وقد قال عمرو بن عليّ الفلاس: الصحيح عندنا أن ابن عباس كان له عند وفاة النبيّ ﷺ ثلاث عشرة سنةً، قد استكملها، ونحوه لأبي عبيد، وأسند البيهقيّ عن مصعب الزبيريّ أنه كان ابن أربع عشرة، وبه جزم الشافعيّ في "الأم"، ثم حَكَى أنه قيل: ست عشرة، وحُكِي قولُ ثلاث عشرة، وهو المشهور، وأورد البيهقيّ عن أبي العالية، عن ابن عباس: "قرأت المحكم على عهد رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن ثنتي عشرة"، فهذه ستة أقوال، ولو وَرَد إحدى عشرة لكانت سبعة؛ لأنها من عشر إلى ست عشرة.
قال الحافظ: والأصل فيه قول الزبير بن بكار وغيره من أهل النسب، أن ولادة ابن عباس ﵄ كانت قبل الهجر بثلاث سنين، وبنو هاشم في الشِّعْب، وذلك قبل وفاة أبي طالب، ونحوُهُ لأبي عبيد.
ويمكن الجمع بين مختلف الروايات إلا ست عشرة، وثنتي عشرة، فإن كلًّا منهما لم يثبت سنده، والأشهر بأن يكون ناهز الاحتلام، لَمّا قارب ثلاث عشرة، ثم بلغ لما استكملها، ودخل في التي بعدها، فإطلاق خمس عشرة بالنظر إلى جبر الكسرين، وإطلاق العشر، والثلاث عشرة بالنظر إلى إلغاء الكسر، وإطلاق أربع عشرة بجبر أحدهما.
وقال في "كتاب الاستئذان" -ردًّا على الإسماعيليّ، حيث قال: "الأحاديث عن ابن عبّاس في هذا مضطربة"-: دعوى الاضطراب مردودة، مع إمكان الجمع، أو الترجيح، فإن المحفوظ الصحيح أنه وُلد بالشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، وأورد بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: وُلِدت وبنو هاشم في الشِّعْب، وهذا لا ينافي قوله: "ناهزت الاحتلام"، أي قاربته، ولا قوله: "وكانوا لا يَختنون الرجل حتى يُدْرك" لاحتمال أن يكون أدرك، فخُتِن قبل الوفاة النبوية، وبعد حجة الوداع، وأما قوله: "وأنا ابن عشر"، فمحمول على إلغاء الكسر.
ورَوَى أحمد من طريق أخرى، عن ابن عباس، أنه كان حينئذ ابن خمس عشرة.
ويمكن رَدّه إلى رواية ثلاث عشرة، بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء،
стр. 6232
ووُلد في أثناء السنة، فجَبَر الكسرين بأن يكون وُلِد مثلًا في شوال، فله من السنة الأولى ثلاثة أشهر، فأطلَق عليها سنة، وقُبِض النبيّ ﷺ في ربيع، فله من السنة الأخيرة ثلاثة أخرى، وأكمل بينهما ثلاث عشرة، فمن قال ثلاث عشرة ألغَى الكسرين، ومن قال خمس عشرة جبرهما، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في الجمع المذكور من التكلّف، فالأولى عندي طريق الترجيح، فيُرجّح كونه ابن ثلاث عشرة؛ كما صححه ابن عبد البرّ ﵀، ونَقَلَ بسند صحيح عن ابن عباس كونه وُلِدت وبنو هاشم في الشِّعْب، وهو موافق لمعنى قوله: "قد ناهزت الاحتلام"، فهذا أقرب التوجيهات، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(بِمِنًى) متعلّق بـ "يصلّي"، وهو بالقصر الموضع المعروف بمكة، وهو محلّ رمي الجمَرَات، وذبح الهدايا.
قال النوويّ ﵀: "منى" فيها لغتان: الصرف وعدمه، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، سُمِّيت منى؛ لما يُمْنَى بها من الدماء، أي يراق، ومنه قول اللَّه تعالى: ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]. انتهى (٢).
وقال في "القاموس": "ومنى" كـ "إلى" قرية بمكة، وتُصرف، سُمّيت لما يُمنى -أي يُرَاق- فيها من الدماء، وقال ابن عبّاس ﵄: لأن جبريل ﵇ لَمّا أراد أن يفارق آدم قال له: تمنّ، قال: أتمنّى الجنّة، فسُمّيت منى؛ لأمنيّة آدم ﵀. انتهى (٣).
وقال في "المصباح": ومنًى: اسم موضع بمكة، والغالب عليه التذكير، فيُصرف، وإذا أُنّث مُنِع من الصرف، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمّي منًى؛ لما يُمنى به من الدماء، أي يُراق. انتهى (٤).
وقد عدّ الحريريّ: "منًى" في جملة الأسماء المصروفة، حيث قال في "مُلحته":
стр. 6233
وَلَيْسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ … إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَيْنٍ وِمِنًى وَبَدْرِ … وَدَابِقٍ وَوَاسِطٍ وَحِجْرِ
[فائدة]: يجوز في أسماء: القائل، والأرضين، والكَلِم الصرف على تأويلها باللفظ، والمكان، والحيّ، أو الأب، وعدَمُهُ على إرادة الكلمة، والبقعة، والقبيلة، إلا إذا سُمع فيه أحدهما فقط، فلا يُتجاوز، كما سُمع الصرف في كَلْبٍ، وثَقِفٍ، ومَعَذٍ، باعتبار الحيّ، وبدرٍ، وحُنينٍ، على المكان، وكمنعه في يهودَ، ومجوسَ، عَلَمين باعتبار القبيلة، ودِمَشْقَ، على البقعة، وإلا إذا تحقّق مانع غير التأنيث المعنويّ، فيُمنع بكلّ حالٍ، كتغلبَ، وباهلةَ، وخولانَ، وبغداد، أفاده في "التسهيل"، و"شرحه"، ونقله الخضريّ في "حاشيته على شرح ابن عقيل على الخلاصة" بزيادة (١)، وهي فائدة حسنة مهمةٌ، فاغتنمها، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله أيضًا: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى) كذا قال مالك، وأكثر أصحاب الزهريّ، ووقع من رواية ابن عيينة عن الزهريّ الآتية بلفظ: "بعرفة"، قال النوويّ ﵀: يُحْمَلُ ذلك على أنهما قضيتان.
وتُعُقُّب بأن الأصل عدم التعدّد، ولا سيّما مع اتّحاد مخرج الحديث، فالحقّ أن قول ابن عيينة: "بعرفة" شاذّ.
ويأتي أيضًا من رواية معمر، عن الزهريّ بلفظ: "وذلك في حجة الوداع، أو يوم الفتح" بالشكّ، وهذا الشك من معمر لا يُعَوَّل عليه، والحقّ أن ذلك كان في حجة الوداع، أفاده في "الفتح" (٢).
(فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ) وفي بعض النسخ: "بين يدي بعض الصفّ"، وهو مجاز عن الأَمَام -بفتح الهمزة- لأن الصفّ ليس له يدٌ، و"بعض الصفّ" يَحْتَمِل أن يراد به صفّ من الصفوف، أو بعضٌ من أحد الصفوف، هكذا قال الكرمانيّ، لكن زاد البخاريّ في "الحج" من رواية ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه قوله: "حتى سِرْتُ بين يدي بعض الصف الأول"، وهو يُعَيِّن الاحتمال الثاني، فتنبّه (٣).
стр. 6234
(فَنَزَلْتُ) أي عن الأتان (فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ) أي ترعى، يقال: رَتَعَت الماشية رَتْعًا، من باب نَفَعَ، ورُتُوعًا: إذا رَعَت كيف شاءت، والجملة في محلّ نصب على الحال المقدَّر؛ لأن الرتع لا يحصل حالة الإرسال، أي مقَدَّرًا رُتُوعها.
وقال في "الفتح": قوله: "تَرْتَعُ" -بمثناتين مفتوحتين، وضم العين- أي تأكل ما تشاء، وقيل: تُسْرِع في المشي، وجاء أيضًا بكسر العين، بوزن "يَفتَعِلُ"، من الرَّعْي، وأصله تَرْتَعِي، لكن حذفت الياء تخفيفًا، والأول أصوب، ويدل عليه رواية البخاريّ في "الحج": "نَزَلتُ عنها، فَرَتَعَتْ". انتهى (١).
(وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ) وفي رواية عند البخاريّ: "فدَخَلتُ في الصفّ" بالفاء، (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) أي لا النبيّ ﷺ ، ولا الصحابة الذين مرّ بين أيديهم.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: استَدَلَّ ابن عباس بترك الإنكار على الجواز، ولم يَسْتَدِلّ بترك إعادتهم للصلاة؛ لأن ترك الإنكار أكثر فائدةً.
