← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

ذُكر. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١١٩٦ و ١١٩٧ و ١١٩٨] (٥٣٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٦٨)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٩ و ٥٠)، و"التطبيق" (١٨٣ و ١٨٤) وفي "الكبرى" (٢٧/ ٧٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٤٥ و ٢٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٤ و ٤٥١ و ٤٥٥ و ٤٥٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٩٦)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٧٤ و ١٨٧٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٦٤ و ١٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ١٣٤ و ١٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التطبيق الذي كان أوّلًا مشروعًا، ثم نُسخ، ولا زال ابن مسعود ﵁ متمسّكا به؛ لعدم علمه بنسخه. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن أكابر العلماء قد يخفى عليهم من النصوص ما هو مشهور لدى الناس، وقد عقد الإمام ابن حبّان في "صحيحه" بابًا لهذا، فقال: "ذكر البيان بأن الْخَيِّرَ الفاضلَ من أهل العلم قد يَخْفَى عليه من السنن المشهورة ما يحفظه من هو دونه، أو مثله، وإن كَثُرَ مواظبته عليها، وعنايته بها"، ثم أورد هذا الحديث، وقال قبل ذلك ما نصّه: كان ابن مسعود ﵁ ممن يُشَبّك يديه في الركوع، وزعم أنه كذلك رأى

стр. 6547

النبيّ ﷺ يفعله، وأجمع المسلمون قاطبةً من لدن المصطفى ﷺ إلى يومنا هذا على أن الفعل كان في أول الإسلام، ثم نسخه الأمر بوضع اليدين للمصلي في ركوعه، فإن جاز لابن مسعود ﵁ في فضله، وورعه، وكثرة تعاهده أحكام الدين، وتفقده أسباب الصلاة خلف المصطفى ﷺ ، وهو في الصف الأول؛ إذ كان من أولي الأحلام والنُّهَى أن يخفى عليه مثل هذا الشيء المستفيض الذي هو منسوخ بإجماع المسلمين، أو رآه فنسيه، جاز أن يكون رفع المصطفى ﷺ يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، مثلَ التشبيك في الركوع، أن يخفى عليه ذلك، أو ينساه بعد أن رآه. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد ابن حبّان ﵀ في هذا الاستنباط، والتحقيق، فإن هذا الحديث وأمثاله مما يقطع دابر المقلّدين الذين لا يبالون بالسنن الصحاح إذا خالفت مذهبهم، إذا ذُكِّرُوا لا يذكُرُون، بل يتعلّلون بأن إمامهم أعلم وأكثر اطّلاعًا من غيره، فلو كان هذا النصّ سليمًا لَمَا خفي عليه، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، فهذا ابن مسعود ﵁ أعلم، وأحفظ للسنن من الإمام الذي يدّعون له الإحاطة بالسنّة زورًا، قد خفيت عليه هذه السنة، فماذا بعد هذا؟ إلا العناد والمكابرة، اللهم اهدنا فيمن هديت آمين. ٣ - (ومنها): أنه من أدلّة نبوّة النبيّ ﷺ ، ومعجزة من معجزاته؛ إذ قد أخبر ﷺ عن شيء من الغيب، فوقع على نحو ما أخبر به. ٤ - (ومنها): أن فيه جواز التشبيك في المسجد؛ لأن التطبيق الذي ذكر في هذا الحديث كان في المسجد، وفيه قوله: "فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول اللَّه ﷺ "، وفي رواية النسائيّ: "فجعل إذا ركع شبّك بين أصابعه"، ففيه أن التشبيك وقع في المسجد، وقد بوّب النسائيّ في "سننه"، فقال: "تشبيك الأصابع في المسجد"، ثم أورد الحديث محتجًّا به على جوازه، وقد أشبعت البحث في "شرحي" (٢) عليه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وأما حديث أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن كعب بن عجرة ﵁

стр. 6548

مرفوعًا: "إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يُشَبِّكَنّ يديه، فإنه في صلاة"، ففي إسناده اختلاف، ضعَّفه بعضهم بسببه (١)، فلا يُعارض حديث الباب والأحاديث الأخرى في معناه. ٥ - (ومنها): الإنكار على الأئمّة إذا أخّروا الصلاة، والمبادرة إلى أدائها في أول وقتها، ثم إذا أدركهم يصلّون صلاها معهم نافلة؛ إحرازًا لفضيلة أول الوقت، وفضيلة صلاة الجماعة. ٦ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الواجب على المسلم البعد عن إثارة الفتن في وُلاة الأمور، وجماهير المسلمين، ولو رأى منهم التساهل في بعض أمور الدين، فهذه الصلاة التي أخرها هؤلاء الأئمة الذين أنكر عليهم ابن مسعود ﵁ ما حثه على الخروج بسببها عليهم، بل أمر الأسود وعلقمة بأن يصلوا في بيوتهم، ثم يصلوا معهم في أي وقت صلّوها، وهذا كلّه محافظة على أمن الأمة، وأداء لما يجب على الناس تجاه ولاة الأمور، وإنما الحقّ أن ينصحهم سِرًّا إذا استطاع دون أن يثير شرًّا، أو يُشهِرهم على رؤوس الأشهاد، فإن هذا هو الشرّ المستطير، ونسأل اللَّه تعالى السلامة من كلّ شرّ، اللهم اهدنا فيمن هديت ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي (٢) أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ رَاكِعٌ).

стр. 6549

رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣. ٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسْهِر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضَرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦. ٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٦ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٧ - (مُفَضَّل) بن المُهَلْهَل السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٧) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: عليّ بن مُسهر، وجرير بن عبد الحميد، ومفضل بن مهلهل رووا هذا الحديث عن الأعمش. . . إلخ. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ) يعني أن حديث هؤلاء الثلاثة عن الأعمش بمعنى حديث أبي معاوية عنه الذي سبق قبل هذا. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي. . . إلخ) وفي بعض النسخ "فكأني"، يعني أن في حديثهما زيادة، وهي قوله في آخره: "وهو راكعٌ". [تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 6550

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، ثُمَّ طبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السمرقنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب "المسند" ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ إمام [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي الْمُختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلِّم فيه بلا حجة [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤٢. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا) وفي رواية النسائيّ: "فنزعها، فخالف بين أصابعها"، وهذا هو معنى التشبيك، وهو التطبيق. وقوله: (ثُمَّ طبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ) المراد بالتطبيق هنا: جمع الكفّين، وتشبيك أصابعهما حتى تختلف، ثم وضعهما بين الركبتين في حالة الركوع، وهذا منسوخ، كما يأتي في حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 6551

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٩٩] (٥٣٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، قَالَ: وَجَعَلْتُ يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ، فَقَالَ لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، قَالَ: ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَضَرَبَ يَدَيَّ، وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ). رجال هذا الإسناد: ستة: - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فضيل بن الحسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٤ - (أَبُو يَعْفُورٍ) -بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء، آخره راء- الأكبر، واسمه وَقْدان -بفتح الواو، وسكون القاف، وبالدال المهملة، ثم بالألف والنون- ويقال: واقد العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٤]. أدرك المغيرة بن شعبة، ورَوَى عن ابن عمر، وابن أبي أوفى، وأنس، وعَرْفَجة بن شُرَيح، ومصعب بن سعد، وأبي صادق الأزديّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يونس، وإسرائيل، وزائدة، والثوريّ، وشعبة، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وابن عيينة، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: أبو يعفور الكبير اسمه وَقْدان، ويقال: واقد، كوفيّ ثقةٌ، وقال ابن معين، وعليّ ابن المدينيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، يقال: مات سنة عشرين ومائة. هكذا قال الحافظ المزيّ في "تهذيب الكمال"، وتعقّبه الحافظ، فقال: بل بعدها بسنين؛ لأن ابن عيينة سمع منه، وكان ابتداء طلبه بعد العشرين،

