وتَعَقَّب ذلك ابن القطان، فقال: ليس خطأُ ابن عيينة فيه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جهيم بَعَثَ بُسرًا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم، يَستثبِت كلُّ واحد منهما ما عند الآخر.
قال الحافظ: تعليل الأئمة للأحاديث مبنيّ على غلبة الظنّ، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا، لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال، فَيُعْتَمَدُ، ولولا ذلك لما اشتَرَطوا انتفاء الشذوذ، وهو ما يخالف الثقة فيه مَن هو أرجح منه في حدّ الصحيح. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في شرح المقدّمة أن اشتراط انتفاء الشذوذ في حدّ الصحيح بمعنى المخالفة المذكورة فيه نظر؛ لأنه ينافي قبول زيادة الثقة، وإنما الصحيح انتفاء العلّة، فراجع ما كتبته هناك، تجد تحقيقًا نفيسًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
وحاصل الاختلاف هنا أن يرجّح ما قاله ابن معين: من أن ابن عيينة أخطأ في هذا، وأما ما جمع به ابن القطّان، فلا يخفى ما فيه من التكلّف، واللَّه تعالى أعلم.
ثم رأيت كلامًا للحافظ ابن رجب يؤيّد هذا، حيث قال في "شرح البخاريّ": ورواه ابن عيينة، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو الجهيم أسأل زيد بن خالد الجهنيّ: ما سمعتَ من النبيّ ﷺ يقول؟ فذكره من رواية زيد بن خالد، عن النبيّ ﷺ ، كذا رويناه في "مسند الحميديّ" عن سفيان، وكذا خرّجه ابن ماجه عن هشام بن عمّار، عن ابن عيينة، إلا أنه قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله، ولم يذكر من أرسله، وذكر أن الشكّ في تمييز الأربعين من ابن عيينة، وهذا كلُّه وَهَمٌ.
وممن نصّ على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد، عن النبيّ ﷺ وَهَمٌ من ابن عُيينة وخطأٌ؛ ابنُ معين في رواية ابن أبي خيثمة، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل.
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده، ولم يحفظه جيّدًا.
стр. 6267
وقد روي عنه كقول مالك وسفيان (١) على الصواب، خرّجه ابن خزيمة عن عليّ بن خَشْرَم عنه.
ومن تكلّف الجمع بين القولين من المتأخرين، فقوله ليس بشيء، ولم يأت بأمر يُقْبل منه.
وقد رواه الضحّاك بن عثمان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يعلم المارّ بين يدي المصليّ، والمصلّي ما عليهما. . . "، وذكر الحديث، خرّجه أبو العبّاس السّرّاج في "مسنده"، وهذا يوافق رواية ابن عيينة، وهو أيضًا وَهَمٌ، وزيادته "والمصلّي" غير محفوظة أيضًا. انتهى كلام ابن رجب (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(يَسْأَلُهُ) جملة حاليّة من المفعول، وهي من الأحوال المقدّرة، أي حال كون بسر مقدّرًا سؤاله أبا جُهيم (مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"ذا" خبره، وهو اسم موصول بمعنى الذي، كما قال في "الخلاصة":
وَمِثْلُ "مَا" "ذَا" بَعْدَ "ما" اسْتِفْهَامِ … أَوْ "مَنْ" إِذا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ
والعائد محذوف، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ "يسأل"، وهو معلّق عنها للاستفهام، والتقدير: يسأله أيّ الشي الذي سمعه من رسول اللَّه ﷺ ، ويَحتَمِل أن يكون "ماذا" اسمًا مركّبًا بمنزلة اسم واحد للاستفهام، وهو معنى قول ابن مالك: "إذا لم تُلْغَ"، فيكون مفعولًا مقدّمًا لـ "سَمِعَ" (٣).
(فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي؟) أي أمامه بالقرب منه، وعَبَّر باليدين؛ لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختُلِف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مَرّ بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رَمْيَةٍ بحجر، قاله في "الفتح" (٤).
стр. 6268
(قَالَ أَبُو جُهَيْمٍ) ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي، مَاذَا عَلَيْهِ؟) تقدم الكلام عليه آنفًا، وقال في "العمدة": كلمة "ما" استفهام، ومحلّه الرفع على الابتداء، وكلمة "ذا" إشارة، والأولى أن تكون "ذا" موصولةً بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأن تقديره: ماذا عليه من الإثم، ثم إن "ماذا عليه" في محلّ النصب على أنه سدّ مسدّ المفعولين لقوله: "يعلم"، وقد عُلّق عمله بالاستفهام. انتهى (١).
وقال الكرمانيّ ﵀: أبهم الأمر؛ ليدلّ على فخامته، وأنه مما لا يُقَدَّرُ قدرُهُ، ولا يدخل تحت العبارة. انتهى (٢).
[تنبيه]: قال في "الفتح": قوله: "ماذا عليه" زاد الكشميهنيّ: "من الإثم"، وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في "الموطأ" بدونها، وقال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد، والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا، لكن في "مصنف ابن أبي شيبة": "يعني من الإثم"، فَيَحْتَمِل أن تكون ذُكِرت في أصل البخاريّ حاشيةً، فظنها الكشميهنيّ أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفّاظ، بل كان راويةً، وقد عزاها المحبّ الطبريّ في "الأحكام" للبخاري، وأطلق، فعيب ذلك عليه، وعلى صاحب "العمدة" في إيهامه أنها في "الصحيحين"، وأنكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" على من أثبتها في الخبر، فقال: لفظ "الإثم" ليس في الحديث صريحًا، ولما ذَكَره النووي في "شرح المهذب" دونها، قال: وفي رواية رَوَيناها في "الأربعين" لعبد القادر الرُّهاويّ: "ماذا عليه من الإثم". انتهى ما في "الفتح" (٣).
وعبارة الحافظ ابن رجب ﵀: وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاريّ ومسلم أيضًا بعد "ماذا عليه" "من الإثم"، وهي غير محفوظة، وذكر ابن عبد البرّ
стр. 6269
أن هذه اللفظة في رواية الثوريّ، عن سالم أبي النضر، وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوريّ مدرجةً بلفظ "يعني من الإثم"، فدلّ على أنها مدرجة من قول بعض الرواة، وتفسير للمعنى؛ فإن هذا يُفهَم من قوله: "ماذا عليه"، فإن ابن آدم له عمله الصالح، وعليه عمله السيئ، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ الآية [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإذا كان هذا عليه، فهو من سيّئاته. انتهى (١).
وقوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) جواب "لو"، وكلمة "أن" مصدريّة، والتقدير: لو يعلم المارُّ مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلّي لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم.
وقال الكرمانيّ ﵀: جواب "لو" ليس هو المذكور، بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. انتهى (٢).
وتعقّبه العينيّ، فقال: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرّف فيه تعسّفٌ، وحقّ التركيب ما تقدّم. انتهى (٣).
قال الكرمانيّ ﵀: وأبهم العدد تفخيمًا للأمر، وتعظيمًا. انتهى.
قال الحافظ ﵀: قلت: ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، ولكن شكّ الراوي فيه. انتهى.
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمةٌ معلومةٌ؟.
قلت: أسرار أمثالها لا يعلمها إلَّا الشارع.
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طَور بأربعين كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنةً، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأن أجزاءه وهي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أُريد التكثير ضوعف كل إلى عشرة أمثاله. انتهى (٤).
стр. 6270
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الوجه الذي ذكره الكرمانيّ أوّلًا هو المعتمد، فهذا العدد ونحوه مما لا ينبغي أن يوكل وجه حكمته إلى الشارع الحكيم، وأما الوجه الثاني، فإنه تكلّف ظاهر، تردّه رواية المائة، ففي رواية ابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁: "لكان أن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها".
وأما ما ذكره العينيّ في وجه الحكمة للمائة أيضًا فمن التكلّف الظاهر، ومثل هذا من فضول الكلام، فينبغي عدم الخوض فيه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ بعد ذكر رواية المائة ما نصّه: وهذا يشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معيَّن.
وَجَنح الطحاويّ إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين؛ زيادةً في تعظيم الأمر على المار؛ لأنهما لم يقعا معًا؛ إذ المائة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر، ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثَبَتَ الْمُدَّعَى، وأما دونها فمن باب أولى.
وقد وقع في "مسند البزار" من طريق ابن عيينة التي ذكرها ابن القطان: "لكان أن يقف أربعين خريفًا"، أخرجه عن أحمد بن عَبْدة الضبيّ، عن ابن عيينة.