قال الحافظ ﵀: وتوجيهه أن ترك الإعادة يدلّ على صحتها فقط، لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدلّ على جواز المرور، وصحةِ الصلاة معًا، ويُستفاد منه أن ترك الإنكار حجةٌ على الجواز بشرطه، وهو انتفاء الموانع من الإنكار، وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل.
ولا يقال: لا يلزم مما ذُكِر اطّلاع النبيّ ﷺ على ذلك؛ لاحتمال أن يكون الصفّ حائلًا دون رؤية النبيّ ﷺ له؛ لأنا نقول: قد تقدم أنه ﷺ كان يرى في الصلاة من ورائه كما يرى من أمامه، وتقدم أيضًا أن في رواية البخاريّ في "الحج" أنه مَرّ بين يدي بعض الصفّ الأول، فلم يكن هناك حائلٌ دون الرؤية، ولو لم يَرِد شيء من ذلك، لكان توفُّر دواعيهم على سؤاله ﷺ عما يَحْدُث لهم كافيًا في الدلالة على اطّلاعه على ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6235
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١٢٩ و ١١٣٠ و ١١٣١ و ١١٣٢] (٥٠٤)، و (البخاريّ) في "العلم" (٧٦) و"الصلاة" (٤٩٣) و"الأذان" (٨٦١) و"جزاء الصيد" (١٨٥٧) و"المغازي" (٤٤١٢) و"فضائل القرآن" (٥٠٣٦) و"الاستئذان" (٦٢٩٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧١٥)، و (الترمذيّ) فيها (٣٣٧)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٦٤)، و (ابن ماجه) (٩٤٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٥٥ - ١٥٦)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٦٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٣٥٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٧٨ - ٢٨٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٧٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٩ و ٢٦٤ و ٣٤٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٣٣ و ٩٣٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٣٠ و ١٤٣١ و ١٤٣٢ و ١٤٣٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١١٤ و ١١١٥ و ١١١٦ و ١١١٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٤٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه، وقد ترجم الإمام البخاريّ في "صحيحه" بهذا، فقال: "باب سترة الإمام سترة من خلفه".
قال في "الفتح": ولفظ ترجمة الباب ورد في حديث مرفوع، رواه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق سُويد بن عبد العزيز، عن عاصم، عن أنس ﵁، مرفوعًا: "سُترة الإمام سترة لمن خلفه"، وقال: تَفَرّد به سُويد عن عاصم. انتهى. وسُويد ضعيف عندهم، ووردت أيضًا في حديث موقوف على ابن عمر ﵄، أخرجه عبد الرزاق. انتهى.
قال القاضي عياض ﵀: واختلفوا هل سترةُ الإمام بنفسها سترة لمن خلفه، أم هي سترة له خاصّةً، وهو سترة لمن خلفه؟ مع الاتّفاق على أنهم مُصَلّون إلى سترة.
стр. 6236
قال الحافظ ﵀: ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض فيما لو مَرّ بين يدي الإمام أحدٌ فعلى قول من يقول: إن سترة الإمام سترةُ مَن خلفه يَضُرّ صلاته وصلاتهم معًا، وعلى قول من يقول: إن الإمام نفسه سترة من خلفه يضر صلاته، ولا يضر صلاتهم (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بأن سترة الإمام سترة لمن خلفه هو الأرجح؛ لظاهر حديث ابن عبّاس ﵄ هذا، واللَّه تعالى أعلم.
قال القاضي أيضًا: ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يَأْمَن المرور بين يديه، واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه، وهما قولان في مذهب مالك، قال النووي: ومذهبنا أنها مشروعة مطلقًا؛ لعموم الأحاديث، ولأنها تصون بصره، وتمنع الشيطان المرور، والتعرض لإفساد صلاته، كما جاءت الأحاديث. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن السترة مشروعة، بل واجبة مطلقًا؛ لأمره ﷺ بها، وأمره للوجوب، وقد أسلفت تحقيقه، فلا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
٢ - (ومنها): بيان أن صلاة الصبيّ صحيحة.
٣ - (ومنها): ما قيل: إن فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة؛ لأن المرور مَفْسَدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة، واستدَلَّ ابن عباس ﵄ على جواز المرور بعدم الإنكار؛ لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولا يقال: منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نَفَى الإنكار مطلقًا، فتناول ما بعد الصلاة، وأيضًا فكان الإنكار يمكن بالإشارة.
٤ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ احتجّ به على صحّة تحمّل الصبيّ الحديث، فترجم له، فقال: "باب متى يصحّ سماع الصغير"، ثم أورده، قال في "الفتح": وفيه ما ترجم له، أن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء، قال: ويُلْحَق بالصبيّ في ذلك العبد، والفاسق، والكافر، وقامت حكاية ابن عباس لفعل النبي- ﷺ ، وتقريره مقام حكاية قوله؛ إذ لا فرق
стр. 6237
بين الأمور الثلاثة في شرائط الأداء (١).
٥ - (ومنها): أن مَن عَلِمَ الشيء صغيرًا وأداه كبيرًا جاز، ولا خلاف فيه، وأخطأ من حَكَى فيه خلافًا، وكذا الفاسق والكافر، إذا أدّيا حال الكمال (٢).
٦ - (ومنها): فيه جواز الركوب إلى صلاة الجماعة.
٧ - (ومنها): ما قال الْمُهَلَّب: فيه أن التقدّم إلى القعود لسماع الخطبة، إذا لم يضرّ أحدًا، والخطيبُ يَخطُب جائز، بخلاف ما إذا تخطى رقابهم.
٨ - (ومنها): أنه إذا فُعِل بين يدي النبيّ ﷺ شيءٌ، ولم ينكره فهو حجة.
٩ - (ومنها): جوازُ إرسال الدّابّة من غير حافظٌ، أو مع حافظٌ غير مكلَّف.
١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، فيكون ناسخًا لحديث أبي ذرّ ﵁ الذي سيأتي للمصنّف: في كون مرور الحمار يقطع الصلاة، وكذا مرور المرأة، والكلب الأسود.
وتُعُقِّب بأن مرور الحمار مُتَحَقّق في حال مرور ابن عباس، وهو راكبه، وقد تقدّم أن ذلك لا يَضُرُّ؛ لكون الإمام سترةً لمن خلفه، وأما مروره بعد أن نزل عنه، فيحتاج إلى نقل.
١١ - (ومنها): ما قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: حديث ابن عباس ﵄ هذا يَخُصّ حديث أبي سعيد ﵁: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدَعْ أحدًا يمرّ بين يديه"، فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضرُّه مَن مَرّ بين يديه؛ لحديث ابن عباس ﵄ هذا، قال: وهذا كلُّه لا خلاف فيه بين العلماء، وكذا نقل عياض: الاتفاق على أن المأمومين يصلون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام، أم سترتهم الإمام نفسه؟ انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما رواه عبد الرزاق، عن الحكم بن عمرو الغفاريّ الصحابيّ أنه صلى بأصحابه في سفر، وبين يديه سترة، فمرّت حَمِير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، وفي رواية له أنه قال لهم: إنها لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم.
стр. 6238
فهذا يَعْكُر على ما نُقِل من الاتفاق.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول أن كون سترة الإمام سترة لمن خلفه، وإن لم يكن مجمعًا عليه، إلا أنه مذهب الجمهور، وهو الحقّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ، وَرَسولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ، يُصَلِّي بِمِنًى، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَ: فَسَارَ الْحِمَارُ (٢) بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ، فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ الحافظ، تقدّم قبل باب.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ) تفصيل بعد إجمال، فإن قوله: "يصلّي بمنى" يَحْتَمِل أن يكون منفردًا، ويَحتَمِل أن يكون مع الناس، فبيّنه بهذه الجملة.
قَالَ: (فَسَارَ الْحِمَارُ) وفي نسخة: "فسار بالحمار".
وقوله: (ثُمَّ نَزَلَ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: ثم نزلتُ.
وقوله: (عَنْهُ) أي عن الحمار، وقد سبق أنها أتان، وهي أنثى الحمير، وإنما ذكّره هنا نظرًا للفظ "الحمار" فإنه مذكّر، وإن كان يُطلق على الأنثى أيضًا، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6239
وقوله: (فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ) أي دخل ابن عبّاس ﵄ في صفّ الناس الذين يصلون وراء النبيّ ﷺ ، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣١] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِعَرَفَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدّموا قريبًا، أما عمرو الناقد، وابن عيينة، فتقدّما قبل باب، وأما الباقون ففي هذا الباب.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد الزهريّ السابق، وهو: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن عبد اللَّه بن عبّاس ﵄.
