← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (الْجَبْهَةِ) بالجرّ بدلٌ من "سبعة"، أو عطف بيان له، وما بعدها عطف عليها، ويَحْتَمل النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني الجبهةَ. . . إلخ. وقوله: (وَأَشَارَ بيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ) معترضة بين المتعاطفات، قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن الجبهة الأصل في السجود، وأن الأنف تبع له، وقد اختلف العلماء فيمن اقتصر على أحدهما دون الآخر على ثلاثة أقوال: الإجزاءُ، ونفيه، والتفرقةُ، فإن اقتصر على الجبهة أجزأ، وإن اقتصر على الأنف لم يُجزه، وهو مشهور مذهبنا -يعني المالكيّة- وقد سوّى في هذا الحديث في الأمر بكيفية السجود بين الوجه واليدين والركبتين والقدمين، فدلّ هذا الظاهر على أن من أخلّ بعضو من تلك الأعضاء مع تمكّنه من ذلك، لم يفعل السجود المأمور به. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قرّر القرطبيّ ﵀ أخيرًا هو الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا التفات إلى ما يغايره. وحاصله أن الحديث نصّ في استواء هذه الأعضاء السبعة في وجوب السجود عليها، فلا يجوز الإخلال ببعضها مع الاستطاعة، فمن قال بتفريق بعضها عن بعض في الحكم، فأجاز السجود مع ترك بعضها، فقد خالف النصّ، فلا يجوز تقليده، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَالْيَدَيْنِ) المراد به الكفّان كما تقدّم في الرواية الأولى. وقوله: (وَالرِّجْلَيْنِ) المراد به الركبتان، كما في الرواية الأخرى. وقوله: (وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ) أي بأن تُجعل قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعتان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة (٢). وقوله: (وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ) وفي نسخة: "ولا أكفت الثياب والشعر"، و"نَكْفِت" بفتح النون، وسكون الكاف، وكسر الفاء، آخره مثنّاة فوقيّة، وروي بالنصب عطفًا على المنصوب السابق، وهو "أسجُدَ"، أي أمرت أن لا نكفت،

стр. 6127

ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة (١). وقوله: (وَلَا الشَّعْرَ) بزيادة "لا" للتأكيد، والمراد شعر الرأس، والمعنى: أمرت أن أرسل الثياب والشعر، ولا نضمّهما إلى أنفسنا؛ وقايةً لهما من التراب، بل نتركهما حتى يقعا على الأرض؛ لنسجد بجميع الأعضاء والثياب. والحديث متفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ (٢)، وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ، وَلَا الثِّيَابَ: الْجَبْهَةِ، وَالأَنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فالثلاثة الأولون تقدّموا قبل باب، والباقون في السند الماضي. وقوله: (عَلَى سَبْعٍ) وفي نسخة: "على سبعة"، وتقدّم قريبًا حكم تذكير العدد وتأنيثه، فلا تنس نصيبك. والحديث متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٥] (٤٩١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ").

стр. 6128

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (بَكْرٌ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٤٩. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ، له أفراد [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْد) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٦ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم، عمّ النبيّ ﷺ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وبكر، فمصري. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو عمّ الرسول ﷺ ، وأبو الخلفاء ﵁. شرح الحديث: (عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) "أل" في "العباس"؛ للمح الأصل، وذكرها وتركه جائزان، كما أشار ابن مالك إلى ذلك في "الخلاصة" بقوله:

стр. 6129

وَبَعْضُ العلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كـ "الْفَضْلِ" وَ"الْحَارِثِ" وَ"النُّعْمَانِ" … فَذِكُرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ (أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ) بفتح الهمزة: جمع طَرَف بفتحتين، كسبب وأسباب، والمراد الأعضاء. ووقع في رواية أبي داود، والنسائيّ بلفظ: "سبعة آراب" بالمدّ، وهو: جمع إِرْبٍ، بكسر، فسكون، كحِمْل وأَحْمال، وهي الأعضاء. وهذه الجملة خبريّة لفظًا، إنشائيّةٌ معنى، بدليل حديث ابن عبّاس ﵄ الماضي، أي فليسجُد معه سبعة أعضاء. ثم فسّر الأطراف بقوله: (وَجْهُهُ) بالرفع بدلٌ من "سبعة"، أو خبر لمحذوف، أي هي وجهه، ويَحْتمل النص، إن صحّ روايةً على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني وجهه. والمراد بالوجه هنا الجبهة والأنف، كما تقدّم التصريح به في حديث ابن عبّاس ﵄: "الجبهة والأنف". (وَكَفَّاهُ) هكذا هنا، وهو تفسير لما تقدّم في بعض روايات ابن عبّاس بلفظ: "اليدين"، كما تقدّم تحقيقه. (وَرُكْبَتَاهُ) هذا أيضًا تفسير لما سبق في حديث ابن عبّاس ﵄ بلفظ "الرجلين". (وَقَدَمَاهُ") تقدّم في حديث ابن عبّاس بلفظ: "وأطراف القدمين"، وهو تفسير لما هنا، فالمأمور به نصب أطراف القدمين على الأرض، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث العبّاس بن عبد المطّلب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. [تنبيه]: حديث العبّاس ﵁ هذا هكذا هو في معظم النسخ عندنا، وعليها شرح القاضي عياض، والنوويّ، والأبيّ والسنوسيّ، وهو الذي عند

стр. 6130

الحافظ أبي الحجّاج المزيّ في "تحفته" (١). لكنه لا يوجد في النسخة الاستانبوليّة التي هي من أحسن نسخ مسلم التي بين أيدينا الآن، وهي التي حقّقها وعلّق عليها الأستاذ محمد ذهني ﵀. وقد كتب الحافظ في "النكت الظراف" ما نصّه: قال ابن شيخنا -يعني أبا زرعة-: لم أقف عليه في "الصلاة" من "صحيح مسلم". انتهى (٢). ولم يتعقّبه الحافظ، فدلّ على اختلاف نسخ "صحيح مسلم" في إثباته، وحذفه. ومما يؤيّد ذلك أنه لم يُذكره أبو نعيم في "مستخرجه على مسلم"، ولا أبو عوانة في "مسنده" الذي هو "مستخرج على صحيح مسلم" أيضًا، فدلّ على أنه لم يقع ذكر في النسخ التي عندهما من "صحيح مسلم". وقد كنت كتبت في "شرح النسائي"، وملت إلى ترجيح ما قاله أبو زرعة، وتعقّبت المتأخرين الذين قلّدوا المزيّ في قوله: إن مسلمًا أخرجه، والآن تبيّن لي أن ما قاله المزّي والعراقي صحيح، باعتبار اختلاف النسخ، فلا داعي إلى تخطئة بعضهم، وتصويب بعضهم، فليُتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١١٠٥] (٤٩١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٩١)، و (الترمذيّ) فيها (٢٧٢)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٠٨ و ٢١٠)، و (ابن ماجه) فيها (٨٨٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٠٦ و ٢٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٢١ و ١٩٢٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٢٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٠١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أجد حديث العبّاس بن عبد المطلب ﵁ هذا في "مسند أبي عوانة"، ولا في "مستخرج أبي نعيم"، ولعلهما لم يستخرجاه

стр. 6131

لكونهما لم يجداه في نسخة مسلم التي عندهما، كما أسلفنا اختلاف نسخه في التنبيه الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٦] (٤٩٢) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ، فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا، مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي، وَهُوَ مَكْتُوفٌ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) بتشديد الواو، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩. ٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب، تقدّم قبل بابين. ٣ - (بُكَيْر) بن عبد اللَّه بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٤ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: كريب بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدِين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨. والباقيان ذكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى كريب، وهو وابن عبّاس مدنيّان.

стр. 6132

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ) بن أبي ربيعة، هكذا نسبه الإمام أحمد في "مسنده"، ونصّه: (١/ ٣١٦) حدّثنا حجاج، أخبرنا ليث، حدّثنا عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد اللَّه، عن شعبة مولى ابن عباس، أو كريب مولى ابن عباس، أن عبد اللَّه بن عباس، مَرَّ بعبد اللَّه بن الحارث بن أبي ربيعة، وهو يصلي مضفورَ الرأس معقودًا من ورائه، فوقف عليه، فلم يَبْرَح يَحُلُّ عَقْدَ رأسه، فأقرَّ له عبد اللَّه بن الحارث حتى فَرَغ من حَلِّه، ثم جلس، فلما فرغ ابن الحارث من الصلاة أتاه، فقال: علام صنعت برأسي ما صنعت آنفًا؟ قال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مثل الذي يصلي، ورأسه معقود من ورائه، كمثل الذي يصلي مكتوفًا". انتهى. (يُصَلِّي) جملة حاليّة من المفعول، والرابط الواو، كما قال في "الخلاصة": وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا أي حال كونه مصلّيًا (وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ) اسم مفعول من عَقَصَ شعره يَعْقِصه، من باب ضرب: ضَفَرَه، وفَتَله، والعِقصةُ، والْعَقِيصةُ: الضفيرة، قاله في "القاموس" (١)، وقال في "المصباح": الْعَقِيصة: للمرأة: الشعرُ يُلْوَى، ويُخَل أطرافه في أصوله، والجمع عقائص، وعِقَاص، والْعِقْصَة مثلها. انتهى (٢). والْعَقْصُ: جمع الشعر وسط رأسه، أو لفّ ذوائبه حول رأسه، ونحو ذلك، كفعل النساء، والجملة أيضًا حاليّة، وهي من الأحوال المتداخلة، إن كانت حالًا من فاعل "يُصلّي"، أو المترادفة، إن كانت من المفعول، وقوله: (مِنْ وَرَائِهِ) متعلّق بـ "معقوص" (فَقَامَ) أي ابن عبّاس ﵄ (فَجَعَلَ) هي من أفعال الشروع، بمعنى شرع، وأخذ، ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وخبرها يكون جملة

стр. 6133

مضارعيّة، وهو هنا قوله: (يَحُلُّهُ) زاد في رواية أبي داود: "وأقرّه الآخر"، وفي رواية أحمد السابقة: "فأقرّ له عبد اللَّه بن الحارث حتى فرغ من حَلِّه". و"يَحُلّه" بضم الحاء المهملة، من حَلَّ الْعُقْدة، من باب نصر: إذا نقضها. والمعنى: أن عبد اللَّه بن عبّاس ﵄ شرع ينقض شعر عبد اللَّه بن الحارث المضفور. (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلّم عبد اللَّه بن الحارث من صلاته (أقبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ مستفسرًا سبب نقض شعره (فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِي؟) "ما" استفهاميّة مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور، و"ورأسي" الواو فيه واو المعيّة، و"رأسي" منصوب على أنه مفعول معه، أي أيّ شيء ثبت مع رأسي حتى تحُلّ ضفيرته؟. (فَقَالَ) ابن عبّاس مبيّنًا دليله على ما صَنَعَ (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في "الخلاصة": فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلُ) بفتحتين: أي صفة (هَذَا) المصلّي، وهو معقوص، فـ "مثل" مبتدأ خبره "مثلُ" بعده، وفي رواية أحمد: "مثل الذي يُصلّي، ورأسه معقوص من ورائه. . . ". (مَثَلُ الّذِي يُصَلِّي، وَهُوَ مَكْتُوفٌ") أي مربوطةٌ يداه بحبل ونحوه، مشدودة إلى خلفه، وهو اسم مفعول من كَتَفَهُ يَكْتِفُهُ، من باب ضرب، وكِتَافًا بالكسر: إذا شدّ يديه إلى خلف كتفيه، مُوثَقًا بحبل ونحوه، وكَتَّفَه بالتشديد مبالغة (١). وقال بعضهم: المشار إليه الوضع القائم، والشعر المعقوص، أي إنما مَثَلُ الذي يُصلي بهذا الوضع كمثل الذي يُصلي، وهو مكتوفٌ؛ لأن تكتيف جزء يشبه تكتيف جزء آخر، فتكتيف الشعر يشبه تكتيف اليدين. انتهى (٢). وقال ابن الأثير ﵀ في معنى الحديث: أراد أنه إذا كان شعره منشورًا سقط على الأرض عند السجود، فيُعطى صاحبه ثواب السجود به، وإذا كان معقوصًا صار في معنى ما لم يسجد، وشَبَّهه بالمكتوف، وهو المشدود اليدين؛

стр. 6134

لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١١٠٦] (٤٩٢)، (وأبو داود) في "الصلاة" (٦٤٦)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢١٥ - ٢١٦)، و (ابن ماجه) فيها (٨٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٠٤ و ٤١٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٠ - ٣٢١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩١٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٨٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٠٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٩٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدم مشروعيّة السجود، وهو معقوص الشعر. ٢ - (ومنها): الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن ذلك لا يؤخّر، ولو كان المأمور، أو المنهيّ عنه في الصلاة، ولذا لم يؤخّره ابن عبّاس حتى يفرغ من الصلاة. ٣ - (ومنها): أن المكروه يُنكَر كما يُنكر الحرام، هكذا قيل، وفيه نظر. ٤ - (ومنها): إزالة المنكر باليد إذا أمكن؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: "من رأى منكم منكرًا، فليُغيّره بيده. . . "، رواه مسلم. ٥ - (ومنها): قبول خبر الواحد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن صلّى معقوص الشعر: قال الإمام ابن المنذر ﵀: كَرِه أن يصلي الرجل، وهو عاقص شعره عليُّ بنُ أبي طالب، وابن مسعود، وحُذيفة، وقال عطاء: لا يكفّ الشعر عن

стр. 6135

الأرض، وكَرِهَ ذلك الشافعيّ، وكان ابن عبّاس ﵄ إذا سجد يقع شعره على الأرض. واختَلفوا فيما يجب على من فَعَل ذلك، فكان الشافعيّ، وعطاء يقولان: لا إعادة عليه، وكذلك أحفظ عن كلّ من لقيته من أهل العلم، غير الحسن البصريّ، فإنه كره ذلك، وقال: عليه إعادة تلك الصلاة. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: اتَّفَقَ العلماء على النهي عن الصلاة، وثوبه مُشَمَّر، أو كُمُّه، أو نحوه، أو رأسه معقوصٌ، أو مردود شعره تحت عمامته، أو نحو ذلك، فكل هذا منهيّ عنه باتّفاق العلماء، وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء، وصحت صلاته، واحتَجّ في ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ بإجماع العلماء، وحكى ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصريّ. ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقًا لمن صَلَّى كذلك، سواء تعمده للصلاة أم كان قبلها كذلك لا لها، بل لمعنى آخر، وقال الداوديّ: يختص النهي بمن فَعَل ذلك للصلاة، والمختار الصحيح هو الأول، وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم، ويدلّ عليه فعل ابن عباس المذكور هنا. قال العلماء: والحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه، ولهذا مثَّله بالذي يصلي، وهو مكتوف. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "كراهة تنزيه" فيه نظر لا يخفى، فقد وردت الأحاديث بصيغة النهي، كما بيّنها المصنّف وغيره في هذا الباب، ومعلوم أن النهي للتحريم عند جمهور الأصوليين، وهو الحقّ ما لم يصرفه دليلٌ إلى غيره، ولم يذكروا هنا دليلًا لذلك، إلا الإجماع المزعوم، وقد عرفت أنه غير صحيح؛ لمخالفة الحسن البصريّ، فالظاهر أن النهي للتحريم، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 6136

(٤٦) - (بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٧] (٤٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين. ٢ - (وَكِيع) بن الجرَّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاح، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة، تقدّم قبل بابين. ٥ - (أَنَس) بن مالك بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٢ أو ٩٣) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من شعبة، والأولان كوفيّان. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، ووقع في رواية أبي داود الطيالسيّ عند الترمذيّ،

стр. 6137

ورواية أبي النضر عند أبي عوانة في "مسنده" (١)، ورواية معاذ عند الإسماعيليّ، ثلاثتهم عن شعبة التصريح بسماع قتادة له من أنس ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ) أي كونوا متوسّطين في حالة السجود بين الافتراش والقبض، بوضع الكفّين على الأرض، ورفع المرفقين عنها، وعن الجنبين، والبطن عن الفخذين رفعًا بليغًا بحيث تظهر بواطن آباطكم إذا لم تكن مستورةً؛ إذ هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئة الكسالى (٢). والحاصل أن الاعتدال المطلوب هنا غير الاعتدال المطلوب في الركوع، فإنه هناك استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع أسافل البدن على أعاليه. وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: لعل الاعتدال ها هنا محمول على أمر معنويّ، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع، وعلى وفق الأمر، فإن الاعتدال الْخَلْقِيّ الذي طلبناه في الركوع لا يتأدى في السجود، فإنه ثمة استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي، حتى لو تساويا ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعيّ. ومما يقوي هذا الاحتمال أنه قد يُفْهَم من قوله عقب ذلك: "ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" أنه كالتَّتِمَّة للأول، وإن الأول كالعلة له، فيكون الاعتدال الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع علةً لترك الانبساط كانبساط الكلب، فإنه منافٍ لوضع الشرع، وقد ذُكِر في هذا الحديث الحكم مقرونًا بعلّته، فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة، ومثل هذا التشبيه أن النبيّ ﷺ لَمّا قَصَد التنفير عن الرجوع في الهبة، قال: "مثل الراجع في هبته، كالكلب يعود في قيئه". انتهى كلام ابن دقيق العيد (٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (يَبْسُطْ) بضمّ السين المهملة، من باب

стр. 6138

نصر (أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ) أي لا يجعل ذراعيه على الأرض كالبساط والفراش. ويجوز أن تكون "لا" نافية، والفعل بعدها مرفوع، ويكون النفي بمعنى النهي، بل هو أبلغ، كما أسلفنا وجهه غير مرّة، لكن هذا إن صحّت الرواية به، وإلا فما صحّت الرواية به هو المتعيّن، فتنبّه لذلك، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (انْبِسَاطَ الْكَلْبِ") بالنصب على المصدريّة، أي مثل انبساط الكلب، وهو وضع الكفّين مع المرفقين على الأرض، و"الانبساط" مصدر فعل محذوف، تقديره: ولا يبسط ذراعيه، فينبسط انبساط الكلب. قال القرطبيّ ﵀: هو مصدر على غير لفظ الفعل، وفعله ينبسط، لكن لَمّا كان انبسط من بَسَطَ جاء المصدر عليه، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]، وقوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، كأنه قال: أنبتكم، فنبتم نباتًا، وأنبتها، فنبتت نباتًا، وفي الآية الثانية شاهدان (١). قال: ومثل هذا الحديث نهيه ﷺ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، ولا شكّ في كراهية هذه الهيئة، ولا في استحباب نقيضها، وهو التجنيح المذكور في الأحاديث بعد هذا من فعله ﷺ ، وهو التفريج والتخوية، قاله القرطبيّ ﵀ (٢). [تنبيه]: هل عطف جملة "ولا يبسط أحدكم انبساط الكلب" على جملة "اعتدلوا في السجود" من قبيل عطف التفسير والبيان على معنى أن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، فيكون المراد من الاعتدال في السجود رفع المرفقين عن الأرض، والتجنيح الآتي في الروايات الآتية؟، أو هو من قبيل الأمر بأشياء، والنهي عن ضدّ واحد منها لمزيد العناية به، فيكون المراد من الاعتدال في السجود وضع جميع أعضاء السجود في مواضعها المطلوبة؟. قال بعضهم: الظاهر الأول. انتهى (٣).

стр. 6139

قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الثاني هو الظاهر والأولى؛ لأننا قدّمنا أن المعنى الصحيح للاعتدال هنا هو وضع جميع أعضاء السجود في مواضعها المطلوبة شرعًا، فيكون عطف "ولا يبسط إلخ" عليه عطفَ ضدّ واحد من أضداد كثيرة؛ لمزيد العناية به، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وروى الترمذيّ بإسناد صحيح، عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب"، قال الترمذيّ: حسن صحيح، قال: والعمل عليه عند أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبع. انتهى. قال ابن العربىّ ﵀ في "شرحه": أراد به كون السجود عدلًا باستواء الاعتماد على الرجلين والركبتين واليدين والوجه، ولا يأخذ عضو من الاعتدال أكثر من الآخر، وبهذا يكون ممتثلًا لقوله ﷺ : "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم"، وإذا فرش ذراعيه فرش الكلب كان الاعتماد عليهما دون الوجه، فيسقط فرض الوجه. انتهى (١). وقال ابن حجر الهيتميّ الفقيه ﵀: فيكره ذلك لقبح الهيئة المنافية للخشوع إلا لمن أطال السجود حتى شقّ عليه اعتماد كفّيه، فله وضع ساعديه على ركبتيه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: اشتكى بعض أصحاب النبيّ ﷺ إلى النبيّ ﷺ مشقةَ السجود عليهم، إذا تَفَرّجُوا، فقال: "استعينوا بالرُّكَب"، رواه أبو داود، والترمذيّ من حديث أبي هريرة ﵁ موصولًا، ورُوي مرسلًا، قال البخاريّ والترمذيّ: إرساله أصحّ من وصله. قال الترمذيّ ﵀: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه، من حديث الليث، عن ابن عجلان، وقد رَوَى هذا الحديثَ سفيان بن عيينة، وغير واحد، عن سُمَيّ، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبيّ ﷺ نحو هذا، وكأن رواية هؤلاء أصح من رواية الليث. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث موصولًا لا يصحّ؛ لأن ابن عجلان

стр. 6140

اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁، والصحيح أنه مرسل؛ لأن النعمان بن أبي عيّاش تابعيّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١١٠٧ و ١١٠٨] (٤٩٣)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٢٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٩٧)، و (الترمذيّ) فيها (٢٧٦)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٨٣ و ٢١٣ - ٢١٤)، و (ابن ماجه) فيها (٨٩٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٧٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٥٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ٢٠٢ و ٢٧٤ و ٢٩١)، و (عبد اللَّه بن أحمد) في "زوائد المسند" (٣/ ٢٧٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٢٦ و ١٩٢٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٦٩ و ١٨٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٩٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بالاعتدال في السجود، وتقدّم أن معنى الاعتدال في السجود أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عنها، وعن جنبيه، رفعًا بليغًا، بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستورًا. قال النوويّ ﵀: وهذا أدب متفق على استحبابه، فلو تركه كان مسيئًا مرتكبًا النهي، وهو للتنزيه وصلاته صحيحة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "للتنزيه" فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر أنه للتحريم؛ لأنه لا صارف للأمر، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن الهيئة المنهيّ عنها مشعرة بالتهاون، وقلّة الاعتناء بالصلاة. ٣ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في كراهية هذه الهيئة في الصلاة،

стр. 6141

واستحباب ضدّها أنه إذا جنّح كان اعتماده على يديه، فيخفّ اعتماده حينئذ على وجهه، ولا يتأثّر أنفه، ولا جبهته، ولا يتأذّى بملاقاة الأرض، فلا يتشوّش هو في الصلاة، وكان أشبه بهيئات الصلاة، واستعمال كلّ عضو فيها بأدبه، بخلاف ما إذا بسط ذراعيه، وضمّ عضديه لجنبيه، فإنه يكون اعتماده على وجهه، وحينئذ يتأذّى، ويُخاف عليه التشويش، وأيضًا هذه هي صفات الكسلان المتهاون بحاله، مع ما فيها من التشبّه بالسباع والكلاب، كما نهي عن التشبّه بها في الإقعاء. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، بزيادة من كلام القاضي عياض ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاعتدال في السجود: قال الإمام الترمذيّ ﵀ بعد إخرج الحديث: إن العمل على هذا عند أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود. انتهى. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذا يُشعر بحكاية الإجماع عليه، وهو قول جمهور العلماء، وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وابن عمر ﵃، وفي "المسند" عن شعبة مولى ابن عبّاس، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس، فقال: إن مولاك إذا سجد وضع رأسه وذراعيه وصدره بالأرض، فقال له ابن عباس: ما يَحملك على ما تصنع؟ قال: التواضع، قال: هكذا رَبْضَةُ الكلب، رأيت النبيّ ﷺ إذا سجد رُؤي بياض إبطيه. قال: ولكن روي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يَفرش ذراعيه، قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه: كان ابن مسعود يذهب إلى ثلاثة أشياء: إلى التطبيق، وإلى افتراش الذراعين، وإذا كانوا ثلاثة يقوم في وسطهم، وقد رُوي عن النبيّ ﷺ أنه كان يُجافي في السجود، ولم تبلغه هذه الآثار. انتهى (٢). وروى ابن أبي شيبة من غير وجه، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: اسجدوا حتى بالمرفق. وبإسناده عن الحكم بن الأعرج، قال: أخبرني من رأى أبا ذرّ ﵁ مسوّدًا ما بين رسغه إلى مرفقه.

стр. 6142

وأخرج عن ابن عون قال: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: الرجل يسجد يعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ فقال: ما أعلم به بأسًا. وأخرج عن نافع، قال: كان ابن عمر يَضُمّ يديه إلى جنبيه إذا سجد. وأخرج عن قيس بن سكن قال: كلَّ ذلك قد كانوا يفعلون، ينضمّون، ويتجافَوْن، كان بعضهم ينضمّ، وبعضهم يجافي. وأخرج عن النعمان بن أبي عياش قال: شَكَوا إلى النبيّ ﷺ الادِّعام والاعتماد في الصلاة، فرَخَّص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه على ركبتيه، أو فخذيه. وأخرج عن ابن عمر أن رجلًا سأله: أضع مِرْفقي على فخذي، إذا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسّر عليك. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم، وأدلتهم في هذه المسألة أن المذهب الراجح هو ما عليه الجمهور من أن المأمور به في السجود هو الاعتدال، وهو أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عنها، وعن جنبيه، رفعًا بليغًا بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستورًا. وأما ما نقل عن بعض السلف، كابن مسعود، وغيره ممن سبق ذكرهم، فمحمول على ما إذا حصل للمصلي ضرر بالتجافي، فرخّصوا له في ذلك، كما بُيّن في حديث النعمان بن أبي عيّاش، وهو مرسل صحيح، أو يُعتذَر عنهم بأنهم لم يعلموا بالأمر بالاعتدال، كما اعتذر الإمام أحمد في الكلام السابق عن ابن مسعود ﵁، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ

стр. 6143

الْحَارِثِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ: "وَلَا يَتَبَسَّطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ"). رجال هذا الإسناد ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب) بن عربىّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁. وقوله: (وَلَا يَتَبَسَّطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ إلخ) هكذا رواية المصنّف بمثنّاة بعد حرف المضارعة، ثم موحّدة، وقد اختَلف في هذه اللفظة رواة البخاريّ، ففي رواية الأكثر: "ولا ينبسط"، بنون ساكنة قبل الموحّدة، وللحموي: "يبتسط" بمثنّاة بعد موحّدة، وفي رواية ابن عساكر بموحّدة ساكنة فقط، وعليها اقتصر في "العمدة"، قاله في "الفتح" (١). قال النوويّ ﵀: ومعنى "يتبسّط" بالتاء المثنّاة فوقُ: أي يتّخذها بساطًا. انتهى (٢). وقوله: (ذِرَاعَيْهِ) الذراع من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، وبسط الذراعين المنهيّ عنه في السجود هو مَدّ هذين العضوين على الأرض، وملاصقتهما لها بطولهما، كهيئة الكلب حين يَفْرِش ذراعيه على الأرض. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٨٢٢) حدّثنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب". انتهى.

стр. 6144

وأما رواية خالد بن الحارث، فلم أجد من أفردها، إلا أن النسائيّ أخرجها في "الكبرى" من طريقه، ومن طريق عبدة أيضًا، وأشار إلى أن لفظ الحديث لعبدة، ونصّه (١/ ٢٣٤): (٦٩٨) أنبأ إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأ عبدة، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، وأنبأ إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا عن رسول اللَّه ﷺ قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه بسط الكلب". ثم قال: اللفظ لإسحاق. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٩] (٤٩٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ، عَنْ إِيَادٍ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَاد) بن لَقِيط السَّدُوسي أبو السَّلِيل -بفتح السين المهملة، وكسر اللام، آخره لام أيضًا- الكوفيّ، ثقةٌ (١) [٧]. رَوَى عن أبيه، وعبد اللَّه بن سعيد، وكُليب بن وائل، وعبد الرحمن بن نُعيم الأعرجيّ، والصحيح عن أبيه عنه. وروى عنه ابن مهديّ، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسيّ، وعفان،

стр. 6145

وأحمد بن يونس، وجعفر بن حميد، وسعيد بن منصور، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وآخرون. قال الدُّوري عن ابن معين: ثقةٌ، وكان عَرِيف قومه، وقال يحيى بن حَسّان: كان عبد اللَّه بن المبارك يَعْجَب به، وقال النسائيّ: ثقة، وقال في موضع آخر: ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أبو نعيم: كان ابن إياد ثقةً، وكان له صحيفة فيها أحاديثه، فإذا جاءه إنسان رَمَى إليه تلك الصحيفة، فكتب منها ما أراد، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البزّار في "كتاب السنن": ليس بالقوي. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول البزّار هذا محلّ نظر؛ لأنه جرح مجملٌ، يُعارض ما قاله الأئمة، فلا ينبغي الالتفات إليه، واللَّه أعلم. وقال ابن قانع، وابن منده: مات سنة تسع وستين ومائة. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٩٤)، وحديث (٢٧٤٦): "للَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده. . . ". ٣ - (إِيَاد) -بكسر أوّله، ثم تحتانيّة مخفّفة- ابن لَقِيط السَّدوسيّ، والد عبيد اللَّه، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن البراء بن عازب، والحارث بن حَسّان العامريّ، وأبى رِمْثَة، وامرأة بَشِير ابن الْخَصَاصيّة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه، وعبد الملك بن عُمير، والثوريّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، ومِسْعر، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة ولده. ٤ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.

стр. 6146

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٦٣) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ﵄ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَجَدْتَ) أي أردت السجود (فَضَعْ كَفَّيْكَ) أي على الأرض، وتكون حيال المنكبين، أو الأذنين، على اختلاف الروايات في ذلك، فقد صحّ عنه ﷺ أنه وضع كفيه حذاء منكبيه، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وصححه، وصّح أيضًا من حديث وائل بن حجر ﵁ أنه ﷺ وضع يديه حيال أذنيه، أخرجه أبو داود، والنسائيّ بسند صحيح. والأولى أن يفعل هذا في أوقات، وهذا في أوقات أخرى؛ عملًا بالروايتين، قال ابن المنذر ﵀: الساجد بالخيار، إن شاء وضع يديه حذاء أذنيه، وإن شاء جعلهما حذو منكبيه. انتهى (١). والسنة أن تكون الأصابع مضمومة؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ أن النبيّ ﷺ كان إذا سجد ضمّ أصابعه، أخرجه ابن خزيمة، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبيّ. والسنة أيضًا أن تكون الأصابع قبل القبلة؛ لصحّة ذلك عنه ﷺ ، أخرجه البيهقيّ بسند صحيح (٢). (وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ") بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الفاء، وبالعكس، أي ارفعهما من الأرض، ومن جنبيك، هذه الرواية تبيّن المراد من بسط الذراعين المنهيّ عنه.

стр. 6147

والحديث دليل واضحٌ على وجوب هذه الهيئة، ولكن حمله العلماء على الاستحباب، ولا أدري ما الصارف عن الوجوب؟، وقد ذُكر معظمها في حديث المسيء صلاته، فالحقّ أنها واجبة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١١٠٩] (٤٩٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٣ و ٢٩٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٥٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٦٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٩٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١٠] (٤٩٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ، وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرَحْبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد اللَّه بن مالك بن الْقِشْب -بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحّدة- واسمه جُندب بن نَضْلة بن عبد اللَّه بن رافع بن مِحَصن بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن

стр. 6148

كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللَّه بن نصر بن الأزد، أبو محمد حليف بني عبد المطلب، المعروف بابن بُحينة -بموحّدة، ومهملة، مصغّرًا- وهي أمه، قال محمد بن سعد: أبوه مالك بن قِشْب، حالَفَ المطلب بن عبد مناف، فتزوج بُحينة بنت الحارث بن المطلب، فولدت له عبد اللَّه، فأسلم قديمًا، وكان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر، ومات ببطن رِيم، على ثلاثين مِيلًا من المدينة، في عَمَل مروان بن الحكم، وكان ينزل به، وكانت ولاية مروان على المدينة من سنة أربع وخمسين إلى سنة ثمان وخمسين. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه عليّ، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، والأعرج، وأبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وسُمِّي في روايته مالكَ ابنَ بُحينة. قال الحافظ ﵀: واختُلِف فيه على حفص، ففي رواية شعبة، وأبي عوانة، وحماد بن سلمة، كلُّهم عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم: مالك ابن بحينة، وقال النسائيّ: قول من قال: مالك ابن بحينة خطأٌ، والصواب عبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة، ووقع في رواية لمسلم عن ابن بُحينة، عن أبيه، قال مسلم: أخطأ القعنبيّ في ذلك. انتهى (١). وأَرَّخ ابنُ زَبْر وفاته سنة ست وخمسين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٩٥)، وحديث (٥٧٠) وكرّره ثلاث مرّات، و (٧١١) وأعاده بعده، و (١٢٠٣). والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير بكر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: جعفر، عن الأعرج.

стр. 6149

٤ - (ومنها): أن شيخه بغلانيّ، وبكرًا وجعفرًا مصريّان، والباقيان مدنيان. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد مرويّاته فيه، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له في "الكتب الستّة إلا نحو أربعة أحاديث فقط (١)، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: قوله: "عن عبد اللَّه بن مالك ابن بُحَينة" الصواب فيه أن يُنَوَّن مالكٌ، ويُكْتَب "ابن" بالألف؛ لأن "ابن بُحينة" ليس صفة لـ "مالك"، بل صفة لـ "عبد اللَّه"؛ لأن "عبد اللَّه" اسم أبيه مالك، واسم أم عبد اللَّه بُحينةُ، فـ "بحينةُ" امرأة مالك، وأم عبد اللَّه بن مالك. انتهى (٢). وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: "عبد اللَّه بن مالك ابن بُحَينة" وبُحَينة أمه -بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وبعدها ياء ساكنة، ونون مفتوحة- وأبوه مالك بن الْقِشْب -بكسر القاف، وسكون الشين المعجمة، وآخره باء- أزديُّ النسب من أزد شَنُوءة، تُوُفّي في آخر خلافة معاوية، وهو أحد مَن نُسِب إلى أمه. فعلى هذا إذا وقع "عبد اللَّه" في موضع رفع وَجَب أن يُنَوَّن "مالك" أبوه، ويُرْفَع "ابنُ"؛ لأنه ليس صفة لمالك، فيترَك تنوينه ويجرَّ، وإنما هو صفة لعبد اللَّه بن مالك، وإذا وقع "عبد اللَّه" في موضعِ جَرّ نُوِّن "مالكٌ"، وجُرَّ "ابنُ"؛ لأنه ليس "ابنُ" صفة لمالك. وهذا من المواضع التي يَتَوَقَّف فيها صحة الإعراب على معرفة التاريخ (٣). وذلك مثل محمد ابن حَبِيب اللغويّ صاحب "كتاب الْمُحَبَّر" في "المؤتلف والمختلف في قبائل العرب"، فإن "حبيب" أمه لا أبوه، فعلى هذا يُمنَع صرفه، ويقال: محمد بن حبيب، وقيل: إنه أبوه.

стр. 6150

ومن غريب ما وقفت عليه في هذا محمد بن شَرَف الْقَيْرَوانيّ الأديب الشاعر الْمُجِيد إنه منسوب إلى أمه شَرَف، ولذلك نظائر، لو تُتُبّعت لَجُمِع منها قدر كثير. وقد قيل: إن بُحينة أم أبيه مالك، والأول أصحّ، وقد اعتنى بجمعها بعض الحفاظ. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه القاعدة قد أسلفناها غير مرّة، وهي قاعدة مهمّة جدًّا. وحاصلها أن لفظ "ابن" إذا وقع صفة بين علمين، وكان الثاني أبًا للأول وجب حذف التنوين من الاسم الأول، وهمزة الوصل من "ابن"، وتُحذف أيضًا خطًّا تبعًا للفظ؛ لكثرة الاستعمال، فإن كان الثاني غير أب للأول، كما هنا، وجب تنوين الاسم الأول، وكتابة همزة "ابن" أيضًا، وله شروط غير هذا مذكورة في شروح "الخلاصة" وحواشيها (٢) عند قولها في "باب النداء": وَنَحْوَ "زَيْدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ" وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "كَانَ إِذَا صَلَّى) أي دخل في الصلاة، وأراد السجود؛ لما يأتي من رواية عمرو بن الحارث التالية: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا سجد يُجَنِّح في سجوده، حتى يُرى وَضَحُ إبطيه"، و"الْوَضَحُ" -بفتحتين-: البياض، وفي رواية الليث التالية أيضًا: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا سجد فرّج يديه عن إبطيه، حتى إني لأرى بياض إبطيه". (فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) يَحْتَمِل أن يكون مخفّف الراء، من الْفَرْج ثلاثيًّا، وهو

стр. 6151

الفتح، يقال: فرجتُ بين الشيئين فَرْجًا، من باب ضَرَبَ: فَتَحتُ، وفَرَج القوم للرجل فَرْجًا أيضًا: أوسَعُوا له في الموقف والمجلس، قاله الفيُّوميّ (١). ويَحْتَمِل أن يكون مشدّد الراء، من التفريج، وهو بمعنى الأول، والتشديد للمبالغة. والمراد أنه فتح بينهما، وبين ما يليهما من الْجَنْب، حتى يستقيم معه قوله: "حتى يبدُوَ بياض إبطيه"، فهو أحد طرفي المتعدّد، والطرف الثاني محذوف، وهذا معنى قول الحافظ في "الفتح": أي نَحَّى كلَّ يد عن الجنب الذي يليها، أفاده السنديّ ﵀ (٢). وقال في "العمدة": قوله فرّج بين يديه"، معناه: فرّج بين يديه وجنبيه، وفرّج اللَّه الغمّ بالتشديد والتخفيف، وهو من باب ضرب يضرب، وهو لفظ مشترك بين الْفَرْج العورةِ، والثَّغْرِ، وموضع المخافة. انتهى (٣). (حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) بنصب "يبدُوَ" بـ "أن" مضمرةً بعد "حتى" وجوبًا، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كَـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ" و"بياضُ" مرفوع على الفاعليّة، أي حتى يظهر البياض الذي في إبطيه. و"الإبط" بكسر، فسكون: ما تحت الجناح، ويُذكّر، ويؤنّثُ، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، ومن كلامهم: رَفَعَ السَّوْطَ حتى بَرَقَت إبطه، والجمع آباط، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمال، قال الفيّوميّ: ويزعُمُ بعض المتأخّرين أن كسر الباء لغة، وهو غير ثابت؛ لما يأتي في إِبِلِ (٤). انتهى (٥).

стр. 6152

وقال في "القاموس": "الإبط": باطن الْمَنْكب، وتُكسر الباء، ويُؤنّث، جمعه آباطٌ. انتهى (١). قال الشارح المرتضى ﵀: وتكسر الباء لغةً، فيُلْحق بإِبِلٍ، وقولهم: لا ثاني له، أي على جهة الأصالة، فلا ينافي أن له أمثالًا بالإتباع، كهذا، وألفاظ كثيرة. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: كلام المرتضى ﵀ هذا يفسّر ما تقدّم عن الفيّوميّ أن كسر الباء غير ثابت مراده أصالةً، فلا ينافي جواز كسرها إتباعًا، فافهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة ﵁ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١١١٠ و ١١١١] (٤٩٥)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٩٠) و"الأذان" (٨٠٧) و"المناقب" (٣٥٦٤)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٢١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٤٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٤٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١١٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٧٧ و ١٨٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٩٥ و ١٠٩٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معنى الاعتدال المأمور به في الحديث الماضي، وذلك أن من جملة الاعتدال في السجود أن يجافي يديه عن جنبيه، حتى يكون على أكمل الهيئة للسجود، وتحقيق معنى التواضع؛ لأن هذه الهيئة أبعد من هيئة الكسالى.

стр. 6153

٢ - (ومنها): ما قال ابن التين ﵀: فيه دليلٌ على أنه ﷺ لم يكن عليه قميصٌ؛ لانكشاف إبطيه. وتُعُقِّب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد رَوَى الترمذي في "الشمائل" عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: "كان أحبّ الثياب إلى النبيّ ﷺ القميص"، أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لَرُئِيَ، قاله القرطبيّ. ٣ - (منها): ما قيل: إنه يُستدلّ به على أن إبطيه ﷺ لم يكن عليهما شعر. وفيه نظرٌ، فقد حَكَى المحب الطبريّ في "الاستسقاء" من "الأحكام" له أنّ من خصائصه ﷺ أن الإبط من جميع الناس مُتَغَيِّر اللون غيره. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا نقل في "الفتح"، وسكت عليه، وهذا عجيبٌ، فأين دليل هذه الخصوصيّة؟ فتأمله. ٤ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستدلّ بإطلاقه على استحباب التفريج في الركوع أيضًا. وفيه نظرٌ؛ لأن في رواية عمرو بن الحارث، والليث بن سعد التالية بلفظ: "كان إذا سجد"، وهي رواية البخاريّ في "المناقب" عن قتيبة، عن بكر بن مضر، فتبيّن بها أن المراد بالصلاة هنا في قوله: "كان إذا صلّى" السجود، من إطلاق الكلّ، وإرادة الجزء؛ إذ الرواية يفسّر بعضها بعضًا، فلا يدلّ على التفريج في الركوع، فتأمل. ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود، أنه يَخِفّ بها اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر أنفه، ولا جبهته، ولا يتأذى بملاقاة الأرض، وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقال ناصر الدين ابن الْمُنَيّر ﵀ في "الحاشية": الحكمة فيه أن يَظْهَر كلُّ عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يَسْتَقِلّ كلُّ عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضدُّ ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض؛ لأن

стр. 6154

المقصود هناك إظهار الاتحاد بين المصلين، حتى كأنهم جسد واحدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): وردت أحاديث تدلّ على مشروعيّة الاعتدال، التجافي والتفريج في السجود، وقد ساق المصنّف في هذا الباب، جملةً منها، فأخرج حديث أنس بن مالك، والبراء بن عازب، وعبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة، وميمونة أم المؤمنين ﵃. ويأتي له في الباب التالي حديث عائشة ﵂: "نَهَى النبيّ ﷺ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع". ورَوَى الطبرانيّ وغيره من حديث ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح، أنه قال: "لا تفترش افتراش السبع، وادَّعِمْ على راحتيك، وأبد ضَبْعَيك، فإذا فعلت ذلك سَجَدَ كلُّ عضو منك". وأخرج الترمذيّ، وحسَّنه، من حديث عبد اللَّه بن أرقم: "صليتُ مع النبيّ ﷺ ، فكنت أنظر إلى عُفْرَتي إبطيه إذا سجد". ولابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، ولْيَضُمّ فخذيه". وللحاكم من حديث ابن عباس ﵄ نحو حديث عبد اللَّه بن أرقم. وعنه عند الحاكم: "كان النبيّ ﷺ إذا سجد يُرَى وَضَحُ إبطيه"، وله من حديثه، رفعه: "إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مِرْفَقيك"، وهو حديث البراء ﵁ الماضي عند المصنّف. قال الحافظ ﵀: وهذه الأحاديث مع حديث ميمونة ﵂ عند مسلم: "كان النبيّ ﷺ يجافي يديه، فلو أن بُهَيمة أرادت أن تَمُرّ لمرّت"، مع حديث ابن بحينة المعلّق عند البخاريّ، وأخرجه مسلم هنا ظاهرها وجوب التفريج المذكور. لكن أخرج أبو داود ما يدلّ على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هريرة ﵁، شكا أصحاب النبيّ ﷺ له مشقة السجود عليهم، إذا انفرَجُوا، فقال: "استعينوا بالرُّكَب"، وترجم له: "الرخصة في ذلك" أي في ترك التفريج،

стр. 6155

قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يَضَعَ مرفقيه على ركبتيه، إذا طال السجود وأعيا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: استدلال الحافظ بهذا الحديث على الاستحباب، وأنه يصرف الوجوب المستفاد من أحاديث الباب، فيه نظر لا يخفى؛ لأن الحديث متكلّم فيه، والصحيح إرساله، كما قال البخاريّ، والترمذيّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ، وغيرهم (١)، وعلى تقدير صحّته، فهو مقيّد بالمشقّة، والمشقّة تقدّر بقدرها، فمن لا يشقّ عليه، لا يُرخّص له في ترك التفريج، فالحقّ أن التفريج المذكور واجب، كما دلّت عليه أحاديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ثم رأيت للصنعانيّ ﵀ تعقّبًا جيّدًا لكلام الحافظ هذا، حيث قال: وقد يُجاب عنه بأن ما استَدَلّ به على الاستحباب أدلّ منه على الوجوب، فإن الترخيص فرع العزيمة، وهو مخصوص بحالة المشقّة، فلا بُدّ من مسلك صحيح، يعمّ الحكم به جميع الأحوال، على أن قوله ﷺ : "استعينوا بالرُّكَبِ" أظهر في تكميل الواجب، وعدم الترخيص فيه. انتهى كلام الصنعانيّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: تعقّب الصنعانيّ ﵀ هذا وجيهٌ، فدلالة هذه الأحاديث على الوجوب ظاهرة، لا يعارضها حديث: "استعينوا بالرُّكَب"، بل هو مؤيِّد لها؛ إذ دلالته على الوجوب أظهر من دلالته على الاستحباب، ولو سُلّم، فهو لمن تضرّر فقط. هذا كلّه على سبيل التنزّل، وإلا فالحديث لا يصلح لمعارضة هذه الأحاديث الصحيحة الكثيرة؛ لأن الصحيح أنه مرسل، والمرسل غير صحيح عند المحدّثين؛ للانقطاع، وعند من يحتجّ به إذا اعتضد يُشْتَرط أن لا يعارضه

стр. 6156

ما هو أصحّ منه، وما هنا كذلك، فتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: رأيت للشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذيّ كلامًا غريبًا، يُتعجّب منه، وذلك أن الترمذيّ ﵀ قال: (٢٦٣) حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: اشتكى بعض أصحاب النبيّ ﷺ إلى النبيّ ﷺ مشقّةَ السجود عليهم، إذا تفرّجوا، فقال: "استعينوا بالركب". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه، من حديث الليث، عن ابن عجلان، وقد رَوَى هذا الحديثَ سفيانُ بن عيينة، وغير واحد، عن سُمَيّ، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبيّ ﷺ نحو هذا، وكأنّ رواية هؤلاء أصحّ من رواية الليث. انتهى. فعلّق أحمد شاكر على قوله: "وكأن رواية هؤلاء أصحّ من رواية الليث"، ما نصّه: لماذا؟، هؤلاء رووا الحديث عن سُميّ، عن النعمان مرسلًا، والليث بن سعد رواه عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولًا، فهما طريقان مختلفان، يؤيّد أحدهما الآخر، ويَعضِده، والليث بن سعد ثقةٌ حافظٌ حجة، لا تردّد في قبول زيادته، وما انفرد به، فالحديث صحيحٌ. انتهى كلام ابن شاكر ﵀ (١). والغريب منه أنه تكلّم في الليث، وليس الكلام فيه، فإن الخلاف إنما جاء من ابن عجلان، فإنه الذي خالف ابن عيينة وغير واحد في روايتهم عن سُميّ، عن النعمان بن أبي عيّاش، مرسلًا، فرواه عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولًا، فالمخالف هو ابن عجلان، فأخطأ ابن شاكر، فدافع عن الليث الذي ليس هو المقصود في الإعلال، ومعلوم أن ابن عجلان مضطرب في حديث أبي هريرة ﵁، فضعف وصل الحديث جاء من قبله، لا من قبل الليث، فتبصر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه آخر]: ذكر في "الفتح": أن الترمذيّ أخرج الحديث المذكور، ولم

стр. 6157

يقع في روايته: "إذا انفرجوا"، فترجَمَ له: "ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود"، فجَعَل محلّ الاستعانة بالرُّكَب لمن يرفع من السجود، طالبًا للقيام، واللفظ مُحْتَمِلٌ ما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تُعَيِّن المراد. انتهى ما في "الفتح" (١). وتعقّب الشيخ أحمد محمد شاكر هذا الذي قاله في "الفتح"، فأجاد في ذلك، ونصّه: وهذا الذي قاله الحافظ، وقلّده فيه العينيّ في "عمدة القاري" يخالف ما بين أيدينا من نسخ الترمذيّ، فإن الزيادة التي تعين المراد موجودة هنا (٢)، والعنوان الذي نسبه للترمذيّ غير ما ذُكر هنا (٣)، فلعلّ النسخة التي كانت بيد الحافظ ابن حجر كانت غير صحيحة في هذا الموضع. انتهى كلام ابن شاكر ﵀، وهو حسنٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): خصّ الفقهاء ما ذُكر من مشروعيّة التفريج بالرجال دون النساء، وقالوا: المرأة تضمّ بعضها إلى بعض؛ لأن المقصود منها التصوّن، والتجمّع والتستّر، وتلك الحالة أقرب إلى هذا المقصود، هكذا قال ابن دقيق العيد ﵀. ولأنه قد روى أبو داود في "المراسيل" عن يزيد بن أبي حبيب، أنه ﷺ مرّ على امرأتين، وهما تصلّيان، فقال: "إذا سجدتما، فضُمّا بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست كالرجل في ذلك"، رواه البيهقيّ من طريقين موصولتين، لكن في كلّ منها متروك، كما قال في "التلخيص الحبير"، ذكره الصنعانيّ في "حاشية العمدة" (٤). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الفرق بين الرجال والنساء محلّ توقّف؛ لأنه يحتاج إلى دليل صحيح صريح يعارض ما سبق من أحاديث الباب

стр. 6158

من أدلّة مجافاة اليدين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين، ورفع المرفقين عن الأرض، فإنها تعمّ الرجال والنساء، وهي أحاديث كثيرة صحيحة، والحديث الذي استدلّوا به ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يصلح لإثبات الفرق بين الجنسين، ولا يَقْوَى لمعارضة تلك الأحاديث الصحيحة، فالظاهر أن الرجال والنساء في ذلك سواء، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ، حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ"، وَفى رِوَايَةِ اللَّيْثِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ يَدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ إِبْطَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة الحافظ الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"جعفر" في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الضمير لعمرو بن الحارث والليث. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني إسناد جعفر الماضي، وهو: عن الأعرج، عن عبد اللَّه بن مالكٍ ابن بُحينة ﵁. وقوله: (يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ) بضمّ حرف المضارعة، وفتح الجيم، وكسر النون المشدّدة، من التجنيح، أي يفرّج بين يديه، ويجعلهما كجناحي الطائر المبسوطين، وهو بمعنى قوله في رواية بكر بن مضر الماضية: "فرّج بين يديه"، ورواية الليث التالية: "فرّج يديه عن إبطيه"، فالمراد أنه يجافي عضديه عن جنبيه. وقوله: (حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ) قال النوويّ ﵀: هو بالنون في "نَرَى"،

стр. 6159

ورُوِي بالياء المثناة من تحتُ المضمومةِ، وكلاهما صحيح، ويؤيِّد الياءَ الروايةُ الأخرى عن ميمونة ﵂: "إذا سجد خَوَّى بيديه، حتى يُرَى وَضَحُ إبطيه"، ضَبَطناه، وضَبَطوه هنا بضم الياء، ويؤيِّد النون روايةُ الليث في هذا الطريق: "حتى إني لأَرَى بياضَ إبطيه". انتهى (١). وقوله: (وَضَحُ إِبْطَيْهِ) الوَضَحُ بفتحتين: البياض، والضوء، والدرن أيضًا، وهو مصدر، من باب تَعِبَ، قاله في "المصباح" (٢). وقال في "القاموس": الْوَضَحُ محرَّكةً: بياضُ الصبحِ، والقمرُ، والبرصُ، والْغُرَّةُ والتحجيلُ في القوائم. انتهى (٣). وقال ابن الأثير ﵀: معنى: وَضَحُ إبطيه": أي البياض الذي تحتهما، وذلك للمبالغة في رفعهما، وتجافيهما عن الجنبين، والوضَحُ: البياضُ من كلّ شيء. انتهى (٤). [تنبيه]: لا حاجة إلى تخريج روايتي عمرو بن الحارث، والليث بن سعد المذكورتين هنا؛ لأن المصنّف ساقهما بتمامهما، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١٢] (٤٩٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ، لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم قبل حديث. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.

стр. 6160

٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ) العامريّ، مقبول [٦]. رَوَى عن عمه يزيد بن الأصم، وروى عنه عبد الواحد بن زياد، ومروان بن معاوية، وابن عيينة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٩٦) و (٤٩٧) و (٥١١) و (٥٣٠) و (٦٥٣). ٥ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ)، واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكّائيّ، أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرَّقّة، ابن أخت ميمونة ﵂، ويقال: له رؤية، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧. ٦ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، زوج النبيّ ﷺ ، أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينها. ٢ - (ومنها): أن قوله: "قال يحيى: أخبرنا. . . إلخ" فيه بيان اختلاف شيخيه في صيغ الأداء، فيحيى بن يحيى قال: "أخبرنا سفيان بن عيينة" فصرّح بالإخبار، وأنه أخذه منه قراءةً، ونسب سفيان إلى أبيه، بخلاف ابن أبي عمر، كان لم يصرّح بذلك. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، عن خالته. ٤ - (ومنها): أن ميمونة ﵂ ذات مناقبّ جمّة، تزوّجها النبيّ ﷺ بسَرِف، موضع قريبٌ من مكة، سنة سبع من الهجرة، وماتت بها، ودُفنت في الظلّة التي بنى بها النبيّ ﷺ ، سنة خمسين، وهذا من أغرب ما اتّفق، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مَيْمُونَةَ) أم المؤمنين ﵂، أنها (قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ)

стр. 6161

أي شرع في السجود، وفي رواية مروان بن معاوية، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ التالية: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا سجد خَوَّى (١) بيديه، يعني جَنَّح حتى يُرَى وَضَحُ إبطيه من ورائه"، وفي رواية جعفر بن بُرْقان، عن عبيد اللَّه الثالثة: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا سجد جافى، حتى يَرَى مَن خلفه وَضَحَ إبطيه"، وجواب "إذا" هنا قوله: (لَوْ) شرطيّة، كما قال في "الخلاصة": "لَوْ" حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلْ إِيلَاؤُهُ … مُسْتَقْبَلًا لَكِنْ قُبِلْ وَهْيَ فِي الاخْتِصَاصِ بِالْفِعْلِ كَـ "إِنْ" … لَكِنَّ "لَوْ" بِهَا "أَنَّ" قَدْ تَقْتَرِنْ وفي رواية النسائيّ: "حتى لو أنّ بَهْمةً أرادت أن تمرّ تحت يديه مرّت". (شَاءَتْ بَهْمَةٌ) بفتح الموحّدة، وسكون الهاء: ولد الضأن، يُطلق على الذكر والأنثى، والجمع بَهْمٌ بلا هاء، مثلُ تَمْرة وتَمْر، وجمع الْبَهْم بِهَامٌ، مثلُ سَهْم وسِهَام، وتُطلق البهام على أولاد الضأن والمعز إذا اجتمعت تغليبًا، فإذا انفردت قيل لأولاد الضأن: بِهَام، ولأولاد المعز سِخَال، وقال ابن فارس: الْبَهْمُ: صغار الغنم، وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعةَ تَضَعُها الضأنُ، أو المعزُ، ذكرًا كان الولد، أو أنثى: سَخْلَةٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢). وقال النوويّ ﵀: قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة: الْبَهْمَةُ: واحدة الْبَهْم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع الْبَهْمِ بِهَام بكسر الباء، وقال الجوهريّ: الْبَهْمة من أولاد الضأن خاصّةً، ويُطلق على الذكر والأنثى، قال: والسّخَالُ: أولاد الْمِعْزَى. انتهى (٣). (أَنْ تَمُرَّ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "شاءت"، أي لو شاءت المرور (بَيْنَ يَدَيْهِ) وفي رواية أبي داود: "لو أرادت أن تمرّ تحت يديه مرّت"، فيكون معنى: "بين يديه" هنا بمعنى رواية أبي داود "تحت يديه"، فافهم. (لَمَرَّتْ") جواب، والغالب في جوابها إذا كان مثبتًا أن يقترن باللام، كهذا الحديث، ويجوز حذفها، نحو: لو قام زيد قام عمرو. والمراد من هذا التمثيل بيان مبالغته ﷺ في التفريج، والتجافي في السجود.

стр. 6162

قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث يدلّ على شدّة رفع بطنه عن الأرض، وتجنيحه، وهذا كلّه حكم الرجال، فأما النساء، فحكمهنّ عند مالك حكم الرجال، إلا أنه يُستحبّ لهنّ الانضمام والاجتماع، وخيّرهنّ الكوفيّ في الانفراج والانضمام، وذهب بعض السلف إلى أن سنّتهنّ التربّع، وحكمُ الفرائض والنوافل في هذا سواء. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم لك تحقيق هذه المسألة، وأنه لا دليل صحيحٌ يفرّق بين الرجال والنساء فيها، فالحقّ أن الأدلة شاملة للجنسين، فتبصّر. ثم إن ما نقله عن الكوفيّ إن أراد به الإمام أبا حنيفة ﵀، فليس مذهبه هكذا، بل هو ممن يقول بالانضمام للنساء، وإن أراد غيره فلا أدري من هو؟، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١١١٢] (٤٩٦) و [٤٦/ ١١١٣ و ١١١٤] (٤٩٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٩٨)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢١٣ و ٢٣٢) وفي "الكبرى" (١/ ٢٣٤)، و (ابن ماجه) فيها (٨٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٣٢ و ٣٣٣ و ٣٣٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥١ - ٣٥٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٧١ و ١٨٧٢ و ١٨٧٣ و ١٨٧٤ و ١٨٧٥ و ١٨٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٩٧ و ١٠٩٨ و ١٠٩٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١٣] (٤٩٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ

стр. 6163

الْأَصَمِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ، يَعْنِي جَنَّحَ، حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه، أبو محمد المروزي، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨. والباقون ذُكِروا في السند الماضي. [تنبيه]: قوله: "حدّثنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه إلخ"، قال القاضي عياض ﵀: ذكر مسلم في سند هذا الحديث: أنا سفيان بن عيينة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ، عن عمه يزيد، كذا في الأصول، وعند شيوخنا بغير خلاف، ثم قال مسلم: عن الفزاريّ، وعن عبد الواحد بن زياد، ثنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ، عن عمّه يزيد، كذا في رواية الْعُذْريّ، والذي رواه الفارسيّ: ثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه في الموضعين، وكلاهما صحيح، هما أخوان: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، رويا عن عمّهما، ذكر ذلك البخاريّ في "تاريخه" (١)، وذكر الخلاف في هذا الحديث عنهما. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: هكذا وقع في بعض الأصول "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه" بتصغير الأول في الروايتين، وفي بعضها "عبد اللَّه" مكبرًا في الموضعين، وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى، والتصغير في الثانية، وكله صحيحٌ، فـ "عبد اللَّه"، و"عبيد اللَّه" أخوان، وهما ابنا عبد اللَّه بن الأصم، و"عبد اللَّه" بالتكبير أكبر من "عبيد اللَّه"، وكلاهما رَوَيَا عن عمه يزيد بن الأصم، وهذا مشهور في

стр. 6164

كتب أسماء الرجال، والذي ذكره خَلَفٌ الواسطيّ في كتابه "أطراف الصحيحين" في هذا الحديث: "عبد اللَّه" بالتكبير في الروايتين، وكذا ذكره أبو داود، وابن ماجه في "سننيهما" من رواية ابن عيينة بالتكبير، ولم يذكروا رواية الْفَزَاريّ، ووقع في "سنن النسائي" اختلاف في الرواية عن النسائيّ، بعضهم رواه بالتكبير، وبعضهم بالتصغير، ورواه البيهقيّ في "السنن الكبير" من رواية ابن عيينة بالتصغير، ومن رواية الْفَزَاريّ بالتكبير، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة ما تقدّم أن الاختلاف الواقع في هذا الاسم "عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ" بالتصغير والتكبير، لا يضرّ؛ لأنهما أخوان رويا هذا الحديث، عن عمّهما يزيد بن الأصم، فصحّ الحديث عن كليهما. أما عبيد اللَّه المصغّر، فقد تقدّمت ترجمته في السند، وأما عبد اللَّه المكبّر، فهو: عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ العامريّ، أبو سليمان، ويقال: أبو الْعَنْبس، وكان أكبر من أخيه عبيد اللَّه، رأى الحسن، والحسين، صدوقٌ [٤]. روى عن عمّه يزيد بن الأصمّ، وعنه السفيانان، وعبدة بن سليمان، وعبد الواحد بن زياد، ومروان الفَزَاريّ. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ، ووثّقه الجعليّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له مسلم حديثًا واحدًا فيما يقطع الصلاة، قاله في "التهذيب" (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا جعل في "التهذيب" حديث أبي هريرة ﵁ فيما يقطع الصلاة عند مسلم من رواية عبد اللَّه بن عبد اللَّه المكبّر، لكن النسخ عندنا أنه عبيد اللَّه المصغّر، حتى إن الشرّاح: القاضي عياض، والنووي، وغيرهما لم ينبّهوا عليه كما نبّهوا في هذا الباب؛ إذ لم يقع في نسخهم، وكذا

стр. 6165

لم ينبّه الحافظ المزّيّ في "الأطراف" (١)، فالظاهر أن نسبة رواية عبد اللَّه المكبّر لحديث أبي هريرة ﵁ المذكور إلى المصنّف -كما ذكره في "التهذيب"- غير صحيحة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو المفتوحة: أي فرّج، وباعد. قال النووي ﵀: "فَرّج بين يديه"، و"خَوَّى بيديه" -بالخاء المعجمة، وتشديد الواو- و"فَرّج"، و"جَنَّحَ" بمعنى واحدٍ، ومعناه كله: باعد مِرْفقيه، وعَضُديه عن جنبيه. انتهى (٢). وقوله: (يَعْنِي جَنَّحَ) العناية من بعض الرواة، ولم يتعيّن لي من هو؟. وقوله: (حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ) "يُرى" بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول، و"الوَضَحُ" بفتحتين: البياض. وقوله: (وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذ الْيُسْرَى) قال النوويّ ﵀: يعني أنه إذا قعد بين السجدتين، أو في التشهد الأول، وأما القعود في التشهد الأخير فالسنة فيه التورُّك، كما رواه البخاريّ في "صحيحه"، من رواية أبي حُميد الساعديّ ﵁، وكذلك رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تحقيق هذه المسألة في موضعها -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ جَافَى، حَتَّى يَرَى مَنْ خَلْفَهُ وَضَحَ إِبْطَيْهِ"، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي بَيَاضَهُمَا).
следующие страницы →