وقد جعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة، والشك في طريق غيره دالّا على التعدد.
لكن رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وغيرهم من الحفاظ، عن ابن عيينة، عن أبي النضر على الشك أيضًا، وزاد فيه: "أو ساعةً"، فيبعد أن يكون الجزم والشك وقعَا معًا من راو واحد في حالة واحدة، إلا أن يقال: لعله تذكر في الحال، فجزم، وفيه ما فيه. انتهى (١).
وقوله: (خَيْرًا لَهُ) خبر "كان"، واسمها قوله: "أن يقف" في تأويل المصدر، أي لكان وقوفه أربعين خيرًا له، ووقع في بعض النسخ "خيرٌ له"
стр. 6271
بالرفع، قال في "الفتح": في روايتنا بالنصب على أنه خبر "كان"، ولبعضهم "خير" بالرفع وهي رواية الترمذيّ، وأعربها ابن العربي على أنها اسم "كان"، وأشار إلى تسويغ الابتداء بالنكرة؛ لكونها موصوفةً، ويَحْتَمِل أن يقال: اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها. انتهى.
واعترض السنديّ ﵀ إعراب ابن العربيّ بأن القواعد تأبى ذلك؛ لأن قوله: "أن يقف" بمنزلة الاسم المعرفة، فلا يصلح أن يكون خبرًا لـ "كان"، وتكون النكرة اسمًا لها، بل "أن" مع الفعل يكون اسمًا لـ "كان" مع كون الخبر معرفةً متقدّمةً، مثلُ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٤٧]، ولهذا نظائر في القرآن، وكذلك المعنى يأبى ذلك عند التأمّل، فالوجه أن اسم كان ضمير الشأن، والجملة مفسّرة للشأن، أو أن "خير" منصوب على أنه خبر "كان"، وترك الألف بعده من تسامح أهل الحديث، فإنهم كثيرًا ما يتركون كتابة الألف بعد الاسم المنصوب، كما صرّح به النوويّ، والسيوطيّ، وغيرهما في مواضع. انتهى كلام السنديّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، وإن وقع في كلام العينيّ ما يُفيد تعقّبه، لكنه هو الوجه، فتأمله بالإنصاف.
والحاصل أن "خير" في حالة الرفع خبر لـ "أن يقف"، والجملة خبر "كان"، واسمها ضمير الشان، أو "أن يقف" اسمها، و"خيرًا" خبرها منصوب بالفتحة، لكنه مكتوب بصورة المرفوع والمجرور على عادة قدماء المحدّثين، وهو أيضًا لغة ربيعة، فإنهم يقفون على المنصوب المنصوب بالسكون، كرأيت زيد، واللَّه تعالى أعلم.
(مِنْ أَنْ يَمُرَّ) متعلّقٌ بـ "خير" (بَيْنَ يَدَيْهِ") ظرف لـ "يمُرّ"، أي من مروره أمام المصلي.
(قَالَ أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة الراوي عن بُسر بن سعيد، قال في "الفتح": هو كلام مالك، وليس من تعليق البخاريّ؛ لأنه ثابت في "الموطأ" من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية الثوريّ، وابن عيينة، كما ذكرنا. انتهى (١).
стр. 6272
(لَا أَدْرِي) "لا" نافية، ولذا رفع الفعل بعدها، أي لا أعلم (قَالَ) وفي رواية البخاريّ: "أقال" بهمزة الاستفهام، وتقدّر هنا، والظاهر أن فاعل "قال" ضمير بسر، وقال الكرمانيّ ﵀: فاعله بسرٌ، أو رسول اللَّه ﷺ . انتهى (١). (أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً) لأنه ذكر العدد، أعني أربعين، ولا بدّ من مميّز، وهو لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أُبهم هنا، وقد سبق آنفًا أن الحكمة في إبهامه التفخيم والتعظيم على ما قيل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي جُهيم ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ١١٣٧ و ١١٣٨] (٥٠٧)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٥١٠)، و (أبو داود) فيها (٧٠١)، و (الترمذيّ) فيها (٣٣٦)، و (النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٦٦) وفي "الكبرى" (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٤٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٣٢٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٦٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٩)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٨٤ و ٨٥ و ٨٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩١ و ١٣٩٢ و ١٣٩٣ و ١٣٩٤ و ١٣٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٤٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن المرور بين يدي المصلّي ممنوع، قال النوويّ ﵀: فيه دليل على تحريم المرور، فإن معنى الحديث النهي الأكيد، والوعيد الشديد على ذلك. انتهى. ومقتضى ذلك أن يُعَدَّ في الكبائر.
стр. 6273
٢ - (ومنها): جواز أخذِ القرين عن قرينه ما فاته، أو استثباته فيما سَمِع معه.
٣ - (ومنها): الاعتمادُ على خبر الواحد؛ لأن زيدًا اقتصر على النزول مع القدرة على العلوّ اكتفاء برسوله المذكور.
٤ - (ومنها): جواز استعمال "لو" في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي الوارد فيما أخرجه المصنّف في "القدر" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المؤمن القويّ خيرٌ وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرِصْ على ما ينفعك، واستعن باللَّه، ولا تَعْجَزْ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ اللَّهُ، وما شاء فَعَل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان" (١)؛ لأن محل النهي أن يُشْعِر بما يُعانِد المقدور، كما سيأتي في "كتاب القدر" - إن شاء اللَّه تعالى.
٥ - (ومنها): أن ابن بطال: استنبط من قوله: "لو يَعْلَم" أن الإثم يَختصّ بمن يعلم بالنهي، وارتكبه.
قال الحافظ: وأخذه من ذلك فيه بُعْدٌ، لكن هو معروف من أدلة أخرى. انتهى.
٦ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يَختَصّ بمن مَرّ، لا بمن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلي، أو قعد، أو رَقَدَ، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي، فهو في معنى المارّ، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث هو الحقّ؛ لأن التشويش ليس خاصًا بهذه الأشياء، بل قد يحصل ممن كان وراء ظهر المصلّي، أو عن يمينه، أو يساره، فالحديث لا يدلّ على هذا كلّه، بل دليل النهي عن التشويش معلوم من أدلّة الشرع الأخرى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن ظاهرهُ عموم النهي في كل مُصَلٍّ، وخصه بعض المالكية بالإمام والمنفرد؛ لأن المأموم لا يضرّه مَن مَرّ بين يديه؛ لأن سترة إمامه سترة له، أو إمامه سترة له.
стр. 6274
قال الحافظ: والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعَى؛ لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي، لا عن المارّ فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ فيه نظرٌ؛ لأن التعليل بالتشويش ليس منصوصًا عليه حتى يُعتمد، بل الأقرب تعليله بأنه يقطع المناجاة بين المصلي وبين ربّه، فما قاله بعض المالكيّة هو الأرجح، كما لا يخفى على من تأمله.
وأيضًا فقد تقدّم مرور ابن عبّاس ﵄ بين يدي بعض المأمومين، ولم يُنكر ذلك عليه، فدلّ على كون حكم المأموم غير حكم الإمام والمنفرد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن العلامة ابن دقيق العيد: ذكر أن بعض الفقهاء المالكية قَسَمَ أحوال المارّ والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المارّ دون المصلي، وعكسه، ويأثمان جميعًا، وعكسه.
فالصورة الأولى: أن يصلي إلى سُترة في غير مَشْرَع، وللمارّ مندوحة، فيأثم المارّ دون المصلي.
الثانية: أن يصلي في مَشْرَع مسلوك بغير سترة، أو متباعدًا عن السترة، ولا يجد المارّ مندوحة، فيأثم المصلي دون المارّ.
الثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المارّ مندوحةً فيأثمان جميعًا.
الرابعة: مثل الأولى، لكن لم يجد المارّ مندوحةً، فلا يأثمان جميعًا. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وظاهر الحديث يدلّ على منع المرور مطلقًا، ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، ويؤيِّده قصة أبي سعيد ﵁ السابقة، فإن فيها: "فنظر الشابّ، فلم يجد مَسَاغًا".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ من أن ما دلّ عليه الحديث من عموم النهي لجميع الصور هو الحقّ؛ لظهور حجّته، لكن إذا كانت هناك ضرورة لا بدّ منها، فيكون من باب الاضطرار، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] الآية، فليُتنبّه لذلك، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6275
قال: وقد تقدّمت الإشارة إلى قول إمام الحرمين: إن الدفع لا يُشْرعَ للمصلي في هذه الصور، وتبعه الغزاليّ، ونازعه الرافعيّ، وتعقبه ابن الرفعة بما حاصله أن الشابّ إنما استوجب من أبي سعيد الدفع؛ لكونه قَصّر في التأخر عن الحضور إلى الصلاة، حتى وقع الزحام. انتهى.
