١١ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دليلٌ لأهل السنة في جواز إضافة الشرّ إلى اللَّه تعالى، كما يضاف إليه الخير؛ لقوله: "أعوذ بك من سخطك، ومن عقوبتك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٦] (٤٨٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، أَنَّ عَائِشَةَ نَبَّأَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط أخيرًا، من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (مُطَرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
والباقيان تقدّما قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من سعيد، سوى عائشة ﵂، فمدنيّة، والأولان كوفيّان.
стр. 6092
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن مطرّف، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُطَرِّفِ) بضم الميم، وتشديد الراء المكسورة (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) بكسر الشين المعجمة والخاء المشدّدة المكسورة (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (نَبَّأَتْهُ) بتشديد الموحّدة، لغة في أنبأته بالهمزة، يقال: أنبأته الخبرَ، وبالخبر، ونبّأته: أعلمته (١)، يعني أنها أخبرته، وأعلمته (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبُّوحٌ) بضمّ السين المهملة، وتشديد الموحّدة: المنزّه عن كلّ عيب (قُدُّوسٌ) بضمّ القاف، والدال المهملة: الطاهر من العيوب، والمنزّه عن الأولاد والأنداد، والْقُدْس: الطهارة (٢).
وقال النووي ﵀: هما بضم السين والقاف، وبفتحهما والضم أفصح وأكثر، قال الجوهريّ في فصل ذرح: كان سيبويه يقولهما بالفتح، وقال الجوهريّ في فصل سبح: سَبُّوح من صفات اللَّه تعالى، قال ثعلب: كلُّ اسم على فَعُّول فهو مفتوح الأول، إلا السُّبُّوح والقُدُّوس، فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الذُّرُّوح وهي دُوَيِّبَة حمراء مُنَقَّطةٌ بسواد تطير، وهي من ذوات السموم، وقال ابن فارس، والزُّبَيديّ، وغيرهما: سُبُّوح هو اللَّه ، فالمراد بالسُّبُّوح القُدُّوس المسبَّح المقدَّس، فكأنه قال: مُسَبَّحٌ مُقَدَّسٌ، رب الملائكة والروح.
ومعنى سُبُّوح: المبرأ من النقائص والشريك، وكلّ ما لا يليق بالإلهية، وقُدُّوس: المطهَّر من كل ما لا يليق بالخالق.
وقال الهرويّ: قيل: القُدُّوس المبارك، قال القاضي عياض: وقيل فيه: سُبُّوحًا قُدُّوسًا على تقدير: أُسَبّح سُبُّوحًا، أو أذكر، أو أعظّم، أو أَعبُد. انتهى (٣).
(رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ") قيل: الرُّوح ملك عظيم، وقيل: يَحْتَمِل أن
стр. 6093
يكون جبريل ﵇، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة، كما لا نرى نحن الملائكة، واللَّه أعلم.
وعطف "الروح" على الملائكة من باب عطف الخاصّ على العامّ؛ لشرفه، كما قوله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٩٦ و ١٠٩٧] (٤٨٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٧٢)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٩٠ - ١٩١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٨٨٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١/ ٢٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥ و ٩٤ و ١١٥ و ١٤٨ و ١٧٦ و ١٩٣ و ٢٠٠ و ٢٤٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٠٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٩٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٣٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨١٠ و ١٨١١ و ١٨١٢ و ١٨١٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٨٢ و ١٠٨٣ و ١٠٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٧ و ١٠٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
стр. 6094
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هِشَام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون تقدّموا في الباب.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٣٤٨٩) حدّثنا بَهْز، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن مُطَرِّف، عن عائشة، أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوح قُدُّوس، رب الملائكة والرُّوح". انتهى.
وأما رواية هشام، فساقها أبو داود في "سننه"، فقال:
(٨٧٢) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام، حدّثنا قتادة، عن مُطَرِّف، عن عائشة، أن النبيّ ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوح قُدُّوس، ربُّ الملائكة والرُّوح". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٤) - (بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٨] (٤٨٨) - (حَدَّثَنِي (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي (٢) الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ، حَدَّثَنِي مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ (٣)، يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، أَوْ قَالَ: قُلْتُ: بِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ
стр. 6095
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً"، قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيَّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضل جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ) هو: الوليد بن هشام بن معاوية بن هشام بن عُقبة بن أبي مُعَيط الأمويّ، أبو يعيش الْمُعيطيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عمر بن عبد العزيز، وكان عامله على قِنِّسرين، وعن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعبد اللَّه بن مُحيريز، ومعدان بن أبي طلحة، وأم الدرداء، وغيرهم.
وروى عنه ابنه يعيش، والأوزاعيّ، والوليد بن سليمان بن أبي السائب، وأبو صالح الليثيّ، ورجاء بن أبي سلمة، وابن عيينة، وآخرون.
قال ابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس بحديثه، ثنا دُحَيم، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعيّ، حدّثني الوليد بن هشام، وهو ثقة عدلٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن عساكر: بلغني أنه عاش إلى دولة مَرْوان بن محمد.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٥ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ) هو: معدان بن أبي طلحة، ويقال: ابن طلحة الكِنَانيّ اليعمريّ الشاميّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء، وثوبان، وعمرو بن عَبَسة.
стр. 6096
وروى عنه سالم بن أبي الجعد، والسائب بن حُبيش، والوليد بن هشام المعيطيّ، ويعيش بن الوليد على خلاف فيه.
قال ابن معين: أهل الشام يقولون: ابن طلحة، وقتادة وهؤلاء يقولون: ابن أبي طلحة، وأهل الشام أثبت فيه، وقال ابن سعد، والعجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن سعد، ومسلم، وخليفة، في الطبقة الأولى من أهل الشام.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٤٨٨) و (٥٦٧) و (٨٠٩) و (٨١١) و (٩٤٦) و (١٦١٧) و (٢٣٠١).
[تنبيه]: قوله: "الْيَعْمَريُّ" -بفتح الياء التحتانيّة، والميم، وبينهما عين مهملة ساكنة، آخره راء-: نسبة إلى يَعْمَر بطنٌ من كندة، قاله في "اللُّبّ" (١).
٦ - (ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات ﵁ بحِمْص سنة (٥٤) (م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره، فانتفت منه تهمة تدليس الوليد، وتسويته، فإنه ممن اشتهر بذلك.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵃، صحب النبيّ ﷺ ، ولازمه في سفر وحضر إلى أن توفي ﷺ .
شرح الحديث:
عن مَعْدَانُ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، أنه (قَالَ: لَقِيتُ) أي استقبلت، يقال: لَقِتُه ألقاه، من باب تَعِب لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالقصر، ولِقَاءً بالكسر والمدّ: إذا استقبلته (ثَوْبَانَ) بفتح الثاء المثلّثة، وسكون الواو (مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) حيث إنه اشتراه، فأعتقه، فاشتراه النبيّ ﷺ ، فأعتقه، وكان من
стр. 6097
أهل السِّرا، وهي موضع بين مكة واليمن، وقيل: إنه من حِمْيَر، وقيل: من أَلْهان، وقيل: من حَكَم بن سَعْد العشيرة، فأصابه سباء، فاشتراه النبيّ ﷺ ، فأعتقه، فلم يزل معه ﷺ حتى تُوفّي، فخرج إلى الشام، فنزل بالرَّمْلة، ثم انتقل إلى حِمْصَ، فابتنى بها دارًا، ولم يزل بها إلى أن مات سنة (٥٤).
(فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ) وفي رواية النسائيّ: "دُلّني على عمل ينفعني" (أَعْمَلُهُ) وفي نسخة: "أعمل به"، و"أعملُ" بالرفع على أن الجملة صفة لـ "عَمَل"، وكذلك قوله: "يُدخلني"، وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أعمله" يجوز أن يكون "أعمله" مجزومًا جوابًا للأمر، و"يُدخلني" بدلًا منه، وذلك لأن مَعْدان لَمّا كان معتقدًا لكون الإخبار سببًا لعمله صحّ ذلك، وأن يكون مرفوعًا صفةً لـ "عمل". انتهى (١).