стр. 6552

وذكر مسلم في الطبقات أن اسمه واقد، ولقبه وقدان. انتهى (١). أخرج له الستّة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٣٥) و (٧٤٥) و (١٨٥٢) و (١٩٥٢). [تنبيه]: قال النوويّ في "شرحه": أبو يعفور هذا هو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، أبو يعفور الأصغر، وهذا ردّه عليه المحقّقون، فقال الحافظ في "الفتح": قوله: "عن أبي يعفور" هو الأكبر، كما جزم به المزيّ، وهو مقتضى صنيع ابن عبد البرّ، وصرّح الدارميّ في روايته من طريق إسرائيل، عن أبي يعفور بأنه العبديّ، والعبديّ هو الأكبر بلا نزاع، وذكر النوويّ في "شرح مسلم" أنه الأصغر، وتُعُقِّب. انتهى (٢). وممن تعقّبه أيضًا العينيّ في "العمدة"، فقال: "أبو يعفور"، واسمه وَقْدان الْعَبْديّ الكوفيّ، والد يونس بن أبي يعفور، ويقال: اسمه واقد، والأول أشهر، وهو أبو يعفور الأكبر، وهو الصحيح، جزم به المزيّ وغيره، وزعم النوويّ أنه يعفور الصغير، عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطَاس، وليس بشيء؛ لأن الصغير ليس مذكورًا في الآخذين عن مصعب، ولا في أشياخ شعبة. انتهى. وممن صرّح بأنه الأكبر الحافظ ابن رجب في "شرح البخاريّ"، حيث قال: "أبو يعفور": هو العبديّ الكوفيّ، اسمه وقْدان، وقيل: واقد، وهو أبو يعفور الأكبر. انتهى (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما قال هؤلاء المحقّقون أن أبا يعفور هنا هو الأكبر، لا الصغير، كما زعم النوويّ ﵀، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه آخر]: الظاهر أن يعفور غير منصرف؛ لأن فيه العلميّة ووزن الفعل، كما قال في "الخلاصة": كَذَاكَ ذُو وَزْنٍ يَخُصُّ الْفِعْلَا … أَوْ غَالِبٍ كَأَحْمَدٍ وَيَعْلَى

стр. 6553

لكن الموجود في كتب الحديث بضبط القلم صرفه، ولم أر أحدًا من الشرّاح تعرّض لهذا البحث، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرَارة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤١. ٦ - (أَبُوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا أبا كامل، فما أخرج له ابن ماجه، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فإنه من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه تعالى، وآخر من مات من العشرة المبشّرين ﵃، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) تقدّم آنفًا أن الصواب أنه الأكبر، وقدان، أو واقد (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) ابن أبي وقّاص، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي) سعد ﵁، والجنب والجانب بمعنى واحد، قال في "اللسان": "الْجَنْبُ" -بفتح، فسكون- و"الْجَنَبَةُ" محرَّكَةً، و"الجانب": شِقُّ الإنسان وغيره، تقول: قعدت إلى جنب فلان، وإلى جانبه، بمعنى، والجمع جُنُوب، وجوانِبُ، وجَنَابٌ، والأخيرة نادرةٌ. انتهى (١). (قَالَ) مصعبٌ (وَجَعَلْتُ يَدَيَّ) بالتثنية، وأراد باليدين الكفّين، من باب

стр. 6554

إطلاق الكلّ، وإرادة الجزء (بَيْنَ رُكْبَتَيَّ) بالتثنية أيضًا، والمراد أنه طبّق بين كفّيه، فجعلهما بين ركبتيه، كما فسّرته الرواية الآتية: "فلَمّا ركعت شبّكت أصابعي، وجعلتهما بين ركبتيَّ"، وفي رواية البخاريّ: "فطبّقتُ بين كفّيَّ، ثم وضعتهما بين فخذيّ"، وفي رواية الدارميّ من طريق إسرائيل، عن أبي يعفور: "كان بنو عبد اللَّه بن مسعود إذا ركعوا جعلوا أيديهم بين أفخاذهم، فصلّيتُ إلى جنب أبي، فضرب يدي. . . " الحديث، فأفادت هذه الرواية مُستند مصعب في فعل ذلك، وأولاد ابن مسعود ﵁ أخذوه عن أبيهم (١). (فَقَالَ لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ) أي اجعل كفّيك على ركبتيك (قَالَ) مصعبٌ (ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ) يعني ما ذكره من تطبيق اليدين، وجعلهما بين الركبتين (مَرَّةً أُخْرَى) ظرف متعلّق بـ "فعلتُ" (فَضَرَبَ يَدَيَّ) يعني أن أباه ضرب يديه تأديبًا (وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا) أي عن التطبيق، والفعل مبنيّ للمجهول، وقوله: (وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالْأَكفِّ عَلَى الرُّكَبِ) أي نضع أكفّنا على رُكَبنا. و"الأكُفُّ" -بفتح الهمزة، وضمّ الكاف، وتشديد الفاء-: جمع كفّ، كأفلُس جمع فَلْس، ويُجمع أيضًا على كُفُوف، كالفلُوس، قال الأزهريّ: الكفّ: الراحة مع الأصابع، سُمّيت بذلك؛ لأنها تكفّ الأذى عن البدن. انتهى. وهي مؤنّثة على المشهور، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى. و"الرُّكَب" -بضمّ، ففتح- جمع رُكبة، كغُرفة وغُرَف، قال في "القاموس": "الركبة" بالضمّ: موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، أو موضع الْوَظِيف والذراع، أو مَرْفِق الذراع من كلّ شيء. انتهى باختصار (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 6555

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١٩٩ و ١٢٠٠ و ١٢٠١ و ١٢٠٢] (٥٣٥)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٧٩٠)، و (أبو داود) فيها (٧٦٧)، و (الترمذيّ) فيها (٢٥٩)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٨٥)، و (ابن ماجه) فيها (٨٧٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٩٥٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٤٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٩٥ و ٥٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٦٦)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢٣٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٩٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٣٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٠٨ و ١٨٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٩ و ١١٨٠ و ١١٨١) واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نسخ التطبيق، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان أن التطبيق كان أوّلًا مأمورًا به، ثم تُرك. ٣ - (ومنها): جواز النسخ في الشريعة، ووقوعه. ٤ - (ومنها): الأمر بوضع اليدين على الركبتين، وسيأتي ترجيح القول بوجوبه. ٥ - (ومنها): تعليم الجاهل بسنّة الصلاة، وهو فيها، فإن سعدًا ﵁ ضرب يدي ولده وهو راكع. ٦ - (ومنها): إزالة المنكر باليد؛ عملًا بحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، رواه مسلم، وأحمد، وأصحاب السنن. ٧ - (ومنها): أن الحديث يدلّ على نسخ التطبيق؛ بناءً على أن المراد بالآمر والناهي في قول سعد ﵁: "نهينا عن هذا، وأُمرنا بالرُّكب" هو النبيّ ﷺ ، وهذه الصيغة مختلفٌ فيها، والراجح أن حكمها حكم الرفع، وهو

