والفعل؛ للتأكيد، وكُرّرت "لا" للتأكيد أيضًا (إِلَّا إِلَى اللَّهِ) أي إلا من اللَّه، فـ "إلى" بمعنى "من"، على حد قول الشاعر [من الطويل]:
تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا … ايُسْقَى فَلَا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا
أي تقول الناقة بلسان الحال ذلك، و"الْكُور": الرحل، و"السقيُ" بمعنى الركوب مجازًا، و"إليّ" بمعنى "منّي" (١).
وقال الكرمانيّ ﵀: ما حاصله: لا نطلُب ثمن المصروف في سبيل اللَّه إلا من اللَّه، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة، ثم قال: فإن قلت: الطلب يُستعمل بـ "مِنْ"، فالقياس أن يقال: إلا من اللَّه، قلت: معناه: لا نطلُب الثمن من أحد، لكنه مصروف إلى اللَّه تعالى.
وتعقّبه العينيّ ﵀ بأن هذا تعسّف مع تطويل، بل معناه: لا نطلب الثمن إلا من اللَّه تعالى، وكذا وقع عند الإسماعيليّ: "لا نطلب ثمنه إلا من اللَّه"، وقد جاء "إلى" في كلام العرب للابتداء، كقوله:
إِلَيَّ ابْنُ حْمَرَا
ويجوز أن تكون "إلى" ههنا على معناها لانتهاء الغاية، ويكون التقدير: نُنْهِي طلب الثمن إلى اللَّه تعالى، كما في قولهم: "أَحمَدُ إليك اللَّه"، والمعنى: "أُنْهِي حمده إليك"، والمعنى لا نطلب منك الثمن، بل نتبرع به، ونطلب الثمن أي الأجر من اللَّه تعالى. انتهى (٢).
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية يدلّ على أنه ﷺ لم يشتره منهم، ولم يأخذوا منه ثمنًا، لكن وقع في "صحيح البخاريّ" في "الهجرة" ما ظاهره مخالف له، ففيه: قال: "ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، وهو يصلّي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر، لسُهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرارة، فقال رسول اللَّه ﷺ حين بركت راحلته: هذا -إن شاء اللَّه- المنزل.
ثم دعا رسول اللَّه ﷺ الغلامين، فساومهما بالْمِرْبد؛ ليتخذه مسجدًا،
стр. 6442
فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول اللَّه، فأبى رسول اللَّه ﷺ أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. . . " الحديث.
فهذه الرواية تدلّ على أنه اشتراه منهما، وذَكَر أهل السير ما يدلّ على أنهم أخذوا الثمن، فقد ذكر ابن سعد في "الطبقات" عن الواقديّ، عن معمر، عن الزهريّ: "أن النبيّ ﷺ أمر أبا بكر أن يُعطيهما ثمنه"، قال: وقال غير معمر: أعطاهما عشرة دنانير.
وقد أجاب في "الفتح" عن هذا بما حاصله أنه لا منافاة بينهما؛ لأنه يُجمع بأنهم لَمّا قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه، سأل ﷺ عمن يختصّ بملكه منهم، فعيّنوا الغلامين، فابتاعه منهما، فحينئذ يَحْتمل أن يكون الذين قالوا له: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه تحمّلوا عنه للغلامين بالثمن، وعند الزبير أن أبا أيوب أرضاهما عن ثمنه. انتهى (١).
وقال في "المنهل" بعد ذكر نحو ما تقدّم: ويُجمع بين رواية الواقديّ وما بعدها بأن أبا بكر رَغِبَ في الخير كما رغب فيه أسعد، وأبو أيوب، ومعاذ بن عفراء، فدفع أبو بكر العشرة، ودفع كلّ من أولئك ما دفع، فاشتركوا في الثمن. انتهى (٢)، وهو جمع حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب بعد ذكر رواية الواقديّ المتقدّمة ما نصّه: وهذا إن صحّ يدلّ على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم، وحديث أنس أصحّ من رواية يرويها الواقديّ، عن معمر وغيره، عن الزهريّ مرسلةً، فإن مراسيل الزهريّ لو صحّت عنه، فهي من أضعف المراسيل، فكيف إذا تفرّد بها الواقديّ؟. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لكن فيه أن رواية الواقدي موافقة لما في "صحيح البخاريّ" في "الهجرة"، إلا في دفع أبي بكر ﵁ الثمن، فلا وجه لطعن ابن رجب للرواية، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ أَنَسٌ) ﵁ (فَكَانَ فِيهِ) أي في الحائط الذي بُنِي في مكانه المسجدُ
стр. 6443
(مَا أقولُ) "ما" موصولة اسم "كان" وخبره "فيه" مقدّمًا، وقوله: (كانَ فِيهِ نَخْلٌ) بيان لـ "ما أقول"، و"النخل": اسم جمع الواحدة: نخلة، وكلُّ جمع بينه وبين واحده الهاءُ، قال ابن السِّكّيت: فأهل الحجاز يُؤَنِّثُون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم يُذَكِّرون، فيقولون: نخلٌ كريم، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما "النِّخِيلُ" بالياء فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
(وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَخِرَبٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه بفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء، قال القاضي عياض ﵀: رويناه هكذا، ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو: ما تَخَرّب من البناء.
وقال الخطابيّ: لعل صوابه خُرْب بضم الخاء، جمع خُرْبة بالضم، وهي الخروق في الأرض، أو لعله حرف.
قال القاضي: لا أدري ما اضطرّه إلى هذا، يعني أن هذا تكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعاني، لا حاجة إلى تغييره؛ لأنه كما أَمَرَ بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخَرِبِ فرفعت رسومها، وسُوّيت مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فُعِل بالقبور. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "الْخِرَب" يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح الراء: جمع خَرِبَة، كنَقِمَة ونِقَمٍ، ويجوز أن تكون جمع خِرْبة بكسر الخاء، وسكون الراء على التخفيف، كنِعْمَة ونَعَمٍ، ويجوز أن يكون الَخَرِبُ بفتح الخاء، وكسر الراء، كنَبِقَة ونَبِقٍ، وكَلِمَة وكَلِمٍ، وقد رُوي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة: يريد به الموضع المحروث للزراعة. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": قال ابن الجوزيّ: المعروف فيه فتح الخاء المعجمة، وكسر الراء، بعدها مُوَحَّدةٌ: جمع خَرِبة، ككَلِم وكَلِمة.
стр. 6444
قال الحافظ: وكذا ضُبِط في "سنن أبي داود"، وحَكَى الخطابيّ أيضًا كسر أوله، وفتح ثانيه، جمع خِرَبةٍ، كعِنَب وعِنَبَة، وللكشميهنيّ "حَرْثٌ" بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء، بعدها مثلثة، وقد بَيَّن أبو داود أن رواية عبد الوارث بالمعجمة والموحدة، ورواية حماد بن سلمة، عن أبي التياح بالمهملة والمثلثة، فعلى هذا فرواية الكشميهنيّ وَهَمٌ؛ لأن البخاريّ إنما أخرجه من رواية عبد الوارث.
وقال الخطابيّ: أكثر الرواة بالفتح ثم الكسر، وحُدِّثناه "الخِرَب" بالكسر ثم الفتح، ثم حَكَى احتمالات: منها "الْخُرْب"، بضم أوله، وسكون ثانيه، قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، و"الْجِرَف"، بكسر الجيم، وفتح الراء، بعدها فاء: ما تجرفه السيول، وتأكله من الأرض، و"الْحَدَب"، بالمهملة وبالدال المهملة أيضًا: المرتفع من الأرض، قال: وهذا لائق بقوله: "فَسُوِّيت"؛ لأنه إنما يُسَوَّى المكان المحدوب، وكذا الذي جرفته السيول، وأما الخراب فيُبنى، ويُعَمَّر دون أن يُصْلَح، ويُسَوَّى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وما المانع من تسوية الخراب، بأن يزال ما بقي منه، ويُسَوّى أرضه، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات، مع توجيه الرواية الصحيحة. انتهى (١).
وقال في "العمدة" بعد ذكر ما قاله الخطابيّ: قال عياض: هذا التكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أَمَر يقطع النخل لتسوية الأرض، أمر بالْخِرَب فرُفِعت رسومها، وسُوِّيت مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطةً، مستوية للمصلين، وكذلك فُعِل بالقبور، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" بسند صحيح: "وأَمَر بالحرث، فحُرِث"، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، يريد الموضع المحروث للزراعة (٢).
(فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ) بالبناء للمفعول، أي أمر بقطع النخل، فقُطع، وهذا كما قال في "الفتح" محمول على أنه لم يكن يُثمر، أو يُثمر، ولكن دعت الحاجة إليه؛ ليُمكن بناء المسجد في ذلك المكان. انتهى.
стр. 6445
(وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) بالبناء للمفعول أيضًا، قال ابن بطال ﵀: لم أَجِد في نبش قبور المشركين لتُتَّخَذ مسجدًا نصًّا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تُنْبَش بطلب المال؟ فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعيّ، وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن المشرك لا حرمة له حيًّا ولا ميتًا، قاله في "الفتح" (١).
(وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ) أي وأمر بالخِرَب أن تُسوّى، أي تُعَدَّل، فسُوّيت، أي فعُدِّلت، يقال: سَوَّيتُ المكان: إذا عدّلته (٢)، وإنما أَمَر بذلك لتستوي الأرض، فتصلح لبناء المسجد عليها.
(قَالَ) أنس ﵁ (فَصَفُّوا النَّخْلَ) من صَفَّ القومَ، من باب ردّ: إذا أقامهم صفًّا واحدًا، قاله في "المختار" (قِبْلَةً) منَصوب الظرفيّة على حذف مضاف، أي جهة قبلة، وفي نسخة: "قبلةً له"، وفي رواية البخاريّ: "فَصَفّوا النخل قبلةَ المسجد"، والمراد أنهم جعلوها سواري جهة القبلة؛ ليُسقف عليها، أفاده في "المنهل".
وفي "مغازي ابن بكير" عن ابن إسحاق: "جُعِلَت قبلةُ المسجد من اللَّبِنِ"، ويقال: بل من حجارة منضودة، بعضها على بعض، وفي "صحيح البخاريّ" عن ابن عمر ﵁: أن المسجد كان على عهده ﷺ مَبْنِيًّا باللَّبِن، وسَقْفُهُ الجريد، وعَمَدُهُ خَشَب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا.
قال في "العمدة": ولعل المراد بالقبلة جهتها، لا القبلة المعهودة اليوم، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت.
وورد أيضًا أنه كان في موضع المسجد الغرقد، فأَمَر أن يُقْطَع، وكان في المربد قبور جاهليةٌ، فأَمر بها رسول اللَّه ﷺ ، فنُبِشت، وأَمَر بالعظام أن تُغَيَّب، وكان في المربد ماء مُسْتَنْجِلٌ، فستره حتى ذهب، وهو: من النجل وهو الماء القليل، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك، فهو مربع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن، وجعل النبيّ ﷺ ينقل معهم اللَّبِن والحجارة بنفسه، ويقول:
стр. 6446
هَذا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرَ … هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
وجَعَل قبلته إلى القدس، وجَعَل له ثلاثة أبواب: بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له: باب الرحمة، وهو الباب الذي يُدْعَى باب العاتكة، والثالث: الذي يدخل منه ﵊ وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجَعل طول الجدار قامة وبسطة، وعَمَده الجذوع، وسقفه جريدًا، فقيل له: ألا تُسَقِّفه، فقال: عَرِيش كعريش موسى، خُشيبات، وتمام الأمر أعجل من ذلك.
وفي "الصحيح" عن ابن عمر ﵄ أن المسجد كان على عهد رسول اللَّه ﷺ مبنيًا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد النبيّ ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غَيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة، والقَصَّة، وجَعَل عَمَده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج.
وفي "الإكليل": ثم بناه الوليد بن عبد الملك في إمرة عمر بن عبد العزيز، وفي "الروض": ثم بناه المهديّ، ثم زاد فيه المأمون، ثم لم يبلغنا تغيره إلى الآن، ذكره في "العمدة" (١).
(وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً) أي بَنَوا جانبي الباب بحجارة، و"العضادتان" -بكسر العين المهملة، وتخفيف المعجمة-: تثنية عِضَادة، وهي الخشبة التي على جانب الباب، ولكل باب عضادتان، وأعضادُ كلِّ شيء ما يَشُدُّ جوانبه، قاله في "الفتح".
وفي "العمدة": "العِضَادة" بكسر العين، قال ابن التيانيّ في "الموعب": قال أبو عمر: هي جانب الحوض، وعن صاحب "العين": أعضادُ كل شيء ما يَشُدُّه من حواليه، من البناء وغيره، مثال عِضَاد الحوض، وهي صفائح من حجارة، يُنْصَبْن على شَفِيره، وعضادتا الباب: ما كان عليهما يُطَبَّق الباب، إذا أُصفق، وفي "التهذيب" للأزهريّ: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله، وزاد القزاز: فوقهما العارضة. انتهى (٢).
(قَالَ) أنس ﵁ (فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ) أي يقولون الرجز، ويتعاطونه،
стр. 6447
و"الرجَز" -بفتحتين-: نوعٌ من أوزان من الشعر معروفٌ، أجزاؤه "مستفعلن" ستّ مرّات، ورَجَز الرجل يَرْجُز، من باب نصر: إذا قال شعر الرجز، وارتجز مثله، وقد اختَلَفَ العروضيون، وأهل الأدب في الرجز، هل هو شعر أم لا؟، والصحيح أنه شعر، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
(وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ) جملة حاليّة من فاعل "يرتجزون"، أي والحال أنه ﷺ مصاحب لهم في نقل الحجارة، والارتجاز.
وقال القرطبيّ ﵀: ليس فيه دليل راجح على أن النبيّ ﷺ كان المنشد، بل الظاهر منهم أنهم هم كانوا المرتجزين بحضرة النبيّ ﷺ ، فإن الواو للحال، و"رسول اللَّه" مبتدأ، و"معهم" خبره، والجملة في موضع الحال، هذا هو الظاهر.
ويَحْتَمِلُ أن يكون معطوفًا على المضمر في "يرتجزون". انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الاحتمال الثاني هو الظاهر، يؤيّده ما وقع في بعض الرواية: "وهو يرتجز معهم"، وفي حديث البراء ﵁ قال: رأيت النبيّ ﷺ يوم الخندق، وهو ينقل التراب. . . وفيه: "وهو يرتجز برجز عبد اللَّه بن رواحة"، متّفق عليه، فدلّ على أنه ﷺ كان يرتجز بنفسه، ويُنشد شعر غيره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(وَهُمْ يَقُولُونَ) جملة حاليّة أيضًا، فالحالان إما متداخلان، ولا خلاف فيه، أو مترادفان، وفيه خلاف، وقد تقدّم تحقيقه، وفي رواية البخاريّ في "الصلاة: "وهو يقول"، فالضمير للنبيّ ﷺ ، وفي رواية له في "الهجرة" من طريق الزهريّ: وطَفِقَ رسول اللَّه ﷺ ينقل معهم اللبِنَ في بنيانه، ويقول، وهو ينقل اللبِنَ:
هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ … هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
ويقول:
اللَّهُمَّ إِنّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ … فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
(اللَّهُمَّ) معناه: يا اللَّهُ، وقال البصريّون: اللَّهمّ دعاء بِجْمِيع أسمائه؛ إذ
стр. 6448
الميم تُشعر بالجمع، كما في "عليهم"، وقال الكوفيون: أصله اللَّهُ أُمَّنا بخير، أي اقصِدْنا، فخُفِّف، فصار اللهم (إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ) وفي رواية أبي داود: "اللهم إنّ الخير خير الآخرة" (فَانْصُرِ الأنْصَارَ) هكذا رواية المصنّف "فانصر"، وهي رواية البخاريّ في "الهجرة"، ورواية أبي داود أيضًا، ووقع في رواية للبخاريّ: "فاغفر للأنصار" قال في "العمدة": كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي، والحمويّ: "فاغفر الأنصارَ" بحذف اللام، ووجهه أن يُضَمَّنَ "اغْفِرْ" معنى "استُرْ"، و"الأنصار": جمع نَصِير، كأشراف جمع شريف، والنصير الناصر، مِن نَصَره اللَّه على عدوّه ينصره نصرًا، والاسم النُّصْرة بالضمّ، وسُمُّوا بذلك؛ لأنهم آووا النبيّ ﷺ ، وعزّروه، ونصروه، واتّبعوا النور الذي أُنزل معه ﵃.
(وَالْمُهَاجِرَهْ) أي الجماعة المهاجرة، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية؛ محبةً فيه، وطلبًا للآخرة.
والهجرةُ في الأصل من الْهَجْر ضِدّ الوصل، وقد هَجَره يَهْجُره هجرًا، من باب نصر، وهِجْرانًا: إذا قطعه، وترك وصله، ثم غَلَب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، يقال منه: هاجر مُهاجرةً.
وقال الكرمانيّ: واعلم أنه لو قُرئ هذا البيت بوزن الشعر ينبغي أن يوقف على "الآخرة"، و"المهاجرة"، إلَّا أنه قيل: إنه قرأهما بالتاء متحركة خروجًا عن وزن الشعر. انتهى.
وتعقّب الحافظ كلام الكرمانيّ هذا بأنه لم يذكر مستنده، وبأن قوله في رواية البخاريّ في "الهجرة": "فتمثل بشعر رجل من المسلمين" (١)، أي فإن كونه شعرًا ينافي قراءته بتحريك التاء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 6449
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١١٧٨ و ١١٧٩ و ١١٨٠] (٥٢٤)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٣٤)، و"الصلاة" (٤٢٨ و ٤٢٩)، و"فضائل المدينة" (١٨٦٨)، و"البيوع" (٢١٠٦)، و"الوصايا" (٢٧٧١ و ٢٧٧٤ و ٢٧٧٩)، و"مناقب الأنصار" (٣٩٣٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٥٣ و ٤٥٤)، و (الترمذيّ) فيها (٣٥٠)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٣٩ - ٤٠)، و (ابن ماجه) فيها (٧٤٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢١١ - ٢١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٢٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤١٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٧٧ و ١١٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٩ و ١١٦٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٣٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٦٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ابتداء بناء المسجد النبويّ.
٢ - (ومنها): جواز الإرداف، وذلك إذا كانت الدابة تطيق ذلك.
٣ - (ومنها): مشروعيّة الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام.
٤ - (ومنها): جواز الْتِفَاف المرؤوسين حول رئيسهم؛ احترامًا له.
٥ - (ومنها): أن للرئيس أن يخصّ بعض قومه بالنزول عنده، إذا كان قريبًا له؛ تقديمًا لحقّ القرابة.
٦ - (ومنها): استحباب المبادرة لأداء الصلاة في أول وقتها في أيّ مكان حضرت.
٧ - (ومنها): جواز الصلاة في مرابض الغنم، وقد أخرج الترمذيّ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صَلُّوا في مرابض الغنم، ولا تُصَلوا في أَعْطان الإبل"، وقال: حسنٌ صحيح.
٨ - (ومنها): بيان طهارة أبعار الغنم وأبوالها، وهو القول الراجح، وقد تقدّم تحقيقه في "كتاب الطهارة"، وباللَّه تعالى التوفيق.
٩ - (ومنها): استحباب المبادرة ببناء المسجد قبل بناء المنازل.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة بيع الأرض وشرائها، ومنع اغتصابها.
стр. 6450
١١ - (ومنها): جواز التبرّع للَّه تعالى بما يملكه من الأراضي.
١٢ - (ومنها): جواز نبش القبور الدارسة، وأنه إذا أُزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم، جازت الصلاة في تلك الأرض، وجاز اتخاذ موضعها مسجدًا إذا طُيِّبت أرضه.
١٣ - (ومنها): أن الأرض التي دُفِن فيها الموتى، ودَرَسَت يجوز بيعها، وأنها باقية على ملك صاحبها، وورثتِهِ من بعده إذا لم توقف، قاله النوويّ ﵀.
وقال في "العمدة": فيه جواز نبش قبور المشركين؛ لأنه لا حرمة لهم، ويجوز نبش عظامهم، ونقلها من الأرض؛ للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك.
[فإن قلت]: كيف يجوز إخراجهم من قبورهم، والقبر مختصّ بمن دُفن فيه، فقد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه؟.
[قلت]: تلك القبور التي أَمَر النبيّ ﷺ بنبشها لم تكن أملاكًا لمن دُفِن فيها، بل لعلها غُصِبت، فلذلك باعها مُلّاكها، وعلى تقدير التسليم أنها حُبِسَت فليس بلازم، إنما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار، ولهذا قال الفقهاء: إذا دُفِن المسلم في أرض مغصوبة يجوز إخراجه، فضلًا عن المشرك.
وقد يجاب بأنه دَعَت الضرورة، والحاجة إلى نبشهم فجاز.
[فإن قلت]: هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار؛ لِيُتَّخَذ مكانها مساجد؟.
[قلت]: أجاز ذلك قومٌ، محتجين بهذا الحديث، وبما رواه أبو داود: أن النبيّ ﷺ قال: "هذا قبر أبي رِغَال، وهو أبو ثَقِيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يُدْفَع عنه، فلما خَرَج أصابته النِّقْمَة، فدُفن بهذا المكان، وآية ذلك أنه دُفِن معه غُصْن من ذهب، فابتدر الناس، فنبشوه، واستخرجوا الغصن" (١).
قالوا: فإذا جاز نبشها لطلب المال، فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى،
стр. 6451
وليست حرمتهم موتى بأعظم منها، وهم أحياء، بل هو مأجور في ذلك.
وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون، والشافعيّ، وأشهب بهذا الحديث.
وقال الأوزاعيّ: لا يُفْعَل؛ لأن رسول اللَّه لما مَرّ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظَلَموا إلَّا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم"، متّفق عليه، فنهى أن يدخل عليهم مساكنهم، فكيف قبورهم؟ وقال الطحاويّ: قد أباح دخولها على وجه البكاء. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي جواز نبش قبور المشركين عند الحاجة؛ لحديث الباب، ولا يعارضه حديث: "لا تدخلوا. . . إلخ"؛ لأنه يُحمل على غير الحاجة، أو كان على وجه الغفلة، واللهو دون البكاء والخشية، واللَّه تعالى أعلم.
قال: [فإن قلت]: هل يجوز أن تُبْنَى على قبور المسلمين؟.
[قلت]: قال ابن القاسم: لو أن مَقْبَرة من مقابر المسلمين عَفَت، فَبَنَى قوم عليها مسجدًا، لم أر بذلك بأسًا، وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا دَرَست، واستُغْنِي عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد؛ لأن المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين، لا يجوز تملكه لأحد، فمعناهما على هذا واحد.
قال العينيّ: وذكر أصحابنا -يعني الحنفيّة- أن المسجد إذا خَرِب ودَثَر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عَفَت، ودَثَرت تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا يجوز أن يَبْنِي موضع المسجد دارًا، وموضع المقبرة مسجدًا، وغير ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في عودها إلى ملك أصحابها في هذه الحالة عندي نظر؛ بل الذي يظهر في مثل هذه الحالة أن تباع، ويُصرَف ثمنها في إنشاء محلّ مسجد، أو مقبرة في مكان ينتفع به المسلمون، واللَّه تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): جواز قطع الأشجار المثمِرَة للحاجة والمصلحة؛
стр. 6452
لاستعمال خشبها، أو لِيُغرَس موضعها غيرها، أو لخوف سقوطها على شيء تُتلفه، أو لاتخاذ موضعها مسجدًا، أو قطعها في بلاد الكفار، إذا لم يُرْجَ فتحها؛ لأن فيه نكايةً وغيظًا لهم، وإضعافًا وإرغامًا.
قال ابن رجب ﵀: وقد نصّ أحمد على جواز القطع إذا كانت في داره نخل وضيَّقت عليه، فلا بأس أن يقطعها.
وكره جماعة قطع الشجر الذي يُثمر، منهم الحسن، والأوزاعيّ، وإسحاق، وكره أحمد قطع السدر خاصّةً؛ لحديث مرسل، ورد فيه (١)، وقال: قلّ إنسان فعله إلا رأى ما يكره في الدنيا، ورخَّص في قطعه أَخرون. انتهى (٢).
١٥ - (ومنها): جواز الارتجاز، وقول الأشعار في حال الأعمال الشاقّة، والأسفار، ونحوها؛ لتنشيط النفوس، وتحريك الهمّة، وتشجيعها على معالجة الأمور الصعبة.
قال في "الفتح": وذكر الزبير من طريق مُجَمِّع بن يزيد، قال قائل من المسلمين في ذلك [من الرجز]:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ … ذَاكَ إِذًا لَلْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ
ومن طريق أخرى عن أم سلمة ﵂ نحوه، وزاد: قال: وقال عليّ بن أبي طالب ﵁[من الرجز]:
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا … يَدْأَبُ فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدَا
وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائِدَا
وقال القرطبيّ ﵀: وهذا الحديث وشبهه يُستدلّ به على جواز إنشاد الشعر، والاستعانة بذلك على الأعمال، والتنشيط.
قال: ومن هنا أخذت الصوفيّة إباحة السماع، غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك، وتَعَدَّوا فيه الوجه الجائز، وتذرّعوا بذلك إلى استباحة المحرّمات من أصناف الملاهي، كالشّبابات، والطارات، والرقص، وغير ذلك، وهذه أفعال
стр. 6453
الْمُجّان، أهل البطالة والفسوق المدخلين في الشريعة ما ليس منها - أعاذنا اللَّه تعالى من ذلك بمنّه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
١٦ - (ومنها): جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها، وإخراج ما فيها.
١٧ - (ومنها): أن ما ورد في كراهة البناء مختصّ بما زاد على الحاجة، أو لم يكن في أمر دينيّ، كبناء المساجد.
١٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع، وكمال الخُلُق حيث ينقل الصخر والتراب معهم، ويُجيبهم في شعرهم.
١٩ - (ومنها): أن الخير كلَّ الخير هو خير الآخرة؛ لكونه لا ينقطع بخلاف خير الدنيا، فإنه سريع الزوال، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، إلى غير ذلك من الآيات.
٢٠ - (ومنها): استحباب الدعاء بالنصر للمسلمين.
٢١ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": واحتجّ من أجاز بيع غير المالك بهذه القصّة؛ لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين.
وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجّار فساومهما، وأشرك معهما في المساومة عمّهما الذي كانا في حَجْره. انتهى.
٢٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: وفي بنائه ﷺ مسجده بالجذوع والجريد دليلٌ على ترك الزَّخْرفة في المساجد، والتأَنُّق فيها، والإسراف، بل قد ورد عنه ﷺ ما يقتضي النهي عن زخرفتها، وتشييدها، فقال: "ما أُمرتُ بتشييد المساجد"، وقال ابن عبّاس: "لتزخرفُنّها كما زَخرفت اليهود والنصارى". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث هذا أخرجه أبو داود في "سننه" بسند
стр. 6454
صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أُمرت بتشييد المساجد"، قال ابن عباس: "لتزخرِفُنَّها كما زَخْرَفت اليهود والنصارى" (١).
وقال البخاريّ في "صحيحه": "باب بنيان المسجد"، وقال أبو سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل، وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أَكِنّ الناس من المطر، وإياك أن تُحَمِّر، أو تُصَفِّر، فتفتن الناس، وقال أنس: يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا، وقال ابن عباس: لتزخرفُنّها كما زخرفت اليهود والنصارى. انتهى.
٢٣ - (ومنها): ما قاله ابن رجب ﵀: في الحديث دليل على طهارة الأرض بالاستحالة؛ فإن النبي ﷺ لم يأمرهم عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور، ولا تطهيرها، ولو فَعَل ذلك لما أهمل تعلّمه؛ للحاجة إليه، ويدلّ عليه أيضًا أن الصحابة ﵁ كانوا يخوضون الطين في الطرقات، ولا يغسلون أرجلهم، والنجاسات مُشاهدة في الطرقات، فلو لم تَطْهُر بالاستحالة لما سومح في ذلك، وهذا قول طائفة من العلماء من السلف، كأبي قلابة وغيره، ورجحه بعض الحنابلة، وهو رواية عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أن الأرض النجسة إذا جفّت، فإنه يصلي عليها، ولا يتيمّم بها، ومذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وغيرهم أنها نجسة بكلّ حال. انتهى (٢).
٢٤ - (ومنها): ما قاله ابن رجب أيضًا: في الحديث دليلٌ على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح؛ فإن النبيّ ﷺ طلب شراء هذا الْمِربد، وهذه المسألة على قسمين:
[أحدهما]: أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه، ونقله كأهل الحرب، ومن دُفن في مكان مغصوب، فهذا لا شكّ في صحّة البيع للأرض كلّها، ويُنقل المدفون فيها، كما أمر النبيّ ﷺ بنقل عظام المشركين.
[والثاني]: أن يكون المقبور محترمًا، لا يجوز نبشه، فلا يصحّ بيع موضع القبور خاصّة، وهل يصحّ في الثاني؟ يُخرّج على الخلاف في تفريق
стр. 6455
الصفة. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل ينشد النبيّ ﷺ شعرًا أم لا؟
قال النوويّ ﵀: اختَلَف أهل العروض، والأدب في الرجز، هل هو شعر أم لا؟، واتفقوا على أن الشعر لا يكون شعرًا إلا بالقصد، أما إذا جَرَى كلام موزون بغير قصد، فلا يكون شعرًا، وعليه يُحْمَل ما جاء عن النبيّ ﷺ من ذلك؛ لأن الشعر حرام عليه ﷺ . انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: اختَلَف أصحاب العروض، وعلم الشعر في أعاريض الرجز، هل هي من الشعر؟ الصحيح أنه من الشعر؛ لأن الشعر هو كلام موزون تُلْتَزَم فيه القوافي، والرجز كذلك، وأيضًا فإن قريشًا لَمّا اجتمعوا، وتراؤوا فيما يقولون للناس عن النبيّ ﷺ ، فقال قائل: نقول: هو شاعر، فقالوا: واللَّه لتكذّبنّكم العرب، قد عرفنا الشعر كلّه، هزجه، ورجزه، ومقبوضه، ومبسوطه، فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر.
وإنما أخرجه من جنس الشعر مَن أشكل عليه إنشاد النبيّ ﷺ إياه، فقال: لو كان شعرًا لَمَا عَلِمه النبيّ ﷺ ؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر، أو قاله، أو تمثل به على وجه الندور، لم يستحقّ اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنه يعلم الشعر، ولا يُنسب إليه، ولو كان كذلك للزم أن يُطلَق على الناس كلّهم أنهم شُعراء، ويعلمون الشعر؛ لأنهم لا يخلون أن يعرفوا كلامًا موزونًا مرتبطًا على أعاريض الشعر. انتهى (٣).
وقال في "الفتح" عند قول ابن شهاب بعد روايته حديث الباب: "ولم يبلغنا أن النبيّ ﷺ تمثّل ببيت شعر تامّ غير هذه الأبيات"، وزاد ابن عائذ في آخره: "التي كان يرتجز بهنّ، وهو ينقل اللَّبِن لبناء المسجد".
قال ابن التين: أُنكر على الزهريّ هذا من وجهين:
стр. 6456
[أحدهما]: أنه رجزٌ، وليس بشعر، ولهذا يقال لقائله: راجزٌ، ويقال: أنشد رجزًا، ولا يقال له: شاعرٌ، ولا أنشد شعرًا.
[والوجه الثاني]: أن العلماء اختلفوا هل ينشد النبيّ ﷺ شعرًا أم لا؟، وعلى الجواز هل ينشد بيتًا واحدًا، أو يزيد؟ وقد قيل: إن البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظرٌ. انتهى.
والجواب عن الأول أن الجمهور على أن الرجز من أقسام الشعر، إذا كان موزونًا، وقد قيل: إنه كان ﷺ إذا قال ذلك لا يُطْلِق القافية، بل يقولها متحركة التاء، ولا يثبت ذلك.
وفي حديث سهل بن سعد ﵁ في غزوة الخندق بلفظ: "فاغفر للمهاجرين والأنصار"، وهذا ليس بموزون.
وعن الثاني بأن الممتنع عنه ﷺ إنشاؤه، لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلًا، وقول الزهريّ: "لم يبلغنا" لا اعتراض عليه فيه، ولو ثبت عنه ﷺ أنه أنشد غير ما نقله الزهريّ؛ لأنه نَفَى أن يكون بلغه، ولم يُطْلِق النفي المذكور، على أن ابن سعد رَوَى عن عفّان، عن معتمر بن سليمان، عن معمر، عن الزهريّ قال: لم يقل النبيّ ﷺ شيئًا من الشعر، قيل: قبله، أو يُرْوَى عن غيره إلا هذا، كذا قال، وقد قال غيره: إن الشعر المذكور لعبد اللَّه بن رواحة، فكأنه لم يبلغه، وما في "الصحيح" أصحّ، وهو قوله: "شعر رجل من المسلمين". انتهى (١).
وقد ذكر العلامة أبو عبد اللَّه القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]: ما نصّه: إصابة الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يَعْلَم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن، كقوله يوم حنين وغيره:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
وقوله:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
стр. 6457
فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام، وليس ذلك شعرًا، ولا في معناه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ذكر ابن العربيّ منها آيات، وتكلم عليها، وأخرجها عن الوزن، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ": ليس بشعر.
وقال الخليل في "كتاب العين": إنّ ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرًا، ورُوي عنه أنه من منهوك الرجز، وقد قيل: لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء، من قوله: "لَا كَذِبْ"، ومن قوله: "عَبْدِ الْمُطَّلِبْ"، ولم يُعْلَم كيف قاله النبيّ ﷺ .
قال ابن العربيّ: والأظهر من حاله أنه قال: "لَا كَذِب" الباء مرفوعة، وبخفض الباء من "عبد المطلب" على الإضافة.
وقال النحاس: قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرًا؛ لأنه إذا فَتَحَ الباءَ من البيت الأول، أو ضمها، أو نوّنها، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر.
وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر، وهذا مكابرة للعيان؛ لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره، وأما قوله: "هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ" فقيل: إنه من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من "دَمِيت"، فان سكن لا يكون شعرًا بحال؛ لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع، ولعل النبيّ ﷺ قالها ساكنة التاء، أو متحركة التاء من غير إشباع.
والمعوَّل عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ويسقط الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبيّ ﷺ عالِمًا بالشعر، ولا شاعرًا أن التمثل بالبيت النزر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره، لا يوجب أن يكون قائلها عالِمًا بالشعر، ولا يُسَمَّى شاعرًا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطًا لا يكون خياطًا.
قال أبو إسحاق الزجاج: معنى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾: وما علّمناه أن يَشْعُر، أي ما جعلناه شاعرًا، وهذا لا يمنع أن يُنْشِد شيئًا من الشعر.
стр. 6458
قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: إنما أخبر اللَّه أنه ما علّمه اللَّه الشعر، ولم يُخبِر أنه لا ينشد شعرًا، وهذا ظاهر الكلام.
وقيل فيه قولٌ بَيِّنٌ زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا: كل من قال قولًا موزونًا لا يقصد به إلى شعر، فليس بشعر، وإنما وافق الشعر، وهذا قولٌ بَيِّنٌ، قالوا: وإنما الذي نفاه اللَّه عن نبيه ﷺ فهو العلم بالشعر وأصنافه وأعاريضه وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بذلك بالاتّفاق، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه، إذا قَدِموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول إنه شاعر، فقال أهل الفطنة منهم: واللَّه لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فواللَّه ما يُشبه شيئًا منها، وما قوله بشعر، وقال أنيسٌ أخو أبي ذرّ: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر (١)، فلم يلتئم أنه شعر، أخرجه مسلم، وكان أنيس من أشعر العرب.
وكذلك قال عتبة بن أبي ربيعة، لما كلّمه: واللَّه ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر، وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء، واللُّسْنِ البلغاء.
ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يُعَدُّ شعرًا، وإنما يُعَدّ منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، فقد يقول القائل: "حدّثنا شيخ لنا"، وينادي: "يا صاحب الكسائي"، ولا يُعَدُّ هذا شعرًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجواب الأخير هو أحسن الأجوبة عندي، وحاصله أن الشعر المعنيّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] هو الذي يقع عن قصد، وأما ما يقع اتّفاقًا من غير قصد إليه، فلا يُعدّ شعرًا، فما وقع في كلامه ﷺ موزونًا، وكان ما أنشده لغيره، وما وقع في الآيات القرآنية موافقًا لأوزان بعض البحور، فليس بشعر؛ لما أسلفناه، وبهذا يزول الإشكال، ويحسن المقال، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6459
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الرد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) جمع مَرْبِضٍ -بفتح الميم، وسكون الراء، وكسر الموحّدة-: مأوى الغنم، قال الفيّوميّ ﵀: الرَّبَضُ -بفتحتين- والْمَرْبِض، وزانُ مَجْلِسٍ للغنم: مأواها ليلًا، والرَّبض للمدينة ما حولها، قال ابن السِّكِّيت: والرَّبَضُ أيضًا: كلُّ ما أويت إليه من أُخت، أو امرأة، أو قرابة، أو غير ذلك، ورَبَضَت الدابّة رَبْضًا، من باب ضَرَب، ورُبُوضًا، وهو مثلُ بُرُوك الإبل. انتهى (١).
وقال في "العين": الرّبَضُ": ما حول مدينة، أو قصر، من مساكن جُند، أو غيرهم، ومسكنُ كلّ قوم على حيالهم: رَبَضٌ، ويُجمع على أرباض. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: مرابض الغنم: هي مباركها،
стр. 6460
ومواضع مبيتها، ووَضْعِها أجسادها على الأرض للاستراحة، قال ابن دريد: ويقال ذلك أيضًا لكل دابة من ذوات الحوافر والسباع.
واستَدَلّ بهذا الحديث مالك، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- وغيرهما ممن يقول بطهارة بول المأكول وروثه، وقد سبق بيان المسألة في آخر "كتاب الطهارة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق هناك ترجيح مذهبهما؛ لقوّة دليله، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وفيه أنه لا كراهة في الصلاة في مُرَاح الغنم، بخلاف أعطان الإبل، وسبقت المسألة هناك أيضًا. انتهى (١).
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ) ببناء الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والمعنى: قبل أن يبني ﷺ مع أصحابه مسجده الشريف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ (٢)، حَدَّثَنَا (٣) خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
[تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في معظمها: "حدّثنا يحيى بن يحيى"، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في
стр. 6461
معظم النسخ "يحيى بن يحيى"، وفي بعضها: "يحيى" فقط غير منسوب، والذي في "الأطراف" لخلف أنه يحيى بن حبيب، قيل: وهو الصواب (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كونه "يحيى بن حبيب" هو الذي صرّح به الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٢٨) فقال: "رواه مسلم عن عُبيد اللَّه بن معاذ، عن أبيه، وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث". انتهى.
وهو الذي مشى عليه الحافظ المزيّ في "تحفة الأشراف" (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧) فقال: "رواه مسلم عن يحيى بن حبيب بن عربيّ"، ولم يتعقّبه الحافظ في "نكته"، وفي كلام النوويّ ما يدلّ على أنه الصواب، ولذا أثبتّه هنا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن خالد بن الحارث حدّث، عن شعبة بمثل حديث معاذ بن معاذ، عنه.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث هذه لم أجد من ساقها من طريقه، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢) - (بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨١] (٥٢٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (٢) إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا
стр. 6462
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَحَدَّثَهُمْ (١)، فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ الأصل، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابد، اختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) أو قبلها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٤ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٦٨) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن أبا إسحاق مشهور بالتدليس، وقد عنعن هنا، لكنه صرّح بالسماع في رواية سفيان التالية، حيث قال: "سمعت البراء"، فزال ما يُخشى منه من التدليس، وللَّه الحمد.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄.
стр. 6463
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄، قد تقدّم آنفًا أن أبا إسحاق قال في رواية سفيان التالية: "سمعتُ البراء"، فانتفت تهمة التدليس عنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي نسخة: "مع رسول اللَّه ﷺ " (إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وفي رواية سفيان: "نحو بيت المقدس"، أي جهته، و"المقدس" -بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال- مصدر ميميّ، كالمرجِعِ، أو اسم مكان من القُدْس، وهو الطُّهْر، أي المكان الذي يُطَهَّر فيه العابد من الذنوب، أو تُطَهَّر العبادة من الأصنام، وجاء فيه ضم الميم، وفتح القاف والدال المشددة، وهو اسم مفعول من التقديس، أي التطهير، وقد جاء بصيغة اسم الفاعل أيضًا؛ لأنه يُقَدَّس العابد فيه من الآثام، وفي "العُباب": القُدُس والقُدْس، مثال خُلُق وخُلْق: الطهر، اسم مصدر، ومنه حَظِيرة القدس، وروح القدس جبريل ﵇، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ الآية [البقرة: ٨٧ و ٢٥٣] وقيل له: روح القدس؛ لأنه خلق من الطهارة، قاله في "العمدة" (١)، وقد تقدّم البحث في هذا بأتمّ مما هنا عند شرح حديث الإسراء، وللَّه الحمد والمنّة.
(سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا) هكذا رواية أبي الأحوص، عن أبي إسحاق: "ستّة عشر شهرًا" بدون شكّ، ووقع في رواية سفيان التالية: "ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا" بالشكّ، وكذا وقع بالشكّ عند البخاريّ من رواية زُهير بن معاوية، عن أبي إِسحاق، قال في "الفتح": قوله: "ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر" كذا وقع الشكّ في رواية زهير هذه هنا -يعني في الإيمان- وفي "الصلاة" أيضًا، عن أبي نعيم عنه، وكذا في رواية الثوريّ عنده، وفي رواية إسرائيل عند البخاريّ، والترمذي أيضًا، ورواه أبو عوانة في "صحيحه" عن عمار بن رجاء وغيره، عن أبي نعيم، فقال: "ستة عشر" من غير شكّ، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص، وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك، ولأبي عوانة أيضًا من رواية عمار بن رُزيق -بتقديم الراء، مصغرًا- كلهم عن أبي إسحاق، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس، وللبزار،
стр. 6464
والطبرانيّ من حديث عمرو بن عوف: "سبعة عشر"، وكذا للطبرانيّ عن ابن عباس.
قال: والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون مَن جزم بستة عشر لَفَّق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الزائد، ومَن جزم بسبعة عشر عدَّهما معًا، ومن شكّ تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس.
وقال ابن حبان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول.
وشذَّت أقوال أخرى، ففي ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث: "ثمانية عشر شهرًا"، وأبو بكر سيئ الحفظ، وقد اضطَرَب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية سبعة عشر، وفي رواية ستة عشر، وخرّجه بعضهم على قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووي في "الروضة"، وأقرّه، مع كونه رَجَّح في شرحه لمسلم رواية ستة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن ألغَى شهري القدوم والتحويل.
وقد جَزَم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة.
ومن الشذوذ أيضًا رواية ثلاثة عشر شهرًا، ورواية تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ورواية شهرين، ورواية سنتين، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب، وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول.
فجملة ما حكاه تسع روايات. انتهى ما في "الفتح" (١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًا.
(حَتَّى نَزَلَتِ الْآيةُ الَّتي فِي الْبَقَرَةِ) أي في "سورة البقرة"، وقوله: (﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]) بدل من "الآيةُ"، قال الإمام ابن كثير عند تفسير هذه الآية: أمر اللَّه تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض،
стр. 6465
شرقًا وغربًا، وشَمالًا وجنوبًا، ولا يُستثنى من هذا شيءٌ، سوى النافلة حال السفر، فإنه يصلّيها حيثما توجّه قالبه، وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن اللَّه تعالى لا يكلّف نفسًا إلا وسعها. انتهى (١).
(فَنَزَلَتْ) أي هذه الآية الكريمة (بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ) أي صلاة الظهر؛ لأن أول صلاة صلّاها إلى الكعبة بعد التحويل هي العصر، كما بُيّنت في رواية البخاريّ، ولفظه: عن البراء قال: لَمّا قَدِم رسول اللَّه ﷺ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، فوجّه نحو الكعبة، وصلى معه رجل العصر، ثم خرج، فَمَرّ على قوم من الأنصار، فقال: هو يشهد أنه صلى مع النبي ﷺ وأنه قد وُجّه إلى الكعبة، فانحرفوا، وهم ركوع في صلاة العصر. انتهى.
فتبيّن بهذا أن قوله هنا: "بعدما صلى النبيّ ﷺ " يريد صلاة الظهر؛ لأن العصر صلّاها إلى الكعبة بعد التحويل.
[تنبيه]: اختَلَفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء ﵁ هذا أنها العصر، وذكر محمد بن سعد في "الطبقات" قال: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أُمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبيّ ﷺ أم بشر بن البراء بن مَعْرور في بني سَلِمَة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه ركعتين، ثم أُمر، فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسُمِّي مسجد القبلتين، قال ابن سعد: قال الواقديّ: هذا أثبت عندنا.
وأخرج ابن أبي داود بسند ضعيف، عن عمارة بن رُوَيبة: كنا مع النبيّ ﷺ في إحدى صلاتي العشيّ حين صُرِفت القبلة، فدار، ودُرْنا معه في ركعتين.
стр. 6466
وأخرج البزار من حديث أنس ﵁: انصرف رسول اللَّه ﷺ عن بيت المقدس، وهو يصلي الظهر بوجهه إلى الكعبة.
وللطبرانيّ نحوه من وجه آخر عن أنس، قال في "الفتح": وفي كلّ منهما ضعف. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كل هذا الروايات ضعاف، لا تقاوم ما في "الصحيح" من حديث البراء ﵁، حيث دلّ على أنه ﷺ بعدما صلّى صلاة الظهر أمر بالتوجّه إلى الكعبة، فصلّى العصر متوجّها إليها، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "العمدة" في شرح قوله: "صلاة العصر": كذا هو ههنا "صلاة العصر"، وجاء أيضًا من رواية البراء، أخرجها البخاري في "الصلاة"، وفيه: "فصلى مع النبيّ ﷺ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمَرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس، فقال لهم، فانحرفوا"، فقيّد الأولى بالعصر في الحديث الأول، وأطلق الثانية، وقَيّد في الحديث الثاني الثانية بالعصر، وأطلق الأولى، وجاء في البخاري في "كتاب خبر الواحد" تقييده الصلاتين بالعصر، فقال من رواية البراء أيضًا: "فوُجِّه نحو الكعبة، وصلى معه رجل العصر، ثم خَرَج، فمَرَّ على قوم من الأنصار، فقال لهم: هو يشهد أنه صلى مع النبيّ ﷺ العصر، وأنه قد وُجِّه إلى الكعبة، قال: فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر"، وكذا جاء في الترمذيّ أيضًا أن الصلاتين كانتا العصر، ولم يذكر مسلم، ولا النسائيّ في حديث البراء هذا تعيين صلاة العصر، ولا غيرها.
وجاء في البخاريّ، والنسائيّ، ومسلم أيضًا في "كتاب الصلاة" من حديث مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ"، وفيه: "فكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة"، وكذلك أيضًا جاء في مسلم من رواية ثابت، عن أنس، كرواية ابن عمر أنها الصبح: "فمَرَّ رجل من بني سَلِمَة، وهم ركوع في صلاة الفجر" (٢).
стр. 6467
قال الجامع عفا اللَّه عنه: طريق الجمع بين روايتي العصر والصبح أن التي صلاها الرجل مع النبيّ ﷺ هي العصرُ، ثم مَرّ على قوم من الأنصار في تلك الصلاة، وهي العصر، فهذا من رواية البراء ﵁.
وأما رواية ابن عمر وأنس ﵃ أنها الصبح فهي صلاة أهل قباء في اليوم الثاني.
والحاصل أن الذين مَرّ بهم في العصر ليسوا أهل قباء، وإنما هم أهل مسجد بالمدينة، وهم بنو حارثة، على ما قيل، فمَرَّ عليهم وهم في صلاة العصر، وأما أهل قباء، فأتاهم الآتي في صلاة الصبح، من اليوم الثانيّ، كما جاء مُصَرَّحًا به في الروايات.
وهذا هو الحقّ والصواب في الجمع بين الروايات، خلاف ما ادّعاه بعضهم من ترجيح رواية الصبح؛ لأنها من رواية صحابيين: ابن عمر وأنس، كما سيأتي للمصنّف، وتضعيف رواية العصر؛ لكونها في بعض طرق حديث البراء ﵁ دون بعض؛ إذ في بعضها لم تُعيّن، وهذا رأي ضعيفٌ؛ إذ فيه تضعيف ما جاء في "الصحيح" بدون مقتضٍ لذلك؛ لأن الجمع واضح على الوجه الذي أسلفناه، فما الداعي إلى التضعيف؟، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَانْطَلَقَ) أي ذهب (رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) أي الذين صلّوا معه ﷺ صلاة العصر قبل الكعبة، وهذا الرجل هو: عبّاد بن بشر بن قَيْظِيّ، كما رواه ابن مندهْ من حديث تُوَيلة بنت أسلم، وكانت من المبايعات، ذكره الفاكهي في "أخبار مكة"، وقيل: هو: عبّاد بن نَهِيك -بفتح النون، وكسر الهاء- ابن إساف الْخَطْميّ، صلى إلى القبلتين مع النبيّ ﷺ ركعتين إلى بيت المقدس، وركعتين إلى الكعبة يومَ صُرِفت، قاله ابن عبد البرّ، وفيه قول ثالث: إنه عباد بن وهب ﵁ (١).
(فَمَرَّ بِنَاسِ) "الناس": اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده: إنسان من غير لَفظه، مُشْتَقّ من ناس ينوس: إذا تَدَلَّى وتَحَرَّك، فيُطْلَق على
стр. 6468
الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثم فَسَّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾، وسُمِّي الجن ناسًا كما سُمُّوا رجالًا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، وكانت العرب تقول: رأيت ناسًا من الجنّ، ويصغر الناس على نُوَيس، لكن غَلَب استعماله في الإنس، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقوله: (مِنَ الأَنْصَارِ) متعلّق بمحذوف صفة لـ "ناس"، وهم بنو حارثة، كما في "الفتح".
(وَهُمْ يُصَلُّونَ) جملة حاليّة من "ناس" (فَحَدَّثَهُمْ) وفي بعض النسخ: "فحدّثهم بالحديث"، يعني أنه ذكر لهم خبر تحويل القبلة، وفي رواية البخاريّ: "فقال لهم: أشهد باللَّه، لقد صلّيتُ مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ مكة" (فَوَلَّوْا) بفتح اللام المشدّدة، وإنما لم تُضمّ اللام مع أنها قبل واو الضمير، وما قبلها يُضمّ؛ لكونها لم تقع قبله في التقدير؛ إذ أصلها وَلَّيُوا بوزن كَلَّمُوا، فقُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت؛ لالتقاء الساكنين، فصارت ما قبل الوا ومحذوفًا، ومعناه: حوّلوا (وُجُوهَهُمْ، قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة، أي جهة (الْبَيْتِ) أي الكعبة؛ لأنه صار علَمًا لها بالغلبة، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَالْعَقَبَهْ
وفي رواية للبخاريّ: "فداروا كما هم قبل البيت"، وقد جاء بيان كيفيّة التحوّل في حديث تُويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم، وقد تقدم بعضه قريبًا، وقالت فيه: "فتحوّل النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلّينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام".
قال الحافظ ﵀: وتصويره أن الإمام تحوّل من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد؛ لأن مَن استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحوّل الإمام تحوّلت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صِرْن خلف الرجال.
стр. 6469
وهذا يستدير عملًا كثيرًا في الصلاة، فَيَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتُفِرَ العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو لم تَتَوال الْخُطَى عند التحوُّل، بل وقعت مُفَرَّقةً. انتهى (١). وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١١٨١ و ١١٨٢] (٥٢٥)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٤٠)، و"الصلاة" (٣٩٩)، و"التفسير" (٤٤٨٦ و ٤٤٩٢)، و"أخبار الآحاد" (٧٢٥٢)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٤٠)، و"التفسير" (٢٩٦٢)، و (النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٦٠)، وفي "الكبرى" (١١٥٥٠ و ١١٠٠٣)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠١٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧١٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧١٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٦٢ و ١١٦٣ و ١١٦٤ و ١١٦٥ و ١١٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٦١ و ١١٦٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٦٥)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٣/ ١٣٣ - ١٣٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٤٤٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وذلك بعد ستة عشر شهرًا من الهجرة.
وقد اختلف العلماء في الجهة التي كان النبيّ ﷺ يتوجّه إليها للصلاة،
стр. 6470
وهو بمكة، فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس.
وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس.
وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحوّل إلى المدينة استقبَلَ بيت المقدس، قال في "الفتح": وهذا ضعيف؛ لأنه يلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصحّ؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره، من حديث ابن عباس ﵄ (١).
٢ - (ومنها): بيان صحّة نسخ الأحكام، وهو جائز عقلًا، وواقع شرعًا، وهذا مجمع عليه عند المسلمين، خلافًا لليهود -لعنهم اللَّه- فعند بعضهم باطل نقلًا، وهو ما جاء في التوراة: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، فادَّعَوا نقله تواترًا، ويدّعون النقل عن موسى ﵇ أنه قال: لا نسخ لشريعته، وعند بعضهم باطلٌ عقلًا، وكلّ ذلك من اختلاقاتهم، وافتراءاتهم على اللَّه تعالى، وعلى أنبيائهم، كما أخبرنا اللَّه تعالى بذلك.
٣ - (ومنها): جواز نسخ السنة بالقرآن، وهو جائز عند الجمهور، وللشافعي فيه قولان، قال في إحدى قوليه: لا يجوز كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولًا واحدًا.
وقال عياض: أجازه الأكثر عقلًا وسمعًا، ومنعه بعضهم عقلًا، وأجازه بعضهم عقلًا، ومنعه سمعًا.
وقال القرطبيّ ﵀: نسخ السنّة بالقرآن أجازه الجمهور، ومنعه الشافعيّ، وهذه الأحاديث حجةٌ عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] نَسخ لما قرّره رسول اللَّه ﷺ من العهد والصلح على ردّ كلّ من أسلم من الرجال والنساء من أهل مكة، وغير ذلك. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": استدل المجيزون بأن التوجه نحو بيت المقدس لم يكن ثابتًا بالكتاب، وقد نُسِخ بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤ و ١٥٠].
стр. 6471
وأجيب من جهة الشافعيّ بأنه إنما نُسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر كان أولًا بتخيير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ثم نسخ باستقبال القبلة.
وأجاب بعضهم بأن قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] مُجْمَل فُسِّر بأمور، منها: التوجه إلى بيت المقدس، فيكون كالمأمور به لفظًا في الكتاب، فيكون التوجمه إلى بيت المقدس بالقرآن بهذه الطريقة، وباحتمال أن المنسوخ كان قرآنًا نُسِخ لفظه.
وقال بعضهم: النسخ كان بالسنة، ونزل القرآن على وفقها.
ورُدّ الأول والثاني بأنا لو جوّزنا ذلك لأفضى إلى أن لا يُعْلَم ناسخ من منسوخ بعينه أصلًا، فإنهما يطّردان في كل ناسخ ومنسوخ، والثالث مجرد دعوى فلا تقبل.
قالوا: قال اللَّه تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وصفه بكونه مبنيًا، فلو جاز نسخ السنة بالقرآن، لم يكن النبيّ ﷺ مبينًا، واللازم باطل، فالملزوم مثله، أما الملازمة فلأنه إذا أثبت حكمًا، ثم نسخه اللَّه تعالى بقوله، لم يتحقق التبيين منه؛ لأن المنسوخ مرفوع لا مُبَيَّن؛ لأن النسخ رفع لا بيان، وأما بطلان اللازم، فلقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] حيث وصفه بكونه مبيّنًا.
قلنا: لا نسلم الملازمة؛ لأن المراد بالتبيين البيان، ولا نسلم أن النسخ ليس ببيان، فإنه بيان لانتهاء أمر الحكم الأول.
ولئن سلّمنا أن النسخ ليس ببيان، وأن المراد منه بيان العام والمجمل والمنسوخ وغيرهما، لكن نُسَلِّم (١) أن الآية تدل على امتناع كون القرآن ناسخًا للسنة.
وقالوا: لو جاز ذلك لزم تنفير الناس عن النبيّ ﷺ ، وعن طاعته؛ لأنه يوهم أن اللَّه تعالى لم يَرْضَ بما سنّه الرسول ﷺ ، واللازم باطل؛ لأنه مناقض للبعثة، فالملزوم كذلك.
стр. 6472
قلنا: الملازمة ممنوعة؛ لأنه إذا عُلِم أنه مُبَلِّغ عن اللَّه تعالى فلا تنفير، ولا تَنَفُّر؛ لأن الكل من عند اللَّه تعالى، قاله في "العمدة" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره في "العمدة" بحث نفيسٌ، وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" بحثًا مطوّلًا في هذه المسألة، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): جواز النسخ بخبر الواحد، قال القاضي عياض: وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحققين، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به، كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وأن الدليل الموجب لثبوته أولًا غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره (٢).
وقال في "الفتح": وفيه قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، ونسخ ما تقرر بطريق العلم به؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع؛ لمشاهدتهم صلاة النبيّ ﷺ إلى جهته، ووقع تحوّلهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد.
وأجيب بأن الخبر المذكور احتَفّت به قرائن ومقدمات، أفادت القطع عندهم بصدق ذلك المخبر، فلم يُنسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم.
وقيل: كان النسخ بخبر الواحد جائزًا في زمنه ﷺ مطلقًا، وإنما منع بعده، ويحتاج إلى دليل. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: ويُستدلّ بالحديث على أن حكم الخطاب لا يتعلّق بالمكلّف قبل بلوغه إياه، ويستدلّ به على قبول خبر الواحد الثقة في أمور الديانات مع إمكان السماع من الرسول ﷺ بغير واسطة، فمع تعذّر ذلك أولى وأحرى.
وما يقال من أن هذا يلزم منه نسخ المتواتر، وهو الصلاة إلى بيت المقدس بخبر الواحد، فالتحقيق في جوابه أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفّت به القرائن، فنداء الصحابيّ في الطرق والأسواق بحيث يسمعه المسلمون كلّهم بالمدينة، ورسول اللَّه ﷺ بها موجود، لا يتداخل من سمعه
стр. 6473
شكّ فيه أنه صادق فيما يقوله، وينادي به. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ جواز نسخ المتواتر بخبر الواحد؛ لإفادته العلم؛ كما دلّ عليه حديث الباب وغيره، وقد أطبق الصحابة ﵃ على قبوله.
قال القرطبيّ ﵀: قبول خبر الواحد مجمع عليه من السلف، ومعلوم بالتواتر من عادة النبيّ ﷺ في توجيهه ولاته ورسله آحادًا إلى الآفاق؛ ليُعَلِّمُوا الناس دينهم، ويبلغوهم سنة رسولهم ﷺ ، من الأوامر والنواهي، والمخالف في ذلك معاند، أو ناقص الفطرة. انتهى (٢).
وقد حقّقت هذا البحث في "التحفة المرضيّة"، وشرحها، فراجعهما تزدد علمًا، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
٥ - (ومنها): بيان أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه؛ لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة، مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم تلك بصلوات.
قال المازريّ ﵀: اختلفوا في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف؟ ويُحتَجّ بهذا الحديث لأحد القولين، وهو أنه لا يثبت حكمه حتى يبلغ المكلف؛ لأنه ذَكَر أنهم تحولوا إلى القبلة، وهم في الصلاة، ولم يعيدوا ما مضى، فهذا يدل على أن الحكم إنما يثبت بعد البلاع.
وقال غيره: فائدة الخلاف في هذه المسألة في أن ما فُعِل من العبادات بعد النسخ، وقبل البلاغ، هل يعاد أم لا؟، ولا خلاف أنه لا يلزم حكمه قبل تبليغ جبريل ﵇.
وقال الطحاويّ ﵀: وفيه دليل على أن من لم يعلم بفرض اللَّه، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم، والحجة غير قائمة عليه.
وقال القاضي عياض ﵀: قد اختَلَف العلماء فيمن أسلم في دار الحرب، أو أطراف بلاد الإسلام، حيث لا يجد من يتعلم منه الشرائع، ولا
стр. 6474
عَلِم أن اللَّه تعالى فرض شيئًا من الشرائع، ثم عَلِم بعد ذلك، هل يلزمه قضاء ما مرّ عليه من صيام وصلاة لم يعملها؟.
فذهب مالك، والشافعيّ في آخرين إلى إلزامه، وأنه قادر على الاستعلام، والبحث والخروج إلى ذلك.
وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفَرَّط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه، قال: وكيف يكون ذلك فرض على من لم يفرضه؟.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما قاله الإمام أبو حنيفة: هو الأرجح؛ لقوّة حجته، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): جواز الاجتهاد في زمن النبيّ ﷺ ؛ لأنهم لما تمادوا في الصلاة، ولم يقطعوها دلّ على أنه رَجَحَ عندهم التمادي والتحول على القطع والاسشاف، ولا يكون ذلك إلا عن اجتهاد، كذا قيل.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون عندهم في ذلك نصّ سابقٌ؛ لأنه كان مُتَرَقِّبًا التحول المذكور، فلا مانع أن يُعْلِمهم ما صَنَعُوا من التمادي والتحول. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في هذا النظر نظرٌ؛ إذ الأول هو الظاهر، فلا يدفع بالاحتمال، فتبصّر.
٧ - (ومنها): جواز تعليم من ليس في الصلاة مَن هو فيها، وأن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يفسد صلاته.
٨ - (ومنها): جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعيّ فمن صلى إلى جهة باجتهاد، ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فيستدير إلى الجهة الأخرى، حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في صلاة واحدة، فتصح صلاتهم على الأصح في مذهب الشافعيّ ﵀، ذكره في "العمدة" (١).
٩ - (ومنها): وجوب الصلاة إلى القبلة، والإجماع على أنها الكعبة -شرّفها اللَّه تعالى-.
стр. 6475
١٠ - (ومنها): أنه يُحْتَجّ به على أن من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة، ثم تبيّن له الخطأ لا تلزمه الإعادة؛ لأنه فعل ما عليه في ظنه، وإن خالف الصواب في نفس الأمر، كما أن أهل قباء فَعَلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقباء الأمر، فلم يؤمروا بالإعادة.
١١ - (ومنها): أن فيه الدلالة على شرف النبيّ ﷺ ، وكرامته على ربه، حيث يُعْطِي له ما يحبه ويتمنّاه، فقد تمنّى أن يوجّه إلى الكعبة، فأعطاه اللَّه ذلك، ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤].
١٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص على دينهم، والشفقة على إخوانهم، حيث قاموا بتبليغ نسخ القبلة في مساجد المدينة.
١٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ أيضًا من كمال طاعتهم للَّه تعالى، ولرسوله ﷺ ، حيث استجابوا من بلّغهم بأن القبلة قد حُولت، فتحولوا إلى الكعبة، مستجيبين للحقّ، ومنقادين له، فرضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين.
١٤ - (ومنها): أن ابن كثير: نقل عن ابن عبّاس ﵄ أن تحويل القبلة هو أول ما نُسخ من القرآن (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن اجتهد في القبلة، فصلى إلى غيرها، فهل يعيد أم لا؟:
ذهب إبراهيم النخعيّ، والشعبيّ، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وحماد إلى أنه لا يعيد، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإليه ذهب البخاريّ، وعن مالك كذلك، وعنه: يعيد في الوقت استحسانًا.
وقال ابن المنذر: وهو قول الحسن، والزهريّ، وقال المغيرة: يعيد أبدًا، وعن حميد بن عبد الرحمن، وطاووس، والزهريّ: يعيد في الوقت، وقال الشافعيّ: إن فرغ من صلاته، ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة، وإن لم يَبِن له ذلك إلَّا باجتهاده، فلا إعادة عليه.
стр. 6476
وفي "التوضيح": وقال الشافعيّ: إن لم يتيقن الخطأ فلا إعادة عليه، وإلا أعاد.
ورَوَى الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع النبيّ ﷺ في سفر، في ليلة مظلمة، فلم نَدْر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا على حِيَاله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيّ ﷺ ، فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١١٥]، لكن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده أشعث السمّان، وهو متروك.
قال الترمذيّ ﵀: وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة، فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأقوال عندي ما ذهب إليه الجمهور، ورجحه الإمام البخاريّ في "صحيحه"، حيث قال: "باب ما جاء في القبلة، ومن لا يرى الإعادة على من سها، فصلّى إلى غير القبلة"؛ لحديث الباب، ووجه دلالته عليه من حيث إن الخطأ والجهل متشابهان، فيكون حكمهما واحدًا، ولما استدلّ به البخاريّ: من أنه ﷺ سلّم في ركعتي الظهر. . . إلخ، وهو طرف من حديث أبي هريرة ﵁ في قصّة ذي اليدين، وهو موصول في "الصحيحين" من طرُق.
لكن قوله: "وأقبل على الناس" ليس في "الصحيحين" بهذا اللفظ موصولًا، لكنه في "الموطّأ" من طريق سفيان مولى ابن أحمد، عن أبي هريرة ﵁.
ووجه الاستدلال به من جهة أن بناءه على الصلاة دالّ على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلّي، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهيًا لا تبطل صلاته (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6477
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ الإمام الحافظ الحجة الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل بابين.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أي جهته.
وقوله: (ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) ببناء الفعل للمفعول، أي أمرنا أن نصرف وجوهنا جهة الكعبة؛ لأنها القبلة المطلوب استقبالها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٣] (٥٢٦) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفظُ لَهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
стр. 6478
بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليّ -بفتح القاف، وسكون السين المهملة، وفتح الميم مخفّفًا- مولاهم، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، ربّما وَهِمَ [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق الهمدانيّ، وعبد اللَّه بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وابن عجلان، والأعمش، وحُصين بن عبد الرحمن، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وغيرهم.
وروى عنه ابن مهديّ، وأبو عامر العَقَدّي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وحَرَميّ بن حفص، والعلاء بن عبد الجبار، وأبو عبيدة الحداد، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبيّ، وعبد اللَّه بن رجاء، وأبو عمر الْحَوْضيّ، وشيبان بن فَرُّوخ، وآخرون.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقةٌ، وقال أبو عامر: ثنا عبد العزيز، وكان من العابدين، وقال يحيى بن إسحاق: ثنا عبد العزيز، وكان من الأبدال، وقال النسائيّ في "التمييز": ليس به بأسٌ، وقال ابن نمير، والعجليّ: ثقةٌ، وقال يحيى بن حسان: كان من أفاضل الناس، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": أصله من مرو، وقال ابن حبان أيضًا في "كتاب الصحابة" في ترجمة فروة بن نوفل: عبد العزيز بن مسلم، رُبّما وَهِمَ، فأفحش.
قال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة سبع وستين ومائة، زاد ابن قانع: في ذي الحجة.
стр. 6479
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٢٦) و (٩٣٥) و (١١٥١) و (١٤٩٠).
٤ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٦٩) من رباعيّات الكتاب، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيبان، فانفرد به هو وأبو داود، والنسائيّ، وعبد العزيز، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له"، وقد مرّ البحث فيه غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) وفي رواية البخاريّ: "بينا"، وقد تقدّم أن أصله "بين" الظرفيّة زيد عليها "ما"، فصارت تُضاف إلى جملة اسميّة، أو فعلية، فهي هنا مضافة إلى قوله: (النَّاسُ) "أل" فيه للعهد الذهنيّ، والمراد بهم أهل قباء، ومن حضر معهم (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) ورواية موسى بن عقبة: "في صلاة الغداة"، وهو أحد أسمائها، وقد نُقِل بعضهم كراهية تسميتها بذلك، قاله في "الفتح" (١).
стр. 6480
وقال النوويّ ﵀: فيه جواز تسمية الصبح غداة، وهذا لا خلاف فيه، لكن قال الشافعيّ ﵀: سمّاها اللَّه تعالى "الفجر"، وسمّاها رسول اللَّه ﷺ "الصبح"، فلا أُحبّ أن تُسمّى بغير هذين الاسمين. انتهى (١).
وقال في "الفتح": وهذا فيه مغايرة لحديث البراء ﵁ المتقدم فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر.
والجواب أنه لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وَصَلَ وقت العصر إلى مَن هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك عباد بن بِشْر، أو ابن نَهِيك كما تقدم، ووصل الخبر وقت الصبح إلى مَن هو خارج المدينة، وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وذلك في حديث ابن عمر، ولم يُسَمّ الآتي بذلك إليهم، وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عباد بن بشر، ففيه نظرٌ؛ لأن ذلك إنما ورد في حقّ بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نَقُلوا محفوظًا فيَحْتَمِل أن يكون عباد أتى بني حارثة أوّلًا في وقت العصر، ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح.
ومما يدلّ على تعددهما أن مسلمًا رَوَى في هذا الباب من حديث أنس أن رجلًا من بني سَلِمَةَ مَرّ وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سَلِمَة غير بني حارثة، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا جمع في "الفتح"، وهو عندي جمع حسنٌ، إلا أن ابن رجب استبعده، والغريب أنه مع استبعاده لم يذكر لهذا الاختلاف هذا جمعًا، فتأمّل.
(بِقُبَاءٍ) متعلّق بمحذوف، خبر للمبتدأ، و"قُباء" بضمّ القاف، وتخفيف الموحّدة، والمدّ والصرف، وهو الأشهر، ويجوز فيه القصر، وعدم الصرف، وهو يُذَكَّر ويؤنث: موضع معروف بظاهر المدينة، والمراد هنا مسجد أهل قباء، ففيه مجاز الحذف.
(إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ) قال العينيّ: هو عبّاد بن بشر (فَقَالَ) ذلك الآتي (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود إلى