(يُدْخِلُني) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإدخال (اللَّهُ بهِ الْجَنَّةَ، أَوْ) للشكّ من بعض الرواة (قَالَ: قُلْتُ: بِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ) أَي أخبرني بأحبّ الأعمال إلى اللَّه تعالى حتى أعمل به (فَسَكَتَ) وفي رواية النسائيّ: "فسكت عنّي مليًّا"، أي ساعة طويلة (ثُمَّ سَأَلْتُهُ) أي عما سأله أوّلًا، قال القاري ﵀: يَحْتَمل أن يكون السؤال في زمان آخر، وأن تكون "ثُمّ" لمجرّد العطف. انتهى (٢). والظاهر الثاني، واللَّه تعالى أعلم.
(فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ) إنما كرّر عليه؛ لكون المسؤول عنه مما لا ينبغي تركه، والظاهر أن سكوته لكونه مشغولًا بأمر آخر، وفي "المرعاة": ولعلّ سكوته لامتحان حال السائل في الجدّ في السؤال والطلب. انتهى (٣). (فَقَالَ) ثوبان ﵁ (سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ) أي عما سألتني عنه، وهو العمل الذي يدخل الجنّة (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ) أي رسول اللَّه ﷺ ("عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ) أي الْزَم السجود له، قال النوويّ ﵀: المراد به السجود في الصلاة. انتهى (٤). وقال ابن الملك ﵀: أراد به السجود للصلاة، أو للتلاوة، أو للشكر. انتهى (٥).
стр. 6098
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن الملك: أقرب لظاهر عموم النصّ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: "عليك" اسم فعل أمر، بمعنى "الْزَمْ"، منقولٌ من الجارّ والمجرور، قال في "الخلاصة":
وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ "عَلَيْكَا" … وَهَكَذَا "دُونَكَ" مَعْ "إِلَيْكَا"
ويتعدّى بنفسه، نحو عليك زيدًا، أي الزمه، فـ "زيدًا" منصوب على المفعوليّة، ويتعدّى بالباء أيضًا، كما في هذا الحديث، وكحديث: "فعليك بذات الدين"، فيكون بمعنى استمسك مثلًا، وقيل: إن الباء زائدة؛ لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل؛ لضعف عمله، وأما الكاف فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب، كما هو مبسوط في محلّه من كتب النحو.
(فَإنَّكَ) الفاء للتعليل، أي إنما أمرتك بكثرة السجود؛ لأنك (لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً) مفعول مطلق أريد به بيان الوحدة، أي سجدة واحدةً (إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً) "إلا" أداة استثناء مُلغاة، والجملة في محلّ نصب على الحال، و"درجةً" منصوب على التمييز.
والمعنى: إنك لا تسجد سجدة واحدة للَّه تعالى، إلا في حال كون اللَّه تعالى رافعًا إياك بسببها درجةً.
وذلك أنه لما تواضع للَّه تعالى غاية التواضع بوضع أشرف أعضائه، وهو الوجه على الأرض، وباعد نفسه عن الكبر جازاه اللَّه تعالى بأن رفع درجته.
وقال النوويّ ﵀: سبب الحثّ على كثرة السجود ما سبق في الحديث الماضي: "أقربُ ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد"، وهو موافق لقول اللَّه تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، ولأن السجود غاية التواضع والعبودية للَّه تعالى، وفيه تمكين أعزّ أعضاء الإنسان، وأعلاها، وهو وجهه من التراب الذي يُدَاسُ، ويُمْتَهَن. انتهى (١).
ولفظ النسائيّ: فقال: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من عبد يسجد للَّه سجدةً، إلا رفعه اللَّه بها درجةً، وحطّ عنه بها خطيئة".
стр. 6099
(وَحَطَّ عَنْكَ) أي أزال عنك، يقال: حَطَّ الرَّحْلَ وغيرَه حَطًّا، من باب نصر: أنزله من عُلو إلى سُفل، وحَطَطْتُ من الدين: أسقطت منه، والمناسب هنا المعنى الثاني، أي أزال عنك (بِهَا) أي بسبب تلك السجدة (خَطِيئَةً") مفعول "حطّ"، أي ذنبًا (قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبا الدَّرْدَاءِ) هو: عُوَيمر بن مالك، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن ثعلبة، وقيل: ابن عبد اللَّه، وقيل: ابن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ، أبو الدرداء الخزرجيّ.
وقال الْكُدَيميّ عن الأصمعيّ: اسمه عامر، وكانوا يقولون له: عُويمر، وكذا قال عمرو بن عليّ عن بعض ولده.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عائشة، وزيد بن ثابت. وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، ومعدان بن أبي طلحة، وأبو إدريس الخولاني، وأبو مرة، مولى أم هانئ، وأبو حبيبة الطائي، وأبو السَّفَر الْهَمْداني مرسل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وجُبير بن نُفير، وسويد بن غَفَلَة، وزيد بن وهب، وصفوان بن عبد اللَّه بن صفوان، وعلقمة بن قيس، وكثير بن قيس، وسعيد بن المسيّب، وأبو بَحْرية عبد اللَّه بن قيس، وكثير بن مرة، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن كعب القرظي، وهلال بن يساف، وآخرون.
قال أبو مُسْهِر، عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر، وشهد أُحُدًا، وأبلى فيها، وقال الأعمش، عن خيثمة عنه قال: كنت تاجرًا قبل البعثة، فزاولت بعد ذلك التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فأخذت العبادة، وتركت التجارة.
وقد علّق على هذا الحافظ الذهبيّ ﵀، فقال: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة من السلف، والصوفيّةِ، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يَقوَى على الجمع، كالصدّيق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يَعْجِز، ويقتصر على العبادة، وبعضهم يَقْوَى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس، وكلّ سائغ، ولكن لا
стр. 6100
بدّ من النهضة بحقوق الزوجة والعيال. انتهى كلام الذهبيّ ﵀ (١)، وهو نفيسٌ.
وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد: قال رسول اللَّه ﷺ يوم أُحُد: "نعم الفارس عُويمر"، وقال: "حكيم أمتي"، ومناقبه وفضائله كثيرة جِدًّا.
قال أبو مُسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: مات أبو الدرداء، وكعب الأحبار، في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته، وقال الواقدي، وغير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال ابن حبان: وَلَّاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب، وقال ابن سعد: آخى النبيّ ﷺ بينه وبين عوف بن مالك، وقال ابن عبد البر: قالت طائفة من أهل الأخبار: مات بعد صِفِّين، قال: والأصح عند أهل الحديث أنه تُوُفّي في خلافة عثمان، وصحح ابن الحذّاء قول البخاريّ: إنه عُويمر بن زيد، وقال عمرو بن عليّ عن بعض ولده: مات قبل عثمان بسنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا (٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(فَسَأَلْتُهُ) وفي رواية النسائيّ: "فسألته عما سألت عنه ثوبان"، أي عن العمل الذي يدخله الجنّة (فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ) ﵁، وفي رواية النسائيّ: فقال لي: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من عبد يسجد للَّه سجدة إلا رفعه اللَّه بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6101
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان وأبي الدرداء ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٠٩٨] (٤٨٨)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٨٨ و ٣٨٩)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٢٨)، و (ابن ماجه) فيها (١٤٢٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٨٤٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٦ و ٢٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣١٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٣٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل السجود، وأنه من أفضل الأعمال التي يُتقرّب بها إلى اللَّه ، تمحى بها الذنوب، وترفع بها الدرجات.
٢ - (ومنها): الحث على كثرة السجود، والترغيب فيه، والمراد به السجود في الصلاة.
٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: تكثير السجود أفضل من إطالة القيام، وقد تقدمت المسألة، والخلاف فيها في الباب الذي قبل هذا، وأن الأرجح قول من قال: إن تطويل القيام أفضل من كثرة السجود؛ لأن صيغة "أفعل" الدالّة على التفضيل إنما جاء في فضل القيام، لا في السجود، فقد قال ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت"، أي القيام، وهذا نصّ صريح في تفضيل طول القيام على كثرة السجود، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على السؤال عن أفضل الأعمال التي يتقرّبون بها إلى اللَّه تعالى، ويستوجبون بها رضاه ومحبّته، والدار الآخرة؛ إذ هي المهمّ للعاقل؛ لأنها الدار الباقية، وهي الحياة الأبديّة الدائمة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
стр. 6102
٥ - (ومنها): أن كثرة نوافل الأعمال، ولا سيّما السجود، مما يوجب محبّة الربّ ، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل، حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما تَرَدَّدتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يَكْرَه الموت، وأنا أكره مَسَاءته"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٩] (٤٨٩) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَبيتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ (١) بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: "سَلْ"، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ " قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ) الْقَنْطريّ البغداديّ، ثقةٌ (٢) [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤.
٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ) بن عُبيد اللَّه، ويقال: بن عُبيد، السَّكْسَكِيّ -بمهملتين مفتوحتين، بينهما كاف ساكنة- مولاهم الدمشقيّ، نزيل بيروت، وقيل: هو لَقَبٌ، واسمه محمد، وقيل: عبد اللَّه، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ متقنٌ [٩].
стр. 6103
رَوَى عن الأوزاعيّ، وحَرِيز بن عثمان، وخالد بن دُرَيك، وبكر بن خُنَيس، وطلحة بن عمرو المكيّ، وعمر بن قيس، وهشام بن حسان، والمثنى بن الصباح، وغيرهم.
وروى عنه ابنه محمد، والليث بن سعد، وهو أكبر منه، وأبو مُسْهِر، ومروان بن محمد، ومنصور بن عمار، وبَقِيّة، وهشام بن إسماعيل العطار، والحكم بن موسى، وهشام بن عمار، وعلي بن حُجْر، وآخرون.
قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: لا يُكْتَب حديث الأوزاعيّ عن أوثق من هِقْل، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان أبو مُسهِر يرضاه، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال أبو مسهر: هو المقدَّم، وقال ابن معين: قال أبو مسهر: ما كان ها هنا أحدٌ أثبتُ في الأوزاعيّ من هِقْل، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ صدوقٌ، وقال الغلابي، عن ابن معين: ما كان بالشام أوثق منه، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو صالح، حدّثني الهِقْل بن زياد، وهو ثقة من الثقات، من أعلى أصحاب الأوزاعيّ، وقال مروان بن محمد: كان أعلم الناس بالأوزاعيّ عشرةٌ، أولهم هِقْل، وقال أبو زرعة الرازيّ، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عمار: الهقل من أثبت أصحاب الأوزاعيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو سليمان بن زَبْر، عن أبيه، عن إسحاق بن خالد: سمعت أبا مسهر يقول: ومن أصحابه الأثبات الهقل بن زياد، وكان الأوزاعيّ أوصى إليه، وكان حافظًا متقنًا.
مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكذا قال ابن يونس في تاريخ وفاته، وقال ابن قانع: مات سنة إحدى وثمانين، وهو ثبت.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٤٨٩) و (٥٨٨) و (٧٩٢) و (١٥٣٦) و (١٥٩٦) و (٢٢٧٨).
٣ - (الْأَوْزَاعِيَّ) عبد الرحمن بن عمرو المذكور في السند الماضي.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
стр. 6104
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ) هو: ربيعة بن كعب بن مالك الأسلميّ، أبو فِرَاس المدنيّ، كان مَن أهل الصُّفّة، خَدَمَ النبيّ ﷺ ، ونزل بعد موته على بَريد من المدينة.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، ونُعيم المجمر.
ويقال: إنه أبو فِرَاس الذي رَوَى عنه أبو عِمْران الْجَوْنيّ، وقد رُويَ عن أبي عمران، عن ربيعة الأسلمي.
قال الحافظ ﵀: وصوَّب الحاكم أبو أحمد، وابن عبد البرّ تبعًا للبخاريّ أن ربيعة بن كعب غير أبي فِرَاس الذي رَوَى عنه أبو عِمْران.
وذَكَر مسلم، والحاكم في "علوم الحديث" أن ربيعة تفرَّد بالرواية عنه أبو سلمة، وليس ذلك بجيِّد؛ لما تراه من ذكر رواية هؤلاء عنه، لكن قولُ المزيّ: إن محمد بن عمرو بن عطاء رَوَى عنه ليس بجيدٍ؛ لأنه لم يأخذ عنه، وإنما رَوَى عن نعيم المجمر عنه، كما هو في "مسند أحمد" وغيره، واللَّه أعلم.
قال: هكذا تعقبه شيخنا -يعني العراقيّ- في "النكت على ابن الصلاح"، وقد وردت رواية محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي فِراس الأسلميّ، عند ابن منده في "المعرفة" وغيره، فمن قال: إن أبا فراس هو ربيعة، فوَحَّدَهما أثبت رواية محمد بن عمرو بن عطاء عنه بهذا، ومن زَعَم أنهما اثنان أمكن اثنان، قال الشيخ: لكن الحديث الذي أورده ابن منده هو متن الحديث الذي أورده مسلم لربيعة بن كعب، وإن كان في ألفاظه اختلاف، فيَقْوَى أنه واحد.
وكذلك رَوَى الحاكم في "المستدرك" من طريق المبارك بن فَضَالة: حدَّثني أبو عِمران الْجَوْنيّ، حدَّثني ربيعة بن كعب الأسلميّ، قال: كنت أخدُم النبيّ ﷺ ، فقال لي: "يا ربيعة ألا تَزَوَّج؟ "، وهذا هو الحديث الذي رُوي عن أبي عمران، عن أبي فِراس، فَيَتَّجِه أنه هو، واللَّه أعلم. انتهى.
وقد ذكر غير واحد أنه مات سنة (٦٣) بعد الْحَرّة.
стр. 6105
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، و"المصنّف"، والأربعة، وليس له عنهم إلا هذا الحديث فقط.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعلّق له البخاريّ، وأخرج له أبو داود في "المراسيل"، وهقل، ما أخرج له البخاريّ، وكذا الصحابيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى بن أبي كثير، فقد سكن المدينة عشر سنين، وشيخه، بغداديّ، والباقيان دمشقيّان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب فقط.
شرح الحديث:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵀، أنه قال: (حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ) ﵁ (قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ) من البيوتة، أي أكون معه في الليل.
قال الفيّوميّ ﵀: بَاتَ يَبِيتُ بَيْتُوتَةً، ومَبِيتًا، ومَبَاتًا، فهو بائت، وتأتي نادرًا بمعنى نام ليلًا، وفي الأعم الأغلب بمعنى فَعَلَ ذلك الفعل بالليل، كما اختَصَّ الفعل في "ظَلَّ" بالنهار، فإذا قلت: بات يَفْعَل كذا، فمعناه: فعله بالليل، ولا يكون إلا مع سَهَر الليل، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤] الآية.
وقال الأزهريّ: قال الفراء: بات الرجل: إذا سَهِرَ الليل كلَّه في طاعة، أو معصية.
وقال الليث: مَن قال: بات بمعنى نام، فقد أخطأ، ألا ترى أنك تقول: بات يَرْعَى النجومَ، ومعناه ينظر إليها، وكيف ينام من يراقب النجوم؟.
стр. 6106
وقال ابن الْقُوطِيَّة أيضًا، وتبعه السَّرَقُسْطيّ، وابن القطاع: بات يفعل كذا: إذا فعله ليلًا، ولا يقال: بمعنى نام.
وقد تأتي بمعنى صار، يقال: بات بموضع كذا، أي صار به، سواء كان في ليل أو نهار، وعليه قوله ﷺ : "فإنه لا يدري أين باتت يده"، والمعنى: صارت، ووَصَلَت، وعلى هذا المعنى قول الفقهاء: بات عند امرأته ليلةً، أي صار عندها، سواء حَصَل معه نوم أم لا، وبَاتَ يَبَاتُ، من باب تَعِبَ لغة. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فمعنى "أبيت" هنا هو وجوده عنده ﷺ لخدمته، ولا يريد نومه، ويدلّ عليه قوله: "فأتيته إلخ"، واللَّه تعالى أعلم.
(مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ظرف لـ "أبيتُ"، قال في "المرقاة": ولعلّ هذا وقع له في السفر، وقال ابن حجر: أي إما في السفر، أو الحضر، والمراد بالمعيّة القرب منه بحيث يسمع نداءه إذا ناداه لقضاء حاجته. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيّد كونه في الحضر قوله في رواية أحمد: "كنت أخدُم رسول اللَّه ﷺ ، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه ﷺ العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته. . . " الحديث.
(فَأَتَيْتُهُ) وفي نسخة: "فآتيه" بصيغة مضارع المتكلّم، (بِوَضُوئِهِ) بفتح الواو؛ لأن المراد الماء الذي يتوضّأ منه، وقوله: (وَحَاجَتِهِ) من عطف العامّ على الخاصّ، أى بما يَحتاج إليه، من نحو سواك، وغيره.
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف ﵀، وقد ساقه الإمام أحمد في "مسنده" مطوّلًا، فقال:
(١٥٩٨٤) حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا أَبِي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نُعيم المجمر، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أخدُم رسول اللَّه ﷺ ، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه ﷺ العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تَحْدُث لرسول اللَّه ﷺ حاجة، فما أزال أسمعه يقول رسول اللَّه ﷺ :
стр. 6107
"سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، سبحان اللَّه وبحمده"، حتى أَمَلَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني فأرقدَ، قال: فقال لي يومًا لِمَا يرى من خفتي له، وخدمتي إياه: "سلني يا ربيعة أعطك"، قال: فقلت: أَنْظُر في أمري يا رسول اللَّه، ثم أُعْلِمك ذلك، قال: ففكرت في نفسي، فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقًا سَيكفيني ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول اللَّه ﷺ لآخرتي، فإنه من اللَّه بالمنزل الذي هو به، قال: فجئت، فقال: "ما فعلتَ يا ربيعة؟ "، قال: فقلت: نعم يا رسول اللَّه، أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار، قال: فقال: "من أمرك بهذا يا ربيعة؟ "، قال: فقلت: لا واللَّه الذي بعثك بالحقّ ما أمرني به أحدٌ، ولكنك لَمّا قلت: "سلني أعطك"، وكنتَ من اللَّه بالمنزل الذي أنت به، نظرتُ في أمري، وعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي فيها رزقًا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول اللَّه ﷺ لآخرتي، قال: فصمت رسول اللَّه ﷺ طويلًا، ثم قال لي: "إني فاعل، فأعنّي على نفسك بكثرة السجود". انتهى.
وهذا إسناد صحيحٌ، وقد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فزالت تهمة التدليس منه.
(فَقَالَ لِي: "سَلْ") بفتح السين المهملة، أمر من سأل يسأل، وأصله اسأل، فخُفّف، ويَحتمل أن يكون أمرًا من سال يسال، كخاف يخاف، لغة في سأل يسأل بالهمزة (١).
والمعنى: اطلب مني حاجتك حتى أكافئك في خدمتك لي.
(فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ) أي كوني رفيقًا لك فيها، ولا ينافي هذا ما تقدّم في رواية أحمد: "أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار"؛ لأن أحدهما يستلزم الآخر؛ لأنه إذا أعتق من النار، دخل الجنّة، وإذا دخل الجنّة، فقد رافقه ﷺ فيها، ويَحْتمل أن يكون المراد بالمرافقة مرافقةً خاصّة، بأن يكون قريبًا من درجته، وهذا أيضًا لا ينافي ما ذُكر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ ("أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ ") قال النوويّ ﵀: "أَوَ" بفتح الواو.
стр. 6108
انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: رويناه بإسكان الواو من "أو"، ونصب "غير". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن تعيّنت الرواية بأحد الوجهين، فلا ينبغي العدول عنها، وإلا فالكلام محتمل للوجهين؛ إذ يَحْتَمِل أن تكون الهمزة للاستفهام، دخلت على واو العطف، و"غيرَ" مفعول لفعل مقدّر، أي أتسأل غير ذلك، من أمور الدنيا، كالغنى ونحوه.
ويَحْتَمِلُ أن تكون "أَوْ" بسكون الواو للإضراب، بمعنى "بل"، أي بل أسأل غير ذلك من الحوائج، واللَّه تعالى أعلم.
قال القاضي عياض ﵀: قوله: "أو غير ذلك" قيل: لعله ﷺ فَهِم منه المساواة معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره، فلذلك قال له: "أو غير ذلك"، أي سل غير هذا، فلما قال له الرجل: "هو ذاك" قال له: "فأعنّي على نفسك إلخ"؛ ليزداد من القرب، ورفعة الدرجات حتى يقرب من منزلته، وإن لم يساوه فيها، فإن السجود معرج القُرَب، ومدار رفعة الدرجات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال ﷺ في حديث ثوبان ﵁ الماضي: "لا تسجد للَّه سجدةً إلا رفعك اللَّه بها درجةً"، ولأن السجود غاية التواضع للَّه، والعبوديّة له؛ إذ فيه تمكين أعزّ عضو الإنسان، وأرفعه، وهو وجهه من أدنى الأشياء، وهو التراب، والأرض المدوسة بالأرجل والنعال. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أو غير ذلك" رويناه بإسكان الواو من "أو"، ونصب "غيرَ"، أي أو سل غير ذلك، كأنه حضّه على سؤال شيء آخر غير مرافقته؛ لأنه فَهِمَ منه أن يطلُب المساواةَ معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره، فلما قال الرجل: "هو ذاك"، قال له: "أعنّي على نفسك بكثرة السجود"، أي الصلاة؛ ليزداد من القرب، ورفعة الدرجات حتى يقرُب من منزلته، وإن لم يساوه فيها.
قال: ولا يُعترض هذا بقول النبيّ ﷺ فيما رواه حُذيفة ﵁ ليلة
стр. 6109
الأحزاب: "ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم، جعله اللَّه معي يوم القيامة" (١)؛ لأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]؛ لأن هذه المعيّة هي النجاة من النار، والفوز بالجنّة، إلا أن أهل الجنّة على مراتب، ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم، وقد دلّ على هذا أيضًا قوله ﷺ : "المرء مع من أحبّ". انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ) مبتدأ وخبره، أي المسئول ما ذكرته لك، من مرافقتي لك في الجنّة، لا غيره (قَالَ) ﷺ ("فَأَعِنِّي) الفاء فاء الفصيحة، أي إذا كان مطلوبك ما ذكرته، فأعني (عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) الجارّان متعلّقان بـ "أعنِّي"، أي كن عونًا لي على تحصيل مطلوبك الذي هو مرافقتك لي في الجنّة بكثرة السجود للَّه تعالى، والظاهر أنه عموم السجود، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به الصلاة، وخصّ السجود بالذكر؛ لأنه مُذلّ للنفس، وقاهر لها؛ لما فيه من وضع أشرف الأعضاء، وأعلاها على الأرض، وأيّ نفس خضعت للَّه تعالى استحقّت رحمته وإحسانه، ورفع درجاته، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن ابن عمر عن عمر قال: لا أعلمه إلا رفعه، قال: "يقول اللَّه ﵎: مَن تواضع لي هكذا - وجعل يزيد (٢) باطن كفه إلى الأرض، وأدناها إلى الأرض -رفعته هكذا- وجعل باطن كفه إلى السماء، ورفعها نحو السماء".
وأخرج أحمد، وابن ماجه عن أبي سعيد ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من يتواضع للَّه سبحانه درجة، يرفعه اللَّه به درجة، ومن يتكبر على اللَّه درجةً يضعه اللَّه به درجةً حتى يجعله في أسفل السافلين"، وفيه درّاج، عن أبي الهيثم، ضعيف.
وقال بعضهم: المراد تعظيم تلك الحاجة، وأنها تحتاج إلى معاونة منك، ومجرّدُ السؤال مني لا يكفي فيها.
