ولم يَرُدُّهُ؛ لأن الهاء خفيَّة، فلم يُعتدّ بها، فكأنّ الدال قد وليَهَا الألف والواو، وحَكَى ثعلبٌ التثليث قبل هاء الغائب، وغُلِّط في جواز الفتح، وأما الكسر فالصحيح أنه لُغيّةٌ، سَمِعَ الأخفشُ مُدِّه، وغُطِّه، وحكى الكوفيّون التثليث قبل كلّ منهما.
وإذا اتْصل بآخر الفعل ساكنٌ، فأكثرهم يكسره، كرُدّ القوم بالكسر؛ لأنَّها حركة لالتقاء الساكنين، وبنو أسد تفتحه؛ تخفيفًا، وحَكَى ابن جني ضمَّهُ؛ إتباعًا، وقد رُوي بهنّ قول جرير [من الوافر]:
فَغُضُّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ … فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا
نعم الضمّ قليلٌ، ولذا أنكره في "التسهيل".
وإن لم يتّصل الفعل بشيء من ذلك، ففيه ثلاث لغات: الفتح؛ للخفّة مطلقًا، أي سواء كان مضموم الفاء، كرُدُّ، أو مكسورها، كفِرَّ، أو مفتوحها، كعَضَّ، وهو لغة أسد وغيرهم، والكسر مطلقًا، على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، وهو لغة كعب، والإتباع لحركة الفاء، كرُدُّ بالضمّ، وفِرِّ بالكسر، وعَضَّ بالفتح، وهذا أكثر في كلامهم. ذكره الخضريّ في "حاشيته" (١).
وقد نظم بعضهم هذه القاعدة، فقال:
إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا … آخِرُهُ كَـ "لَا تَضُرِّ أَحَدَا"
فَاكْسِرْهُ مُطْلَقًا لِقَوْمٍ وَافْتَحَا … لآخَرِينَ ثُمَّ إِنَّ الْفُصَحَا
مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ يَلْقَى ساكِنَا … يَأتُونَ بِالْكَسْرِ كَـ "سُرِّ الْحَزَنَا"
ثَالِثَةُ اللُّغَاتِ أَنْ يُتْبَعَ مَا … يَلِي فَإِثْرَ ضَمِّهِ لَهُ اضْمُمَا
وَافْتَحْهُ بَعْدَ فَتْحَةٍ أَوْ أَلِفِ … وَبَعْدَ كَسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي
إِلَّا بِنَحْوِ "مُسُّهُ" وَ"فِرُّهُ" … فَالضَّمُّ عِنْدَهُمْ كَـ "لَا تُمِرُّهُ"
وَنَحْوَ "رُدَّهَا" وَ"حُبَّهَا" افْتَحَا … لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ وَضَحَا
وَنَحْوَ "غُضِّ الطَّرْفَ" "عَضِّ اللَّحْمَا" … فَاكْسِرْهُ لِلسَّاكِنِ فَابْغِ الْعِلْمَا (٢)
(وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) يعني: أنهم، وإن لَمْ ينتفعوا بأكله، إلَّا أنه إذا
стр. 562
مُصّ جلب العطش، فشربوا الماء، وتقوَّوا بذلك (قَالَ) الظاهر أن الضمير لأبي هريرة ﵁ (فَدَعَا عَلَيْهَا) أي دعا رسول الله ﷺ على ما أتوا به من بقيّة الأزواد (حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ) غاية لمحذوف، أي فأمرهم بالأخذ منها، فأخذوا حتى ملؤوا أزودتهم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا الرواية - "أزودتهم" - وصوابه مزاودهم، فإنها هي التي تُمْلأُ بالأزودة، وهي جمع زاد، فسمّي المزاد أزودةً باسمها؛ لأنَّها تُجعل فيها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وقد عبّر عنها في الرواية الأخرى بالأوعية. انتهى (١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "أزودتهم" كذا الرواية فيه في جميع أصول شيوخنا، و"الأزودة" غير الأوعية، كما قال في الحديث الآخر: "أوعيتهم"، ولعلّه "مَزَاودهم"، أو سمّى الأوعية بما فيها، كما سُمِّيت الأسقية "رَوَايَا" بحامليها، وإنما الرَّوَايَا الإبلُ التي تحملها، وسُمّيت النساء ظعائن باسم الهودج التي حُمِلت فيها. انتهى (٢).
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "الأَزْوِدَة: جمع زاد، وهي لا تُمْلأُ، إنما تُمْلأُ بها أوعيتُهَا، قال: ووجهه عندي أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهل القرية، وبلغنا عن ابن جني أن في القرآن العظيم زُهاء ألف موضع فيه حذفُ المضاف، وإقامة المضاف إليه، أو يكون ذلك من قبيل المقلوب الذي من أمثلته قول الشاعر [من الكامل]:
كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ كَمَا … كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
وليس هذا مخصوصًا بضرورة الشعر، كما زعم ابن قتيبة، بل من عادات العرب قلبهم الكلام عند اتّضاح المعنى توسّعًا في فُنون المخاطبات، ومما ذكروا من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: بلغت الكبر.
стр. 563
قال: فاعلم ذلك، فإنه حرف مشكلٌ، لَمْ أرهم شرحوه إلَّا ما كان من القاضي عياض، فإنه ذكر فيه أنه يحتمل أنه سَمَّى الأوعية بما فيها، كما سُمّيت الأسقية رَوَايَا بحاملها، وإنما الروايا الإبل التي تحملها، وسُمِّيت النساء ظعائن باسم الْهَوَادج التي حُمِلت فيها، وما قاله غير مسلَّم، وتسمية رَوَايَا من توليد العامّة، والأمر في الظعائن على العكس مما ذكره، فإن صفة الظَّعْن للنساء بالأصالة. انتهى كلام ابن الصلاح (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب ابن الصلاح على القاضي عياض فيه نظر لا يخفي، فإن ما قاله قد أثبته أهل اللغة، فراجع "القاموس"، و"شرحه"، و"لسان العرب".
والحاصل أن تأويل القاضي ليس ببعيد، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو هريرة ﵁ (فَقَالَ) ﷺ (عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند معاينته ظهور البركة على ما دعا فيه بالبركة من بقيّة الأزواد ("أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بكلمتي الشهادة المذكورتين (عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا) بنصب "غير" على الحال (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ").
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من لَقِي الله تعالى، وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله دخل الجَنَّة، ولا يدخل النار، وهذا صحيحٌ فيمن لقي الله تعالى بريئًا من الكبائر، فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة، ولم يَتُبْ منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعيّ أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقبضة يَقْبِضُهَا الله تعالى التي وردت في الحديث الصحيح كما سيأتي في أحاديث الشفاعة - إن شاء الله تعالى - أو بما شاء الله تعالى، فدلّ ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره، فيتعيّن تأويله، ولأهل العلم فيه تأويلان:
[أحدهما]: أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من
стр. 564
أهل الكبائر، ممن يشاء الله تعالى أن يَغفِر له؛ ابتداءً من غير توبة كانت منهم، ولا سبب يقتضي ذلك، غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا على مذهب أهل السنّة والجماعة، خلافًا للمبتدعة المانعين تفضّل الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردود بالأدلّة العقليّة والنقليّة.
[وثانيهما]: أنهم لا يُحجبون عن الجنّة بعد الخروج من النار، وتكون فائدته الأخبار بخلود كلّ من دخل الجَنَّة فيها، وأنه لا يُحجب عنها، ولا عن شيء من نعيمها. انتهى (١).
وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى (٢).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا (١٠/ ١٤٥) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر عن أبي النضر، عن عُبيد الله الأشجعيّ، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرّف، عن أبي صالح، عنه.
وفي (١٠/ ١٤٦) عن سهل بن عثمان، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد (شكّ الأعمش).
(والنسائيّ) في "السير" من "الكبرى" (٨٧٩٤) عن أبي بكر بن أبي النضر به، (ح) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن عبد الله، عن عبد العزيز، عن سهيل بن أبي صالح - (ح) عن أحمد بن سليمان، عن قتادة بن الفُضَيل، عن الأعمش - كلاهما عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁.
стр. 565
و (٨٧٩٥) عن موسى بن عبد الرَّحمن الْمَسروقيّ، عن أبي أسامة، عن مالك بن مِغْول، عن طلحة، عن أبي صالح: "بينما النبيّ ﷺ … "، فذكره مرسلًا، ولم يذكر أبا هريرة ﵁. و (أحمد) ٢/ ٤٢١ و ٣/ ١١، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١ و ١٣٢) و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣ و ١٤ و ١٥ و ١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان استدراك الإمام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى على إسناد هذا الحديث.
(اعلم): أن هذا الإسناد، والإسناد الذي بعده مما استدركه الدارقطنيّ رحمه الله تعالى، وعَلَّله:
فأما الأول فعلله من جهة أن أبا أسامة وغيره خالفوا عُبيدَ الله الأشجعيّ فرووه عن مالك بن مِغْوَل عن طلحة، عن أبي صالح مرسلًا.
