آتاهُ رَبُّهُ جَوَامِعَ الكَلِمْ … قَرينُهُ أيسْلَمَ فَهْوَ قَدْ سَلِمْ
صُفُوفُهُ وَالأمَّةِ المُبَارَكَهْ … كَصَفِّ عنْدَ رَبِّهَا المَلائكَهْ
وَلا يَحلُّ الرَّفْعُ فَوْقَ صَوْتِهِ … وَلا يُنَادَى باسْمِهِ بَلْ نَعْتِهِ
خُوطِبَ فِي الصَّلاةِ بالسَّلامِ … عَلَيْكَ دُونَ سَائِرِ الأنَامِ
وَمَنْ دَعَاهُ فِي الصَّلاة وَجَبَتْ … إِجَابَةٌ لَهُ وَفَرْضُهُ ثَبَتْ
وَبَوْلُهُ وَدَمُهُ إذْ أُتِيَا … تَبَرُّكًا مِنْ شَارِبٍ مَا نُهِيَا
يَقْبَلُ مَا يُهْدَى لَهُ فَحِلُّ … دُونَ الوُلاةِ فَهْوَ لا يَحِلُّ
فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ … صَلَّاهُمَا وَدَامَ بَعْدَ العَصْرِ
وَمَا لَنَا دَوَامُ ذَا بَلْ يَمْتَنِعْ … وَمَا سِوَى سَبَبِهِ فَمُنْقَطِعْ
وَنَسَب يَوْمَ القيَامَة وَمَنْ … رَآه نَوْمًا فَهْوَ قَدْ رَآه لَنْ
يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ مِنْ تَمَثُّلِ … بِصُورَةِ النَّبيِّ أوْ تَخَيُّلِ
وَكَذبٌ عَلَيْه لَيْسَ كَكَذِبْ … عَلَى سِوَاهُ فَهْوَ أكْبَرُ الكَذِبْ
انتهى كلام الحافظ العراقيّ ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٩] (. . .) - (حَدَثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ، أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، فَذَكرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
كلّهم تقدّموا في السند الماضي، إلا شيخه، فتقدّم في أول الباب، وإنما أعاد السند هذا لبيان الاتّصال بالتحديث والإخبار، فقد صرّحوا بذلك، فزال بذلك تهمة التدليس عن هُشيم، وقد مرّ بيان هذا في الحديث الماضي.
وقوله: (فَذَكرَ نَحْوَهُ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير أبي بكر بن أبي شيبة، يعني أنه ذكر نحو حديث يحيى بن يحيى شيخه الماضي.
стр. 6407
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة هذه ساقها هو في "مصنّفه" (٦/ ٣٠٣) فقال:
(٣١٦٤٢) حدّثنا هشيم، أخبرنا سيّار، أخبرنا يزيد الفقير، أخبرنا جابر بن عبد اللَّه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أُعطيت خمسًا، لم يعطهن أحدٌ قبلي: نُصِرت بالرُّعْب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأُحِلَت لي الغنائم، ولم تَحَلَّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يُبعَث إلى قومه خاصّةً، وبُعِثت إلى الناس عامّة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٠] (٥٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ"، وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل) بن غَزْوَان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٣ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِي) سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٤ - (رِبْعِي) بن حِرَاش العبسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، أو حِسْل الْعَبْسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٥٧.
стр. 6408
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذي، وأبو مالك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، ومن السابقين الأولين، وفي "صحيح مسلم" أنه ﷺ أعلمه بما كان وبما يكون إلى قيام الساعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فُضِّلْنَا) بالبناء للمفعول، أي فضّلنا اللَّه تعالى (عَلَى النَّاسِ) أي على سائر الأمم (بِثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال، وإنما ذكّر العدد؛ لما سبق غير مرّة أن قاعدة تأنيث العدد مع المذكّر، وتذكيرها مع المؤنّث إنما يجب إذا وقع المعدود تمييزًا، وأما إذا حُذف كهذا الحديث، وكحديث: "من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوّال"، أو قُدّم، كرجل خمسة فيجوز الوجهان. (جُعِلَتْ صُفُوفُنَا) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة، وهذه إحدى الخصال الثلاث (كصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) وقد تقدّم تفسير صفوف الملائكة في حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: فقال: "ألا تَصُفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟ "، فقلنا: يا رسول اللَّه، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يُتِمُّون الصفوف الأول، ويتراصون في الصّفّ".
(وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا) بضمّ، فسكون: لغة في التراب (لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ") فيه بيان أن التيمّم لا يجوز إلا عند فقد الماء، ومثله تعذّر استعماله؛ لمرض، أو غيره (وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى) الظاهر أن قائل "ذَكَرَ" هو محمد بن فُضيل، وفاعله ضمير أبي مالك، يعني أن أبا مالك الأشجعي ذَكر في روايته خصلة أخرى ثالثة، نسيتها الآن.
стр. 6409
[تنبيه]: قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: المذكور هنا خصلتان فقط؛ لأن قضيّة الأرض في كونها مسجدًا وطَهُورًا خصلة واحدة، وأما الثالثة فمحذوفة في رواية المصنّف هنا، وذكرها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٢٧٤٠) حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن ربعيّ بن حِرَاشٍ، عن حُذيفة، قال: فُضِّلت هذه الأمة على سائر الأمم بثلاث: جُعِلت لها الأرض طَهُورًا ومسجدًا، وجُعلت صفوفها على صفوف الملائكة، قال: كان النبيّ ﷺ يقول ذا: "وأعطيت هذه الآيات من آخر البقرة، من كنز تحت العرش، لم يُعطَها نبيّ قبلي"، قال أبو معاوية: كلُّه عن النبيّ ﷺ . انتهى.
وساقها أيضًا الإمام النسائيّ في "السنن الكبرى" (٥/ ١٥)، فقال:
(٨٠٢٢) أخبرنا عمرو بن منصور، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن رِبْعِيّ بن حِرَاشٍ، عن حُذيفة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت الأرض كلها لنا مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طُهورًا، وجُعِلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأُوتيت هؤلاء الآيات، آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَ أحدٌ منه قبلي، ولا يُعْطى منه أحد بعدي". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٧٠١ و ١١٧١] (٥٢٢)، و (النسائيّ) في "السنن الكبرى" (٥/ ١٥) رقم (٨٠٢٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤١٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٤٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٣ و ٢٦٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٩٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٧٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢١٣ و ٢٢٣)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6410
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ ابْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم في هذا الباب.
٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ": هو أبو مالك الأشجعي المذكور هناك.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث محمد بن فُضيل، يعني أن حديث يحيى بن أبي زائدة، عن سعد بن طارق، وهو أبو مالك الأشجعيّ، مثل حديث محمد بن فضيل عنه.
[تنبيه]: حديث يحيى بن أبي زائدة لم أجد من ساقه، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٢] (٥٢٣) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِي بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ").
стр. 6411
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتيبَة بْن سَعِيدٍ) تقدم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقىّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الحرقيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) ٨/ ١٣٤ تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وعليّ بن حجر تقدّم في هذا الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن قوله: "وهو ابن جعفر" أشار به إلى أن ذكر أبيه ليس من الرواية، وإنما زاده هو للإيضاح، ففصل بين ما سمعه من شيخه، وبين ما زاده هو.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بَغْلانيّ، والثالث مروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعي: العلاء، عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فُضِّلْتُ) بالبناء للمفعول، أي فضّلني اللَّه تعالى (عَلَى الأَنْبِيَاءِ) عليهم الصلاة والسلام (بِسِتٍّ) أي بستّ خصال، وتقدّم في الحديث الماضي وجه تذكير العدد، فلا تغفل (أُعْطِيتُ
стр. 6412
جَوَامِعَ الْكَلِمِ) وفي الرواية التالية: "بُعِثتُ بجوامع الكلم"، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الكلم الجوامع، وهو جمع جامعة، كما قال في "الخلاصة":
فَوَاعِلٌ لِفَوْعَلٍ وَفَاعَلِ … وَفَاعِلَاءَ مَعَ نَحْوِ كَاهِلِ
وَحَائِضٍ وَصَاهِل وَفَاعِلَهْ … وَشَذَّ فِي الْفَارِسِ مَعْ مَا مَاثَلَهْ
وقال ابن الأثير ﵀: "جوامع الكلم" يعني به القرآن، جمع اللَّه تعالى بلطفه في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرةً، واحدها جامعة، أي كلمة جامعة، ومنه الحديث في صفته ﷺ : "كان يتكلّم بجوامع الكلم" أي أنه كان كثير المعاني، قليل اللفظ، ومنه حديث: "كان يستحبّ الجوامع من الدعاء"، هي التي تجمع الأغراض الصالحة، والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على اللَّه تعالى، وآداب المسألة. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأصحّ أن جوامع الكلم لا يختصّ بالقرآن، بل هو موجود في كلامه ﷺ ، فمِمّا ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور: ٥٢]، إلى غير ذلك.
ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبويّة حديث عائشة ﵂: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، وحديث: "كلّ شرط ليس في كتاب اللَّه، فهو باطل"، متّفق عليهما، وحديث أبي هريرة ﵁: "وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم"، متفق عليه، وحديث المقدام ﵁: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه. . . " الحديث، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبّع.
وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تَتَصَرّف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تَقِلّ مخارج الحديث، وشّفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أن تتّفق ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى
стр. 6413
بحسب ما يظهر لأحدهم أنه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلّق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدّث بالمعنى لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه أنه لم يُوَفّ بالمعنى. قاله في "الفتح" (١).
(وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ) أي الخوف الذي يقذفه اللَّه تعالى في قلوب أعدائه (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ) هو بمعنى الرواية السابقة: "وبُعثت إلى كلّ أحمر وأسود"، والرواية الأخرى: "بُعِثت إلى الناس"، وبمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [سبأ: ٢٨]، وقوله: (كَافَّةً) أي جميعًا.
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: يقول تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين، كقوله ﵎: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: أي تبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار.
قال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ يعني إلى الناس عامّة، وقال قتادة في هذه الآية: أرسل اللَّه تعالى محمدًا ﷺ إلى العرب والعجم، فأكرمُهم على اللَّه ﵎ أطْوَعُهم للَّه . انتهى (٢).
[فائدة]: قال في "اللسان": الكافّة: الجماعةُ، وقيل: الجماعة من الناس، يقال: لقيتهم كافةً، أي كلهم، وقال أبو إسحاق في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ قال: "كافّة" بمعنى الجميع والإحاطة، فيجوز أن يكون معناه: ادخلوا في السلم كله، أي في جميع شرائعه، ومعنى "كافة" في اشتقاق اللغة: ما يَكُفُّ الشيءَ في آخره، من ذلك كُفّة القميص، وهي حاشيته، وكلُّ مستطيل فحَرْفُهُ كُفّةٌ -بالضمّ- وكلُّ مستدير كِفّة -بالكسر- نحو كِفّة الميزان. انتهى (٣).
стр. 6414
وقال الفيّوميّ ﵀: وجاء الناسُ كافّة، قيل: منصوب على الحال، نصبًا لازمًا، لا يُسْتَعْمل إلا كذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [سبأ: ٢٨]، أي إلا للناس جميعًا، وقال الفراء في "كتاب معاني القرآن": نُصِبت؛ لأنها في مذهب المصدر، ولذلك لم تُدْخِل العرب فيها الألف واللام؛ لأنها آخرٌ لكلام، مع معنى المصدر، وهي في مذهب قولك: قاموا معًا، وقاموا جميعًا، فلا يُدخلون الألف واللام على "معًا"، و"جميعًا"، إذا كانت بمعناها أيضًا، وقال الأزهريّ أيضًا: "كافّةً" منصوب على الحال، وهو مصدر على فَاعِلَةٍ، كالعافية، والعاقبة، ولا يُجْمَع، كما لو قلت: قاتلوا المشركين عامّةً، أو خاصّةً، لا يُثَنَّى ذلك، ولا يُجْمَع. انتهى (١).
وقوله: (وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ") فعلٌ ونائب فاعله، وزاد في رواية أحمد: "مثلي ومثل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كمثل رجل بَنَى قصرًا، فأكمل بناءه، وأحسن بُنيانه، إلا موضع لَبِنَةٍ، فنظر الناسُ إلى القصر، فقالوا: ما أحسن بنيان هذا القصر، لو تَمّت هذه اللَّبِنَة، ألا فكنت أنا اللبنةَ، ألا فكنت أنا اللبنة".
وهذا الحديث بمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٧٢] (٥٢٣)، و (الترمذيّ) في "السير" (٤/ ١٢٣)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١١ - ٤١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٧٠ و ١١٧١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٣ و ١١٥٤)، و (البيهقيّ)
стр. 6415
في "الكبرى" (٢/ ٤٣٣ و ٩/ ٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٦١٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الأرض كلّها مسجدًا وطَهُورًا.
٢ - (ومنها): بيان ما منّ اللَّه على نبيّه ﷺ بإعطائه جوامع الكلم، والمراد القرآن، ففي ألفاظه اليسيرة توجد معانٍ كثيرة، وكذلك كان كلامه ﷺ ودعاؤه بجوامع الكلم.
٣ - (ومنها): نصره ﷺ بقذف المهابة والخوف والرعب في قلوب أعدائه، فلا يسمع أحد منهم به إلا امتلأ قلبه خوفًا وفزعًا.
٤ - (ومنها): حلّ الغنائم له، ولأمته بعد أن كانت محرّمة على الأمم السابقة.
٥ - (ومنها): عموم رسالته ﷺ جميع الثقلين، بخلاف الأنبياء قبله، فكانوا يبعثون إلى قومهم.
٦ - (ومنها): ما منّ اللَّه على هذه الأمة بختمه ﷺ للنبوة، فلا نبيّ بعد، ولا رسول من باب أولى، فكلّ من ادّعى ذلك فإنه أفّاك أثيم مجرم من أصحاب الجحيم، فهذا الحديث بمعنى قوله : ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ في تفسير هذه الآية بعد كلامه في لغات الخاتم ما نصّه: قال ابن عطية: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفًا وسلفًا مُتَلَقّاة على العموم التامّ مُقْتضية نصًّا أنه لا نبيّ بعده ﷺ ، وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى بـ "الهداية" من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف -بل باطل- وما ذكره الغزاليّ في هذه الآية، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بـ "الاقتصاد" إلحاد عندي، وتطرُّق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد ﷺ النبوة، فالحذَرَ الحذَرَ منه، واللَّه الهادي برحمته. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١) بزيادة، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6416
وقال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ كقوله : ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ فهذه الآية نصّ في أنه لا نبي بعده ﷺ ، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخصّ من مقام النبوة، فإن كل رسول نبيّ ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول اللَّه ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃.
أخرج الإمام أحمد في "مسنده" من طريق عبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، عن الطفيل بن أُبَيّ بن كعب، عن أبيه ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "مثلي في النبيين، كمثل رجل بنى دارًا، فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان، ويَعْجَبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة"، ورواه الترمذيّ، وقال: حسن صحيح.
وأخرج أحمد أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبيّ"، قال: فشقّ ذلك على الناس، فقال: "ولكن المبشرات"، قالوا: يا رسول اللَّه، وما المبشرات؟ قال: "رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة"، وهكذا رواه الترمذيّ، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فُلْفَل. وأخرج الشيخان عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بَنَى دارًا، فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فكان من دخلها، فنظر إليها، قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة، جئتُ، فختمتُ الأنبياء"، لفظ مسلم.
وأخرجا أيضًا: عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن لي أسماء، أنا محمدٌ، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يَمحُو اللَّه تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمَيّ، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبيٌّ".
وأخرج أحمد من طريق ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هُبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول: خرج علينا
стр. 6417
رسول اللَّه ﷺ يومًا كالمودِّع، فقال: "أنا محمد النبي الأميّ -ثلاثًا- ولا نبيّ بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعُلِّمت كم خزنة النار، وحملة العرش، وتُجُوز بي، وعوفيت، وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا، ما دمت فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب اللَّه تعالى، أَحِلّوا حلاله، وحَرِّموا حرامه"، تفرد به الإمام أحمد، وفيه سنده ابن لهيعة، والكلام فيه مشهور.
ثم قال ابن كثير ﵀: والأحاديث في هذا كثيرة، فمِن رحمة اللَّه تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم خَتْمُ الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر اللَّه ﵎ في كتابه، ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه، أنه لا نبيّ بعده؛ ليعلموا أن كُلَّ مَن ادَّعَى هذا المقام بعده، فهو كذّاب أفّاك دجّال ضالّ مضلّ، ولو تَخَرَّق، وشَعْبَذ، وأَتَى بانواع السحر والطلاسم والنَّيرجيّات، فكلها مُحَالٌ وضلالٌ عند أولي الألباب، كما أجرى اللَّه على يد الأسود العنسيّ باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة، والأقوال الباردة، ما عَلِمَ كلُّ ذي لُبّ وفَهْمٍ وحِجًى أنهما كاذبان ضالان، لعنهما اللَّه، وكذلك كلُّ مُدَّع لذلك إلى يوم القيامة، حتى يُخْتَمُوا بالمسيح الدجال، فكلُّ واحد من هؤلاء الكذابين يَخْلُق اللَّه تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف اللَّه تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، إلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] الآية، وهذا بخلاف حال الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فإنهم في غاية البرّ والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه، ويأمرون به، وينهون عنه، مع ما يُؤَيَّدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات، فصلوات اللَّه وسلامه عليهم دائمًا مستمرًّا، ما دامت الأرض والسموات. انتهى كلام ابن كثير باختصار (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ
стр. 6418
أنيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيح خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيَّ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التُّجيبيّ بن حرملة بن عمران، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابد فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الثقة الحافظ المتقن المتّفق على جلالته، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب الخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والصحابي تقدّم قبله.