стр. 6110
أو المعنى: فوافقني بكثرة السجود قاهرًا بها نفسك، أو أعنّي على قهر نفسك بكثرة السجود، كأنه أشار إلى أن ما ذكرته لا يحصل إلا بقهر النفس التي هي أعدى عدوّ المرء، فلا بدّ لك من قهرها بصرفها عن غيّها وتكبّرها بالتواضع، فإن السجود كاسرٌ للنفس، ومذلّ لها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ربيعة بن كعب الأسلميّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٠٩٩] (٤٨٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٢٠)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤١٦)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، و (ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥٧ - ٥٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٥٧٠ و ٤٥٧١ و ٤٥٧٢ و ٤٥٧٣ و ٤٥٧٤ و ٤٥٧٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٩٤ و ٢٥٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٥٩ و ١٨٦٠ و ١٨٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٨٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على كثرة السجود؛ لأنه سبب لرفع الدرجات، ومحو الخطيئات.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذا الصحابيّ الجليل ﵁، حيث كان شديد الاهتمام بالآخرة، دون الدنيا؛ لقرب زوالها، ودناءة مقدارها، والآخرة خير وأبقى، فالفوز الحقيقيّ هو الفوز في الآخرة، قال اللَّه : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
٣ - (ومنها): بيان شدّة اهتمام النبيّ ﷺ حيث اهتمّ بهذا الصحابيّ؛ لقيامه بخدمته، فأراد أن يكافئه على ذلك، وهذا كان هديه ﷺ مع من يخدمه،
стр. 6111
فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن زياد بن أبي زياد، مولى بني مخزوم، عن خادم للنبيّ ﷺ رجلٍ، أو امرأةٍ، قال: كان النبيّ ﷺ مما يقول للخادم: "ألك حاجة؟ "، قال: حتى كان ذات يوم، فقال: يا رسول اللَّه حاجتي؟ قال: "وما حاجتك؟ "، قال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة، قال: "ومَن دَلّك على هذا؟ "، قال: ربي، قال: "إما لا، فأعنّي بكثرة السجود" (١).
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للرئيس أن يهتمّ بحوائج مرؤوسيه المحسنين إليه، وسؤاله إياهم ما يحتاجون إليه، حتى يُعينهم على حوائجهم بما يستطيعه، فإن لم يستطع دعا لهم، فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بسند صحيح، عن ابن عمر ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه" (٢).
٥ - (ومنها): جواز طلب الرتبة الرفيعة، من مرافقة الأنبياء، ونحو ذلك.
٦ - (ومنها): بيان أن من الناس من يكون مع الأنبياء ﵈ في الجنّة.
٧ - (ومنها): الحثّ على مجاهدة النفس وقهرها بكثرة الطاعة، وعلى أن نيل المراتب العليّة بمخالفة النفس الدنيّة.
٨ - (ومنها): مزيد فضل الصلاة، وأن الإكثار منها سبب لعلوّ الدرجات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 6112
(٤٥) - (بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْي عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ وَالثَّوْبِ، وَعَقْصِ الشَّعْرِ فِي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٠٠] (٤٩٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثِيَابَهُ، هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى، وقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثِيَابَهُ: الْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٥ - (طَاوُس) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه الحبر البحر ﵄، تقدّم قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما.
стр. 6113
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا إلخ"، وذلك لبيان اختلاف شيخيه في كيفيّة التحمّل، وصيغتي الأداء، فالأول أخذه عن حماد قراءةً، والثاني سماعًا.
٤ - (ومنها): أن قوله: "حماد بن زيد" مرفوع على الفاعليّة على سبيل التنازع لـ "أخبرنا"، وحدّثنا".
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن طاوس، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ) "أُمر" بالبناء للمفعول، و"أن" مصدريّة "وَيسْجُد" بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ ﷺ ، والجملة صلة "أن".
وقال السنديّ ﵀: "أُمِرَ" على بناء المفعول، و"أن يَسْجُد" على بناء الفاعل، ويَحْتَمِلُ أن يُعْكَسَ، ويَحْتَمِل بناؤهما للفاعل على أن ضمير "يَسْجُدَ" للمصلي.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الاحتمالات لا بدّ أن تصحّ روايةً، والظاهر أن الوجه الأول هو الرواية، كما صرّح به الحافظ ﵀، حيث قال في "شرحه" رواية البخاريّ من طريق سفيان، عن عمرو ما نصّه: قوله: "أُمِرَ" هو بضم الهمزة في جميع الروايات، بالبناء لما لم يُسَمَّ فاعله، والمراد به اللَّه ﷻ ، قال البيضاويّ: عُرِف ذلك بالعُرْف، وذلك يقتضي الوجوب، قيل: وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه صيغة افْعَلْ. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا النظر غير صحيح، بل الحقّ أن الأمر هنا للوجوب؛ لأنه لا فرق بين قوله: افْعَلْ كذا، وبين قوله: "أمرتك أن تفعل
стр. 6114
كذا"، قال الشوكانيّ ﵀ ردًّا على هذا النظر ما نصّه: وهو ساقطٌ؛ لأن لفظ "أمر" أدلّ على المطلوب من صيغة "افعل"، كما تقرّر في الأصول، ولكن الذي يتوجّه على القول باقتضائه الوجوب على الأمة أنه لا يتمّ إلا على القول بأن خطابه ﷺ خطاب لأمته، وفيه خلاف معروفٌ، ولا شكّ أن عموم أدلّة التأسّي تقتضي ذلك، وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عبّاس بلفظ: "أُمرنا"، وهو دالٌّ على العموم. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح في الأصول أن خطابه ﷺ خطاب لأمته، كعكسه، وإلى هذا أشرت بقولي:
خِطَابُهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُصْطَفَى … يَعُمُّنَا عَلَى الصَّحِيحِ الْمُقْتَفَى
لأَنَّهُ أُسْوَتُنَا فَإِنْ وَرَدْ … دَلِيلُ مَا يَخُصُّهُ فَلْيُعْتَمَدْ
كَذَا خِطَابُهَا يَعُمُّهُ إِذَا … لَمْ يَأْتِ مَا يَخُصُّهَا فَيُحْتَذَى
[فإن قلت]: ظاهر قوله: "أُمر النبيّ ﷺ "، وكذا الرواية التالية: "أُمِرتُ أن أسجُد على سبعة أعظم"، يدلّ على الخصوصيّة، فمن أين يؤخذ أمر الأمة بذلك؟.
[قلت]: يؤخذ من الروايات الأخرى التي فسّرت أن المراد بأمره ﷺ ما يعمّه هو وأمته، فقد فسّره حديث العباس بن عبد المطّلب ﵁ الآتي في الباب، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف. . . " الحديث، فقد بيّن أن الأمر عامّ له ﷺ ، ولأمته.
وكذا رواية البخاريّ لحديث ابن عبّاس ﵄ هذا من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار بلفظ: "أُمرنا أن نسجد على سبعة أعظم. . . " الحديث، فتبيّن بهذا أن الخصوصيّة ليست مرادة هنا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" عند شرح رواية شعبة المذكورة ما نصّه: وعُرِف بهذا أن ابن عباس ﵄ تلقّاه عن النبيّ ﷺ إما سماعًا منه، وإما بلاغًا عنه، وقد أخرجه مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ بلفظ: "إذا سجد العبد سجد
стр. 6115
معه سبعة آراب. . . " الحديث، وهذا يرجح أن النون في "أُمِرنا" نون الجمع، والآراب بالمد جمع إِرْب، بكسر أوله، وإسكان ثانيه، وهو العضو، ويَحْتَمِل أن يكون ابن عباس تلقاه عن أبيه ﵄. انتهى (١).
(عَلَى سَبْعَةٍ) متعلّق بـ "يسجد"، أي على سبعة أعضاء (وَنُهِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا (أَنْ يَكُفَّ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، يقال: كفّ الشيءَ كفًّا، من باب نصر: تركه، وكَفَفتُهُ كَفًّا أيضًا: منعته، فكَفَّ، يتعدّى ويلزم، وما هنا من المتعدّي، ولذا نَصَبَ قوله (شَعْرَهُ وَثيَابَهُ) "الشَّعْر" بسكون العين، وفتحها، ويُجمع الأول على شُعُور، كفلس وفلوس، والثاني على أشعار، كسبب وأسباب، وهو مذكر، والواحدة شعرة (٢)، والمراد به هنا شعر الرأس.
والمعنى: أنه نُهي عن أن يضمّ، ويَجمع عند السجود شعره، وثيابه؛ صونًا لهما عن التراب، بل يُرسلهما، ويتركهما على حالهما حتى يقعا إلى الأرض، فيكون كلّه ساجدًا للَّه .
ويأتي في الرواية التالية بلفظ: "ونُهي أن يَكْفِت الثياب والشعر"، والْكَفْتُ بمثناة في آخره، هو الضمّ، وهو بمعنى الكفّ.
وظاهره يقتضي أن النهي عنه في حال الصلاة، وإليه جنح الداوديّ، وتؤيّده ترجمة الإمام البخاريّ به في "صحيحه" حيث قال: "بابٌ لا يكُفّ ثوبه في الصلاة".