وأما الثاني فعلله؛ لكونه اختُلِف فيه عن الأعمش، فقيل فيه أيضًا عنه عن أبي صالح، عن جابر، وكان الأعمش يَشُكّ فيه.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: هذان الاستدراكان من الدارقطني مع أكثر استدراكاته على البخاريّ ومسلم قَدْحٌ في أسانيدهما غير مُخْرِج لمتون الأحاديث من حَيِّز الصحة، وقد ذكر في هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقيّ الحافظ فيما أجاب الدارقطنيّ عن استدراكاته على مسلم رحمه الله تعالى أن الأشجعيّ ثقة مُجَوِّد، فإذا جَوَّدَ ما قَصَّر فيه غيره حُكِمَ له به، ومع ذلك فالحديث له أصلٌ ثابتٌ عن رسول الله ﷺ برواية الأعمش له مُسنَدًا، وبرواية يزيد بن أبي عُبيد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، عن سلمة ﵁.
قال الشيخ: رواه البخاريّ، عن سلمة ﵁ عن رسول الله ﷺ .
وأما شَكُّ الأعمش فهو غير قادح في متن الحديث، فإنه شَكٌّ في عين الصحابيّ الراوي له، وذلك غير قادح؛ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدولٌ. انتهى كلامُ أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى (١).
стр. 566
وقال النوويّ رحمه الله تعالى - بعد ذكر كلام ابن الصلاح -: وهذان الاستدراكان لا يستقيم واحد منهما، أمّا الأول، فلأنا قدّمنا في الفصول السابقة أن الحديث الذي رواه بعض الثقات موصولًا، وبعضهم مرسلًا، فالصحيح الذي قاله الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحققون من المحدثين، أن الحكم لرواية الوصل، سواء كان راويها أقلّ عددًا من رواية الإرسال، أو مساويًا؛ لأنَّها زيادة ثقة، فهذا موجودٌ هنا، وهو كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ جَوَّد، وحَفِظَ ما قَصَّر فيه غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن الحكم للوصل مطلقًا، ليس مذهب المحقّقين من أهل الحديث، فإنهم إنما يحكمون على ما يظهر لهم من القرائن، فربّما حكموا للوصل، وربّما حكموا للإرسال، فليست المسألة تدخل تحت ضابط كليّ، بل لهم في كلّ سند دراسة خاصّة، كما أسلفنا تحقيق ذلك فيما سبق من "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد (١)، والله تعالى وليّ التوفيق.
وأما الثاني فلأنهم قالوا: إذا قال الراوي: حَدَّثَني فلان أو فلان، وهما ثقتان احتُجَّ به بلا خلاف، لأن المقصود الرواية عن ثقة مُسَمَّي، وقد حَصلَ، وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغداديّ في "الكفاية"، وذكرها غيره، وهذا في غير الصحابة، ففي الصحابة أولى؛ فإنهم كُلَّهم عُدُولٌ، فلا غَرَضَ في تعيين الرواي منهم. انتهى (٢).
وإلى القاعدة أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
وَمَنْ يَقُلْ "أَخْبَرَنِي فُلَانٌ اوْ … هَذَا "لِعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا
فَإِنْ يَقُلْ "أَوْ غَيْرُهُ" أَوْ يُجْهَلِ … بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا لَا تَقْبَلِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): أن من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعًا، وهذا هو الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراده في هذا المحلّ.
стр. 567
٢ - (ومنها): أن في هَمِّ النبيّ ﷺ بذبح بعض حمائلهم بيانَ مراعاة المصالح، وتقديم الأهمّ فالأهمّ، وارتكاب أخفّ الضررين، لدفع أشدّهما.
٣ - (ومنها): أن في قول عمر ﵁: لو جمعتَ ما بقي من أزواد القوم إلخ"، بيانَ جواز عَرْض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحةً؛ لينظر الفاضل فيه، فإن ظَهَرت له مصلحةٌ فعله.
٤ - (ومنها): جوازُ خَلْط المسافرين أزوادهم، وأكلهم منها مجتمعين، وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد نصّ العلماء على أن ذلك سنة، وهو نظير مدح النبيّ ﷺ للأشعريين ﵃ في جمعهم الأزواد إذا قلّت، وتقاسمهم إياها بالسويّة، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قَل طعام عيالهم بالمدينة، جَمَعُوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم منيّ، وأنا منهم" (١).
٥ - (ومنها): أنّ فيه عَلَمًا من أعلام النبوة الظاهرة، وما أكثر نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر، ويحصل العلم القطعي بها، وقد جمعها العلماء، وصَنَّفُوا فيها كُتُبًا مشهورة.
قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وهو بابٌ عُلِم على القطع والتواتر؛ لترادف الأحاديث بمعناه من تكثير الطعام القليل، وقد جمعنا مشهور أحاديث هذا الباب، ومن رواه من الصحابة، ومن حَمَلَهُ عنهم من التابعين في "باب معجزات نبيّنا ﷺ من كتابنا المسمَّى بـ "الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ ".
ولأن هذا الحديث ومثله إذا رواه الصحابيّ الواحد، وذكره عن المواطن المشهورة، والغزوات المحضورة، والجموع الْحَفِلَة، وحدَّث به عنهم بما شاهدوه، وجرى بحضرته، وهم غير منكرين، ولا مكذّبين، مع أنهم الملأ لا يقرّون على منكر، ولا يُداهنون في غير الحقّ، كان إقرارهم على خبره، وسكوتهم على ما حدّث به عن ملئهم كالنطق، ولَحِقَ خبره، وإن كان واحدًا بخبر التواتر الصدق. انتهى (٢).
стр. 568
٦ - (ومنها): أن فيه ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه، وإخراجه عن أيديهم إلَّا بإذن الإمام؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم، وكذلك الحكم في أسلحتهم، وجميع ما يحتاجون إليه في غزوهم (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤئف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٦] (٢٨) - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ جَمِيعًا، مَنْ أَبِي مُعَاوَيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَذَثنا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنِ الْأَعْمَش، مَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - شَكَّ الْأَعْمَشُ - قَالَ: لَمَّا كَانَ فَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا، فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "افْعَلُوا"، قَالَ: فَجَاء عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْع اللهَ لَهمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَة، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ"، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ، فَبَسطَهُ، ثمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَة، ثُمَّ قَالَ: "خُذُوا أَوْعِيَتِكُمْ"، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الكنديّ، أبو مسعود العَسكَريّ، نزيل الرَّيّ، ثقةٌ، حافظ، له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) (م) ٥/ ١٢٠.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) ٦/ ١١٤.
стр. 569
٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار ٩١، (ت ١٩٥) (ع) ٤/ ١١٦.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ قارئ يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٠٢.
٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمان الزيات المذكور في السند الماضي.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةُ) ﵁ المذكور في السند الماضي.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تقدم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٤٧٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه الأول، فمن أفراده، وأما شيخه الثاني فمن المشايخ التسعة الذين اشترك في الرواية عنهم أصحاب الكتب الستة دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي كريب، وأما سهل، فرازيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قولَه: "قال أبو كريب: حدّثنا إلخ" ومعناه أن أبا كريب صرّح بتحديث أبي معاوية له مع الجماعة، بخلاف سهل، فلم يُصرّح به، وهذا من احتياطات المصنّف، ومحافظته على ألفاظ الشيوخ، وقد سبق مثله غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى لأحاديث الأعمش، والأعمش أكثر الرواية عن أبي صالح، فقد روى عنه ألف حديث، وأبو صالح من أكثر أصحاب أبي هريرة ﵁ روايةً عنه.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن أبا هريرة، وأبا سعيد ﵄ من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
١٤٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَوْ) للشكّ من الراوي (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁ (شَكَّ الْأَعْمَشُ) أي في كون الحديث من مسند أبي هريرة، أو
стр. 570
من مسند أبي سعيد الخدريّ، ولكن هذا الشكّ لا يضرّ، كما مرّ إيضاحه في المسألة الثالثة من مسائل الحديث الماضي (قَالَ) أبو هريرة، أو أبو سعيد (لَمَّا كَانَ) تامّة بمعنى جاء ووقع، فلا تحتاج إلى خبر، بل تكتفي بمرفوعها، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
........................ … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وقال الحريريّ في "مُلحة الإعراب":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
(غَزْوَةُ تَبُوكَ)، هكذا في معظم النسخ، ووقع في بعض النسخ: "لَمّا كان وقت غزوة تبوك"، بزيادة لفظة "وقت"، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه "يوم غزوة تبوك"، والمراد باليوم هنا الوقت والزمان، لا اليوم الذي هو ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وليسس في كثير من الأصول، أو أكثرها ذكر اليوم هنا. انتهى.
و"الْغَزْوَةُ" - بفتح، فسكون - والجمع غَزَوات، مثلُ شَهْوَةٍ وشَهَوَات، قال ابن الأثير: الْغَزْوَةُ: المرّة من الْغَزْو، والاسمُ الْغَزَاةُ - أي بفتحتين - وجمع الغازي: غُزَاةٌ، وغُزًّى، وغَزِيٌّ، وغُزّاءٌ، كقُضَاةٍ، وسُبَّقٍ، وحَجِيجٍ، وفُسّاقٍ،
وأغزيتُ فلانًا: إذا جهّزته للغزو، والْمَغْزَى والْمَغْزَاةُ: موضع الْغَزْو، وقد يكون الغَزْوُ نفسه. انتهى (١).