وما قاله مُحْتَمِلٌ، لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأن أبا سعيد لم يَعْتَذر بذلك، ولأنه متوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة، أو فيها، مع احتمال أن يكون ذلك وقع بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ أوجه، واللَّه أعلم. انتهى.
[تنبيه]: وقع في رواية أبي العباس السّرّاج من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر: "لو يعلم المارّ بين يدي المصلِّي والمصلَّى"، فحمله بعضهم على ما إذا قَصّر المصلي في دفع المارّ، أو بأن صلى في الشارع، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: "والمصلَّى" بفتح اللام، أي بين يدي المصلي، من داخل سترته، وهذا أظهر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الحافظ ابن رجب قال: زيادة "والمصلّي" غير محفوظة. انتهى. وهو أولى مما قاله الحافظ، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَن زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنيِّ، أَرْسَلَ إِلَى أَبِي جُهَيْمِ الْأَنْصَارِيِّ: مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ؟، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن المصريّ، سكن نيسابور، ثقةٌ، صاحب حديث، من صغار [١٠] (ت سنة بضع ٢٥٠)، تفرّد به المصنّف تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
стр. 6276
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدم قبل باب أيضًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ؟) "ما" استفهاميّة مبتدأ خبره جملة "سمعتَ"، والجملة معلّق عنها العامل المقدّر، بدليل الرواية السابقة، أي يسأل ما سمعت؟. . . إلخ، و"يقول" في محلّ نصب على الحال من "النبيّ"، أي حال كونه قائلًا.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير سفيان، يعني أن سفيان ذكر الحديث عن سالم أبي النضر بمعنى حديث مالك، عنه.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوري هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٨٤) فقال:
(١٣٩٥) حدّثنا بكار بن قتيبة، قال: ثنا أبو عامر الْعَقَديّ، قال: ثنا سفيان الثوريّ، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، عن أبي الجهيم الأنصاريّ، سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لأن يقوم أربعين في مقامه، خير له من أن يمر بين يديه"، قال: لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين سنة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥١) - (بَابُ دُنُوِّ الْمُصَلِّي مِنَ السُّتْرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٩] (٥٠٨) - (حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: "كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ").
стр. 6277
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) الْعَبْديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو: عبد العزيز المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٩٠.
٣ - (أَبُوهُ) هو: سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج الأثور التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٨٨) أو بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٦٤) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد ذكرهم قريبًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه آخر من مات بالمدينة من الصحابة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: "كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بفتح اللام، هو المكان الذي يُصلي فيه، والمراد به مقامه ﷺ ، وكذا هو في رواية أبي داود، قال: "كان بين مقام النبيّ ﷺ وبين القبلة ممرّ الْعَنْز"، وقال في "العمدة": المراد مقامه ﷺ في صلاته، ويتناول ذلك موضع القدم، وموضع السجود. انتهى. (وَبَيْنَ الْجِدَارِ) بكسر الجيم، قال
стр. 6278
الفيّوميّ ﵀: الْجِدار: الحائط، والجمع جُدُرٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، والْجَدْرُ -بفتح، فسكون- لغة في الجدار، وجمعه جُدْران. انتهى (١).
والمراد جدار المسجد النبويّ مما يلي القبلة، وقد صرّح به في رواية البخاريّ، في "كتاب الاعتصام"، ولفظه من طريق أبي غسان -محمد بن مُطَرِّف- عن أبي حازم، عن سهل: "أنه كان بين جدار المسجد، مما يلي القبلة، وبين المنبر ممر الشاة" (٢).
(مَمَرُّ الشَّاةِ) بفتح الميمين: أي موضع مرورها، وهو مرفوع على أنه اسم "كان"، وخبرها الظرف المتقدّم، ويَحْتَمل أن تكون "كان" شانيّةً، اسمها ضمير الشأن، والظرف خبر مقدّم، و"ممرُّ" مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر "كان"، وتقدّم في رواية أبي داد بلفظ: "ممرّ الْعَنْز" وهي بفتح، فسكون: المعز.
والمعنى: أن المسافة التي كانت بين المكان الذي يقوم فيه النبيّ ﷺ للصلاة، وبين الجدار الذي أمامه إلى جهة القبلة قدر ما يسع مرور الشاة فيه، وهو كناية عن قربه إليه.
وقال النوويّ ﵀: يعني بالمصلّى موضع السجود، وفيه أن السنة قرب المصلّي من سترته. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعديّ ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١١٣٩] (٥٠٨)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٩٦) و"الاعتصام" (٧٣٣٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٢ و ٢٣٧٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٨٩٦ و ٥٧٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٢)،
стр. 6279
و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٣٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث يدلّ على استحباب القرب من السترة، كما جاء عنه ﷺ نصًّا: "إذا صلى أحدكم إلى سُتْرَة، فَلْيَدْنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته"، رواه أبو داود، والنسائيّ بسند صحيح.
قال: ولا يُعارَضُ حديث ممرّ الشاة بحديث صلاة النبيّ ﷺ في الكعبة، إذ جَعَل بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع؛ إذ قد حَمَل بعض المشايخ حديث مَمَرّ الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث ثلاث أذرع على ما إذا ركع، أو سجد، قال: ولم يَحُدّ مالك في هذا حدًّا، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع مَن يمر بين يديه، وقد قدّره بعض الناس بقدر شبر، وآخرون بثلاثة أذرع، وكلّ ذلك تحكّمات. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: حديث سهل ﵁ يدلّ على أن النبيّ ﷺ كان يصلّي قريبًا من الجدار، بحيث لا يكون بين موقفه وبين الجدار غير قدر ما تَمُرّ فيه الشاة.
قال: وفي القرب من السترة أحاديث أُخَرُ:
فمنها: ما أخرجه البخاريّ من حديث موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر، كان إذا دخل الكعبة، مَشَى قِبَلَ وجهه حين يدخل، وجَعَل الباب قِبَل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبَل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلى، يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبيّ ﷺ صلى فيه".
ومنها: ما ورد في الأمر بالدنوّ من السترة، من غير تقدير بشيء، فروى نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حَثْمة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى سترة، فَلْيَدْن منها، لا يقطعُ الشيطان عليه صلاته" (٢)، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن حبّان في "صحيحه".
وذكر أبو داود في إسناده اختلافًا، وكذلك البخاريّ في "تاريخه"، وقد روي أيضًا عن نافع بن جبير مرسلًا، وفيه: "فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها"،
стр. 6280
وقال العُقيليّ: حديث سهل هذا ثابت، وقال الميمونيّ: قلت لأبي عبد اللَّه -يعني أحمد-: كيف إسناد حديث النبيّ ﷺ : "إذا صلّى أحدكم فليدن من سُترته"؟ قال: صالح، ليس بإسناده بأس.
وروى ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صلّى أحدكم، فليُصلّ إلى سُترة، وليدن منها"، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (١).
وروي هذا المتن من وجوه أُخر عن النبيّ ﷺ .
ورَوى إسحاق بن سُويد، عن عمر أنه رأى رجلًا يصلي متباعدًا عن القبلة، فقال: تقدّم لا يُفسد الشيطان عليك صلاتك، أما إني لم أقل إلا ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ . أخرجه الإسماعيليّ وغيره، وهو منقطع؛ فإن إسحاق لم يسمع من عمر ﵁، وقد رُوي مرسلًا، وروي عنه عمن حدّثه عن عمر.
ورَوَى مصعب بن ثابت، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ارْهَقُوا القبلة"، أخرجه البزّار، والأثرم، وقال الدارقطنيّ فيما نقله عنه الْبَرْقانيّ: لم يروه إلا مصعب بن ثابت، وليس بالقويّ.
ومعنى إرهاق القبلة: مضايقتها، ومزاحمتها، والدنوّ منها، فسّره به ابن قتيبة، وتوقّف أحمد في تفسيره.
وأخرجه الْجُوزَجانيّ، ولفظه: "إذا صلّى أحدكم، فليُصلّ إلى سترة، وليقرُب منها".
وفي الباب أحاديث أُخر مسندة ومرسلة.
