٢ - (مُبَشِّرُ (١) بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْحَلَبيّ، أبو إسماعيل الكلبيّ مولاهم، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وحسان بن نوح، وتَمَّام بن نَجِيح، وجعفر بن بُرْقان، والأوزاعي، ومُعَان بن رِفَاعَةَ، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن مِهْرَان الجمّال، وموسى بن عبد الرَّحمن الأنطاكي، ومحمد بن إبراهيم بن العلاء، وغيرهم.
قال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، ومات بحلب سنة مائتين.
وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أحمد بن حنبل. وقال ابن قانع: ضعيف، وقال الذهبي: تُكُلِّم فيه بلا حجة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٧٥٣): "أن الفتيا التي كانوا يُفتون بها الماء من الماء … ".
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة ثبت فقيه إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) ٥/ ٢٨.
٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئ) المذكور في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) الإشارة إلى الإسناد الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل الإسناد الماضي، وهو عن عمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أميّة، عن عبادة بن الصامت ﵁.
وقوله: (غَيْرَ أنهُ قَالَ إلخ) الضمير للأوزاعيّ، ويحتمل أن يكون لشيخه أحمد بن إبراهيم، يعني أنه قال في آخر متن الحديث: "عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ، بدل قوله: "مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ".
[تنبيه]: لفظ رواية الأوزاعيّ ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (ج ١ ص ١٢٢)، فقال:
стр. 597
(١٣٣) - حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يعلى بن الوليد بن عبد العزيز الْعَنسيّ، ثنا مُبَشِّر بن إسماعيل الْحَلبيّ، عن الأوزاعيّ، عن عُمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "من شَهِدَ أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أدخله الله الجَنَّة على ما كان من عمل".
وقوله: (أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ) ولفظ البخاريّ: "من العمل" بالتعريف، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي يدخله الجنّة، ولا بُدّ، سواء كان عمله صالحًا، أو سيّئًا، وذلك بأن يَغفِرَ له السيّءَ بسبب هذه الأقوال، أو يُرْبِيَ ثوابها على ذلك العمل السيّيء، وكلُّ ذلك يحصُلُ - إن شاء الله - لمن مات على تلك الأقوال، إما مع السلامة المطلقة، وإما بعد المؤاخذة بالكبائر على ما قرّرناه آنفًا. انتهى (١).
وقال في "الفتح": معنى قوله: "على ما كان عليه من العمل": أي من صلاح، أو فساد، لكن أهل التوحيد لا بُدّ لهم من دخول الجَنَّة، ويحتمل أن يكون معنى قوله: "على ما كان من العمل": أي يَدْخُل أهل الجَنَّة الجَنَّة على حسب أعمال كُلٍّ منهم في الدرجات. انتهى وقال القاضي البيضاويّ في قوله: "على ما كان عليه من العمل"، دليلٌ على المعتزلة في مقامين:
[أحدهما]: أن العاصي من أهل القبلة لا يُخَلَّد في النار؛ لعموم قوله: "من قال: أشْهَدُ أن لا إله إلَّا الله إلخ".
[وثانيهما]: أنه تعالى يعفو عن السيّئات قبل التوبة، واستيفاء العقوبة؛ لأن قوله: "على ما كان من عمل" حال من قوله: "أدخله الله الجَنَّة"، كما في قولك: رأيت فلانًا على أكل، أي آكلًا، ولا شكّ أن العمل غير حاصل، بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يُناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا يُتصوّر ذلك في حقّ العاصي الذي مات قبل التوبة إلَّا إذا أُدخل قبل استيفاء العقوبة.
стр. 598
[فإن قلت]: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل أحدٌ النار من العصاة.
[قلت]: اللازم منه عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول، وقبل استيفاء العذاب، وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحدٌ، بل العفو عن الجميع بموجب وعده حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦]، وقال: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مرجُوٌّ.
قال الطيبي: أقول: إن التعريف في "العمل" (١) للعهد، والإشارة به إلى الكبائر، والدليل عليه قوله: "وإن زنى وإن سرق" في حديث أبي ذرّ ﵁ الآتي، وقوله: "على ما كان عليه" حال كما في قول الحماسيّ [من الطويل]:
فَوَاللَّهِ لَا أَنْسَى قَتِيلًا رُزِئْتُهُ … بِجَانِبِ قَوْسِي مَا مَشَيْتُ عَلَى الأَرْضِ
عَلَى أَنَّهَا تَعْفُو الْكُلُومُ وَإِنَّمَا … يُوَكَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي
قال أبو البقاء: "على" وما يتّصل بها حال، أي ما أنسى بهذا الرَّزْء في حال الكلوم، أي حالي مُخالف لحال غيري في استدامة الحُزْن، فالمعنى من يشهد أن لا إله إلَّا الله يدخل الجنّة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر، أي حال هذا مخالفة للقياس في دخول الجنّة، فإن القياس يقتضي (٢) أن لا يدخل الجَنَّة مَنْ شأنه هذا، كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذرّ ﵁ في قوله: "وإن زنى وإن سرق"، وردّ بقوله: "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ". انتهى كلام الطيبيّ (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٩] ( … ) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
стр. 599
الصَّامِت، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْه، وَهُوَ فِي الْمَوْت، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لأَنفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ، إِلا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) ٨/ ١٣٢.
٢ - (لَيْثٌ) بن سعد بن عبد الرَّحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٣٩٧.
٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو محمد بن عجلان القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله المدنيّ، أحد العلماء العاملين، صدوقٌ، إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁[٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وسلمان أبي حازم الأشجعي، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، ورجاء بن حيوة، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن، وصيفي مولى أبي أيوب، وعامر بن عبد الله بن الزبير، والأعرج، وأبي الزناد، وعكرمة، ومحمد بن يحيى بن حبّان، وغيرهم.
ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وهو أكبر منه، وعبد الوهاب بن بُخْت، ومات قبله، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة، وهو من أقرانه، ومالك، ومنصور، وشعبة، وزياد بن سعد، والسفيانان، والليث، وسليمان بن بلال، ويحيى القطان، وخلق كثير.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة. وقال أيضًا: سألت أبي عن محمد بن عجلان، وموسى بن عقبة؟ فقال: جميعًا ثقة، وما أقربهما. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقدمه على داود بن
стр. 600
قيس الفراء. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة، أوثق من محمد بن عمرو، وما يشك في هذا أحد. كان داود بن قيس: يجلس إلى ابن عجلان يتحفظ عنه، وكان يقول: إنها اختطلت على ابن عجلان - يعني أحاديث سعيد المقبري -. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وسط. وقال أبو زرعة: ابن عجلان من الثقات. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا فقيهًا، وكانت له حلقة في المسجد، وكان يفتي. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال الساجي: هو من أهل الصدق، لَمْ يحدث عنه مالك إلَّا يسيرًا. وقال ابن عيينة: كان ثقة عالمًا. وقال يحيى القطان عن ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليه، فجعلها كلها عن أبي هريرة. ولَمّا ذكر ابن حبان في كتاب "الثقات" هذه القصة قال: ليس هذا بِوَهْنٍ يُوَهَّنُ الإنسانُ به؛ لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، وربما قال ابن عجلان: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فهذا مما حُمل عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته، فلا يجب الاحتجاج إلَّا بما يروي عنه الثقات. وقال العقيلي: يضطرب في حديث نافع. وقال الواقدي: سمعت عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِل بأبي أكثر من ثلاث سنين، قال: وقد رأيته، وسمعت منه، ومات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث. وقال ابن يونس: قدم مصر، وصار إلى الإسكندرية، فتزوج بها امرأة، فأتاها في دبرها، فشكته إلى أهلها، فشاع ذلك، فصاحوا به، فخرج منها، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنف في المتابعات، ولم يحتج به، وله عنده في هذا الكتاب (١٥) حديثًا، وأخرج له الأربعة.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) - بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن مُنْقِذ بن عمرو بن مالك بن خَنْسَاء بن مَبْذُول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاريّ المازنيّ، أبو عبد الله الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤].
رَوَى عن أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خَديج، وأنس، وعَبّاد بن تميم، ويحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري، والأعرج، وعمرو بن سليم الزُّرَقيّ، وعبد الله بن مُحيريز، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد
стр. 601
الأنصاري، وعبد ربه بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، وربيعة بن عثمان التيمي، وابن عجلان، وابن إسحاق، ومالك، وآخرون. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد المدينة، وكان يفتي، وكان ثقة، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
٥ - (ابْنُ مُحَيْرِيزٍ) هو: عبد الله بن مُحَيريز - بمهملة، وراء، آخره زاي، مصغّرًا - ابن جُنَادة بن وهب بن لُوذان بن سَعْد بن جُمَح بن عَمْرو بن هُصَيص الْجُمحيّ - بضم الجيم، وفتح الميم، بعدها مهملة - أبو مُحَيريز المكيّ، من رَهْط أبي مَحْذُورة، وكان يتيمًا في حَجْرِه، نَزَلَ الشامَ، وسَكَنَ بيت المقدس، ثقة عابدٌ [٣].