و"تَبُوك" - بفتح التاء، وضمّ الباء - هي طرف الشام، من جهة القبلة، وبينها وبين المدينة نحو أربعة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلةً، وكانت غزوة النبيّ ﷺ تبوك سنة تسع من الهجرة، ومنها راسل عظماء الروم" وجاء إليه ﷺ من جاء، وهي آخر غزواته بنفسه، قال الأزهريّ: أقام النبيّ ﷺ بتبوك بضعة عشر يومًا، والمشهور ترك صرف تبوك؛ للتأنيث والعلَميّة، قاله النوويّ في "تهذيبه" (٢).
وقال الفيّوميّ: بَاكَ الحمارُ الأَتَانَ يَبُوكَهَا بَوْكًا: نَزَا عليها، وباكتِ الناقةُ
стр. 571
تَبُوكُ بَوْكًا: سَمِنَت، فهي بائك، بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غَزْوة تبوك؛ لأن النبيّ ﷺ غَزَاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية من البُؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ، ثم سُمّيت البقعة تبوك بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريب من مدين الذين بعثَ اللهُ تعالى إليهم شعيبًا ﵇. انتهى (١).
وذكر المرتضى في "التاج" أنه اختُلف في وزن تبوك، ووجه تسميتها، قال الأزهريّ: فإن كانت التاء أصليّةً، فلا أدري مم اشتقاق تبوك، وإن كانت للتأنيث في المضارع، فهي من باكت تبوك، ثم قال: وقد يكون تبوك على تَفْعول. انتهى (٢).
[تنبيه]: قيل: سبب غزوة تبوك هو ما رواه البيهقي في "دلائل النبوّة" عن الحاكم، عن أحمد بن عبد البربار العُطَارديّ، عن يونس بن بكرٍ، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرَّحمن بن غَنْم، أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ يومًا فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبيّ، فالْحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فَصدَّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك، لا يريد إلَّا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله آيات من سورة بني إسرائيل، بعد ما خُتِمَت السورة: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]، فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: "فيها محياك ومماتك، ومنها تُبْعَث".
قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبيّ ﷺ لَمْ يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، وغزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ ممن قَتَلَ
стр. 572
أهلُ مؤتة من أصحابه، والله أعلم، ولو صَحَّ هذا لَحُمِل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن معدان، عن سُلَيم بن عامر، عن أبي أمامة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام"، قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس. انتهى كلام ابن كثير (١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ) - بفتح الميم، وتخفيف الجيم -: هو الجوع الشديد (قَالُوا) أي الصحابة الذين معه في الغزو، قال سبط ابن الْعَجَميّ في "التنبيه": لا أعرف أعيانهم، انتهى (٢) (يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَذِنْتَ لنَا) بكسر الذال، يقال: أَذِنتُ له في كذا، من باب عَلِمَ: إذا أطلقت له فعله (٣).
وقولهم: "لو أذنت لنا"، من أحسن آداب خطاب الكبار، والسؤال منهم، فيقال: لو فعلتَ كذا، أو أمرت بكذا، أو لو أَذِنت في كذا، وأشرت بكذا، ومعناه لكان خيرًا، أو لكان صوابًا، ورأيًا متينًا، أو مصلحة ظاهرة، وما أشبه هذا، فهذا أجملُ من قولهم للكبير: افْعَلْ كذا بصيغة الأمر.
وفيه أنه لا ينبغي لأهل العسكر من الْغُزَاة أن يُضَيِّعُوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلَّا إذا رأى مصلحةً، أو خاف مفسدةً ظاهرةً. والله تعالى أعلم (٤).
(فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا) النواضحُ: من الإبل التي يُسْتَقَى عليها، قال أبو عبيد: الذَّكَر منها ناضح، والأُنثى ناضحة، وقال الفيّوميّ: ونَضَحَ البعير الماءَ: حمله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضحٌ، والأنثى ناضحةٌ بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه يَنْضَحُ العطشَ، أي يَبُلّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لَمْ يحمل الماء، والجمع نواضح. انتهى (٥).
стр. 573
(فَأَكَلْنَا وَادِّهَنِّا) قال صاحب "التحرير": ليس مقصودهم ما هو المعروف من الادِّهَان، وإنما معناه اتَّخَذنا دُهْنًا من شُحُومها. انتهى.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "افْعَلُوا") أي انحروا نواضحكم، فكلوا، وادّهنوا (قَالَ) الراوي، أبو هريرة، أو أبو سعيد (فَجَاءَ عُمَرُ) بن الخطّاب ﷺ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ فَعَلْتَ)، أي: إن أذنت لهم فيما طلبوه من نحر نواضحهم (قَلَّ الظَّهْرُ)، قال في "اللسان": "الظَّهْرُ": الرِّكَاب التي تَحْمِل الأثقال في السفر؛ لحملها إياها على ظهورها، وبنو فلان مُظْهِرُون، إذا كان لهم ظَهْرٌ ينقلون عليه، كما يقال: مُنجِبون، إذا كانوا أصحاب نَجَائب، وقال أيضًا: "الظَّهْرُ" الإبل التي يُحْمَلُ عليها ويُركَب، يقال: عند فلان ظَهْرٌ: أي إبل، ويُجمع على ظُهْرَان بالضمّ. انتهى باختصار (١).
وقال النوويّ في "شرحه": المرادـ "الظهْرِ" هنا: الدَّوَابُّ، سُمِّيت ظهرًا؛ لكونها يُركَبُ على ظهرها، أو لكونها يُستَظهر، ويُستعان بها على السفر.
وفيه جواز الإشارة على الأئمة والرؤساء، وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه، إذا ظهرت مصلحته عنده، وأن يشير عليه بإبطال ما أَمَرُوا بفعله (٢).
(وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ)، أي مرهم بأن يأتوا بما فَضَل من أزوادهم (ثُمَّ ادْعُ اللهَ) تعالى (لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ) أصل البركة: كثرةُ الخير، وثبوته، وتبارك الله: ثبت الخير عنده، وقيل: غير ذلك (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ) هكذا وقع في الأصول التي رأيناها، وفيه محذوف تقديره: "يَجْعَلُ في ذلك بركةً، أو خيرًا، أو نحو ذلك"، فحذف المفعول به؛ لأنه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ") تقدّم أنَّها للتصديق، إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، وللوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم، ونحو كلام عمر ﵁ هنا؛ إذ قوله: "ادعهم بفضل أزوادهم" طلبٌ، والطلب
стр. 574
مستقبل، فيكون قوله ﷺ : "نعم" وعدًا منه بأن يدعوهم إلى ذلك.
(قَالَ) الراوي (فَدَعَا) ﷺ " (بِنِطَعٍ) فيه أربع لغات مشهورة: أشهرُها كسر النون مع فتح الطاء، والثانية فتحهمَا، والثالثة فتح النون مع إسكان الطاء، والرابعة كسر النون مع إسكان الطاء، وهو الْمُتَّخذ من الأَدِيم معووف، والجمع: أَنْطَاع، ونُطُوعٌ (١).
(فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ) الراوي (فَجَعَلَ) أي شرع (الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُر) أي بمقدار ما يملأ كفّه، وفيه إشارة إلى قلّته، و"الذّرَة" بضم الذال المعجمة، وفتح الراء المخفّفة: حبّ معروف، ولامها محذوفة، والأصل ذُرَؤ، أي ذُرَيٌ، فحُذِفت اللام، وعُوّضَ عنها الهاء، قاله في "المصباح" (قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ) تقدّم ضبطها ومعناها في الحديث الماضي (قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ) بكسر فسكون: القطعة من الخبز، جمعه كِسَرٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ (حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ويَسِيرٌ) أي قليل (قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ) أي بأن يزداد حتى يكفي الجميع (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : ("خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ) جمع وعاء بالكسر: ما يُوعَي، أي يُجمع فيه الشيءُ (قَالَ) الراوي (فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا) نافية (تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ) بفتح، فسكون: الجيش، قال الْجُوَاليقيُّ: فارسيّ مُعَرَّب (وِعَاءً إِلا مَلَئُوهُ، قَالَ) الراوي (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا) بكسر المودعّدة (وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ) يقال: فَضَلَ، وفَضَلَ بكسر الضاد، وفتحها - لغتان مشهورتان، قال في "المصباح": فَضَلَ فَضْلًا، من باب قَتَلَ: بَقِيَ، وفي لغة فَضِلَ يَفْضَلُ، من باب تَعِبَ، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ لغةٌ ليست بالأصل، ولكنّها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم: نَعِمَ يَنْعُمُ، وَنَكِلَ يَنْكُلُ، وفي المعتلّ: دِمْتَ تَدُوم، ومِتَّ تَمُوتُ. انتهى (٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) اعترافًا بفضل الله تعالى، وبيانًا للناس أنه بمحض فضله، وأنه لا دخل له في ذلك، وإنما هو رسول مبلّغ عن الله ، فاستجاب الله تعالى دعوته، وأنزل له البركة في ذلك الطعام تصديقًا لكونه
стр. 575
رسوله بالحقّ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بهاتين الكلمتين (عَبْدُ) حال كونه (غَيْرَ شَاكٍّ) في مدلولهما (فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه بنصب"يُحجب"، ورفعه، فالنصب بإضمار "أن" بعد الفاء في جواب النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْي أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
وهذا الوجه هو الأَظهر، والأجود، وفي الرفع إشكالٌ؛ لأنه يرتفع على أن يكون خبرًا لمبتدإ محذوف، تقديره: فهو يُحجب، وهو نقيض المقصود، فلا يستقيم المعنى حتى يقدّر "لا" النافية، أي: فهو لا يحجب، ولا تُحذف "لا" النافية في مثل هذا. انتهى (١).