وروى وكيع بإسناده عن ابن مسعود ﵁ قال: يُصلي وبينه وبين القبلة مقدار ممرّ رجل، وعنه قال: لا يصلينّ أحدكم وبينه وبين القبلة فَجْوة.
وسُئل الحسن: هل كانوا يَرقبون في البعد شيئًا؟ قال: لا أعلمه.
وقال ابن المنذر: كان عبد اللَّه بن مُغَفَّل يجعل بينه وبين سترته ستّة أذرع، وقال عطاء: أقلّ ما يكفيك ثلاثة أذرع، وبه قال الشافعيّ.
стр. 6281
وقال مهنّا: سألت أحمد عن الرجل يصلي كم يكون بينه وبين القبلة؟ قال: يدنو من القبلة ما استطاع، ثم قال: إن ابن عمر قال: صلى رسول اللَّه ﷺ في الكعبة، فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع.
وقال الأثرم: سئل أبو عبد اللَّه عن مقدار ما بين المصلي وبين السارية؟ فذكر حديث ابن عمر هذا، قيل له: يكون بينه وبين الجدار إذا سجد شبر؟ قال: لا أدري ما شبر؟ قال الأثرم: ورأيته يتطوّع وبينه وبين القبلة شيء كثير، أذرع ثلاثة، أو أكثر.
قال ابن عبد البرّ: ولم يحُدّ مالك في ذلك حدًّا، ثم أشار ابن عبد البرّ إلى أن الآخذين بحديث سهل بن سعد الذي أخرجه البخاري في قدر ممرّ الشاة أولى، وقال في موضع آخر: حديث ابن عمر أصحّ إسنادًا من حديث سهل، وكلاهما حسنٌ.
قال ابن رجب: ولو جُمع بين حديث سهل وحديث ابن عمر، فأُخذ بحديث ابن عمر في النافلة، وحديث سهل في الفريضة، لكان له وجهٌ، فإن صلاة النبيّ ﷺ في الكعبة كانت تطوّعًا، وسهل إنما أخبر عن مقام النبيّ ﷺ في مسجده الذي كان يصلي فيه بالناس الفرائض. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أن العمل بما دلّ عليه حديث سهل، وحديث ابن عمر ﵃ هو الحقّ، فكلّ ما مرَّ من الأقوال، والتقديرات، كتقدير بعضهم بستة أذرع، أو غير ذلك مخالف للسنة.
ولا تعارض بين الحديثين، فكلاهما ثابت من فعله ﷺ ، وقد بيّن لنا بفعله مقدار القرب من السترة الذي أمر به بقوله، فكان مقداره ممرّ الشاة، وجوّز الزيادة عليه، إلى ثلاثة أذرع، فالأولى للمصلي القرب منها بمقدار ممرّ الشاة، وإن تباعد بمقدار ثلاثة أذرع فلا بأس.
والحاصل أن أرجح المذاهب -كما قدّمناه- وجوب الصلاة إلى السترة مطلقًا، ووجوب الدنوّ منها، بهذا المقدار، وذلك لأنه ﷺ أمر بهما، وأمره
стр. 6282
للوجوب عند جمهور الأصوليين، وقد بيّن مقدار الدنوّ بفعله، فاتّفق فعله ﷺ وقوله في ذلك، وللَّه الحمد والمنّة على ما بيّن لنا من السنّة.
ومع اتّضاح السنة، وتبيّن الحقّ فما أكثر تساهل الناس في هذين الأمرين، فلا ترى في المصلّين من يعتني باتّخاذ السترة إلا ما شاء ربك، وإذا نصحتهم بذلك يتعلّلون، ويقولون: هذه سنة، وليست بواجبة، مع أن أدلة الوجوب واضحة، ولكن حملهم التقليد الأعمى على مخالف السنّة، وترك المبالاة بها.
ومن العجيب الغريب أن كثيرًا منهم يأتي إلى العمود، فيستند إليه، ويصلي، وهو وراءه، ولو فرضنا أنه صلى إليه لما اقترب منه.
وآخرون يدخلون المسجد، فيصلّون في آخره لاصقين ظهورهم بجدار آخر المسجد، والناس يمرّون بين أيديهم، ولا يبالي هؤلاء، ولا المارّون، وهذا كله من غربة السنّة، واستيلاء الجهل، أو الهوى، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٠] (٥٠٩) - (حَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، وَهُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ، أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى مَوْضِعَ مَكَانِ الْمُصْحَفِ، يُسَبِّحُ فِيهِ، وَذَكَرَ أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَحَرَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ (٢)، وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، ويقال: التيميّ، ويقال: مولى باهلة، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٩].
стр. 6283
رَوَى عن حميد الطويل، وسليمان التيميّ، ويزيد بن أبي عُبيد، وهشام بن عروة، وعبيد اللَّه بن عمر، وابن أبي ذئب، ومالك، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ، ومُعَلَّى بن أسد، وأبو بكر بن أبي شيبة، والفلاس، وبندار، وأبو موسى، وهارون الحمال، وهارون بن سليمان، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، إن شاء اللَّه تعالى، وتُوُفّي بالبصرة في جمادى الآخرة سنة (٢٠٢)، وقال غيره: في رجب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وابن شاهين فيهم، وقال: ثقةٌ ثقةٌ، لا بأس به.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٥٠٩) و (٥٥٩) و (١٠٩٢) و (١٦٧٩) و (١٨٠٢) و (١٨٦٠) و (٢١٤٤).
٢ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، أبو خالد الحجازيّ مولى سلمة بن الأكوع، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن مولاه، وعُمير مولى آبي اللَّحْم، وهشام بن عروة، وهو أكبر ورَوَى عنه بُكير بن الأشج، ومات قبله، ويحيى القطان، وحاتم بن إسماعيل، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزوميّ، ويحيى بن راشد، وحماد بن مَسْعَدة، وصفوان بن عيسى، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: حجازيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: تُوُفّي بالمدينة بعد خروج محمد بن عبد اللَّه بسنتين أو ثلاث، وكان ثقةً كثير الحديث، وقال ابن قانع: مات سنة سبع، وقال الواقديّ: مات قبل خروج محمد بن عبد اللَّه، وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة ست، أو سبع وأربعين ومائة، وهو قول ابن حبان بنصّه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٣ - (سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات ﵁ سنة (٦٤) (ع) ٤٣/ ٢٨٨.
стр. 6284
والباقيان تقدّما قريبًا، وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٦٥) من رباعيّات الكتاب، وقد وقع للإمام البخاريّ ثلاثيًّا، فقد رواه عن مكيّ بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة ﵁، والسند الآتي للمصنف، رواه عن محمد بن المثنّى، عن مكيّ، به.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن المثنّى، أحد مشايخ الستة بلا واسطة، كما أشرنا إليه في السند الماضي.
٤ - (ومنها): أن قوله: "يعني ابن أبي عبيد"، وقوله: "وهو ابن الأكوع"، قد تقدّم بيانه غير مرّة، وباللَّه تعالى التوفيق.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلَمَةَ، وَهُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ) ﵁ (أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى) أي يقصد، يقال: تحرّيتُ الشيءَ: إذا قصدته، وتحرّيتُ في الأمر: إذا طلبت أحرى الأمرين، وهو أولاهما، قاله الفيّوميّ (١).
والمعنى: أنه يجتهد، ويختار ذلك المكان للصلاة فيه.
(مَوْضِعَ مَكَانِ الْمُصْحَفِ) أي موضع حصول المصحف، فـ "المكان" مصدر ميّميّ لـ "كان" التامّة، بمعنى حصل، ووُجد، فلا يلزم من إضافة "موضع" إليه إضافة الشيء إلى نفسه، فتنبّه.
و"الْمُصْحَف" مثلّث الميم، وأصله الضمّ، مأخوذ من أُصْحِف مغيّر الصيغة، أي جُمِعت فيه الصُّحُف، وهي جمع صَحِيفة، بفتح، فكسر: وهي الكتاب، وتجمع على صحائف (٢).
стр. 6285
(يُسَبِّحُ فِيهِ) بالبناء للفاعل، قال النوويّ ﵀: المراد بالتسبيح صلاة النافلة. انتهى. (وَذَكَرَ) أي سلمة ﵁ لَمّا ساله يزيد بن أبي عبيد، ففي الرواية التالية: "قال: كان سلمة يتحزَى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت له: يا أبا مُسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: رأيت النبيّ ﷺ يتحرى الصلاة عندها.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَحَرَّى) أي يقصد (ذَلِكَ الْمَكَانَ) وفي نسخة: "ذاك المكان"، يعني الذي فيه المصحف، قال الحافظ ﵀: هذا دالّ على أنه كان للمصحف موضع خاصّ به، قال: ووقع عند مسلم بلفظ: "يُصلي وراء الصندوق" (١)، وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه.
(وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ) قال النوويّ ﵀: المراد بالقبلة الجدار، وإنما أُخِّر المنبر عن الجدار؛ لئلا ينقطع نظر أهل الصف الأول، بعضِهِم عن بعض. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١١٤٠ و ١١٤١] (٥٠٩)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٥٠٢)، و (ابن ماجه) فيها (١٤٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٦٢ و ٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٣ و ٢١٥٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٦٢٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧١)، و (أبو عوانة) (١٤٣٥ و ١٤٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٣ و ١١٢٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان المسافة التي تكون بين المصلي وبين سترته، وهو مقدار ممرّ الشاة.
стр. 6286
٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من التسابق في اقتفاء آثار رسول اللَّه ﷺ ، فلا يرونه يصلي في موضع إلا صلّوا فيه، ولا ينزل في مكان إلا نزلوا فيه؛ عملًا بقوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: وفي هذا أنه لا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد، إذا كان فيه فضلٌ، وأما النهي عن إيطان الرجل موضعًا من المسجد يلازمه، فهو فيما لا فضل فيه، ولا حاجة إليه، فأما ما فيه فضل، فقد ذكرناه، وأما من يحتاج إليه لتدرشى عليم، أو للإفتاء، أو سماع الحديث، ونحو ذلك، فلا كراهة فيه، بل هو مستحبٌّ؛ لأنه من تسهيل طُرُق الخير، وقد نقل القاضي ﵀ خلاف السلف في كراهة الإيطان لغير حاجة، والاتفاق عليه لحاجة، نحو ما ذكرناه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث الذي أشار إليه هو عن عبد الرحمن بن شِبْل أن رسول اللَّه ﷺ "نَهَى عن ثلاث: عن نَقْرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يُوَطِّن الرجل المقام للصلاة، كما يوطن البعير"، وهو حديث حسنٌ، أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤١] (. . .) - (حَدَّثَنَاه (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا (٢) مَكِّيٌّ، قَالَ: يَزِيدُ أَخْبَرَنَا، قَالَ: كَانَ سَلَمَةُ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ (٣) الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمِ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا).
стр. 6287
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مَكِّيّ) بن إبراهيم بن بشير بن فَرْقَد، وقيل: ابن فرقد بن بشير التميميّ الحنظليّ، أبو السَّكَن البلخيّ الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ [٩].
رَوَى عن الجعيد بن عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، وأيمن بن نابل، ويزيد بن أبي عبيد، وبهز بن حكيم، وأبي حنيفة، ومالك، وابن جريج، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائيّ، وجعفر الصادق، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، وروى له هو والباقون بواسطة محمد بن عمرو البلخيّ، وأبي موسى محمد بن المثنى، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأحمد بن أبي سُرَيج الرازيّ، وعبد اللَّه بن مخلد التميميّ، وعبيد اللَّه بن عمر القواريريّ، وهارون الحمال، وبندار، ومجاهد بن موسى، ومحمد بن إسماعيل ابن عُلَيّة، وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، ومعمر بن محمد بن معمر الْبَلْخيّ، وهو آخر مَن رَوَى عنه، وآخرون.
قال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: حدّثنا إسحاق بن منصور المروزيّ، قال: سألت أحمد بن حنبل، عن مكي بن إبراهيم؟ فقال: ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وقال عليّ بن الحسين بن حبان: وجدت في كتاب أبي، بخطه: وسألته -يعني ابن معين- عن حديث مكيّ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر في الصلاة على النجاشيّ، فقال: هذا باطلٌ، وقال الحاكم: حدّثنا بكر بن محمد الصيرفيّ، سمعت عبد الصمد بن الفضل يقول: سألنا مكيّ بن إبراهيم عن هذا الحديث، فحدّثنا به من كتابه: عن مالك، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وقال: هكذا في كتابي، وقال الخطيب: يقال: إن مكيّ بن إبراهيم رواه بالريّ، فلما جاء بالحجّ سئل عنه، فأبى أن يحدِّث به، وقال عبد الصمد بن الفضل: سمعته يقول: حججت ستين حجة، وتزوجت ستين امرأة، وكتبت عن سبعة عشر نفسًا من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون إليّ لما كتبت دون التابعين عن أحد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: حدّثنا مكيّ بن إبراهيم الرجل الصالح بنيسابور،
стр. 6288
وقال محمد بن عليّ بن جعفر البلخيّ: سألته عن مولده، فقال: سنة ست وعشرين ومائة، وقال البخاريّ: مات سنة أربع أو خمس عشرة، وقال ابن سعد: مات سنة خمس عشرة ومائتين، وفيها أَرَّخَه غير واحد، زاد ابن سعد: في النصف من شعبان، وقد قارب مائة سنة، وقال: قَدِم بغداد يريد الحجّ، فحجّ، ورجع، وحدّث في ذهابه ورجوعه، وكان ثقةً ثبتًا في الحديث، وقال مسلمة في "الصلة": ثقةٌ، وقال الخليليّ: ثقة متفق عليه، وأخطأ في حديثه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، في الصلاة على النجاشيّ، والصواب: عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، يعني كما تقدم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٠٩)، و (١٨٣٥) حديث: "من أطاعني فقد أطاع اللَّه. . . "، وأما البخاريّ، فقد روى عنه (٣٣) حديثًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ) وفي نسخة: "عند هذه الأسطوانة"، بضمّ الهمزة والطاء: الساريةُ، والنون عند الخليل أصلٌ، فوزنها أُفْعُوالةٌ، وعند بعضهم زائدةٌ، والواو أصلٌ، فوزنها أُفْعُلانةٌ، والجمع أَسَاطين، وأُسْطُوانات، على لفظ الواحد، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقال في "اللسان": الأُسْطُوان: الرجل الطويل الرجلين والظهر، وجَمَلٌ أُسْطُوان: طويل العنق مرتفع، ومنه الأُسْطوانة، قال رؤبة:
جَرَّبْنَ مِنِّي أُسْطَوَانًا أَعْنَقَا … يَعْدِلُ هَدْلَاءَ بِشِدْقٍ أَشْدَقَا
والأَعْنَقُ: الطويل العُنُق، والأُسْطُوانة: السارية معروفةٌ، وهو من ذلك، وأُسْطُوانُ البيت معروف، وأَسَاطِينُ مُسَطَّنة، ونونُ الأُسطُوانة من أصل بناء الكلمة، وهو على تقدير أُفْعُوالة، وبيان ذلك أنهم يقولون: أَسَاطينُ مُسَطَّنَةٌ.
وقال الفراء: النون في الأُسطوانة أصليةٌ، قال: ولا نظير لهذه الكلمة في كلامهم، وقال الجوهريّ: النون أصلية، وهو أُفْعُوالةٌ، مثلُ أُقْحُوَانةٍ (٢)، وكان
стр. 6289
الأخفش يقول: هو فُعْلُوانَةٌ، قال: وهذا يوجب أن تكون الواو زائدة، وإلى جنبها زائدتان: الألف والنون، قال: وهذا لا يكاد يكون، قال: وقال قوم: هو أُفْعُلانةٌ، ولو كان كذلك لَمَا جُمِع على أساطين؛ لأنه لا يكون في الكلام أَفَاعِينُ.
وقال ابن بَرّيٍّ عند قول الجوهريّ: إن أُسطوانة أُفعُوالة مثل أُقحُوانة، قال: وزنها أُفعلانة، وليست أُفعوالة، كما ذَكَرَ، يَدُلُّك على زيادة النون قولهم في الجمع: أَقَاحِيُّ وأَقَاحٍ، وقولهم في التصغير: أُقَيحِيَةٌ.
قال: وأما أُسطوانة فالصحيح في وزنها فُعْلُوانة؛ لقولهم في التكسير: أَسَاطين، كسَرَاحِين، وفي التصغير: أُسَيْطِينة، كسُرَيحين، قال: ولا يجوز أن يكون وزنها أُفْعُوالة؛ لقلة هذا الوزن، وعدم نظيره.