стр. 6556

مقتضى صنيع الشيخين، حيث أخرجا الحديث في هذا الباب احتجاجًا به على هذا الحكم، وإلى هذه المسألة أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنَّةِ" مِنْ صَحَابِي كَذَا "أُمِرْنَا" وَكَذا "كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ" أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التطبيق: قال الإمام الترمذيّ ﵀: التطبيق منسوخ عند أهل العلم، لا خلاف بين العلماء في ذلك، إلا ما رُوي عن ابن مسعود ﵁ وبعض أصحابه أنهم كانوا يُطَبِّقون. انتهى بتصرّف (١). وأخرج الإمام ابن المنذر بسنده حديث الباب، ثم أخرج بسند قويّ عن ابن عمر ﵄ قال: إنما فعله النبيّ ﷺ مرّة -يعني التطبيق-. ثم قال: فقد ثبتت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ أنه وضع يديه على ركبتيه، ودلّ خبر سعد -يعني حديث الباب- على نسخ التطبيق، والنهي عنه. ولا يقولنّ قائل: إن المصلّي بالخيار، إن شاء طبّق يديه على ركبتيه، وإن شاء وضع يديه على ركبتيه؛ لأن في خبر سعد ﵁ النهيَ عنه. قال: وممن رَوَينا عنه من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنه وَضَعَ يديه على ركبتيه، وأمر بذلك: عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه بن عمر ﵃، ثم أخرج آثارهم بأسانيدها. ثم قال: ورَوَينا ذلك عن عروة بن الزبير، وسعيد بن جُبير، وعطاء، ومجاهد، والنخعيّ، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وكلّ من لقيته من أهل العلم. وكان عبد اللَّه بن مسعود ﵁، والأسود، وأبو عبيدة، وعبد الرحمن بن الأسود يُطبِّقون أيديهم بين رُكَبهم إذا ركعوا. وقد روينا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قولًا ثالثًا من حديث عاصم بن

стр. 6557

ضَمْرة، عنه أنه قال: إذا ركعت، فإن شئت قلت هكذا طبّقت، وإن شئت وضعت على ركبتيك. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة أن السنّة وضع اليدين على الركبتين، وكراهة التطبيق، إلا ابن مسعود، وصاحبيه: علقمة، والأسود، فإنهم يقولون: إن السنّة التطبيق؛ لأنهم لم يبلغهم الناسخ، وهو حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁، والصواب ما عليه الجمهور؛ لثبوت الناسخ الصريح. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما عليه الجمهور من الصحابة، فمن بعدهم من أن التطبيق منسوخ، هو الحقّ؛ لثبوت النسخ فيما أخرجه الشيخان من حديث سعد ﵁، ولما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ عن عمر ﵁، أنه قال: "سُنّت لكم الرُّكَب، فأمسكوا بالرُّكَب"، وقد سبق أن الراجح أن قول الصحابيّ: "من السنة كذا" يريد به سنّة النبيّ ﷺ ، ولا سيّما من مثل عمر ﵁، فهو مرفوع حكمًا. ويُعتذر عن ابن مسعود ﵁ وأصحابه بأنه لم يبلغهم النسخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال (٣) الحافظ ابن رجب ﵀: أكثر العلماء على أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع من سُنن الصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه، ولا بالتطبيق. ورَوَى عاصم بن ضمرة، عن عليّ ﵁ أنه مخيَّرٌ بين أن يضع يديه على ركبتيه، أو يُطبِّق. وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى المنع من التطبيق، وإبطال الصلاة به؛ للنهي عنه، كما دلّ عليه حديث سعد ﵁، منهم: أبو خيثمة زُهير بن حرب، وأبو إسحاق الْجُوزَجانيّ، وقال أبو بكر بن أبي شيبة فيمن طبَّق، ولم يَضَع يديه على ركبتيه: أحبّ إليّ أن يُعيد.

стр. 6558

ونَقَل إسحاق بن منصور عن أحمد أنه سُئل عن قول سفيان: من صلّى بالتطبيق يُجزئه؟ فقال أحمد: أرجو أن يُجزئه، فقال إسحاق ابن راهويه كما قال: إذا كان به علّةٌ. وحَمَل أبو حفص الْبَرْمكيّ من أصحابنا -يعني الحنبليّة- قول أحمد على ما إذا كان به علّة، فإن لم تكن به علّة فلا تُجزئه صلاته إلا أن لا يعلم بالنهي عنه. وتوقّف أحمد في إعادة الصلاة مع التطبيق في رواية أخرى. فعلى قول هؤلاء يكون وضع اليدين على الركبتين في الركوع من واجبات الصلاة. وقد رُوي عن طائفة من السلف ما يدلّ على ذلك، فإنه رُوي عن جماعة أنهم قالوا: إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع، وممن رُوي عنه ذلك: سعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، وابن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وقال: هو أدنى ما يُجزئ في الركوع. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١). وقال الإمام ابن خزيمة في "صحيحه": "باب ذكر البيان أن التطبيق غير جائز، بعد أمر النبيّ ﷺ بوضع اليدين على الركبتين، وأن التطبيق مَنْهِيٌّ عنه، لا أن هذا من فعل المباح، فيجوز التطبيق، ووضع اليدين على الركبتين جميعًا، كما ذكرنا أخبار النبيّ ﷺ في القراءة في الصلوات، واختلافهم في السور التي كان يقرأ فيها ﷺ في الصلاة، وكاختلافهم في عدد غسل النبيّ ﷺ أعضاء الوضوء، وكلُّ ذلك مباح، فأما التطبيق فىِ الركوع فمنسوخ منهيٌّ عنه، والسنة وضع اليدين على الركبتين". انتهى كلام ابن خزيمة ﵀ (٢). وتعقّبه في "الفتح"، فقال: وفيه نظر؛ لاحتمال حمل النهي على الكراهة، فقد رَوَى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضَمْرة عن عليّ ﵁ قال: "إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا، -يعني وضعت يديك على ركبتيك- وإن شئت طَبَّقت"، وإسناده حسن، وهو ظاهر في أنه كان يرى التخيير، فإما أنه لم يبلغه النهي، وإما حمله على كراهة التنزيه، ويدلّ على أنه ليس بحرام كون عمر

стр. 6559

وغيره ممن أنكره لم يأمر مَن فعله بالإعادة. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن هذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن ابن خزيمة ﵀ احتجّ بظاهر النهي المرفوع، فكيف يُعترض بالموقوف على المرفوع، فهل رأي الصحابيّ المخالف للنّصّ يعارَض به النصّ؟، ولا سيّما وقد خالفه الصحابة الآخرون، كعمر بن الخطّاب، وسعد، وعائشة ﵃، هذا من الغرائب. والحاصل أن ما قاله ابن خزيمة ﵀ من أن التطبيق غير جائز، وأن وضع اليدين على الركبتين في الركوع واجب هو الحقّ، وقد سبق أنه مذهب جماعة من السلف، كالإمام أحمد، وأبي خيثمة، والجوزجانيّ، وغيرهم، فالنصّ الذي عمل به هؤلاء الأئمة من الصحابة، فمن بعدهم هو الحقّ الذي لا مرية فيه، فتأمّل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: حَكَى ابن بطال عن الطحاويّ، وأقره أن طريق النظر يقتضي أن تفريق اليدين أولى من تطبيقهما؛ لأن السنة جاءت بالتجافي في الركوع والسجود، وبالمراوحة بين القدمين، قال: فلما اتفقوا على أولوية تفريقهما في هذا، واختلفوا في الأول اقتضى النظر أن يُلْحَق ما اختلفوا فيه بما اتفقوا عليه، قال: فثبت انتفاء التطبيق، ووجوب وضع اليدين على الركبتين. انتهى كلامه. وتَعَقَّبه الزين ابن الْمُنَيِّر بأن الذي ذكره مُعارَض بالمواضع التي سُنّ فيها الضمّ، كوضع اليمنى على اليسرى في حال القيام، قال: وإذا ثبت مشروعية الضمّ في بعض مقاصد الصلاة، بطل ما اعتمده من القياس المذكور. نعم لو قال: إن الذي ذكره ما يقتضي مَزِيّة التفريج على التطبيق، لكان له وجه. قال الحافظ: وقد وردت الحكمة في إثبات التفريج على التطبيق، عن عائشة ﵂، أورد سيف في "الفتوح" من رواية مسروق أنه سألها عن ذلك؟ فأجابت بما مُحَصَّلُهُ أن التطبيق من صنيع اليهود، وأن النبيّ ﷺ نَهَى عنه لذلك، وكان النبيّ ﷺ يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْزَل عليه، ثم أُمِر