وقوله: (وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِعَرَفَةَ) تقدّم أن هذا مما خالف فيه ابن عيينة الرواة عن ابن شهاب، فالظاهر أنه وَهَم، وقد حال النوويّ في دفع هذا الوَهَم، فقال: هو محمول على أنهما قضيّتان، لكن الظاهر أنه غلطٌ؛ لاتّحاد مخرج الحديث، وقد كنت ملت في شرح النسائيّ إلى قول النووي ﵀، لكن الآن يترجّح لي خلافه؛ لما ذكرت، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(١٨٩٤) حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس: جئت أنا والفضل، ونحن على أتان، ورسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس بعرفة، فمررنا على بعض الصف، فنزلنا عنها، وتركناها تَرْتَعُ، ودخلنا في الصف، فلم يقل لي رسول اللَّه ﷺ شيئًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 6240
[١١٣٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ "مِنًى"، وَلَا "عَرَفَةَ"، وَقَالَ: "في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: ("فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ") هكذا بالشكّ في رواية معمر، وقد تقدّم أن الصواب "في حجة الوداع" بدون شكّ، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٣٤٤٤) حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، وعبدُ الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس، قال: جئت إلى النبيّ ﷺ في حجة الوداع، أو قال: يوم الفتح، وهو يصلي، أنا والفضل مرتدفان على أتان، فقطعنا الصفّ، ونزلنا عنها، ثم دخلنا الصفّ، والأتان تمر بين أيديهم، لم تقطع صلاتهم، وقال عبد الأعلى: كنت رَدِيف الفضل على أتان، فجئنا، ونبيّ اللَّه ﷺ يصلي بالناس بمنى. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 6241
(٤٩) - (بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٣] (٥٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَع أَحَدًا يَمُرُّ (١) بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبِي فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) الأنصاريّ الْخَزْرجيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (١١٢) عن (٧٧) سنةً (خت م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الرحمن علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
стр. 6242
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، وفيه رواية الابن، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي) أي إلى شيء يستره عن المارّ؛ لما في الرواية التالية: "إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره. . . "، فإطلاق هذه الرواية مقيّد بما في هذه الرواية (فَلَا يَدَعْ) أي لا يترك، وهو: مضارع وَدَعَ، يقال: وَدَعته أَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثُمّ فُتِح لمكان حرف الحلق، وقد اشتهر أن العرب أماتت ماضيه، ومصدره، واسم فاعله، لكن الصواب أنه قليل الاستعمال، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة، كحديث: "لينتهينّ قوم عن وَدْعهم الجمعات. . . " الحديث، أخرجه مسلم (١)، وحديث: "دَعُوا الحبشة ما ودعوكم. . . " حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والنسائيّ (٢)، وقُرئ في الشاذّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بتخفيف الدال.
(أَحَدًا) منصوب على المفعوليّة، وقول: (يَمُرُّ) في محلّ نصب نعتٌ لـ "أحدًا"، ويَحْتَمِلُ نصبه على الحال منه، وإن كان نكرةً؛ لوقوعه في سياق النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ … إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ "لَا … يَبْغِي امْرُؤ عَلَى امْرِىٍ مُسْتَسْهِلَا"
وفي بعض النسخ: "أن يمرّ" بزيادة "أن" المصدريّة، وعليه فالمصدر
стр. 6243
المؤوّل بدل من "أحدًا" بدل اشتمال، أي مُرُورَه، كما تقول: أعجبني زيدٌ علمه (بَيْنَ يَدَيْهِ) متعلّق بـ "يمرّ"، أي أمامه، والمراد بينه وبين السترة، وأما ما وراء السترة فليس محلّ دفعه؛ لأن المرور فيه جائزٌ، كما سبق في حديث طلحة ﵁: "ولا يبالي مَن مرّ وراء ذلك" (وَلْيَدْرَأْهُ) أي ليدفع، وهو مضارع درأ، يقال: درأت الشيءَ بالهمز دَرْءًا، من باب نفع: دَفَعتُهُ، ودارأته: دافعته، وتدارءوا: تدافعوا (١)، والمعنى: أن المصلّي يدفع من أراد المرور بينه وبين سترته (مَا اسْتَطَاعَ) "ما" مصدريّة ظرفيّةٌ، أي مدّة استطاعته.
ثم إن ظاهر هذا الأمر وجوب الدفع، وبه قال أهل الظاهر، وقال النوويّ ﵀: الأمر بالدفع أمر ندب متأكّد، ولا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه، بل صرّح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب. انتهى (٢).
قال في "الفتح": فكأنه لم يُراجع كلام أهل الظاهر، أو لم يعتدّ بخلافهم. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا عجيب، كيف لا يعتدّ بمن كان ظاهر النصّ معه، وهل هناك نصّ آخر يصرف الأمر عن الوجوب؟ فأين هو؟ هيهات.
قال القاضي عياض ﵀: اتّفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردّه، وإنما يدفعه، ويردّه من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أُمر بالقرب من سُترته، وإنما يردّه إذا كان بعيدًا منه بالإشارة، أو التسبيح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقييده الدفع بموقفه فقط محلّ نظر، فأين الدليل على ذلك؟، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنْ أَبَى) أي امتنع المارّ عن الرجوع، يقال: أبى الرجل يأبى إباءً -بالكسر والمدّ- وإباءةً: امتنع، فهو آبٍ، وأَبِيٌّ، على فاعل، وفَعِيلٍ، وتأبَّى مثله، وبناؤه شاذٌّ؛ لأن فَعَلَ يَفْعَلُ -بفتحتين- يكون حلقيَّ العين، أو اللام،
стр. 6244
وحَكَى ابن سِيدَهْ عن قومٍ: أَبِيَ يَأْبَى، كنَسِيَ يَنْسَى، وحَكَى ابن جني، وصاحب "القاموس": أَبَى يَأْبِي، كضَرَبَ يَضْرِبُ.
(فَلْيُقَاتِلْهُ) وفي رواية أبي صالح الآتية: "فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله"، أي يدفع بيده في نحره، فإن لم يندفع بذلك، فليدفعه، ولو بما أَدَّى إلى قتله.
وأخرج عبد الرزّاق، عن ابن عمر ﵄ قال: "لا تَدَعْ أحدًا يمرّ بين يديك، وأنت تصلّي، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله".
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "فليدفعه" أي بالإشارة، ولطيف المنع، وقوله: "فليقاتله" أي يزيد في دفعه الثاني أشدّ من الأول، قال: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع فيها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ: مخالف للحديث، فإن رواية المصنّف بلفظ: "فليدفع في نحره" صريحة، أو كالصريح في الدفع باليد، لا بالإشارة، وأصرح منها رواية الإسماعيليّ، ولفظه: "فإن أبى، فليجعل يده في صدره، ويدفعه"، وأما دعواه مخالفة الإقبال على الصلاة والخشوع، فليست مسلّمةً؛ لأن من أمر بالخشوع في الصلاة هو الذي شرع المقاتلة فيها، فلا تنافي، ولا تعارض؛ إذ كلّ من عند اللَّه تعالى، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في "الفتح": وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقةً، واستَبْعَد ابن العربيّ ذلك في "القبس"، وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة.
وأغرب الباجيّ، فقال: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن، أو التعنيف.
وتُعُقّب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو مبطل، بخلاف الفعل اليسير.
ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعيًا لا مخاطبًا، لكن فعل الصحابيّ يخالفه، وهو أدرى بالمراد.
стр. 6245
وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: "فإن أبَى فليجعل يده في صدره ويدفعه"، وهو صريح في الدفع باليد.
ونَقَلَ البيهقيّ عن الشافعيّ أن المراد بالمقاتلة دفعٌ أشدُّ من الدفع الأول.
قال: وقال أصحابنا -يعني الشافعيّة-: يردُّه بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدَّ، ولو أدَّى إلى قتله، فلو قتل فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها.
ونَقَل عياض وغيره أن عندهم خلافًا في وجوب الدية في هذه الحالة.
ونَقَل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته؛ لأن ذلك أشدّ في الصلاة من المرور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد علمت ما في هذا عند تعقّب كلام القرطبيّ، فلا تكن من الغافلين.
قال: وذهب الجمهور إلى أنه إذا مَرّ، ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يردّه؛ لأن فيه إعادةً للمرور.
ورَوَى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وغيره أن له ذلك، ويمكن حمله على ما إذا ردَّه، فامتنع وتمادى، لا حيث يُقَصِّر المصلي في الردّ. انتهى (١).
