр. 5958

للوقت المجرّد منسلخًا عنه معنى الاستقبال. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: "إذا" هنا بمعنى "وقت" معطوف على اسم "كان"، والتقدير: ووقتُ رفع رأسه، وكون "إذا" للوقت المجرد عن معنى الشرط قول لبعض النحاة، فقد أعربوها مبتدأ، وخبرًا، ومفعولًا به، وغير ذلك، كما ذكر ابن هشام في "مغنيه" (٢). (وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) "ما" موصولة عطف على اسم "كان" أيضًا، والمراد: الجلوس بين السجدتين (قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ) بالنصب على أنه خبر "كان"، وفيه إشعار بأن في هذه الأفعال المذكورة تفاوتًا، فبعضها كان أطول من بعض. (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج الراوي عن الحكم (فَذَكَرْتُهُ) أي ما أخبره به الحكم عن ابن أبي ليلى (لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الجمليّ المراديّ، تقدّم في الباب الماضي (فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ هَكَذَا) يعني أنه يخالف هذا الوصف الذي رواه عن البراء بن عازب عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ، ولعله رآه في وقت لم يتمكّن من إتمام ذلك؛ لعذر طرأ عليه، أو كان له اجتهاد يراه، واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، أَنَّ مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى الْكُوفَةِ، أَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، والحَكم في الحديث الماضي.

стр. 5959

وقوله: (مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ) هو: الرياحيّ، من بني يربوع، من تميم، وكان من الشجعان، ظهر في أيام الحجاج بن يوسف الثقفيّ، ومات بعد (٨٢ هـ) (١). [تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٤/ ٢٨٥) فقال: (١٨٠٥٠) حدّثنا إسماعيل -يعنى ابن علية- أخبرنا شعبة، عن الحكم بن عُتيبة، أنّ (٢) مَطَرَ بن ناجية استَعْمَل أبا عبيدة بن عبد اللَّه على الصلاة، أيام ابن الأشعث، فكان إذا رفع رأسه من الركوع، قام قدرَ ما أقول، أو وَقَدْ قال: قدر قوله: "اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ"، قال الحكم: فحدَّثت ذاك عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: حدَّثني البراء بن عازب، قال: كان ركوع رسول اللَّه ﷺ ، وإذا رَفَع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين قريبًا من السواء. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٥] (٤٧٢) - (حَدَّثَنَا (٣) خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِمًا، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ (٤): قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ). رجال هذا الإسناد: أربعة، كلّهم تقدّموا في الباب الماضي. ومن لطائف الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٦٢) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ.

стр. 5960

شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: إِنِّي لَا آلُو) بهمزة ممدودة، بعد حرف النفي، ولام مضمومة، بعدها واوٌ: أي لا أقصّر (أَنْ) بالفتح مصدريّة (أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا) فيه تصريح من أنس ﵁ بأنه يصف صلاة رسول ﷺ بالفعل (قَالَ) وفي رواية البخاريّ: "قال ثابت" (فَكَانَ أَنَسٌ) ﵁ (يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ) وفي رواية البخاريّ: "لم أركم" (تَصْنَعُونَهُ) فيه إشعارٌ بأن من خاطبهم كانوا يُخلّون بتطويل الاعتدال، ولا يُطيلون الجلوس بين السجدتين، ولكن السنّة إذا ثبتت لا يُبالي من تمسّك بها بمخالفة من خالفها، قاله في "الفتح" (١). وقوله: (كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، والتقدير هنا: ما الشيء الذي كان يصنعه أنس ﵁، فأجاب بقوله: كان إذا رفع رأسه (مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ) أي قام، فقوله: (قَائِمًا) حال مؤكّدة لعاملها، وهو "انتصب"، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته": وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ "لَا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا" (حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ) وفي بعض النسخ: "حتى يقول الناس"، وهو بنصب "يقولَ" على أن "حتّى" بمعنى "إلى"، و"أن" مضمرة بعدها وجوبًا، أي إلى أن يقول القائل. ومعنى الحديث: أنه يُطيل القيام، حتى يقول القائل: إنه قد نسي ما بعده، ويحتمل أن يكون القول بمعنى الظنّ؛ لأنه قد يأتي بمعناه. [تنبيه]: قال التوربشتيّ ﵀: نُصِبَ "يقول" بـ "حتى"، وهو الأكثر، ومنهم من لا يُعْمل "حتى" إذا حسن "فَعَلَ" موضع "يفعل"، كما يحسن في هذا الحديث حتى قالوا: قد نسي، وأكثر الرواة على ما علمنا على النصب، وكان تركه من حيث المعنى أتمّ وأبلغ. انتهى. وقال ابن هشام الأنصاريّ ﵀: لا ينتصب الفعل بعد "حتى" إلا إذا كان مستقبلًا، ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن التكلّم، فالنصب واجبٌ، نحو:

стр. 5961

﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ الآية [طه: ٩١]، وإنا كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصّةً فالوجهان، نحو: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال، لا بالنظر إلى زمن قصّ ذلك علينا، وكذلك لا يرتفع الفعل بعد "حتى" إلا إذا كان حالًا، ثم إن كانت حاليّته بالنسبة إلى زمن التكلّم فالرفع واجبٌ، كقولك: سرتُ حتى أدخلُ البلدَ، إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول، وإن كانت حاليّته ليست حقيقيةً، بل محكيّةً رُفع، وجاز نصبه إذا لم تقدّر الحكاية، نحو: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ الآية قرأ نافع بالرفع بتقدير: حتى حالتهم حينئذ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا. (واعلم): أنه لا يرتفع الفعل بعد "حتى" إلا بثلاثة شروط: [أحدها]: أن يكون حالًا، أو مؤوّلًا بالحال كما مثّلنا. [والثاني]: أن يكون مسبَّبًا عما قبلها، فلا يجوز: سرتُ حتى تطلعُ الشمس؛ لأن طلوع الشمس لا يتسبّب عن السير. [والثالث]: أن يكون فضلةً، فلا يصحّ في نحو: سيري حتى أدخلها؛ لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر. انتهى كلام ابن هشام ﵀ (١). وإلى القاعدة المذكورة لـ "حتى" أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال: وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالًا أَوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا (قَدْ نَسِيَ) أي ترك النزول للسجود، وأهمله، و"نَسِيَ" -بفتح أوله، وكسر ثانيه- من باب رَضِيَ نَسْيًا -بالفتح- ونِسْيًا، ونِسيانًا، ونِسَاوَةً بكسرهنّ، ونَسْوةً: ضدّ حَفِظَهُ، أفاده في "القاموس"، و"اللسان" (٢)، وفي "المصباح": نَسِيتُ الشيءَ أَنْسَاهُ نِسْيانًا مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء على ذُهُول وغَفْلَة، وذلك خلافُ الذكر له، والثاني: الترك على تعمّد، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي لا تقصدوا الترك والإهمال،

стр. 5962

ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، ونَسِيتُ ركعةً: أهملتها ذُهُولًا. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: المناسب هنا الترك ذُهُولًا، كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم. وقال في "الفتح": قوله: "قد نسي": أي نسي وجوب الْهُويّ إلى السجود، قاله الكرمانيّ، ويَحْتَمِلُ أن يكون المراد أنه نسي أنه في صلاة، أو ظنّ أنه وقت القنوت حيث كان معتدلًا، أو وقت التشهّد حيث كان جالسًا، ووقع عند الإسماعيليّ من طريق غندر، عن شعبة، عن ثابت: "قلنا: قد نَسِي من طول القيام"، أي لأجل طول قيامه. انتهى. (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ) أي تلبّث، يقال: مَكَثَ مَكْثًا، من باب نصر: أقام، وتلبّثَ، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْبًا، فهو قَرِيبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَلْ فيه، أفاده الفيّوميّ (٢). (حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ) أي ترك ما بعده من أجزاء الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ١٠٦٥] (٤٧٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٠٠ و ٨٢١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٦٢ و ٢٢٦ و ٢٤٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٨٥ و ١٩٠٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٩)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5963

(المسألة الثالثة): قال في "المرعاة": هذا الحديث نصّ صريح في تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، وقد ترك الشافعيّة والحنفيّة هذه السنّة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من عالم، وفقيه، وإمام، ومنفرد، وصغير، وكبير، والأعظم من ذلك أنهم إذا رأوا من يُطيل الاعتدال من الركوع، والجلوس من بين السجدتين شغبوا عليه، وجهّلوه، وسفّهوه، وتركوا الاقتداء به. قال بعض الحنفيّة معتذرًا عن أمثال هذا الحديث: إن فيها مبالغة الراوي. قال: قال شيخنا ردًّا عليه: كلَا ثم كلّا، فإن الصحابة ﵃ كانوا لا يبالغون من عند أنفسهم في وصف صلاته ﷺ ، وحكاية أفعاله في الصلاة وغيرها، ولا يُقصّرون، بل يَحكونها على حسب ما رأوا، فحمله على مبالغة الراوي باطلٌ مردود عليه. وحَمَل بعضهم حديث أنس ﵁ هذا على ابتداء الأمر حين كان يُطوّل صلاته، قال: ثم أمر بالتخفيف بعده. وهذا ادّعاء محضٌ لا دليل على كون ما في هذا الحديث لابتداء الأمر، فلا يُلتفت إليه. وقال بعضهم: كانت هذه الإطالة في صلاة النافلة. وهذا الحمل أيضًا يَحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، بل يردّه إطلاق ما رُوي عن ثابت، قال: "كان أنس يَنعتُ لنا صلاة النبيّ ﷺ ، فكان يُصلّي، فإذا رفع رأسه من الركوع قال حتى نقول: قد نسي"، أخرجه البخاريّ. وقال بعضهم: لم يَذكُر هذه الصفة إلا أنس من بين الصحابة ﵃ الذين رووا صفة صلاته ﷺ . وتُعُقّب بأنه لم ينفرد به أنس ﵁، بل وافقه البراء بن عازب ﵄ كما تقدّم، وحُذيفة بن اليمان ﵄، عند المصنّف، ولفظه: "ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع اللَّه لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه" (١).

стр. 5964

ولو سُلّم أنه لم يذكر هذه الصفة غير أنس لا يضرّ من قال بمشروعيّتها، فكم من صفة من صفات الصلاة تفرّد بذكرها بعض الصحابة، وقد أخذ بها الأئمة، وعملوا بها، وعدُّوها من سنن الصلاة. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين ثابت بهذه الأحاديث، ولكن لا بدّ أن نعلم أن أحوال النبيّ ﷺ مختلفة في التطويل، والإيجاز، فكان تارة يُطوّل، وتارة يُوجز، على حسب ما يراه من أحوال المأمومين، فكذلك يكون الاقتداء به ﷺ ، فمن يصلّي وحده يطّول كيف شاء، ومن يصلّي بالناس يراعي أحوالهم، فهذا هو الحقّ الأبلج، والمنهج الأبهج، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٦] (٤٧٣) - (وَحَدَّثَنِي (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ (٣)، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِثٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ، أَوْجَزَ صَلَاةً مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَمَامٍ، كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَقَارِبَةً، وَكَانَتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ).

стр. 5965

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠]، مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨. ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبثٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢. ٣ - (حَمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ، والنسائيّ، وأما حماد بن سلمة، فقد علّق له البخاريّ، بل قيل: أخرج له حديثًا واحدًا في "كتاب الرقاق". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن حمّادًا أثبت من روى عن ثابت، وثابت من أثبت الناس في أنس ﵁، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: مَا) نافية (صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ، أَوْجَزَ صَلَاةً) منصوب على التمييز (مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَمَامٍ) أي مع تمامها بأركانها وسننها، وآدابها، فـ "في" بمعنى "مع" (كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَقَارِبَةً) أي في طولها، وقصرها، فإذا طوّل القيام طوّل الركوع والسجود، وغيرهما، وإذا أوجز في القيام أوجز فيها (وَكَانَتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي طوّل فيها تطويلًا زائدًا، وذلك ليدرك الناس الجماعة؛ لكثرتهم في عهده (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ) بفتح الهمزة، والهاء فعل

стр. 5966

ماض مبنيّ للفاعل، قال ابن الأثير ﵀: أوهم في صلاته: أي أسقط منها شيئًا، يقال: أوهمتُ الشيءَ: إذا تركته، وأوهمت في الكلامِ والكتابِ: إذا أسقطت منه شيئًا، ووَهَمَ إلى الشيءِ -بالفتح- يَهِمُ وَهْمًا: إذا ذهب وَهْمُهُ إليه، ووَهِمَ -يعني بكسر الهاء- يوْهَم وَهَمًا: إذا غَلِطَ. انتهى (١). والمعنى هنا: أنه يلبث في حال الاستواء من الركوع زمانًا نقول فيه أنه أسقط الركعة التي ركعها، وعاد إلى ما كان عليه من القيام، أو نسي أنه في صلاة، قال ابن الملك: ويقال: أوهمته: إذا أوقعته في الغلط، وعلى هذا يكون أُوهِم على صيغة المجهول، أي أُوقِعَ عليه الغلط، ووقَفَ سَهْوًا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن الملك يحتاج إلى ثبوته روايةً، وأيضًا ركيك من حيث المعنى، فتنبّه. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "قد أوهم" كذا صوابه بفتح الهمزة والهاء، فعلٌ ماض مبنيّ للفاعل، ومعناه: تَرَكَ، قال ثعلبٌ: يقال: أوهمتُ الشيءَ أُوهِمه: إذا تركته كلّه، ووَهِمْتُ في الحساب وغيره أَوْهَمُ: إذا غَلِطتَ، ووَهَمْتُ -أي بفتح الهاء- إلى الشيء أَهِمُ وَهْمًا: إذا ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره. انتهى (٢). (ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ) أي أسقط ما بعد ذلك، وتركه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ١٠٦٦] (٤٧٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١٢٦٣١ و ١٣٠٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٦٩ و ١٥٧١ و ١٥٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 5967

(٤٠) - (بَابُ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، والْعَمَلِ بَعْدَهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٧] (٤٧٤) - (حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: (ح) (٢) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (٣) أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ أَرَ أَحَدًا يَحْنِي ظَهْرَهُ، حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَخِرُّ مَنْ وَرَاءَهُ سُجَّدًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس بن عبد اللَّه بن قيس، نُسب لجدّه التميميّ الْيَرْبوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُديج، وهو أبو خيثمة المذكور بعد التحويل الْجُعفيّ الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، اختلط في آخره [٣] (ت ١٢٩) أو قبلها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) بن زيد بن حُصين الأنصاريّ الْخَطْميّ، صحابيّ صغير، ولي الكوفة لابن الزبير (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٦. ٦ - (الْبَرَاءُ) بن عازب ﵄، تقدّم في الباب الماضي.

стр. 5968

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ ابن صحابيّ، عن صحابيّ ابن صحابيّ، كلاهما من الأنصار، ثم من الأوس، وكلاهما سكن الكوفة، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ. [فإن قلت]: قد سبق آنفًا أن سماع زهير عن أبي إسحاق بعدما اختلط، فلماذا أخرجه المصنّف من طريقه؟. [قلت]: لم ينفرد به زهير عنه، بل تابعه سفيان الثوريّ، فرواه عنه، كما في السند التالي، وشعبة عند النسائيّ (٨٢٩)، وهما ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) الْخَطميّ، منسوب إلى خَطْمَة -بفتح المعجمة، وإسكان الطاء- بطنٌ من الأوس، وكان عبد اللَّه المذكور أميرًا على الكوفة في زمن ابن الزبير، ووقع في رواية للبخاريّ أن أبا إسحاق قال: سمعت عبد اللَّه بن يزيد يخطب، وأبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب ﵄، لكنه سمع هذا عنه بواسطة، قاله في "الفتح". (قَالَ) أي عبد اللَّه بن يزيد (حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ) بن عازب ﵄ (وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ) الظاهر أنه من كلام عبد اللَّه بن يزيد، وعلى ذلك جَرَى الحميديّ في "جمعه"، وصاحب "العمدة"، لكن رَوَى عبّاس الدُّوريّ في "تاريخه" عن يحيى بن معين أنه قال: قوله: هو غير كذوب إنما يريد عبدَ اللَّه بن يزيد الراويَ

стр. 5969

عن البراء، لا البراء، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : غير كذوب، يعني أن هذه العبارة إنما تَحْسُنُ في مشكوك في عدالته، والصحابة كلُّهم عدول، لا يحتاجون إلى تزكية. وقد تعقبه الخطابيّ، فقال: هذا القول لا يوجب تُهْمَةً في الراوي، إنما يوجب حقيقة الصدق له، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي، والعمل بما رَوَى، كان أبو هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق ﷺ ، وقال ابن مسعود ﵁: حدَّثني الصادق المصدوق ﷺ . وقال القاضي عياض، وتبعه النوويّ: لا وَصْمَ في هذا على الصحابة؛ لأنه لم يُرِد به التعديل، وإنما أراد به تقوية الحديث؛ إذ حدَّث به البراء، وهو غير مُتَّهَمٍ، ومثل هذا قول أبي مسلم الخولانيّ: حدَّثني الحبيب الأمين، وقد قال ابن مسعود، وأبو هريرة ﵄، فذكرهما، قال: وهذا قالوه تنبيهًا على صحة الحديث، لا أنّ قائله قَصَد به تعديل راويه، وأيضًا فتنزيه ابن معين للبراء عن التعديل لأجل صحبته، ولم يُنَزِّه عن ذلك عبد اللَّه بن يزيد، لا وجه له، فإن عبد اللَّه بن يزيد معدود في الصحابة. انتهى كلامه. وقد علمتَ أنه أخذ كلام الخطابيّ، فبسطه، واستَدْرَك عليه الإلزام الأخير، وليس بوارد؛ لأن يحيى بن معين لا يُثْبت صحبة عبد اللَّه بن يزيد، وقد نفاها أيضًا مصعب الزبيريّ، وتوقف فيها أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو داود، وأثبتها ابن الْبَرْقيّ، والدارقطنيّ، وآخرون. وقال النوويّ ﵀: معنى الكلام: حدثني البراء، وهو غير مُتَّهَمٍ كما علمتم، فَثِقُوا بما أخبركم به عنه. وقد اعتَرَض بعض المتأخرين على التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يُلِمّ بشيء من علم البيان؛ للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق، وفلان غير كذوب؛ لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدّها عنه، فهما مفترقان، قال: والسرّ فيه أن نفي الضدّ كأنه يقع جوابًا لمن أثبته يخالف إثبات الصفة. انتهى. والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين؛ لأن

стр. 5970

كلًّا منهما يَرِد عليه أنه تزكية في حقّ مقطوع بتزكيته، فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدّم، من أن المراد بكلّ منهما تفخيم الأمر، وتقويته في نفس السامع. وذكر ابن دقيق العيد: أن بعضهم استَدَلّ على أنه كلام عبد اللَّه بن يزيد بقول أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد اللَّه بن يزيد، وهو يخطب، يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب، قال: وهو مُحْتَمِلٌ أيضًا. قال الحافظ ﵀: لكنه أبعد من الأول، وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن يزيد، وفيه قوله أيضًا: حدثنا البراء، وهو غير كذوب، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت عبد اللَّه بن يزيد على المنبر، يقول، فذكره، وأصله في مسلم -يعني الرواية الآتية بعد حديث- لكن ليس فيه قوله: وكان غير كذوب، وهذا يُقَوِّي أن الكلام لعبد اللَّه بن يزيد، واللَّه أعلم. انتهى (١). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: ظاهر السياق يقتضي أنه من كلام عبد اللَّه بن يزيد في حقّ البراء، ورجّح ذلك الخطّابيّ وغيره، وقال ابن معين وغيره: إنما هو من قول أبي إسحاق في حقّ عبد اللَّه بن يزيد، وقالوا: إن الصحابة أجلّ من أن يوصفوا بنفي الكذب. قال: وهذا ليس بشيء، ونفيُ الكذب صفة مدح لا ذمّ، وكذلك نفي سائر النقائص، وقد كان عليّ بن أبي طالب يقول: واللَّه ما كَذَبْتُ، ولا كُذِبْتُ، فنَفَى الكذب عن نفسه، وأشار إلى نفيه عمن أخبره، وهو رسول اللَّه ﷺ ، وقالت عائشة ﵂ في حقّ عمر، وابن عمر: إنكم لتُحدِّثون عن غير كاذبين، ولا مكذَّبين، ولكنّ السمعَ يُخطئ. وأبلغ من هذا أن اللَّه ينفي عن نفسه النقائص والعيوب، كالظلم، وإرادته، والغفلة، والنسيان، وكذلك نفيه للشريك، والصاحبة، والولد، وليس في شيء من ذلك نقصٌ بوجهٍ ما. وأيضًا فعبد اللَّه بن يزيد هو الْخَطميّ، وهو معدود من الصحابة، وله

стр. 5971

رواية عن النبيّ ﷺ ، فكيف حَسُنَ نفي الكذب عنه دون البراء، وكلاهما صحابيّ، وإن كان البراء أشهر منه، وأكثر روايةً، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تحصّل من مجموع ما قالوا: أن الأرجح كون قوله: "وهو غير كذوب" من قول عبد اللَّه بن يزيد، والمراد به مجرّد تأكيد الرواية، لا تزكية الصحابيّ، ويُقَوّي ذلك ما جاء من طريق محارب بن دثار، عند أبي عوانة، كما سبق آنفًا. لكن بقي أن يقال: إن نفي الكذوبيّة لا يستلزم نفي الكاذبيّة، أي إن نفي المبالغة في الكذب لا يستلزم نفي أصل الكذب وقليله، والمطلوب نفي مطلق الكذب، لا نفي المبالغة فيه. وأجيب بأن المعنى أنه غير كاذب، فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، واللَّه تعالى أعلم. [فائدة]: رَوَى الطبرانيّ في مسند عبد اللَّه بن يزيد هذا شيئًا، يدُلُّ على سبب روايته لهذا الحديث، فإنه أخرج من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يَضَعُون رؤوسهم قبل أن يَضَع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم، قاله في "الفتح" (٢). (أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعَ) ﷺ (رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، لم يَحْنِ أحدٌ منَّا"، وفي الرواية الآتية من طريق محارب بن دثار، عن عبد اللَّه بن يزيد: "فإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع اللَّه لمن حمده، لم نزل قيامًا" (لَمْ أَرَ أَحَدًا) أي من الصحابة الذين يصلّون وراءه ﷺ (يَحْنِي ظَهْرَهُ) بفتح حرف المضارعة، وسكون الحاء المهملة، وكسر النون، أي يَثْنِي ويَعْطِفُ، يقال: حَنَيتُ الْعُودَ: إذا ثَنَيته، وفي رواية ابن أبي ليلى الآتية: "لا يحنو أحد منا ظهره" بالواو، وهو لغة صحيحة، يقال: حنيت، وحَنَوتُ بمعنى واحد.

стр. 5972

وجملة "يحني" في محلّ نصب حال من "أحدًا"؛ لأن رأى هنا بصريّة، لا علميّة، فتتعدّى لمفعول واحد، وهو "أحدًا". [فإن قلت]: صاحب الحال لا يكون غالبًا إلا معرفة، فكيف جاء الحال من "أحدًا"، وهو نكرة؟. [قلت]: جاز ذلك؛ لوقوعه بعد النفي، كما قال في "الخلاصة": وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ "لَا … يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلَا" (حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهَتَهُ) قال الفيّوميّ: الْجَبْهة من الإنسان تُجمَعُ على جباه، مثلُ كلْبَة وكِلابٍ، قال الخليل: هي مُسْتَوَى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود. انتهى (١). (عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَخُرُّ) من بابي ضرب، ونصر، قال في "القاموس": الْخَرُّ: السقوط، كالْخُرور، أو من عُلْوٍ إلى سُفْل، يَخِرُّ -أي بكسر الخاء- وَيخُرُّ -أي بضمها- انتهى (٢)، ولم يذكر في "المصباح" إلا الكسر فقط (مَنْ وَرَاءَهُ) "من" بفتح الميم موصولة في محلّ رفع فاعلُ "يخرّ"، والظرف صلتها، وقوله: (سُجَّدًا) حال من "مَن وراءه"، وهو: جمع ساجد، كما قال في "الخلاصة": وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٦٧٠١ و ١٠٦٨ و ١٠٦٩ و ١٠٧٠] (٤٧٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٩٠ و ٧٤٧ و ٨١١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٢٠ و ٦٢١ و ٦٢٢)، و (الترمذيّ) فيها (٢٨١)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٩٦)،

стр. 5973

و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧١٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٤ و ٢٨٥ و ٢٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٥٠ و ١٨٥١ و ١٨٥٢ و ١٨٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٦ و ١٠٤٧ و ١٠٤٨ و ١٠٤٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٢٦ و ٢٢٢٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٤٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أدب من آداب الصلاة، وهو أن السنّة أن لا ينحني المأموم للسجود حتى يضع الإمام جبهته على الأرض، قال النوويّ ﵀: إلا أن يَعْلَم من حاله أنه لو أَخَّر إلى هذا الحدّ لرفع الإمام من السجود قبل سجوده، قال أصحابنا -يعني الشافعيّة- رحمهم اللَّه تعالى: في هذا الحديث وغيره ما يقتضي مجموعه أن السنّة للمأموم التأخر عن الإمام قليلًا، بحيث يَشْرَع في الركن بعد شروعه، وقبل فراغه منه. انتهى (١)، وهو تحقيق حسن، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص على تطبيق السنّة، وامتثال أمر النبيّ ﷺ ، حيث قال لهم: "أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف. . . " الحديث، أخرجه مسلم، وقد تقدّم برقم [٩٦٦] (٤٢٦). ٣ - (ومنها): أنّ ابن الجوزيّ: استدلّ به على أن المأموم لا يَشْرَع في الركن حتى يُتِمّه الإمام. وتُعُقّب بأنه ليس فيه إلا التأخر، حتى يتلَبَّس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه، بحيث يَشْرَع المأموم بعد شروعه، وقبل الفراغ منه. ووقع في حديث عمرو بن حريث ﵁ الآتي آخر الباب: "فكان لا يَحْنِي أحدٌ منّا ظهره حتى يستتم ساجدًا"، ولأبي يعلى من حديث أنس ﵁ حتى يتمكن النبيّ ﷺ من السجود، وهو أوضح في انتفاء المقارنة.

стр. 5974

٤ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستدلّ به على طول الطمأنينة، وفيه نظرٌ؛ لا دلالة له على ذلك، لكن الطمأنينة لها أدلّة كثيرة تدّل على وجوبها، قد تقدّم بيانها فيما مضى من الأبواب. ٥ - (ومنها): أنه يستدلّ به على جواز النظر إلى الإمام؛ لاتباعه في انتقالاته. ٦ - (ومنها): ما كتبه الحافظ ابن رجب ﵀ على هذا الحديث، وإن كان قد تقدّم حاصله، إلا أن فيه تفصيلًا لأقوال العلماء؛ لذا أحببت إيراده هنا، قال ﵀: وفي الحديث دليلٌ على أن المأموم يُتابع الإمام، وتكون أفعاله بعد أفعال الإمام، فإن البراء ﵁ أخبر أنهم كانوا إذا رفعوا من الركوع لم يَحْنِ أحدٌ منهم ظهره حتى يقع النبيّ ﷺ ساجدًا، ثم يسجدون بعده. وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: أنهم كانوا يُصلّون مع رسول اللَّه ﷺ ، فإذا رفع رأسه من الركوع لم أر أحدًا يحني ظهره حتى يضع رسول اللَّه ﷺ جبهته على الأرض، ثم يخرّ مَن وراءه سُجّدًا. وهذه صريحة في أنهم كانوا لا يُسرعون في السجود حتى يُنهيه النبيّ ﷺ ، وقوله ﷺ : "إذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا" يدلّ على أن تكبير المأمومين من ركوعهم وسجودهم يكون عقب تكبيرة الإمام، وركوعه، وسجوده، لا معه، ولا قبله. وفي حديث أبي موسى ﵁، عن النبيّ ﷺ : "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، فتلك بتلك"، رواه مسلم (١). وأكثر العلماء على أن الأفضل للمأموم أن يُتابع الإمام، فيركع، ويرفع، ويسجد، ويجلس بعد الإمام في ذلك، وكذلك كان يفعل أبو قلابة وغيره من السلف، وروَى وكيع بإسناده عن ابن مسعود ﵁ قال: "لا تبادروا أئمتكم، فإنما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فيكون أولّ من يركع، وأول من يسجد، وأول من يرفع"، وهو مذهب الشافعيّ، وأحمد، ورواية عن مالك.

стр. 5975

وإن وافقه في فعله معه كُره، وصَحّت صلاته عند أكثر أصحابنا -يعني الحنبليّة- والشافعيّة، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك، ويُستثنى من ذلك صورتان: إحداهما: تكبيرة الإحرام في ابتداء الصلاة، فإذا كبّر معه لم تنعقد صلاة المأموم عند ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وهو قول مالك، وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة، والثوريّ، والعنبريّ، ومحمد بن الحسن، وزُفرُ: تنعقد صلاته بذلك، وزاد الثوريّ عليهم، فقال: لو كبّر مع إمامه، وفرغ من تكبيره قبل فراغ إمامه جاز. ومن الحنفيّة من جعل تكبيرة الإحرام شرطًا للصلاة، كالطهارة، والسِّتَارة (١)، ولم يجعلها منها. والصورة الثانية: إذا سلّم مع إمامه، فإنه يجوز مع الكراهة عند أكثر أصحابنا، والشافعيّة، ولهم وجهٌ آخر أنه لا يجوز، وحُكي عن مالك، قال بعض أصحابنا: وهذا قويّ على قول من يَعتبر النيّة للخروج. وعن مالك في أصل متابعة المأموم لإمامه ثلاث روايات: إحداهنّ: أنه يُستحبّ أن يكون عمله بعد عمل إمامه معاقبًا له، كقول الشافعيّ، وأحمد. والثانية: أن عمل المأموم كلّه مع عمل الإمام، ركوعه، وسجوده، ورفعه، ما خلا الإحرام، والتسليم، فإنه يأتي المأموم بهما إلا بعد تكبيرة الإمام وسلامه، وقيل: إنها أصحّ الروايات عنه. والثالثة: أنه يكون عمله مع الإمام، ما خلا ثلاثة أشياء: التحريم، والتسليم، والقيام من اثنتين، فإنه يكون بعده. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الأقوال معظمها مخالفة للنصوص، وإنما ذكرتها؛ لتُعلم، لا ليُعمل بها، فإن القول الذي يكون مخالفًا للنص لا يُلتفت إليه، فالواجب العمل بما دلّت عليه النصوص.

стр. 5976

والحاصل أنه لا يَشْرَع المأموم في أيّ جزء من أجزاء الصلاة مطلقًا إلا بعد تأكّده من تلبّس الإمام بذلك الجزء، فعند ذلك يتبعه ويشاركه في أدائه مع تأخّره قليلًا في الابتداء. وكذا لا يقارنه في الشروع فيه، كما يفعله جهلة المقلّدين للآراء الضعيفة المخالفة للنصوص، فضلًا أن يسابقه، كما يفعله الجهّال المغفّلون الذين نواصيهم بيد الشيطان، يتلاعب بهم كيف شاء، يرفعهم، ويضعهم، ويحرّضهم على الاستعجال والمسابقة. وكذا لا يتأخّر عن الإمام أيضًا حتى يكمل الركن الذي انتقل إليه، وينتقل إلى الذي يليه، كما قاله ابن الجوزيّ في كلامه السابق، فإنه أيضًا مخالف للسنّة، فتبصر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه متمسَّك البليد، وملجأ العنيد، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ، متقنٌ، حافظ، إمامٌ، قدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمام حجة، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.

стр. 5977

والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو إسحاق" هو: عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ. وقوله: (سَاجِدًا) منصوب على الحال من "رسول اللَّه ﷺ ". وقوله: (ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ) أي ننزل إلى الأرض بعده ﷺ ، ساجدين، فقوله: "سُجودًا": جمع ساجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، لَمْ نَزَلْ قِيَامًا، حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ (١) فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ) (٢). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمِ الْأَنْطَاكِيُّ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن حكيم بن سَهْم الأَنْطاكيّ، ثقةٌ يُغْرَب [١٠]. رَوَى عن الوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس، وأبي إسحاق الفَزَاريّ، وبَقِيَّة، وابن المبارك، ومعتمر بن سليمان، وجماعة. ورَوَى عنه مسلم، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن الجنيد، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن يونس الضبيّ، والحسين بن إسحاق التَّسْتُريّ، وموسى بن هارون، وعمر بن سعد بن سنان الطائيّ، وعليّ بن أحمد بن النضر، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال الخطيب: كان ثقةً، قال أبو القاسم: مات بأنطاكية سنة ثلاث وأربعين ومائتين.

стр. 5978

تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث (١)، برقم (٤٧٤) و (١٧٤٠) و (١٩١٠) و (٢٢٧٦) و (٢٨٢٩). ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) هو: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة بن بَدْر الفزاريّ، أبو إسحاق الكوفيّ، نزيل الشام، وسكن الْمِصِّيصَة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيفُ [٨] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٨. ٣ - (أبو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن فيروز الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩. ٤ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارِ) بن كُردُوس بن قرواش بن جعونة بن سلمة بن صخر بن ثعلبة بن سَدُوس السَّدُوسيّ، أبو دثار، ويقال: أبو مُطَرّف، ويقال: أبو كردوس، ويقال: أبو النضر الكوفي القاضي، وقيل: إنه ذُهْليّ، ثقة إمامٌ زاهدٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وعبد اللَّه بن يزيد الْخَطْميّ، وجابر، وعُبيد بن البراء بن عازب، والأسود بن يزيد النخعيّ، وعبد اللَّه وسليمان ابني بُريدة، وصِلَة بن زُفَر، وعمران بن حِطّان، وغيرهم. وروى عنه عطاء بن السائب، وأبو إسحاق الشيبانيّ، والأعمش، وشريك، وسعيد بن مسروق، وعاصم بن كُليب، ويونس بن أبي إسحاق، وأبو سِنَان ضِرَار بن مُرّة، وزُبيد بن الحارث الياميّ، وشعبة، وزائدة، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق، وزاد أبو زرعة: مأمون، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال سعيد بن سماك بن حرب، عن أبيه: كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل سِتّ خِصال سَوَّدوه: الحلم، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والبيان، والتواضع، ولا يَكْمُلن في الإسلام إلا بالعفاف، وقد كَمُلن في هذا الرجل، يعني محارب بن دثار، وقال الثوريّ: ما يُخَيَّل إليّ أني

стр. 5979

رأيت زاهدًا أفضل من محارب، وقال ابن سعد: كان من المرجئة الأولى الذين يرجئون عليًّا وعثمان، ولا يشهدون فيهما بشيء، وله أحاديث، ولا يَحتجون به. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول ابن سعد هذا: "ولا يُحتجّون به" بعد أن سبق أقوال المحقّقين فيه، نظير ما سبق في ترجمة أبي إسحاق الفزاريّ، فتنبّه. وقال عبد اللَّه بن إدريس، عن أبيه: رأيت الحكم، وحمادًا في مجلس قضاء محارب، قال الذهبيّ: وفي إدراك ابن عيينة له نظرٌ، فلعله أرسل عنه شيئًا، وهو حجةٌ مطلقًا، وقال ابن حبان: كان من أفرس الناس، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان، والدارقطنيّ: ثقة. قال ابن سعد وغيره: مات في ولاية خالد بن عبد اللَّه، وقال ابن قانع: مات سنة ست عشرة ومائة، وقال خليفة: مات في آخر ولاية خالد، وعُزِل خالد سنة عشرين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. والباقيان سبقا في السند الماضي. وقوله: (عَلَى الْمِنْبَرِ) أي خطيبًا عليه. وقوله: (لَمْ نَزَلْ قِيَامًا) أي قائمين، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل. وقوله: (قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ) وفي نسخة: "جبهته". وقوله: (ثُمَّ نَتَّبِعُهُ) بفتح النون، وتشديد التاء المثنّاة، افتعال من التبع، وفي نسخة: "نَتْبعه" بسكون التاء، مضارع تَبع ثلاثيًّا، من باب تعب، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْن نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ (١) وَغَيْرُهُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي

стр. 5980

لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَحْنُو (١) أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى نَرَاهُ قَدْ سَجَدَ، فَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْكُوفِيُّونَ: أَبانُ وَغَيْرُهُ، قَالَ: حَتَّى نَرَاهُ يَسْجُدُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبَانُ) بن تَغْلب، أبو سعد الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلّم فيه للتشيّع [٧] (ت ١٤٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢. والباقون تقدّموا قريبًا، فزهير تقدّم قبل ثلاثة أبواب، ومحمد بن عبد اللَّه بن نمير، وسفيان بن عيينة تقدّما قبل باب، والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الإسناد مما تكلم فيه الدارقطنيّ، وقال: الحديث محفوظ لعبد اللَّه بن يزيد، عن البراء، ولم يقل أحد: عن ابن أبي ليلى غير أبان بن تغلب، عن الحكم، وقد خالفه ابن عَرْعَرة، فقال: عن الحكم، عن عبد اللَّه بن يزيد، عن البراء، وغير أبان أحفظ منه، هذا كلام الدارقطنيّ. وهذا الاعتراض لا يُقْبَل، بل أبان ثقة، نَقَلَ شيئًا، فوجب قبوله، ولم يَتَحَقَّق كذبه وغلطه، ولا امتناع في أن يكون مرويًّا عن ابن يزيد، وابن أبي ليلى، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: انتقد الدارقطنيّ ﵀، ولكن يجاب بأن المصنّف ﵀ إنما أورده على سبيل الاستشهاد والمتابعة، وقد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، وهذا أولى مما قاله النوويّ ﵀، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 5981

وقوله: (حَدَّثَنَا؛ أَبَانُ وَغَيْرُهُ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف غيره (١). وقوله: (لَا يَحْنُو) بالواو تقدّم أنه لغة في الياء، ووقع في نسخة بالياء، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في هذه الرواية الأخيرة من روايات البراء ﵁ "يحنو" بالواو، وباقي رواياته، ورواية عمرو بن حريث بعدها كلها بالياء، وكلاهما صحيح، فهما لغتان حكاهما الجوهريّ وغيره: "حَنَيْتُ"، و"حَنَوْتُ"، لكن الياء أكثر، ومعناه: عطفته، ومثله حَنَيْتُ العودَ، وحَنَوْته: عَطَفتُهُ. انتهى (٢). وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ إلخ) يعني أن زهير بن حرب قال في روايته: حدّثنا سفيان، ولم ينسبه إلى أبيه، بدل قول ابن نمير: "حدّثنا سفيان بن عيينة"، فنسبه إليه. وقوله: (أَبَانُ وَغَيْرُهُ) بدل من قوله: "الكوفيّون"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧١] (٤٧٥) - (حَدَّثَنَا (٣) مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الْأَشْجَعِيُّ، أَبُو أَحْمَدَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ، مَوْلَى آلِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ الْفَجْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾، وَكَانَ لَا يَحْنِي رَجُلٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَسْتَتِمَّ سَاجِدًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ) الهلاليّ، أبو الفضل البغداديّ، كان جدّه أبو عون عبد الملك بن يزيد أمير مصر، صدوقٌ [١٠].

стр. 5982

رَوَى عن أخيه مختار بن عون، ومالك، ومسلم بن خالد، وخَلَف بن خليفة، وعبد اللَّه بن إدريس، وفَرَج بن فَضَالة، وفضيل بن عياض، والعَطّاف بن خالد، ورِشْدين بن سعد، وإبراهيم بن سعد، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، ويحيى بن معين، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، وإبراهيم بن الجنيد، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت ابن معين عن مُحرز بن عون؟ فقال: ليس به بأس ثقةٌ، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: كان شيخًا صدوقًا لا بأس به، وقال صالح بن محمد: ثقة، وقال مرّةً: لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن قانع: بغداديٌّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: حدَّث، وكتب عنه الناس كثيرًا، وكان ثقةً ثبتًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال حاتم بن الليث الجوهريّ: وُلِد سنة أربع وأربعين ومائة، ومات ببغداد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وله سبع وثمانون سنة، وفيها أَرّخه موسى بن هارون، والبغويّ. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٧٥) وحديث (١٤٠٨): "نَهَى رسول اللَّه ﷺ أن تُنْكَح المرأة على عمّتها. . . ". ٢ - (خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الْأَشْجَعِيُّ، أَبُو أَحْمَدَ) الكوفيّ، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر، وادَّعَى أنه رأى عمرو بن حُريث الصحابيّ، فأنكر عليه ذلك ابن عيينة، وأحمد [٨] (ت ١٨١) على الصحيح (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٣/ ٥٩٢. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ سَرِيعٍ (١)، مَوْلَى آلِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) الكوفيّ، صدوقٌ [٤] (م س) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٢٨. ٤ - (عَمْرُو بْنُ حُرَيْثِ) بن عمرو بن عثمان بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، صحابيّ صغير، مات ﵁ سنة (٨٥) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٢٨.

стр. 5983

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٦٠) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بالتصغير ﵁ أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ الْفَجْرَ) أي صلاة الفجر (فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾) أي السورة التي فيها هذه الآية، وتقدم في (٣٦/ ١٠٢٨) بلفظ: "سمع النبيّ ﷺ يقرأ في الفجر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ ". قال النوويّ ﵀: قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ قال المفسرون، وأهل اللغة: هي النجوم الخمسة، وهي المشتري، وعُطارد، والزُّهَرَة، والْمِرِّيخ، وزُحَل (١)، هكذا قال أكثر المفسرين، وهو مرويّ عن علي بن أبي طالب ﵁، وفي رواية عنه: أنها هذه الخمسة، والشمس، والقمر، وعن الحسن: هي كلُّ النجوم، وقيل: غير ذلك، و ﴿الْخُنَّسِ﴾: التي تَخْنِس (٢)، أي ترجع في مَجراها، و ﴿الْكُنَّسِ﴾: التي تَكْنِس (٣): أي تدخل في كِنَاسها (٤)، أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها، و ﴿الْكُنَّسِ﴾ جمع كانس، كراع ورُكَّع، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. انتهى (٥). وذكر الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره" أقوالًا في معنى الآية، فقيل: النجوم تَخْنِس بالنهار، وتظهر بالليل، قال: وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم: "الخنّس"، أي في حال طلوعها، ثم هي جَوَارٍ في فَلَكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: "كُنّس"، من قول العرب: أَوَى الظبي إلى كناسه: إذا تغيّب فيه، وقيل: هي الظباء، وقيل: هي بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، ثم

стр. 5984

قال: وتوقّف ابن جرير في المراد بها، هل هي النجوم، أو الظباء، وبقر الوحش؟ قال: ويَحْتَمِل أن يكون الجميع مرادًا. انتهى (١). (وَكَانَ لَا يَحْنِي) تقدّم أنه يجوز فيه الواو أيضًا، فيقال: "لا يحنو"، أي لا يَثني، وقوله: (رَجُلٌ) مرفوع تنازعه كلّ من "كان"، و"يَحني"، فأُعمل الثاني؛ لقربه عند البصريين، والأول؛ لتقدّمه عند الكوفيين، قال في "الخلاصة": إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أَسْرَهْ وقوله: (مِنَّا) متعلّق بصفة لـ "رجلٌ" (ظَهْرَهُ، حَتَّى يَسْتَتِمَّ) النبيّ ﷺ بوضع جبهته حال كونه (سَاجِدًا) والمعنى: حتى يسجد سجودًا تامًّا. قال في "القاموس": أَتَمَّهُ، وتَمَّمَهُ، واستتمّه وتَمّ به، وعليه: جعله تامًّا، وتمام الشيء، وتَمامته، وتَتِمّته: ما يَتِمُّ به، وقال أيضًا: تَمَّ يَتِمُّ تَمًّا وتَمَامًا مثلّثتين، وتَمَامة، ويُكسر. انتهى (٢). والحديث هذا من أفراد المصنّف ﵀، وتقدّم تخريجه في (٣٦/ ١٠٢٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤١) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٢] (٤٧٦) - (حَدَّثَنَا (٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا

стр. 5985

لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ (١)، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يُدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ) الْمُزَنيّ، ويقال: الثَّعْلبيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن مُغَفَّل، وعبد الرحمن بن مَعْقِل بن مُقَرِّن. وروى عنه الأعمش، ومنصور، والثوريّ، وشعبة، وقيس بن الربيع، ومِسْعَر، وأبو الْعُميس، وآخرون. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال أبو داود: قال يحيى بن سعيد: عبيدٌ أبو الحسن ممن لم يدركه سفيان من مشايخ الكوفيين، قال أبو داود: وسفيان يقول: أدركناه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ حجةٌ. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث

стр. 5986

فقط، وله عند أبي داود أيضًا حديث آخر في لحوم الحمر الأهلية. ٦ - (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) هو: عبد اللَّه بن أبي أوفى، واسمه علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن رِفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم بن أفصَى بن حارثة الأسلمي، أبو إبراهيم، وبه جزم البخاريّ، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو معاوية، صحابيّ، ابن صحابيّ ﵄، وشَهِدَ عبد اللَّه بيعة الرضوان، ثم نزل الكوفة ومات بها. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه إبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسَكِيُّ، وإبراهيم بن مسلم الْهَجَريّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عُتيبة، وسالم أبو النضر فيما كتب إليه، وسلمة بن كُهيل، والأعمش -يقال: مرسل- وطارق بن عبد الرحمن البجلي، وطلحة بن مُصَرِّف، وعبد اللَّه، ويقال: محمد بن أبي الْمُجَالد، وعُبيد بن الحسن، وعدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، وعمرو بن مرة، وفائد أبو الورقاء، والقاسم بن عوف الشيباني، ومَجْزأة بن زاهر، والوليد بن سَرِيع، ويحيى بن عَقِيل، وأبو آدم المحاربي، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو المختار الأسدي، وأبو يعفور العبدي، وشَعْثاء الكوفية. وأخرج أحمد عن يزيد، عن إسماعيل: رأيت على ساعد عبد اللَّه بن أبي أوفى ضربة، فقال: ضُربتها يوم حُنين، فقلت: أشهدت حُنينًا؟ قال: نعم، وقبل ذلك. وفي "الصحيح" عن عمرو بن مرّة قال: سمعت ابن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة. وفي "الصحيح" عنه قال: غزوت مع النبيّ ﷺ ست غزوات نأكل الجراد، وفي روأية: سبع غزوات، قال سفيان وعطاء -هو ابن السائب-: رأيت عبد اللَّه بن أبي أوفى بعدما ذهب بصره (١). قال يحيى بن بكير وغيره: مات سنة ست وثمانين، وقال البخاري عن أبي نعيم: مات سنة (٨٧)، وقال الذهليّ عن أبي نعيم: مات سنة سبع أو ثمان وثمانين. قال عمرو بن علي: وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، وهو أخو زيد بن أبي أوفي، لكن منع ذلك أبو أحمد العسكري وغيره، وفي "كتاب

стр. 5987

الجهاد" من البخاري ما يدلّ على أنه شهد الخندق (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعبيد بن الحسن، فتفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن عبيد بن الحسن. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه آخر من مات من الصحابة بالكوفة، كما مرّ آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن) عبد اللَّه (بْنِ أَبِي أَوْفَى) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: معنى سَمِعَ هنا: أجاب، ومعناه: أن مَن حَمِدَ اللَّه تعالى متعرِّضًا لثوابه، استجاب اللَّه تعالى له، وأعطاه ما تَعَرَّض له، فإنا نقول: ربنا لك الحمد؛ لتحصيل ذلك، قاله النوويّ (٢). (مِلْءُ السَّمَاوَاتِ) وفي نسخة: "ملء السماء"، و"مِلْءُ" بالنصب، والرفع، والنصب أشهر، وهو الذي اختاره ابن خَالَوَيه، ورجَّحه، وأطنب في الاستدلال له، وجَوَّز الرفعَ على أنه مرجوحٌ، وحُكِي عن الزجاج أنه يتعين الرفع، ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النصب، ورجّح الأكثرون النصب، وهو المعروف في روايات الحديث، وهو منصوب على الحال، مالئًا، قال العلماء: معناه حمدًا لو كان أجسامًا لملأ السماوات والأرض، قاله النوويّ (٣).

стр. 5988

قال الجامع عفا اللَّه عنه: نصب "ملء" على أنه حال، بتقدير مالئًا، كما سبق في كلام النوويّ، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، أي حمدًا ملءَ السموات، أو مفعول لفعل محذوف، أي أعني، ورفعه على أنه خبر لـ "الحمدُ"، أو خبر لمحذوف: أي هو. و"الْمِلْء" بكسر الميم، وسكون اللام: ما يأخذ الإناء إذا امتلأ. وقال الخطّابيّ ﵀: هو تمثيلٌ وتقريبٌ، والمراد تكثير العدد حتى لو قُدّر ذلك أجسامًا لملأ ذلك، وقال غيره: المراد بذلك التعظيم، كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض، وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا حاجة إلى هذه التأويلات المتكلّفة، بل الصواب إبقاء الحديث على ظاهر معناه، وما المانع أن يكون الحمد شيئًا يملأ السموات والأرض، وقد ثبت بالنصوص الكثيرة أن الأعمال توزن يوم القيامة، ومنه تلك البطاقة التي تثقّل ميزان العبد، والحديث فيه صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بسند صحيح (١)، ومعلوم أنه لا يوزن إلا ما كان شيئًا محسوسًا، فلا داعي إلى هذه التأويلات التي تكلّفوها، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 5989

(وَمِلْءُ الْأَرْضِ) معطوف على ما قبله بوجهيه، وكذا قوله: (وَمِلْءُ مَا شِئْتَ) "ما" موصولة، حُذف عائدها، أي الذي شئته، وقوله: (مِنْ شَيْءٍ) بيان لـ "ما"، وقوله: (بَعْدُ") من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، وإنما بُني على الضمّ؛ تشبيهًا له بأحرف الغاية، قال في "الخلاصة": وَاضْمُمْ بِنَاءً "غَيْرًا" انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا "قَبْلُ" كَـ "غَيْرُ" "بَعْدُ" "حَسْبُ" "أَوَّلُ" … وَ"دُونُ" وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَ"عَلُ" والمضاف المقدّر هنا "السموات، والأرض"، والظرف متعلّق بمحذوفٍ صفة لـ "شيء"، والمراد من قوله: "من شيء": العرش، والكرسيّ، ونحوهما مما في مقدُور اللَّه ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٠٧٢ و ١٠٧٣ و ١٠٧٤ و ١٠٧٥] (٤٧٦)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٧٦ و ٦٨٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٩٨)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٥٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٤٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٦ و ٣٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٥٥ و ٩٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٤٧ و ١٨٤٨ و ١٨٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٥١ و ١٠٥٢ و ١٠٥٣) واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يُستحبّ أن يقوله المصلّي إذا رفع رأسه من الركوع. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الاعتدال، ووجوب الطمأنينة فيه؛ لأنه لا يمكن أن يقول هذا الذكر إلا إذا اعتدل، واطمأنّ. ٣ - (ومنها): أنه يستحب لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، أن

стр. 5990

يقول: "سَمِعَ اللَّه لمن حمده، ربنا لك الحمد"، ويجمع بينهما، فيكون قوله: "سَمِعَ اللَّه لمن حمده" في حال ارتفاعه، وقوله: "ربنا لك الحمد" في حال اعتداله؛ لقوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أصلّي"، رواه البخاريّ، قاله النوويّ ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الراجح أن الإمام والمنفرد يجمعان بينهما؛ للحديث المذكور، وأما المأموم، فلا يُشرع له التسميع؛ لصريح قوله ﷺ : "وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده"، فقولوا: "ربّنا ولك الحمد"، فقد صرّح فيه أنّ وظيفة المأموم هو التحميد فقط، فتبصّر لذلك. ٤ - (ومنها): أن هذا الذكر مشروع في جميع الصلوات، سواء كانت فرضًا أو نفلًا؛ خلافًا لبعض العلماء؛ حيث قالوا: إنه خاصّ بالتطوّع فقط، ولا حجة لهم في ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فإلى شعبة تقدّموا قبل باب، والباقيان في السند الماضي، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
следующие страницы →