стр. 6560

في آخر الأمر بمخالفتهم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَنُهِينَا عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) البزّار المقرئ البغداديّ، له اختيارات في القراءات، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَص) سلّام بن سليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) أي أبو الأحوص، وسفيان بن عيينة. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني إسناد أبي يعفور المتقدّم، وهو: عن مصعب بن سعد، عن أبيه. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة هذه، ساقها عبد الرزاق في "مصنّفه" (٢/ ١٥٢) فقال: (٢٨٦٤) عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن

стр. 6561

سعد، قال: صليت إلى جنب أبي، فطَبَّقت، فقال: فنهاني أبي، وقال: قد كنا نفعله، فنهينا عنه. انتهى. وأما رواية أبي الأحوص، فلم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَكَعْتُ، فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا، يَعْنِي طبَّقَ بِهِمَا، وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَقَالَ أَبِي: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البَجَليّ الأحمسيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩. ٤ - (الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ) الْهَمَدانيّ الياميّ، أبو عدس الكوفيّ، ولي قضاء الريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٢/ ٤٣٨. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا) أي فعلت التطبيق، كما فسّره بعد، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو جائز في اللغة، وقد تقدّم أن "قال" تطلق لغةً على معان كثيرة، قد تقدّمت نظمًا. وقوله: (ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ) أي بوضع اليدين على الركب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 6562

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي (١) الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، فَلَمَّا رَكَعْتُ شَبَّكتُ أَصابِعِي، وَجَعَلْتُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيَّ، فَضَرَبَ يَدَيَّ، فَلَمَّا صلَّى، قَالَ: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا أَنْ نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح الْقَطَريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧ وقيل: ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. والباقون تقدّموا قبل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ جَوَازِ الإِقْعَاءِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٣] (٥٣٦) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، يَقُولُ: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ (٣)، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ ).

стр. 6563

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ مصنّف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ، يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١٩١. ٧ - (طَاوُس) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄ تقدّم قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداستات المصنف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ أدائهما بسبب اختلاف كيفيّة التحمّل، كما أوضحته غير مرّة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديثِ، والإخبارِ، والسماع. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: عن أبي الزبير المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، يَقُولُ: قُلْنَا لِابْنِ عَبّاسٍ) ﵁، أي كلّمناه (فِي الإِقْعَاءِ) أي في شأن الإقعاء، أي وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين، وقوله: (عَلَى الْقَدَمَيْنِ) متعلّق بـ "الإقعاء"، أي سألناه هل هذه الْجِلْسة سنة، أم بدعة مخالفة للَّهدي النبويّ؟ (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (هِيَ السُّنَّةُ)

стр. 6564

أنّث الضمير مع أن "الإقعاء" مذكّر؛ باعتبار أنه جِلْسة، يعني أن هذه الجِلْسة سنّة نبويّة، وتعريف جزأي الجملة يدلّ على الكمال، أي إنها سنّة مرضيّة؛ لثبوتها عن النبيّ ﷺ ، فلا جفاء فيها، واللَّه تعالى أعلم. (فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً) بفتح الجيم، والمدّ: مصدر جفا، يقال: جفوتُ الرجلَ أجفوه: إذا أعرضت عنه، أو طردته، وهو مأخوذ من جُفَاء السيل، وهو ما نَفَاه السيلُ، وقد يكون مع بُغْض، أفاده في "المصباح" (١). وقوله: (بِالرَّجُلِ) متعلّق بـ "جفاءً"، يعني أن الجلسة نعتبرها من جفاء الرَّجُل، وابتعاده، وإعراضه عن السنّة، وسيأتي تمام البحث في معنى الإقعاء في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى-. قال النوويّ ﵀: ضبطنا قوله: "بالرَّجُل" بفتح الراء، وضم الجيم، أي بالإنسان، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: وضبطه أبو عمر بن عبد البر بكسر الراء، وإسكان الجيم، قال أبو عمر: ومن ضَمّ الجيم، فقد غَلِطَ، وردَّ الجمهور على ابن عبد البر، وقالوا: الصواب الضم، وهو الذي يليق به إضافة الجفاء إليه. انتهى (٢). وعبارة القاضي عياض ﵀: كذا رويناه "الرَّجُل" بفتح الراء، وضمّ الجيم، وكذا قيّدناه عن شيوخنا، وقيّدناه في كتاب أبي داود على الفقيه أبي الوليد هشام بن أحمد، عن الغسّانيّ شيخنا، عن أبي عمر بن عبد البرّ "بالرِّجْل" بكسر الراء، وسكون الجيم، يريد الجارحة، وكذا ألفيته أيضًا في أصل أبي عمر ابن عبد البرّ، وبه عارضت، وقال أبو عليّ: كذا كان يقول أبو عمر فيه، ويقول: من قال بالرَّجُل فقد صحّفه، ولا معنى له، قال أبو عليّ: ولم أسمعه قط إلا "بالرجُل"، وكذا قيّده أبو عليّ في أصله، وبه عارضت أيضًا. قال القاضي: والأوجه عندي هو قول من يروي "بالرَّجُل" كما قال أبو عليّ، ويدلّ عليه إضافة الجفاء إليه في جِلْسته تلك المكروهة عند العلماء، وأما "الرِّجْلُ" فلا وجه له. انتهى كلام القاضي ﵀ (٣).

стр. 6565

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تحصّل مما سبق أن ضبط "الرجُل" بضم الجيم بمعنى الإنسان هو الصواب؛ لأنه أوفق بمعنى الجفاء، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ردًّا على توهّمهم كونها من جفاء الشخص (بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ ) أي فلا جفاء فيها، بل هي قربة إلى اللَّه تعالى؛ لأن من فعل بالسنة؛ اتّباعًا له ﷺ ، فقد اهتدى، وأفلح، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ١٢٠٣] (٥٣٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٤٥)، و (الترمذيّ) فيها (٢٨٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٩٢ و ١٨٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٨٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى الإقعاء: قال القرطبيّ ﵀: قال أبو عُبيد: الإقعاء: هو أن يُلْصِقَ الرجل أَلْيَتَيه بالأرض، ويَنصِب ساقيه، ويضع يديه بالأرض، كما يفعل الكلب، قال: وفي تفسير الفقهاء أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين نظر. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا نظر فيه؛ إذ هو تفسير ابن عبّاس ﵄، حبر الأمة وبحرها، فتبصّر. قال: وقال ابن شُميل: الإقعاء: أن يَجلس على وَرِكَيه، وهو الاحتفاز والاستيفاز، وحُكي عن الثعالبيّ أنه قال في أشكال الجلوس عن الأئمة: إن الإنسان إذا ألصق عقبيه بأليتيه، قيل: إقعاءٌ، وإذا استوفز في جلوسه كأنه يريد أن يثور للقيام قيل: احتفز، واقعنفز، وقعد الْقُعْفُزاء، فإذا ألصق أليتيه

стр. 6566

بالأرض، وتوسّد ساقيه قيل: فرطش، كذا وقع، وصوابه فرشط، بالفاء، وتقديم الشين المعجمة، والطاء المهملة، وقد ذكره أبو عبيد في "المصنَّف"، قال القاضي عياض: والأشبه عندي في تأويل الإقعاء الذي قال فيه ابن عبّاس ﵄: إنه من السنّة، الذي فسّره به الفقهاء من وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين، وكذا جاء مفسَّرًا عن ابن عبّاس ﵄: "من السّنّة أن تُمِسّ عقبيك أليتيك"، وقد روي عن جماعة من السلف والصحابة أنهم كانوا يفعلونه. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: (اعلم): أن الإقعاء ورد فيه حديثان، ففي هذا الحديث إنه سنةٌ، وفي حديث آخر النهي عنه، رواه الترمذيّ وغيره، من رواية عليّ ﵁، وابن ماجه من رواية أنس ﵁، وأحمد بن حنبل من رواية سمرة وأبي هريرة ﵄، والبيهقيّ من رواية سمرة وأنس ﵄، وأسانيدها كلّها ضعيفة. وقد اختَلَف العلماء في حكم الإقعاء، وفي تفسيره اختلافًا كثيرًا لهذه الأحاديث، والصواب الذي لا مَعْدِلَ عنه أن الاقعاء نوعان: [أحدهما]: أن يُلْصِق أَلْيتيه (٢) بالأرض، ويَنصِب ساقيه، ويَضَع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب، هكذا فسَّره أبو عبيدة، معمر بن المثنَّى، وصاحبه أبو عبيد، القاسم بن سَلَّام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي. [والنوع الثاني]: أن يَجْعَل أَلْيَتَيْهِ على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس ﵄ بقوله: "سنة نبيكم ﷺ "، وقد نَصَّ الشافعيّ ﵀ في "البويطيّ"، و"الإملاء" على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحَمَل حديث ابن عباس ﵄ عليه جماعات من المحققين، منهم البيهقيّ، والقاضي عياض، وآخرون -رحمهم اللَّه تعالى-.

стр. 6567

قال القاضي: وقد رُوِيَ عن جماعة من الصحابة والسلف، أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسَّرًا عن ابن عباس ﵄: "من السنة أن تُمِسّ عقبيك أَلْييك"، هذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس ﵄، وقد ذكرنا أن الشافعيّ على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وله نصٌّ آخر، وهو الأشهر أن السنة فيه الافتراش. وحاصله أنهما سنتان، وأيُّهما أفضل؟ فيه قولان. وأما جِلْسَةُ التشهد الأول، وجِلْسة الاستراحة فسنتهما الافتراش، وجِلْسة التشهد الأخير السنة فيه التورك، هذا مذهب الشافعيّ ﵀، وقد سبق بيانه مع مذاهب العلماء - رحمهم اللَّه تعالى. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب في تفسير الإقعاء المذكور في حديث الباب أن يجعل أليتيه على عقبيه، وهما منصوبتان، وهذه الكيفيّة من سنن الصلاة لا كراهة فيها، وأما الإقعاء الذي ورد فيه النهي، فهو أن يُلْصِق أَلْيتيه بالأرض، ويَنصِب ساقيه، ويَضَع يديه على الأرض، كهيئة جلوس الكلب، فهذا تفصيل المسألة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا سْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٤] (٥٣٧) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا (٣) أنا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ

стр. 6568

عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي (١)، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ (٢): "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ"، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: "فَلَا تَأْتِهِمْ"، قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، فَالَ: "ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ -قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ (٣) -: فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ"، قَالَ: قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: "كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ"، قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيةٌ، تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ، وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ (٤): يَا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا"، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: "أَيْنَ اللَّهُ؟ " قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: "مَنْ أَنَا؟ " قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: "أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ مصنّف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.

стр. 6569

٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ ثبت حافظ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٤ - (حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ) هو: حجّاج بن أبي عثمان ميسرة، أو سالم الكنديّ مولاهم، أبو الصَّلْت البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٢/ ٣١٨. ٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) واسمه صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثمّ اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. ٦ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) هو: هلال بن عليّ بن أُسامة، ويقال: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، العامريّ مولاهم المدنيّ، وبعضهم نسبه إلى جدّه فقال: ابن أسامة، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وأبي ميمونة المدنيّ. ورَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، وزياد بن سعد، ومالك، وفُليح، وسعيد بن أبي هلال، وعبد العزيز بن الماجشون. قال أبو حاتم: شيخٌ يُكْتَب حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الدارقطنيّ: هلال بن عليّ ثقة، وقال مسلمة في "الصلة": ثقة قديمٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الواقديّ: مات في آخر خلافة هشام بن عبد الملك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥٣٧) وكرره، و (١٠٥٢) و (١٥٦٦). ٧ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٨ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ) هو: معاوية بن الحكم بن خالد بن صخر بن الشَّرِيد بن رَبَاح بن يقظة بن عُصيّةَ بن خُفَاف بن امرئ القيس بن

стр. 6570

بهثة بن سُلَيم بن منصور (١) السُّلَميّ الصحابيّ ﵁. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قال البخاريّ: له صحبة، يُعدّ في أهل الحجاز، وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: كان ينزل المدينة، ويَسْكُن في بني سُلَيم، له عن النبيّ ﷺ حديث واحدٌ، في الكِهانة، والطِّيَرة، والخطّ، وتشميت العاطس، وعتق الجارية -يعني حديث الباب- قال: أحسن الناس له سياقة يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء، عنه، ومنهم من يُقَطِّعه، فيجعله أحاديث. قال الحافظ: وله حديث آخر، من طريق ابنه كثير بن معاوية، عنه (٢). انتهى. أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. [تنبيه]: "السُّلَميّ" -بضمّ السين المهملة، وفتح اللام-: نسبة إلى سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس عَيْلان بن مُضَر، وهي قبيلة مشهورة، قاله في "اللباب" (٣). لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في صيغة الأداء، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن قوله: "وتقاربا في اللفظ" فيه إشارة إلى أن شيخيه بينهما اختلاف قليل في لفظ الحديث، ومثله لا يضرّ الإجمال فيه، وقد أشرت إلى هذه القاعدة في قولي: وَلَوْ رَوَى عَنِ الشُّيُوخِ مَا اتَّفَقْ … مَعْنَى حَدِيثِهِمْ وَلَفْظُهُ افْتَرَقْ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي السَّنَدِ … وَيُورِدَ الْمَتْنَ بِلَفْظِ وَاحِدِ

стр. 6571

مُبَيِّنًا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَجْمَلَهْ … بِأَنْ أَشَارَ لِلْمُرَادِ جَازَ لَهْ فَقَالَ قَدْ تَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى فَحَقِّقْ مَا رَأَوْا ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، والصحابيّ، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأخرج له البخاريّ في "جزء القراءة". ٤ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيين، وهم: هلال، وعطاء، ومعاوية، وبصريين، وهم: إسماعيل، وحجاج، ويحيى، فهو بصريّ، يماميّ، وبغداديّ، وهو أبو جعفر، وكوفيّ، وهو: أبو بكر بن أبي شيبة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يحيى، عن هلال، عن عطاء، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة. ٦ - (ومنها): أن صحابيه ﵁ من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ) بضمّ، ففتح: نسبة إلى سُليم أحد أجداده، أنه (قَالَ: بَيْنَا) وفي نسخة: "بينما"، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة (أنا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ) بفتح أوله وثانيه، يقال: عَطَسَ عَطْسًا، من باب ضَرَبَ، وفي لغة من باب قَتَلَ، والْمَعْطِسُ وزانُ مَجْلِس: الأنف، وعَطَسَ الصبْحُ: أنار، على الاستعارة، قاله الفيّوميّ (١). (رَجُلٌ) بالرفع على الفاعليّة (مِنَ الْقَوْمِ) متعلّق بصفة لـ "رجل" (فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ) إنما قال له ذلك لأنه ﷺ أمره به، ففي رواية أبي داود: "قال: لَمّا قَدِمتُ على رسول اللَّه ﷺ عُلِّمْتُ أمورًا من أمور الإسلام، فكان فيما عُلِّمتُ أن قال لي: إذا عَطَست فاحمد اللَّه، وإذا عطس العاطس، فَحَمِدَ اللَّه، فقل: يرحمك اللَّه، قال: فبينما أنا قائم مع رسول اللَّه ﷺ في الصلاة، إذ عطس رجل، فَحَمِدَ اللَّه، فقلت: يرحمك اللَّه، رافعًا بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم. . . "، الحديث.

стр. 6572

(فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) قال الطيبيّ ﵀: أي أسرعوا في الالتفات إليّ، ونفوذ البصر فيّ، استُعير من رمي السهم. انتهى (١). وفي رواية النسائيّ: "فحدّقني القوم بأبصارهم"، من التحديث، وهو شدّة النظر، والمراد أنهم نظروا إليه نظرةً منكرة؛ إنكارًا عليه في تشميته ذلك العاطس في الصلاة، وهو لا يجوز؛ لأنه من كلام الناس، وكلام الناس في الصلاة لا يجوز (فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ) "وا" حرف نُدبة ونداء، والنُّدبة: نداءُ الْمُتَفَجَّع عليه، نحو وازيداه، أو الْمُتَوَجَّع منه، نحو واظهراه. و"الثكل" بضمّ الثاء المثلّثة، وسكون الكاف، وبفتحهما لغتان، كالْبُخْل، والْبَخَلِ، حكاهما الجوهريّ وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، يقال: ثَكِلتهُ أمه بكسر الكاف، من باب تَعِبَ: فقدته، وأثكله اللَّه تعالى أمّه، وامرأة ثَكْلَى، وثاكل، قاله النوويّ (٢). وقال في "المصباح": ثَكِلَت المرأة ولدها ثَكَلًا، من باب تَعِبَ: فقدته، والاسم: الثُّكْلُ، وزانُ قُفْلٍ، فهي ثاكلٌ، وقد يقال: ثاكلةٌ، وثَكْلَى، والجمع: ثَوَاكل، وثَكَالَى، وجاء فيها مِثْكَالٌ أيضًا بكسر الميم: أي كثيرة الثُّكْل، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: أثكلها اللَّه ولدَهَا. انتهى (٣). و"ثُكْلَ" منادى مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة، و"أمياه" بضمّ الهمزة، وتشديد الميم، أصله: أُمّي، وهو مضاف إليه "ثُكْلَ"، ومضاف إلى ياء المتكلّم المفتوحة، وزيدت الألف لمدّ الصوت، وأُردف بهاء السكت الساكنة الثابتة في الوقف المحذوفة في الوصل، وإلى هذأ أشار في "الخلاصة" حيث قال: وَمُنْتَهَى الْمَنْدُوبِ صِلْهُ بِالأَلِفْ … مَتْلُوُّهَا إِنْ كَانَ مِثْلَهَا حُذِفْ إلى أن قال: وَوَاقِفًا زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ … وَإِنْ تَشَا فَالْمَدَّ وَالْهَا لَا تَزِدْ فكأن معاوية ﵁ قال: وافُقْدان أُمّي ولدها -يعني نفسه- وذلك لعلمه بأنه فعل في الصلاة فعلًا منافيًا لها.

стр. 6573

(مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟) "ما" استفهاميّة مبتدأ خبرها "شأنكم"، وفي رواية النسائيّ: "ما لكم تنظرون إليّ؟ " (فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ) وفي رواية النسائيّ: "فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم"، وإنما فعلوا ذلك زيادةً في الإنكار حتى يسكت. قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبيّ ﷺ عن التصفيق، والأمر بالتسبيح، ويَحْتَمِلُ أن يقال: إنهم فَهِمُوا أن التصفيق المنهيّ عنه إنما هو ضرب الكفّ على الكفّ، أو الأصابع على الكفّ، ويبعُدُ أن يُسمَّى مَن ضَرَبَ على فخذه، وعليها ثوبه مصفِّقًا، ولهذا قال: "فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم"، ولو كان يسمَّى تصفيقًا لكان الأقرب في اللفظ أن يقول: يُصفّقون، لا غير. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: وفيه دليلٌ على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. انتهى (٢). (فَلَمَّا رَأْيتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي) بضمّ أوله، وتشديد الميم، أو تخفيفها، من التصميت، أو الإصمات، قال الفيّومي: صَمَتَ صَمْتًا، من باب قتل: سكت، وصُمُوتًا، وصُمَاتًا، فهو صامت، وأصمته غيره، وربّما استعمل الرباعيّ لازمًا أيضًا. انتهى (٣). وقال المجد: الصَّمْتُ والصُّمُوتُ، والصُّمَاتُ: السكوت، كالإصمات، والتصميت، قال: وأصمته، وصَمّته: أسكته، لازمان متعدّيان. انتهى (٤). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما ذكر أن المناسب لما هنا التعديّ، من الإصمات، أو التصميت، وهو بنونين الأولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية، كما قال في "الخلاصة": وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ … نُونُ وِقَايَةٍ وَ"لَيْسِي" قَدْ نُظِمْ ويجوز إدغام نون الرفع في نون الوقاية، كقوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ و ﴿تَأْمُرُونِّي﴾.

стр. 6574

وفي بعض النسخ: "يُصمتوني" بحذف إحدى النونين، والصحيح أنها نون الرفع، كما هو معروف في محلّه. وقوله: (لَكِنِّي سَكَتُّ) استدراك على محذوف جوابٍ لـ "لَمّا"، أي فلَمّا رأيتهم يصمتونني أردت أن أُخاصمهم، لكني سكتّ عن ذلك. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "لكني سكت" هكذا في الأصول على ما ذُكر في المتن، ولا بدّ من تقدير جواب "لَمّا"، ومستدرك "لكن"؛ ليستقيم المعنى، فالتقدير: فلما رأيتهم يصمتونني غَضِبتُ وتغيّرتُ، لكني سكت، ولم أعمل بمقتضى الغضب. انتهى (١). وقال الشوكانيّ ﵀: قال المنذريّ ﵀: يريد لم أتكلّم، لكنّي سكتُ، وورود "لكن" هنا مشكلٌ؛ لأنه لا بدّ أن يتقدّمها كلام مناقضٌ لما بعدها، نحو ما هذا ساكتًا، لكنه متحرّك، أو ضدّ له، نحو ما هو أبيض، لكنه أسود. ويَحْتَمل أن يكون التقدير هنا: فلما رأيتهم يصمّتوني لم أكلّمهم، لكني سكتُّ، فيكون الاستدراك لرفع ما تُوُهّم ثبوته، مثلُ ما زيدٌ شُجاعًا، لكنه كريمٌ؛ لأن الشجاعة والكرم لا يكادان يفترقان، فالاستدراك من توهّم نفي كرمه. ويَحْتَمِلُ أن تكون "لكن" هنا للتوكيد، نحو لو جاءني أكرمته، لكنه لم يجئ، فأكّدت "لكن" ما أفادته "لو" من الامتناع، وكذا في الحديث أكّدت "لكن" ما أفاده ضربهم من ترك الكلام. انتهى (٢). (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي انتهى من صلاته، قال الطيبيّ ﵀: جواب "لَمّا" قوله: "قال: إن هذه الصلاة. . . إلخ"، وقوله: "فبأبي هو وأمّي" إلى قوله: "قال" معترضٌ بين "لَمّا" وجوابها. انتهى كلام الطيبيّ، وتبعه ابن حجر الهيتميّ، وقال: واعتُرض بينهما بما فيه غاية الالتئام والمناسبة لهما. انتهى. وقال ميرك: الأولى أن يقال: جواب قوله: "فلَمّا صلّى. . . إلخ"

стр. 6575

محذوف، وهو ما دلّ عليه جملة "فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّمًا. . . إلخ"، أي اشتَغَل بتعليمي بالرفق، وحسن الكلام. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأحسن تقدير جواب "لَمّا" بما وقع في الرواية الأخرى، أي "دعاني. . . إلخ"، فقد وقع ذلك فيما أخرجه النسائيّ، ولفظه: "فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ دعاني بأبي وأمي هو. . . إلخ"، وإنما استحسنت هذا؛ لأن خير ما فُسّر به الوارد بالوارد، ومعنى "انصرف" أي سلّم من صلاته. (فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي) قال الطيبيّ ﵀: هذه الفاء كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾ [السجدة: ٢٣]، فإنه عطف ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ على ﴿آتَيْنَا﴾، وأوقعها معترضةً بين المعطوف والمعطوف عليه. انتهى. وقوله: "بأبي هو وأمّي" الجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف خبرٍ لـ "هو" مقدّمًا عليه، أي هو مفديّ بأبي وأميّ. (مَا) نافية (رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ) بالنصب مفعول ثانٍ لـ "رأيتُ" إن كانت علميّة، أو منصوب على الحال، إن كانت بصريّة، أي ما علمت، أو ما أبصرت قبله ﷺ ، ولا بعده معلّمًا أحسن منه، وقوله: (تَعْلِيمًا) منصوب على التمييز، أي من حيث التعليمُ (مِنْهُ) متعلّق بـ "أحسن". ثم بيّن حسن تعليمه ﷺ بقوله: (فَوَاللَّهِ مَا كهَرَنِي) "ما" نافيةٌ، و"كهر" من باب مَنَعَ، قال أبو عُبيد: الْكَهْرُ: الانتهار، وقيل: الْعُبُوسُ في وجه من يلقاه. انتهى. وقرأ ابن مسعود ﵁: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩] بالكاف. والمعنى هنا: أنه لم ينتهرني، ولا أغلظ لي القول، ولا استقبلني بوجه عَبُوس على ما فعلتُ من المخالفة في الصلاة. (وَلَا ضَرَبَنَي) تأديبًا على ما أسأت في صلاتي بقولي: يرحمك اللَّه (وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ) ﷺ ، وهو جواب "فلما صلى. . . إلخ" على ما قاله الطيبيّ،

стр. 6576

وعلى ما قاله غيره جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل له: ما الذي قاله لك في تعليمه الحسن؟، فقال: "قال: إن هذه الصلاة. . . إلخ". وفي بعض "النسخ" "ثم قال"، وهو واضح. ("إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ) وفي رواية النسائيّ: "إن صلاتنا هذه"، والمراد مطلق الصلاة، فيشمل الفرض والنفل (لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ) وفي رواية: "لا يحلّ"، وقوله: "يصلح" بضمّ اللام وفتحها، يقال: صلح الشيءُ صُلُوحًا، من باب قعد، وصلاحًا أيضًا، وصَلُحَ يَصْلُحُ بضمّ اللام فيهما لغةٌ، وهو خلاف فَسَدَ، وصَلَحَ يَصْلَحُ بفتحتين لغة ثالثة، أفاده الفيّوميّ (١). وقوله: (مِنْ كَلَامِ النَّاسِ) بيان لـ "شيء"، أي ما يجري في مخاطباتهم ومحاوراتهم. قال الشوكانيّ ﵀: و"كلام الناس" اسم مصدر يراد به تارةً ما يُتكلَّم به، على أنه مصدر بمعنى المفعول، وتارةً يراد به التكليم للغير، وهو الخطاب، والظاهر أن المراد به ههنا الثاني بشهادة السبب. انتهى (٢). وقال السيوطيّ في "شرح النسائيّ": هذا من خصائص هذه الشريعة، ذكر القاضي أبو بكر ابن العربيّ: أن شريعة بني إسرائيل كان يباح فيها الكلام في الصلاة دون الصوم، فجاءت شريعتنا بعكس ذلك. وقال ابن بطّال ﵀: إنما عيب على جُريج عدم إجابته لأمه، وهو في الصلاة؛ لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا في شرعهم، وفي شرعنا لا يجوز قطع الصلاة لإجابة الأمّ؛ إذ لا طاعة لمخلوف في معصية الخالق. انتهى (٣). (إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ") "هو" ضمير يعود إلى الشيء الذي يصلح في الصلاة، وهو مبتدأ خبره "التسبيح. . . إلخ"، وفي رواية: "إنما هي التسبيح"، أي الصلاة، وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) "أو" للشكّ من الراوي، وهو معاوية بن الحكم، أو من دونه، أتى به تحرّيًا واحتياطًا في الألفاظ النبويّة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6577

قال النوويّ ﵀: معنى قوله: "إنما التسبيح. . . إلخ": هذا ونحوه، فإن التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح، وما في معناه من الذكر والدعاء، وأشباههما مما ورد به الشرع. انتهى. وقال الشوكانيّ ﵀: قوله: "إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" هذا الحصر يدلّ بمفهومه على منع التكلم في الصلاة بغير الثلاثة، وقد تمسكت به الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن من الحنفية، والهادوية. ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية، وأذكار مخصوصة في الصلاة، مُخَصِّصة لعموم هذا المفهوم، وبناء العام على الخاص متعين، لا سيما بعدما تقرر أن تحريم الكلام كان بمكة، كما قدمنا، وأكثر الأدعية والأذكار في الصلاة كانت بالمدينة، وقد خصصوا هذا المفهوم بالتشهد، فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره؟ وهذا واضح، لا يلتبس على من له أدنى نظر في العلم، ولكن المتعصِّب أعمى، وكم من حديث صحيح، وسنة صريحة قد نصبوا هذا المفهوم العام في مقابلتها، وجعلوه معارضًا لها، وردّوها به، وغَفَلُوا عن بطلان معارضة العام بالخاص، وعن رجحان المنطوق على المفهوم، إن سَلِمَ التعارض. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. قال معاوية بن الحكم ﵀ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) ولفظ أبي داود: "إنا قوم حديثو عهد بجاهليّة"، فقوله: "حديث عهد" خبر "إنّ"، ذكر في "القاموس" من معاني "العهد": المعرفة، والوقت، فيكون المعنى هنا: قريب الوقت من الأمور الجاهليّة، أو قريب المعرفة بها (١). وقال في "المصباح": هو قريب العهد بكذا: أي قريب العلم والحال. انتهى (٢). و"الجاهليّة": قال العلماء: هي ما قبل ورود الشرع، سُمُّوا جاهليّةً؛ لكثرة جهالاتهم، وفُحشهم (٣).

стр. 6578

والمراد أنه أسلم قريبًا، ولا يعرف أحكام الدين. (وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ) قال السنديّ ﵀: عطف على مقدّر، أي كنّا فيها، فجاء اللَّه بالإسلام. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن الكلام مستقيم لا يحتاج إلى تقدير شيء، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وإنما ذكر معاوية ﵁ هذا الكلام تمهيدًا للأسئلة التالية. (وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ) بضم الكاف، وتشديد الهاء: جمع كاهن، يقال: كَهَنَ له، كمنع، ونصر، وكَرُم كَهَانةً بالفتح، وتكهّن تكهّنًا: قَضَى له بالغيب، فهو كاهن، وجمعه كَهَنَةٌ، وكُهّانٌ، ككافر وكَفَرَة، وكُفّار، وحرفته الكِهانة بالكسر، أفاده في "القاموس" (١). وقال القرطبيّ ﵀: "الكُهّان" جمع كاهنٍ، ككاتب وكُتّاب، والكاهن: الذي يتعاطى علم ما غاب عنه، وكانت الْكِهانة في الجاهليّة في كثير من الناس شائعةً فاشيةً، وكان أهل الجاهليّة يترافعون إلى الكهّان في وقائعهم وأحكامهم، ويرجعون إلى أقوالهم، كما فَعَل عبد المطّلب حيث أراد ذبح ابنه عبد اللَّه في نذر كان نذره، فمنعته عشيرته من ذلك، وسَرَى أمرهم حتى ترافعوا إلى كاهن معروف عندهم، فحكم بينهم بأن يَفْدُوه بمائة من الإبل على ترتيب ذُكِر في السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكّن من التكهّن بواسطة تابعه من الجنّ، وذلك أن الجنّيّ كان يسترق السمع، فيَخطَف الكلمة من الملائكة، فيُخبر بها وليّه، فيتحدّث بها، ويزيد معها مائة كذبة، كما قال رسول اللَّه ﷺ ، فلما بعث اللَّه رسوله ﷺ أُرسلت الشُّهُب على الجنّ، فلم يتمكّنوا مما كانوا يتمكّنون منه قبل ذلك، فانقطعت الْكِهانة؛ لئلا يجُرّ ذلك إلى تغيير الشرع، ولبس الحقّ بالباطل، لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبّهون بأولئك الْكُهّان، فنهى رسول اللَّه ﷺ عن اتّباعهم؛ لأنهم كَذَبَةٌ مُمَخرِقُون مبطلون ضالّون مضلّون، فيحرُم إتيانهم، والسماع منهم، وقد كثُر هذا النوع في كثير من نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليُحْذَر الأتيان إليهم، والسماع