стр. 6419
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: الزهري، عن سعيد.
٥ - (ومنها): أن سعيدًا من الفقهاء السبعة، وأن أبا هريرة ﵁ من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ) أي الكلم الجوامع، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والجوامع جمع جامعة، قيل: يعني القرآن، جمع اللَّه تعالى في ألفاظ يسيرة منه معاني كثيرة، وكذلك كان ﷺ يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معاني كثيرة.
وفي "صحيح البخاري": قال محمد (١): "وبلغني أن جوامع الكلم أن اللَّه يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، أو نحو ذلك". انتهى. وهذا التفسير منقول عن الزهريّ ﵀ تعالى، كما بيّنه في "الفتح" (٢)، قال: وحاصله أنه ﷺ كان يتكلّم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني، وجزم غير الزهريّ بأن المراد بـ "جوامع الكلم" القرآن بقرينة قوله: "بُعثت"، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ، واتساع المعاني. انتهى (٣)، وقد سبق البحث مستوفًى في الحديث الماضي.
(وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِالرُّعْبِ) بضمّ، فسكون: أي الخوف (وَبَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تقدّم
стр. 6420
البحث فيها مستوفًى قريبًا. (أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ) من الإتيان ثلاثيًّا، وفي بعض نسخ البخاريّ: "أوتيت" بالواو بعد الهمزة، من الإيتاء رباعيًّا، وهو الإعطاء، فعلى هذا تكون الباء زائدةً في قوله: (بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ) المراد منها: ما يُفتَحُ لأمته من بعده من الفتوح، وقيل: المعادن، وقال الخطابيّ: المراد بخزائن الأرض: ما فُتِح على الأمة من الغنائم، من ذخائر كسرى، وقيصر، وغيرهما، ويَحْتَمِل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضّة، وقال غيره: بل يُحْمَل على أعمّ من ذلك. انتهى (١).
(فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيَّ") وفي رواية البخاريّ: "في يدي"، وفي رواية: "في كفّي"، ثم يحتمل أن يكون مفردًا مضافًا إلى ياء المتكلّم، فتكون الدال، أو الفاء مكسورة، ويحتمل أن يكون مثنّى، مضافًا إليها أيضًا، فتكون مفتوحةً، على قاعدة المثنّى المضاف إلى ياء المتكلّم، ولا تخالف بين المعنيين؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، فيكون بمعنى المثنّى، واللَّه تعالى أعلم.
قال القرطبيّ ﵀: هذه الرؤيا أوحى اللَّه فيها لنبيّه ﷺ أن أمته ستملك الأرض، ويتّسع سلطانها، ويَظْهر دينها، ثم إنه وقع ذلك كذلك، فملكت أمته من الأرض ما لم تملكه أمة من الأمم فيما عَلِمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوّته ﷺ ، ووجه مناسبة هذه الرؤيا أن مَن مَلَك مفتاح الْمُغْلَق، فقد تمكّن من فتحه، ومن الاستيلاء على ما فيه. انتهى (٢).
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، وهو موصول بالسند المذكور أوّلًا (فَذَهَبَ) أي مات (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وهو: بمثناة، ثم نون ساكنة، ثم مثناة، بوزن تَفْتَعِلُونها، يعني تستخرجون ما فيها من خزائن الأرض، وما فُتح على المسلمين من الدنيا، وتنتفعون بها.
وقال في "الفتح": ولبعضهم بحذف المثناة الثانية، من النَّثل -بفتح النون، وسكون المثلّثة- وهو الاستخراج، يقال: نَثَلَ كنانته -أي من باب
стр. 6421
ضرب-: استخرج ما فيها من السِّهام، وجِرابَه: نَفَضَ ما فيه، والبئرَ: أخرج ترابها، فمعنى تنتثلونها: تستخرجون ما فيها، وتتمتّعون به.
قال ابن التين، عن الداوديّ: هذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وقال النوويّ: يعني ما فُتح على المسلمين من الدنيا، وهو يَشْمَل الغنائم، والكنوز، وعلى الأول اقتصر الأكثر، ووقع عند بعض رُواة مسلم بالميم بدل النون الأولى، وهو تحريف. انتهى.
[تنبيه]: وقع في رواية للبخاري في "كتاب الاعتصام" من "صحيحه" ما نصّهّ: "قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه ﷺ ، وأنتم تَلْغَثُونها، أو تَرْغَثُونها، أو كلمة تشبهها".
قال في "الفتح": فالأولى بلام ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة، ثم مثلّثة، والثانية مثلها، لكن بدل اللام راء، وهي من الرَّغْث، كناية عن سَعَة العيش، وأصله من رَغَثَ الْجَدْيُ أمه: إذا ارتضع منها، وأرغثته هي: أرضعته، ومن ثمّ قيل: رُغُوث، وأما باللام، فقيل: إنه لغة فيها، وقيل: تصحيف، وقيل: مأخوذة من اللَّغِيث بوزن عَظِيم، وهو الطعام المخلوط بالشعير، ذكره صاحب "المحكم" عن ثعلب، والمراد يأكلونها كيما اتفق، وفيه بُعد.
وقال ابن بطّال: وأما اللغث باللام، فلم أجده فيما تصفّحتُ من اللغة. انتهى.
قال الحافظ: ووجدت في حاشيةٍ من كتابه: هما لغتان صحيحان فصيحتان، معناهما الأكل بالنَّهَم، وأفاد الشيخ مغلطاي عن كتاب "المنتهى" لأبي المعالي اللغويّ: لغث طعاَمه، ولعث -بالغين، والعين، أي المعجمة، والمهملة-: إذا فرّقه، قال: واللَّغِيث ما يبقى في الكيل من الْحَبّ، فعلى هذا فالمعنى: وأنتم تأخذون المال، فتفرّقونه بعد أن تحوزوه، واستعار للمال ما للطعام؛ لأن الطعام أهمّ ما يُقْتَنَى لأجله المالُ، وزعم أن في بعض نسخ "الصحيح": وأنتم تلعقونها -بمهملة، ثم قاف- قال الحافظ: وهو تصحيف، ولو كان له بعض اتِّجَاه. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6422
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١١٧٣ و ١١٧٤ و ١١٧٥ و ١١٧٦ و ١١٧٧]، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٧٧)، و"التعبير" (٦٩٩٨ و ٧٠١٣)، و"الاعتصام" (٧٢٧٣)، و (الترمذيّ) في "السير" (١٥٥٣)، و (النسائيّ) في "الجهاد" (١/ ٣٠٨٨ و ٣٠٨٩)، وفي "الكبرى" فيه (١/ ٤٢٩٤ و ٤٢٩٥ و ٤٢٩٦ و ٤٢٩٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٤٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و ٢٦٨ و ٤٥٥ و ٥٠١ و ٥٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٦٣ و ٦٤٠١ و ٦٤٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٨)، وفي "دلائل النبوّة" (٥/ ٤٧٠ و ٤٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٧٠ و ١١٧١ و ١١٧٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٤ و ١١٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما خصّ اللَّه نبيّه ﷺ بجوامع الكلم، حيث كان يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معان كثيرة.
٢ - (ومنها): ما خصّه أيضًا من النصر على أعدائه بإلقاء الرعب في قلوبهم من مسافة بعيدة، فينهزمون بمجرّد سماعهم بقصده غزوهم.
٣ - (ومنها): ما أنعم اللَّه تعالى به عليه، من اتساع دينه، وانتشار أمته على مشارق الأرض ومغاربها.
٤ - (ومنها): أنه ﷺ خرج من الدنيا، ولم يتناول من زخارفها شيئًا، إلا قدر الحاجة، مع أن اللَّه تعالى جعل في يده مفاتيح خزائن الأرض، بل كان ذلك لأمته بعده ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[١١٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ).
стр. 6423
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَليدِ) بن ميمون الأعور، أبو أحمد المؤدِّب الشاميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن محمد بن حَرْب الأَبْرَش، ومحمد بن سلمة، وأبي حَيْوة شُريح بن يزيد الحمصيّ، ومبشر بن إسماعيل، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وروى له أبو داود في "مسند مالك" بواسطة الذُّهْليّ، وروى عنه أيضًا يحيى بن أكثم، ويعقوب بن شيبة، وجعفر بن محمد بن شاكر، وابن أبي الدنيا، وموسى بن هارون، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن معين: تَرَى أن أكتب عنه؟ فقال: ما أعرفه، وهو صحيح الحديث، وأنت أعَلم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان راويًا للشاميين، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال ابن سعد وغيره: مات في رمضان سنة (٢٢٨).