رَوَى عن أبي محذورة، وأبي سعيد الخدريّ، ومعاوية، وأبي صِرْمَة الأنصاريّ، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن السَّعْديّ، وأم الدرداء، وغيرهم.
وروى عنه عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومكحول الشاميّ، وبسر بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ابن مُحَيريز الْمُقَدَّم - يعني على خالد بن معدان - وكان الأوزاعيّ لا يذكر خمسة من السلف، إلَّا ذكر فيهم ابن مُحَيريز، ورَفَع من ذكره وفضله، قال دُحَيم: ورأيته أجلَّ أهل الشام عند أبي زرعة، بعد أبي إدريس، وأهلِ طبقته، وقال ضمرة عن الأوزاعيّ: كان ابن أبي زكريا يَقْدَمُ فلسطين، فيَلْقَى ابن محيريز، فتتصاغر إليه نفسه؛ لِمَا يَرَى من فضل ابن محيريز، وقال رَجَاء بن حَيْوَة: إن كان أهل المدينة لَيَرون ابن عمر فيهم أَمَانًا، وإنّا نَرَى ابن محيريز فينا أمانًا، وعن الأوزاعي قال: من كان مقتديًا فليقتد بمثل ابن محيريز، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار المسلمين، وقال ابن أبي خيثمة: لَمْ يكن أحدٌ بالشام يَعِيب الحجاج علانية إلَّا ابن محيريز، وفي "الزهد" لأحمد عن أبي زرعة الشيباني: لَمْ يكن بالشام يُظْهِرُ عيب الحجاج إلَّا ابن محيريز، وأبو الأبيض الْعَنْسيّ، وقال له الوليد. لَتَنْتهِيَنَّ عنه، أو لأَبْعَثَنّ بك إليه.
стр. 602
وقد ذكره العقيليّ في "الصحابة"، وساق بسنده إلى أبي قلابة، عن ابن محيريز، وكانت له صحبة، فذكر خبرًا.
قال الحافظ: وهذا إن كان محفوظًا يكون صحابيًّا لَمْ يُسَمَّ، وأما عبد الله، فتابعيّ لا ريب فيه، وقد بالغ ابن عبد البر في الإنكار على الْعُقيليّ في ذلك، وقال ابن خِرَاش: كان من خيار الناس، وثقات المسلمين، وقال النسائيّ: ثقة.
قال خليفة: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال ضمرة بن ربيعة: مات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكذا قال ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: مات سنة تسع وتسعين، انتهي، وهو مقضى قول الهيثم بن محمديّ: إنه مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وأما الكلاباذيّ، فقال في "رجال البخاريّ": مات في خلافة الوليد بن عبد الملك كما تقدم. انتهى (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، و (٣٧٩) و (١٤٣٨) وأعاده بعده.
٦ - (الصُّنَابحيّ) عبد الرَّحمن بن عُسَيلة - بمهملة، مصغّرًا - ابن عِسْل بن عَسّال المراديّ، أبو عبد الله الصُّنَابحيّ (٢)، من كبار التابعين، رَحَلَ إلى النبيّ ﷺ ، فوجده قد مات، وهو في الطريق، وهو بالجحفة، قبل أن يَصِلَ إلى المدينة بخمس ليال، أو ست، فسمع أبا بكر الصديق، وخلائق من الصحابة ﵃ أجمعين.
رَوَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وبلال، وسعد بن عبادة، وعمرو بن عَبَسَةَ، وشداد بن أوس، ومعاذ بن جبل، ومعاوية، وعائشة.
وروى عنه أسلم مولى عمر، وربيعة بن يزيد الدمشقيّ، وأبو الخير
стр. 603
مرثد بن عبد الله اليزنيّ، وعطاء بن يسار، وسُويد بن غَفَلة، وعبد الله بن محيريز، ومحمود بن لبيد الأنصاريّ، وعبد الله بن سعد البجليّ الكاتب، وجماعة.
قال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث.
وقال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصنابحيون الذين يُرْوَى عنهم في العدد ستة، وإنما هما اثنان فقط: الصنابحيّ الأحمسيّ، وهو الصنابح الأحمسيّ، هذان واحد، مَن قال فيه: الصنابحيّ فقد أخطأ، وهو الذي يروي عنه الكوفيون، والثاني: عبد الرَّحمن بن عُسَيلة، كنيته أبو عبد الله، لَمْ يدرك النبيُّ ﷺ ، بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر وغيره، فمَن قال عن عبد الرَّحمن الصنابحيّ، فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله الصنابحيّ، فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرَّحمن، فقد أخطأ، قَلَبَ اسمه، فجعله كنيته، ومَن قال: عن عبد الله الصنابحيّ، فقد أخطأ، قَلَب كنيته، فجعلها اسمه، هذا قول علي بن المدينيّ، ومن تابعه، وهذا الصواب عندي، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وكان كثير المناقب، فمن أجلّها ما أخرجه الطبراني في مسند عبادة، من طريق ابن محيريز، قال: عُدْنَا عبادة بن الصامت، فأقبل أبو عبد الله الصنابحيّ، فقال عبادة: مَن سَرَّه أن ينظر إلى رجل، عُرِج به إلى السماء، فنَظَرَ أهل الجَنَّة، وأهل النار، فرَجَعَ وهو يعمل على ما رأي، فلينظر إلى هذا.
وذكر ابن حبان في "الثقات" عبد الرَّحمن بن عسيلة نحو ما ذكره ابن سعد، وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر، وقال ابن معين: تأخر إلى زمن عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك يُجلسه معه على السرير، وذكره البخاري في "التاريخ الأوسط" في "فصل من مات ما بين السبعين والثمانين".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث (١٧٠٩): "بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا … ".
٧ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
стр. 604
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون، يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن ابن حَبّان، عبد الله بن مُحَيريز، عن الصُّنَابحيّ.
٣ - (ومنها): أن الصُّنابحيّ هذا، وهو تابعيّ كبير، ربما اشتبه على من لا دراية له بمعرفة الرجال بالصُّنابح بن الأعسر الصحابيّ ﵁، فينبغي الانتباه لهذا الفرق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الصُّنَابحِيِّ) - بضم الصاد المهملة - عبد الرَّحمن بن عُسَيلة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا كثير يقع مثله، وفيه صنعةٌ حسنةٌ، وتقديره: عن الصُّنابحيّ أنه حَدَّثَ عن عبادة بحديث، قال فيه: دَخلتُ عليه، ومثله ما سيأتي قريبًا في "كتاب الإيمان"، في حديث: "ثلاثة يُؤْتَون أجرهم مرتين"، قال مسلم ﵀: حدثنا يحيى بن يحيى، قال. أنا هشيم، عن صالح بن صالح، عن الشعبيّ، قال: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ، فقال: يا أبا عمرو إن من قبلنا من أهل خراسان، ناس يقولون كذا، فقال الشعبيّ: حدثني أبو بردة، عن أبيه … فهذا الحديث من النوع الذي نحن فيه، فتقديرّه: قال هشيم: حدثني صالح، عن الشعبيّ بحديثٍ قال فيه صالح: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ، ونظائر هذا كثير، سننبه على كثير منها في مواضعها - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ مفيد.
(وَهُوَ فِي الْمَوْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير "عليه"، أي والحال أن عبادة رمنه في حال الموت، أي ظهرت عليه أماراته (فَبَكَيْتُ) بفتح الكاف، من باب ضرب، قال الأبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون بكاؤه لِمَا رأى به من كرب الموت، أو لفقده الانتفاع به، والأظهر أنه لذكره القدوم على الله تعالى؛ لأنه المناسب لتسليته بما ذُكر. انتهى (١).
стр. 605
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأظهر بكناؤه تأسّفًا على ما فقده من الانتفاع به، ولما رآه من كرب الموت عليه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: مَهْلًا) بإسكان الهاء، وتُفتح (١)، ومعناه أنظرني، قال الجوهري (٢): يقال: مَهْلًا يا رجل، بالسكون وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث، وهي موحدة، بمعنى أَمْهِلْ، فإذا قيل لك: مهلًا، قلت: لا مَهْلَ والله، ولا تقل: لا مهلًا والله، وتقول: ما مَهْلٌ والله بمغنية عنك شيئًا، قال الكميت [من الوافر]:
أَقُولُ لَهُ إِذَا مَا جَاءَ مَهْلًا … وَمَا مَهْلٌ بِوَاعِظَةِ الْجَهُولِ
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ليس فيه نهيٌ عن البكاء، لأن النهي إنما وقع بعد الوجوب والموت، وفي بكاء بصفة مخصوصة، تأتي مفسَّرة - إن شاء الله - في "الجنائز"، انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي بهذا إلى حديث جابر بن عَتِيك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب، فصاح به رسول الله ﷺ فلم يُجِبه، فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: غُلِبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبَكَيْنَ، فجعل ابن عتيك يُسَكِّتهن، فقال رسول الله ﷺ : "دَعْهُنّ، فإذا وجب، فلا تَبْكِيَنّ باكية"، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت … الحديث (٤).