فأما مُسَطَّنَةٌ ومُسَطَّنٌ، فإنما هو بمنزلة تَشَيْطَن، فهو مُتَشيطِنٌ، فيمن زَعَم أنه من شاط يَشِيط؛ لأن العرب قد تَشْتَقّ من الكلمة، وتُبْقِي زوائده، كقولهم: تَمَسْكَنَ، وتَمَدْرَعَ، قال: وما أنكره بَعْدُ من زيادة الألف والنون بعد الواو المزيدة في قوله: وهذا لا يكاد يكون، فغير منكر، بدليل قولهم: عُنْظُوان (١)، وعُنْفُوان (٢)، ووزنهما فُعْلُوان بإجماع، فعلى هذا يجوز أن يكون أُسْطُوانة، كعُنظُوانة، قال: ونظيره من الياء فِعْلِيانُ، نحو صِلِيَّان، وبِلِيّان، وعِنْظِيان، قال: فهذه قد اجتمع فيها زيادة الألف والنون وزيادة الياء قبلها، ولم ينكر ذلك أحد، ويقال للرجل الطويل الرجلين، والدابة الطويل القوائم: مُسَطَّنٌ، وقوائمه: أساطينهُ. انتهى (٣).
وقوله: (يَا أَبَا مُسْلِمٍ) كنية سلمة بن الأكوع ﵁.
وقوله: (أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ) وفي رواية ابن حبّان: "عن يزيد بن أبي عبيد أنه كان يأتي مع سلمة بن الأكوع إلى سُبْحة الضحى، فيَعْمِدُ إلى الأُسطوانة دون المصحف، فيُصلي قريبًا منها، فأقول له: ألا تصلي
стр. 6290
ها هنا، وأُشير له إلى بعض نواحي المسجد، فيقول: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ يتحرّى هذا المقام". انتهى (١).
وقوله: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا) أي يقصد الصلاة عند هذه الأُسطُوانة.
[تنبيه]: قال في "الفتح": والأسطوانة المذكورة حقّق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسّطة في الروضة المباركة، وأنها تُعرف بأسطوانة المهاجرين، قال: وروي عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "لو عَرَفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام"، وأنها أسرّتها إلى ابن الزبير، فكان يُكثر الصلاة عندها، قال: ثم وجدت ذلك في "تاريخ المدينة" لابن النجّار، وزاد: "أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها"، وذكره قبله محمد بن الحسن في "أخبار المدينة". انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٢) - (بَابُ بَيَانِ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ يَتَّخِذِ الْمُصَلِّي السُّتْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٢] (٥١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ"، قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ، مِنَ الْكَلْبِ
стр. 6291
الْأَحْمَرِ، مِنَ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: "الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم المذكور في السند التالي، و"عُلَيَّة" أمه، الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار الْعَبْدي، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٥ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) الْعَدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة فقيه [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ) الْغِفاريّ البصريّ، ثقة [٣].
رَوَى عن عَمّه أبي ذرّ، وعمر، وعثمان، والحكم ورافع ابني عمرو، وحذيفة، وابن عمر، وعائشة ﵃.
ورَوَى عنه حميد بن هلال، وأبو العالية البرّاء، وأبو عِمران الْجَوْنيّ، وسَوَادة بن عاصم، ومحمد بن واسع، وأبو عبد اللَّه الْحَربيّ، وأبو نَعَامة السَّعْديّ، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكْتب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: يُكْنَى أبا النضر، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، ذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين، ونقل الذهبيّ أن بعضهم قال: ليس بحجة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا جرح مجمل معارض لتوثيق هؤلاء الأئمة له، فلا ينبغي أن يُلتفت إليه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6292
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٠) حديثًا.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الْغِفَاريّ الصحابيّ الشهير، واسمه جُندب بن جُنَادة على الأصحّ، تقدّم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات ﵁ سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من إسماعيل، وأبو ذرّ ﵁ مدنيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين البصريين روى بعضهم عن بعض: يونس، عن حُميد، عن عبد اللَّه بن الصامت، ورواية الأخيرين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، وفيه رواية الراوي، عن عمّه، فعبد اللَّه ابن أخي أبي ذرْ ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ) المراد بالقيام هنا الشروع في الصلاة، لا خصوص القيام الذي هو خلاف القعود، فيشمل جميع حالات الصلاة (يُصَلِّي) جملة فعليّة في محلّ نصب على الحال (فَإِنَّهُ) يَحْتمل أن يكون ضمير "أحدكم"، ويَحْتمل أن يكون ضمير الشأن، أي فإن الأمر والشأن (يَسْتُرُهُ) أي يحجبه، ويمنعه عما يقطع صلاته (إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ) الظرف خبر "كان" مقدّمًا على اسمها، وهو "مثلُ آخرة الرحل"، و"آخرةُ الرحل" بالمدّ: هي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير، وهي خلاف قادمته، وقد تقدّم أن فيها ثماني لغات، وهذه أفصحها في شرح حديث طلحة بن عبيد اللَّه ﵁[٤٨/ ١١١٦] (٤٩٩).
و"الرحل" بفتح، فسكون: مَرْكب للبعير، أو الناقة، جمعه: أَرْحُلٌ، ورِحَالٌ.
стр. 6293
(فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ) مرجع الضمير كسابقه (يَقْطَعُ صَلَاتَهُ) أي يُبطلها، أو يُقلّل ثوابها على خلاف بين العلماء، سنحقّقه قريبًا - إن شاء اللَّه تعالى. (الْحِمَارُ) بالرفع فاعل مؤخّر، لـ "يقطع"، و"صلاته" مفعوله مقدّمًا (وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ") المعنى: أن مرور هذه الأشياء بين يدي المصلّي يقطع صلاته، إذا لم يكن أمامه سترة مثلُ آخرة الرحل، قال عبد اللَّه بن الصامت (قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ) "ما" استفهاميّةٌ مبتدأٌ، و"بالُ" خبره، و"البال": الحال، والشأن، أي ما شأن الكلب الأسود يقطع الصلاةَ؟ (مِنَ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ) متعلّق بحال مقدّر من "الأسود" على حذف مضاف، أي حال كونه كائنًا من دون الكلب الأحمر، وقوله: (مِنَ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟) بدل إضراب من الجارّ والمجرور قبله، ويَحْتَمِلُ أن يكون معطوفًا عليه بعاطف مقدّر، أي ومن الكلب الأصفر.
[تنبيه]: ذكر ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه" أنه حَكَى أبو زيد: أكلتُ خبزًا، لحمًا، تمرًا، فقيل: على حذف الواو، وقيل: بدل إضراب، وحَكَى أبو الحسن: أعطه درهمًا، درهمين، ثلاثةً، وخُرّج على إضمار "أو"، ويَحْتَمل البدل المذكور. انتهى كلام ابن هشام ﵀ (١).
(قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (يَا ابْنَ أَخِي) تقدّم أنه ابن أخيه نسبًا (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَني) أي عن مخالفة حكم الكلب الأسود لحكم غيره من الكلاب، حيث يقطع الصلاة بمروره بين يدي المصلّي دونها (فَقَالَ) ﷺ ("الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ") حمله بعضهم على ظاهره، فقال: إن الشيطان يتصوّر بصورة الكلاب السُّود، وقيل: سُمّي شيطانًا؛ لأنه أشدّ ضررًا من غيره، وبهذا عُلمت الحكمة في كون الكلب يقطع الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
стр. 6294
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١١٤٢ و ١١٤٣] (٥١٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٠٢)، و (الترمذيّ) فيها (٣٣٨)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٦٣ - ٦٤)، و (ابن ماجه) فيها (٩٥٢ و ٣٢١٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٣٤٨)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٤٩ و ١٥٥ - ١٥٦ و ١٦٠ - ١٦١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٨٣ و ٢٣٨٤ و ٢٣٨٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٦٣٢ و ١٦٣٥ و ١٦٣٦) و"الصغير" (١٩٥ و ٥٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩٨ و ١٣٩٩ و ١٤٠٠ و ١٤٠١ و ١٤٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٥ و ١١٢٦ و ١١٢٧ و ١١٢٨ و ١١٢٩ و ١١٣٠)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٤٥٨) و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
١ - (منها): بيان أن الأشياء التي تقطع الصلاة عند عدم السترة، وهي المرأة، والحمار، والكلب الأسود، وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء في ذلك في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): تأكيد الأمر باتّخاذ السترة؛ محافظةً على سلامة الصلاة من القطع.
٣ - (ومنها): الحثّ على ابتعاد المصلي عما يُخلّ بالخشوع في حال الصلاة.