وتخريج الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به تقدّما في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٧] (٢٩) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِه، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) - بضم الراء مصغرًا - الهاشميّ مولاهم، أبو الفضل الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠].
رَوَى عن هشيم، والوليد بن مسلم، ومُعَمَّر بن سليمان، ويحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن علية، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم.
стр. 576
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وروى له البخاريّ حديثًا في فضل العتق، والنسائي آخرَ بواسطة صاعقة، وأحمد بن عليّ المروزيّ، ورَوَى عنه البخاريّ في غير "الجامع" بلا واسطة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عبيد الله بن الْمُنَادي، وغيرهم.
قال صالح بن محمد: كان يحيى بن معين يوثِّقه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الدارقطنيّ: ثقة نَبِيل، وقال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في سنة (٢٣٩)، زاد غيرهما في شعبان، وهو قول الكلاباذيّ تبعًا للبخاريّ في "تاريخه"، وكذا قال السَّراج، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاريّ وغيره، مات بعدما عَمِيَ، ووَهِمَ ابن حزم، فقال إِثْرَ حديث أخرجه من روايته في "كتاب الحدود" من "الإيصال": داود بن رُشَيد ضعيف.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْقُرَشِيُّ (١)، مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو العبّاس الدَّمَشقيّ، ثقة، عالم الشام، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والأوزاعيّ، وابن جريجٍ، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، والثوريّ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وثور بن يزيد، وحنظلة بن أبي سفيان، وبكر بن مُضَر، وإسماعيل بن رافع، وغيرهم.
وروى عنه الليث بن سعد، وهو من شيوخه، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن وهب، وهما من أقرانه، والْحُمَيديّ، وسليمان بن عبد الرَّحمن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المدينيّ، وأبو خيثمة، وداود بن رُشيد، وإبراهيم بن المنذر، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال حماد كاتِبُهُ عنه: جالست ابن جابر سبع عشرة سنة، وعنه قال: كنت إذا أردت أن أسمع من شيخ، سألت عنه الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وقال الفضل بن زياد، عن
стр. 577
أحمد: ليس أحدٌ أروى عن الشاميين من إسماعيل بن عياش، والوليد، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما رأيت أعقل منه، وقال إبراهيم بن المنذر: سألني علي بن المديني أن أُخرج له حديث الوليد، فقلت له: سبحان الله وأين سماعي من سماعك؟ فقال: الوليد دخل الشام، وعنده علم كثير ولم أستمكن منه، قال: فأخرجته له، فتعجب من فوائده، وجَعَلَ يقول: كان يكتب على الوجه، وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ثنا عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن الوليد، ثم سمعت من الوليد، وما رأيت من الشاميين مثله، وقد أغرب بأحاديث صحيحة، لَمْ يَشْرَكه فيها أحدٌ، وقال أحمد بن أبي الْحَوَارِ: قال لي مروان - بن محمد: إذا كتبت حديث الأوزاعيّ عن الوليد، فما تبالي من فاتك، وقال مروان أيضًا: كان الوليد عالِمًا بحديث الأوزاعيّ، وقال أبو مسهر: كان الوليد معتنيًا بالعلم، وقال أيضًا: كان من ثقات أصحابنا، وفي رواية من حفاظ أصحابنا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال لي أحمد: عندكم ثلاثةٌ أصحاب حديث: مروان بن محمد، والوليد، وأبو مُسْهِر، وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الناس عند إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم، فأما الوليد فمَضَى على سنته محمودًا عند أهل العلم، متقنًا صحيحًا، صحيحَ العلم، وقال العجليّ، ويعقوب بن شيبة: الوليد بن مسلم ثقة، وقال محمد بن إبراهيم: قلت لأبي حاتم: ما تقول في الوليد بن مسلم؟ قال: صالح الحديث، وقال أبو زرعة الرازيّ: كان الوليد أعلم من وكيع بأمر المغازي، وقال ابن جَوْصاء: لَمْ نزل نسمع أنه مَن كَتَبَ مصنفات الوليد صَلَحَ أن يلي القضاء، قال: ومصنفات الوليد سبعون كتابًا، وقال صدقة بن الفضل المروزيّ: قَدِمَ الوليد مكة، في رأيت أحفظ للطوال والملاحم منه، فجعلوا يسألونه عن الرأي، ولم يكن يحفظ، ثم رجع وأنا بمكة، وإذا هو قد حَفِظَ الأبواب، وإذا الرجل حافظٌ متقنٌ، وقال الحميديّ: قال لنا الوليد بن مسلم: إن تركتموني حدثتكم عن ثقات شيوخنا، وإن أبيتم فاسألوا نحدثكم بما تسألون.
وقال الْفَسَويّ: سألت هشام بن عمار عن الوليد، فأقبل يَصِفُ علمه، وورعه، وتواضعه، وقال ابن اليمان: ما رأيت مثله، وقال الآجريّ: سألت أبا
стр. 578
داود عن صدقة بن خالد، فقال: هو أثبت من الوليد، الوليدُ رَوَى عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصلٌ، منها أربعة عن نافع، وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديثُ ما سَمِعَ وما لَمْ يَسْمَع، وكانت له منكرات، منها حديثُ عمرو بن العاص: "لا تُلَبّسُوا علينا ديننا" (١)، في هذا عن النبيّ ﷺ ، وقال عبد الله بن أحمد: سئل عنه أبي، فقال: كان رَفّاعًا. وقال الإسماعيليّ: أُخبرتُ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال: كان الوليد رَفّاعًا، وقال المرُّوذيّ، عن أحمد: كان الوليد كثير الخطإ، وقال حنبل، عن ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَر حديث الأوزاعيّ، وكان أبو السَّفَر كذّابًا، وقال مؤمل بن إهاب، عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يُحَدِّث حديث الأوزاعيّ عن الكذابين، ثم يُدَلِّسها عنهم، وقال صالح بن محمد: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعيّ، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعيّ، عن نافع، وعن الأوزاعي، عن الزهريّ، ويحيى بن سعيد، وغيرُك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مُرّة، وقُرَّةَ، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أُنَبِّلُ الأوزاعيّ عن هؤلاء، قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء، وهم ضعفاء، أحاديثَ مناكير، فأسقطتهم أنت، وصَيَّرْتَها من رواية الأوزاعيّ عن الثقات، ضُغفَ الأوزاعيّ، قال: فلم يلتفت إلى قولي، وقال الدارقطنيّ: كان الوليد يُرسِل، يروي عن الأوزاعيّ أحاديث عند الأوزاعيّ عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعيّ، فيُسقِط أسماء الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعيّ، عن نافع، وعن عطاء.
قال دُحَيم عن ابن بنت الوليد: وُلد الوليد سنة تسع عشرة ومائة، وقال ابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وغيرهما: حَجَّ الوليد سنة أربع وتسعين، ومات بعد انصرافه من الحج قبل أن يصل إلى دِمَشق، وفي سنة أربع أَرَّخَه عمرو بن عليّ، وأبو موسى، وغيرهما، وقال دُحَيم، وغير واحد: مات في المحرم سنة
стр. 579
خمس وتسعين، وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن المنذر: قال لي حرملة بن عبد العزيز: نَزَلَ عَلَيَّ الوليدُ قافلًا من الحج، فمات عندي بذي المروة، وقال معاوية بن صالح: مات سنة ست وتسعين، ولم يتابع على ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا.
٣ - (ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن مكحول، والزهري، وعطية بن قيس، وعمير بن هانيّ، وسليم بن عامر، وبسر بن عبيد الله الحضرمي، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وصدقة بن خالد، وصدقة بن المبارك، وعمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر، وحسين بن علي الجعفي، وغيرهم.
قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ، وابن سعد، والنسائيّ، وغير واحد: ثقة. وقال ابن المديني: يُعَدّ في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشام، بعد الصحابة ﵃. وقال يعقوب بن سفيان: عبد الرَّحمن ويزيد ابنا جابر ثقتان، كانا نزلا البصرة، ثم تحولا إلى دمشق. وقال أبو داود: هو من ثقات الناس. وقال ابنه أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون. وقال موسى بن هارون: رَوَى أبو أسامة عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وَهَمًا منه، هو لَمْ يَلْقَ ابنَ جابر، وإنما لَقِي ابنَ تميم، فظَنّ أنه ابن جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف. وقال الفلاس: ضعيف الحديث، وهو عندهم من أهل الصدق، رَوَى عنه أهل الكوفة أحاديث مناكير، قال الخطيب: كأنه اشتبه على الفلاس بابن تميم. وقال ابن مهديّ: إذا رأيت الشامي يَذكر الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الرَّحمن بن يزيد، فاطمَئِنَّ إليه. وقال دُحيم: هو بعد زيد بن واقد في مكحول. وقال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به، ثقة.
قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، زاد ابن سعد: وهو ابن بضع وثمانين. وقال صفوان بن صالح: سمعت الوليد وغير واحد من أصحابنا يقولون: مات سنة (٥٤)، وقال عبد الله بن يزيد القاري: مات
стр. 580
سنة (٥٥)، وقال ابن معين: مات سنة (٥٦)، وكذا حكاه البخاري، ويعقوب بن شيبة، وجزم ابن حبان في "الثقات" بالقول الأول.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٢٨) و (١٠٤) و (٩٧٢) وأعاده بعده، و (١٨٤٧) و (١٨٥٥) و (١٥٣٧) و (٢٨٦٤) و (٢٩٣٧)(١).
٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ) الْعَنْسيّ - بسكون النون، ومهملتين - أبو الوليد الدمشقيّ الدارانيّ، ثقةٌ، من كبار [٤].
رَوَى عن معاوية، ومالك بن يُخامِر، وجُنَادة بن أبي أُمية، وأبي هريرة.
وروى عنه أبو عمرو الأوزاعيّ، وعبد الرَّحمن بن ثابت بن ثوبان، وعبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، والعلاء بن عتبة اليحصبيّ، وعثمان بن أبي العاتكة، وسعيد بن بَشِير، ومعاوية بن صالح، وجماعة.
قال الحاكم أبو أحمد: يقال: أدرك ثلاثين من أصحاب النبيّ ﷺ ، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: كان قدريًّا، وكان يُسَبِّح في اليوم مائة ألف تسبيحة، وأسند الترمذيّ بزيادة في "كتاب الدعوات" من جامعه"، فقال: حدثنا علي بن حُجْر: ثنا مَسْلمة بن عَمْرو، قال: كان عُمير بن هانئ يصلي كلّ يوم ألف سجدة، ويسبح مائة ألف تسبيحة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه يصلّي كلّ يوم ألف سجدة، ويسبّح مائة ألف تسبيحة، ليس له كبير مدح، فإن هذا ليس من هدي النبيّ ﷺ ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فلم يثبت عنه ﷺ أنه صلى في يوم هذا القدر، ولا سبّح هذا القدر، فالخير كلّ الخير في اتّباع هديه، وإنما ذكرت هذا لئلا يَغْتَرَّ به من يقرأ مثل هذا، ويظنّ أنه من السنّة، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وذكر أبو زرعة الدمشقيّ أن الصَّقْر بن حبيب الْمُرِّيّ قتله بداريا سنة سبع وعشرين ومائة، وقال يعقوب بن سفيان: قلت لدُحَيم: عمير بن هانئ؟ قال: مات قديمًا، قلت: قُتِلَ؟ قال: لا، إنما المقتول ابنه.
стр. 581
أخرج له لجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٣٧): "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله … "، وله عند النسائيّ حديث عبادة ﵁ المذكور هنا فقط.
٥ - (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) - بضمّ الجيم، وتخفيف النون - الأزديّ، ثم الزَّهْرَانِيّ، ويقال: الدَّوْسيّ، أبو عبد الله الشاميّ، يقال: اسم أبيه كبير، مختلَفٌ في ححبته.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وعليّ، ومعاذ، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وبُسْر بن أبي أرطاة.
وروى عنه ابنه سليمان، وعمير بن هانيّ، وعُبَادة بن نُسَيّ، وبسر بن سعيد، وشُيَيْم بن بَيْتَان، وغيرهم.
قال ابن يونس: كان من الصحابة، شَهِد فتح مصر، ووَليَ البحرين لمعاوية، وممن أثبت صحبته يحيى بن معين، ففي سؤالات إيراهيم بن الْجُنيدٍ عنه: جُنَادة بن أبي أمية الأزديّ الذي رَوَى عنه مجاهد له صحبة؟ قال: نعم، قلت: الذي رَوى عن عبادة؟ قال: هو هو، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: قيل: إن له صحبةً، وليس ذلك بصحيح، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، من كبار التابعين، سَكَنَ الأُرْدُن، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: صحّح النوويّ ﵀ في "شرحه" قول من قال بصحبة جُنادة، لكن الذي صوّبه الحافظ رحمه الله تعالى أنهما اثنان: أحدهما، صحابيّ، والآخر تابعيّ، وهو المترجم هنا، ودُونَك نصّه في "التقريب":
والحقّ أنهما اثنان: صحابيّ، وتابعيّ، متّفقان في الاسم وكنية الأب، وقد بيّنتُ ذلك بأدلته في كتابي في الصحابة، ورواية جُنادة الأزديّ عن النبيّ ﷺ في "سنن النسائيّ"، ورواية جُنادة بن أبي أميّة عن عبادة بن الصامت في الكتب الستة. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم.
стр. 582
قال الواقديّ، وخليفة، وغيرهما: مات سنة (٨٠)، زاد الواقديّ: وكان ثقة، صاحب غزو، وقيل: مات سنة (٨٦)، وقيل: سنة (٧٥)(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (١٧٠٩): "بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا".
٦ - (عبادة بن الصامت) بن قيس بن أَصْرم بن فِهر بن قيس بن ثعلبة بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عَمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجيّ، أبو الوليد، قال خليفة بن خياط: وأمه قُرّة العين بنت عبادة بن نَضْلَة بن العجلان، شهد بدرًا. وقال ابن سعد: كان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مَرْثَد الْغَنَوِيّ، وشَهِد المشاهد كلها بعد بدر. وقال ابن يونس: شَهِد فتح مصر، وكان أمير ربع الْمَدَد. وفي "الصحيحين" عن الصُّنابحي، عن عبادة قال: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة … الحديث.
وروى عن النبيّ ﷺ كثيرًا، وروى عنه أبناؤه: الوليد، وداود، وعبيد الله، وحفيداه: يحيى، وعبادة ابنا الوليد، وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يدركه، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورفاعة بن رافع، وشُرَحبيل بن حسنة، وسلمة بن الْمُحَبِّق، وأبو أمامة، وعبد الرَّحمن بن غنْم، وفَضَالة بن عبيد، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، والأسود بن ثعلبة، وجُبير بن نفير، وجنادة بن أبي أمية، وحطان بن عبد الله الرقاشي، وعبد الله بن محيريز، وأبو عبد الرَّحمن الصنابحي، وربيعة بن ناجذ، وعطاء بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن محمود بن ربيعة، ويعلى بن شداد بن أوس، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو إدريس الخولاني، وخلق كثير.
أخرج حميد بن زنجويه في كتاب "الترغيب" من طريق أبي الأشعث، أنه راح إلى مسجد دمشق، فلقي شداد بن أوس، والصنابحي، فقالا: اذهب بنا
стр. 583
إلى أخ لنا نعوده، فدخلا على عبادة، فقالا: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بنعمة من الله وفضل. قال عبد الصمد بن سعيد في "تاريخ حمص"، وهو أول من ولي قضاء فلسطين. ومن مناقبه ما ذُكِرَ في "المغازي" لابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الصامت قال: لما حارب بنو قينقاع بسبب ما أمرهم عبد الله بن أُبَيّ، وكانوا حلفاءه، فمشى عبادة بن الصامت، وكان له حِلْف مثل الذي لعبد الله بن أُبَيّ، فخلعهم، وتبرأ إلى الله ورسوله من حِلْفهم، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٥١].
وذكر خليفة أن أبا عبيدة ولّاه إِمْرَة حمص، ثم صرفه، ووَلَّى عبد الله بن قُرْط. وروى ابن سعد في ترجمته من طريق محمد بن كعب القرظي، أنه ممن جمع القرآن في عهد النبيّ ﷺ ، وكذا أورده البخاري في "التاريخ" من وجه آخر عن محمد بن كعب، وزاد: فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر، قد احتاج أهل الشام إلى من يُعَلِّمهم القرآن، ويفقههم، فأرسل معاذًا وعبادة وأبا الدرداء، فأقام عبادة بفلسطين. وقال السراج في "تاريخه" حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن جنادة: دخلت على عبادة، وكان قد تفقه في دين الله. هذا سند صحيح. وفي مسند إسحاق بن راهويه، و"الأوسط" للطبراني من طريق عيسى بن سنان، عن يعلى بن شداد، قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون، فذكر قصة له مع عبادة، فقام معاوية عند المنبر، بعد صلاة العصر، فقال: الحديث كما حدثني عبادة، فاقتبِسُوا منه، فهو أفقه مني. ولعبادة قصص متعددة مع معاوية، وإنكاره عليه أشياء، وفي بعضها رجوع معاوية له، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه، تدل على قوته في دين الله، وقيامه في الأمر بالمعروف.