والحاصل أن الجمهور على جواز البكاء قبل الموت، والأولى تركه بعد الموت، وهذا الحكم خاصّ بجريان الدمع من أثر الرحمة وحزن القلب، دون ندب ونياحة، فإن ذلك وأمثاله من لطم الخدود، وشقّ الجيوب، وخمش
стр. 606
الوجوه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل والثبور، كلّ ذلك محرم بلا خلاف بين العلماء، وعلى الصفة الأولى حملوا الأحاديث الواردة في إباحة البكاء، وعلى الصفة الثانية حملوا الأحاديث الواردة في النهي عنه، جمعًا بين الأدلّة، وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم.
(لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ) بالبناء للمفعول، أي طُلب منّي أن أَشْهَدَ (لأَشْهَدَنَّ لَكَ) أي بكونك من أهل الخير والصلاح (وَلَئِنِ شُفِّعْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي قُبِلت شفاعتي (لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ) بحذف المفعول بدليل ما بعده، أي النفعَ لك (لأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ) عبادة ﵁ (وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه دليل على أنه كَتَمَ ما خَشِيَ عليهم المضرّة فيه والفتنة، مما لا يحتمله عقل كلّ واحد، وذلك فيما ليس تحته عَمَلٌ، ولا فيه حَدٌّ من حدود الشريعة، قال: ومثل هذا عن الصحابة ﵃ كثيرٌ في ترك الحديث بما ليس تحته عَمَل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحتمله عقول العامة، أو خُشِيت مضرته على قائله، أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة، وتعيين أقوام وُصِفُوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم. انتهى (١).
(إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي)، يعني قَرُبْتُ من الموت، وأيست من النجاة والحياة، قال صاحب "التحرير": أصلُ الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه، فيأخذون عليه جميع الجوانب، بحيث لا يبقى له في الخلاص مَطْمَعٌ، فيقال: أحاطوا به، أي أطافوا به من جوانبه، ومقصوده قَرُبَ موتي.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ) أي منعه من دخولها، وهو بمعنى الحديث الماضي: "أدخله الله الجَنَّة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 607
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث عبادة بن الصامت ﵁ هذا من أفراد المصنّف، لَمْ يُخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا (٢٩) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عبد الله بن مُحيريز، عنه.
و (الترمذي) (٢٣٦٨) عن قتيبة به، و (أحمد) في "مسنده" ٥/ ٣١٨ عن يونس بن محمد، عن الليث به، و ٥/ ٣١٨ عن قتيبة به، و (عبد بن حميد) في "مسنده" عن ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيّان، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن ابن محيريز، فقال: كنا جلوسًا عند عبادة بن الصامت، إذ جاء الصنابحيّ، فبكي، فقال له: ما يُبكيك … فذكره، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١١٢٨) عن قتيبة بن سعيد به و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٦) و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٦)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٢٠٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
(١١) - (بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ)
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ
стр. 608
وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) - بفتح الهاء، وتشديد الدال - ويقال له: هُدْبَة - بضمّ أوله، وسكون الدال، بعدها موحّدة - ابن خالد بن الأسود القيسيّ الثوباني، أبو خالد البصريّ الحافظ، ثقة عابدٌ، تفرّد النسائئ بتليينه، من صغار [٩].
رَوَى عن أخيه أمية بن خالد، وجرير بن حازم، وهمام بن يحيى، والحمادين، وحماد بن الْجَعْد، وسليمان بن المغيرة، وأبان بن يزيد العطار، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وأبو حاتم، وحرب بن إسماعيل، وعبد الله بن أحمد، وزكرياء الساجيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي عاصم، والبزار، والحسن بن سفيان، والمعمري، وغيرهم.
قال علي بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال عبدان الأهوازيّ: سمعت عباس بن عبد العظيم يقول: هي كتب أمية بن خالد - يعني الذي يحدث به هُدْبة - وقال عبدان: كنّا لا نصلي خلف هُدْبة من طول صلاته، يُسَبِّح نيفًا وثلاثين تسبيحة، وقال ابن عديّ: سمعت أبا يعلي، وسئل عن هدبة وشيبان، أيهما أفضل؟ فقال: هدبة أفصلهما، وأوثقهما حديثًا، وكان حديث حماد بن سلمة عنده نسختين، نسخة على الشيوخ، ونسخة على المصنفين، وقال الحسن بن سفيان: سمعت هدبة يقول: صليت على شعبة، وقال ابن عدي: لَمْ أر له حديثًا منكرًا، وهو كثير الحديث، صدوق لا بأس به، وقد وثقه الناس.
стр. 609
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: قَوّاه النسائي مَرّةً، وضعفه مرةً.
قال أبو داود، عن محمد بن عبد الملك: مات سنة خمس وثلاثين، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة ست أو سبع وثلاثين، وقال غيره: مات سنة ثمان أو تسع وثلاثين ومائتين، وقال ابن قانع: مات أول سنة ست، وهو صالح، وفيها ذكره الْقَرّاب، عن موسى بن هارون، وقال الآجريّ، عن أبي داود: هدبة أعلى عندنا - يعني من شيبان - قيل لي: في سماعه من أخيه من الشيوخ؟ فقال: لا يُنكر له السماع، وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقة.
تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقة ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٦٤) (ع) ٥/ ٦٩.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) ٥/ ٦٩.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير ﵁، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة (ع) ١/ ٢.
٥ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو عبد الرَّحمن، من أعيان الصحابة ﵃، شهد بدرًا وما بعدها، مات بالشام سنة (١٨) (ع) ٦/ ١٢٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنّ شيخه مشهور بهدّاب، وهُدْبة، وقد ذكره المصنّف رحمه الله تعالى في مواضع من الكتاب، يقول في بعضها: هُدْبة، وفي بعضها: هَدّاب، واتفقوا على أن أحدهما اسم، والآخر لقب، ثم اختلفوا في الاسم منهما، فقال أبو عليّ الغسّانيّ، وأبو محمد عبد الله بن الحسن الطَّبَسيّ (١)،
стр. 610
وصاحب "المطالع"، والحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ المتأخّر: هُدْبة هو الاسم، وهَدّاب لقبٌ، وقال غيرهم: هَدّابٌ اسم، وهُدْبة لقبٌ، واختار الشيخ أبو عَمْرِو بن الصلاح هذا، وأنكر الأول، وقال أبو الفضل الفلكيّ الحافظ: إنه كان يَغضَبُ إذا قيل له: هُدْبة، وذكره البخاريّ في "تاريخه"، فقال: هدبة بن خالد، ولم يذكر هدّابًا، فظاهره أنه اختار أن هدبة هو الاسم، والبخاريّ أعرف من غيره، فإنه شيخه وشيخ مسلم رحمهم الله تعالى أجمعين، ذكره النوويّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرد به هو، والبخاري، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير معاذ ﵁، فمدنيّ، ثم نزل الشام، ومات بها.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) ﵁ هذا ظاهرٌ في أنه من مسند معاذ ﵁، أخذه أنس عنه، قال في "الفتح": هكذا رواه هَمّام، عن قتادة، ومقتضاه التصريح بأنه من مسند معاذ ﵁، وخالفه هشام الدستوائيّ، عن قتادة، فقال: "عن أنس أن النبيّ ﷺ قال - ومعاذٌ رَدِيُفُه على الرَّحْل -: "يا معاذ"، قال: وقد تقدم في أواخر "كتاب العلم"، ومقتضاه أنه من مسند أنس، والمعتمد الأول، ويؤيده أن البخاريّ أتبع رواية هشام رواية سليمان التيميّ، عن أنس، قال: ذُكِرَ لي أن النبيّ ﷺ قال لمعاذ، فدَلَّ على أن أنسًا لَمْ يسمعه من النبيّ ﷺ ، واحتَمَلَ قوله: "ذُكِرَ" على البناء للمجهول أن يكون أنسٌ حمله عن معاذ بواسطة، أو بغير واسطة، قال: وقد أشرت في شرحه في "العلم" إلى احتمال أن يكون أنس حمله عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن معاذ، أو من
стр. 611
عبد الرَّحمن بن سَمُرَة، عن معاذ، وهذا كله بناءٌ على أنه حديث واحد، وقد رَجَحَ لي أنهما حديثان، وإن اتَّحَد مخرجهما، عن قتادة، عن أنس، ومتنهما في كون معاذ رِدْفَ النبيّ ﷺ للاختلاف فيما وردا فيه، وهو أن حديث الباب في حق الله على العباد، وحق العباد على الله، والماضي فيمن لقي الله لا يشرك به شيئًا، وكذا رواية أبي عثمان النَّهْديّ، وأبي رَزِين، وأبي الْعَوّام كلهم عن معاذ، عند أحمد، ورواية عمرو بن ميمون موافقة لرواية حديث الباب، ونحوُها رواية عبد الرَّحمن بن سَمُرة، عن معاذ عند النسائيّ، والرواية الأخرى موافقة لرواية هشام التي في "العلم"، قال: وقد أشرت إلى شيء من ذلك في "باب اسم الفرس والحمار"، من "كتاب الجهاد"، وقد جاء عن أنس، عن معاذ نحو حديث الباب، أخرجه أحمد من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، قال: أتينا معاذًا، فقلنا: حَدِّثنا من غرائب حديث رسول الله ﷺ ، فذكر مثل حديث همام، عن قتادة. انتهى كلام الحافظ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ ) - بكسر الراء، وإسكان الدال - هذه الرواية المشهورة التي ضبطها معظم الرواة، وحَكَى القاضي عياض رحمه الله تعالى أن أبا عليّ الطبريّ الفقيه الشافعيّ أحدَ رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء، وكسر الدال، و"الرِّدْف"، و"الرَّدِيف" هو الراكب، يقال منه: رَدِفْتُهُ بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع: إذا ركبتَ خلفه، وأردفته أنا رباعيًّا، وأصله من ركوبه على الرِّدف، وهو الْعَجُز، قال القاضي: ولا وجه لرواية الطبريّ إلَّا أن يكون فَعِل هنا اسم فاعل، مثلُ "عَجِلٍ"، و"زَمِنٍ"، و"فَرِقٍ"، إن صحت رواية الطبريّ، انتهى (٢).