وقال ابن المنذر ﵀: وقد اختلف أهل العلم في ردّ المصلّي من مرّ بين يديه من حيث جاء، فرخّص قوم في ردّه إذا مرّ، روي هذا القول عن عبد اللَّه بن مسعود، وكذلك فعله سالمٌ، ورُوي عن الحسن البصريّ.
وقال آخرون: لا يردّه بعد أن جاز، كذلك قال الشعبيّ والثوريّ وإسحاق ابن راهويه، وكذلك نقول؛ لأن رجوعه من حيث جاء يكون مرورًا ثانيًا بين يدي المصلّي، وليس لذلك وجهٌ. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن القول الثاني هو الأرجح، كما رجحه ابن المنذر ﵀، وذكر حجته، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ") الفاء تعليليّة؛ لأن ذلك المارّ الآبي عن الرجوع شيطان، وفي حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ الآتي: "فإن معه القرين"، أي الشيطان.
стр. 6246
قال القاضي عياض ﵀: قيل: معناه: فإنما حمله على مروره، وامتناعه من الرجوع الشيطان، وقيل: معناه يَفْعَل فِعْلَ الشيطان؛ لأن معنى الشيطان البعيد من الخير، وقبولِ السنة، من قولهم: ومنه سُمّي الشيطان؛ لبعده عن رحمة اللَّه تعالى، فسمّاه شيطانًا؛ لاتّصافه بوصفه، كما يقال: فلان الأسد، أي يبطش ويَقْوَى كبطشة الأسد وقوّته، وقيل: المراد بالشيطان هنا قرين الإنسان اللازم له، كما قال في الرواية الأخرى: "فإن معه القرين"، ويكون هذا من معنى قوله في الحديث الآخر: "فإن الشيطان يحول بينكم وبينها"، فيكون على هذا يمنع الإنسان الجواز بين يدي المصلّي من أجل الشيطان اللازم له؛ لكونه خبيثًا نجسًا، ويكون اللَّه تعالى يمنعه من التسلّط على المشي أمام المصلّي، وقطع صلاته إذا اجتهد العبد في الدنُوّ من قبلته، وامتثل ما أُمر به، ولم يجعل له سبيلًا إليه، بخلافه إذا لم يدْنُ من السترة. انتهى كلام القاضي ﵀ (١). واللَّه أعلم.
وقال في "الفتح": قوله: "فإنما هو شيطان" أي فعله فعلُ الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش على المصلي، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١١٣٣ و ١١٣٤] (٥٠٥)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٥٠٩) و"بدء الخلق" (٣٢٧٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٩٧ و ٦٩٨ و ٧٠٠)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٦٦)، و (ابن ماجه) فيها (٩٥٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٧٩ و ٢٨٣)،
стр. 6247
و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٤ و ٤٣ و ٤٤ و ٦٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٢٤٠)، و (علي بن الجعد) في "مسنده" (٣١٩٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨١٦ و ٨١٨ و ٨١٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦٧ و ٢٣٧٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٦٠ و ٤٦١) و"مشكل الآثار" (٣/ ٢٥٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٧ و ٢٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٨ و ١٣٨٩ و ١٣٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١١٨ و ١١١٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة دفع المارّ، ويكون ذلك بالأسهل، فالأسهل، فإن لم يرتدع فبالأشدّ، ولو أدّى إلى مقاتلته.
٢ - (ومنها): التشديد في المرور بين يدي المصلّي وبين سترته، حيث إن المارّ شُرع دفعه، ولو أدّى إلى قتله، وكذلك سمّاه شيطانًا.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: يُستدلّ بالحديث على تحريم المرور بين المصلّي وسترته؛ لأنه جعله من عمل الشيطان، وأمر بالعقوبة عليه، وذلك من أدلّة التحريم. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن قوله في رواية أبي صالح التالية: "إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس. . . إلخ" يدلّ على أن حقّ دفع المارّ إذا كان المصلى متّخذًا سترة، وإلا فلا يحقّ له الدفع.
قال ابن المنذر ﵀: ليس لأحد أن يمرّ بين يدي من يصلّي إلى سُترة، وإن مرّ بين يديه، وهو يصلّي إلى سترة كان له دفعه، فإن لم يندفع قاتله، إن أبى إلا أن يمرّ بين يديه، وقد رخّص في المرور بين يدي من يصلّي إلى غير سترة بعض أهل العلم، واحتجّ بحديث المطّلب بن أبي وداعة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار بحديث ابن أبي وَداعة إلى ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، عن المطَّلِب بن أبي وَدَاعة، قال:
стр. 6248
رأيت النبيّ ﷺ حين فرغ من أسبوعه، أتى حاشية الطَّوَاف، فصلى ركعتين، وليس بينه وبين الطُّوّاف أحد.
لكن الحديث ضعيف؛ وقد بيّنته في "شرح النسائيّ" (١)، والأولى الاحتجاج برواية المصنّف ﵀، حيث قال: "إلى شيء يستره"، فإنه يدلّ على أن الدفع لمن له سُترة، وأما غيره فلا، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): جواز إطلاق لفظ الشيطان على مَنْ يَفْتِن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المارّ شيطانًا بمجرّد مروره، قاله ابن بطّال ﵀.
قال في "الفتح": وهو مبنيّ على أن لفظ "الشيطان" يُطْلَق حقيقة على الجنيّ، ومجازًا على الإنسيّ، وفيه بحث.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن لفظ الشيطان يُطلق حقيقة على الإنسيّ، وغيره من الحيوان المتمرّد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ الآية [الأنعام: ١١٢]، قال في "القاموس": الشيطان معروفٌ، وكلُّ عَاتٍ متمرِّدٍ من إنس، أو جنّ، أو دابّة. انتهى (٢).
وقال في "المصباح": وفي الشيطان قولان:
أحدهما: أنه من شَطَنَ: إذا بَعُد عن الحقّ، أو عن رحمة اللَّه، فتكون النون أصليّة، ووزنه فَيْعَال، وكلّ عاتٍ متمرّد من الجنّ والإنس، والدوابّ، فهو شيطان، ووصف أعرابيّ فرسه، فقال: كأنه شيطان في أشطان (٣).
والقول الثاني: أن الياء أصليّة، والنون زائدة، عكس الأول، وهو شاط يشيط إذا بطل، أو احترق، فوزنه فعلان. انتهى (٤).
والحاصل أنه لا داعي لدعوى المجاز، فإن الشيطان يُطلق حقيقةً على كلّ متمرّد إنسيّ، أو جنّيّ، أو غيرهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6249
٥ - (ومنها): أنه في المنازعات ينبغي رفع الحكم إلى الحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه، هكذا قيل (١).
٦ - (ومنها): أن رواية العدل مقبولة، وإن كان الراوي لها منتفعًا بها، فإن أبا سعيد ﵁ حدّث بالحديث؛ احتجاجًا على ما فعله بالشابّ.
٧ - (ومنها): أن ابن أبي جمرة: استنبط من قوله: "فإنما هو شيطان" أن المراد بقوله: "فليقاتله" المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال، قال: لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة، والتستر عنه بالتسمية ونحوها، وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشدّ على صلاته من المارّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن جمرة: فيه نظرٌ، بل الأولى حمل المقاتلة على حقيقتها، كما هو صريح الحديث، وفهمه الصحابيّ الراوي له ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو لدفع الإثم عن المارّ؟ الظاهر الثاني. انتهى.
وقال غيره: بل الأول أظهر؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره.
وقد رَوَى ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود ﵁: "إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته".
ورَوَى أبو نعيم، عن عمر ﵁: "لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه، ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس".
قال الحافظ ﵀: فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمارّ، وهما وإن كانا موقوفين لفظًا، فحكمهما حكم الرفع؛ لأن مثلهما لا يقال بالرأي. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6250
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ هِلَالٍ، يَعْنى حُمَيْدًا، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي نَتَذَاكَرُ حَدِيثًا، إِذْ قَالَ أَبُو صَالِح السَّمَّانُ: أَنَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَأَيْتُ مِنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ، يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ، مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ، أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ، فَنَظَرَ، فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ، فَعَادَ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ وَلابْنِ أَخِيكَ، جَاءَ يَشْكُوكَ؟ (١) فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَي شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ في نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ قاله ابن معين [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) الْعَدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، توقّف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) الزيّات، ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وأبو سعيد ﵁ ذُكِر قبله.