وردّ ذلك عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كَرِهُوا ذلك للمصلي، سواء فعله في الصلاة، أو قبل أن يدخل فيها، واتَّفقوا على أنه لا يُفْسِد الصلاة، لكن حَكَى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة.
قيل: الحكمة في ذلك أنه إذا رَفَعَ ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر، أفاده في "الفتح" (٣).
وقوله: (هَذَا) مبتدأ، خبره قوله: (حَدِيثُ يَحْيَى) بن يحيى، شيخه
стр. 6116
الأول، يعني أن هذا السياق الذي مضى هو سياق يحيى، وأما سياق شيخه الثاني، فأشار إليه بقوله: (وقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ (عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ) أي بدل قول يحيى: "على سبعة" بلا ذكر التمييز، أي أُمر النبيّ ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم.
و"الأعظم: جمع عَظْم، ويُجمع أيضًا على عِظَام بالكسر، مثلُ سَهْم وأسْهُم وسِهَام، وكأنه سَمّى كلَّ واحد من هذه الأعضاء عظمًا باعتبار الجملة، وإن اشتمل كلّ واحد منها على عِظام كثيرة، فهو من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ.
وقال الصنعانيّ في "حاشية العمدة": قوله: "على سبعة أعضاء" أي معتمدًا عليها في أداء واجب السجود، وهو إيصال المكلّف جبهته إلى الأرض تعظيمًا للَّه تعالى، والساجد هو الشخص، ونسبة السجود إلى الوجه في مثل "سَجَدَ وجهي"، وحديث: "إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه" مجاز عما يقع به السجود. انتهى.
وقوله " (وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثِيَابَهُ) جملة معترضة بين المجمل، وهو قوله: سبعة أعظم"، وتفسيره، وهو قوله: (الْكَفَّيْنِ) هذا تفسير لما في الرواية الآتية بلفظ: "اليدين"، قال ابن دقيق العيد: المراد باليدين هنا الكفان، وقد اعتقد قوم أن مطلق لفظ "اليدين" يُحمل عليهما، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، واستنتجوا من ذلك أن التيمّم إلى الكوعين، وعلى كلّ تقديرٍ، فسواء صحّ هذا أم لا فالمراد ها هنا الكفّان؛ لأنا لو حملناه على بقيّة الذراع لدخل تحت المنهيّ عنه من افتراش الكلب والسبع، ثم تصرّف الفقهاء بعد ذلك، فقال بعض مصنّفي الشافعيّة: إن المراد الراحة، أو الأصابع، ولا يُشترط الجمع بينهما، بل يكفي أحدهما، ولو سجد على ظهر الكفّ لم يكفه، هذا معنى ما قال. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار بقوله: "لدخل تحت المنهيّ عنه إلخ" إلى
стр. 6117
حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب"، الآتي في الباب التالي.
وأما ما ذكره عن بعض الفقهاء من أن المراد الراحة، أو الأصابع، فمما لا دليل عليه، بل هو معارض لعموم النصّ، فلا يُلتفت إليه فتبصّر.
(وَالرُّكبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ) وفي الرواية الآتية: "وأطراف القدمين" وهو تفسير للمراد، وذلك بأن يجعل قدمين قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة.
وقال النوويّ ﵀ في "تحقيقه": المعتبر في القدمين بطون الأصابع، وقيل: يكفي ظهر القدم، وفي الكفّين بطنهما، وقيل: يشترط بطن الراحة، وقال ابن عبد البرّ: لو سجد عليهما مقبوضتين جاز ذلك (١).
(وَالْجَبْهَةِ) بفتح، فسكون، جمعها جِبَاهٌ، مثلُ كَلْبة وكلاب، قال الخليل: هي مُسْتَوَى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود، قاله في "المصباح" (٢).
وقال ابن الملقّن ﵀: الجبهة: ما أصاب السجود من الأرض، ولا يكفي جانباه، وهما الجبينان. انتهى (٣).
وزاد في رواية عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه الآتية: "وأشار بيده على أنفه"، قال في "الفتح": كأنه ضَمَّن "أشار" معنى "أَمَرَّ" بتشديد الراء، فلذلك عدّاه بـ "على" دون "إلى" ووقع في "العمدة" بلفظ "إلى"، وهي في بعض نسخ البخاريّ، من رواية كريمة، وعند النسائيّ من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، فذكر هذا الحديث، وقال في آخره: قال ابن طاوس: "ووضع يده على جبهته، وأمرّها على أنفه"، وقال: هذا واحد، فهذه رواية مفسَّرَة.
قال القرطبيّ: هذا يدلّ على أن الجبهة الأصل في السجود، والأنف تبَعٌ.
стр. 6118
وقال ابن دقيق العيد: قيل: معناه أنهما جُعِلا كعضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانيةً، قال: وفيه نظرٌ؛ لأنه يلزم منه أن يُكْتَفَى بالسجود على الأنف، كما يُكْتَفى بالسجود على بعض الجبهة، وقد احتُجَّ بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف، قال: والحقّ أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يُعْتَقد أنهما كعضو واحد، فذاك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر.
وأيضًا فإن الإشارة قد لا تُعَيِّن المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجبهة لأجل العبادة، فإذا تقارب ما في الجبهة أمكن أن لا يعين المشار إليه يقينًا، وأما العبارة فإنها معيّنة لما وضعت له فتقديمه أولى. انتهى.
وما ذكره من جواز الاقتصار على بعض الجبهة قال به كثير من الشافعية، وكأنه أُخِذ من قول الشافعيّ في "الأم": إن الاقتصار على بعض الجبهة يُكْرَه، وقد ألزمهم بعض الحنفية بما تقدم.
ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده.
وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها، وعن الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من المالكية وغيرهم: يجب أن يَجْمَعهما، وهو قول للشافعي أيضًا. انتهى (١).
وقال ابن الملقّن ﵀: أقلّ السجود مباشرة بعض جبهته مصلاه مع الطمأنينة، والتحامل على موضع سجوده، وارتفاع الأسافل على الأعالي، وإذا أوجبنا وضع الركبتين والقدمين لم يجب كشفهما قطعًا، بل يكره كشف الركبتين كما نصّ عليه في "الأمّ"، وإذا أوجبنا وضع الكفّين لم يجب كشفهما أيضًا على أظهر القولين، وهو ظاهر الحديث، فإنه دالّ على الوضع فقط، والزائد هل يُجعل علّة للإجزاء، أو جزء علّة؟ فيه نظر، والخلاف متردّد بين الجبهة، فيجب كشفها قطعًا، وبين الركبتين والقدمين فلا يجب قطعًا. انتهى.
стр. 6119
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مذهب القائلين بوجوب السجود على الجبهة والأنف جميعًا هو الحقّ؛ لظاهر الأمر، وأما القول بوجوب كشف الوجه، أو سائر الأعضاء فمما لا دليل عليه، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١١٠٠ و ١١٠١ و ١١٠٢ و ١١٠٣ و ١١٠٤] (٤٩٠)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٠٩ و ٨١٠ و ٨١٢ و ٨١٥ و ٨١٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٨٩ و ٨٩٠)، و (الترمذيّ) فيها (٣٧٣)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٠٨ و ٢١٠ و ٢١٦)، و (ابن ماجه) فيها (٨٨٣ و ٨٨٤ و ١٠٤٠)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٢٩٧١ و ٢٩٧٢ و ٢٩٧٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٠٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٦١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢١ و ٢٥٥ و ٢٧٩ و ٢٨٥ و ٢٨٦ و ٣٢٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٣٢ و ٦٣٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٢٣ و ١٩٢٤ و ١٩٢٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٨٥٥ و ١٠٨٥٦ و ١٠٨٥٧ و ١٠٨٥٨ و ١٠٨٥٩ و ١٠٨٦٠ و ١٠٨٦١ و ١٠٨٦٢ و ١٠٨٦٣ و ١٠٨٦٤ و ١٠٨٦٥ و ١٠٨٦٧ و ١٠٨٦٨)، وفي "الصغير" (٩١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٠٣ و ١٠٨)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٠٠ و ٢٠١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٦٢ و ١٨٦٣ و ١٨٦٤ و ١٨٦٥ و ١٨٦٦ و ١٨٦٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٨٧ و ١٠٨٨ و ١٠٨٩ و ١٠٩٠ و ١٠٩١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن أعضاء السجود التي لا يتحقق السجود المأمور به في النصوص إلا بوضعها سبعة.