[تنبيه]: قد أفرد الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى أسماء من أردفه النبيّ ﷺ خلفه، فبلغوا ثلاثين نفسًا، ذكره في "الفتح" (٣) (لَيْسَ بَيْني وَبَيْنَهُ) ﷺ أراد به المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضابطٌ ما رواه
стр. 612
(إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ) - بضم الميم، بعده همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة - هذا هو الصحيح، وفيه لغة أخرى: "مُؤَخَّرَةٌ" - بفتح الهمزة، والخاء المشددة - قال القاضي عياض ﵀: أنكر ابن قتيبة فتح الخاء، وقال ثابت السَّرَقسطيّ: "مُؤَخَّرَةُ الرحل، ومُقَدَّمَتُهُ" بفتحهما، ويقال: "آخرة الرحل"، بهمزة ممدودة، وهذه أفصح وأشهر، وقد جمع الجوهريّ في "صحاحه" فيها ست لغات، فقال في "قادمتي الرحل": ست لغات: مُقْدِمٌ، ومُقْدِمَةٌ بكسر الدال مخففةً، ومُقَدَّم، ومُقَدَّمَةٌ، بفتح الدال مشددة، وقَادِمٌ، وقَادِمَةٌ، قال: وكذلك هذه اللغات كلها في "آخرة الرحل"، وهي الْعُودُ الذي يكون خلف الراكب، كذا نقله النوويّ في "شرحه" (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "إلَّا مؤخرة الرحل"، كذا وقع ها هنا "مُؤْخِرة"، وقرأناه على من يوثَقُ بعلمه بضم الميم، وفتح الراء، والخاء المشدّدة على أنه اسم مفعول؛ لأنَّها تُؤخِّر، وأنكر هذا اللفظ يعقوب، وابن قُتيبة، وقالا: المعروف عند العرب "آخِرَةُ الرَّحْل"، وهي العود الذي خلف الراكب، وتقابله قادمته، وقيل فيها: مؤخرة بهمز الواو خفيفة، وكسر الخاء، حكاهما صاحب "الصحاح"، وأبو عُبيدة.
و"الرَّحْلُ" للبعير كالسرج للفرس، والإكاف للحمار. انتهى (٢).
وعبارة ابن الصلاح في "الصيانة": "مؤخِرة الرحل": هي التي خلف الراكب، يستند إليها، والأكثر الأغلب تسميتها "آخرة الرحل"، وهي مُؤْخِرةُ الرحلِ" بميم مضمومة، ثم همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة خفيفة، وقالها بعض الرواة بفتح الهمزة، وفتح الخاء المشدَّدة، وهو غالبٌ على ألسنة الطلبة، وليس ذلك بثابت.
وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابيه "مشارق الأنوار"، و"إكمال المعلم" عن ابن مكيّ أنه أنكر الكسر، وقال: لا يقال: "مُقدم"، ولا "مؤخر" بالكسر، إلَّا في العين - يعني - قولهم: مُقَدِّم العين، ومؤخرها.
قال ابن الصلاح: وهذا الذي حكاه عن أبي حفص عمر بن مكيّ
стр. 613
الصقليّ، صاحب كتاب "ما تلحن فيه العامّة" معروف عن الخليل، ومن تقدّم من أهل اللغة، وما توهّمه القاضي من كونه مخالفًا لما تقدّم ذكرُهُ وهَمٌ منه، فإن ذلك في مُقَدَّم، ومؤخَّر، بغير تاء التأنيث، والمراد به أنه لا يقال: "مُؤَخِّر السفينة"، وغيرها، و" مُقَدِّمُها" بالكسر، بل" مُؤَخَّرُها"، و" مقَدَّمُها" بالفتح والتشديد، وليس في ذلك تعرّض لمؤخِرة الرحل بتاء التأنيث، وهما نوعان، فاعلم ذلك، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (١) وهو تحقيق جيد.
(فَقَالَ) ﷺ (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) يجوز في "معاذ" وجهان من الإعراب، أحدهما: الفتح، والضمّ، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَنَحْوَ "زيدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ"
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
وحاصل المسألة أنه إذا كان المنادى مفردًا علمًا، ووُصف بابن "مضافٍ إلى علم، ولم يُفصَل بين المنادى وبين "ابن" جاز لك في المنادى وجهان: البناء على الضمّ، على الأصل؛ لأنه منادى مفرد علم، فتقول: "يا معاذُ بنَ جبل"، فتضم الذال، والفتح؛ إتباعًا، فتقول: "يا معاذَ بن جبل"، فتفتحها، ويجب حذف ألف "ابن" والحالة هذه خطًّا.
وأما إذا لَمْ يقع "ابن" بعد علم، نحو "يا غلامُ ابنَ عمرو"، أو لَمْ يقع بعده علمٌ، نحو "يا زيدُ ابنَ أخينا"، وجب ضمّ المنادي، وامتنع فتحه، ويجب إثبات ألف "ابن"، والحالة هذه (٢).
(قُلْتُ: لَبَّيْكَ) بفتحٍ اللام، تثنية "لَبّ"، ومعناه إجابةً لك بعد إجابة، وقيل: قربًا منك، وطاعة لك، وقيل: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: محبتي لك، وقيل: غير ذلك.
وقال الخليل: لَبّ بالمكان: أقام به، حكاه عنه أبو عبيدة، قال الفرّاءُ: ومنه قولهم: لبيك: أي أنا مقيم على طاعتك، وكان حقَّه أن يقال: لبًّا لك، فثُنّي على معنى التأكيد، أي إلبَابًا لك بعد إلباب، وإقامةً بعد إقامة، قال
стр. 614
الخليل: هذا من قولهم: دار فلان تلبّ داري: أي تحاذيها، أي مواجهك بما تُحبّ إجابةً له، والياء للتثنية، وقال ابن الأنباريّ في "لبيك" أربعة أقوال:
[أحدها]: إجابتي لك، مأخوذ من لَبَّ بالمكان، وألبّ به: إذا أقام به، وقالوا: لبيك، فثنَّوْا؛ لأنهم أرادوا إجابةً بعد إجابةٍ، كما قالوا: حَنَانَيْكَ: أي رحمةَّ بَعد رحمةٍ، وقال بعض النحويين: أصل "لبيك" لبّبك، فاستُثقل الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، كما قالوا: تظنّيتُ، أصله تظَنّنْتُ.
[والثاني]: اتّجاهي يا ربّ، وقصدي لك، فثُنّيَ للتأكيد؛ أخذًا مَن قولهم: داري تلبّ دارك، أي تواجهها.
[والثالث]: محبّتي لك يا ربّ، من قول العرب: امرأةٌ لَبّةٌ: إذا كانت محبّةً لولدها، عاطفةً عليه.
[والرابع]: إخلاصي له يا ربّ، من قوله: حَسَبٌ لُبَابٌ إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لُبُّ الطعام، ولبابه (١).
[تنبيه]: "لبيك" من المصادر التي يجب حذف فعلها، ونصبه، وكان حقّه أن يقال: لَبًّا لك، ولكنه ثُنّي على معنى التأكيد، فأصله "لبّين"، فحذفت النون للإضافة، كما في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَـ "طُورِ سِينَا"
قال الفراء: نُصِب على المصدريّة، وقال ابن السكِّيت: كقولك: حمدًا وَشكرًا.
وهو من الأسماء الملازمة للإضافة إلى الضمير، كَـ "سَعْدَيك"، كما قال في "الخلاصة" أيضًا:
وَبَعْضُ مَا يُضَافُ حَتْمًا امْتَنَعْ … إِيلَاؤُهُ اسْمًا ظَاهِرًا حَيْثُ وَقَعْ
كَـ "وَحْدَ" "لَبَّى" وَ"دَوَالَيْ" "سَعْدَيْ" … وَشَذَّ إِيلَاءُ "يَدَيْ" لِـ "لَبَّيْ"
(رَسُولَ اللهِ) بالنصب على أنه منادى حُذف منه حرف النداء، وهو جائزٌ، كما قال في "الخلاصة":
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
стр. 615
وقال الحريريّ في "ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
أي: يا رسول الله (وَسَعْدَيْكَ) هو مثل"لبيك"، ومعناه إسعادًا لك بعد إسعاد، وقال النوويّ: معنى"سعديك": أي ساعدت طاعتك مساعدةً بعد مساعدة.
(ثُمَّ سَارَ) ﷺ (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ) ﷺ (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ) ﷺ (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) إنما كرر النبيّ ﷺ نداء معاذ ﵁ ثلاثًا؛ لتأكيد الاهتمام بما يُخبره به، وليكمل تَنَبُّهُ معاذٍ فيما يَسمعه، وقد ثبت في "الصحيح" أنه ﷺ : "كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا"، لهذا المعنى، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: حقّ الله على عباده: ما أوجبه عليهم بحكمه، وألزمهم إِيَّاهُ بخطابه انتهى (١).
وقال صاحب "التحرير": اعلم أنّ الحقّ كلُّ موجودٍ متحققٍ، أو ما سيوجد لا مَحَالةَ، والله هو الحق الموجود الأزليّ الباقي الأبديّ، والموت والساعة والجنة والنار حقٌّ؛ لأنَّها واقعة لا مَحالَةَ، وإذا قيل للكلام الصدقِ: حقٌّ، فمعناه أن الشيء الْمُخْبَرَ عنه بذلك الخبر واقع، متحققٌ، لا تردُّد فيه، وكذلك الحق المستَحَقُّ على العبد من غير أن يكون فيه تردد وتحير، فحقُّ الله تعالى على العباد، معناه ما يستحقه عليهم مُتَحَتِّمًا عليهم، وحق العباد على الله تعالى معناه أنه متحققٌ لا مَحَالةَ، هذا كلام صاحب "التحرير".
وقال غيره: إنما قال: "حقهم على الله تعالى" على جهة المقابلة لحقه عليهم، ويجوز أن يكون من نحو قول الرجل لصاحبه: حَقُّكَ واجب علي، أي متأكد قيامي به، ومنه قول النبيّ ﷺ : "حَقٌّ على كلّ مسلم أن يغتسل في كلّ سبعة أيام"، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ في "شرحه" (٢).
(قَالَ) معاذ ﵁ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ (فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى
стр. 616
الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)، المراد بالعبادة عملُ الطاعات، واجتناب المعاصي، ولقد أحسن الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى حيث عرّف العبادة بتعريف جامع مانع، فقال في "نونيّته":
وَعِبَادَةُ الرَّحْمَانِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ
وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ … مَا دَارَ حَتَّى قَامَتِ الْقُطْبَانِ
وَمَدَارُهُ بِالأَمْرِ أَمْرِ رَسُولِهِ … لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
وإنما عَطَفَ عليها عدم الشرك؛ لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الْكَفَرة كانوا يَدَّعُون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى، فاشتَرَطَ نفي ذلك.
وجملة "لا يُشركون إلخ" حالية، والتقدير: يعبدونه في حال عدم الإشراك به، قال ابن حبان رحمه الله تعالى: عبادة الله إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، ولهذا قال في الجواب: "في حق العباد إذا فعلوا ذلك"، فَعَبَّرَ بالفعل، ولم يُعَبِّر بالقول، ذكره في "الفتح" (١).
وقال في موضع آخر: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد باقتضاء، وششدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذّب رسول الله، فقد كذّب الله، ومن كذّب الله فهو مشرك، أو هو مثلُ قول القائل: من توضّأ صحّت صلاته، أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به. انتهى (٢).
(ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ) ﷺ ("يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) ﷺ ("هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)، أي العبادة، مع عدم الشرك (قَالَ) ﵁ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ ("أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ")، وفي رواية ابن حبان من طريق عمرو بن ميمون: "أن يغفر لهم، ولا يعذبهم"، وفي رواية أبي عثمان: "يُدخِلهم الجَنَّة"، وفي رواية أبي الْعَوّام مثله، وزاد: "ويغفر لهم"، وفي رواية عبد الرَّحمن بن غَنْم: "أن يدخلهم الجَنَّة".
قال القرطبي رحمه الله تعالى: حَقُّ العباد على الله: ما وَعَدَهم به من
стр. 617
الثواب والجزاء، فَحَقَّ ذلك، ووجَبَ بحكم وعده الصدق، وقولِهِ الحقِّ الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا بحكم العقل؛ لأنه كاشف لا موجب، انتهى (١).
وقال ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى في "شرح الطحاويّة" معلِّقًا على هذا الحديث: فهذا حقّ وجب بكلماته التامّة، ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه مستحقّ على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله تعالى هو المنعم على العباد بكل خير، وحقّهم الواجب بوعده هو أن لا يُعذبّهم، ولقد أحسن القائل [من الكامل]:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبُ … كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا … فَبِفضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ السَّامِعُ
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كون المطيع يستحقّ الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحقّ المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلَّا أنه أخبر بذلك، ووعدُهُ صدقٌ، ولكن أكثر الناس يُثبتون استحقاقًا زائدًا على هذا، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، لكن أهل السنّة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحقّ، لَمْ يوجبه عليه مخلوقٌ، والمعتزلة يدّعون أنه واجبٌ عليه بالقياس على المخلوق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يَجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقّون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغَلِطوا في ذلك، وهذا الباب غَلِطَت فيه الجبريّة، والقدريّة، أتباع جهم، والقدريّة النافية. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": تمسك بعض المعتزلة بظاهره، ولا مُتَمَسَّكَ لهم فيه؛ لأن المراد بالحقّ هنا المتحقق الثابت، أو الجدير، لأن إحسان الربّ لمن لَمْ يتخذ ربًّا سواه جديرٌ في الحكمة أن لا يعذبه، أو المراد أنه كالواجب في
стр. 618
تحققه وتأكده، أو ذكر على سبيل المقابلة، انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١١/ ١٥٠] (٣٥) عن هدّاب بن خالد، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عنه.
و (البخاريّ) في "اللباس" (٥٩٦٧) و"الرقاق" (٦٥٠٠) و"الاستئذان" (٦٢٦٧) عن هُدْبَةَ بن خالد - و"الاستئذان" (٦٢٦٧) عن موسى بن إسماعيل - كلاهما عن همام بن يحيى به. و (النسائي) في "عمل اليوم والليلة" (١٨٦) عن عمرو بن عليّ، عن أبي داود، عن همام به نحوه.
و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٢٨) عن وكيع - و (٥/ ٢٣٦) عن أبي معاوية - عن الأعمش، عن أبي سفيان - وفي (٥/ ٢٤٢) عن عفان، عن هَمَّام، عن قتادة - كلاهما عن أنس بن مالك ﵁ به، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٧ و ٢٨ و ٢٩) في "مستخرجه" (١٣٧ و ١٣٨ و ١٣٩ و ١٤٠) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٠). والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث مما اتّفق فيه الشيخان بإخراجه عن شيخ واحد، وهو هدّاب بن خالد، وذكره البخاري بِهُدْبة بن خالد، وقد تقدّم أنه يطلق عليه الاسمان، أحدهما اسمه، والآخر لقبه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": هذا الحديث من الأحاديث التي أخرجها البخاري في ثلاثة مواضع، عن شيخ واحد، بسند واحد، وهي قليلة في كتابه جِدًّا، ولكنه أضاف إليه في "الاستئذان" موسى بن إسماعيل، وقد تتبع بعض من لَقِيناه ما أخرجه في موضعين بسند، فبلغ عدتها زيادة على العشرين، وفي بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 619
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): بيان حقّ الله تعالى الذي أوجبه على عباده، وهو أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا.
٢ - (ومنها): بيان حقّ العباد على الله تعالى الذي أوجبه على نفسه فضلًا منه ونعمةً، وهو أن يدخلهم الجَنَّة، ولا يعذبهم.
٣ - (ومنها): جواز ركوب اثنين على دابّة إذا كانت تُطيق ذلك.
٤ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ ﷺ ، حيث كان يُردف أصحابه، ولا يتكبّر عليهم.
٥ - (ومنها): بيان فضل معاذ ﵁، وحسن أدبه في القول، وفي العلم، بردّه لِمَا لَمْ يُحطْ بحقيقته إلى علم الله تعالى، وعلم رسوله ﷺ ، وقرب مَنْزِلته من النبيّ ﷺ .
٦ - (ومنها): استحباب تكرار الكلام؛ لتأكيده، وتفهيمه، وهكذا هديه ﷺ ، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ : "أنه كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم، فسَلَّمَ عليهم سَلَّم عليهم ثلاثًا".
٧ - (ومنها): مشروعيّة استفسار الشيخ تلميذه عن الحكم؛ ليختبر ما عنده من العلم، ويُبَيِّن له ما يُشْكِلُ عليه منه.
٨ - (ومنها): مشروعيّة إجابة الداعي بـ "لبيك، وسعديك".
٩ - (ومنها): أن فيه بشارة عظيمة للموحّدين الذين لا يشركون بالله تعالى شيئًا، حيث وعدهم الله تعالى الذي لا يخلف وعده، أن لا يعذّبهم، بل يُكرمهم بدخول الجَنَّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبسندنا المتَّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥١] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَص، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، قَالَ: فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ،
стр. 620
تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِن حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ؟ "لَا تُبَشَرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الحافظ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو الأَحْوَص، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ) الْحَنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) ٤/ ١١٤.
[تنبيه]: "أبو الأحوص" في سند المصنّف هو سلّام بن سُليم، كما صرّح به، ورواه البخاريّ عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ ﵁، فأبو الأحوص هو عمّار بن رُزيق.
قال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": كنتُ أظنّ أنه سلّام بن سُليم، وعلى ذلك يدلّ كلام المزيّ، لكن أخرج هذا الحديث النسائيّ، عن محمد بن عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّميّ، عن يحيى بن آدم، شيخ شيخ البخاريّ فيه، فقال: "عن عمّار بن رُزيق، عن أبي إسحاق"، والبخاريّ أخرجه ليحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، وكنية عمّار بن رُزيق أبو الأحوص، فهو هو، ولم أَرَ من نبّهَ على ذلك، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو داود عن هنّاد بن السريّ، كلاهما عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، وأبو الأحوص هذا هو سلّام بن سُليم، فإن أبا بكر، وهنّادًا أدركاه، ولم يُدركا عمّارًا، انتهى كلام الحافظ (١)، وهو بحثٌ مُهِمٌّ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السَّبِيعيِّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، اختلط بأخَرة، ويدلّس [٣] (ت ١٢٩) (ع) ٢/ ١١.
стр. 621
٤ - (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) الأَوْديّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفي، أدرك الجاهلية، ولم يَلْقَ النبي ﷺ ، ثقة عابدٌ، مخضرمٌ، مشهور [٢].
روى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي مسعود البدري، وسعد بن أبي وقاص، ومعقل بن يسار، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم.
وروى عنه سعيد بن جبير، والربيع بن خُثَيم، وأبو إسحاق السبيعي، ويزيد بن شريك، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبوه، وغيرهم.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق: كان أصحاب النبي ﷺ بعمرو بن ميمون. وقال يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه: كان عمرو بن ميمون إذا دخل المسجد، فرُؤي ذُكِر الله. وقال الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن عبد الرَّحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ اليمن رسولَ رسولِ الله ﷺ الشِّحر، رافعًا صوته بالتكبير، أجش الصوت، فَأَلْقَيْتُ عليه محبتي (١) … الحديث. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"، فقال: أدرك النبيّ ﷺ ، وصَدَّقَ إليه، وكان مسلمًا في حياته. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
قال أبو نعيم، وغير واحد: مات سنة أربع وسبعين. ويقال: سنة (٧٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط.
٥ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ﵁ المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلَّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير معاذ ﵁، فإنه مدنيّ، نزل الشام، ومات بها.
стр. 622
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الأوديّ بفتح المزة، وسكون الواو (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل) ﵁ أنه (قَالَ: كنْتُ رِدْفَ) بكسر، فسكون (رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ) - بعين مهملة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، مصغّرًا - هذا هو الصواب في الرواية، وفي الأصول المعتمدة، وفي كتب أهل المعرفة بذلك، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وقول القاضي عياض رحمه الله تعالى: إنه بغين معجمة متروك، قال الشيخ: وهو الحمار الذي كان له ﷺ ، قيل: إنه مات في حجة الوداع، قال: وهذا الحديث يقتضي أن يكون هذا في مرّة أخرى غير المرّة المتقدّمة في الحديث السابق، فإن مُؤْخِرَة الرحل تختص بالإبل، ولا تكون على حمار.
قال النوويّ: ويحتمل أن يكونا قضيةً واحدةً، وأراد بالحديث الأول قدر مُوخِرة الرحل، والله أعلم، انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "عُفَير" - بالمهملة والفاء، مُصَغَّرًا - مأخوذ من الْعَفَر، وهو لون التراب، كأنه سُمِّي بذلك؛ للونه، والْعُفْرة حُمْرة يخالطها بياض، وهو تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا: سُوَيد في تصغير أسود، ووَهِمَ من ضبطه بالغين المعجمة، وهو غير الحمار الآخر الذي يقال له: يعفور، وزعم ابن عبدوس أنهما واحد، وقَوّاه صاحب "الْهَدْي"، ورَدَّه الدمياطيّ، فقال: عُفَير أهداه الْمُقَوقِس، ويعفور أهداه فَرْوَة بن عمرو، وقيل بالعكس، ويعفور بسكون المهملة، وضمّ الفاء، هو اسم ولد الظبي، كأنه سُمِّي بذلك؛ لسرعته، قال الواقديّ: نَفَقَ يعفور مُنْصَرَف النبيّ ﷺ من حجة الوداع، وبه جزم النووي عن ابن الصلاح، وقيل: طَرَح نفسه في بئرٍ، يوم مات رسول الله ﷺ يه، وقع ذلك في حديث طويل ذكره ابن حبان في ترجمة محمد بن
стр. 623
مَرْثد في "الضعفاء"، وفيه: أن النبيّ ﷺ غَنِمَه من خيبر، وأنه كلم النبيّ ﷺ ، وذكر له أنه كان ليهوديّ، وأنه خرج من جده ستون حمارًا؛ لركوب الأنبياء، فقال: ولم يبق منهم غيري، وأنت خاتم الأنبياء، فسماه يعفورًا، وكان يركبه في حاجته، ويرسله إلى الرجل، فيقرع بابه برأسه، فيعرف أنه أرسل إليه، فلما مات النبيّ ﷺ جاء إلى بئر أبي الهيثم بن التَّيِّهَان، فَتَرَدَّى فيها، فصارت قبره، قال ابن حبان: لا أصل له، وليس سنده بشيء، انتهى (١).
(قَالَ) معاذ ﵁ (فَقَالَ) ﷺ ("يَا مُعَاذُ، تَدْرِي) بحذف همزة الاستفهام، وقد صُرِّح بها في الرواية التالية، أي أتدري (مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ "، قَالَ) معاذ ﵁ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ ("فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"، قَالَ) معاذ ﵁ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أفَلَا أُبَشَرُ النَّاسَ؟ قَالَ) ﷺ " (لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا") بحذف نون الرفع؛ للنصب في جواب النهي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والمعنى أنهم إذا أخبرتهم بهذه البشارة، يمتنعون عن العمل، ويتركونه؛ اعتمادًا على هذه الكلمة، فاتركهم يجتهدوا في العمل.
قال في "الفتح": ما نصّه: قال ابن رجب في "شرحه" لأوائل البخاريّ (٢): قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ ﷺ من تبشير الناس لئلا يتكلوا أن أحاديث الرُّخَصِ لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يَقْصُرَ فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ ﵁، فلم يَزْدَد إلَّا اجتهادًا في العمل، وخشيةً لله ، فأما من لَمْ يَبْلُغ مَنْزِلته فلا يؤمن أن يُقَصِّر اتَّكالًا على ظاهر هذا الخبر.
وقد عارضه ما تواتر من نصوص الكتاب والسنة أن بعض عُصَاة الموحدين يدخلون النار، فعلى هذا فيجب الجمع بين الأمرين، وقد سَلَكُوا في ذلك مسالك:
стр. 624
[أحدها]: قول الزهريّ: إن هذه الرخصة كانت قبل نزول الفرائض والحدود، وسيأتي ذلك عنه في حديث عثمان في الوضوء، واستبعده غيره من أن النسخ لا يدخل الخبر، وبأن سماع معاذ لهذه كان متأخرًا عن أكثر نزول الفرائض، وقيل: لا نسخَ، بل هو على عمومه، ولكنه مُقَيَّد بشرائط، كما تُرَتَّب الإحكام على أسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل ذلك عَمِلَ المقتضي عمله، وإلى ذلك أشار وهب بن منبه بقوله المتقدم في "كتاب الجنائز" في شرح "إنّ لا إله إلَّا الله مفتاح الجَنَّة" ليس من مفتاح إلَّا وله أسنان، وقيل: المراد ترك دخول نار الشرك، وقيل: ترك تعذيب جميع بدن الموحدين؛ لأن النار لا تُحْرِق مواضع السجود، وقيل: ليس ذلك لكل مَنْ وَحَّدَ وعَبَدَ، بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها، ولا يُتَصَوَّر حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية؛ لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة، وتَنْكَفُّ عن المعصية انتهى مُلَخَّصًا (١).
وسيأتي بعد ثلاثة أحاديث حديث أنس عن معاذ ﵄، نحو هذا الحديث، وفي آخره: "قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس؟ فيستبشروا، قال: "إذًا يتكلوا"، فأخبر بها معاذٌ عند موته تَأَثُّمًا، أي خروجًا من إثم كتمان العلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ بن جبل ﵁ هذا من رواية عمرو بن ميمون عنه، متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه المصنف هنا في "الإيمان" [١١/ ١٥١] (٤٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ ﵁.
стр. 625
و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٥٦) عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، وهو عمّار بن رُزَيق، عن أبي إسحاق به.
و (أبو داود) في "الجهاد" عن هنّاد بن السريّ، عن أبي الأحوص، وهو سلّام بن سُليم، عن أبي إسحاق، به، بقصّة الحمار فحسب.
و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٤٣) عن محمود بن غيلان، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق به.
(النسائيّ) في "العلم" من "الكبرى" (٥٨٧٧) عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، عن يحيى بن آدم، عن عمّار بن رُزَيق، به، ولم يذكر قصة الحمار.
و (أحمد) في "مسنده" ٥/ ٢٢٨ عن وكيع، عن إسرائيل - وفي ٥/ ٢٢٨ عن عبد الرَّحمن، عن سفيان - (ح) وعبد الرزاق، عن معمر - ثلاثتهم عن أبي إسحاق به، وفوائد الحديث تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٢] (٣١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْن الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْم، أَنَّهُمَا سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مُعَاذُ، أتدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد؟ "، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ"، قَالَ: "أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْه، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ "، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ، كان هو ومحمد بن المثنّى فَرَسَي رِهَان، وماتا في سنة واحدة [١٠]، (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢.
стр. 626
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقة حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٥.
٥ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة، مكبّرًا - عثمان بن عاصم بن حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقة سُنّيٌّ، وربّما دلّس [٤] (ت ١٢٧) (ع) ١/ ٤.
٦ - (الأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ) بن أسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، والأسود بن يزيد، والأسود بن هلال، وسعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، ومعاوية بن سُويد بن مُقَرِّن، وأبي وائل، وجماعة.
وروى عنه شعبة، والثوريّ، وشريك، وأبو الأحوص، وشيبان النحويّ، وإسرائيل، وزائدة، ومسعر، وزهير، وأبو عوانة، وعدّة، ورَوَى عنه أبو إسحاق الشيبانيّ، وهو من أقرانه.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال حرب: سمعت أحمد يُقَدِّمه على سماك بن حرب، وقال أبو داود، والبزار: ثقة، وقال ابن سعد: تُوُفِّي في إمارة يوسف بن عُمَر بالكوفة، وذكره ابن حبان، وابن شاهين في "الثقات"، وقال العجليّ: من ثقات شيوخ الكوفيين، وليس بكثير الحديث، إلَّا أنه شيخٌ عَال، مات سنة (١٢٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٧ - (الأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ) المحاربيّ، أبو سَلَّام الكوفيّ، مخضرمٌ ثقة جليلٌ [٢].
رَوَى عن معاذ بن جبل، وعمر، وابن مسعود، والمغيرة، وأبي هريرة، وثعلبة بن زَهْدَم.
وروى عنه أشعث بن أبي الشعثاء، وأبو حَصِين، وأبو إسحاق السبيعيّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم.
قال أحمد: ما علمتُ إلَّا خيرًا، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال
стр. 627
العجليّ: كان جاهليًّا، وكان رجلًا من أصحاب عبد الله، ووثقه، وذكره الباوَرْديّ، وجماعة ممن أَلَّفَ في الصحابة (١)؛ لادراكه، وقال ابن سعد، عن الأسود: هاجرتُ زمن عمر، فذكر قصةً، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: تُوُفِّي زمن الحجاج بعد الجماجم، وقال عمرو بن عليّ: سنة (٨٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، إذ نزل، فقضى حاجته … " الحديث.
٨ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ﵁ المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير الأسود بن هلال، فلم يخرج له الترمذيّ، وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين اتفق الأئمة الستّة على الرواية عنهم دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون إلَّا الصحابيّ، كما مرّ قريبًا.
٥ - (ومنها): أن فيه مقارنة بين راويين في موضعين، في أول السند بين شيخيه، وفي وسطه بين أبي حَصِين، والأشعث.
٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في "الصحيحين" من يكنى بأبي حَصِين بفتح، فكسر، مكبّرًا غير عثمان بن عاصم هذا، ولا يوجد فيهما من اسمه حَصِين بهذا الضبط أصلًا.
٧ - (ومنها): أن الأشعث، والأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب،
стр. 628
وجملة ما رواه المصنّف للأشعث اثنا عشر حديثًا، وللأسود حديثان فقط، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ "، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ") ببناء الفعلين للمفعول، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه "يُعْبَدُ" بضم المثنّاة تحتُ، و"شيْء" بالرفع، وهذا ظاهرٌ، وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: ووقع في الأصول "شيئًا" بالنصب، وهو صحيح على التردد في قوله: "يعبد الله، ولا يشرك به شيئًا" بين وجوه ثلاثة:
[أحدها]: "يَعْبُدَ الله" بفتح الياء التي هي للمذكر الغائب، أي يَعْبُدَ العبدُ اللهَ، ولا يُشْرِكَ به شيئًا، قال: وهذا الوجه أَوْجَهُ الوجوه.
[والثاني]: "تَعْبُدَ" بفتح المثنّاة فوقُ، للمخاطب على التخصيص لمعاذ؛ لكونه المخاطب، والتنبيه به على غيره.
[والثالث]: "يُعْبَدَ" بضم أوله، على ما لَمْ يُسمَّ فاعله، ويكون قوله: "شيئًا" كناية عن المصدر، لا عن المفعول به، أي لا يُشْرَك به إشراكًا، ويكون الجارّ والمجرور في قوله: "به" هو القائم مقام الفاعل، قال: وإذا لَمْ تُعَيِّن الرواةُ شيئًا من هذه الوجوه، فَحَقٌّ على من يروي هذا الحديثَ منّا أن ينطق بها كُلّها واحدًا بعد واحدٍ؛ ليكون آتيًا بما هو المقول منها في نفس الأمر جزمًا، والله تعالى أعلم انتهى كلام ابن الصلاح (١).
قال النووي رحمه الله تعالى بعد ما ذكر كلام ابن الصلاح: ما نصّه: وما ذكرناه أوّلًا صحيح في الرواية، والمعنى، والله تعالى أعلم، انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى من صحّة الرواية بضبط "يُعبد الله، ويُشرَك" بالبناء للمفعول، ورفع "شيء" على أنه
стр. 629
نائب الفاعل، هو المتعيّن؛ لأن ما صحّ رواية لا يجوز تعدّيه إلى غيره، وإن صحَّ عربيّة، فافهمه فإنه مهمّ جدًّا.
هذا بالنسبة لهذه الرواية هنا، وإلا فرواية البخاريّ في "كتاب التوحيد" من "صحيحه" عن محمد بن بشّار بسند المصنّف بلفظ: "أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا"، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ ("أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ) أي العباد (عَلَيْهِ) أي على الله تعالى حقًّا أوجبه على نفسه فضلًا منه ومنّةً، لا إيجابًا منهم عليه، كما سبق تحقيقه قريبًا (إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)، الإشارة إلى ما ذُكر من عبادته، وعدم إشراك شيء به (فَقَالَ) معاذ ﵁ (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ ("أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ") قد تقدّم البحث في هذه الجملة مستوفًى قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث معاذ بن جبل ﵁ هذا من رواية الأسود عنه متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١١/ ١٥٢) عن محمد بن المثنّى، وابن بشّار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي حَصِين، والأشعث بن سُليم، كلاهما عن الأسود بن هلال، عن معاذ بن جبل ﵁، وفي (١١/ ١٥٣) عن القاسم بن زكرياء، عن حسين الْجُعفيّ، عن زائدة، عن أبي حَصِين، عن الأسود به.
و (البخاريّ) في "التوحيد" (٨٣٧٣) عن محمد بن بشّار، عن غُنْدر به.
و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٢٨) عن عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي حَصِين به، وفي (٥/ ٢٢٩) عن محمد بن بشار به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 630
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٣] (٣٢) - (حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا، يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى النَّاسِ … " نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا في السند الماضي، سوى ثلاثة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب لجدّه، ثقة [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م، س ق) ٤/ ١١٦.
٢ - (حُسَيْنٌ) بن عليّ بن الوليد الْجُعفيّ مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد الكوفيّ المقريء، ثقة عابدٌ [٩].
رَوَى عن خاله الحسن بن الْحُرّ، والأعمش، وزائدة، وابن أبي رَوّاد، وحمزة الزيات، وإسرائيل بن موسى، وفضيل بن عياض، وجعفر بن بُرْقان، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وهارون الْحَمّال، ومحمد بن رافع، وجماعة، وقد روى عنه سفيان بن عيينة، وهو أكبر منه.