ورَوَى ابن سعد في ترجمته أنه كان طِوَالا جميلًا جسيمًا، ومات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وكذا ذكره المدائني، وفيها أرّخه خليفة بن خياط، وآخرون منهم من قال: مات ببيت المقدس. وأورد ابن عساكر في ترجمته أخبارًا له مع معاوية، تدل على أنه عاش بعد ولاية معاوية الخلافة، وبذلك جزم الهيثم بن عديّ، وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين. قاله في "الإصابة" (١).
стр. 584
وفي "تهذيب التهذيب": قال ابن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وهو ابن (٧٢) سنة. قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن محمدي. وقال دُحَيم: توفي ببيت المقدس. وقال ابن حبان: هو أول من ولى القضاء بفلسطين. وقال سعيد بن عُفَير: كان طوله عشرة أشبار (١).
أخرج له الجماعة، وله (١٨١) حديثًا، اتفق. الشيخان على ستة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديثين (٢) وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارزميّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث إلَّا في موضع واحد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ كبير: عمير، عن جُنادة.
٦ - (ومنها): أن صحابيِّه ﵁ من كبار الصحابة، جمّ المناقب، فإنه أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وأنه أول من ولي القضاء بفلسطين ﵁. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) أنه قال: (حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) الأنصاريّ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ") شرطيّةٌ مبتدأ جوابها
стр. 585
"أدخله الله إلخ"، أو موصولة مبتدأ خبره الجملة المذكورة (قَالَ: أَشْهَدُ) أي من تكلّم بها، عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، فلا بدّ في الشهادتين من العلم واليقين، والعمل بمدلولهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، أما النطق بها من غير معرفة معناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه، من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل، فغير نافع بالإجماع (١) (أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، أي أنه (لا إِلَهَ) أي لا معبود بحقّ (إِلَّا الله وَحْدَهُ) تأكيد للإثبات، وهو منصوب على الحال بتأويله بـ "منفردًا"، كما قال في "الخلاصة":
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ "وَحْدَكَ اجْتَهِدْ"
أي حال كونه منفردًا في ربوبيَّته، وألوهيَّته، وأسمائه وصفاته.
وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهو تأكيد للنفي.
[تنبيه]: قال الوزير أبو المظفر رحمه الله تعالى في "الإفصاح": قوله: "شهادة أن لا إله إلَّا الله" يقتضي أن يكون الشاهد عالِمًا بأنه لا إله إلَّا الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، قال: واسم "الله" مرتفع بعد "إلَّا" من حيث إنه الواجب له الإلهيّة، فلا يستحقها غيره ، قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، فإنك لَمَّا نَفَيتَ الإلهيَّة، وأثبت الإيجاب لله كنت ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله.
وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى في "المبدائع" ردًّا لقول من قال: إن المستثنى مُخرج من المستثنى منه، قال: بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه، فلا يكون داخلًا في المستثني، إذ لو كان كذلك لَمْ يدخل الرجل في الإسلام بقوله: "لا إله إلَّا الله"؛ لأنه لَمْ يُثبت الإلهيّة لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمّنت بالوضع نفي الإلهيّة عمّا سوى الله، وإثباتها له بوصف الاختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيّته أعظم من دلالة قولنا: "الله إله"، ولا يستريب أحدٌ في هذا البتّة. انتهى.
стр. 586
وقال أيضًا: "الإله" هو الذي تالهه القلوب محبّةً وإجلالًا وإنابةً، وإكرامًا وتعظيمًا، وذُلًّا وخضوعًا، وخوفًا ورجاءً، وتوكّلًا.
وقال شيخ الإسلام: "الإله" هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحقّ أن يُعبَد، وكونه يستحقّ أن يُعبد هو بما اتّصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحبّ، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تُؤَلِّهُهُ القلوب بحبها، وتخضع له، وتذلّ له، وتخافه وترجوه، وتُنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهمّاتها، وتتوكّل عليه في مصالحها وتلجأ إليه، وتطمئنّ بذكره، وتسكن إلى حبّه، وليس ذلك إلَّا اللهُ وحده، ولهذا كانت "لا إله إلَّا الله" أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحّت صحّ بها كلّ مسألة وحال وذوق، وإذا لَمْ يُصحّحها العبد، فالفساد لازم له في علومه وأعماله. انتهى.
وقال ابن رجب: "الإله" هو الذي يُطاع فلا يُعصى هيبةً له وإجلالًا، ومحبَّةً وخوفًا ورجاء، وتَوَكُّلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يصلح هذا كلّه إلَّا لله ، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهيّة كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: "لا إله إلَّا الله"، وكان فيه من عبوديّة المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك. انتهى (١).
(وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أي وشهِدَ بذلك، وهو معطوف على "أن لا إله إلَّا الله"، وهذان الوصفان أخصّ أوصاف النبيّ ﷺ ، ولذا وصفه الله تعالى بالعبوديّة في أسمى المقام، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].
(وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ)، أي خلافًا لما يعتقده النصارى أنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١].
فلا بدَّ للمكلف أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علم ويقين بأنه
стр. 587
مملوك لله، خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]، فليس ربًّا ولا إلهًا، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٦]، وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ الآية [النساء: ١٧٢].
ولا بدّ أيضًا أن يشهد ببطلان قول أعدائه اليهود: إنه ولد بغيّ، لعنهم الله تعالى، فلا يصحّ إسلام أحد علم ما يقولونه حتى يتبرّأ من قول الطائفتين جميعًا في عيسى ﵇، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه: إنه عبد الله ورسوله.
وقوله: (وَكَلِمَتُهُ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمّي عيسى ﵇ كلمةً؛ لأنه كان بكلمة الله، قيل: هي قوله: "كن"، فكان، وقيل: هي الرسالة التي جاء بها الملك لأمه مبشّرًا به عن أمر الله، كما ذكره في كتابه، وقال ابن عبّاس في: الكلمة اسم عيسى. انتهى (١).
وقال النوويّ: سُمّي كلمةً؛ لأنه كان بكلمة "كن" فحسب، من غير أب بخلاف غيره من بني آدم، وقال الهرويّ: سُمِّي كلمة؛ لأنه كان عن الكلمة، فسمي بها، كما يقال للمطر: رحمةٌ. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وقوله: "وكلمته": إشارة إلى أنه حجة الله على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقيل: سُمِّي كلمة الله؛ لأنه أوجده بقوله: "كن"، فلما كان بكلامه سُمِّي به، كما يقال: سيف الله، وأسد الله، وقيل: لَمّا قال في صغره: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] (٣).
стр. 588
وقال القرطبيّ: اختُلف في وصف عيسى ﵇ بكونه كلمة، فقيل: لأنه تكوَّن بكلمة "كن" من غير أب، وقيل: لأن الملك جاء أمَّه بكلمة البشارة به عن أمر الله تعالى، وهذان القولان أشبه ما قيل: في ذلك. انتهى (١).
وقال التوربشتيّ: "الكلمة" تقع على كلّ واحد من الأنواع الثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف، وتقع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة تحتها، وبهذا تُستعمل في القضيّة، والحكم، والحجة، وبجميعها ورد التنزيل، وكأنّ الكلام أُخذ من الكَلْم، فإن الكَلْمِ يُدرك تأثيره بحاسّة البصر، والكلام يُدرك تأثيره بحاسّة السمع، وأما تسمية عيسى بالكلمة، فإنه حجة الله تعالى على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقد قيل: إنه سُمي كلمةً؛ لكونه مُوجَدًا بـ "كن"، وقيل: لما انتُفع بكلامه سمي به، كما يقال: فلان سيف الله، وأسد الله، وقيل: لما خصّه الله به في صغره، حيث قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الآية [مريم: ٣٠] (٢).
(أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي أوصلها إليها، وحصلها فيها (٣)، وقيل: معنى "ألقاها"، أي أعلمها بها، يقال: ألقيتُ عليك كلمة: أي أعلمتك بها، قاله القاضي عياض (٤).
وأصل الإلقاء طرح الشيء حيث تلقاه، ثم استُعمل في كلّ طرح، ويقال: أبيقيتُ إليك قولًا، وسلامًا، وكلامًا، ومودّةً، وألقى الله الشيء في القلب: قذفه، وألقى القرآن: أوحى به، وأنزله (٥).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته القاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربّه ، فكان عيسى بإذنه ، فهو ناشئ
стр. 589
عن الكلمة التي قال له: ﴿كُنْ﴾ البقرة: ١١٧، فكان، والروح التي أرسل بها هو جبريل ﵇، وكانت تلك النفخة التي نَفَخَها في جيب دِرْعها، فَنَزَلت حتى وَلَجَت فرجها بِمَنْزِلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله ، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله، وروح منه؛ لأنه لَمْ يكن له أبُ تَوَلَّدَ منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروحِ التي أَرسل بها جبريل ﵇.