٤ - (ومنها): التنفير عن الكلب الأسود؛ لكونه شيطانًا، ولذلك لمّا نُسخ قتل الكلاب لم يُنسخ قتلهُ، فقد أخرج الترمذيّ عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأُمَم لأمرت بقتلها كلِّها، فاقتلوا منها كلَّ أسود بهيم" (١).
قال الترمذيّ ﵀: حديث حسن صحيح، ويُرْوَى في بعض الحديث أن
стр. 6295
الكلب الأسود البهيم شيطان، والكلب الأسود البهيم الذي لا يكون فيه شيء من البياض، وقد كَرِه بعض أهل العلم صيدَ الكلب الأسود البهيم. انتهى.
٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب ﵀: لَمّا كان المصلي مشتغلًا بمناجاة اللَّه تعالى، وهو في غاية القرب منه، والخلوة به أُمِر بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصّة، والقرب الخاصّ، ولذلك شُرِعت السترة في الصلاة؛ خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجةً في هذه الحال، فيقطع بذلك موادّ الأُنس والقرب، فإن الشيطان رجيم مطرود مُبعَدٌ عن الحضرة الإلهيّة، فإذا تخلّل في محلّ القرب الخاصّ للمصلّي أوجب تخلّله بُعدًا وَقطعًا لموادّ الرحمة والقرب والأُنس.
فلهذا المعنى -واللَّه أعلم- خُصّت هذه الثلاثة بالاحتراز منها، وهي المرأة؛ فإن النساء حبائل الشيطان، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان، وإنما تَوَصَّل الشيطان إلى خروج آدم ﵇ من دار القرار بالنساء.
والكلب الأسود شيطان، كما نصّ عليه في الحديث، وكذلك الحمار، ولهذا يُستعاذ باللَّه عند سماع صوته؛ لأنه يرى الشيطان، فلهذا أمر النبيّ ﷺ المصلّي بالدنوّ من السترة؛ خشيةَ أن يَقطَع الشيطان عليه صلاته. انتهى المقصود من كلامه ﵀ (١)، وهو بحثٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): وردت أحاديث كثيرة بمعنى حديث أبي ذرّ ﵁ هذا:
(فمنها): ما أخرجه المصنّف، وأحمد، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب، ويَقِي ذلك مثلُ مؤخرة الرحل".
(ومنها): ما أخرجه أحمد، وابن ماجه بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار".
(ومنها): ما أخرجه البزّار بإسناد رجاله ثقات -كما قال العراقيّ- عن أنس ﵁: "يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة".
стр. 6296
(ومنها): ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ رفعه: "قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب"، وفي رواية ابن ماجه: "والكلب الأسود"، قال أبو داود: رفعه شعبة، ووقفه سعيد -يعني ابن أبي عروبة- وهشام الدستوائي، وهَمَّام بن يحيى على ابن عبّاس ﵄.
(ومنها): ما أخرجه أبو داود عن ابن عبّاس ﵄ أيضًا قال: أحسبه عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة، فإنه يقطع صلاته الكلب، والحمار، والخنزير، واليهوديّ، والمجوسيّ، والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قَذْفَة بحجر".
وصرّح أبو داود بأن زيادة الخنزير، والمجوسيّ، وعلى قَذْفة بحجر وَهَمٌ وَهِمَ فيه شيخه محمد بن إسماعيل بن سَمِينة، لتفرّده به.
لكن دعوى الوهم فيه نظر؛ لأنه له متابعًا كما بيّنته في "شرح النسائي" (١).
(ومنها): ما أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات، عن عائشة زوج النبيّ ﷺ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ، إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة"، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه لقد قُرِنّا بدواب سواء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم مرور هذه الأشياء بين يدي المصليّ:
ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى بطلان الصلاة بمرور المرأة، والحمار، والكلب الأسود.
وممن قال بهذا: أبو هريرة، وأنس، وابن عبّاس، في رواية عنه، وحُكي أيضًا عن أبي ذرّ، وابن عمر ﵃، وجاء عن ابن عمر أنه قال به في الكلب، وقال به الحكم بن عمرو الغفاريّ في الحمار.
وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة المذكورة: الحسن البصريّ، وأبو الأحوص، صاحب ابن مسعود، ومن الأئمة: أحمد بن حنبل فيما حكاه عنه
стр. 6297
ابن حزم، وحَكَى الترمذيّ عنه أنه يُخصّص بالكلب الأسود، ويتوقّف في الحمار والمرأة، قال ابن دقيق العيد: وهو أجود مما دلّ عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد بأنه لا يقطع المرأة والحمار.
وذهب أهل الظاهر أيضًا إلى قطع الصلاة بالثلاثة المذكورة إذا كان الكلب والحمار بين يديه، سواء كان الكلب والحمار مارًّا، أم غير مارّ، وصغيرًا، أم كبيرًا، حيًّا، أم ميتًا، وكون المرأة بين يدي الرجل مارّةً، أم غير مارّة، صغيرة، أم كبيرة، إلا أن تكون مضطجعةً معترضةً.
وذهب إلى أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض ابنُ عبّاس، وعطاء بن أبي رَبَاح، واستدلّا بحديث أبي داود، وابن ماجه المتقدّم.
وذهب مالك، والشافعيّ، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا يبطل الصلاة مرور شيء.
وقال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في هذا، فقال بعضهم: يقطع هؤلاء الصلاة.
وقال أحمد بن حنبل ﵀: يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء، ووجه قوله أن الكلب لم يجيء في الترخيص فيه شيءٌ، يعارض هذا الحديث، وأما المرأة ففيها حديث عائشة ﵂ المذكور بعد هذا، وفي الحمار حديث ابن عباس السابق.
وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجمهور العلماء، من السلف والخلف: لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء، ولا من غيرهم.
وتأول هؤلاء هذا الحديث على أن المراد بالقطع نقص الصلاة؛ لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، ومنهم مَن يَدَّعِي نسخه بالحديث الآخر: "لا يقطع صلاة المرء شيءٌ، وادرءوا ما استطعتم"، وهذا غير مرضيّ؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وتأويلها، وعَلِمْنا التاريخ، وليس هنا تاريخ، ولا يتعذر الجمع والتأويل، بل يتأول على ما ذكرناه، مع أن حديث: "لا يقطع صلاة المرء شيء"، ضعيف. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
стр. 6298
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح المذاهب وأقواها هو مذهب من قال: إنه يقطع الصلاة ويُبطلها مرور الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار؛ لظهور حجته، مع ضعف معارضها، وقد استوفيت -بحمد اللَّه تعالى- هذا البحث في "شرح النسائيّ"، فارجع إليه تزدد علمًا جمًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (١) وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَيْضًا، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَ بْنَ أَبِي الذَّيَّالِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا زَيادٌ الْبَكَّائِيُّ (٢)، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ، كَنَحْوِ حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة عشر:
١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) الأزديّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
٢ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد اللَّه الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٣ - (سَلْمَ (٣) بْنَ أَبِي الذَّيَّالِ) (٤) عَجْلان البصريّ، ثقةٌ قليل الحديث [٧].
رَوَى عن الحسن البصريّ، وحميد بن هلال العَدَويّ، وابن سيرين، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعن بعض أصحابه عنه.
стр. 6299
ورَوَى عنه معتمر بن سليمان، وقال: كان صاحب حديث، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وإسماعيل بن مسلم قاضي قيس.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ صالح الحديث، ما أصلح حديثه، ما سمعت أحدًا يحدث عنه غير معتمر، وقال عباس الدُّوريّ، عن أحمد بن حنبل: أحاديثه متقاربةٌ، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، قلت: رَوَى عنه معتمر؟ قال: نعم، وقال ابن المدينيّ: ما رأيت أحدًا يعرفه غير إسماعيل ابن عليّة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
ذَكَر الطبرانيّ أنه فُقِد، فلم يُرَ له أثرٌ وقد ذكرت كلامه في ذلك في ترجمة معاوية بن عبد الكريم الضال. قال ابن حبان في الثقات: كان متقنًا، وقال النسائيّ في "الجرح والتعديل": ليس به بأس، وقال الآجريّ، عن أبي داود: رَوَى عنه معتمر، وروى عنه إسماعيل قاضي قيس، قال الآجريّ: وقيس مدينة في البطائح، وقال أبو بكر البزار في "مسنده": لم يُسنِد إلا خمسة أحاديث، أو ستة، وقال ابن خَلْفُون في "ثقاته": اسم أبي الذّيَّال عَجْلان.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنيُّ) أبو يعقوب البصريّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن حماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعثمان بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ، وشيبان بن حبيب، وزيد البكائيّ، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وابن أبي عاصم، والعمريّ، وزكرياء الساجيّ، وعبدان الأهوازيّ، وإسحاق بن إبراهيم الْمَنْجَنِيقيّ، ومحمد بن جرير الطبريّ، والقاسم بن زكريا المطَرِّزُ، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو بكر البزار: ثقةٌ، وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس وأربعين ومائتين.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٥١٠) و (١٢٨٣) و (١٧٧٤) و (٢٣٥٩) و (٢٨٧٥).