تفرّد به المصنّف، وأخرج له أبو داود في "مسند مالك"، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٥٢٣) و (٩٠٢) و (٢٢٣٣) و (٢٢٦٩)(٢٥٥٩) و (٢٥٦٠) و (٢٦٠٩) و (٢٦٥٨).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانيّ الْحِمصيّ المعروف بالأبرش -بالمعجمة- كاتب محمد بن الوليد الزبيدي، ثقة [١٠].
رَوَى عن الأوزاعي، وابن جريج، ومحمد بن زياد الألهاني، وعمر بن رؤبة التغلبي، وسعيد بن سنان، وعبيد اللَّه بن عمر العمري، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو مسهر، وخالد بن خَلِيّ، وحيوة بن شريح، ومحمد بن وهب بن عطية، وإبراهيم بن موسى الرازي، وهارون الحمال، وحاجب بن الوليد، وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وآخرون.
قال ابن سعد: ولي قضاء دمشق، وقال الْمَرُّوذي عن أحمد: ليس به بأس، وقدّمه على بقية. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فبقية كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو محمد بن حرب؟ قال: ثقة ثقة. قال عثمان: وهو الأبرش الحمصي ثقة. وقال العجلي، ومحمد بن عوف،
стр. 6424
والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال خُشنام بن الصديق: ثنا محمد بن حرب الخولاني، وكان من خيار الناس.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٩٢)، وقال يزيد بن عبد ربه، وعمرو بن عثمان: مات سنة أربع وتسعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٣ - (الزُّبَيْدِيُّ) محمد بن الوليد بن عامر الزُّبَيديّ -بالزاي، والموحّدة، مصغّرًا- أبو الْهُذَيل الحمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧].
رَوَى عن الزهريّ وسعيد المقبريّ، وعبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، ونافع مولى ابن عمر، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وسُليم بن عامر، وعمرو بن شعيب، ومكحول، وهشام بن عروة، ويزيد بن شُريح الحضرميّ، ويونس بن سيف، وغيرهم.
وروى عنه الأوزاعيّ، وشعيب بن أبي حمزة، وهو من أقرانه، وأخوه أبو بكر بن الوليد، ويحيى بن حمزة الحضرميّ، وعبد اللَّه بن سالم الأشعريّ، وإسماعيل بن عياش، ومحمد بن حرب الْخَوْلانيّ، وبَقِيّة، وآخرون.
قال إبراهيم بن الجنيد: سئل ابن معين: مَن أثبت مَن روى عن الزهريّ؟ فقال: مالك، ثم معمر، ثم عُقيل، ثم يونس، ثم شعيب، والأوزاعيّ، والزُّبيديّ، وابن عيينة، وكل هؤلاء ثقات، والزُّبيدي أثبت من ابن عيينة، وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعيّ يُفَضِّل محمد بن الوليد على جميع من سمع من الزهريّ، وقال عبد اللَّه بن سالم: حدثني أخي محمد بن سالم قال: أتيت الزهري أقرأ عليه، فقال: تسألني وهذا محمد بن الوليد بين أظهركم، وقد حَوَى ما بين جنبي من العلم، وقال بَقِيَّة عن الزبيديّ: أقمت مع الزهريّ عشر سنين، وقال علي ابن المدينيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال العجليّ، وأبو زرعة الرازيّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال لي دُحَيم: شعيب ثقةٌ ثبتٌ يشبه حديثه حديث عُقيل، والزُّبيدي فوقه، وقال عليّ بن عَيّاش: كان الزُّبيدي على بيت المال، وكان الزهريّ به مُعْجَبًا، يُقَدِّمه على جميع أهل حمص، وقال محمد بن عوف: الزُّبيديّ من ثقات المسلمين، وإذا جاءك الزبيديّ، عن الزهريّ، فاستمسك به، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس في حديثه خطأٌ.
стр. 6425
وقال الإمام أحمد: كان لا يأخذ إلا عن الثقات، وقال الخليليّ: ثقةٌ حجةٌ إذا كان الراوي عنه ثقةً.
وقال ابن سعد: كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث، وكان ثقةً إن شاء اللَّه تعالى، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ست، أو سبع وأربعين ومائة، وهو ابن سبعين سنةً، وقال: كان من الفقهاء في الدين، وكان من الحفاظ المتقنين، أقام مع الزهريّ عشر سنين، حتى احتوى على علمه، وهو من الطبقة الأولى من أصحاب الزهريّ، وقال أحمد بن محمد بن عيسى البغداديّ: مات في المحرَّم سنة تسع وأربعين.
أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
[تنبيه]: "الزُّبيديّ" -بضمّ الزاي، وفتح الموحّدة، مصغّرًا- نسبة إلى زُبيد، وهى قبيلة من مَذْحِج، واسم زُبيد مُنَبّه بن صَعْب بن سعد العَشِيرة بن مالك بن أُدد، وإنما قيل له: زُبيد؛ لأنه قال: من يُزبد لمن رفده؟ فأجابه أعمامه، فقيل لهم جميعًا: زُبيد، أفاده في "اللباب" (١).
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ) يعني أن الزبيديّ حدّث عن الزهريّ مثل حديث يونس عنه في الحديث الماضي.
[تنبيه]: حديث الزُّبيديّ الذي أحاله المصنّف هنا على حديث يونس، ساقه النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٣٠٨٩) أخبرنا كَثِير بن عُبيد، قال: حدّثنا محمد بن حرب، عن الزُّبَيدي، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "بُعِثتُ بجوامع الكلم، ونُصِرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضعت في يدي، فقال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه ﷺ ، وأنتم تَنْتَثلونها". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6426
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُميْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِمْيريّ، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهير، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) عن (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن معمرًا حدّث عن الزهريّ بمثل حديث يونس، والزُّبيديّ كلاهما عنه.
[تنبيه]: حديث معمر هذا ساقه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٧٥٧٦) حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نُصرت بالرُّعْب، وأُعطيت جوامع الكلام، وبينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضِعت في يدي، فقال أبو هريرة: لقد ذهب رسول اللَّه ﷺ ، وأنتم تنتثلونها". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6427
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأُوتيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَبَيْنَمَا (١) أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدَيَّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو يُونُسَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) هو: سُلَيم بن جُبير الدَّوْسيّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (١٢٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
والباقون ذُكروا في هذا الباب.
وقوله: (وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ) وفي نسخة: "وبينا أنا نائم"، وقد تقدّم البحث عن "بينا"، و"بينما" مستوفى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا (٣) مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
стр. 6428
والباقون تقدّموا قبل حديث.
وقوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. . . إلخ) الإشارة إلى مجموع الأحاديث التي جمعها همّام بن منبّه، وكتبها عن أبي هريرة ﵁، وقد تقدم البحث في هذا مستوفًى غير مرّة.
وقوله: (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) أي ذكر همّام أحاديث كثيرة، وهي نحو (١٣٨) حديثًا، وهذا الحديث هو: (٣٧) في "الصحيفة" (١).
وقوله: (مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . إلخ) "منها" جارّ ومجرور خبر مقدّم، وقوله: "قال رسول اللَّه ﷺ " مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) - (بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ -)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٨] (٥٢٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ (٢)، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلِإ بَنى النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ (٣)، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٤) يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ، قَالَ: فَأَرْسلَ إِلَى مَلِإ بَنِي
стр. 6429
النَّجَّارِ، فَجَاءُوا، فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا"، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ (١) ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ، كَانَ فِيهِ نَخْلٌ، وَقُبُورُ الْمُشْرِكينَ، وَخِرَبٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً (٢)، وَجَعَلُوا عِضَادتَيْهِ حِجَارَةً، قَالَ: فَكَانُو يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ … فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام المذكور في الباب الماضي.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الأُبُلي، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) عن بضع و (٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ الضُّبَعِيُّ) يزيد بن حُميد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (٦٧) من رباعيّات الكتاب، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ، وشيبان أُبُليّ، وهي من قرى البصرة.
стр. 6430
٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وهو معمّر، فقد جاوز عمره مائة سنة، واشتهر بالخادم؛ لكونه خدم النبيّ ﷺ عشر سنين، فدعا له بخيري الدنيا والآخرة، فنال ذلك ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بالمثنّاة الفوقيّة، وتشديد التحتانيّة (الضبَعِيِّ) بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة: نسبة إلى ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، أبو قبيلة نزلت البصرة (١)، أنه (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ) بفتح القاف، وكسر الدال، يقال: قَدِمَ من سَفَره يَقْدَم بفتح الدال، من باب تَعِبَ قُدُومًا، ومَقْدَمًا بالفتح أيضًا: إذا رجع (٢). (الْمَدِينَةَ) النبويّة، وهي في الأصل: المصر الجامع، ووزنها فَعِيلة؛ لأنها من مَدَنَ، وقيل: مَفْعِلَةٌ بفتح الميم؛ لأنها من دان، والجمع مُدُنٌ، ومَدَائنُ بالهمز على القول بأصالة الميم، ووزنها فَعَائلُ، وبغير همز على القول بزيادة الميم، ووزنها مفاعل؛ لأن للياء أصلًا في الحركة، فتُرَدّ إليه، ونظيرها في الاختلاف مَعَايش، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣).
ثم صارت علمًا بالغلبة على مدينة رسول اللَّه ﷺ ، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَـ "الْعَقَبَهْ"
وَحَذْفَ "أَلْ" ذِي إِنْ تُنَادِي أَوْ تُضِفْ … أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
(فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ) بضمّ العين المهملة، وكسرها، لغتان مشهورتان، قاله النوويّ ﵀ (٤)، وقال الفيّوميّ ﵀: عِلْوُ الدار وغيرها: خلافُ السُّفْل، بضمّ العين وكسرها، والْعُلْيا: خلاف السُّفلى، تُضمّ العين، فتُقصَرُ، وتُفْتَح فتُمَدُّ، قال ابن الأنباريّ: والضمّ مع القصر أكثر استعمالًا، فيقال: شَفَةٌ عُلْيَا،
стр. 6431
وعَلْيَاءُ، وأصلُ الْعَلْيَاء: كلُّ مكان مُشْرِفٍ، وجمعُ الْعُلْيا عُلًى، مثلُ كُبْرَى وكُبَر. انتهى (١).
وقال في "الفتح": كلُّ ما في جهة نجد يُسمَّى العاليةَ، وما في جهة تِهَامة يُسمّى السافلةَ، وقُبَاءُ من عوالي المدينة، وأُخِذ من نزول النبيّ ﷺ فيه التفاؤل له ولدينه بالعلوّ. انتهى (٢).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: أعلى المدينة هو العوالي، والعاليةُ، وهو قُباء وما حولها، وكانت قباء مسكن بني عمرو بن عوف، وقيل: إن كلّ ما كان من جهة نجد من المدينة من قُراها وعمائرها إلى تهامة يُسمّى العالية، وما كان دون ذلك يُسمّى السافلة، وبنو النجّار كانوا أخوال النبيّ ﷺ ، وكان مقصود النبيّ ﷺ أن ينتقل من العوالي إلى وسط المدينة، وأن يتّخذ بها مسكنًا يسكنه. انتهى (٣).
ثم بيّن تلك الناحية بما أبدله بقوله:
(فِي حَيٍّ) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة-: القبيلة، وجمعه أحياء (يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) -بفتح العين فيهما- أي ابن مالك بن الأوس بن حارثة، ومنازلهم بقباء، وهي على فرسخ من المسجد النبويّ بالمدينة، وكان نزوله على كُلْثوم بن الْهِدْم، وقيل: كان يومئذ مشركًا، وجزم به محمد بن الحسن بن زِبَالة في "أخبار المدينة".
وكان ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وهذا هو المعتمد، وشَذّ من قال: يوم الجمعة، وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: قَدِمَها لهلال ربيع الأول، أي أول يومٍ منه، وفي رواية جرير بن حازم، عن ابن إسحاق: قَدِمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ونحوه عند أبي مَعْشَر، لكن قال: ليلة الاثنين، ومثله عن ابن الْبَرْقيّ، وثبت كذلك في أواخر "صحيح مسلم".
وفي رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: قَدِمها لاثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول، وعند أبي سعيد في "شرف المصطفى"، من طريق أبي بكر بن حزم: قَدِم لثلاث عشرة من ربيع الأول.
стр. 6432
قال الحافظ ﵀: وهذا يُجمَع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال، وعنده من حديث عُمر: "ثم نزل على بني عمرو بن عوف، يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول"، كذا فيه، ولعله كان فيه "خَلَتَا"؛ ليوافق رواية جرير بن حازم.
وعند الزبير في "خبر المدينة"، عن ابن شهاب: في نصف ربيع الأول، وقيل: كان قدومه في سابعه.
وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام ابن الكلبيّ: إنه خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول، فإن كان محفوظًا، فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضُمّ إلى قول أنس: إنه أقام بقباء أربع عشرة ليلةً، خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكلبيّ جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه، فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبّان، فإنه قال: أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس، يعني وخرج يوم الجمعة، فكأنه لم يعتدّ بيوم الخروج، وكذا قال موسى بن عقبة: إنه أقام فيهم ثلاث ليال، فكأنه لم يعتدّ بيوم الخروج ولا الدخول.
وعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يومًا، حكاه الزبير بن بكار.
وفي مرسل عروة بن الزبير ما يقرُب منه.
والأكثر أنه قَدِمَ نهارًا، ووقع في رواية مسلم ليلًا، ويُجْمَع بأن القدوم كان آخر الليل، فدخل نهارًا، أفاده في "الفتح" (١).
(فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) وفي رواية للبخاريّ: "فلبِث رسول اللَّه ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلةً"، وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: "أقام فيهم ثلاثًا"، قال: وروى ابن شهاب عن مُجَمِّعِ بن جارية: "أنه أقام اثنتين وعشرين ليلةً"، وقال ابن إسحاق: "أقام فيهم خمسًا"، وبنو عمرو بن عوف يزعُمون أكثر من ذلك.
стр. 6433
قال الحافظ ﵀: ليس أنس من بني عمرو بن عوف، فإنهم من الأوس، وأنس من الخزرج، وقد جزم بما ذكرته، فهو أولى بالقبول من غيره. انتهى (١).
(ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ) وفي رواية للبخاريّ: "إلى ملإ من بني النجّار"، أي يريد رجالهم، وشُجعانهم، وأشرافهم (٢)، قال الفيّوميّ ﵀: "الْمَلأُ" مهموزًا: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك لِمَلاءتهم بما يُلْتَمَس عندهم من المعروف، وجَوْدَة الرأي، أو لأنهم يَمْلئون العيون أُبَّهَةً، والصدر هَيْبَةً، والجمع: أَملاءٌ، مثلُ سَبَبٍ وأَسبابٍ. انتهى (٣).
وبنو النّجّار هم: بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الْجَمُوح، والنّجّار: قَبِيلٌ كبيرٌ، من الأنصار، منه بطون، وعمائر، وأفخاذ، وفصائل، وتيم اللات هو النجار، سُمِّي بذلك؛ لأنه اخْتَتَن بقَدُوم، وقيل: بل ضَرَب رجلًا بقَدُوم، فجرحه، ذكره الكلبيّ، وأبو عبيدة.
وإنما طلب ﷺ بني النجار؛ لأنهم كانوا أخواله؛ لأن هاشمًا جدَّه ﷺ تزوج سَلْمَى بنت عمرو بن زيد، من بني عديّ بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب، قاله في "العمدة" (٤).
(فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ) وفي نسخة: "متقلّدين سُيُوفهم"، وفي رواية البخاريّ: "متقلّدي سيوفهم" بالإضافة، قال في "العمدة": قوله: "فجاؤا متقلدي السيوف" هكذا في رواية كريمة بإضافة "متقلدين" إلى "السيوف"، وسقوط النون للإضافة، وفي رواية الأكثرين: "متقلدينَ السيوفَ"، بنصب "السيوفَ"، وثبوت النون؛ لعدم الإضافة، وعلى كلّ حال هو منصوب على الحال، من الضمير الذي في "جاؤوا"، والتّقَلُّد: جعل نِجَاد السيف على المنكب. انتهى (٥).
(قَالَ) أنس ﵁ (فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي أنه مستحضرٌ الآن
стр. 6434
لتلك الهيئة، وأراد بذلك تأكيد خبره بأنه لم يَنْسَ منه شيئًا، بل كأنه ينظر إليهم الآن، وهم على الهيئة المذكورة (عَلَى رَاحِلَتِهِ) جارّ ومجرور متعلّق بحال مقدّر من "رسول اللَّه"، أي حال كونه راكبًا على راحلته.
و"الراحلة": الْمَرْكَبُ من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرْحَل، وجمعها رَوَاحِل، قاله في "المصباح" (١).
وقال في "العمدة": وكانت راحلته ﷺ ناقةً تُسَمَّى القَصْواء. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وراحلته ﷺ هذه أخذها من أبي بكر ﵁ في الهجرة، وذلك أن أبا بكر ﵁ كان جهّز للَّهجرة راحلتين لَمّا قال له النبيّ ﷺ : "أرجو أن يؤذن لي"، يعني في الهجرة، فعلفهما ورَقَ السَّمُرَة أربعة أشهر، فلَمّا أُذن له ﷺ في الهجرة، قال أبو بكر: خذ بأبي أنت وأمّي يا رسول اللَّه إحدى راحلتيّ هاتين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "بالثمن"، وفي رواية ابن إسحاق: قال: "لا أركب بعيرًا ليس هو لي"، قال: فهو لك، قال: "لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به"، قال: أخذتها بكذا وكذا، قال: "أخذتها بذلك"، قال: هي لك، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر ﵁ عند الطبرانيّ فقال: "بثمنها يا أبا بكر"، فقال: بثمنها إن شئتَ.
ونَقَل السُّهَيليّ في "الروض الأُنُف" عن بعض شيوخ المغرب أنه سئل عن امتناعه ﷺ من أخذ الراحلة مع أن أبا بكر أنفق عليه ماله، فقال: أَحَبّ أنْ لا تكون هجرته إلا من مال نفسه.
وأفاد الواقديّ أن الثمن ثمانمائة، وأن التي أخذها رسول اللَّه ﷺ من أبي بكر هي القَصْواء، وأنها كانت من نَعَم بني قُشَير، وأنها عاشت بعد النبيّ ﷺ قليلًا، وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مُرْسَلة ترعى بالبقيع.
وذكر ابن إسحاق أنها الجذعاء، وكانت من إبل بني الْحَرِيش، وكذا في رواية أخرجها ابن حبان من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها الجذعاء، قاله في "الفتح" (٣).
стр. 6435
(وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ) جملة حاليّة من الفاعل، أي حال كون أبي بكر ﵁ راكبًا خلفه ﷺ .
و"الرَّدْفُ" -بكسر الراء، وسكون الدال المهملة-: هو الذي تَحْمِله خلفك على ظهر الدابّة، يقال: أردفته إردافًا، وارتدفته، فهو رَدِيفٌ، ورِدْفٌ، أفاده في "المصباح" (١).
وقال السنديّ ﵀: المراد أنه كان راكبًا خلف النبيّ ﷺ ، وهما على بعير واحد، وهو الظاهر، أو على بعيرين، لكن أحدهما يتلو الآخر. انتهى.
قال الحافظ ﵀: كأن النبيّ ﷺ أردفه تشريفًا له، وتنويهًا بقدره، وإلا فقد كان لأبي بكر ناقة هاجر عليها. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وفي إردافه لأبي بكر ﵁ في ذلك اليوم دليلٌ على شرف أبي بكر، واختصاصه به دون سائر أصحابه. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": وكان لأبي بكر ناقةٌ، فلعله تركها في بني عمرو بن عوف؛ لمرض، أو غيره، ويجوز أن يكون ردّها إلى مكة؛ ليحمل عليها أهله، وثَمّ وجه آخر حسَنٌ، وهو أن ناقته كانت معه، ولكنه ما ركبها؛ لشرف الارتداف خلفه؛ لأنه تابعه، والخليفة بعده. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما استحسنه أخيرًا قريبٌ مما قاله الحافظ، وهو الأولى.
وحاصله أنه ﷺ أردفه على ناقته؛ ليتشرّف بذلك، وليعلم الناس منزلته عنده، واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ) جملة حاليّة أيضًا، أي حال كون أشراف بني النّجّار محيطين به ﷺ ، وإنما أحاطوا به؛ تعظيمًا له، وفرحًا بقدومه إليهم.
(حَتَّى أَلْقَى) أي رَحْله، فالمفعول محذوفٌ، يقال: ألقيت بالشيء: إذا طرحته، وقال ابن رجب: معناه: أنه نزل به، فإن السائر إذا نزل بمكان ألقى فيه رحله، وما معه. انتهى.
стр. 6436
و"حتى" غاية لمحذوف، أي واصل سيره حتى ألقى رحله (بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ) متعلّق بـ "ألقى"، أي بفناء دار أبي أيوب ﵁، و"الْفِنَاء" بكسر الفاء: سعةٌ أمامَ الدار، والجمع أفنيةٌ، وفي "الْمُجْمَل": فناء الدار: ما امتدّ من جوانبها، وفي "المحكم": وتبدل الباء من الفاء، قاله في "العمدة" (١).
وقال في "الفتح": وقع عند ابن إسحاق، وابن عائذ أنه رَكِب من قُباء يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول اللَّه هَلُمّ إلى العَدَد والعُدَد والقوّة، انزِلْ بين أظهرنا.
وعند أبي الأسود، عن عروة نحوه، وزاد: "وصاروا يتنازعون زمام ناقته"، وسَمّى ممن سأله النزول عندهم عِتبان بن مالك في بني سالم، وفَرْوة بن عمرو في بني بياضة، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وغيرهما في بني ساعدة، وأبا سَلِيط وغيره في بني عَدِيّ يقول لكل منهم: "دَعُوها فإنها مأمورة".
وعند الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: جاءت الأنصار، فقالوا: إلينا يا رسول اللَّه، فقال: "دعوا الناقة، فإنها مأمورةٌ"، فبركت على باب أبي أيوب.
وفي حديث البراء عن أبي بكر ﵄: "فتنازعه القوم، أيُّهم ينزل عليه؟، فقال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب، أُكْرِمهم بذلك".
وعند ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، وعند سعيد بن منصور، كلاهما عن عَطّاف بن خالد: "أنها استناخت به أوّلًا، فجاءه ناس، فقالوا: المنزل يا رسول اللَّه، فقال: دعوها، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلحلت، فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل، فأذن لي أن أنقُل رَحْلك، قال: نعم، فنَقَل، وأناخ الناقة في منزله".
وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لَمّا نَقَل رحل النبيّ ﷺ إلى منزله، قال النبيّ ﷺ : "المرء مع رحله"، وأن سعد بن زُرارة جاء، فأخذ ناقته، فكانت عنده، قال: وهذا أثبت، وذكر أيضًا أن مُدّة إقامته عند أبي أيوب، كانت سبعة أشهر (٢).
стр. 6437
وذكر في "الفتح" أيضًا: أن البخاريّ أخرج في "التاريخ الصغير" عن ابن شهاب: قال: كان بين ليلة العقبة -يعني الأخيرة- وبين مُهَاجَر النبيّ ﷺ ثلاثة أشهر، أو قريب منها.
قال الحافظ: هي ذو الحجة، والمحرم، وصفر، لكن كان مَضَى من ذي الحجة عشرة أيام، ودخل المدينة بعد أن استهَلّ ربيع الأول، فمهما كان الواقع أنه اليوم الذي دخل فيه من الشهر يُعْرَف منه القدر على التحرير، فقد يكون ثلاثة سواء، وقد ينقص، وقد يزيد؛ لأن أقلّ ما قيل: إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل: إنه دخل الثاني عشر منه. انتهى (١).
[تنبيه]: ذكر الحافظ العراقيّ في "ألفيّة السيرة" خبر وُصُوله ﷺ إلى قباء، ثم إلى المدينة، فأجاد في ذلك وأفاد، فقال:
حَتَّى إِذَا أَتَى إِلَى قُبَاءِ … نَزَلَهَا بِالسَّعْدِ وَالْهَنَاءِ
فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِثِنْتَي عَشْرَهْ … مِنْ شَهْرِ مَوْلِدٍ فَنِعْمَ الْهِجْرَهْ
أَقَامَ أَرْبَعًا لَدَيْهِمْ وَطَلَعْ … فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ فَصَلَّى وَجَمَعْ
فِي مَسْجِدِ الْجُمْعَةِ وَهْيَ أَوَّلُ … مَا جَمَّعَ النَّبِيُّ فِيمَا نَقَلُوا
وَقِيلَ بَلْ أَقَامَ أَرْبَعَ عَشْرَهْ … فِيهِمْ وَهُمْ يَنْتَحِلُونَ ذِكْرَهْ
وَهْوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ … لَكِنَّ مَا مَرَّ مِنَ الإِتْيَانِ
لِمَسْجِدِ الْجُمْعَةِ يَوْمَ جُمْعَةِ … لَا يَسْتَقِيِمُ مَعَ هَذِي الْمُدَّةِ
إِلَّا عَلَى قَوْلٍ بِكَوْنِ الْقَدْمَةِ … إِلَى قُبَا كَانتْ بِيَوْمِ الْجُمْعَةِ
بَنَى بِهَا مَسْجِدَهُ وَارْتَحَلَا … لِطَيْبَةَ الْفَيْحَاءِ طَابَتْ نُزُلَا
فَبَكَتْ نَاقَتُهُ الْمَأْمُورَهْ … بِمَوْضِعِ الْمَسْجِدِ فِي الظَّهِيرَهْ
فَحَلَّ فِي دَارِ أَبِي أَيُّوبَا … حَتَّى ابْتَنَى مَسْجِدَهُ الرَّحِيبَا
وَحَوْلَهُ مَنَازِلًا لأَهْلِهِ … وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ فِي ظِلِّهِ
طَابَتْ بِهِ طَيْبَةُ مِنْ بَعْدِ الرَّدَى … أَشْرَقَ مَا قَدْ كَانَ مِنْهَا أَسْوَدَا
كَانَتْ لَمِنْ أَوْبَأِ أَرْضِ اللَّهِ … فَزَالَ دَاؤُهَا بِهَذَا الْجَاهِ
وَنَقَلَ اللَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَةِ … مَا كَانَ مِنْ حُمَّى بِهَا لِلْجُحْفَةِ
стр. 6438
وَلَيْسَ دَجَّالٌ وَلَا طَاعُونُ … يَدْخُلُهَا فَحِرْزُهَا حَصِينُ
انتهى المقصود من كلام الحافظ العراقيّ ﵀.
[تنبيه آخر]: ذكر في "شرف المصطفى" أنه لَمّا نزلت الناقة عند دار أبي أيوب، جَعَل جبار بن صخر يَنْخَسها برجله، فقال أبو أيوب: يا جبار أَعَنْ منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف.
وهو: جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلميّ، ويقال: جابر بن صخر الأنصاريّ، شَهِد العَقَبة وبدرًا، وهو صحابيّ كبير.
رَوَى محمد بن إسحاق، عن أبي سعد الخطميّ سمع جبار بن عبد اللَّه، قال: صليت خلف رسول اللَّه ﷺ أنا وجابر بن صخر، فأقامنا خلفه، والصحيح أن اسمه جبار بن صخر.
وذكر محمد بن إسحاق في "كتاب المبتدأ، وقصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-" تألِيفِهِ أن تُبَّعًا، وهو ابن حسان، لَمّا قدم مكة قبل مولد رسول اللَّه ﷺ بألف عام، وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربعمائة رجل من الحكماء، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها، وسألهم تُبَّعٌ عن سِرّ ذلك، فقالوا: إنا نجد في كتبنا أن نبيًا اسمه محمد، هذه دار مُهَاجَرِه، فنحن نقيم لعل أن نلقاه، فأراد تُبّع الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارًا، واشترى له جاريةً، وزوّجها منه، وأعطاهم مالًا جزيلًا، وكتابًا فيه إسلامه، وقوله:
شَهِدتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ … رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِئِ النَّسَمِ
في أبيات، وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى محمد ﷺ إن أدركه، وإلا من أدركه من ولده، وبنى للنبيّ ﷺ دارًا ينزلها، إذا قدم المدينة، فتداول الدار الملّاك إلى أن صارت لأبي أيوب ﵁، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، قال: وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربعمائة، ويزعُم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرج، ولما خرج رسول اللَّه ﷺ أرسلوا إليه كتاب تُبَّع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه قال: "أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تبع الأول"، فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف النبيّ ﷺ ، فقال: من أنت؟ فإني لم أر في وجهك أثر السحر، وتوهّم أنه
стр. 6439
ساحر، فقال ﷺ : "أنا محمد، هات الكتاب"، فلما قرأه قال: "مرحبًا بتُبّع الأخ الصالح" ثلاث مرات.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ساق أهل التواريخ هذه الحكاية، فاللَّه تعالى أعلم بصحّتها.
وفي "معجم الطبرانيّ": "لا تُسُبّوا تُبّعًا".
وأخرج أحمد في "مسنده" عن سهل بن سعد ﵁ أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تسبوا تُبّعًا، فإنه كان قد أسلم" (١).
و"تُبَّعُ" -بضم التاء المثناة من فوقُ وفتح الباء المشددة، وفي آخره عين مهملة- لَقَبٌ لكل مَن مَلَك اليمن، ككسرى لقب لكل من ملك الفُرْس، وقيصر لكل من ملك الروم.
وقال عكرمة: إنما سُمّي به؛ لكثرة أتباعه، أفاده في "العمدة" (٢).
(قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي نسخة: "فكان النبيّ ﷺ " (يُصَلِّي حَيْث أَدْرَكتْهُ الصَّلَاة) وفي رواية البخاريّ: "وكان يُحبّ أن يُصلّي حيث أدركته الصلاة".
يعني أنه ﷺ كان يُصلّي في أيّ موضع أدركه فيه وقت الصلاة؛ مبادرةً إليها في أول وقتها.
(وَيُصَلِّي فِي مَرَابِض الْغَنَمِ) جمع مَرْبِضٍ، كمجلسٍ، ومَقْعَدٍ: وهو مأوى الغنم ليلًا، يقال: رَبَضَت الدابّة رَبْضًا، من باب ضَرَبَ، ورُبُوضًا، وهو مثلُ بُرُوك الإبل (٣).
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذا موافق لحديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا، فأيما رجل أدركته الصلاة، فعنده مسجده، وطَهوره"، ولحديث: "الأرضُ لك مسجدٌ، فأينما أدركتك الصلاة فصلّهْ، فإنه لك مسجد". انتهى.
стр. 6440
(ثُمَّ إِنَّهُ) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها في محلّ الابتداء، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
وضمير "إنه" للنبيّ ﷺ ، وكذا فاعل قوله: (أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ) والفعل مبنيّ للفاعل، أي أَمَر النبيّ ﷺ أصحابه ببناء المسجد.
قال النوويّ ﵀: ضبطناه "أَمَرَ" بفتح الهمزة والميم، و"أُمِرَ" بضم الهمزة، وكسر الميم، وكلاهما صحيح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فنائب الفاعل على الضبط الأخير ضمير النبيّ ﷺ مثل الضبط الأول، وكذا ضمير "إنه" له أيضًا، وأما ما قاله العينيّ من أن ضمير "إنه" في هذه الحالة للشأن ففيه نظر لا يخفى، يعني أن أللَّه تعالى أمر نبيّه ﷺ ببناء المسجد.
(قَالَ) أنس ﵁ (فَأَرْسَلَ) النبيّ ﷺ (إِلَى مَلِإ بَنِي النَّجَّارِ) بالإضافة، وفي رواية البخاريّ: "إلى ملإ من بني النجّار" (فَجَاءُوا، فَقَالَ) ﷺ ("يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي) أي قرّروا معي ثمنه، وبيعونيه بالثمن، يقال: ثامنتُ الرجل في المبيع أُثَامِنه: إذا قاولته في ثمنه، وساومته على بيعه واشترائه، قاله في "اللسان".
قال الخطابيّ ﵀: فيه أن صاحب السلعة أحقّ بالسوم، فإنه ﷺ طلب منهم أن يذكروا له الثمن، ولم يقطع فيها من عنده. انتهى (١).
وقوله: (بِحَائِطِكُمْ هَذَا") متعلّق بـ "ثامنوني"، والإشارة إلى بستان هناك، و"الحائط": البستان من النخيل، إذا كان عليه حائطٌ، وهو الجدار، وجمعه الحوائط، قاله في "اللسان".
وقال في "العمدة": الحائط هنا: البستان، يدلّ عليه قوله: "وفيه نخل، وبالنخل فقُطِع"، وفي لفظ: "كان مِرْبَدًا"، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر ليُجَفّف. انتهى.
(قَالُوا) أي ملأ بني النجّار (لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ) وفي نسخة: "ما نطلب ثمنه"، وأصل الكلام: "واللَّه لا نطلُب ثمنه"، فاعتُرض بالقسم بين "لا"
стр. 6441
والفعل؛ للتأكيد، وكُرّرت "لا" للتأكيد أيضًا (إِلَّا إِلَى اللَّهِ) أي إلا من اللَّه، فـ "إلى" بمعنى "من"، على حد قول الشاعر [من الطويل]:
تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا … ايُسْقَى فَلَا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا
أي تقول الناقة بلسان الحال ذلك، و"الْكُور": الرحل، و"السقيُ" بمعنى الركوب مجازًا، و"إليّ" بمعنى "منّي" (١).
وقال الكرمانيّ ﵀: ما حاصله: لا نطلُب ثمن المصروف في سبيل اللَّه إلا من اللَّه، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة، ثم قال: فإن قلت: الطلب يُستعمل بـ "مِنْ"، فالقياس أن يقال: إلا من اللَّه، قلت: معناه: لا نطلُب الثمن من أحد، لكنه مصروف إلى اللَّه تعالى.
وتعقّبه العينيّ ﵀ بأن هذا تعسّف مع تطويل، بل معناه: لا نطلب الثمن إلا من اللَّه تعالى، وكذا وقع عند الإسماعيليّ: "لا نطلب ثمنه إلا من اللَّه"، وقد جاء "إلى" في كلام العرب للابتداء، كقوله:
إِلَيَّ ابْنُ حْمَرَا
ويجوز أن تكون "إلى" ههنا على معناها لانتهاء الغاية، ويكون التقدير: نُنْهِي طلب الثمن إلى اللَّه تعالى، كما في قولهم: "أَحمَدُ إليك اللَّه"، والمعنى: "أُنْهِي حمده إليك"، والمعنى لا نطلب منك الثمن، بل نتبرع به، ونطلب الثمن أي الأجر من اللَّه تعالى. انتهى (٢).
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية يدلّ على أنه ﷺ لم يشتره منهم، ولم يأخذوا منه ثمنًا، لكن وقع في "صحيح البخاريّ" في "الهجرة" ما ظاهره مخالف له، ففيه: قال: "ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، وهو يصلّي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر، لسُهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرارة، فقال رسول اللَّه ﷺ حين بركت راحلته: هذا -إن شاء اللَّه- المنزل.
ثم دعا رسول اللَّه ﷺ الغلامين، فساومهما بالْمِرْبد؛ ليتخذه مسجدًا،
стр. 6442
فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول اللَّه، فأبى رسول اللَّه ﷺ أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. . . " الحديث.
فهذه الرواية تدلّ على أنه اشتراه منهما، وذَكَر أهل السير ما يدلّ على أنهم أخذوا الثمن، فقد ذكر ابن سعد في "الطبقات" عن الواقديّ، عن معمر، عن الزهريّ: "أن النبيّ ﷺ أمر أبا بكر أن يُعطيهما ثمنه"، قال: وقال غير معمر: أعطاهما عشرة دنانير.
وقد أجاب في "الفتح" عن هذا بما حاصله أنه لا منافاة بينهما؛ لأنه يُجمع بأنهم لَمّا قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه، سأل ﷺ عمن يختصّ بملكه منهم، فعيّنوا الغلامين، فابتاعه منهما، فحينئذ يَحْتمل أن يكون الذين قالوا له: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه تحمّلوا عنه للغلامين بالثمن، وعند الزبير أن أبا أيوب أرضاهما عن ثمنه. انتهى (١).
وقال في "المنهل" بعد ذكر نحو ما تقدّم: ويُجمع بين رواية الواقديّ وما بعدها بأن أبا بكر رَغِبَ في الخير كما رغب فيه أسعد، وأبو أيوب، ومعاذ بن عفراء، فدفع أبو بكر العشرة، ودفع كلّ من أولئك ما دفع، فاشتركوا في الثمن. انتهى (٢)، وهو جمع حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب بعد ذكر رواية الواقديّ المتقدّمة ما نصّه: وهذا إن صحّ يدلّ على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم، وحديث أنس أصحّ من رواية يرويها الواقديّ، عن معمر وغيره، عن الزهريّ مرسلةً، فإن مراسيل الزهريّ لو صحّت عنه، فهي من أضعف المراسيل، فكيف إذا تفرّد بها الواقديّ؟. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لكن فيه أن رواية الواقدي موافقة لما في "صحيح البخاريّ" في "الهجرة"، إلا في دفع أبي بكر ﵁ الثمن، فلا وجه لطعن ابن رجب للرواية، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ أَنَسٌ) ﵁ (فَكَانَ فِيهِ) أي في الحائط الذي بُنِي في مكانه المسجدُ
стр. 6443
(مَا أقولُ) "ما" موصولة اسم "كان" وخبره "فيه" مقدّمًا، وقوله: (كانَ فِيهِ نَخْلٌ) بيان لـ "ما أقول"، و"النخل": اسم جمع الواحدة: نخلة، وكلُّ جمع بينه وبين واحده الهاءُ، قال ابن السِّكّيت: فأهل الحجاز يُؤَنِّثُون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم يُذَكِّرون، فيقولون: نخلٌ كريم، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما "النِّخِيلُ" بالياء فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
(وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَخِرَبٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه بفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء، قال القاضي عياض ﵀: رويناه هكذا، ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو: ما تَخَرّب من البناء.
وقال الخطابيّ: لعل صوابه خُرْب بضم الخاء، جمع خُرْبة بالضم، وهي الخروق في الأرض، أو لعله حرف.
قال القاضي: لا أدري ما اضطرّه إلى هذا، يعني أن هذا تكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعاني، لا حاجة إلى تغييره؛ لأنه كما أَمَرَ بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخَرِبِ فرفعت رسومها، وسُوّيت مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فُعِل بالقبور. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "الْخِرَب" يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح الراء: جمع خَرِبَة، كنَقِمَة ونِقَمٍ، ويجوز أن تكون جمع خِرْبة بكسر الخاء، وسكون الراء على التخفيف، كنِعْمَة ونَعَمٍ، ويجوز أن يكون الَخَرِبُ بفتح الخاء، وكسر الراء، كنَبِقَة ونَبِقٍ، وكَلِمَة وكَلِمٍ، وقد رُوي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة: يريد به الموضع المحروث للزراعة. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": قال ابن الجوزيّ: المعروف فيه فتح الخاء المعجمة، وكسر الراء، بعدها مُوَحَّدةٌ: جمع خَرِبة، ككَلِم وكَلِمة.
стр. 6444
قال الحافظ: وكذا ضُبِط في "سنن أبي داود"، وحَكَى الخطابيّ أيضًا كسر أوله، وفتح ثانيه، جمع خِرَبةٍ، كعِنَب وعِنَبَة، وللكشميهنيّ "حَرْثٌ" بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء، بعدها مثلثة، وقد بَيَّن أبو داود أن رواية عبد الوارث بالمعجمة والموحدة، ورواية حماد بن سلمة، عن أبي التياح بالمهملة والمثلثة، فعلى هذا فرواية الكشميهنيّ وَهَمٌ؛ لأن البخاريّ إنما أخرجه من رواية عبد الوارث.
وقال الخطابيّ: أكثر الرواة بالفتح ثم الكسر، وحُدِّثناه "الخِرَب" بالكسر ثم الفتح، ثم حَكَى احتمالات: منها "الْخُرْب"، بضم أوله، وسكون ثانيه، قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، و"الْجِرَف"، بكسر الجيم، وفتح الراء، بعدها فاء: ما تجرفه السيول، وتأكله من الأرض، و"الْحَدَب"، بالمهملة وبالدال المهملة أيضًا: المرتفع من الأرض، قال: وهذا لائق بقوله: "فَسُوِّيت"؛ لأنه إنما يُسَوَّى المكان المحدوب، وكذا الذي جرفته السيول، وأما الخراب فيُبنى، ويُعَمَّر دون أن يُصْلَح، ويُسَوَّى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وما المانع من تسوية الخراب، بأن يزال ما بقي منه، ويُسَوّى أرضه، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات، مع توجيه الرواية الصحيحة. انتهى (١).
وقال في "العمدة" بعد ذكر ما قاله الخطابيّ: قال عياض: هذا التكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أَمَر يقطع النخل لتسوية الأرض، أمر بالْخِرَب فرُفِعت رسومها، وسُوِّيت مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطةً، مستوية للمصلين، وكذلك فُعِل بالقبور، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" بسند صحيح: "وأَمَر بالحرث، فحُرِث"، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، يريد الموضع المحروث للزراعة (٢).
(فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ) بالبناء للمفعول، أي أمر بقطع النخل، فقُطع، وهذا كما قال في "الفتح" محمول على أنه لم يكن يُثمر، أو يُثمر، ولكن دعت الحاجة إليه؛ ليُمكن بناء المسجد في ذلك المكان. انتهى.
стр. 6445
(وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) بالبناء للمفعول أيضًا، قال ابن بطال ﵀: لم أَجِد في نبش قبور المشركين لتُتَّخَذ مسجدًا نصًّا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تُنْبَش بطلب المال؟ فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعيّ، وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن المشرك لا حرمة له حيًّا ولا ميتًا، قاله في "الفتح" (١).
(وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ) أي وأمر بالخِرَب أن تُسوّى، أي تُعَدَّل، فسُوّيت، أي فعُدِّلت، يقال: سَوَّيتُ المكان: إذا عدّلته (٢)، وإنما أَمَر بذلك لتستوي الأرض، فتصلح لبناء المسجد عليها.
(قَالَ) أنس ﵁ (فَصَفُّوا النَّخْلَ) من صَفَّ القومَ، من باب ردّ: إذا أقامهم صفًّا واحدًا، قاله في "المختار" (قِبْلَةً) منَصوب الظرفيّة على حذف مضاف، أي جهة قبلة، وفي نسخة: "قبلةً له"، وفي رواية البخاريّ: "فَصَفّوا النخل قبلةَ المسجد"، والمراد أنهم جعلوها سواري جهة القبلة؛ ليُسقف عليها، أفاده في "المنهل".
وفي "مغازي ابن بكير" عن ابن إسحاق: "جُعِلَت قبلةُ المسجد من اللَّبِنِ"، ويقال: بل من حجارة منضودة، بعضها على بعض، وفي "صحيح البخاريّ" عن ابن عمر ﵁: أن المسجد كان على عهده ﷺ مَبْنِيًّا باللَّبِن، وسَقْفُهُ الجريد، وعَمَدُهُ خَشَب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا.
قال في "العمدة": ولعل المراد بالقبلة جهتها، لا القبلة المعهودة اليوم، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت.
وورد أيضًا أنه كان في موضع المسجد الغرقد، فأَمَر أن يُقْطَع، وكان في المربد قبور جاهليةٌ، فأَمر بها رسول اللَّه ﷺ ، فنُبِشت، وأَمَر بالعظام أن تُغَيَّب، وكان في المربد ماء مُسْتَنْجِلٌ، فستره حتى ذهب، وهو: من النجل وهو الماء القليل، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك، فهو مربع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن، وجعل النبيّ ﷺ ينقل معهم اللَّبِن والحجارة بنفسه، ويقول: