← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

ولهذا لَمّا فَهِمَ بعض من نَكَّس اللَّه قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يُمكن من التخفيف، اعتَقَدَ أن الصلاة كلّما خُفّفت، وأُخِّرت كانت أفضل، فصار كثير منهم يمرّ فيها مرّ السَّهْم، ولا يزيد على "اللَّه أكبر" في الركوع والسجود بسرعة، فكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربّما ظنّ الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث. ويُحْكَى عن بعض هؤلاء أنه رأى غُلامًا له يَطمئنّ في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل أكنت مبطئًا عن شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كلُّه تلاعب بالصلاة، وتعطيلٌ بها، وخِدَاعٌ من الشيطان. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العلّامة ابن القيّم ﵀ هو الحقّ، وإن اعتَرَض عليه الصنعانيّ، وطوّل الكلام في الرّدّ عليه في كتابه "العدّة حاشية العمدة" (١). وخلاصة ما أشار إليه ابن القيّم: أن ما ثبت عن النبيّ ﷺ من كيفيّة الصلاة هو الذي أمر به، فقد كان يُخفّف أحيانًا، ويُطوّل أحيانًا على حسب ما يراه من حال المأمومين، فقد ثبت أنه ﷺ خفّف صلاته، فقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾، وكان ذلك في السفر، وقد روي أنه قرأ بها في المغرب، ولم يُذكر السفر، وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقرأ بقصار المفصّل، ولا يُعارضه حديث زيد بن ثابت ﵁ أنه أنكر على مروان قراءته بقصار المفصّل؛ لأنه أنكر استمراره على ذلك، وجاء في "الصحيح" أنه قرأ فيها ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر، وكذلك صلّى الصبح بـ "الزلزلة" في الركعتين، وقرأ فيه أيضًا "المعوّذتين"، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار. وثبت عنه ﷺ أنه طوّل في بعض الأحيان، فقرأ في المغرب ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، و ﴿الطُّورِ﴾، وبطولى الطوليين، وظاهره أنه أتمّها، فقول القاضي عياض: إن المراد بعضها خلاف الظاهر، وكان يطوّل في الصبح، فيقرأ في الركعتين ما بين الستّين والمائة، وصلاها أيضًا بـ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى إذا جاء ذكر

стр. 5917

موسى وعيسى أخذته سعلة، فركع، وقرأ فيها أيضًا ﴿ق﴾، وقرأ فيها ﴿الطُّورِ﴾. وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنهم قدّروا قراءته في الظهر في الأوليين بقدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وفي الأخريين بقدر النصف من ذلك، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة. والحاصل أنه ﷺ قد خفّف، وهو الغالب منه، وطوّل أحيانًا، حيث يرى نشاط المأمومين، وأمر أمته أن يقتدوا به في التخفيف والتطويل، فقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي". وخلاصة القول أن كلّ ما ثبت عن النبيّ ﷺ ينبغي العمل به؛ لأنه التخفيف الذي أمر به الأئمة، قال أنس ﵁: "ما صلّيت وراء إمام قطّ أخفّ صلاةً ولا أتمّ من النبيّ ﷺ ، وإن كان ليسمع بكاء الصبيّ فيخفِّف؛ مخافة أن تفتن أمه"، متّفق عليه. وبالجملة فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، كما كان النبيّ ﷺ يراعي ذلك، فقد قال: "إني لأقوم في الصلاة، أريد أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأتجوّز في صلاتي؛ كراهية أن أشقّ على أمه"، أخرجه البخاريّ، فإن خفي على الإمام حالهم، فليُخفّف احتياطًا. وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" مسائل مفيدةً، فراجعها (١) تستفد علمًا جَمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، وَوَكِيعٌ،

стр. 5918

قَالَ: (ح) (١) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. والباقون تقدّموا، فأبو بكر، ووكيع تقدّما قبل باب، والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وابن نمير هو: محمد، وأبوه هو: عبد اللَّه بن نُمير، وسفيان هو: ابن عيينة. [تنبيه]: إنما ذكر هُشيمًا هنا مع أنه تقدّم في السند الماضي؛ لاختلاف شيخيه عليه، وذلك أن يحيى بن يحيى حدّثه عنه وحده، وقال: أخبرنا هُشيم؛ ليُبيّن أنه أخذ عنه قراءةً، وأما أبو بكر، فحدّثه عنه مقرونًا بوكيع، وقال: حدّثنا هُشيم، ووكيع؛ ليُبيّن أنه أخذ عنهما سماعًا، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (قال: ح إلخ) هذا من الراوي عن المصنّف، أي قال المصنّف: ح وحدّثنا ابن نمير إلخ. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ) أي كلّ هؤلاء الأربعة: هُشيم، ووكيع، وعبد اللَّه بن نُمير، وسفيان بن عيينة رووه عن إسماعيل بن أبي خالد. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء متعلّق بحال مقدّر من إسماعيل بن أبي خالد، أي حال كونه مخبرًا بهذا الإسناد السابق، وهو: عن قيس، عن أبي مسعود ﵁. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ) يعني الذي قبل هذا، وهو متعلّق بـ "حدّثنا". [تنبيه]: رواية هشيم هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٨٣) فقال: (١٠٣٠) وحدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هشيم ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد (ح) وحدّثنا حبيب، ثنا يوسف القاضي، ثنا مسدّد، ثنا يحيى، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي

стр. 5919

مسعود، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إني لأتأخر عن صلاة الغداة، مما يطيل بنا فلان فيها، قال: فقام النبيّ ﷺ ، فما رأيته في موعظة أشدَّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين، وأيُّكم صلّى بالناس، فليتجوَّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ وذا الحاجةِ"، قال: لفظ هشيم. انتهى. وأما رواية وكيع، فقد ساقها ابن حبّان في "صحيحه" فقال: (٢١٣٧) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه إني لأتأخر عن صلاة الغداة، مما يطيل بنا فلان، فقام رسول اللَّه ﷺ ، فما رأيته في موعظة أشدّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "أيها الناس إنّ منكم منفرين، فأيُّكم ما صلّى بالناس، فليتجوّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ، وذا الحاجة". انتهى. وأما رواية ابن نمير، فساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال: (٩٨٤) حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود، قال: أتى النبيّ ﷺ رجل، فقال: يا رسول اللَّه، إني لأتأخر في صلاة الغداة، من أجل فلان؛ لما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت رسول اللَّه ﷺ قطُّ في موعظة أشدّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إنّ منكم منفرين، فأيّكم ما صلّى بالناس فَلْيُجَوِّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ، وذا الحاجة". انتهى. وأما رواية سفيان بن عيينة، فساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٤١٩) فقال: (١٥٥٣) حدّثنا علي بن حرب، وشعيب بن عمرو الدمشقيّ قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، قال: قال رجل للنبيّ ﷺ : إني لأتأخر عن صلاة الصبح، مما يُطَوِّل بنا فلان، فقال النبيّ ﷺ : "إنّ منكم منفرين، فأيُّكم أمّ للناس، فليخفِّفْ، فإن فيهم الضعيف، والمريضَ، وذا الحاجة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 5920

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥١] (٤٦٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- الْحِزاميّ المدنيّ، نزل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٦٥٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدوسيّ الصحابيّ الشهير ﵁ مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد نُقل عن الإمام البخاريّ ﵀ أنه قال: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5921

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ) وفي رواية همّام بن منبّه التالية: "إذا ما قام أحدكم للناس"، وفي رواية أبي سلمة الثالثة: "إذا صلّى أحدكم للناس"، واللام بمعنى الباء. [تنبيه]: هل المراد بصلاته للناس أن يكون إمامًا منصوبًا للإمامة من جهة الإمام الأعظم، أو من جهة ناظر المسجد الذي يصلّي به، بحيث لا يتمكن غيره من الإمامة في ذلك المحلّ، أو أعم من ذلك، ومن كون أهل المحلة نصبوه للإمامة بهم، بحيث لو شاءوا لَغَيَّروه، وأقاموا غيره في ذلك، أو أعمّ من ذلك، ومِن أن يتقدم للإمامة بغير تقديم أحد، أو كونه صار إمامًا، ولو لم يقصد التقدُّم لذلك من الأول، بل تقدَّم ليصلّي منفردًا فتابعه غيره، فنوى الإمامة به، أو لو لم ينو الإمامة به، بل نوى المأموم الائتمام فقط؛ لأنه يصير بذلك عند الشافعي وجماعة إمامًا، ولو لم ينو هو الإمامة، غايته أنه لا يحصل له فضيلة الجماعة إذا لم ينو الإمامة؟. هذه احتمالات خمسة، قال العراقيّ ﵀: وأرجحها عندي الرابع، فمتى صار إمامًا بنيته للإمامة على أيّ وجه تقدَّم يستحب له التخفيف، وأما إذا لم ينو هو الإمامة، فالظاهر أنه لا يستحب له التخفيف باقتداء غيره به. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: وعندي الأرجح إجراؤه على عمومه؛ فيعُمّ جميع الأقسام الخمسة، فعلى الجميع التخفيف؛ لعموم قوله ﷺ : "إذا أمّ أحدكم الناس"، فالمعتبر كونه إمامًا، سواء نوى ذلك، أم لم ينو، فقصره على الذي نوى الإمامة تخصيص بلا دليل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قوله: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ"، قال العراقيّ ﵀: لم يذكر الصلاة، فتناول الفرائض والنوافل التي يُشْرَع لها الجماعة، كالعيد، والتراويح، ونحوهما؛ لأن حذف المعمول يدل على العموم، بدليل صحة الاستثناء، فإنه معيار العموم، نعم يُسْتَثنى من ذلك صلاة الكسوف؛ لمشروعية تطويل القراءة فيها، فلا يُسَنّ النقص عن المشروع في ذلك، وكأنه لم يستثنها؛ لندورها،

стр. 5922

والاهتمام بشأنها؛ للأمر العارض. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ. (فَلْيُخَفِّفْ) أي القراءة والأذكار، بحيث لا يُخلّ بأركانها، وسننها، وآدابها؛ لأن النبيّ ﷺ قد نهى عن نقرة الغراب، وقال للمسيء صلاته: "صلّ، فإنك لم تصلّ"، متّفقٌ عليه، وقال: "لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود" (٢)، وقال: "لا ينظر اللَّه إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده" (٣). فالذي يُخلّ بشيء مما ذُكِر لم يُصلّها، فينبغي لمن يريد التخفيف مراعاة ما ذُكر حتى لا يقع في شيء من المحظور، وما أكثر من يقع في ذلك من الجهلة، وذوي الغفلة الذين ناصيتهم بيد الشيطان، فهو الذي يتصرّف في رفعها ووضعها، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم. (فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ) المراد به ضعف الْخِلْقة (وَالْمَرِيضَ) وفي رواية أبي سلمة الآتية: "فإن في الناس الضعيف، والسقيم"، والسقيم بمعنى المريض، وعطف المريض على الضعيف، من عطف العامّ على الخاصّ. قال في "المصباح": الضَّعْف بفتح الضاد في لغة بني تميم، وبضمّها في لغة قريش: خلاف القوّة والصّحّة، فالمضموم مصدر ضَعُف، مثالُ قَرُبَ قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضعيفٌ، والجمع ضُعَفَاءُ، وضِعَافٌ أيضًا، وجاء ضَعَفَةٌ، وضَعْفَى. انتهى. وقال في مادّة مَرِضَ: مَرِضَ الحيوان مَرَضًا، من باب تَعِبَ، والمرَضُ: حالةٌ خارجةٌ عن الطبع ضَارّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام، والأَوْرَامَ أعراضٌ عن المرض، وقال ابن فارس: الْمَرَضُ: كلُّ ما خرج به الإنسان عن حدّ الصّحّة، من علّة، أو نفاق، أو تقصير في أمرٍ (٤).

стр. 5923

(فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ) "كيف" هنا استفهاميّة، أي على أيّ كيفيّة أرادها، من التطويل والتخفيف؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وفي رواية همّام بن منبّه التالية: "فليُطل صلاته ما شاء"، وفي "مسند السرّاج": "فليُطِل إن شاء". قال العراقيّ ﵀: هل هذا الأمر أمرُ استحباب كالمذكور قبله، أو أمر إباحة، وترخيص؟ يترجح الأول؛ لكونه أمرًا في عبادة، ويترجح الثاني لتعليقه بمشيئة المصلّي، ولو كان للاستحباب لم يُعَلَّق بمشيئته، ولا يحتمل هنا أن يكون للوجوب كما قيل به في الأمر الذي قبله. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر العراقيّ الاحتمالين بدون ترجيح لأحدهما، والذي يظهر لي ترجيح الثاني؛ لأن الغالب من صلاته ﷺ وحده التطويل، لا التخفيف، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: الإطالة المذكورة مشروطة بأن تؤدّي إلى خروج الوقت، وإلا فلا، وجوّز بعضهم الإطالة، ولو خرج الوقت، وهو المصحّح عند بعض الشافعيّة، وفيه نظرٌ؛ لأنه يعارضه عموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁، مرفوعًا: "إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقتُ الصلاة الأخرى"، رواه مسلم، ولفظ أبي داود: "إنما التفريط في اليقظة أن تُؤَخَّر صلاةٌ حتى يدخل وقت أخرى"، أفاده في "الفتح" (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. [تنبيه آخر]: قال العراقيّ ﵀: هذا التطويل إنما هو في الأركان التي تَحْتَمِل التطويل، وهي القيام، والركوع، والسجود، والتشهد، دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العراقيّ من تقييده التطويل ببعض الأركان مما لا دليل عليه، بل الأدلّة بخلافه، فقد أخرج الشيخان عن البراء ﵁ قال: "كان ركوع النبيّ ﷺ ، وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين قريبًا من السواء"، وفي رواية لمسلم: عن البراء بن عازب ﵄

стр. 5924

قال: "رَمَقت الصلاة مع محمد ﷺ ، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء". وأخرجا عن ثابت، قال: كان أنس ﵁ ينعت لنا صلاة النبيّ ﷺ ، فكان يصلّي، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي. فهذا وأمثاله من الأحاديث في "الصحيحين"، وغيرهما دليلٌ على أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الأركان التي تطوّل، ولذا قال الحافظ في "الفتح" في شرح حديث أبي هريرة ﵁ هذا ما نصّه: واستُدلّ بعمومه أيضًا على جواز تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ. والحاصل أن الحقّ أن الاعتدال، والجلوس بين السجدتين مما يُشرع فيه التطويل، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٥١ و ١٠٥٢ و ١٠٥٣ و ١٠٥٤] (٤٦٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٠٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٩٤ و ٧٩٥)، و (الترمذيّ) فيها (٢٣٦)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٩٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٣٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٣٢)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٧١٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٦٠ و ١٥٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٣١ و ١٠٣٢ و ١٠٣٣ و ١٠٣٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٠ و ٢١٣٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٤٣)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5925