стр. 6251
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى أبي صالح، وهو والصحابيّ مدنيان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
٥ - (ومنها): أن البخاريّ لم يُخرج لسليمان بن المغيرة هذا حديثًا موصولًا إلا هذا الحديث مقرونًا بيونس بن عُبيد، وأورد له أربعة أحاديث تعليقًا، وأما المصنّف فأخرج له (٣٩) حديثًا، فاحفظه، فإنه نفيس، وباللَّه تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب ﵀: لم يُخرج البخاريّ لسليمان بن المغيرة إلا هذا الحديث متابعةً لحديث يونس بن عُبيد، وإنما خرّجه بعد إسناد حديث يونس؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه.
أما في إسناده، ففيه التصريح بسماع حميد له من أبي صالح، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد.
وأما في المتن، فإن فيه ذكر الصلاة إلى الستر، وليس هو في حديث يونس.
وكذلك رواه سَلِيم بن حيّان، عن حميد، ولم يقل أيضًا: "إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس"، وحينئذ، فلفظ الحديث الذي ساقه البخاريّ لسليمان بن المغيرة، وحَمَلَ حديث يونس عليه، ولم يُنبّه على ما في حديث سليمان من الزيادة، وقد نَبّه على ذلك الإسماعيليّ.
وكذلك روى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمرّ بين يديه، ولْيَدْرَأْه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان"، خرّجه مسلم.
стр. 6252
وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد، من رواية عطاء بن يسار، وأبي الودّاك، ورُوي أيضًا من رواية عطاء بن يسار عنه، وليس في حديث أحد منهم ذكر الصلاة إلى السترة، وإنما تفرّد بها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال، واللَّه أعلم.
وتابعه على ذكرها ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، وقد خرّج حديثه أبو داود، وابن ماجه، وليس ابن عجلان بذاك الحافظ.
وتابعه أيضًا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، خرّج حديثه عبد الرزاق عنه بسياق مطوّل، قال في "مصنّفه" (٢/ ٢٠):
عبد الرزاق، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، قال: بينا أبو سعيد الخدريّ يصلي، إذ جاءه شابّ يريد أن يمرّ قريبًا من سترته، وأمير المدينة يومئذ مروان، قال: فدفعه أبو سعيد حتى صَرَعَهُ، قال: فذهب الفتى حتى دخل على مروان، فقال: ها هنا شيخ مجنون دفعني حتى صرعني، قال: هل تعرفه؟ قال: نعم، قال: وكانت الأنصار تدخل عليه يوم الجمعة، قال: فدخل عليه أبو سعيد، فقال مروان للفتى: هل تعرفه؟ قال: نعم، هو هذا الشيخ، قال مروان للفتى: أتعرف مَن هذا؟ قال: لا، قال: هذا صاحب رسول اللَّه ﷺ ، قال: فرَحّب به مروان، وأدناه حتى قعد قريبًا من مجلسه، فقال له: إن هذا الفتى يذكر أنك دفعته حتى صرعته، قال: ما فعلت فردّها عليه، وهو يقول: إنما دفعت شيطانًا، قال: ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا أراد أحد أن يمر بين يديك وبين سترتك، فَرُدَّه، فإن أبى فادفعه، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان". انتهى كلام ابن رجب بزيادة (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن زيادة "إلى شيء يستره من الناس" لم ينفرد بها سليمان بن المغيرة، بل تابعه داود بن قيس، وهو ثقةٌ فاضلٌ، وابن عجلان، وهو -وإن قال ابن رجب: ليس بذاك الحافظ، فالحقّ
стр. 6253
أنه صالح في المتابعة، فقد وثّقه الأئمة: أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، وغيرهم، وإنما قالوا اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁، وهذه ليست منها.
والحاصل أن زيادة سليمان هذه، أعنى قوله: "إلى شيء يستره"، صحيحة بلا ريب، كما هو رأي الشيخين، حيث أخرجاها في "صحيحيهما"، وقد رواها ثلاثة من الثقات: سليمان بن المغيرة، عن حُميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وداود بن قيس، وابن عجلان، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
شرح الحديث:
عن حُميد بن هلال: أنه (قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا) تقدّم الكلام على "بينما"، و"بينا" غير مرّة، وخلاصته أن أصلهما "بين" الظرفيّة، زيدت عليها "ما"، فصارت "بينما"، أو أُشبعت الفتحة، فصارت "بينا"، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وكثيرًا ما يُقرن جوابهمابـ "إذ"، أو "إذا"، نحو: بينما زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، أو إذا دخل عليه عمرو، ومنه قول [من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
وبعضهم يقول: الأفصح في جوابها أن لا تُقرن بهما، لكن المسموع في الأحاديث الصحيحة، وكلام العرب كثير، واللَّه تعالى أعلم (١).
(وَصَاحِبٌ لِي نَتَذَاكَرُ حَدِيثًا) أي نتدارسه، ويذكّر بعضنا بعضًا (إِذْ قَالَ أَبُو صَالِحٍ) "إذ" هي الفجائيّة، أي فاجأني قول أبي صالح (السَّمَّانُ) واسمه ذكوان، كما سَبق آنفًا (أنَا أُحَدِّثُكَ) بكسر الدال المشدّدة، من التحديث (مَا) موصول بمعنى الذي، أو موصوف بمعنى شيئًا، منصوب على المفعوليّة (سَمِعْتُ) بحذف العائد؛ لكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
стр. 6254
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
(مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁، أراد به المرفوع، وهو قوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره. . . " الحديث (وَرَأَيْتُ مِنْهُ) أي يعني الفعل الذي صدر منه مع ذلك الشابّ الذي أراد المرور بين يديه، وهو يصلّي، وقوله: (قَالَ) بيان وتفسير لقوله: "ما سمعت من أبي سعيد. . . إلخ" (بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ) ﵁ (يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه مصلّيًا يوم الجمعة (إِلَى شَيْءٍ) متعلّقٌ بـ "يصلي" (يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "شيء" (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ) سبق آنفًا أن "إذ" فجائيّة، أي فاجأني مجيء شابّ، يقال: شَبّ الصبيّ يَشِبّ، من باب ضرب شَبَابًا، وشَبِيبةً، وهو شابّ، وذلك سنٌّ قبل الْكُهُولة، وقومٌ شُبّان، مثلُ فارس وفُرْسَان، والأنثى شابّةٌ، والجمع شَوابّ، مثلُ دابّة ودَوَابّ (١). (مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) بضم الميم، وفتح العين المهملة، وسكون الياء، آخره طاء مهملة، مصغّرًا، وهو تصغير أمعط، وهو الذي لا شعر عليه، والأمعط، والأمر سواء، وأبو معيط في قريش، واسمه: أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أُميّة الأكبر، وهو والد عقبة بن أبي مُعيط الذي قتله رسول اللَّه ﷺ صبرًا، قاله في "العمدة" (٢).
قال في "الفتح": وقع في "كتاب الصلاة" لأبي نعيم أنه الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط، أخرجه عن عبد اللَّه بن عامر الأسلميّ، عن زيد بن أسلم قال: بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فأراد أن يمر بيق يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر بين يديه، فدفعه، هذا آخر ما أورده من هذه القصة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: هذا آخر القصّة، هكذا قال في "الفتح"، لكن يُخالفه ما ذكره ابن رجب في "شرحه"، ونصّه: وروى أبو نعيم في "كتاب الصلاة": ثنا عبد اللَّه بن عامر، عن زيد بن أسلم، قال: بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدرأه، فأبى إلا أن يمر، فدفعه، ولطمه، وقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ
стр. 6255
يقول: "إن أبى إلا أن يمرّ فاردده، فإن أبى إلا أن يمرّ فادفعه، فإنما تدفع الشيطان".
قال: عبد اللَّه بن عامر الأسلميّ فيه ضعف، وزيد بن أسلم إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، كما تقدّم، وتسمية الوليد بن عقبة غريبٌ غير محفوظ. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١).
قال الحافظ ﵀: وفي تفسير الذي وقع في "الصحيح" بأنه الوليد هذا نظرٌ؛ لأن فيه أنه دخل على مروان، زاد الإسماعيليّ: ومروان يومئذ على المدينة. انتهى. ومروان إنما كان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة؛ لأنه لما قُتل عثمان تَحَوَّل إلى الجزيرة، فسكنها حتى مات في خلافة معاوية، ولم يَحضُر شيئًا من الحروب التي كانت بين عليّ ومن خالفه، وأيضًا فلم يكن الوليد يومئذ شابًّا، بل كان في عشر الخمسين، فلعله كان فيه، فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما تقدّم أنه كون المارّ الوليد بن عقبة لا يصحّ سندًا، ولا يوافقه التاريخ أيضًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
ورَوَى عبد الرزاق حديث الباب، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، فقال فيه: "إذ جاء شابٌّ"، ولم يسمه أيضًا.