стр. 6120
٢ - (ومنها): أن ظاهر الحديث دالّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان النهي عن كفّ الشعر والثوب للصلاة، والحكمة في ذلك أن كفّهما يُشبه فعل المتكبّر، فينافي معنى السجود، وهو التواضع للَّه بجميع أعضاء المصلّي، وما يتّصل به.
ثم إن هذا النهي عن كفّ الثوب في الصلاة محمول على غير حالة الاضطرار، فإن من ضمّ إليه ثوبه إذا خاف تكشّف عورته لا يدخل تحت هذا النهي، بل هو من فعل الواجبات، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): بيان أن أمر النبيّ ﷺ ، ونهيه يعمّ أمته إلا فيما خُصّ به.
٥ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قد يُسْتَدُّل بهذا على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء، فإن مسمى السجود يحصل بالوضع، فمن وضعها فقد أتى بما أُمر به، فوجب أن يَخْرُج عن العهدة، وهذا يلتفت إلى بحث أصوليّ، وهو أن الإجزاء في مثل هذا، هل هو راجع إلى اللفظ، أم إلى أن الأصل عدم وجوب الزائد على الملفوظ به، مضمومًا إلى فعل المأمور به؟.
وحاصله أن فعل المأمور به هل هو عِلّة الإجزاء، أو جزء علّة الإجزاء، ولم يُخْتَلَف في أن كشف الركبتين غير واجب، وكذلك القدمان، أما الأول فلما يُحْذَر فيه من كشف العورة، وأما الثاني، وهو عدم كشف القدمين، فعليه دليل لطيفٌ جدًّا؛ لأن الشارع وَقَّت المسح على الخفّ بمدة تقع فيها الصلاة مع الخفّ، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفين، وانتقضت الطهارة، وبطلت الصلاة، وهذا باطل.
ومن نازع في انتقاض الطهارة بنزع الخفّ، فَيُرَدّ عليه بحديث صفوان الذي فيه: "أُمِرنا أن لا نَنْزِع خفافنا. . . " إلى آخره (١).
стр. 6121
فنقول: لو وجب كشف القدمين لناقضه إباحة عدم النزع في هذه المدّة التي دلّ عليها لفظة "أُمِرنا" المحمولة على الإباحة.
وأما اليدان فللشافعيّ تردد قول في وجوب كشفهما. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد حقّق الإمام ابن دقيق العيد: هذه المسألة، وأجاد فيها.
وحاصل ما دلّ عليه تحقيقه أنه لا يجب كشف أعضاء السجود: الجبهةِ، أو غيرها، كما دلّ عليه ظاهر حديث الباب، ولا نصّ يخالفه ويدلّ على الوجوب.
والحاصل أن المصلّي مأمور بوضع هذه الأعضاء، سواء كانت مكشوفة، أو غير مكشوفة، فإذا تحقّق وضعه لها، فقد أدّى ما وجب عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم السجود على الأعضاء السبعة:
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: ظاهر الحديث يدلّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء؛ لأن الأمر للوجوب، والواجب عند الشافعيّ منها الجبهة، لم يتردد قوله فيه، واختَلَفَ قوله في اليدين والركبتين والقدمين، وهذا الحديث يدلّ للوجوب، وقد رَجّح بعض أصحابه عدم الوجوب، ولم أرهم عارضوا هذا بدليل قويّ أقوى من دلالته، فإنه استَدَلّ لعدم الوجوب بقوله ﷺ في حديث رفاعة ﵁ (١): "ثم يسجدُ، فَيُمَكِّن جبهته"، وهذا غايته أن تكون دلالته دلالة مفهوم، وهو مفهوم لقب، أو غاية (٢)، والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه، وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم، كما مرَّ لنا في قوله ﷺ : "جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، مع قوله: "جُعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا"، فإنه ثَمَّ يُعْمَل بذلك
стр. 6122
العموم من وجه إذا قدّمنا دلالة المفهوم، وها هنا إذا قدّمنا دلالة المفهوم أسقطنا الدليل الدالّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، أعني اليدين، والركبتين، والقدمين، مع تناول اللفظ لها بخصوصها.
وأضعف مِن هذا ما استُدلّ به على عدم الوجوب، من قوله ﷺ : "سجد وجهي للذي خلقه"، قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه.
وأضعف مِن هذا الاستدلالُ على عدم الوجوب بأن مسمَّى السجود يَحصل بوضع الجبهة، فإن هذا الحديث يدلّ على إثبات زيادة على المسمَّى، فلا تُترك.
وأضعف من هذا المعارضة بقياس شَبَهيّ، ليس بقويّ، مثل أن يقال: أعضاءٌ لا يجب كشفها فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء، سوى الجبهة.
وقد رَجَّح المحامليّ من أصحاب الشافعيّ القول بالوجوب، وهو أحسن عندنا من قول من رَجَّح عدم الوجوب.
وذهب أبو حنيفة إلى أن مَن سجد على الأنف وحده كفاه، وهو قول في مذهب مالك وأصحابه.
وذهب بعض العلماء إلى أن الواجب السجود على الجبهة والأنف معًا، وهو قول في مذهب مالك أيضًا، ويُحْتَجّ لهذا المذهب بحديث ابن عباس ﵄ هذا، فإن في بعض طرقه: "الجبهة والأنف معًا"، وفى هذه الطريق التى ذكرها المصنف -يعني صاحب "العمدة"-: "الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه".
فقيل: معنى ذلك أنهما جُعِلا كالعضو الواحد، ويكون الأنف كالتبع للجبهة.
واستُدِلّ على هذا بوجهين:
أحدهما: أنه لو كان كعضو منفرد عن الجبهة حكمًا، لكانت الأعضاء المأمور بالسجود عليها ثمانيةً، لا سبعةً، فلا يطابق العدد المذكور في أول الحديث.
الثاني: أنه قد اختَلَفت العبارة مع الإشارة إلى الأنف، فإذا جُعلا كعضو واحد، أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، فتطابق الإشارة
стр. 6123
العبارة، وربما استُنْتِجَ من هذا أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه؛ لأنهما إذا جُعلا كعضو واحد، كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة، فيجزئ.
والحقّ أن مثل هذا لا يعارِض التصريح بذكر الجبهة والأنف؛ لكونهما داخلين تحت الأمر، وإن أمكن أن يُعتَقَد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور، فذلك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دَلّ عليه الأمر.
وأيضًا فإن الإشارة قد لا تُعَيِّن المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجبهة، فإذا تفاوت ما في الجبهة أمكن أن لا يتعين المشار إليه يقينًا، وأما اللفظ فإنه مُعَيِّن لما وُضِع له، فتقديمه أولى. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد الإمام ابن دقيق العيد ﵀ في تحقيق هذه المسألة، وأفاد.
وحاصل ما حقّقه أن السجود على هذه الأعضاء المذكورة في الحديث واجب؛ لأنها وردت بصيغة الأمر، والأمر للوجوب، وأما التفريق بين أجزائها، فيجب السجود على بعضها دون بعض، كما يقول الشافعيّ ﵀ في الجبهة، والحنفيّة في الجبهة أو الأنف، وكذا في سائر الأعضاء، فمخالف للنصوص، فلا يُلتفت إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا أَكُفَّ ثَوْبًا، وَلَا شَعْرًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدَار، تقدّم قريبًا.
стр. 6124
٢ - (مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بِغُنْدَر، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٠٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ (١)، وَنُهِيَ أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمامٌ فقيه، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد اللَّه، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) ٤/ ١٨.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (عَلَى سَبْعٍ) وفي نسخة: "على سبعة"، وتذكير العدد وتأنيثه إذا لم يذكر المعدود تمييزًا جَائزٌ، ومنه حديث: "وأتبعه ستًّا من شوّال"، وتقول: مسائلُ تسعةٌ، ورجالٌ تسعٌ (٢).
وقوله: (وَنُهِيَ أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ) "يَكْفِتَ" بفتح أوله، وسكون الكاف، وكسر الفاء، أي لا يضمّها، ولا يجمعها، و"الْكَفْتُ": الجمع والضمّ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات: ٢٥] أي
стр. 6125
تجمع الناس في حياتهم وموتهم، وهو بمعنى الكفّ في الرواية المتقدّمة، وكلاهما بمعنى واحد (١).
قال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا الحديث يقتضي أن الكفت المنهيّ عنه إنما هو في حال الصلاة، وذلك لأنه شغل في الصلاة، لم تدع الحاجة إليه، أو لأنه يرفع شعره وثوبه من مباشرة الأرض في السجود، فيكون كِبْرًا، وذهب الداوديّ إلى أن ذلك لمن فعله في الصلاة، قال عياضٌ: ودليل الآثار، وفعل الصحابة يُخالفه. انتهى (٢).
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، ومسائله في الحديث الأول، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أنفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ، وَلَا الشَّعْرَ (٣) ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ ربما وَهِم، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "المقدمة" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا في الآخر [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
стр. 6126
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (الْجَبْهَةِ) بالجرّ بدلٌ من "سبعة"، أو عطف بيان له، وما بعدها عطف عليها، ويَحْتَمل النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني الجبهةَ. . . إلخ.
وقوله: (وَأَشَارَ بيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ) معترضة بين المتعاطفات، قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن الجبهة الأصل في السجود، وأن الأنف تبع له، وقد اختلف العلماء فيمن اقتصر على أحدهما دون الآخر على ثلاثة أقوال: الإجزاءُ، ونفيه، والتفرقةُ، فإن اقتصر على الجبهة أجزأ، وإن اقتصر على الأنف لم يُجزه، وهو مشهور مذهبنا -يعني المالكيّة- وقد سوّى في هذا الحديث في الأمر بكيفية السجود بين الوجه واليدين والركبتين والقدمين، فدلّ هذا الظاهر على أن من أخلّ بعضو من تلك الأعضاء مع تمكّنه من ذلك، لم يفعل السجود المأمور به. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قرّر القرطبيّ ﵀ أخيرًا هو الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا التفات إلى ما يغايره.
وحاصله أن الحديث نصّ في استواء هذه الأعضاء السبعة في وجوب السجود عليها، فلا يجوز الإخلال ببعضها مع الاستطاعة، فمن قال بتفريق بعضها عن بعض في الحكم، فأجاز السجود مع ترك بعضها، فقد خالف النصّ، فلا يجوز تقليده، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (وَالْيَدَيْنِ) المراد به الكفّان كما تقدّم في الرواية الأولى.
وقوله: (وَالرِّجْلَيْنِ) المراد به الركبتان، كما في الرواية الأخرى.
وقوله: (وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ) أي بأن تُجعل قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعتان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة (٢).
وقوله: (وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ) وفي نسخة: "ولا أكفت الثياب والشعر"، و"نَكْفِت" بفتح النون، وسكون الكاف، وكسر الفاء، آخره مثنّاة فوقيّة، وروي بالنصب عطفًا على المنصوب السابق، وهو "أسجُدَ"، أي أمرت أن لا نكفت،
стр. 6127
ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة (١).
وقوله: (وَلَا الشَّعْرَ) بزيادة "لا" للتأكيد، والمراد شعر الرأس، والمعنى: أمرت أن أرسل الثياب والشعر، ولا نضمّهما إلى أنفسنا؛ وقايةً لهما من التراب، بل نتركهما حتى يقعا على الأرض؛ لنسجد بجميع الأعضاء والثياب.
والحديث متفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ (٢)، وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ، وَلَا الثِّيَابَ: الْجَبْهَةِ، وَالأَنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فالثلاثة الأولون تقدّموا قبل باب، والباقون في السند الماضي.
وقوله: (عَلَى سَبْعٍ) وفي نسخة: "على سبعة"، وتقدّم قريبًا حكم تذكير العدد وتأنيثه، فلا تنس نصيبك.
والحديث متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٠٥] (٤٩١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ").
стр. 6128
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (بَكْرٌ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٤٩.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ، له أفراد [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْد) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٦ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم، عمّ النبيّ ﷺ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وبكر، فمصري.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو عمّ الرسول ﷺ ، وأبو الخلفاء ﵁.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) "أل" في "العباس"؛ للمح الأصل، وذكرها وتركه جائزان، كما أشار ابن مالك إلى ذلك في "الخلاصة" بقوله:
стр. 6129
وَبَعْضُ العلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كـ "الْفَضْلِ" وَ"الْحَارِثِ" وَ"النُّعْمَانِ" … فَذِكُرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
(أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ) بفتح الهمزة: جمع طَرَف بفتحتين، كسبب وأسباب، والمراد الأعضاء.
ووقع في رواية أبي داود، والنسائيّ بلفظ: "سبعة آراب" بالمدّ، وهو: جمع إِرْبٍ، بكسر، فسكون، كحِمْل وأَحْمال، وهي الأعضاء.
وهذه الجملة خبريّة لفظًا، إنشائيّةٌ معنى، بدليل حديث ابن عبّاس ﵄ الماضي، أي فليسجُد معه سبعة أعضاء.
ثم فسّر الأطراف بقوله:
(وَجْهُهُ) بالرفع بدلٌ من "سبعة"، أو خبر لمحذوف، أي هي وجهه، ويَحْتمل النص، إن صحّ روايةً على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني وجهه.
والمراد بالوجه هنا الجبهة والأنف، كما تقدّم التصريح به في حديث ابن عبّاس ﵄: "الجبهة والأنف".
(وَكَفَّاهُ) هكذا هنا، وهو تفسير لما تقدّم في بعض روايات ابن عبّاس بلفظ: "اليدين"، كما تقدّم تحقيقه.
(وَرُكْبَتَاهُ) هذا أيضًا تفسير لما سبق في حديث ابن عبّاس ﵄ بلفظ "الرجلين".
(وَقَدَمَاهُ") تقدّم في حديث ابن عبّاس بلفظ: "وأطراف القدمين"، وهو تفسير لما هنا، فالمأمور به نصب أطراف القدمين على الأرض، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث العبّاس بن عبد المطّلب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: حديث العبّاس ﵁ هذا هكذا هو في معظم النسخ عندنا، وعليها شرح القاضي عياض، والنوويّ، والأبيّ والسنوسيّ، وهو الذي عند
стр. 6130
الحافظ أبي الحجّاج المزيّ في "تحفته" (١).
لكنه لا يوجد في النسخة الاستانبوليّة التي هي من أحسن نسخ مسلم التي بين أيدينا الآن، وهي التي حقّقها وعلّق عليها الأستاذ محمد ذهني ﵀.
وقد كتب الحافظ في "النكت الظراف" ما نصّه: قال ابن شيخنا -يعني أبا زرعة-: لم أقف عليه في "الصلاة" من "صحيح مسلم". انتهى (٢). ولم يتعقّبه الحافظ، فدلّ على اختلاف نسخ "صحيح مسلم" في إثباته، وحذفه.
ومما يؤيّد ذلك أنه لم يُذكره أبو نعيم في "مستخرجه على مسلم"، ولا أبو عوانة في "مسنده" الذي هو "مستخرج على صحيح مسلم" أيضًا، فدلّ على أنه لم يقع ذكر في النسخ التي عندهما من "صحيح مسلم".
وقد كنت كتبت في "شرح النسائي"، وملت إلى ترجيح ما قاله أبو زرعة، وتعقّبت المتأخرين الذين قلّدوا المزيّ في قوله: إن مسلمًا أخرجه، والآن تبيّن لي أن ما قاله المزّي والعراقي صحيح، باعتبار اختلاف النسخ، فلا داعي إلى تخطئة بعضهم، وتصويب بعضهم، فليُتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١١٠٥] (٤٩١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٩١)، و (الترمذيّ) فيها (٢٧٢)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٠٨ و ٢١٠)، و (ابن ماجه) فيها (٨٨٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٠٦ و ٢٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٢١ و ١٩٢٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٠١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أجد حديث العبّاس بن عبد المطلب ﵁ هذا في "مسند أبي عوانة"، ولا في "مستخرج أبي نعيم"، ولعلهما لم يستخرجاه