стр. 6300
[تنبيه]: قوله: "الْمَعْنيّ" -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، ثم نون-: نسبة إلى مَعْن بن مالك بن فَهْم بن غَنْم بن دَوْس بن عدنان بن عبد اللَّه بن زاهر بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللَّه بن مالك بن نضر بن الأزد، بطن من الأزد، قاله في "اللباب" (١).
٥ - (زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ) هو: زياد بن عبد اللَّه بن الطُّفَيل العامريّ البكائيّ -بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف- أبو محمد، ويقال: أبو يزيد الكوفيّ، صدوقٌ ثبتٌ في المغازي [٨].
رَوَى عن عبد الملك بن عُمير، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، والأعمش، ومنصور، ومحمد بن إسحاق، ويزيد بن أبي زياد، وجماعة.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وأحمد بن عبدة الضّبّيّ، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وسهل بن عثمان، ويوسف بن حماد، وعمرو بن زرارة، وعبد الملك بن هشام السَّدُوسي النحويّ صاحب السيرة، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبان الأمويّ، وهو من أقرانه، وغيرهم.
قال وكيع: وهو أشرف من أن يَكْذِب، وقال أحمد: ليس به بأس، حديثه حديث أهل الصدق، وقال أيضًا: كان ابن إدريس حسن الرأي فيه، وقال مرةً: كان صدوقًا، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء، وكان عندي في المغازي لا بأس به، وقال أبو داود، عن ابن معين: زياد البكائي في ابن إسحاق ثقةٌ، كانه يُضَعِّفه في غيره، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: لا بأس به في المغازي، وأما في غيره فلا، وسألته عن من أكتب المغازي، ممن يروي عن يونس بن بكير أو غيره؟ قال: اكتب عن أصحاب البكائيّ، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن معين: كان ضعيفًا، وقال عبد اللَّه بن عليّ ابن المدينيّ: سألت أبي عنه؟ فضعَّفه، وقال في موضع آخر: كتبت عنه شيئًا كثيرًا، وتركته، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال في موضع آخر: ليس بالقويّ، وقال يحيى بن آدم، عن ابن إدريس: ما أحدٌ أثبت في ابن إسحاق
стр. 6301
منه؛ لأنه أملى عليه إملاءً مرتين، وقال صالح بن محمد: ليس كتاب المغازي عند أحد أصحّ منه عند زياد، وزياد في نفسه ضعيف، ولكن هو من أثبت الناس في هذا الكتاب، وذلك أنه باع داره، وخرج يدور مع ابن إسحاق، حتى سَمِع منه الكتاب، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان صدوقًا، وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ، كثير الوهم، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وكان ابن معين سيئ الرأي فيه.
وقال ابن عديّ: ولزياد أحاديث صالحةٌ، وقد رَوَى عنه الثقات من الناس، وما أرى برواياته بأسًا.
قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، وكان ضعيفًا، وقد حدثوا عنه، وكذا أَرَّخه البخاريّ، وغيره، وأرخه ابن قانع سنة اثنتين وثمانين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥١٠) و (١٠٨٠) و (١٢٨٣)، وروى له البخاريّ حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره، حديث أنس: "غاب عمي أنس بن النضر عن بدر".
[تنبيه]: قال في "تهذيب التهذيب": وقع في "جامع الترمذي" في "النكاح: عن البخاريّ عن محمد بن عقبة، عن وكيع، قال: زياد مع شَرَفه يكذب في الحديث، والذي في "تاريخ البخاريّ" عن ابن عقبة، عن وكيع: زياد أشرف من أن يَكْذِب في الحديث، وكذا ساقه الحاكم أبو أحمد في "الكنى" بإسناده إلى وكيع، وهو الصواب، ولعله سقط من رواية الترمذي "لا"، وكان فيه: "مع شرفه لا يكذب في الحديث"، فتتفق مع الروايات، واللَّه أعلم. انتهى (١).
[تنبيه آخر]: البكّائي -بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف-: نسبة إلى البكّاء، وهو: ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقيل: هو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهم من بني عامر بن صعصة، قاله في "اللباب" (٢).
стр. 6302
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو الصحيح في ضبط البكائيّ بياء النسبة، وأما ما وقع في بعض نسخ "صحيح مسلم" من "البكّاء" بدون ياء النسبة، فغلط؛ لأن ذلك وصف لمن عُرف بكثرة البكاء، وهم جماعة، وليس زياد هذا منهم، وإنما هو إلى جدّ ربيعة بن عامر، وهو الذي يوصف بالبكّاء، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (قَالَ (ح)) فاعل "قال" في المواضع الأربعة ضمير المصنّف، وهو مُلْحَق من الراوة عنه.
وقوله: (كُلُّ هَوُلَاءِ) يعني أن الخمسة: سليمان بن المغيرة، وشعبة، وجرير بن حازم، وسلم بن أبي الذّيّال، وعاصمًا الأحول، رووه عن حميد بن هلال، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ ﵁.
[تنبيه]: أما رواية سليمان بن المغيرة، فقد ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٠٨٧٠) حدّثنا بَهْز، حدّثنا سليمان بن المغيرة، حدّثنا حُميد، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ قال: يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثلُ آخرة الرَّحْل المرأة، والحمار، والكلب الأسود، قال: قلت لأبي ذرّ: ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول اللَّه ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وأما رواية شعبة، فقد ساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(٩٥٢) حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ، عن النبيّ ﷺ قال: "يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي الرجل مثل مؤخرة الرحل المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، قال: قلت: ما بال الأسود من الأحمر؟ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وأما رواية جرير بن حازم، وسَلْم بن أبي الذيّال، وعاصم الأحول، فلم
стр. 6303
أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٤] (٥١١) - (وَحَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ (٢)، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٢ - (الْمَخْزُومِيُّ) المغيرة بن سلمة، أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ) العامريّ، مقبول [٦] (م د س ق) تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٢.
[تنبيه]: هكذا معظم نسخ "صحيح مسلم": "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه" مصغّر الاسم الأول، وهو الذي في "تحفة الأشراف"، وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أن في بعض النسخ يوجد: "حدّثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه" مكبّرًا، وهذا هو الذي وقع في مستخرجي أبي عوانة، وأبي نعيم، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه أخوان والأول أكبر، وكلاهما يرويان عن عمهما يزيد بن الأصمّ، ويروي عنهما عبد الواحد بن زياد.
ولم يرمز في "التهذيبين" في ترجمة عبد اللَّه المكبّر إلا لمسلم وحده،
стр. 6304
وأما عبيد اللَّه فرمز فيه لمسلم، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، أو خمسة.
ثم رأيت الحافظ المزيّ قال في "تحفة الأشراف" (١٥/ ١٦٥): روى له مسلم حديثًا واحدًا فيما يقطع الصلاة، ثم أورد هذا الحديث بسنده، ونقل كلامه الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٦٦)، ولم يتعقّبه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يَحْتَمِل أن يكون الحديث مرويًّا عنهما جميعًا، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد البكّائيّ، أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ﵂، ثقة [٣] (١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: ("يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ) بتذكير الفعل، وهو جائز؛ للفصل بالمفعول، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يُبِيحُ الْفَصْلُ تَرْكَ التَّاءِ فِي … نَحْوِ "أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ"
وقوله: (وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ") أي يحفظ الصلاة من قطعها سترةٌ تكون مثل مؤخر الرحل، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١١٤٤] (٥١١)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٥٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٧٩٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٧)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 6305
(٥٣) - (بَابٌ فِي أَنَّ اعْتِرَاضَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٥] (٥١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم قريبًا.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم تقدّم قريبًا.
٦ - (عُرْوَةُ) بن الزبير تقدّم قريبًا.
٧ - (عَائِشَةُ) ﵂ تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، والمكثرين السبعة عائشة ﵂.