قال: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطيّ، قال: سمعت شاذ بن يحيى، يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى، قال ابن كثير: وهذا أحسن مما ادّعاه ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]: أي أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]: أي يُعْلمك بكلمة منه، ويَجْعَلُ ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، بل الصحيح أنَّها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فَنَفَخَ فيها بإذن الله، فكان عيسى ﵇.
قال: فقوله في الآية والحديث: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]: أي من خلقه، ومن عنده، وليست "من" للتبعيض، كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]: أي ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق من رُوح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة، والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وكما وَرَدَ في الحديث الصحيح: "فأدخل على ربي في داره"، أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد، ونمط واحد (١). انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه، ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله
стр. 590
تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان المضاف عينًا قائمة بنفسها، كعيسى وجبريل ﵇ وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين:
[أحدهما]: أن تضاف إليه؛ لكونه خلقها وأبدعها، فهذا شاملٌ لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله، وأرض الله، فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله.
[الوجه الثاني]: أن يُضاف إليه لما خصّه به من معنى يُحبّه، ويأمر به، ويرضاه، كما خصّ البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال في مال الخمس والفيء: هو مال الله تعالى ورسوله ﷺ ، ومن هذا الوجه، فعباد الله هم الذين عبَدُوه، وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمّن ألوهيّته، وشرعه، ودينه، وتلك إضافة تتضمّن ربوبيته وخَلْقه. انتهى ملخّصًا (١).
وقوله: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمِّي عيسى ﵇ "روح الله"، و"روح منه"؛ لأنه حَدَث من نفخة جبريل ﵇، فنسبه الله إليه؛ لأنه كان عن أمره، وسُمّي النفخ رُوحًا؛ لأنه ريحٌ يخرُج من الروح، قاله مكيّ، وفي هذه العبارة مسامحة، وقيل: روح منه: حياة منه، وقيل: رحمةٌ منه، والروح: الرحمة، كما قال فيه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: ٢١]، وقيل: روح منه: برهان لمن اتّبعه، وقيل: لأنه لَمْ يكن من أب، كما في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وإنما كان جعل الروح فيه بلا واسطة، قاله الحربيّ (٢).
وقيل: و"روح منه"، أي مخلوقة من عنده، وعلى هذا يكون إضافتها إليه إضافة تشريف، كناقة الله، وبيت الله، وإلا فالعالم له ، ومن عنده (٣).
وقال في "الفتح": سمّاه بالروح؛ لأجل ما أقدره الله عليه من إحياء الموتي، وقيل: لكونه ذا روح، وُجِد من غير جزء من ذي روح (٤).
стр. 591
وقال القرطبيّ: سمّي عيسى ﵇، روح الله؛ لأنه حَدَثَ عن نفخة الملك، وإضافته إلى الله تعالى؛ لأن ذلك النفخ كان عن أمره وقدره، وسُمّي النفخ روحًا؛ لأنه ريح يخرُج من الروح، وقيل: سُمّي بذلك؛ لأنه روح لمن اتّبعه، وقيل: لأنه تعالى خَلَقَ فيه الروح من غير واسطة أب، كما قال تعالى في آدم ﵇: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩].
[فائدة]: ذكر الطيبيّ أنه روي أن عظيمًا من النصارى سمع قارئًا يقرأ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: أفغير هذا دين النصارى؟ يعني هذا يدلّ على أن عيسى ﵇ بعض منه، فأجاب علي بن الحسين بن واقد صاحب "كتاب النظائر": أن الله تعالى يقول أيضًا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فلو أريد بقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] بعض منه، وجزءٌ منه لكان قوله هنا: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] معناه بعض منه، أو جزء منه، فأسلم النصرانيّ.
ومعنى الآية أنه تعالى سخّر هذه الأشياء كائنةً منه، وحاصلةً من عنده، يعني أنه مكوّنها، ومُوجِدها بقدرته وحكمته، ثم سخّرها لخلقه. انتهى (١).
(وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ) أي الجَنَّة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدّها للمتّقين، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١] حقّ، أي ثابتة لا شكّ فيها، (وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ)، أي: وأن النار التي أخبر بها في كتابه أنه أعدّها للكافرين، فقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، كذلك ثابتةٌ.
وقال الطيبي رحمه الله تعالى: لعله ﷺ إنما ذكر الجنّة والنار، وأخبر عنهما بقوله: "حقّ"، وهو مصدرٌ للمبالغة في حقّيّته، وأنهما عين الحق، كقولك: زيد عَدْلٌ؛ تعريضًا بالزنادقة، ومن يُنكر دار الثواب ودار العقاب. انتهى (٢).
стр. 592
(أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا يقتضي أن قول هذه الكلمات يقتضي دخولَ الجَنَّة، والتخييرَ في أبوابها، وذلك بخلاف ظاهر حديث أبي هريرة ﵁ الآتي في "كتاب الزكاة"، فإنه فيه ما يقتضي أن كلّ من كان من أهل الجنّة إنما يدخل من الباب المعيَّن للعمل الذي كان يعمله الداخل غالبًا، فإنه قال فيه: "فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرّيّان … " الحديث (١).
قال: والتوفيق أنّ كلَّ من يدخل الجَنَّة مُخَيَّر في الدخول من أيّ باب شاء، غير أنه إذا عُرِضَ عليه الأفضل في حقّه، دخل منه مُختارًا للدخول منه، من غير جبر عليه، ولا منع له من الدخول من غيره، ولذلك قال أبو بكر ﵁: ما على من يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة. انتهى (٢).
وقال الحافظ بعد ذكر كلام القرطبيّ: ويحتمل أن يكون فاعل "شاء" هو الله تعالى، والمعنى أن الله يوفقه لعملٍ يُدخله برحمة الله من الباب الْمُعَدّ لعامل ذلك العمل. انتهى (٣).
وتوجيه القرطبي أقرب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 593
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٠/ ١٤٧] (٢٨) عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر - و (١٠/ ١٤٨) عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، عن مُبشّر بن إسماعيل، عن الأوزاعيّ - كلاهما عن عُمير بن هانيّ، عن جُنادة بن أبي أُميّة، عن عبادة ﵁.
و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" ٤/ ٢٠١ (٣٤٣٥) عن صدقة بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وعبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، كلاهما عن عمير بن هانئ به.
و (النسائيّ) في "التفسير" (١١١٣٢) و"عمل اليوم والليلة" (١١٣١) عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعيّ به، وفي "عمل اليوم والليلة" (١١٣٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي مُسهر، عن صدقة بن خالد، عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر به.
و (أحمد) في "مسنده" ٥/ ٣١٣ و ٣١٤ و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨) و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٣ و ١٣٤ و ١٣٥)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٢٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم الموقع، وهو أجمعُ، أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه ﷺ جَمَعَ فيه ما يُخْرِج عن جميع ملل الكفر، على اختلاف عقائدهم، وتباعدها، فاختصر ﷺ في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم (١).
٢ - (ومنها): بيان فضل هؤلاء الكلمات، حيث إنها توجب دخول الجَنَّة، من أيّ أبوابها شاء.
٣ - (ومنها): إنما جمع في قوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله"، بين
стр. 594
الوصفين؛ تحذيرًا عن الإفراط والتفريط، فإن كثيرًا ممن يدّعي أنه من أمته يُفْرِط بالغلوّ قولًا وفعلًا، فيرفعه فوق مَنْزلته من العبوديّة، ويُفَرّط بترك متابعته، معتمدًا على آرائه، أو آراء مقلّديه المخالفة لما جاء به، ويتعسّف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها، فشهادة أن محمدًا عبده ورسوله تنافي ذلك؛ لأنَّها تقتضي الإيمان به، وتوجب تصديقه فيما به أخبر، وطاعته فيما به أَمَر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن تُعَظَّم سنّته، ولا يُقدّم عليها قول أحد كائنًا من كان.
وقد بيّن هذا في الحديث الآخر، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث عمر ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله".
وقد ورد وصفه بهاتين الصفتين في الكتب السابقة أيضًا، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" (٢١٢٥) عن عطاء بن يسار، قال: لَقِيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا".
٤ - (ومنها): بيان بطلان - ما عليه النصارى من اعتقادهم في عيسى ﵇ أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
٥ - (ومنها): بيان ضلال اليهود الذين يعتقدون في عيسى وأمه ﵇ ما لا يليق بهما، من أنَّها حملته من الزنا، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
٦ - (ومنها): بيان فضل عيسى ﵇ حيث إنه كلمة الله تعالى، وروح منه.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى وأمه ﵇، والتحذير من ذلك بأن عيسى عبد الله، لا إله، ولا ولد، وأمّه أَمَةُ الله تعالى، ومملوكة له، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا.
стр. 595
ويُستَفاد منه ما يُلَقَّنه النصرانيّ إذا أسلم، وقال غيره: في ذكر عيسى ﵇ تعريض بالنصاري، وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وكذا قوله: "عبد الله"، وفي ذكر "رسوله" تعريض باليهود في إنكارهم رسالته، وقذفه بما هو مُنَزّه عنه، وكذا أمه، وفي قوله: "وابن أمته" تشريف له، وكذا تسميته بالروح، ووصفه بأنه منه، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فالمعنى أنه كائن منه كما أن معنى الآية الأخرى أنه سَخّر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مُكَوِّن كلّ ذلك، ومُوجِده بقدرته وحكمته (١).
٨ - (ومنها): إثبات الجَنَّة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، خلافًا للمبتدعة، وأن الإيمان بحقيّتهما من أصول الدين.
٩ - (ومنها): أن الجنّة لها أبواب، وأنها ثمانية.
١٠ - (ومنها): أن بعض عباد الله يخيّرون في دخول الجَنَّة من أيّ أبوابها شاؤوا، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]، اللهم ارزقنا الجَنَّة، وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعذنا من النار، وما قرّب إليها من قول وعمل، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٨] (٣٠) - (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقيُّ) النُّكْريّ البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٦) (م د، ق) ٥/ ٦٦.
стр. 596
٢ - (مُبَشِّرُ (١) بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْحَلَبيّ، أبو إسماعيل الكلبيّ مولاهم، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وحسان بن نوح، وتَمَّام بن نَجِيح، وجعفر بن بُرْقان، والأوزاعي، ومُعَان بن رِفَاعَةَ، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن مِهْرَان الجمّال، وموسى بن عبد الرَّحمن الأنطاكي، ومحمد بن إبراهيم بن العلاء، وغيرهم.
قال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، ومات بحلب سنة مائتين.
وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أحمد بن حنبل. وقال ابن قانع: ضعيف، وقال الذهبي: تُكُلِّم فيه بلا حجة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٧٥٣): "أن الفتيا التي كانوا يُفتون بها الماء من الماء … ".
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة ثبت فقيه إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) ٥/ ٢٨.
٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئ) المذكور في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) الإشارة إلى الإسناد الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل الإسناد الماضي، وهو عن عمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أميّة، عن عبادة بن الصامت ﵁.
وقوله: (غَيْرَ أنهُ قَالَ إلخ) الضمير للأوزاعيّ، ويحتمل أن يكون لشيخه أحمد بن إبراهيم، يعني أنه قال في آخر متن الحديث: "عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ، بدل قوله: "مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ".
[تنبيه]: لفظ رواية الأوزاعيّ ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (ج ١ ص ١٢٢)، فقال:
стр. 597
(١٣٣) - حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يعلى بن الوليد بن عبد العزيز الْعَنسيّ، ثنا مُبَشِّر بن إسماعيل الْحَلبيّ، عن الأوزاعيّ، عن عُمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "من شَهِدَ أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أدخله الله الجَنَّة على ما كان من عمل".
وقوله: (أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ) ولفظ البخاريّ: "من العمل" بالتعريف، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي يدخله الجنّة، ولا بُدّ، سواء كان عمله صالحًا، أو سيّئًا، وذلك بأن يَغفِرَ له السيّءَ بسبب هذه الأقوال، أو يُرْبِيَ ثوابها على ذلك العمل السيّيء، وكلُّ ذلك يحصُلُ - إن شاء الله - لمن مات على تلك الأقوال، إما مع السلامة المطلقة، وإما بعد المؤاخذة بالكبائر على ما قرّرناه آنفًا. انتهى (١).
وقال في "الفتح": معنى قوله: "على ما كان عليه من العمل": أي من صلاح، أو فساد، لكن أهل التوحيد لا بُدّ لهم من دخول الجَنَّة، ويحتمل أن يكون معنى قوله: "على ما كان من العمل": أي يَدْخُل أهل الجَنَّة الجَنَّة على حسب أعمال كُلٍّ منهم في الدرجات. انتهى وقال القاضي البيضاويّ في قوله: "على ما كان عليه من العمل"، دليلٌ على المعتزلة في مقامين:
[أحدهما]: أن العاصي من أهل القبلة لا يُخَلَّد في النار؛ لعموم قوله: "من قال: أشْهَدُ أن لا إله إلَّا الله إلخ".
[وثانيهما]: أنه تعالى يعفو عن السيّئات قبل التوبة، واستيفاء العقوبة؛ لأن قوله: "على ما كان من عمل" حال من قوله: "أدخله الله الجَنَّة"، كما في قولك: رأيت فلانًا على أكل، أي آكلًا، ولا شكّ أن العمل غير حاصل، بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يُناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا يُتصوّر ذلك في حقّ العاصي الذي مات قبل التوبة إلَّا إذا أُدخل قبل استيفاء العقوبة.
стр. 598
[فإن قلت]: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل أحدٌ النار من العصاة.
[قلت]: اللازم منه عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول، وقبل استيفاء العذاب، وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحدٌ، بل العفو عن الجميع بموجب وعده حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦]، وقال: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مرجُوٌّ.
قال الطيبي: أقول: إن التعريف في "العمل" (١) للعهد، والإشارة به إلى الكبائر، والدليل عليه قوله: "وإن زنى وإن سرق" في حديث أبي ذرّ ﵁ الآتي، وقوله: "على ما كان عليه" حال كما في قول الحماسيّ [من الطويل]:
فَوَاللَّهِ لَا أَنْسَى قَتِيلًا رُزِئْتُهُ … بِجَانِبِ قَوْسِي مَا مَشَيْتُ عَلَى الأَرْضِ
عَلَى أَنَّهَا تَعْفُو الْكُلُومُ وَإِنَّمَا … يُوَكَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي
قال أبو البقاء: "على" وما يتّصل بها حال، أي ما أنسى بهذا الرَّزْء في حال الكلوم، أي حالي مُخالف لحال غيري في استدامة الحُزْن، فالمعنى من يشهد أن لا إله إلَّا الله يدخل الجنّة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر، أي حال هذا مخالفة للقياس في دخول الجنّة، فإن القياس يقتضي (٢) أن لا يدخل الجَنَّة مَنْ شأنه هذا، كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذرّ ﵁ في قوله: "وإن زنى وإن سرق"، وردّ بقوله: "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ". انتهى كلام الطيبيّ (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٩] ( … ) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
стр. 599
الصَّامِت، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْه، وَهُوَ فِي الْمَوْت، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لأَنفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ، إِلا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) ٨/ ١٣٢.
٢ - (لَيْثٌ) بن سعد بن عبد الرَّحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٣٩٧.
٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو محمد بن عجلان القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله المدنيّ، أحد العلماء العاملين، صدوقٌ، إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁[٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وسلمان أبي حازم الأشجعي، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، ورجاء بن حيوة، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن، وصيفي مولى أبي أيوب، وعامر بن عبد الله بن الزبير، والأعرج، وأبي الزناد، وعكرمة، ومحمد بن يحيى بن حبّان، وغيرهم.
ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وهو أكبر منه، وعبد الوهاب بن بُخْت، ومات قبله، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة، وهو من أقرانه، ومالك، ومنصور، وشعبة، وزياد بن سعد، والسفيانان، والليث، وسليمان بن بلال، ويحيى القطان، وخلق كثير.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة. وقال أيضًا: سألت أبي عن محمد بن عجلان، وموسى بن عقبة؟ فقال: جميعًا ثقة، وما أقربهما. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقدمه على داود بن
стр. 600
قيس الفراء. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة، أوثق من محمد بن عمرو، وما يشك في هذا أحد. كان داود بن قيس: يجلس إلى ابن عجلان يتحفظ عنه، وكان يقول: إنها اختطلت على ابن عجلان - يعني أحاديث سعيد المقبري -. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وسط. وقال أبو زرعة: ابن عجلان من الثقات. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا فقيهًا، وكانت له حلقة في المسجد، وكان يفتي. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال الساجي: هو من أهل الصدق، لَمْ يحدث عنه مالك إلَّا يسيرًا. وقال ابن عيينة: كان ثقة عالمًا. وقال يحيى القطان عن ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليه، فجعلها كلها عن أبي هريرة. ولَمّا ذكر ابن حبان في كتاب "الثقات" هذه القصة قال: ليس هذا بِوَهْنٍ يُوَهَّنُ الإنسانُ به؛ لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، وربما قال ابن عجلان: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فهذا مما حُمل عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته، فلا يجب الاحتجاج إلَّا بما يروي عنه الثقات. وقال العقيلي: يضطرب في حديث نافع. وقال الواقدي: سمعت عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِل بأبي أكثر من ثلاث سنين، قال: وقد رأيته، وسمعت منه، ومات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث. وقال ابن يونس: قدم مصر، وصار إلى الإسكندرية، فتزوج بها امرأة، فأتاها في دبرها، فشكته إلى أهلها، فشاع ذلك، فصاحوا به، فخرج منها، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنف في المتابعات، ولم يحتج به، وله عنده في هذا الكتاب (١٥) حديثًا، وأخرج له الأربعة.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) - بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن مُنْقِذ بن عمرو بن مالك بن خَنْسَاء بن مَبْذُول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاريّ المازنيّ، أبو عبد الله الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤].
رَوَى عن أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خَديج، وأنس، وعَبّاد بن تميم، ويحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري، والأعرج، وعمرو بن سليم الزُّرَقيّ، وعبد الله بن مُحيريز، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد