أي شرع في السجود، وفي رواية مروان بن معاوية، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ التالية: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا سجد خَوَّى (١) بيديه، يعني جَنَّح حتى يُرَى وَضَحُ إبطيه من ورائه"، وفي رواية جعفر بن بُرْقان، عن عبيد اللَّه الثالثة: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا سجد جافى، حتى يَرَى مَن خلفه وَضَحَ إبطيه"، وجواب "إذا" هنا قوله: (لَوْ) شرطيّة، كما قال في "الخلاصة":
"لَوْ" حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلْ إِيلَاؤُهُ … مُسْتَقْبَلًا لَكِنْ قُبِلْ
وَهْيَ فِي الاخْتِصَاصِ بِالْفِعْلِ كَـ "إِنْ" … لَكِنَّ "لَوْ" بِهَا "أَنَّ" قَدْ تَقْتَرِنْ
وفي رواية النسائيّ: "حتى لو أنّ بَهْمةً أرادت أن تمرّ تحت يديه مرّت".
(شَاءَتْ بَهْمَةٌ) بفتح الموحّدة، وسكون الهاء: ولد الضأن، يُطلق على الذكر والأنثى، والجمع بَهْمٌ بلا هاء، مثلُ تَمْرة وتَمْر، وجمع الْبَهْم بِهَامٌ، مثلُ سَهْم وسِهَام، وتُطلق البهام على أولاد الضأن والمعز إذا اجتمعت تغليبًا، فإذا انفردت قيل لأولاد الضأن: بِهَام، ولأولاد المعز سِخَال، وقال ابن فارس: الْبَهْمُ: صغار الغنم، وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعةَ تَضَعُها الضأنُ، أو المعزُ، ذكرًا كان الولد، أو أنثى: سَخْلَةٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢).
وقال النوويّ ﵀: قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة: الْبَهْمَةُ: واحدة الْبَهْم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع الْبَهْمِ بِهَام بكسر الباء، وقال الجوهريّ: الْبَهْمة من أولاد الضأن خاصّةً، ويُطلق على الذكر والأنثى، قال: والسّخَالُ: أولاد الْمِعْزَى. انتهى (٣).
(أَنْ تَمُرَّ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "شاءت"، أي لو شاءت المرور (بَيْنَ يَدَيْهِ) وفي رواية أبي داود: "لو أرادت أن تمرّ تحت يديه مرّت"، فيكون معنى: "بين يديه" هنا بمعنى رواية أبي داود "تحت يديه"، فافهم. (لَمَرَّتْ") جواب، والغالب في جوابها إذا كان مثبتًا أن يقترن باللام، كهذا الحديث، ويجوز حذفها، نحو: لو قام زيد قام عمرو.
والمراد من هذا التمثيل بيان مبالغته ﷺ في التفريج، والتجافي في السجود.
стр. 6162
قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث يدلّ على شدّة رفع بطنه عن الأرض، وتجنيحه، وهذا كلّه حكم الرجال، فأما النساء، فحكمهنّ عند مالك حكم الرجال، إلا أنه يُستحبّ لهنّ الانضمام والاجتماع، وخيّرهنّ الكوفيّ في الانفراج والانضمام، وذهب بعض السلف إلى أن سنّتهنّ التربّع، وحكمُ الفرائض والنوافل في هذا سواء. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم لك تحقيق هذه المسألة، وأنه لا دليل صحيحٌ يفرّق بين الرجال والنساء فيها، فالحقّ أن الأدلة شاملة للجنسين، فتبصّر.
ثم إن ما نقله عن الكوفيّ إن أراد به الإمام أبا حنيفة ﵀، فليس مذهبه هكذا، بل هو ممن يقول بالانضمام للنساء، وإن أراد غيره فلا أدري من هو؟، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١١١٢] (٤٩٦) و [٤٦/ ١١١٣ و ١١١٤] (٤٩٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٩٨)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢١٣ و ٢٣٢) وفي "الكبرى" (١/ ٢٣٤)، و (ابن ماجه) فيها (٨٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٣٢ و ٣٣٣ و ٣٣٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥١ - ٣٥٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٧١ و ١٨٧٢ و ١٨٧٣ و ١٨٧٤ و ١٨٧٥ و ١٨٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٩٧ و ١٠٩٨ و ١٠٩٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٣] (٤٩٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
стр. 6163
الْأَصَمِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ، يَعْنِي جَنَّحَ، حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه، أبو محمد المروزي، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
والباقون ذُكِروا في السند الماضي.
[تنبيه]: قوله: "حدّثنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه إلخ"، قال القاضي عياض ﵀: ذكر مسلم في سند هذا الحديث: أنا سفيان بن عيينة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ، عن عمه يزيد، كذا في الأصول، وعند شيوخنا بغير خلاف، ثم قال مسلم: عن الفزاريّ، وعن عبد الواحد بن زياد، ثنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ، عن عمّه يزيد، كذا في رواية الْعُذْريّ، والذي رواه الفارسيّ: ثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه في الموضعين، وكلاهما صحيح، هما أخوان: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، رويا عن عمّهما، ذكر ذلك البخاريّ في "تاريخه" (١)، وذكر الخلاف في هذا الحديث عنهما. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: هكذا وقع في بعض الأصول "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه" بتصغير الأول في الروايتين، وفي بعضها "عبد اللَّه" مكبرًا في الموضعين، وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى، والتصغير في الثانية، وكله صحيحٌ، فـ "عبد اللَّه"، و"عبيد اللَّه" أخوان، وهما ابنا عبد اللَّه بن الأصم، و"عبد اللَّه" بالتكبير أكبر من "عبيد اللَّه"، وكلاهما رَوَيَا عن عمه يزيد بن الأصم، وهذا مشهور في
стр. 6164
كتب أسماء الرجال، والذي ذكره خَلَفٌ الواسطيّ في كتابه "أطراف الصحيحين" في هذا الحديث: "عبد اللَّه" بالتكبير في الروايتين، وكذا ذكره أبو داود، وابن ماجه في "سننيهما" من رواية ابن عيينة بالتكبير، ولم يذكروا رواية الْفَزَاريّ، ووقع في "سنن النسائي" اختلاف في الرواية عن النسائيّ، بعضهم رواه بالتكبير، وبعضهم بالتصغير، ورواه البيهقيّ في "السنن الكبير" من رواية ابن عيينة بالتصغير، ومن رواية الْفَزَاريّ بالتكبير، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة ما تقدّم أن الاختلاف الواقع في هذا الاسم "عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ" بالتصغير والتكبير، لا يضرّ؛ لأنهما أخوان رويا هذا الحديث، عن عمّهما يزيد بن الأصم، فصحّ الحديث عن كليهما.
أما عبيد اللَّه المصغّر، فقد تقدّمت ترجمته في السند، وأما عبد اللَّه المكبّر، فهو:
عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ العامريّ، أبو سليمان، ويقال: أبو الْعَنْبس، وكان أكبر من أخيه عبيد اللَّه، رأى الحسن، والحسين، صدوقٌ [٤].
روى عن عمّه يزيد بن الأصمّ، وعنه السفيانان، وعبدة بن سليمان، وعبد الواحد بن زياد، ومروان الفَزَاريّ.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ، ووثّقه الجعليّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له مسلم حديثًا واحدًا فيما يقطع الصلاة، قاله في "التهذيب" (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا جعل في "التهذيب" حديث أبي هريرة ﵁ فيما يقطع الصلاة عند مسلم من رواية عبد اللَّه بن عبد اللَّه المكبّر، لكن النسخ عندنا أنه عبيد اللَّه المصغّر، حتى إن الشرّاح: القاضي عياض، والنووي، وغيرهما لم ينبّهوا عليه كما نبّهوا في هذا الباب؛ إذ لم يقع في نسخهم، وكذا
стр. 6165
لم ينبّه الحافظ المزّيّ في "الأطراف" (١)، فالظاهر أن نسبة رواية عبد اللَّه المكبّر لحديث أبي هريرة ﵁ المذكور إلى المصنّف -كما ذكره في "التهذيب"- غير صحيحة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو المفتوحة: أي فرّج، وباعد.
قال النووي ﵀: "فَرّج بين يديه"، و"خَوَّى بيديه" -بالخاء المعجمة، وتشديد الواو- و"فَرّج"، و"جَنَّحَ" بمعنى واحدٍ، ومعناه كله: باعد مِرْفقيه، وعَضُديه عن جنبيه. انتهى (٢).
وقوله: (يَعْنِي جَنَّحَ) العناية من بعض الرواة، ولم يتعيّن لي من هو؟.
وقوله: (حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ) "يُرى" بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول، و"الوَضَحُ" بفتحتين: البياض.
وقوله: (وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذ الْيُسْرَى) قال النوويّ ﵀: يعني أنه إذا قعد بين السجدتين، أو في التشهد الأول، وأما القعود في التشهد الأخير فالسنة فيه التورُّك، كما رواه البخاريّ في "صحيحه"، من رواية أبي حُميد الساعديّ ﵁، وكذلك رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تحقيق هذه المسألة في موضعها -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ جَافَى، حَتَّى يَرَى مَنْ خَلْفَهُ وَضَحَ إِبْطَيْهِ"، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي بَيَاضَهُمَا).
стр. 6166
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ برْقًانَ) -بضمّ الموحّدة، وسكون الراء- الكلابيّ، أبو عبد اللَّه الرّقّيّ، ثقةٌ يَهِمُ في حديث الزهريّ [٧] (ت ١٥٠) أو بعدها (بخ م ٤) ٦٣/ ٣٦٢.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو محمد البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في هذا الباب.
وقوله: (إِذَا سَجَدَ جَافَى) أي باعد مِرْفقيه، وعضديه عن جنبيه.
وقوله: (حَتَّى يرَى مَنْ خَلْفَهُ) "يَرَى" بفتح أوله، مبنيًّا للفاعل، و"مَنْ" موصولة في محلّ رفع على الفاعليّة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
(٤٧) - (بَابُ مَا يَجْمَعُ صِفَةَ الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٥] (٤٩٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ -يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ (١)، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى
стр. 6167
يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ"، وَفي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ: "وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، [١٠]، (ت ٢٣٤) تقدم في "المقدمة" (ع) ٢/ ٥.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلَمُ) هو: حسين بن ذكوان المكتب الْعَوذيّ البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المذكور في السند الماضي.
٥ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٦ - (بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ -بضم العين المهملة- البصريّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وأبي الجوزاء، وعبد اللَّه بن شَقِيق، وعطاء، وعبد اللَّه بن الصامت، وعبد اللَّه بن عُبيد بن عمير، وأبي العالية، والبراء، وغيرهم.
ورَوَى عنه قتادة، ومات قبله، وشعبة، وحماد بن زيد، وإبراهيم بن طهمان، وحسين المعلّم، وأبان العطار، وابناه: عبد اللَّه وعبد الرحمن ابنا بُدَيل، وغيرهم.
قال ابن سعد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، وقال البزار: لم يسمع من عبد اللَّه بن الصامت، وإن كان قديمًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" في الطبقة الثالثة، وحَكَى البغويّ، عن محمد بن سعد، أنه قال: ميسرة والد بُديل هذا، هو ميسرة الفجر، صاحب رسول اللَّه ﷺ ، قال البغويّ: وهو عندي وَهَمٌ. انتهى (١).
стр. 6168
قال البخاريّ، عن عليّ ابن المدينيّ: مات سنة (١٣٠).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٤٩٨) و (٥٨٨) و (٦٤٨) و (٧٣٠) و (٧٤٩) و (١٦٧٤) و (٢٨٧٢).
٧ - (أَبُو الْجَوْزَاءِ) -بالجيم، والزاي- هو: أوس بن عبد اللَّه الرَّبَعيّ -بفتح الموحّدة- البصريّ، من رَبَعَة (١) الأزد، ثقةٌ يُرسل كثيرًا [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو، وصفوان بن عَسّال.
ورَوَى عنه بُديل بن ميسرة؛ وأبو أشهب، وعمرو بن مالك، وقتادة، وغيرهم.
قال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": كان عابدًا فاضلًا، وقال ابن عديّ: حَدَّث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء رَوَى عن الصحابة، وأرجو أنه لا بأس به، ولا يصح روايته عنهم أنه سمع منهم، قال البخاريّ: في إسناده نظرٌ. انتهى. ويريد البخاريّ بهذا أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود، وعائشة، وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة.
قال الحافظ: حديثه عن عائشة في الافتتاح بالتكبير عند مسلم، وذكر ابن عبد البر في "التمهيد" أيضًا أنه لم يسمع منها، وقال جعفر الفريابيّ في "كتاب الصلاة": ثنا مُزاحم بن سعيد، ثنا ابن المبارك، ثنا إبراهيم بن طَهْمان، ثنا بُدَيل الْعُقيليّ، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة يسألها. . . فذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك، فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء، واللَّه أعلم.
قال: وقول البخاريّ: في إسناده نظرٌ، ويختلفون فيه، إنما قاله عَقِب حديث رواه له في "التاريخ" من رواية عَمرو بن مالك البَكْريّ، والبكري ضعيف عنده.
وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": أبو الجوزاء عن عمر، وعليّ مرسل.
стр. 6169
وحَكَى البخاريّ، عن يحى بن سعيد أنه قُتِل في الجماجم، سنة (٨٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀ وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، وبُديل بن ميسرة، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بديل، عن أبي الجوزاء.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ) أي يبدؤها، ويجعل التكبير فاتحتها، والمراد لفظ "اللَّه أكبر" كما بُيّن في الروايات الأخرى (وَالْقِرَاءَةَ) بالنصب عطفًا على "الصلاةَ"، أي يبتدأ القراءة (بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) بالرفع على الحكاية، وإظهار ألف الوصل، ويجوز حذف همزة الوصل، وكذا جرّ الدال على الإعراب، قاله القاري (١).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "والقراءَة": أي يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة، فيقرؤها، ثم يقرأ السورة، وذلك لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح، فإنه لا يسمّى في العرف قراءةً، ولا يدلّ على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ إذ ليس المراد أنه كان يبتدئ القراءة بلفظ ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ [الفاتحة: ٢]، بل المراد منه أن يبدأ بقراءة السورة التي مُفْتَتَحُها ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾، كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. انتهى (٢).
وقال في "المرعاة" بعدما نقل كلام الطيبيّ المذكور ما حاصله: وبهذا
стр. 6170
ظهر الردّ على من تمسّك بالحديث على مشروعيّة ترك الجهر بالبسملة في الصلاة، فإن المراد بذلك كما قلنا اسم السورة، لكن نوقش ذلك بأنه لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة ﵂: "بالحمدُ"؛ لأنه وحده هو الاسم.
ورُدّ بأن "الحمد للَّه رب العالمين" اسم للسورة أيضًا، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه"، عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال مرّ بي النبيّ ﷺ وأنا أصلي. . . وفيه: ثم قال: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ "، فذهب النبيّ ﷺ ليخرج من المسجد، فذَكَّرته، فقال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته".
وأخرج أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أمُّ القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني".
فهذا نصّ واضحٌ في أن الفاتحة تُسمّى بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويمكن الجواب عن ذلك التمسّك أيضًا بأنها ذَكَرت أول آية من الآيات التي تخصّ السورة، وتركت البسملة؛ لأنها مشركة بينها وبين غيرها من السور. انتهى (١).
وقد تقدّم تحقيق هذه المسألة في موضعها من هذا الكتاب مستوفًى، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَكَانَ) ﷺ (إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإشخاص، قال الطيبيّ: أي لم يرفعه، من أشخصتُ كذا: رفعته، وشَخَصَ شُخُوصًا: إذا ارتفع.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ضبطوه من الإشخاص رباعيًّا، والذي في "القاموس" أن ثلاثيّه يتعدّى أيضًا، وعبارته: وشَخَصَ كمنع شُخُوصًا: ارتفع، وبصرَه: فتح عينيه، وجعل لا يُطرِف، وبصرَهُ: رفعه. انتهى.
فدلّ قوله: "شخص بصره: رفعه" على أن ثلاثيّه يتعدّى، فعلى هذا يحتمل أن يُضبط قوله هنا: "لم يُشخص" بفتح الياء أيضًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6171
(وَلَمْ يُصَوِّبْهُ) أي لم يُنكِّسه، من التصويب، وهو الإنزال من أعلى إلى أسفل، ومنه الصيِّب للمطر، يقال: صاب يصوب: إذا نزل، أي لم يخفضه خفضًا بليغًا، بل يعتدل فيه بين الخفض والتصويب، وهو التسوية، كما أشار إليه بقوله: (وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين المذكور من الإشخاص والتصويب، بحيث يستوي ظهره وعنقه كالصفحة الواحدة.
قال الطيبيّ ﵀: "بين" وإن كان من حقّه أن يضاف إلى شيئين فصاعدًا، إلا أن "ذلك" لَمّا كان بمعنى شيئين من حيث إنه وقع مشارًا به إلى مصدر الفعلين المذكورين، حَسُنَ إضافته إليه. انتهى (١).
وقال القاري ﵀: قيل: كأن وجه الاستدراك بها -يعني قوله: "ولكن إلخ"- أن نفي ذينك لا يقتضي البينيّة الآتية، بل ربّما اقتضى خلافها، فبيّن أن المراد أنه كان إذا ركع يكون ركوعه بين ذلك. انتهى (٢).
(وَكَانَ) ﷺ (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ يَسْجُدْ) أي لم ينزل إلى السجود (حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا) أي حتى يعتدل في قيامه (وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ) أي الأولى (لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا) قال الطيبيّ ﵀: فيه دليلٌ على وجوب الاعتدال، وتعقّبه القاري، فقال: يَحتمل الحملَ على وجه الكمال، فلا يتمّ به الاستدلال، وحديث البخاريّ: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" لا يدلّ على فرضيّة جميع أفعاله ﷺ ؛ لأنّ بعض أفعاله وأقواله سنة إجماعًا انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تعقّب القاري غير سديد، فالحقّ وجوب الاعتدال في الجلوس، كالاعتدال في القيام من الركوع، وليس الاستدلال بحديث البخاريّ فقط، بل مع ما ينضمّ إليه مما يُثبت الوجوب، ومنه قوله ﷺ في حديث المسيء صلاته: "ثم اجلس حتى تطمئنّ جالسًا"، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود بإسناده بهذا اللفظ، والأمر للوجوب، فتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 6172
(وَكَانَ) ﷺ (يَقُولُ) أي يقرأ (فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) أي بعدهما (التَّحِيَّةَ) بالنصب على المفعوليّة، قال القاري: وقيل: بالرفع، أي "التحيّات إلخ"، قال: ولا يبعد أن يكون "التحيّة" مبتدأ خبره "في كلّ ركعة". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بُعد هذا الوجه مما لا يخفى، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
والمعنى: أنه ﷺ كان يتشهّد في كلّ ركعتين بقوله: "التحيّات للَّه إلخ".
وسُمّي هذا الذكر تحيّةً؛ لاشتماله على التحيّة، وهو الثناء الحسن، وتشهّدًا؛ لاشتماله على الشهادتين.
(وَكَانَ يَفْرِشُ) بضمّ الراء، وكسرها، والضمّ أشهر، أي يبسطها، يقال: فرشتُ البساطَ وغيره فَرْشًا، من باب نصر، وفي لغة من باب ضرب: بسطته، وافترشته، فافترش هو (١). (رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، أي يُقيمها، يقال: نصبتُ الخشبةَ نصبًا، من باب ضرب: أقمتها (٢). (رِجْلَهُ الْيُمْنَى) يعني أنه يضع أصابعها على الأرض، ويرفع عقبها.
واستدلّ به من قال بمشروعيّة النصب والفرش في التشهّدين جميعًا، ووجهه الإطلاق، وعدم التقييد في مقام التصدّي لوصف صلاته ﷺ ، لا سيّما بعد وصفها للذكر المشروع في كلّ ركعتين.
وتُعُقّب ذلك بأن حديث أبي حميد الساعديّ ﵁ في عشرة من أصحاب النبيّ ﷺ ، زيادة تفصيل، فإنه فرّق بين الجلوسين، فجعل الافتراش في التشهّد الأول، والتورّك في التشهّد الثاني، فيلزم العمل به.
وحاصله أن حديث عائشة ﵂ فيه إجمال، وحديث أبي حميد ﵁ فيه تفصيل، أو يُحمل حديث عائشة ﵂ على أنه ﷺ فعله فيهما لبيان الجواز، وسيأتي البحث في ذلك مستوفًى في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(وَكَانَ يَنْهَى) بفتح أوله وثالثه: أي يمنع (عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ) بضم العين المهملة، وسكون القاف، فموحّدة، فسّرها أبو عبيد وغيره بالإقعاء المنهيّ عنه، وهو أن يُلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض،
стр. 6173
كما يفرش الكلب وغيره من السباع، وأما تفسيرها بافتراش القدمين، والجلوس بالأليتين على العقبين فغلطٌ؛ لأنه سنة ثابتة عن النبيّ ﷺ ، كما رواه مسلم وغيره.
وقال النوويّ ﵀: قولها: "وكان ينهى عن عقبة الشيطان" هو الإقعاء الذي فَسَّرناه، وهو مكروه باتفاق العلماء بهذا التفسير الذي ذكرناه، وأما الإقعاء الذي ذكره مسلم بعد هذا، في حديث ابن عباس ﵄ أنه سنة، فهو غير هذا، كما سنفسره في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى- انتهى (١).
(وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الزَجُلُ ذِرَاعَيْهِ) أي يبسطهما في حال السجود، قال الطيبيّ ﵀: التقييد بالرجل يدلّ على أن المرأة تفترش. انتهى. (افْتِرَاشَ السَّبُعِ) أي كافتراشه، ولا حاجة لتفسير السبع بالكلب؛ لأن هذه الصفة تعمّ الكلب، وغيره من السباع، ووروده في بعض الرواية بلفظ الكلب ليس للتقييد، بل للتمثيل والتنبيه بذكر بعض الأنواع.
وافتراش السبع هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، ويُفضي بمرفقيه وكفّيه إلى الأرض، والسنّة أن يرفع ذراعيه، ويكون الموضوع على الأرض هو الكفّ فقط، نعم إن طال عليه السجود، فتضرّر به، فله الاعتماد بمرفقيه على فخذيه؛ لما تقدّم من أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ شكوا إليه مشقّة السجود، فقال: "استعينوا بالرُّكب"، وقد سبق أن الأرجح إرساله، لكن المرسل في مثل هذا يُعمل به؛ للمشقّة؛ لأن المرسل حجة عند بعض العلماء مطلقًا، وعند بعضهم بشروط، وهو الصحيح، كما أوضحت بيان ذلك في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ") أي تسليم الخروج، واستُدلّ به على تعيّن التسليم للخروج من الصلاة؛ اتّباعًا لمواظبته ﷺ عليه، ولقوله ﷺ : "وتحليلها التسليم"، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، غير النسائيّ، فإن الإضافة تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي انحصرت صحّة تحليلها في التسليم، لا تحليل لها غيره.
стр. 6174
وقال ابن العربيّ ﵀ ما معناه: قوله: "تحليلها التسليم" يقتضي حصر الخروج عن الصلاة على التسليم دون غيره من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة؛ لأنه ذكره بالألف واللام الذي هو باب شأنه التعريف كالإضافة، وحقيقة الألف واللام إيجاب الحكم لما ذُكر، ونفيه عما لم يُذكر، وسلبه منه، وعبَّر عنه بعضهم بأنه الحصر، وأبو حنيفة يخالف فيه، حيث إنه يرى الخروج منها بكلّ فعل وقول يضادّ الصلاة، كالحدث ونحوه؛ حملًا على السلام، وقياسًا عليه، وهذا يقتضي إبطال الحصر الذي بيّنّاه. انتهى (١).
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ) الأحمر (وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ) بفتح العين المهمَلة، وكسر القاف، هذا هو المشهور، وحُكِي ضمّ العين، وهو ضعيف، وهو بمعنى "عُقْبة الشيطان" المذكور في رواية إسحاق بن إبراهيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى)؛ حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: تقدّم أن بعضهم أعلّوا هذا الحديث بالانقطاع؛ لأن أبا الجوزاء لم يسمعه من عائشة ﵂، قال جعفر الفريابيّ في "كتاب الصلاة": ثنا مُزاحم بن سعيد، ثنا ابن المبارك، ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا بُديل الْعُقيليّ، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولأ إلى عائشة يسألها. . . فذكر الحديث، قالوا: ظاهر هذا أنه لم يشافهها.
لكن يُجاب عن المصنّف: بأنه لا مانع من جواز كونه توجّه إليها بعد ذلك، فشافهها به، ومذهبه الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقيّ، وهذا متحقّق هنا.
ونقل في "المرعاة" عن "جامع الأصول" أنه قال: أبو الجوزاء سمع من عائشة (٢)، فإن صحّ هذا فقد زالت العلّة المذكورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 6175
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ١١١٥] (٤٩٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٨٣)، و (ابن ماجه) فيها (٨١٢ و ٨٦٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٤٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣١ و ١٧١ و ١٩٤ و ٢٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٥ و ١٧٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٨٥ و ١٥٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠٠ و ١١٠١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان النبيّ ﷺ يفتتح الصلاة به، وهو التكبير.
٢ - (ومنها): إثبات التكبير في أول الصلاة، وأنه يتعين لفظ التكبير؛ لأنه ثبتٌ أن النبيّ ﷺ كان يفعله، وأنه قال: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، بل ثبت أمره ﷺ للمسيء صلاته بالتكبير، فقد قال له ﷺ : "إذا قُمت إلى الصلاة، فكبّر"، متّفقٌ عليه، وأمره للوجوب.
قال النوويّ ﵀: وهذا الذي ذكرناه من تَعَيُّن التكبير، هو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد -رحمهم اللَّه تعالى- وجمهور العلماء من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة ﵀: يقوم غيره من ألفاظ التعظيم مقامه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم تصويب ما قاله الجمهور، وتفنيد ما قاله في محلّه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): أن قولها: "والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " [الفاتحة: ٢]، استَدَلّ به مالك وغيره، ممن يقول: إن البسملة ليست من الفاتحة، وجواب الشافعيّ والأكثرين القائلين بأنها من الفاتحة، أن معنى الحديث أنه يبتدئ القرآن بسورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا بسورة أخرى، فالمراد بيان السورة التي يبتدأ بها، وقد قامت الأدلة على أن البسملة منها، قاله النوويّ ﵀ (٢).
стр. 6176
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم أيضًا تحقيق هذه المسألة مستوفًى في محلّه، فراجعه هناك، وباللَّه تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): أن السنة للراكع أن يُسَوِّي ظهره بحيث يستوي رأسه ومؤخره.
٥ - (ومنها): أن فيه وجوب الاعتدال إذا رفع من الركوع، وأنه يجب أن يستوي قائمًا؛ لقوله ﷺ للمسيء صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا"، وأمره للوجوب، وكان ﷺ يواظب على الجلوس بين السجدتين، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي".
٦ - (منها): وجوب الجلوس بين السجدتين، لقوله ﷺ للمسيء صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئنّ جالسًا"، وأمره للوجوب، ولمواظبته عليه.
٧ - (ومنها): أن قولها: "وكان يقول في كل ركعتين التحية" فيه حجة لأحمد بن حنبل، ومن وافقه من فقهاء أصحاب الحديث، أن التشهد الأول والأخير واجبان، وقال مالك، وأبو حنيفة رحمهما اللَّه والأكثرون: هما سنّتان، ليسا واجبتين، وقال الشافعي ﵀: الأول سنّة، والثاني واجب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الإمام أحمد ﵀، ومن وافقه من وجوب التشهّدين جميعًا هو الحقّ؛ لقوله ﷺ : "فإذا قعد أحدكم في الصلاة، فليقل التحيات للَّه"، متّفقٌ عليه، والأمر للوجوب، ولحديث الباب، مع قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، ولما أخرجه مسلم من حديث ابن عبّاس ﵄: "كان رسول اللَّه ﷺ يعلّمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن".
وأما احتجاج الأكثرين بأن النبيّ ﷺ ترك التشهد الأول وجبره بسجود السهو، ولو وجب لم يصحّ جبره كالركوع وغيره من الأركان.
فجوابه أن جبره بالسجود لا يستلزم عدم الوجوب، وإنما غايته أنه مما لا يُبطل الصلاة تركه، فتبصّر.
وأما قولهم: إنه ﷺ لم يعلّمه الأعرابي حين علّمه فروض الصلاة.
فجوابه أن الواجبات ليست منحصرة في حديث المسيء صلاته، فالمعروف عند أهل العلم أن كلّ ما ذُكر في ذلك التعليم، واجب، ولا عكس، فكلّ ما دلّ عليه دليل الوجوب من صيغة الأمر أو نحوه يزاد على ذلك التعليم،
стр. 6177
فتنبّه لذلك، وهذا البيان قد سبق تحقيقه في شرح حديث المسيء صلاته مستوفًى، فارجع إليه تستفد علمًا جمًّا.
٨ - (ومنها): أن قولها: "وكان يَفْرُش رجله اليسرى، ويَنْصِب رجله اليمنى" معناه: يجلس مفترشًا، وفيه حجة لأبي حنيفة ﵀، ومن وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشًا، سواء فيه جميع الجلسات، وعند مالك: يُسَنّ متوركًا، بأن يُخْرِج رجله اليسرى من تحته، ويُفضِي بوَرِكِه إلى الأرض، وقال الشافعيّ ﵀: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشًا، إلا التي يَعْقُبها السلام، والجلسات عند الشافعي: أربع: الجلوس بين السجدتين، وجِلْسة الاستراحة عقب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير، فالجميع يُسَنُّ مفترشًا، إلا الأخيرة، فلو كان مسبوقًا، وجلس إمامه في آخر صلاته متوركًا جلس المسبوق مفترشًا؛ لأن جلوسه لا يعقبه سلام، ولو كان على المصلي سجود سهو فالأصحّ أنه يجلس مفترشًا في التشهد، فإذا سجد سجدتي السهو تَوَرَّك، ثم سلَّم. هذا تفصيل مذهب الشافعي ﵀.
واحتج أبو حنيفة ﵀ بإطلاق حديث عائشة ﵂ هذا، واحتج الشافعي: بحديث أبي حميد الساعديّ في "صحيح" البخاريّ، وفيه التصريح بالافتراش في الجلوس الأول، والتورك في آخر الصلاة، وحَمَلَ حديث عائشة ﵂ هذا على الجلوس في غير التشهد الأخير؛ للجمع بين الأحاديث، قاله النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: جمع الإمام الشافعيّ ﵀ في هذا حسنٌ، وأحسن منه جمع الإمام أحمد ﵀، وهو أن جلسات الصلاة كلّها بالافتراش، إلا الصلاة التي فيها جلستان، فالأولى تكون بالافتراش، والثانية بالتورّك، وإنما رجّحت هذا؛ لأن حديث أبي حميد الساعديّ ﵁ إنما جاء هكذا، فقد أخرج البخاريّ ﵀ حديثه في "صحيحه" عن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبيّ ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو حميد الساعديّ: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول اللَّه ﷺ ، رأيته إذا كبّر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هَصَر ظهره (١)، فإذا رفع
стр. 6178
رأسه استوى حتى يعود كل فَقَار مكانه، فإذا سجد وضع يديه، غير مفترش، ولا قابضِهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة، قَدَّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مَقْعَدته"، وهذا الحديث لم يُخرجه مسلم.
فقد نصّ فيه أن الصلاة التي فيها تشهّدان، فالجلوس للأول بالافتراش، وللثافي بالتورّك، وأما الصلاة التي ليس فيها تشهّدان فتبقى على حديث عائشة ﵂، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
قال النوويّ ﵀: وجلوس المرأة كجلوس الرجل، وصلاة النفل كصلاة الفرض في الجلوس، هذا مذهب الشافعيّ ومالك -رحمهما اللَّه تعالى- والجمهور، وحَكَى القاضي عياض عن بعض السلف أن سنة المرأة التربُّع، وعن بعضهم التربع في النافلة، والصواب الأول، ثم هذه الهيئة متساوية، فلو جلس في الجميع مفترشًا، أو متوركًا، أو متربعًا، أو مُقْعِيًا، أو مادًّا رجليه صحَّت صلاته، وإن كان مخالفًا. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق أن القول بالتفرقة بين الرجال والنساء في هيئة الصلاة مما لم يصحّ عليه دليلٌ من الكتاب أو السنّة، بل كلّ ما صحّ من صفة صلاة النبيّ ﷺ ، قولًا أو فعلًا فإنه يشمل الرجال والنساء، فقوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلّي" يشملهما جميعًا.
وقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه" بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: تفعل المرأة في الصلاة كما يفعل الرجل.
وروى البخاريّ في "التاريخ الصغير" (٢) بسند صحيح، وعلّقه في "الصحيح" بصيغة الجزم، عن أم الدرداء، أنها كانت تجلس في صلاتها جِلْسة الرجل، وكانت فقيهة.
وأما حديث انضمام المرأة في السجود، وأنها ليست في ذلك كالرجل، فهو مرسل لا يصحّ، رواه أبو داود في "المراسيل" عن يزيد بن أبي حبيب.
стр. 6179
وأما ما رواه الإمام أحمد في مسائل ابنه عبد اللَّه عنه (ص ٧١) عن ابن عمر ﵄ أنه كان يأمر نساءه يتربّعن في الصلاة، فلا يصحّ؛ لأن فيه عبد اللَّه بن عمر العمري، وهو ضعيف (١).
والحاصل أن المرأة في هيئة الصلاة كالرجل فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن قولها: "وكان يختم الصلاة بالتسليم" فيه دليلٌ على وجوب التسليم، فإنه صحّ قوله ﷺ : "وتحليلها التسليم"، وقد قدّمنا أنه يفيد الحصر، فلا خروج منها إلا بالتسليم، هذا مع مواظبته ﷺ على الخروج منها به، وقوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي".
قال النوويّ ﵀: واختَلَف العلماء فيه، فقال مالك، والشافعيّ وأحمد -رحمهم اللَّه تعالى- وجمهور العلماء من السلف والخلف: السلام فرضٌ، ولا تصح الصلاة إلا به، وقال أبو حنيفة، والثوريّ، والأوزاعي -رحمهم اللَّه تعالى-: هو سنة، لو تركه صحّت صلاته، قال أبو حنيفة: لو فَعَلَ منافيًا للصلاة من حدَث، أو غيره في آخرها صحّت صلاته، واحتج بأن النبيّ ﷺ لم يعلّمه الأعرابيّ في واجبات الصلاة حين علّمه واجبات الصلاة، واحتَجّ الجمهور بما ذكرناه، وبالحديث الآخر في سنن أبي داود والترمذيّ: "مفتاحُ الصلاة الطهور، وتحليلُها التسليم".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: واحتّج ابن حزم بحديث: "وإذا شَكّ أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم لْيُسَلِّم، ثم يسجدْ سجدتي السهو". متّفق عليه، قال: فقد أمره ﷺ بالتسليم من كلّ صلاة، وأمره ﷺ فرض. انتهى كلامه باختصار (٢)، وهو احتجاج قويّ.
قال: ومذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور -رحمهم اللَّه تعالى- أن المشروع تسليمتان، ومذهب مالك ﵀ في طائفة: المشروع تسليمةٌ، وهو قولٌ ضعيفٌ عن الشافعيّ ﵀، ومن قال بالتسليمة الثانية، فهي عنده سنةٌ، وشذّ بعض الظاهرية، والمالكية، فأوجبها، وهو ضعيفٌ، مخالف
стр. 6180
لإجماع من قبله، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النووي (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعواه الإجماع فيه نظر، فقد نقل ابن حزم عن الحسن بن حيّ أنه قال: التسليمتان معًا فرضٌ.
والحاصل أن القول بفرضيّة التسليمتين هو الظاهر؛ لظواهر النصوص، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٨) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٦] (٤٩٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي (٢) مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٢ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد الباهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ في روايته عن عكرمة اضطراب، وتغيّر بآخره [٤] (١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٣ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد اللَّه التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ فاضلٌ [٢] ويقال: وُلد في عهده ﷺ (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
стр. 6181
٤ - (أَبُوهُ) طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة، استُشهد أيّام الجمل (٣٦) وهو ابن (٦٣) تقدم في "الإيمان" سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٠٩.
وشيوخه الثلاثة تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وسماك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة، فبغلانيّ، والصحابيّ مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدّثنا أبو الأحوص" إشارة إلى اختلاف صيغ أداء شيوخه؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهم، وقد تقدّم بيان ذلك مفصّلًا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن قوله: "أبو الأحوص" تنازعه "أخبرنا"، و"حدّثنا"، فأعمل البصريون الثاني؛ لقربه، والكوفيّون الأول؛ لسبقه، كما تقدّم غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سماك، عن موسى، ورواية الابن، عن أبيه.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵃، وغاب عن بدر، فضرب له النبيّ ﷺ بسهمه وأجره، وشهد أُحُدًا، وأبلى فيه، فكان أبو بكر ﵁ إذا ذُكر يوم أحد يقول: ذاك يومٌ كلُّه لطلحة، وكانت يده شلاء؛ وقى بها النبيّ ﷺ فيه ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ) طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ
стр. 6182
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَضَعَ) بالبناء للفاعل (أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمامه، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده" من طريق زائدة، عن سماك: "ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، ثم لْيُصلّ".
قال في "المرعاة": وهذا مطلق، وقد ورد في حديث بلال ﵁ أن النبيّ ﷺ صلّى في الكعبة، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فينبغي للمصلّي أن يدنو من السترة، ولا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع، وقال البغويّ: استَحَبّ أهل العلم الدنوّ من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنوّ منها. انتهى (١).
أخرج الإمام أحمد، وأبو داود والنسائيّ، بإسناد صحيح، عن سهل بن أبي حَثْمَة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى سُتْرَة فَلْيَدْنُ منها، لا يقطعِ الشيطانُ عليه صلاته".
(مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) بنصب "مثل" على المفعوليّة لـ "وَضَعَ"، أي يضع سُترةً مثلَها.
قال النوويّ ﵀: "الْمُؤْخِرة" -بضم الميم، وكسر الخاء، وهمزة ساكنة- ويقال: بفتح الخاء، مع فتح الهمزة، وتشديد الخاء، ومع إسكان الهمزة، وتخفيف الخاء، ويقال: آخرة الرحل، بهمزة ممدودة، وكسر الخاء، فهذه أربع لغات، وهي العود الذي في آخر الرحل. انتهى (٢).
وعبارة "القاموس" و"شرحه": والآخِرَةُ من الرَّحْلِ: خلاف قَادِمَتِهِ، وكذا من السرج، وهي التي يَستَنِدُ إليها الراكب، والجمع: الأواخرُ، وهذه أفصح اللغات، كما في "المصباح"، كآخِرِهِ، من غير تاءٍ، ومُؤَخَّره، كمُعَظَّم، ومُؤَخَّرته، بزيادة التاء، وتُكسر خاؤهما، مخفَّفَةً، ومُشَدَّدَةً، أمّا الْمُؤْخِرُّ، كمُؤْمِنٍ، فلغة قليلةٌ، وقد جاء في بعض روايات الحديث، وقد منع منها بعضهم، والتشديدُ مع الكسر أنكره ابن السِّكِّيتِ، وجعله في "المصباح" من اللحن. انتهى (٣).
стр. 6183
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تحصّل من مجموع ما سبق أن لآخرة الرحل ثماني لغات: آخرةٌ كقائمةٍ، وآخرٌ كقائمٍ، ومُؤَخَّرٌ، ومُؤَخَّرَةٌ، بصيغة اسم المفعول المضعَّف، كمُعَظَّمٍ ومُعَظَمَةٍ، وَمُؤَخِّرٌ، ومؤَخِّرَةٌ، بصيغة اسم الفاعل المضعّف، كمُعَلِّمٍ، ومُعَلِّمَةٍ، ومُؤْخِرٌ، ومُؤْخِرَةٌ، بصيغة اسم الفاعل المخفّف، كمُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، وأفصحها آخرةٌ.
ومعناه: العُودُ الذي يستند إليه الراكب من كُور البعير، قال الحافظ ﵀: اعتبَرَ الفقهاء مُؤْخِر الرحل في مقدار أقلّ السترة، واختَلَفُوا في تقديرها، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع، وهو أشهر، لكن في مصنّف عبد الرزّاق عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع، وقال النوويّ: في هذا الحديث بيان أن أقلّ السترة مؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصُل بأي شيء أقامه بين يديه، قال: وليس في هذا الحديث دليلٌ على بطلان الخطّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث، وإن لم يدلّ على بطلان الخطّ إلا أن الخطّ لا يصحّ حديثه، فلا ينبغي أن يفعله المصلّي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي) بإثبات الياء، فـ "لا" نافية، ولذا رفع الفعل بعدها، وفي بعض النسخ بحذف الياء، وعليه فـ "لا" ناهية، جُزم بها الفعل، والفاعل ضمير "أحدكم".
قال الفيّوميّ ﵀: وقولهم: لا أباليه، ولا أبالي به: أي لا أهتمّ به، ولا أكْتَرِثُ له، ولم أبال، ولم أُبَلْ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بَالَةً، والأصلُ باليَةً، مثلُ عافاه مُعافاةً وعافيةً، قالوا: ولا يُستعمل إلا مع الْجَحْد، والأصل فيه قولهم: تبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى "لا أبالي": لا أُبادر إهمالًا له. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١).
(مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ") "من" موصولة في محلّ نصب على المفعوليّة،
стр. 6184
والمعنى: لا يبالي المصلّي بمرور أحد وراء السترة، من المرأة، أو نحوها، ولا يلزمه دفعه، لإشارة، أو غيرها؛ لأنه لا يضرّه بقطع صلاته.
ويحتمل أن يكون "مَنْ مَرّ" مرفوعًا على الفاعليّة لـ "يبالي"، والمعنى: أن مَن مرّ وراء تلك السترة، لا يبالي بذلك؛ لجواز ذلك له، فلا يلحقه به إثم.
ولفظ أبي داود: "إذا جعلت بين يديك مثلَ مؤخرة الرَّحْل، فلا يضُرّ مَن مرّ بين يديك".
قال في "المنهل": قوله: "فلا يضرّ من مرّ بين يديك"، يعني لا ينقص من ثواب صلاتك من مرّ خلف السترة، حال صلاتك بخلاف من مرّ بينك وبينها، وأخبر ﷺ بنفي الضرر؛ لأنه قد فَعَلَ ما يُؤْذِنُ بأنه يصلّي، وهو وضعُ السترة، فالمراد بالضرر نقص الصلاة، وفيه إشعارٌ بأن من وضع السترة بين يديه لا ينقص من ثواب صلاته شيء بمرور من مرّ بين السترة والقبلة، ويحصُل النقص إذا لم يتّخذ سُترةً، وكذا إذا مَرّ المارّ بينه وبين السترة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١١٦ و ١١١٧] (٤٩٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٨٥)، و (الترمذيّ) فيها (٣٣٥)، و (ابن ماجه) فيها (٩٤٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٢٩٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٧٩ و ٢٣٨٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٢٠٢ و ١١٠٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ١٤٩)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6185
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة اتخاذ السترة للمصلّي.
٢ - (ومنها): بيان أقلّ مقدار الستّرة، وهو قدر مُؤخرة الرحل، قال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلي، وبيان أن أقل السترة مؤخِرَة الرَّحْل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصل بأيّ شيء أقامه بين يديه هكذا، وشرط مالك: أن يكون في غلظ الرمح.
قال: قال أصحابنا: ينبغي له أن يدنو من السترة، ولا يزيد ما بينهما على ثلاث أذرع، فإن لم يجد عصًا ونحوها، جمع أحجارًا أو ترابًا، أو متاعه، وإلا فليبسط مصلى، وإلا فليخطّ الخطّ، وإذا صلى إلى سترة منع غيره من المرور بينه وبينها، وكذا يمنع من المرور بينه وبين الخط، ويحرُم المرور بينه وبينها، فلو لم تكن له سترةٌ، أو تباعد عنها، فقيل: له منعه، والأصح أنه ليس له؛ لتقصيره، ولا يحرم حينئذ المرور بين يديه، لكن يُكْره، ولو وجد الداخلُ فُرْجةً في الصف الأول، فله أن يَمُرّ بين يدي الصف الثاني، ويَقِف فيها؛ لتقصير أهل الصف الثاني بتركها، والمستحب أن يَجعل السترة عن يمينه أو شماله، ولا يصمُد لها؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود بسند ضعيف، عن ضُباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها، أنه قال: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ صَلَّى إلى عَمُود، ولا عُود، ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن والأيسر، ولا يَصْمُد له صَمْدًا (١). انتهى كلام النوويّ بزيادة (٢).
٣ - (ومنها): بيان أن من صلّى إلى سترة لا يضرّ صلاته مرور من مرّ بينها وبين القبلة.
٤ - (ومنها): بيان أن من لم يتّخذ سترة تتضرّر صلاته بمرور المارّ، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك.
٥ - (ومنها): ما قال العلماء: الحكمة في مشروعيّة اتّخاذ الستة منع المرور بين يدي المصلّي، وقيل: كفّ النظر عما وراء السترة.
стр. 6186
قال الحافظ ابن رجب ﵀: والأول أظهر، وأشبه بظواهر النصوص، والْعَنَزَة ونحوها لا تكفّ النظر. انتهى (١).
٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ القاضي عياض بهذا الحديث على أن الخط بين يدي المصلي لا يكفي، قال: وإن كان قد جاء به حديث، وأخذ به أحمد بن حنبل ﵀، فهو ضعيف.
واختُلِف فيه، فقيل: يكون مُقَوَّسًا، كهيئة المحراب، وقيل: قائمًا بين يدي المصلي إلى القبلة، وقيل: من جهة يمينه إلى شماله، قال: ولم يَرَ مالك ﵀، ولا عامة الفقهاء الخطّ. انتهى كلام القاضي ﵀.
قال النوويّ ﵀: وحديث الخط رواه أبو داود، وفيه ضَعْفٌ، واضطرابٌ، واختَلَف قول الشافعيّ ﵀ فيه، فاستحبَّهُ في "سنن حرملة"، وفي القديم، ونفاه في البويطيّ، وقال جمهور أصحابه باستحبابه، وليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه القاضي عياض ﵀، من أن الخطّ لا يكفي في السترة؛ لأن النبيّ ﷺ بَيَّنَ مقدار السترة المشروعة لَمّا سُئل عنها، فلو كان يكفي أقلّ من ذلك، كالخطّ لبينه، فاتّضح بذلك أن ما كان أقلّ من مؤخرة الرحل لا يُعتَبرُ سُترة شرعيّةً، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث الخطّ هو ما أخرجه أبو داود في "سننه"، فقال:
(٦٨٩) حدّثنا مسدد، حدّثنا بشر بن المفضَّل، حدَّثنا إسماعيل بن أمية، حدَّثني أبو عمرو بن محمد بن حُريث، أنه سمع جدَّه حُريثًا يحدث عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صَلَّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخطط خطًّا، ثم لا يضرّه ما مرَّ أمامه".
وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه"، والبيهقيّ، وذكر أبو داود عن ابن عيينة قال: لم نجد شيئًا نشدّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه.
стр. 6187
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار ابن عيينة إلى ضعف هذا الحديث، وأنه لا متابع، ولا شاهد له يقؤيه، وكذا ضعّفه الشافعيّ، والبغويّ، وغيرهم.
والحاصل أنه حديث ضعيف؛ لاضطرابه، ولجهالة أبي محمد بن عمرو بن حُريث، وجدّه، فلا يصلح للاحتجاج به.
وأما ما ردّ به الحافظ قول ابن عيينة: "لم نجد شيئًا نشُدّ به هذا الحديث إلخ"، في "نكته على ابن الصلاح" (٢/ ٧٧٣) بأن الطبرانيّ! رواه من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، وفي إسناده أبو هارون العبديّ، وهو ضعيف. انتهى.
فمما لا يُلتَفَت إليه؛ لأن أبا هارون هذا لا يُعتبر به، ففي "التقريب": عُمَارة بن جُوَين -مصغَّرًا- أبو هارون العبديّ مشهور بكنيته، متروكٌ، ومنهم من كذّبه، شيعيّ من الرابعة. انتهى.
فكيف ساغ له أن يردّ برواية هذا المتروك، بل المكذّب قول ابن عيينة المذكور؟ إن هذا لشيء عجيب غريب من الحافظ، ومثلُ هذا أيضًا تحسينه هذا الحديث في "بلوغ المرام" ليس مما ينبغي.
والحاصل أن حديث الخطّ لا يصحّ، ولا يثبت، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد.
وقد استوفيت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تجد علمًا جمًّا (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم اتّخاذ السترة:
ذهب الأكثرون إلى استحباب اتّخاذها للمصلّي، وإن كان في فضاء.
ورخّصت طائفة من العلماء لمن صلّى في فضاء أن يُصلّي إلى غير سترة، منهم الحسن، وعروة، وكان القاسم، وسالم يصلّيان في السفر إلى غير سترة، وروي عن الإمام أحمد نحوه، نقله عنه الأثرم وغيره، وهو أيضًا مذهب مالك.
ورخّصت طائفة في الصلاة إلى غير سترة مطلقًا، رُوي عن الشعبيّ، قال: لا بأس أن يصلّي إلى غير سترة، وقال ابن سيرين: قلتُ لعبيدة: ما يستر
стр. 6188
المصلّي، وما يَقطع الصلاة؟ قال: يسترها التقوى، ويقطعها الفجور، قال: فذكرته لشُرَيح، فقال: أطيب لنفسك أن تجعل بين يديك شيئًا، أخرجهما وكيع، ورَوَى بإسناده عن ابن مسعود ﵁ قال: من الجفاء أن يصلّي الرجل إلى غير سترة.
قال ابن رجب ﵀: وحيث تُستحبّ الصلاة إلى السترة، فليس ذلك على الوجوب عند الأكثرين، وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد.
ومنهم من قال: هي واجبة، لكن لا تبطل الصلاة بتركها حتى يوجد المرور المبطل للصلاة الذي لأجله شُرِعت السترة. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الحقّ قول من قال: بوجوب اتّخاذ السترة مطلقًا، سواء صلّى في البيت، أو في الفضاء هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، قولًا وفعلًا.
أما فعلًا فقد أخرج الشيخان وغيرهما أحاديث فعل النبيّ ﷺ ، كما هو مذكور في أحاديث هذا الباب.
وأما قولًا، فقد أخرج ابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُصلِّ إلا إلى سُترة، ولا تَدَع أحدًا يمرّ بين يديك، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان" (٢).
وأخرج الحاكم عن سبرة بن معبد الْجُهنيّ ﵁ مرفوعًا: "ليستتر أحدكم في صلاته، ولو بسهم"، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، ولْيَدْنُ منها، ولا يَدَعْ أحدًا يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمرّ فليقاتله، فإنه شيطان" (٣).
فقد صحّ أمره ﷺ ، وهو للوجوب عند جمهور الأصوليين، وصحّ أيضًا فعلًا في الحضر والسفر، فالحقّ أن اتّخاذ السترة واجب مطلقًا.
стр. 6189
وأما الذين أجازوا الصلاة بلا سترة مطلقًا، أو في الفضاء، فتردّهم هذه الأحاديث الصحيحة قولًا وفعلًا، ويُمكن أن يُعتذر لهم بأنهم لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة، أو تأوّلوها بما لا يوافقهم فيه غيرهم، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
وقد استوفيت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه (١)، تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي، وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ (٢) بَيْنَ يَدَيْهِ"، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: "فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ) هو: عمر بن عُبيد بن أبي أُمية الطَّنافسيّ -بفتح الطاء المهملة، والنون، وبعد الألف فاء مكسورة، ثم سين مهملة- الحنفيّ الإياديّ مولاهم، أبو حفص الكوفيّ، صدوقٌ [٨].
رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وسعيد بن مسروق، وسماك بن حرب، والأعمش، ومنصور، وأشعث بن سُليم، وغيرهم.
وروى عنه أخواه: يعلى، وإبراهيم، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعمرو الناقد، ومحمد بن سَلَام البِيكَنديّ، ومحمد بن
стр. 6190
عبد اللَّه بن نُمير، وأبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: لم نُدرك بالكوفة أحدًا أكبر منه، ومن المطلب بن زياد، وقال ابن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال ابن سعد: كان شيخًا قديمًا ثقةً، وقال الدارقطنيّ: عمر، ويعلى، ومحمد، أولاد عُبيد كلهم ثقاتٌ، وأبوهم ثقةٌ، وكذا قال الإمام أحمد قبله، وقال عثمان الدارميّ: سألته -يعني ابن معين- عن يعلى، ومحمد؟ فقال: ثقتان، قلت: فعمر؟ قال: ثقةٌ، قلت: كأنه دونهما؟ قال: نعم، وقال العجليّ: عمر أخو يعلى ومحمد، وهو أسن منهما، وهو دونهما في الحديث، وكان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن سعد وغيره: مات سنة (١٨٥)، وقال ابن حبّان: مات سنة (٨٧) وكذا أَرَّخه خليفة، وهارون بن حاتم، وغير واحد، وقيل: مات سنة (٨)، وذكر ابن زَبْرٍ أنه ولد سنة (١٠٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٩٩)، وحديث (٢٠٤٩): "الكمأة من المنّ. . . ".
وشيخاه تقدّما في الباب الماضي، والباقون في السند الماضي.
وقوله: (وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو؛ لأن الجملة الواقعة حالًا تارة تربط بالضمير، كجاء زيد يده على رأسه، وتارةً بالواو، كهذا الحديث، وتارةً بهما، كجاء زيد وهو يضحك، إلا المبدوءة بالمضارع المثبت، فإنها تربط بالضمير فقط، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ … كَـ "جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ"
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ الْمُضَارعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
وقوله: (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي سألناه عن حكمه، هل الصلاة جائزة، أم لا؟.
стр. 6191
وقوله: (مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ) "مثلُ" مبتدأ خبره جملة "تكون إلخ"، و"تكون" يَحْتَمِل أن تكون تامّة، بمعنى توجد، و"بين" ظرف متعلّقٌ بها، يعني أنها تُركَز أمامكم، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، وخبرها الظرف، أي تكون قائمةً بين يدي أحدكم.
وقوله: (مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) "ما" موصولة، عامّة للعقل وغيره، أي لا يضرّه الشيء الذي مرّ أمامه، من إنسان، أو دابّة، وفي بعض النسخ: "مَنْ مرّ"، وفيه تغليب العاقل، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٨] (٥٠٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: "مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيَدَ) المقرئ (١)، أبو عبد الرحمن المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت ٢٣٢) بمكة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) مِقْلاص، أبو يحيى الخُزاعيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
стр. 6192
٤ - (أَبُو الْأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسديّ المدنيّ، يتيم عُروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣.
٥ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ذُكرت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه نسائيّ، ثم بغداديّ، وعبد اللَّه بن يزيد مكيّ، وسعيد مصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا الأسود محمد بن عبد الرحمن، يقال له: يتيم عروة؛ لأن أباه كان أوصى به إلى عروة، وكان جدّه الأسود من مهاجري الحبشة.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
٦ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة المجموعين في قولي:
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرْ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵄ (أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) زاد في الرواية التالية: "في غزوة تبوك" (عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي؟) أي عن مقدار ما يكفي أن يكون
стр. 6193
ساترًا للمصلي عما يقطع صلاته (فَقَالَ) ﷺ ("مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ") برفع "مثلُ" بتقدير مبتدأ، أي هي مثلُ مؤخِرة الرحل، أو مبتدأ حُذف خبره، أي مثلُ مؤخرة الرحل يكفي في السترة، وتقدّم ضبط "مؤخرة" في الحديث الماضي، ومعناها: العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب، من كور البعير، وقُدّر بعظم الذراع.
و"الرَّحْلُ" بفتح، فسكون: مَرْكبٌ للبعير، كالرَّاحُول، جمعه أَرْحُلٌ، ورِحَالٌ، أفاده في "القاموس" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١١٨ و ١١١٩] (٥٠٠)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٦٢ رقم ٧٤٦) وفي "الكبرى" رقم (٨٢١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠٤ و ١١٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٨٠ - ٣٨١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: "كمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان بن مالك التُجيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
стр. 6194
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) بفتح التاء، وضمّ الموحّدة، قال الفيّوميّ ﵀: باكت الناقة تَبُوك بَوْكًا: سَمِنَتْ، فهي بائكٌ بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غزوة تبوك؛ لأن النبيّ ﷺ غزاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خاليةً عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ، ثم سُمّيت البقعة "تَبُوكَ" بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريبٌ من مدين الذين بعث اللَّه تعالى إليهم شُعيبًا ﵇. انتهى (١). والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد سبق تخريجه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٠] (٥٠١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ، أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير المذكور في السند الماضي.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة (بضع و ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
стр. 6195
٥ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات في أول سنة (٧٣) أو أول (٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٢ - (ومنها): أن شيخه الأول أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، نظمتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ الْبَارِعِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدَّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عُبيد اللَّه، وابن المثنّى بصريّ، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن نافع.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ ذو مناقب جمّة، أحد المكثرين السبعة، كما تقدّم في الحديث الماضي، ومن أشدّ الناس اتّباعًا للأثر، ومن العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث":
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6196
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ) أي لأجل أداء صلاة العيد في الصحراء؛ لأنه ﷺ يصلّي العيد خارج المسجد (أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ) أي أمر خادمه بحمل الحربة، وهي -بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء-: دون الرُّمح، عَريضة النَّصْل.
وفي رواية للبخاريّ في "العيدين" من طريق الأوزاعيّ، عن نافع: "كان يغدو إلى المصلَّى، والْعَنَزَة تُحْمَل، وتُنْصَب بين يديه، فيصلي إليها"، زاد ابن ماجه، وابن خزيمة، والإسماعيليّ: "وذلك أن المصلَّى كان فَضَاءً، ليس فيه شيء يستره".
(فَتُوضَعُ) أي تلك الحَرْبة (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمام النبيّ ﷺ (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) أي إلى تلك الحربة؛ لتستره عن المارّة، وفيه مشروعيّة اتّخاذ السترة للمصلّي، وفي تعبيره بـ "كان" دلالةٌ على أنه كان يلازم ذلك.
(وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو والضمير، ويَحْتَمل أن يكون "الناس" معطوفًا على الفاعل الضمير؛ للفصل بالجارّ والمجرور، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَكَانَ) ﷺ (يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي الأمر بالحربة، ونصبها بين يديه، والصلاة إليها، وذلك حيث لا يكون جدار هنا (فِي السَّفَرِ) أي في حال خروجه من بيته للغزو، أو للنسك، يعني أن حمل الحربة، ونصبها عند الصلاة ليس مختصًّا بيوم العيد (فَمِنْ ثَمَّ) -بفتح الثاء المثلّثة، وتشديد الميم- أي من أجل ذلك (اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ) أي أمر الأمراء خَدَمهم باتّخاذ الحربة، يُخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه، والضمير في "اتَّخذها" يَحْتَمِل عوده إلى الحربة التي اتّخذها النبيّ ﷺ ، يعني أن الأمراء كانوا يداولونها واحدًا بعد واحد، ويَحْتَمِلُ أن يعود إلى جنس الحربة، فيكون فيه استخدام (١).
стр. 6197
[تنبيه]: اختُلف في الحربة التي كان يضعها النبيّ ﷺ أمامه للصلاة، فقيل: هي التي أهداها له النجاشيّ، فقد رَوَى عُمَر بن شَبَّة في "أخبار المدينة" من حديث سعد القَرَظ: أن النجاشيّ أهدى إلى النبيّ ﷺ حربةً، فأمسكها لنفسه، فهي التي يُمْشَى بها مع الإمام يوم العيد.
وقيل: كانت لرجل من المشركين، يدلّ عليه ما رُوي من طريق الليث أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يدي النبيّ ﷺ كانت لرجل من المشركين، فقتله الزبير بن العوّام ﵁ يوم أُحُد، فأخذها منه النبيّ ﷺ ، فكان يَنصِبها بين يديه إذا صلى.
ويَحَتَمِل الجمع بأن عَنَزَة الزبير كانت أوّلًا قبل حربة النجاشيّ، أفاده في "الفتح" (١).
[تنبيه آخر]: أخرج الإمام ابن ماجه حديث الباب، فجعل قوله: "فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء" من قول نافع، ونصّه:
(١٣٠٥) حدّثنا سُوَيد بن سعيد، حدّثنا عليّ بن مُسهِر، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبيّ ﷺ إذا صلى يوم عيد، أو غيره، نُصِبت الْحَرْبة بين يديه، فيصلي إليها، والناس من خلفه، قال نافع: فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء انتهى.
قال في "الفتح": هذه الجملة الأخيرة -يعني قوله: "فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء"- فَصَلَها عليّ بن مُسْهِر من حديث ابن عمر ﵄، فجعلها من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه، وأوضحته في "كتاب المدرج". انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١٢٠ و ١١٢١] (٥٠١)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٩٤ و ٤٩٨ و ٩٧٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٨٧)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٦٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣ و ١٨ و ٩٨ و ١٠٦ و ١٤٥ و ١٥١)،
стр. 6198
و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٠٦ و ١٤٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠٦ و ١١٠٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة اتّخاذ السترة للصلاة.
٢ - (ومنها): مشروعيّة الاحتياط، وأخذ آلة دفع الأعداء، ولا سِيَّما في السفر.
٣ - (ومنها): جواز الاستخدام، وأمر الخادم بنصب السترة، ونحو ذلك.
٤ - (ومنها): أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال في "العمدة": وادّعى بعضهم فيه الإجماع، نقله ابن بطّال (١)، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ في "صحيحه"، فقال: "بابُ سترة الإمام سترة من خلفه"، فأورد أحاديث ابن عبّاس، وابن عمر، وأبي جحيفة ﵃ المذكورة في هذا الباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٥ - (ومنها): استحباب اتّخاذ الْحَربة في السفر؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، كما اتّخذها الأمراء من بعده، لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ ما نصّه: وما ذُكر في حديث ابن عمر ﵄ من اتّخاذ الأمراء لها، فالأمراء الذين عناهم في زمنه إنما اتّخذوها تعاظمًا وكبرًا، ولم يتّخذوها لأجل الصلاة، كما كان النبيّ ﷺ يتّخذها للصلاة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال ابن رجب ﵀، وهو على إطلاقه محلّ نظر، فإن الأمراء فيهم أهل خير وصلاح، ومن يريد الخير واتّباع السنّة، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): "مشروعيّة اتّخاذ السترة لمن يُصلّي في الفضاء، قال ابن قُدامة ﵀: يُسْتَحبّ للمصلي أن يصلي إلى سترة، فإن كان في مسجد، أو بيت صلى إلى الحائط، أو سارية، وإن كان في فضاء صلى إلى شيء شاخص بين
стр. 6199
يديه، أو نَصَب بين يديه حَرْبةً، أو عصى، أو عَرَض البعير، فصلى إليه، أو جعل رَحْله بين يديه، وسئل أحمد: يصلي الراحل إلى سترة في الحضر والسفر؟ قال: نعم، مثل مؤخرة الرحل، ولا نعلم في استحباب ذلك خلافًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ترجيح القول بوجوب اتّخاذ السترة، لقوّة أدلّته، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في شرح حديث طلحة بن عبيد اللَّه ﵁، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل سترة الإمام سترة لمن خلفه أم لا؟:
قال ابن قُدامة ﵀ ما حاصله: سترة الإمام سترة لمن خلفه، نَصّ على هذا أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، كذلك قال ابن المنذر، وقال الترمذيّ: قال أهل العلم: سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال أبو الزناد: كلُّ من أدركت من فقهاء المدينة الذين يُنْتَهَى إلى قولهم: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وسليمان بن يسار، وغيرهم يقولون: سترة الإمام سترة لمن خلفه.
ورُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وغيرهم.
وذلك لأن النبيّ ﷺ "صَلَّى إلى سترة"، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: "أقبلت راكبًا على حمارٍ أَتَانٍ، والنبيّ ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدارٍ، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان تَرْتَع، فدخلت في الصفّ، فلم يُنْكِر عليّ أحدٌ"، متّفقٌ عليه.
ومعنى قولهم: سترةُ الإمام سترة لمن خلفه، أنه متى لم يَحُلْ بين الإمام وسترته شيء، يقطع الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة، لا يضرُّها مرور شيء
стр. 6200
بين أيديهم في بعض الصفّ، ولا فيما بينهم وبين الإمام، وإن مَرّ ما يَقطَع الصلاة بين الإمام وسترته، قَطَع صلاته وصلاتهم، وقد دلّ على هذا ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هَبَطنا مع النبيّ ﷺ من ثَنِيّة أَذَاخِر، فحضرت الصلاة، يعني فصلَّى إلى جدار، فاتخذه قبلة، ونحن خلفه، فجاءت بَهْمَةٌ تمرّ بين يديه، فما زال يُدارؤها حتى لَصِقَ بطنه بالجدار، ومرّت من ورائه" (١).
فلولا أن سترته سترةٌ لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرقٌ. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀.
وقال الإمام ابن رجب ﵀ ما ملخّصه: قول جمهور العلماء أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال ابن المنذر: رُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، ومالكٌ، والأوزاعيّ، وأحمد. انتهى.
ومنهم من قال: الإمام سترة لمن خلفه، وهو قول طائفة من أصحاب مالك.
قال: ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه أن المأمومين لا يُشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة غير سترة إمامهم، وأنه لا يضرّهم من مرّ بين أيديهم إذا لم يمرّ بين يدي إمامهم، ويدلّ على ذلك أيضًا ما روى هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هبطنا مع النبيّ ﷺ . . . فذكر الحديث الماضي، قال: وهذا يدلّ على أن المرور بين الإمام وسترته محذورٌ بخلاف المرور بين يدي من خلفه إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، ففيه قولان: أحدهما: أنه منهيّ عنه أيضًا، نصّ عليه أحمد في رواية الأثرم.
والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنه غير داخل في النهي، قال: وذكر ابن عبد البرّ في "التمهيد" أن المأموم لا يدفع من مرّ بين يديه، وقال: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافًا، وذكر في "الاستذكار" أن مالكًا يرخّص في ذلك لمن لم يجد منه بُدًّا، وأن غيره لا يرى به بأسًا، يعني بكلّ حال، سواء