وعن معمر، عن زيد بن أسلم، وقال فيه: "فذهب ذو قرابة لمروان".
ومن طريق أبي العلاء، فيه عن أبي سعيد، فقال فيه: "مَرّ رجل بين يديه، من بني مروان".
وللنسائي من وجه آخر: "فمَرّ ابن لمروان"، وسماه عبدُ الرزاق من طريق سليمان بن موسى: "داود بن مروان"، ولفظه: "أراد داود بن مروان أن يمرّ بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير المدينة"، فذكر الحديث، وبذلك جزم ابن الجوزيّ، ومن تبعه في تسمية المبهم الذي في "الصحيح" بأنه داود بن مروان.
وفيه نظرٌ؛ لأن فيه أنه من بني أبي مُعَيط، وليس مروان من بنيه، بل أبو
стр. 6256
معيط ابن عمّ والد مروان؛ لأنه أبو معيط بن أبي عمرو بن أمية، ووالد مروان هو الحكم بن أبي العاص بن أمية، وليست أمّ داود، ولا أمّ مروان، ولا أم الحكم من ولد أبي مُعيط، فيَحْتَمِل أن يكون داود نُسِب إلى أبي مُعيط من جهة الرضاعة، أو لكون جدّه لأمه عثمان بن عفان كان أخًا للوليد بن عقبة بن أبي معيط لأمه، فنُسِب داود إليه مجازًا.
قال الحافظ ﵀: وفيه بُعْدٌ، والأقرب أن تكون الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، ففي "مصنف ابن أبي شيبة" من وجه آخر، عن أبي سعيد، في هذه القصة: "فأراد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن يمرّ بين يديه"، الحديث، وعبد الرحمن مخزوميّ ما له من أبي مُعيط نسبة. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله حسن، إلا أن الوليد بن عقبة لا يدخل في التعدّد؛ لما تقدّم من أن ذكره هنا لا يصحّ أصلًا، واللَّه تعالى أعلم.
(أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ) بالجيم من الجواز، وهو المرور، يقال: جاز الموضع يجوزه جوازًا، واجتازه: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلّفه وقطعه (٢). (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي قدّامه، والظاهر أنه كان بينه وبين سترته، إذ لو لم يستتر لما دفعه، بدليل قوله في احتجاجه: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس. . . إلخ" (فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ) أي صدر ذلك الشابّ، قال الفيّوميّ ﵀: "النحر": موضع القلادة من الصدر، والجمع نُحُورٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، وتُطلَق النحور على الصدور. انتهى (٣). (فَنَظَرَ) أي ذلك الشابّ (فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) بفتح الميم، وبالغَين المعجمة: أي طريقًا يمكنه المرور منها، يقال: ساغ الشراب في الحلق: إذا نزل من غير ضرر، وساغ الشيءُ: طاب (٤). (إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ) ﵁ (فَعَادَ) الشابّ إلى أن يمرّ بين يديه، حيث فقد المساغ (فَدَفَعَ) أبو سعيد (فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى) أي من المرّة الأولى، قال
стр. 6257
الفيّوميّ ﵀: "الدَّفْعَة" بالفتح: المرّة، وبالضمّ: اسمٌ لما يُدفع بمرّة، يقال: دَفَعتُ من الإناء دَفْعَةً بالفتح بمعنى المصدر، وجمعُها دَفَعَاتٌ، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات، وبَقِيَ في الإناء دُفْعَةٌ بالضمّ: أي مقدارٌ يُدفع. انتهى (١). (فَمَثَلَ قَائِمًا) أي انتصب الشابّ قائمًا، يقال: مَثَلَ بين يديه مُثُولًا: من باب قَعَد: إذا انتصب قائمًا، قاله في "المصباح" (٢)، وزاد في "القاموس": "مَثُل" بضمّ المثلّثة، ككرُم.
فـ "قائمًا" حال مؤكّد لعامله، وهو "مَثَلَ"، على حدّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، قال ابن مالك في "خلاصته":
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ"لَا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا"
(فَنَالَ) الشابّ (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) ﵁ أي أصاب من عِرْضه بالشتم، أو نحوه، وهو من النيل، وهو الإصابة (ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ) أي من المسجد.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وفيما فعله أبو سعيد ﵁ دليلٌ على دفع المارّ بين المصلّي، وبين سترته، وإن ازدحم الناس، ولم يجد المارّ سبيلًا سوى ذلك، ويدلّ عليه أيضًا قول النبيّ ﷺ : "لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه، لكان أن يقِفَ أربعين خيرٌ له من أن يمرّ"، فإنه يدلّ على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكًا يُباح له المرور فيه خيرٌ له من المرور بين يدي المصلّي، وإن لم يجد طريقًا غيره.
وقد قال بعض الشافعيّة والمالكيّة، والحنابلة: لا يكره المرور حينئذ، ولا يمنع منه، قال الحنابلة: لكن يضع المارّ شيئًا يمرّ من ورائه، أو يخطّ خطًّا إذا لم يجد.
قال: والرجوع إلى ما فَهِمه الصحابيّ من الحديث الذي رواه، وعمل به مستدلًّا به أولى.
قال: وقول النبيّ ﷺ : "إذا كان أحدكم يصلّي، فلا يدع أحدًا يمُرّ بين يديه، وليدرأ ما استطاع" أمرٌ بدفع المارّ، ونهي عن تمكينه من المرور، وظاهره الوجوب، وقد وقع في كلام ابن عبد البرّ ما يقتضيه، وأنه لا يعلم فيه خلافًا،
стр. 6258
ووقع في كلامه أيضًا ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب. انتهى كلام ابن رجب (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد الحافظ ابن رجب في تحقيقه هذا.
أما أوّلًا فإن ما فهمه أبو سعيد ﵁ من أن الدفع على إطلاقه، سواء كان للمارّ مندوحة أم لا؟ هو الحق الذي ينبغي أن لا يُتجاوز إلى غيره إلا بدليل أوضح منه، من نصّ أو إجماع؛ لأن الصحابي من أهل اللسان يفهم دقائق اللغة العربيّة، ويفهم حقائق الشريعة، حيث جالس صاحبها ﷺ ، وفهم مقاصده، فينبغي أن يُقدّم على فهم غيره، واللَّه تعالى أعلم.
وأما ثانيًا فقوله: "وظاهره الوجوب"، هو الذي سبق لنا ترجيحه، وإن كان الأكثرون على خلافه؛ لأن الأمر والنهي للوجوب والتحريم، ما لم يصرفهما صارف، ولم يذكر القائلون بالندبيّة هنا صارفًا معتبرًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة الأمويّ، أبو عبد الملك المدنيّ، يقال: إنه رأى النبيّ ﷺ ، قاله الواقديّ، ولم يَحفَظ منه شيئًا، توُفّي النبيّ ﷺ ، وهو ابن ثمان سنين، ولي الخلافة في آخر سنة (٦٤)، ومات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة (٦٥ هـ) وهو ابن (٦١ أو ٦٣) سنة، وله ذكر عند المصنّف، وأخرج له البخاريّ، والأربعة.
(فَشَكَا إِلَيْهِ) أي إلى مروان (مَا) موصولة، أي الذي (لَقِيَ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من باب تعب، أي أصابه من أبي سعيد من الدفع على نحره (قَالَ) أبو صالح (وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ) ﵁ (عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"لك" خبره وقوله: (وَلابْنِ أَخِيكَ) عطف على "لك" بإعادة الخافض، وهو لازم عند جمهور النحاة، خلافًا لابن مالك، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى … فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
стр. 6259
وأطلق الأُخُوّة باعتبار الإيمان، وهذا يؤيّد أن المارّ غير الوليد؛ لأن أباه عُقبة قُتل كافرًا، واستَدَلَّ الرافعيّ بهذه القضة على مشروعية الدفع، ولو لم يكن هناك مَسْلَكٌ غيره، خلافًا لإمام الحرمين.
وقوله: (جَاءَ يَشْكُوكَ؟) أي يُخبر عنك بسوء فعلك به، وفي بعض النسخ: "يشتكيك"، وهو بمعناه، قال في "المختار": شكاه، من باب عَدَا وشِكَايَةً بالكسر، وشَكِيّةً، وشكاةً بالفتح: أي أخبر عنه بسوء فعله به، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكيٌّ، والاسم: الشَّكْوَى، وأشكاه: فَعَلَ به فعلًا أحوجه إلى أن يشكوه، وأشكاه أيضًا: أعتبه من شكواه، ونزع عنه شِكايته، وأزاله عمّا يشكوه، وهو من الأضداد، واشتكاه مثلُ شكاه. انتهى (١). وأفاد في "القاموس" أن شَكَيت بالياء لغة في شَكَوت بالواو (٢).
والجملة محلّ نصب على الحال من "ابن أخيك".
(فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) قال ابن دقيق العيد ﵀: ولو أخذ من هذا جواز التستّر بالأشياء عمومًا، لكان فيه ضعفٌ؛ لأن مقتضى العموم جواز المقاتلة عند وجود كل شيء ساتر، لا جواز الستر بكلّ شيء، إلا أن يُحمل الستر على الأمر الحسيّ، لا الأمر الشرعيّ، وبعض الفقهاء كَرِه التستّر بآدميّ، أو حيوان غيره؛ لأنه يصير في صورة المصلّي إليه، وكرهه مالك في المرأة. انتهى (٣).
(فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ) أي يمرّ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي بينه وبين الساتر الذي أمامه، وليس المراد ما يعم ما وراء السترة؛ لأن المرور وراءها جائز، كما تقدّم في حديث طلحة ﵁ حيث قال: "ولا يبالي مَن مرّ وراء ذلك". (فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ) أي صدر مريد المرور (فَإِنْ أَبَى) أي امتنع عن الرجوع (فَلْيُقَاتِلْهُ) بكسر لام الأمر، وسكونها (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ") أي لكونه متمرّدًا عن الاستجابة لترك المنكر، فكلّ من عَتَى، وتَمَرّد عن الحقّ، فهو شيطان، أو المراد أن الذي حمله على هذا العصيان شيطانه الذي تسلّط عليه، ويؤيّد هذا حديث ابن
стр. 6260
عمر ﵄ بلفظ: "فإن معه القرين"، والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبقت مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٥] (٥٠٦) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الْحَمّالُ، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ) الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَان) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٥ - (صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ) الْجَزَريّ، نزيل مكة، ثقة [٤].
رَوَى مالك بن أوس بن الْحَدَثان، وسعيد بن جبير، وطاووس بن كيسان، والقاسم بن محمد، والزهريّ، وهو من أقرانه، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وابن جريج، ومالك، وابن إسحاق، ومعمر، والسفيانان، والضحاك بن عثمان، وجرير بن عبد الحميد، وجماعة.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة من الثقات، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، قال: قلت له: من أهل مكة؟ فقال: من أهل الجزيرة، سكن مكة، وقال له سفيان: بلغني أنك
стр. 6261
من الخوارج، قال: كنت منهم، فعافاني اللَّه منه، قال أبو داود: كان مُتَوَحِّشًا يصلي بمكة جمعةً، وبالمدينة جمعةً، وقال ابن سعد: تُوُفّي في أول خلافة بني العباس، وكان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر بعضهم أنه عَمّ محمد بن إسحاق بن يسار، وهو وَهَمٌ ممن قاله، وقال النسائيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، ذُكر في الباب الماضي.
وقوله: (فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ) أي مصاحبه من الشياطين، قال ابن الأثير ﵀: القرين يكون في الخير والشرّ، قال: ومنه الحديث: "ما من أحد إلا وُكل به قرينه"، أي مصاحبه من الملائكة والشياطين، وكلّ إنسان فإن معه قرينًا منهما، فقرينه من الملائكة يأمره بالخير، ويحُثّه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشرّ، ويَحثّه عليه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار ابن الأثير بهذا إلى ما أخرجه المصنّف ﵀ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِل به قَرينه من الجنّ"، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟ قال: "وإياي، إلا أن اللَّه أعانني عليه فأسلمُ، فلا يأمرني إلا بخير" (٢).
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده"، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس منكم من أحد، إلا وقد وُكِل به قرينه من الشياطين"، قالوا: وأنت يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلم" (٣).
وأخرج الدارميّ في "سننه" عن عبد اللَّه -يعني ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك؟ قال: "نعم وإياي، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلم".
стр. 6262
قال أبو محمد: من الناس من يقول: أسلمَ استسلم، يقول: ذَلَّ. انتهى (١).
وتمام شرح الحديث، وفوائده، تقدّمت في شرح الأحاديث الماضية.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١١٣٥ و ١١٣٦] (٥٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦٢ و ٢٣٧٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٥٧٣)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٤٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد اللَّه بن شريك بن زهير بن سارية أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن أفلح بن حميد، وأسامة بن زيد الليثيّ، وخُثَيم بن عِراك،
стр. 6263
وسعيد بن أبي عروبة، والثوريّ، ومالك، وكثير بن زيد، والهيثم بن رافع، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ ابن المدينيّ، وأبو موسى، وبُندار، وعمرو بن عليّ، وإسحاق بن منصور، وعباس بن عبد العظيم، وهارون الحمّال، ومحمد بن رافع، وبكر بن خلف، وأبو خَيثمة، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: ثقةٌ، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: أنا أحدث عنه، وقال أبو زرعة: هم ثلاثة إخوة، وهم ثقات، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، وقال العُقَيليّ: عبد الكبير ثقةٌ، وأخوه أبو عليّ ثقةٌ، والأخ الثالث ضعيف، يعني عُميرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هم إخوة أربعة: أبو بكر، وأبو عليّ، وأبو المغيرة، واسمه عُمير، وشَرِيكٌ، وقال الدارقطنيّ: هم أربعة إخوة، لا يُعْتَمَد منهم إلا على أبي بكر، وأبي عليّ.
وقال محمد بن سعد: كان ثقةً، وتُوُفّي بالبصرة سنة أربع ومائتين، وفيها أرَّخه أبو داود.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ، بِمِثْلِهِ) الضمير لأبي بكر الحنفيّ، أي قال أبو بكر، عن الضحّاك بن عثمان بمثل رواية محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، عنه.
[تنبيه]: رواية أبي بكر الحنفيّ هذه ساقها الإمام ابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ٩) فقال:
(٨٠٠) أنا أبو طاهر (١)، نا أبو بكر (٢)، ثنا بُندار، ثنا أبو بكر -يعني الحنفيّ- ثنا الضحاك بن عثمان، حدثني صدقة بن يسار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُصَلّ إلا إلى سُتْرة، ولا تَدَعْ أحدًا يَمُرُّ بين
стр. 6264
يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٠) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٧] (٥٠٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ، أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْم، يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي؟ قَالَ أَبُو جهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي، مَاذَا عَلَيْهِ؟ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ (١) مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ"، قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي، قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٢ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
٣ - (أَبُو جُهَيْمِ) -بالتصغير- ابن الحارث بن الصِّمّة ابن عَمرو الأنصاريّ، قيل: اسَمه عبد اللَّه، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو عبد اللَّه بن جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة، وقيل: اسمه الحارث بن الصّمّة، وقيل: هو آخر غيره، صحابيّ معروفٌ، وهو ابن أخت أُبَيّ بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية ﵄، تقدّم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٨.
стр. 6265
والباقيان تقدّما قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي النضر، عن بسر.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة سوى حديثين، هذا عند جميعهم، وحديث التيمّم: "أقبل النبيّ ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجلٌ، فسلّم عليه. . . " الحديث عندهم إلا الترمذيّ، وابن ماجه، راجع: "تحفة الأشراف" (١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد (أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنيِّ) الصحابيّ المشهور، مات بالكوفة سنة (٦٠) وقيل: (٧٠)، وله (٨٥) سنةً، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" (٣٤/ ٢٣٨). (أَرْسَلَهُ) أي أرسل بسر بن سعيد (إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ) ﵁، قال في "الفتح": هكذا رَوَى مالك هذا الحديث في "الموطأ" لم يُخْتَلف عليه فيه، أن المرسِلَ هو زيد، وأن المرسَل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوريّ، عن أبي النضر، عند مسلم، وابن ماجه، وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة، عن أبي النضر، فقال: "عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله. . . "، فذكر هذا الحديث.
قال ابن عبد البرّ: هكذا رواه ابن عيينة مقلوبًا، أخرجه ابن أبي خيثمة، عن أبيه، عن ابن عيينة، ثم قال ابن أبي خيثمة: سئل عنه يحيى بن معين؟ فقال: هو خطأ، إنما هو: "أرسلني زيد إلى أبي جهيم"، كما قال مالك.
стр. 6266
وتَعَقَّب ذلك ابن القطان، فقال: ليس خطأُ ابن عيينة فيه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جهيم بَعَثَ بُسرًا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم، يَستثبِت كلُّ واحد منهما ما عند الآخر.
قال الحافظ: تعليل الأئمة للأحاديث مبنيّ على غلبة الظنّ، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا، لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال، فَيُعْتَمَدُ، ولولا ذلك لما اشتَرَطوا انتفاء الشذوذ، وهو ما يخالف الثقة فيه مَن هو أرجح منه في حدّ الصحيح. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في شرح المقدّمة أن اشتراط انتفاء الشذوذ في حدّ الصحيح بمعنى المخالفة المذكورة فيه نظر؛ لأنه ينافي قبول زيادة الثقة، وإنما الصحيح انتفاء العلّة، فراجع ما كتبته هناك، تجد تحقيقًا نفيسًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
وحاصل الاختلاف هنا أن يرجّح ما قاله ابن معين: من أن ابن عيينة أخطأ في هذا، وأما ما جمع به ابن القطّان، فلا يخفى ما فيه من التكلّف، واللَّه تعالى أعلم.
ثم رأيت كلامًا للحافظ ابن رجب يؤيّد هذا، حيث قال في "شرح البخاريّ": ورواه ابن عيينة، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو الجهيم أسأل زيد بن خالد الجهنيّ: ما سمعتَ من النبيّ ﷺ يقول؟ فذكره من رواية زيد بن خالد، عن النبيّ ﷺ ، كذا رويناه في "مسند الحميديّ" عن سفيان، وكذا خرّجه ابن ماجه عن هشام بن عمّار، عن ابن عيينة، إلا أنه قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله، ولم يذكر من أرسله، وذكر أن الشكّ في تمييز الأربعين من ابن عيينة، وهذا كلُّه وَهَمٌ.
وممن نصّ على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد، عن النبيّ ﷺ وَهَمٌ من ابن عُيينة وخطأٌ؛ ابنُ معين في رواية ابن أبي خيثمة، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل.
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده، ولم يحفظه جيّدًا.
стр. 6267
وقد روي عنه كقول مالك وسفيان (١) على الصواب، خرّجه ابن خزيمة عن عليّ بن خَشْرَم عنه.
ومن تكلّف الجمع بين القولين من المتأخرين، فقوله ليس بشيء، ولم يأت بأمر يُقْبل منه.
وقد رواه الضحّاك بن عثمان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يعلم المارّ بين يدي المصليّ، والمصلّي ما عليهما. . . "، وذكر الحديث، خرّجه أبو العبّاس السّرّاج في "مسنده"، وهذا يوافق رواية ابن عيينة، وهو أيضًا وَهَمٌ، وزيادته "والمصلّي" غير محفوظة أيضًا. انتهى كلام ابن رجب (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(يَسْأَلُهُ) جملة حاليّة من المفعول، وهي من الأحوال المقدّرة، أي حال كون بسر مقدّرًا سؤاله أبا جُهيم (مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"ذا" خبره، وهو اسم موصول بمعنى الذي، كما قال في "الخلاصة":
وَمِثْلُ "مَا" "ذَا" بَعْدَ "ما" اسْتِفْهَامِ … أَوْ "مَنْ" إِذا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ
والعائد محذوف، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ "يسأل"، وهو معلّق عنها للاستفهام، والتقدير: يسأله أيّ الشي الذي سمعه من رسول اللَّه ﷺ ، ويَحتَمِل أن يكون "ماذا" اسمًا مركّبًا بمنزلة اسم واحد للاستفهام، وهو معنى قول ابن مالك: "إذا لم تُلْغَ"، فيكون مفعولًا مقدّمًا لـ "سَمِعَ" (٣).
(فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي؟) أي أمامه بالقرب منه، وعَبَّر باليدين؛ لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختُلِف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مَرّ بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رَمْيَةٍ بحجر، قاله في "الفتح" (٤).
стр. 6268
(قَالَ أَبُو جُهَيْمٍ) ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي، مَاذَا عَلَيْهِ؟) تقدم الكلام عليه آنفًا، وقال في "العمدة": كلمة "ما" استفهام، ومحلّه الرفع على الابتداء، وكلمة "ذا" إشارة، والأولى أن تكون "ذا" موصولةً بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأن تقديره: ماذا عليه من الإثم، ثم إن "ماذا عليه" في محلّ النصب على أنه سدّ مسدّ المفعولين لقوله: "يعلم"، وقد عُلّق عمله بالاستفهام. انتهى (١).
وقال الكرمانيّ ﵀: أبهم الأمر؛ ليدلّ على فخامته، وأنه مما لا يُقَدَّرُ قدرُهُ، ولا يدخل تحت العبارة. انتهى (٢).
[تنبيه]: قال في "الفتح": قوله: "ماذا عليه" زاد الكشميهنيّ: "من الإثم"، وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في "الموطأ" بدونها، وقال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد، والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا، لكن في "مصنف ابن أبي شيبة": "يعني من الإثم"، فَيَحْتَمِل أن تكون ذُكِرت في أصل البخاريّ حاشيةً، فظنها الكشميهنيّ أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفّاظ، بل كان راويةً، وقد عزاها المحبّ الطبريّ في "الأحكام" للبخاري، وأطلق، فعيب ذلك عليه، وعلى صاحب "العمدة" في إيهامه أنها في "الصحيحين"، وأنكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" على من أثبتها في الخبر، فقال: لفظ "الإثم" ليس في الحديث صريحًا، ولما ذَكَره النووي في "شرح المهذب" دونها، قال: وفي رواية رَوَيناها في "الأربعين" لعبد القادر الرُّهاويّ: "ماذا عليه من الإثم". انتهى ما في "الفتح" (٣).
وعبارة الحافظ ابن رجب ﵀: وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاريّ ومسلم أيضًا بعد "ماذا عليه" "من الإثم"، وهي غير محفوظة، وذكر ابن عبد البرّ
стр. 6269
أن هذه اللفظة في رواية الثوريّ، عن سالم أبي النضر، وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوريّ مدرجةً بلفظ "يعني من الإثم"، فدلّ على أنها مدرجة من قول بعض الرواة، وتفسير للمعنى؛ فإن هذا يُفهَم من قوله: "ماذا عليه"، فإن ابن آدم له عمله الصالح، وعليه عمله السيئ، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ الآية [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإذا كان هذا عليه، فهو من سيّئاته. انتهى (١).
وقوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) جواب "لو"، وكلمة "أن" مصدريّة، والتقدير: لو يعلم المارُّ مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلّي لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم.
وقال الكرمانيّ ﵀: جواب "لو" ليس هو المذكور، بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. انتهى (٢).
وتعقّبه العينيّ، فقال: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرّف فيه تعسّفٌ، وحقّ التركيب ما تقدّم. انتهى (٣).
قال الكرمانيّ ﵀: وأبهم العدد تفخيمًا للأمر، وتعظيمًا. انتهى.
قال الحافظ ﵀: قلت: ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، ولكن شكّ الراوي فيه. انتهى.
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمةٌ معلومةٌ؟.
قلت: أسرار أمثالها لا يعلمها إلَّا الشارع.
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طَور بأربعين كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنةً، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأن أجزاءه وهي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أُريد التكثير ضوعف كل إلى عشرة أمثاله. انتهى (٤).
стр. 6270
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الوجه الذي ذكره الكرمانيّ أوّلًا هو المعتمد، فهذا العدد ونحوه مما لا ينبغي أن يوكل وجه حكمته إلى الشارع الحكيم، وأما الوجه الثاني، فإنه تكلّف ظاهر، تردّه رواية المائة، ففي رواية ابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁: "لكان أن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها".
وأما ما ذكره العينيّ في وجه الحكمة للمائة أيضًا فمن التكلّف الظاهر، ومثل هذا من فضول الكلام، فينبغي عدم الخوض فيه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ بعد ذكر رواية المائة ما نصّه: وهذا يشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معيَّن.
وَجَنح الطحاويّ إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين؛ زيادةً في تعظيم الأمر على المار؛ لأنهما لم يقعا معًا؛ إذ المائة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر، ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثَبَتَ الْمُدَّعَى، وأما دونها فمن باب أولى.
وقد وقع في "مسند البزار" من طريق ابن عيينة التي ذكرها ابن القطان: "لكان أن يقف أربعين خريفًا"، أخرجه عن أحمد بن عَبْدة الضبيّ، عن ابن عيينة.
وقد جعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة، والشك في طريق غيره دالّا على التعدد.
لكن رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وغيرهم من الحفاظ، عن ابن عيينة، عن أبي النضر على الشك أيضًا، وزاد فيه: "أو ساعةً"، فيبعد أن يكون الجزم والشك وقعَا معًا من راو واحد في حالة واحدة، إلا أن يقال: لعله تذكر في الحال، فجزم، وفيه ما فيه. انتهى (١).
وقوله: (خَيْرًا لَهُ) خبر "كان"، واسمها قوله: "أن يقف" في تأويل المصدر، أي لكان وقوفه أربعين خيرًا له، ووقع في بعض النسخ "خيرٌ له"