قال أحمد: ما رأيت أفضل من حسين، وسعيد بن عامر، وقال محمد بن عبد الرَّحمن الْهَرَويّ: ما رأيت أتقن منه، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو داود: سمعت قتيبة يقول: قيل لسفيان بن عيينة: قَدِمَ حسين الجعفي، فوَثَبَ قائمًا، فقيل له؟ فقال: قدم أفضل رجل يكون قط، وقال موسى بن داود: كنت عند ابن عيينة، فجاء حسين الجعفيّ، فقام سفيان، فقَبَّلَ يده، وقال ابن عيينة: عَجِبت لمن مَرّ بالكوفة، فلم يُقَبِّل بين عيني حسين الجعفي، وقال يحيى بن يحيى النيسابوريّ: إن بَقِي أحد من الأبدال، فحسين الجعفيّ، وقال أبو مسعود الرازيّ: أفضل مَن رأيت الْحَفَرِيُّ، وحسين الجعفيّ، وذكر غيرهما، وقال الحجاج بن حَمْزة: ما رأيت حسينًا الجعفيّ ضاحكًا ولا مبتسمًا، ولا سمعت منه كلمة رَكِنَ فيها إلى الدنيا، وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ عن الكسائيّ: قال لي هارون الرشيد: مَن أقرأ الناس؟ قلت: حسين بن علي الجعفيّ، وقال حُميد بن الربيع الخزاز: كان لا يحدث، فرأى منامًا، فشَرَعَ يُحَدِّث حتى كتبنا عنه أكثر
стр. 631
من عشرة آلاف، وقال العجليّ: ثقة، وكان يُقرئ القرآن، رأسٌ فيه، وكان صالِحًا، لَمْ أر رجلًا قط أفضل منه، وكان صحيح الكتاب، يقال: إنه لَمْ يطأ أُنثى قط، وكان جميلًا، وكان زائدة يختلف إليه إلى منزله يحدثه، فكان أروى الناس عنه، وكان الثوريّ إذا رآه عانقه، وقال: هذا راهب جُعْفَي، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: بَخٍ بَخٍ، ثقة، صدوق.
قيل: ولد سنة (١١٩)، ومات سنة (٣) أو (٢٠٤)، وجزم البخاريّ، وابن سعد، وابن قانع، ومُطَيَّن، وابن حبان في "الثقات" بأنه مات سنة (٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثًا.
[تنبيه]: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في "إكماله": قوله في هذا الحديث: من رواية القاسم بن زكرياء: حدثنا حسين، عن زائدة "هكذا هو في أكثر النُّسَخ، والأصول، ووقع في بعضها "حُصَين" بالصاد المهملة، وكذا وجدْتُه مُصْلَحًا في كتابي بخطّي "حُصَين" بالصاد المهملة، ولستُ أدري من أين كتبته؟ وهو خطأٌ، والصواب "حسين" بالسين، وكذا وجدته مُصْلَحًا مغيَّرًا من حُصَين في كتاب شيخنا القاضي أبي عبد الله التميميّ (١)، وهو حُسين بن علي الجعفي، مولى الجُعفيين، وقد تكررت روايته عن زائدة في غير موضع من هذا الكتاب، ولا يُعْرَف حُصَين بالصاد، عن زائدة، والله تعالى أعلم، انتهى (٢).
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٠) (ع) ٥/ ٥٢.
وقوله: (نحو حديثهم) يعني أن القاسم بن زكرياء، شيخ مسلم في الرواية الرابعة، رواه نحو رواية شيوخ مسلم الأربعة المذكورين في الروايات الثلاث المتقدّمة، وهم هَدَّابٌ، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثني، وابن بشار.
ورواية القاسم ساقها الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى في "المستخرج"، فقال:
стр. 632
١٤٠ - حدثنا أبو محمد بن حَيّان، ثنا محمد بن عبد الرَّحمن بن الحجاج بن جَمرة، ثنا جَدِّي، ثنا حسين الجعفيّ، ثنا زائدة، عن أبي حصين، عن الأسود بن هلال، سمعت معاذ بن جبل يقول: دعاني رسول الله ﷺ فأجبته، فقال: "هل تدري ما حق الله على الناس؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه، لا يشركوا به شيئًا"، ثم دعاني فأجبته، فقال: "هل تدري ما حق الناس على الله، إذا فعلوا ذلك؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم، وأن لا يدخلهم النار".
رواه مسلم عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
(١٢) - (بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْن، بَلْ لَا بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ)
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الترجمة تنبيهٌ على فساد مذهب غُلاة المرجئة القائلين: إن اللفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدلّ على فساده، بل هو مذهبٌ معلوم الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها؛ لأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطلٌ قطعًا، انتهى (٢).
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٥٤] (٣١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ
ورَوَى عنه ابن ابنه أحمد بن محمد بن عمر، وأبو عمرو الناقد، وأبو موسى، وبندار، وإسحاق بن وهب الْعَلّاف، وأبو خيثمة، والعباس العنبريّ، ومحمود بن غيلان، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ، ولم أسمع منه، وقال ابن معين: والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُتَّقَى حديثُهُ من رواية ابن ابنه عنه؛ لأنه كان يقلب الأخبار، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في "كتاب أحكام القرآن": ثنا عليّ - هو ابن المدينيّ - ثنا عمر بن يونس اليماميّ، وكان ثقةً ثبتًا، ووَثَّقه أبو بكر البزار، ويقال: مات سنة ست ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عَمّار اليماميّ، بصري الأصل، صدوقٌ يَغْلَطُ [٥].
روى عن الْهِرْماس بن زياد، وله صحبة، وإياس بن سلمة بن الأكوع، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسماك بن الوليد الحنفي، وضَمْضَم بن جَوْس، وأبي كثير السُّحَيمِيّ، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوريّ، ووكيع، ويحيى القطان، وابن المبارك، وابن مهديّ، وعمر بن يونس اليماميّ، وعلي بن ثابت الْجَزَريّ، وغيرهم.
قال المفضل الْغَلّابيّ: حدثنا رجل من أهل اليمامة، وسألته عن عكرمة، فقال: هو عكرمة بن عمار بن عقبة بن حَبِيب بن شِهَاب بن ذُبَاب بن الحارث بن حمصانة بن الأسعد بن جُذَيْمَة بن سعد بن عِجْل، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: عكرمةُ مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وقال أيضًا عن أبيه: عكرمةُ مضطرب الحديث، عن غير إياس بن سلمة، وكان حديثه عن إياس صالِحًا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أحمد يُضَعِّف رواية أيوب بن عتبة، وعكرمة بن عَمَّار، عن يحيى بن أبي كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين، وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله، هل كان باليمامة أحدٌ يُقَدَّم على عكرمة اليماميّ، مثلُ أيوب بن عُتبة، ومُلازم بن عمرو، وهؤلاء؟ فقال: عكرمة فوق هؤلاء، أو نحو هذا، ثم قال: رَوَى عنه شعبة أحاديث، وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الغلابي، عن يحيى: ثبتٌ، وقال ابن
стр. 635
أبي خيثمة، عن ابن معين: صدوقٌ ليس به بأس، وقال أبو حاتم، عن ابن معين: كان أُمِّيًّا، وكان حافظًا، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أيوب بن عُتبة أحبّ إليك، أو عكرمة بن عمار؟ فقال: عكرمة أحب إليّ، وأيوب ضعيف، وقال ابن المدينيّ: أحاديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير، ليست بذاك، مناكير، كان يحيى بن سعيد يُضَعّفها، وقال في موضع آخر: كان يحيى يضعف رواية أهل اليمامة، مثل عكرمة، وضَرْبِه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن عليّ بن المدينيّ: كان عكرمة عند أصحابنا ثقةً ثبتًا، وقال العجليّ: ثقة، يَرْوي عنه النضر بن محمد ألف حديث، وقال البخاريّ: مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، ولم يكن عنده كتاب، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، كان أحمد بن حنبل يُقَدِّم عليه ملازم بن عمرو، وقال النسائيّ: ليس به بأس، إلَّا في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال أبو حاتم: كان صَدُوقًا، ورُبَّما وَهِمَ في حديثه، وربما دَلَّسَ، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط، وقال الساجيّ: صدوقٌ وثقه أحمد ويحيي، إلَّا أن يحيى بن سعيد ضعفه في أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير، وقَدَّم مُلازمًا عليه، وقال محمد بن عبد الله بن عَمّار: عكرمة بن عمار ثقة عندهم، ورَوَى عنه ابن مهديّ، ما سمعت فيه إلَّا خيرًا، وقال في موضع آخر: هو أثبت من مُلازم، وهو شيخُ أهل اليمامة، وقال علي بن محمد الطنافسيّ: ثنا وكيعٌ، عن عكرمة بن عمار، وكان ثقة، وقال صالح بن محمد الأَسَديّ: كان يتفرد بأحاديث طوال، ولم يَشْرَكه فيها أحد، قال: وقَدِمَ البصرة، فاجتمع إليه الناس، فقال: إلا أراني فقيهًا وأنا لا أشعر، وقال صالح بن محمد أيضًا: إن عكرمة بن عمار صدوق، إلَّا أن في حديثه شيئًا، روى عنه الناس، وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: ثقةٌ، رَوَى عنه الثوريّ، وذكره بالفضل، وكان كثير الغلط، ينفرد عن إياس بأشياء، وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا، وفي حديثه نُكْرَةٌ، وقال الدارقطنيّ: ثقة، وقال ابن عديّ: مستقيم الحديث، إذا روى عنه ثقة، وكذا ذكر ابن حبان في "الثقات"، وقال: في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطرابٌ، كان يُحَدِّث من غير كتابه، وقال أبو أحمد الحاكم: جُلُّ حديثه عن يحيي، وليس بالقائم، وقال يعقوب بن