(المسألة الثالثة): قال العراقيّ ﵀: هذا الحكم، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته، وهو كون المأمومين فيهم السقيم والضعيف والكبير، فإن انتفت هذه العلة، فلم يكن في المأمومين أحدٌ من هؤلاء، وكانوا محصورين، ورَضُوا بالتطويل طَوَّل؛ لانتفاء العلة، وبذلك صَرَّح أصحابنا وغيرهم. وقال ابن عبد البرّ ﵀: قد بان في هذا الحديث العلة الموجِبَة للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه وإن عَلِمَ قُوّةَ مَن خلفه، فإنه لا يَدري ما يحدُث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال: "فإذا صلّى أحدكم لنفسه، فليطوِّل ما شاء"؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد يحدث لظاهر القوّة، ومَن يَعْرِف منه الحرص على طول الصلاة حادث من شُغْل، وعارض من حاجة، وآفة من حدَث وبول أو غيره. انتهى. وتبعه على ذلك ابن بطّال، فذكر مثل هذا الكلام. قال العراقيّ ﵀: وهو ضعيف، فإن الاحتمال الذي لم يَقُم عليه دليل، لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون ورَضُوا بالتطويل، لا نأمر إمامهم بالتخفيف؛ لاحتمالِ عارضٍ لا دليل عليه، وحديثُ أبي قتادة يَرُدُّ على ما ذكراه، فإنه ﷺ قال: "إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطوِّل فيها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأتجوَّز كراهية أن أشقّ على أمه". فإرادته ﷺ أوّلًا التطويل يدلُّ على جواز مثل ذلك، وما تركه إلا لدليل قام على تضرّر بعض المأمومين به، وهو بكاء الصبيّ الذي يشغل خاطر أمه، واللَّه أعلم. انتهى كلام العراقيّ ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العراقى: حسنٌ جِدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال ابن حزم ﵀: حدُّ التطويل ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها، ثم استدَلّ على ذلك بأن رسول اللَّه ﷺ صلّى الظهر في الوقت الذي صلّى فيه العصر بالأمس، وقال ﷺ : "وقتُ الصبح ما لم تطلع الشمس، ووقت العصر ما لم تغرُب الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نُور الشفق، ووقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل"، قال: فصحّ يقينًا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها، فإنما يصلّي باقيها في وقت الأخرى، أو في

стр. 5926

وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلًا، وقد صَحّ عن النبيّ ﷺ أن التفريط أن تُؤَخَّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى، فصحّ أن له إذا في خل في الصلاة في وقتها أن يطوِّل ما شاء إلا تطويلًا مَنَعَ النصّ منه، وليس له أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط. انتهى كلامه. وتعقّبه العراقيّ ﵀، فقال: وهو ضعيف، والذي ينبغي أن يقال في حدّ التطويل المباح أنه ما لم يخرج وقت الصلاة التي هو فيها، ولو جوّزنا له أن يُخْرِج جزءًا منها عن وقتها لم يكن لتوقيتها فائدةٌ، وقد قال ﷺ : "الوقت ما بين هذين". وأما استدلاله على ذلك بأنه ﷺ صلّى الظهر في الوقت الذي صلّى فيه العصر بالأمس، فقد تقرَّر تأويله عند أكثر العلماء على معنى أنه فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر في اليوم الأول، فقوله: "صلّى الظهر" أي ابتدأها، وقوله: "صلّى العصر" أي فرغ منها. وفعلها يصلح للابتداء والشروع، فحُملت في كل موضع على اللائق بها، ولا اشتراك بين الصلاتين في وقت. وعلى تقدير أن لا نؤَوِّله، وَيجْعَل بين الصلاتين اشتراكٌ في الوقت، كما يقوله المالكية، فالاشتراك إنما هو في مقدار أربع ركعات خاصةً، وهكذا يقول المالكية، وهل ذلك من وقت العصر أو الظهر؟ خلاف عندهم، وأما القول بالاشتراك في جميع الوقت، فلا قائل به، ولا دليل يَعْضِده، ولا يصح القياس في ذلك عند من يقول القياس، فكيف بمن ينكره. والعجب من استدلاله على مطلوبه بقوله ﷺ : "إنما التفريط أن تُؤَخَّر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى". قال: وهذا عليه لا له، فإنه دالّ على أن غاية التأخير المباح دخول وقت الأخرى، لا فراغه، ولا تضييقه، وما ذكره ابن حزم مبنيّ على أن هذه الأوقات للشروع في الصلاة، لا للفراغ منها، وهو مردود، بل هذه المواقيت لجملة الصلاة، أولها، ووسطها، وآخرها. قال: وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه يَحْرُم تأخير الصلاة إلى حدٍّ يَخرُج بعضها عن الوقت، وهو موافقٌ لما ذكرته، لكنهم قالوا: إنه لو شَرَع في

стр. 5927

الصلاة، وقد بقي من الوقت ما يسع جميعها، فَمَدَّ هذا بتطويل القراءة لم يأثم بذلك، إلا في وجه حكاه القاضي حسين في "تعليقه"، وقال: إن هذا الخلاف ينبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج، أو للدخول فقط، وهل يُكْرَه ذلك؟ فيه وجهان، أصحهما عندهم لا يكره، لكن قال النوويّ في "شرح المهذب": إنه خلاف الأولى. قال: وعندي أن تجويزهم تطويل القراءة حتى يخرج الوقت مخالف لقوله ﷺ : "إنما التفريط أن تؤخر صلاةٌ حتى يدخل وقت أخرى"، ولقوله: "الوقت ما بين هذين". قال: والصحيح أن هذه الأوقات للدخول والخروج. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي صحّحه الحافظ العراقيّ ﵀ من كون الأوقات للدخول والخروج هو الراجح عندي، فلا يجوز تطويل القراءة حتى يخرج وقت الصلاة المحدود لها بنصّ الحديث المتقدّم، وما ذكره ابن حزم من أن المراد خروج وقت الصلاة التي تليها خلاف الصواب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا (٣) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ (٤) لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَفِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِذَا قَامَ وَحْدَهُ فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ (٥) مَا شَاءَ").

стр. 5928

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع النيسابوريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام، تقدّم قبل باب. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل باب. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. وقوله: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلخ) تقدّم البحث فيه مستوفًى غير مرّة، فلا تكن من الغافلين. وقوله: (إِذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ) من القاعدة المشهورة: "ما" بعد "إذا" زائدة، وفي نسخة: "إذا أمّ أحدكم". وقوله: (فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ) من الإطالة، وفي نسخة: "فلْيُصلّ صلاته". وقوله: (مَا شَاءَ) "ما" موصولة، أي يصلّ الصلاة التي شاء أن يصلّيها طويلة، وقال بعض الشرّاح: "ما" زمانيّة، أي المدّة التي يشاؤها (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ في النَّاسِ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَذَا الْحَاجَةِ"). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقون تقدّموا قبل باب.

стр. 5929

وقوله: (لِلنَّاسِ) أي إمامًا لهم. وقوله: (وَالسَّقِيمَ) كالمريض وزنًا ومعنًى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ "السَّقِيمَ": "الْكَبِيرَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الفهميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المصريّ الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠. والباقون تقدّموا قبل باب. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن الماضي. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لأبي بكر بن عبد الرحمن. وقوله: (بَدَلَ "السَّقِيمَ": "الْكَبِيرَ") "بدل" مضاف إلى "السقيم" وهو

стр. 5930

مجرور بالكسرة، ويجوز نصبه على الحكاية، و"الكبيرَ" مقول "قال" منصوب لا غير، فتنبّه. [تنبيه]: رواية أبي بكر بن عبد الرحمن التي أحالها المصنّف على رواية أبي سلمة، أخرجها البيهقي ﵀ في "السنن الكبرى" (٣/ ١١٥)، فقال: (٥٠٤٩) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب، ثنا حسين بن حسن بن مهاجر، ومحمد بن إسماعيل بن مِهْران، قالا: ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: حدَّثني يونس، عن ابن شهاب، ثنا أبو بكر بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صلّى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ، وذا الحاجة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٥] (٤٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "أُمَّ قَوْمَكَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا، قَالَ: "ادْنُهْ"، فَجَلَّسَنِي (١) بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "تَحَوَّلْ"، فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ، فَلْيُصَل كَيْفَ شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن موهَب التيميّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة [٦] (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣. ٢ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد اللَّه التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد

стр. 5931

المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢]، ويقال: إنه وُلد في عهد النبيّ ﷺ (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ) الطائفيّ، أبو عبد اللَّه، استعمله النبيّ ﷺ على الطائف، وأقرّه أبو بكر وعمر ﵄. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أمه، قالت: شَهِدت آمنة لَمّا ولدت رسول اللَّه ﷺ ، ورَوَى عنه ابن أخيه يزيد بن الحكم بن أبي العاص، وسعيد بن المسيِّب، ونافع بن جبير بن مُطْعِم، ومُطَرِّف، وأبو العلاء: ابنا عبد اللَّه بن الشِّخِّير، وموسى بن طلحة بن عبيد اللَّه، ومحمد بن عياض، والحسن، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن جَوْشَن الغَطَفانيّ، وآخرون. قال محمد بن عثمان بن أبي صفوان: مات سنة (٥١) وأَرَّخه ابن الْبَرْقيّ، وخليفة، ومصعب، وابن قانع: سنة (٥٥)، وقال ابن حبان في "الصحابة": أقام على الطائف إلى أيام عمر، ومات في ولاية معاوية بالبصرة، انتقل إليها في آخر أمره، وأعقب بها. وقال ابن سعد: كتب إليه عمر: استَخْلِف على الطائف، وأَقْبِل، فاستَخْلَف أخاه الحكم، وأقبل إلى عمر، فوجَّهه إلى البصرة، فابتنى بها دارًا، وبقي ولده بها. وقال العسكريّ: استعمله عمر: على عُمَان، ومات سنة (٥٥) أو نحوها. وقال ابن عبد البر: هو الذي افتتح توج، وإصطخر في زمن عثمان، قال: وهو الذي أمسك ثَقِيفًا عن الردَّة، قال لهم: يا معشر ثقيف، كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا (١). أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٦٨) وأعاده بعده، وحديث (٢٢٠٢): "ضَعْ يدك على الذي تألم. . . "، و (٢٢٠٣): "ذاك شيطان، يقال له: خَنْزَب. . . ". والباقيان تقدّما في هذا الباب.

стр. 5932

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عمرو بن عثمان، فانفرد به الشيخان، والنسائيّ، والصحابيّ، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فطائفيّ، ثم بصريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة سوى نحو (١٢) حديثًا (١)، وقد عرفت آنفًا أن له في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: عن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بن عبيد اللَّه التيميّ أنه قال: (حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "أُمَّ قَوْمَكَ) بضمّ الهمزة، وتشديد الميم، أمر من أمّ، يقال: أمّه، وأمّ به، من باب نصر: إذا صلّى به إمامًا (٢). وهذا الأمر من النبيّ ﷺ إنما صدر بعدما سأله عثمان ﵁ أن يجعله إمامًا، فقد أخرج أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه اجعلني إمام قومي، فقال: "أنت إمامهم، واقتَدِ بأضعفهم، واتخِذْ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا". وأخرجه أحمد أيضًا بإسناد صحيح، عن عثمان بن أبي العاص، أن وفد ثَقِيف قَدِموا على رسول اللَّه ﷺ ، فأنزلهم المسجد؛ ليكون أَرَقّ لقلوبهم، فاشترطوا على النبيّ ﷺ أن لا يُحْشَرُوا (٣)، ولا يُعْشَروا (٤)، ولا يُجَبُّوا (٥)، ولا يُسْتَعْمَل عليهم غيرهم، قال: فقال: "إن لكم أن لا تُحْشَروا، ولا تُعْشَروا، ولا

стр. 5933

يُسْتَعمَل عليكم غيركم"، وقال النبيّ ﷺ : "لا خير في دين لا ركوع فيه"، قال: وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول اللَّه، عَلِّمني القرآن، واجعلني إمام قومي. (قَالَ) عثمان ﵁ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا) قيل: يَحْتَمِل أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر والإعجاب له بتقدمه على الناس، فأذهبه اللَّه تعالى ببركة كفّ رسول اللَّه ﷺ ودعائه. ويَحْتَمِل أنه أراد الوسوسة في الصلاة، فإنه كان موسوسًا، ولا يصلح للإمامة الموسوس، فقد ذكر مسلم في "الصحيح" بعد هذا، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ هذا، قال: قلت: "يا رسول اللَّه، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسها عليّ. . . ". قال القاضي عياض ﵀ بعد ذكر نحو هذين الاحتمالين ما نصّه: والأول أظهر معاني هذه اللفظة، أو يكون غيرَ ذلك من المعاني، فصنع النبيّ ﷺ ما صنع؛ ليُذهب اللَّه تعالى عنه ببركة يده ودعائه ﷺ . انتهى (١). (قَالَ) ﷺ ("ادْنُهْ") فعل أمر من دنا، يقال: دنا منه، ودنا إليه يَدْنُو دُنُوًّا، من باب قعد: قَرُب، فهو دَانٍ (٢)، والهاء للسكت، وهي ساكنة، كما قال في "الخلاصة": وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ "أَعْطِ مَنْ سَأَلْ" وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كـ "عِ" أَوْ … كَـ "يَعِ" مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا (فَجَلَّسَنِي) بتشديد اللام، من التجليس، وفي نسخة: "فأجلسني"، من الإجلاس (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمامه (ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ) بفتح الكاف، وتشديد الفاء، قال في "القاموس": الكفّ: اليد، أو إلى الكوع، جمعه أَكُفّ، وكُفُوفٌ، وكُفٌّ بالضمّ. انتهى (٣). وقال في "المصباح": الكفّ من الإنسان وغيره أُنثى، قال ابن الأنباريّ: وزعم من لا يوثق به أن الكفّ مذكّرٌ، ولا يَعْرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما

стр. 5934

قولهم: كفٌّ مُخَضَّبٌ فعلى معنى ساعِدٍ مُخَضَّبٍ، قال الأزهريّ: الكفّ: الراحة مع الأصابع، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تكفّ الأذى عن البدن. انتهى (١). (فِي صَدْرِي) أي على صدري، ففي بمعنى "على"، كما في قوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقولِ الشاعر [من الطويل]: هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ … فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا و"الصدر": مذكَّرٌ، وجمعه صدور، كفَلْسٍ وفُلُوس (٢). (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) ظرف متعلّق بـ "وَضَعَ"، و"ثدييّ" بتشديد الياء، على التثنية، قال النوويّ ﵀: وفيه إطلاق اسم الثَّدْي على حَلَمَة (٣) الرجل، وهذا هو الصحيح، ومنهم من منعه. انتهى (٤). وقال في "المصباح": الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال للرجل أيضًا، قاله ابن السّكّيت، ويُذَكَّر ويؤنّث، فيقال: هو الثديُ، وهي الثديُ، والجمع: أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثلُ أَفْلُس وفُلُوس، وربّما جُمع على ثِدَاءٍ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَامٍ. انتهى (٥). (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("تَحَوَّلْ") أي إلى الجهة الأخرى، أي اجعل صدرك جهة ظهرك، وظهرك جهة صدرك (فَوَضَعَهَا) أي كفّه، وأنّث ضميرها؛ لأنها مؤنّثة، كما أسلفته آنفًا (فِي ظَهْرِي) بفتح، فسكون: خلاف البطن، وجمعه أظهُرٌ، وظُهُورٌ، مثلُ فلس وأفلُس وفُلُوس، وجاء ظُهْرَانُ أيضًا بالضمّ، و"في" بمعنى "على" كما سبق آنفًا أي على ظهري، وقوله: (بَيْنَ كَتِفَيَّ) بدل اشتمال من الجارّ والمجرور، وهو تثنية كَتِفٍ، قال في "القاموس": الْكَتِفُ، كفَرِح -أي بفتح، فكسر- ومِثْلٍ -أي بكسر، فسكون- وحَبْلٍ -أي بفتح، فسكون- جمعه كقِرَدَة، وأصحاب. انتهى (٦).

стр. 5935

(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ) ثم علّل الأمر بالتخفيف بقوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ) كرّر "إن" في المعطوفات للتأكيد (وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ") أي على أيّ صفة أرادها، من التطويل، والتخفيف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٥٥ و ١٠٥٦] (٤٦٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٣١)، و (الترمذيّ) فيها (١٩٣)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٧٢)، و"الكبرى" (١/ ٥٠٩)، و (ابن ماجه) (٩٨٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١/ ٤٠٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢١ و ٢١٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٥٢)، و"الأوسط" (٢/ ١١٠ و ١١١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٥٦ و ١٥٥٧ و ١٥٥٨ و ١٥٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٣٥ و ١٠٣٦)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٣١٤ و ٣١٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٢٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أمر الأئمة بتخفيف الصلاة مراعاة لحقّ الضعفاء حتى لا يشقّ عليهم. ٢ - (ومنها): جواز طلب الإمامة في الصلاة، وليس كسائر طلب الإمارة، فإن ذلك منهيّ عنه، حيث قال النبيّ ﷺ : "لا تسأل الإمارة. . . " الحديث، متّفقٌ عليه، كذلك طلب العمل، فقد قال ﷺ للأشعريين اللذين جاءا إليه مع أبي موسى الأشعريّ ﵁، وطلبا منه أن يولّيهما بعض أعماله: "لن نستعمل على عملنا من أراده"، متّفقٌ عليه. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من تأليف الناس على الإسلام، فإن

стр. 5936

هذا الصحابيّ، وقومه أرادوا أن لا يتولّى عليهم غيرهم، فأجابهم ﷺ إلى ما طلبوا؛ ترغيبًا لهم في الإسلام، وتثبيتًا لقلوبهم على محبّته. ٤ - (ومنها): إثبات عَلم من أعلام النبوّة، ومعجزة من معجزات النبيّ ﷺ ، حيث كان عثمان يجد في نفسه مرضًا، فدعا اللَّه تعالى، ومسحه بيده المباركة، فأذهب اللَّه عنه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: حَدَّثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا، فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب الْمَخْزُومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. والباقون تقدّموا قبل باب. وقوله: (آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) "آخرُ" مبتدأ، و"ما" موصولة، و"عَهِدَ" بفتح أوله، وكسر ثانيه، يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ، من باب تَعِبَ: إذا أوصاه (٢)، والجملة صلة "ما"، والعائد محذوف، كما قال في "الخلاصة": . . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ" أي عهده.

стр. 5937

وقوله: (إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا إلخ) خبر المبتدأ محكيّةٌ؛ لقصد لفظها، أي آخرُ الأمر الذي عهده إليّ رسول اللَّه ﷺ هو هذا القول. وقوله: (فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ) بفتح الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، أمر من أخفّ رباعيًّا، والتخفيف ضدّ التثقيل، أي خفّف الصلاة، ولا تُثقِلها عليهم بالتطويل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٧] (٤٦٩) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ (١)، وَيُتِمُّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثَعْلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٥ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالأسانيد الثلاثة التالية، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة، وهو (٥٨) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.

стр. 5938

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه خلف، فبغداديّ، وأبو الربيع بصريّ، نزيل بغداد. ٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ هو المشهور بالخادم، خدم النبيّ ﷺ عشر سنين، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، وقد جاوز عمره المائة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ) وفي نسخة: "يوجز الصلاة"، وهو من الإيجاز، قال الفيّوميّ ﵀: وَجُز اللفظُ بالضمّ وَجَازةً، فهو وَجِيزٌ: أي قصير، سريع الوصول إلى الفهم، ويتعدّى بالحركة، والهمزة، فيقال: وَجَزته، من باب وَعَدَ، وأوجزته، وبعضهم يقول: وَجَزَ في كلامه، وأوجز فيه أيضًا. انتهى (١). ولفظ البخاريّ: "كان النبيّ ﷺ يوجز الصلاة، ويُكملها"، قال في "العمدة": من الإيجاز، وهو ضدّ الإطناب، والإكمالُ ضدّ النقص. انتهى (٢). وقال في "الفتح": والمراد بالإيجاز مع الإكمال: الإتيان بأقلّ ما يُمكن من الأركان والأبعاض. انتهى (٣). وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ": الإيجاز: هو التخفيف، والاختصار، والإكمال: هو إتمام أركانها من الركوع والسجود والانتصاب بينهما، قال: وإدخال هذا الحديث في هذا الباب (٤) فائدته أنه بيَّن به قدر التخفيف المأمور به، وأنه إنما يُشكى الإمام إذا زاد عليه زيادة فاحشة، فأما إكمال الصلاة، وإتمام أركانها، فليس بتطويل منهيّ عنه. انتهى (٥). (وَيُتِمُّ) بضمّ أوله، من الإتمام، وهو إتمام أركانها، من القراءة، والركوع

стр. 5939

والسجود، وكذا سننها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٥٧ و ١٠٥٨ و ١٠٥٩] (٤٦٩)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٠٦ و ٧٠٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٣)، و"الأدب" (٤٩٠٤)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٣٧)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٩٤ و ٩٥)، و (ابن ماجه) فيها (٩٨٥)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٩٧)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٧١٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٠ و ١٧٣ و ١٧٩ و ٢٣١ و ٢٣٤ و ٢٧٦ و ٢٧٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٨ و ٢٨٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٠٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٥٩ و ١٨٨٦ و ٢١٣٨)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٧٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٦٤ و ١٥٦٥ و ١٥٦٦ و ١٥٦٧ و ١٥٦٨ و ١٥٦٩ و ١٥٧٠ و ١٥٧١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٣٧ و ١٠٣٨ و ١٠٣٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١١٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٤٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ).

стр. 5940

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. والباقون ذُكروا في الباب. ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، ولاحقيه، وهو (٥٩) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً) "من" زائدة للتوكيد، و"أخفّ" خبر "كان"، واسمها ضمير "رسول اللَّه ﷺ "، و"صلاةً" منصوب على التمييز. وقوله: (فِي تَمَامٍ) "في" بمعنى "مع"، كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي مع أمم، وقيل: التقدير فيه: في جملة أمم، فحُذف المضاف (١)، والحديث متّفقٌ عليه، وفوائده ستأتي قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ، أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.

стр. 5941

٣ - (إِسْمَاعِيل بْنَ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٤ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١. والباقون ذُكروا قبله. ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀ أيضًا، كسابقه، ولاحقه، وهو (٦٠) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل. وقوله: (مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ) "ما" نافية، "وقطُّ" بضمّ الطاء المشدّة ظرف زمان تختصّ بالنفي ماضيًا غالبًا، وقد تجيء في الإثبات، كما أثبت ذلك ابن مالك لغةً في "شرح شواهد التوضيح"، خلافًا لمن منع ذلك. وقوله: (أَخَفَّ صَلَاةً) "أخفّ" صفة لـ "إمام" ممنوع من الصرف؛ للوصفيّة ووزن الفعل، و"صلاةً" منصوب على التمييز. وقوله: (وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً) عطف على ما قبله عطف معمولين على معمولين، فـ "أتمّ" عطف على "أخفّ"، و"صلاةً" عطف على "صلاة"، والحديث متّفق عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٠] (٤٧٠) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ، وَهُوَ في الصَّلَاةِ، فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ، أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، وكان يتشيّع [٨] (١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.

стр. 5942

٢ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) هو: ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. والباقيان تقدّما قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀ أيضًا، كالأسانيد الثلاثة قبله، وهو (٥٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثابتًا من أثبت الناس في أنس ﵁، ممن كان معروفًا بملازمته، فقد لازمه أربعين سنة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ) ومثله الصبيّة، فليس هذا الحكم خاصًّا بالذكور. والبُكاء بالضمّ والمدّ، وبالقصر: مصدر بَكَى، من باب ضرب، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]: بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ قاله الفيّوميّ ﵀ (١)، وقال الكرمانيّ ﵀: "البكاء" إذا مددت أردت به الصوت الذي يكون معه الدمع، وإذا قصرت أردت خروج الدمع، وها هنا ممدود لا محالة بقرينة "فأسمع"؛ إذ السماع لا يكون إلا في الصوت. انتهى (٢). وقوله: (مَعَ أُمِّهِ) ظرف متعلّق بحال من "الصبيّ"، أي حال كونه كائنًا مع أمه (وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسولُ اللَّه ﷺ " (فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ) قرأ يتعدّى بنفسه، وبالباء، فيقال: قرأتُ أمّ الكتاب، وبأمّ

стр. 5943

الكتاب، قاله الفيّوميّ (١)، وقوله: (الْخَفِيفَةِ) بالجرّ صفة لـ "السورة"، والمراد السورة القصيرة، كما بيّنه قوله: (أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ) "أو" هنا للشكّ من الراوي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٦٠ و ١٠٦١] (٤٧٠)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٠٨ و ٧٠٩ و ٧١٠)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٧٦)، و (ابن ماجه) فيها (٩٨٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٧١٨)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٣٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٦٢ و ١٥٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٠ و ١٠٤١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦١٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٣٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١١٨ و ٣٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٤٥ و ٨٤٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصالحهم، وعدم إدخال ما يشقّ عليهم، وإن كان يسيرًا من غير ضرورة. ٢ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ ﷺ ، حيث كان يخفّف صلاته من أجل بكاء الصبيّ حتى لا يشقّ على أمه، وهو مصداق قوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٣ - (ومنها): جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد. ٤ - (ومنها): جواز إدخال الصبيان المسجد، لكن بشرط أن لا يخاف

стр. 5944

منهم تلويثه، وتنجيسه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ، مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) التيميّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٦٠/ ٣٣٦. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. والباقيان تقدّما في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ) وفي نسخة: "لأدخل في الصلاة" (أُرِيدُ إِطَالَتَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كوني مريدًا إطالة تلك الصلاة التي أدخل فيها

стр. 5945

(فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ) أي أترك إطالتها، وأقتصر على أقلّ ما هو مطلوب فيها، من الأركان، والواجبات، والمستحبّات (مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ") وفي رواية البخاري: "مما أعلم من شدّة وجد أمه من بكائه"، و"من" للتعليل، أي من أجل شدّة حزنها، وشفقتها عليه. و"الوجدُ": يُطلَق على الحزن، وعلى الحبّ أيضًا، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر، أي حزنها، واشتغال قلبها به، قاله النوويّ (١). وقال في "القاموس": وَجَدَ المطلوبَ، كوَعَدَ، وَوَرِمَ يَجِدُهُ ويَجُدُهُ بضم الجيم، ولا نظير لها وَجْدًا وَجِدَةً وَوُجْدًا ووُجُودًا ووِجْدانًا وإِجْدانًا بكسرهما: أدركه، والمالَ وغيرَهُ يَجِدُهُ وَجْدًا مثلثةً وَجِدَةً: استغنى، وعليه يَجِدُ وَيَجُدُ وَجْدًا وجِدَةً ومَوْجِدةً: غَضِبَ، وبه وَجْدًا في الحبّ فقط، وكذا في الحزن، لكن يكسر ماضيه. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة "القاموس" هذه تفيد أن وَجَدَ عليه بمعنى حَزِنَ مكسور الماضي، ولا يفتح، وقد اعتَرض عليه الشارح المرتضى في شرحه، وأفاد أن ماضي وجد بمعنى حزن يجوز فيه الفتح، والكسر، والضمّ، ودونك عبارته بعد نقل أقوال أهل اللغة: فتحصّل من مجموع أقوالهم أن وجد بمعنى حَزِنَ فيه ثلاث لغات: الفتح الذي عليه الجمهور، والكسر الذي عليه اقتصر المصنّف -يعني صاحب "القاموس" والهجريّ، وغيرهما- والضم الذي حكاه اللحيانيّ في "نوادره"، ونقلهما ابن سِيدَهْ في "المحكم" مقتصرًا عليهما. انتهى كلامه (٣). وقد نظمت مُلخّص ذلك، فقلت: وَوَجَدَ الْمَطْلُوبَ قُلْ كَوَعَدَا … وَوَرِمَتْ يَجِدُهُ كَسْرًا بَدَا يَجُدُهُ بِضَمِّ جِيمٍ وَرَدَا … لِعَامِرٍ بِلَا نَظِيرٍ وُجِدَا وَيَجِدُ الْمَالَ بِكَسرٍ كَوَعَدْ … وَالْكَسْرُ وَالضَّمُّ لِغَضْبَانَ وَرَدْ كَذَاكَ فِي الْحُبِّ وَفِي الْحُزْنِ أَتَى … مُثَلَّثَ الْمَاضِي بِـ "تَاجٍ" أُثْبِتَا

стр. 5946

قال في "الفتح": وكأنّ ذكر الأمّ هنا خرج مخرج الغالب، وإلا فمن كان في معناها ملتحقٌ بها، واعترضه العينيّ كعادته بما لا وجه له، فتفطّن. وقال أيضًا: فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبّ لا يجب عليه الوفاء به، خلافًا لأشهب حيث ذهب إلى أن من نوى التطوّع قائمًا ليس له أن يُتمّه جالسًا. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليلٌ على جواز الإسراع في الصلاة، وإن كان قد شرع في تطويلها؛ لأجل حاجة الأم، ولا حجة فيه للشافعيّ على جواز انتظار الإمام مَن سَمِعَ حسّه داخلًا؛ لأن هذه الزيادة عملٌ في الصلاة بخلاف الحديث. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما نسبه إلى الشافعيّ من احتجاجه على ما ذكر بهذا الحديث بعيد، ولم أر من نسبه إليه غيره، والنووي مع كونه من أشدّ الناس اهتمامًا بأقوال الشافعي، لم يتعرّض لهذا، وإنما ذكر الشافعية ذلك في حديث: "أن النبيّ ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وَقْعَ قَدَم"، وقد تقدّم أني رجّحت القول بعدم استحباب انتظار الداخل بتطويل الركوع؛ لعدم ثبوت النصّ عليه، ولأنه لم يُنقل عن السلف، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٩) - (بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَامٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٢] (٤٧١) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ حَامِدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ

стр. 5947

عَازِبٍ، قَالَ: "رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعَهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عُمَر بن حفص بن عمر بن عُبيد اللَّه بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، وقيل: إن حفصًا جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩. [تنبيه]: "البكراويّ" بفتح الموحّدة، وسكون الكاف: نسبة جدّه الأعلى أبي بكرة الصحابيّ ﵁، وقد سبق بيان هذا (١)، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح بن عبد اللَّه تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ) ويقال: ابن حميد، ويقال: ابن عبد اللَّه، ويقال: ابن عبد الرحمن، ويقال: ابن مِقْلاص الْجُهَنيّ مولاهم، أبو عمر، ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو الجهم الكوفيّ الصيرفيّ الْجِهْبِذ الوَزّان، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عبد اللَّه بن عَكيم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعروة بن الزبير، وأبي بِشْر. ورَوَى عنه مِسْعرٌ، وإسرائيل، وشيبان، وحجاج بن أرطاة، وأبو عوانة، وشريك، وابن عيينة، وعُمر بن عبيد الطَّنافسيّ، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: لا بأس به، ثنا حامدٌ، ثنا سفيان، قال: كان هلال الوزّان شيخًا قد كَبِرَ، وكان يكتب على البيدر في كل شهر بعشرة دراهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكنه فَرَّق بين هلال بن عبد الرحمن، وهلال بن مِقْلاص، وهلال بن أبي حميد، وأشار البخاريّ إلى أن هلال بن أبي حميد

стр. 5948

أصحّ، وقال: قال وكيع: هلال بن حميد، ومرَّةً: هلال بن عبد اللَّه، ولا يصحّ. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط هذا برقم (٤٧١)، وحديث (٥٢٩): "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور. . . "، و (٢٩٧١): "ما شبعَ آل محمد يومين من خبز. . . ". ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات بوقعة الْجَماجم سنة (٨٣) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١. ٦ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) ﵄، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان جمع بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، وهلال، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من هلال. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄ أنه (قَالَ: "رَمَقْتُ الصَّلَاةَ) أي أطلت النظر، يقال: رَمَقَه بعينه رَمْقًا، من باب نظر: أطال النظر إليه (١). وقال الصنعانيّ ﵀: "رمقت الصلاة": أي نظرتها نظر تعرّف، وإخبار لجملتها وتفصيلها، وهي تقال على المحسوسات حقيقةً، وعلى المعقولات مجازًا عن تيقّن معرفتها. انتهى (٢). وقال ابن الملقّن ﵀: معنى "رمقتُ" هنا: المبالغة في النظر، وشدّة التتبّع لأفعاله، وأقواله ﷺ ، ففيه الحثّ على استحباب مراعاة أفعال العالم وأقواله؛ للاقتداء به، فإن تعارض القول والفعل، فعلى أيهما يعتمد؟ فيه خلاف

стр. 5949

للأصوليين، ليس هذا موضعه. انتهى (١). وقوله: (مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ) متعلّق بحال مقدّر من "الصلاة"، أي حال كونها كائنة معه ﷺ (فوَجَدْتُ قِيَامَهُ) حَكَى ابن دقيق العيد ﵀ عن بعض العلماء أنه نَسَبَ هذه الرواية إلى الوهم، ثم استبعده؛ لأن توهيم الراوي الثقة على خلاف الأصل، ثم قال في آخر كلامه: فليُنْظَر ذلك من الروايات، ويحقق الاتحاد، أو الاختلاف من مخارج الحديث. انتهى. قال الحافظ ﵀: وقد جمعتُ طرقه، فوجدت مداره على ابن أبي ليلى، عن البراء، لكن الرواية التي فيها زيادة ذكر القيام من طريق هلال بن أبي حميد، عنه، ولم يذكره الْحَكَم عنه، وليس بينهما اختلاف في سوى ذلك، إلا ما زاده بعض الرواة عن شعبة، عن الحكم، من قوله: "ما خلا القيام والقعود"، وإذا جُمِع بين الروايتين ظهر من الأخذ بالزيادة فيهما، أن المراد بالقيام المستثنى: القيام للقراءة، وكذا القعود المراد به: القعود للتشهد. انتهى (٢). [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث استثناء لم يُذكر في رواية مسلم، ونصّه: "قال: كان ركوع النبيّ ﷺ ، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريبًا من السواء". قال في "الفتح": قوله: "ما خلا القيامَ، والقعودَ" بالنصب فيهما، قيل: المراد بالقيام الاعتدال، وبالقعود الجلوس بين السجدتين، وجزم به بعضهم، وتَمَسّك به في أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطوَّلان. وردّه ابن القَيِّم في كلامه على "حاشية السنن"، فقال: هذا سوء فهم من قائله؛ لأنه قد ذَكَرهما بعينهما، فكيف يستثنيهما؟ وهل يحسن قول القائل: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدًا وعمرًا؟ فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان تناقضًا. انتهى. وتُعُقِّب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة، وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساواة.

стр. 5950

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التعقّب فيه نظرٌ لا يخفى، بل ردّ ابن القيّم: هو الوجه السديد، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. قال: وقال بعض شيوخ شيوخنا: معنى قوله: "قريبًا من السواء" أن كل ركن قريب من مثله، فالقيام الأول قريب من الثاني، والركوع في الأولى قريب من الثانية، والمراد بالقيام والقعود اللذين استُثْنِيا الاعتدال والجلوس بين السجدتين، ولا يخفى تكلُّفه. واستُدِلّ بظاهره على أن الاعتدال ركن طويلٌ، ولا سيما قوله في حديث أنس الآتي: "حتى يقول القائل: قد نسي"، وفي الجواب عنه تعسُّفٌ. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل هو تعسّف بارد بعيد عن مدلول الحديث، فتبصّر. (فَرَكْعَتَهُ) المراد به الركوع (فَاعْتِدَالَهُ) أي استواءه قائمًا (بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ) أي الرجوع من موضع صلاته إلى موضع حاجته، قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ على أنه ﷺ كان يجلس بعد التسليم شيئًا يسيرًا في مصلّاه. انتهى (٢). وكان جلوسه ﷺ بعد التسليم حتى ينصرف النساء قبل أن يراهنّ الرجال، فقد أخرج البخاريّ ﵀ في "صحيحه" عن أم سلمة ﵂، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مَقَامه يسيرًا قبل أن يقوم، قال: نَرَى -واللَّه أعلم- أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهنّ أحد من الرجال. وقوله: (قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ") منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ "وَجدتُ". والمراد أن مقدار قيامه ﷺ ، وركوعه، وسجوده، واعتداله، وجلوسه بين السجدتين، وكذا جلوسه بعد التسليم من الصلاة، إلى أن ينصرف إلى حاجته متقارب، وفيه إشعار بأن فيها تفاوتًا، لكنه لم يُعَيِّنه، وهو دالّ على تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين؛ لِمَا عُلِم من عادته ﷺ من تطويل الركوع

стр. 5951

والسجود، وأن القول بأن الاعتدال ركن قصير قول ضعيفٌ، بل باطلٌ، وكذا الجلوس بين السجدتين. وقال النوويّ ﵀: فيه دليل على تخفيف القراءة، والتشهد، وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، ونحو هذا قول أنس ﵁ في الحديث الآتي بعده: "ما صَلّيت خلف أحد أوجز صلاةً من صلاة رسول اللَّه ﷺ في تمام". وقوله: "قريبًا من السواء" يدُلّ على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض، وذلك في القيام، ولعله أيضًا في التشهد. (واعلم): أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام، وأنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وأنه كان تقام الصلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يرجع، فيتوضأ، ثم يأتي المسجد، فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ "سورة المؤمنين"، حتى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب بـ ﴿الطُّورِ﴾، وبـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وفي "صحيح البخاريّ" بـ "الأعراف"، وأشباه هذا، وكلُّه يدلُّ على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جَرَى في بعض الأوقات، وقد ذكره مسلم في الرواية الأخرى، ولم يذكر فيه القيام، وكذا ذكره البخاريّ، وفي رواية للبخاريّ: "ما خلا القيام والقعود"، وهذا تفسير الرواية الأخرى. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ جيّد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٩/ ١٠٦٢ و ١٠٦٣ و ١٠٦٤] (٤٧١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٩٢ و ٨٠١ و ٨٢٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٤)، و (الترمذيّ) فيها (٢٧٩ و ٢٨٠)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٩٧ - ١٩٨)،

стр. 5952

و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٠ و ٢٨٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦١٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: هذا الحديث يدلّ على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس ﵁ يعني الذي بعده بلفظ: "كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي" أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نصّ فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم يُسَنّ فيه تكرير التسبيحات، كالركوع والسجود، ووَجْهُ ضعفه أنه قياس في مقابلة النصّ، وهو فاسدٌ، وأيضًا فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع، فتكرير "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا يجيء قدر قوله: "اللهم ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، وقد شُرع في الاعتدال ذكر أطول، كما أخرجه مسلم، من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن عباس ﵃ بعد قوله: "حمدًا كثيرًا طيبًا ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ"، زاد في حديث ابن أبي أوفى: "اللهم طَهِّرني بالثلج. . . إلخ"، وزاد في حديث الآخَرَين: "أهلَ الثناء والمجد. . . إلخ"، وقد ثبت أن النبيّ ﷺ أثنى على رجل زاد من عند نفسه في الاعتدال ذكرًا (١). ومن ثَمّ اختار النوويّ جواز تطويل الركن القصير بالذكر، خلافا للمرجَّح في المذهب، واستَدَلَّ لذلك أيضًا بحديث حذيفة ﵁ في مسلم، أنه ﷺ قرأ

стр. 5953

في ركعة بالبقرة، أو غيرها، ثم ركع نحوًا مما قرأ، ثم قام بعد أن قال: "ربنا لك الحمد" قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، قال النوويّ: الجواب عن هذا الحديث صَعْبٌ، والأقوى جواز الإطالة بالذكر. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا من إنصاف النوويّ ﵀، وإيثاره النصّ على مذهبه، فقد ثبت في مذهبه أنهم قالوا ببطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وهكذا ينبغي لمقلّدي الأئمة أن يتّبعوا النصوص وإن خالفت نصّ إمامهم؛ لأن نصوص الكتاب والسنة مضمون فيها الحقّ والصواب، لا يتطرّق إليها خلاف ذلك بوجه من الوجوه، بخلاف نصوص الأئمة، فإنها عُرْضة للخطأ والزلل، فالواجب على العاقل أن يتمسّك بالنصوص حيثما كانت، وعند من كانت، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وقد أشار الشافعيّ في "الأُمّ" إلى عدم البطلان، فقال في ترجمة "كيف القيام من الركوع": ولو أطال القيام بذكر اللَّه، أو يدعو، أو ساهيًا، وهو لا ينوي به القنوت، كرهت له ذلك، ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك. فالعجب ممن يُصَحِّح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيهُهُم ذلك أنه إذا أطيل انتفت الموالاة مُعْتَرَضٌ بأن معنى الموالاة أن لا يتخلَّل فصلٌ طويلٌ بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصحّ نفي كونه منها، واللَّه أعلم. وأجاب بعضهم عن حديث البراء ﵁ أن المراد بقوله: "قريبًا من السواء" ليس أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت قريبًا معتدلةً، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفّها أخفّ بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح بـ "الصافات"، وثبت في "السنن" عن أنس ﵁ أنهم حَزَرُوا في السجود قدر عشر تسبيحات، فيُحْمَل على أنه إذا قرأ بدون "الصافات"، اقتصر على دون العشر، وأقلُّه كما ورد في "السنن" أيضًا ثلاث تسبيحات. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضح بما سبق مما قاله محقّقو الشافعيّة،

стр. 5954

كالنوويّ، وابن دقيق العيد، وصاحب "الفتح" أن قول من قال: إن الاعتدال ركنٌ قصير ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ لمنابذته الأحاديث الصحيحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: الحديث الذي ورد في ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، هو: ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن مسعود ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه" (١). وهو حديث ضعيفٌ؛ للانقطاع، قال الترمذيّ: حديث ابن مسعود ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد اللَّه بن عتبة، لم يلق ابن مسعود ﵁. انتهى. وقال أبو داود بعد إخراجه: هذا مرسل -أي منقطع- عون لم يُدرك ابن مسعود ﵁. انتهى. قال الترمذيّ ﵀: والعمل على هذا عند أهل العلم، يَستحِبّون أن لا يَنقُص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، ورُوي عن عبد اللَّه بن المبارك أنه قال: أستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات؛ لكي يدرك مَن خلفه ثلاث تسبيحات، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ (٣) رَجُلٌ قَدْ سَمَّاهُ، زمَنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا رَفَعَ

стр. 5955

رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"، قَالَ الْحَكَمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ هَكَذَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب. ٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" تقدم في "المقدمة" ١/ ١. وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والبراء ﵁، تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن ابن أبي ليلى، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة: أنه (قَالَ: غَلَبَ) بالبناء للفاعل (عَلَى الْكُوفَةِ) وفي نسخة: "على أهل الكوفة"، وهي المدينة المعروفة، وقد تقدّم الكلام عليها
следующие страницы →