стр. 6579

منهم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). وقال الخطابيّ ﵀: كان في العرب كَهَنَةٌ يَدَّعُون أنهم يَعرِفون كثيرًا من الأمور، فمنهم مَن يزعُم أن له رَئِيًّا من الجنّ، يُلقي إليه الأخبار، ومنهم مَن يَدَّعي استدراك ذلك بفهم أُعطيه، ومنهم من يُسَمَّى عَرّافًا، وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدَّمات أسباب، يستدل بها لمعرفة مَن سَرَقَ الشيء الفلانيّ، ومعرفة مَن يُتَّهَم به المرأة، ونحو ذلك، ومنهم من يُسمّي المنجِّم كاهنًا، قال: والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلّهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم فيما يدَّعونه. انتهى. (قَالَ: "فَلَا تَأْتِهِمْ") أي الكُهّان، والنهي للتحريم، قال النوويّ ﵀: قال العلماء: إنما نُهِيَ عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في مُغَيَّبات قد يُصادف بعضها الإصابة، فيُخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يُلَبِّسُون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهّان، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الْحُلْوان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغويّ -رحمهم اللَّه تعالى-. قال البغويّ: اتَّفَقَ أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أَخذه المتكهِّن على كَهانته؛ لأن فعل الكِهانة باطل، لا يجوز أخذ الأجرة عليه. وقال الماورديّ في "الأحكام السلطانية": ويَمْنَعُ المحتَسِب الناس من التكسب بالكهانة، واللهو، ويؤدِّب عليه الآخذ والمعطي. وقال الخطابيّ ﵀: حُلْوان الكاهن ما يأخذه المتكهِّن على كِهانته، وهو محرَّم، وفعله باطل، قال: وحُلْوان العرّاف حرام أيضًا، قال: والفرق بين العرّاف والكاهن، أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدَّعِي معرفة الأسرار، والعراف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما. انتهى (٢).

стр. 6580

(قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ) أي يتشاءمون بالطيور، يقال: تطيّر من الشيء، واطّيّر منه، والاسم الطِّيَرة، وزانُ عِنَبَة، وهي التشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضيّ لمهمّ مرّت بمجاثم الطير وأثارتها؛ لتستفيد هل تمضي، أو ترجع؟ فنَهَى الشرع عن ذلك، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). وقال ابن الأثير ﵀: "الطِّيَرَة" -بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تسكن-: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تَطَيَّر، يقال تَطَيَّرَ طِيَرَة، وتَخَيَّرَ خِيَرَةً، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما. وأصل التطيُّر: التفاؤل بالطير، واستُعمل لكلّ ما يُتفاءل به، ويُتشاءم، وكانت العرب تتطيَّر بالطيور والظباء، فيستبشرون بالسَّوَانح، وهي أن يَمُرّ الطير والصيد من اليسار إلى اليمين، ويتشاءمون بالْبَوَارح، وهي مرور الطير والصيد من اليمين إلى اليسار، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونَهَى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضر. انتهى بتصرف (٢). (قَالَ) النبيّ ﷺ جوابًا عن سؤاله هذا: ("ذَاكَ) إشارة إلى التطيّر المفهوم من "يتطيّرون" (شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ) أي ليس له أصلٌ يُستنَد إليه، ولا له بُرهان يُعتمَد عليه، ولا هو في كتاب منزل من عند اللَّه تعالى، وقيل: معناه: أنه معفُوّ عنه؛ لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نَعَم المشي على وفقه منهيّ عنه، فلذا قال: (فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ") أي لا يمنعنّهم عما هم فيه. قال القرطبيّ ﵀: معنى ذلك أن الإنسان بحكم العادة يجد في نفسه نفرةً وكراهةً مما يُتطيَّر به، فينبغي له أن لا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك والكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضرّ، وإن لم تضرّ فلا تصدّ الإنسان عن حاجته، وأشار به إلى أن الأمور كلّها بيد اللَّه تعالى، فينبغي أن يُعوَّل عليه، وتُفَوَّضَ جميع الحوائج إليه، ويُفهَم منه أن هذا الوجدان لتك النفرة لا يُلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك

стр. 6581

عنها، وإنما يلام الإنسان، أو يُمدَح على ما كان داخلًا تحت استطاعته. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: معناه أن الطِّيَرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورةً، ولا عَتْبَ عليكم في ذلك، فإنه غير مُكْتَسَبٍ لكم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه عن التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف، فنهاهم ﷺ عن العمل بالطيرة، والامتناع عن تصرفاتهم بسببها. قال: وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التّطَيُّر والطِّيَرَة، وهو محمول على العمل بها، لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم. انتهى. (قَالَ) وفي نسخة: "وقال" (ابْنُ الصَّبَّاحِ) هو: محمد بن الصبّاح شيخه الأول (فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ) يعني بكاف الخطاب بدل قول أبي بكر بن أبي شيبة: "فلا يصدّنّهم" بضمير الغائبين، وهذا من احتياط المصنّف ﵀، وشدّة ورعه في المحافظة على أداء ما سمعه كما سمعه، وإن لم يختلف به المعنى، فللَّه درّه، ما أحسن صنيعه ﵀. (قَالَ) معاوية بن الحكم ﵁ (قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ) أي يستعملون خطًّا معروفًا عندهم يدّعون به التوصّل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء الحاجة. قال في "اللسان": الخط: الكتابة ونحوها مما يُخَطّ، ورَوَى أبو العباس عن ابن الأعرابيّ أنه قال في الطَّرْق (٢). وقال في "النهاية": قال ابن عباس ﵄: "الخط": هو الذي يَخُطُّه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي، فيُعطيه حُلْوانًا، فيقول له: اقعُد حتى أَخُطّ لك، وبين يدي الحازي غلام له، معه مِيلٌ له، ثم يأتي إلى أرض رِخْوَة، فيخط الأستاذ خطوطًا كثيرة بالعجلة؛ لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مَهَلٍ خطين خطين، فإن بقي من

стр. 6582

الخطوط خطان، فهما علامة قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو، وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَيْ عِيَان أَسْرِعَا البيان، قال ابن عباس: فإذا محا الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد، فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة. قال: وكانت العرب تُسَمِّي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي: الأَسْحَم، وكان هذا الخط عندهم مشؤومًا. وقال الحربيّ: الخط هو أن يَخُطّ ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهنّ بشعير، أو نَوًى، وبقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكِهانة. قال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرةٌ، وهو معمول به إلى الَان، ولهم فيه أوضاع، واصطلاحٌ، وأسامٍ، ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيرًا ما يصيبون فيه. انتهى (١). (قالَ) ﷺ ("كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال (يَخُطُّ) بالبناء للفاعل، من باب نصر، أي يستعمل الخطّ معجزةً له (فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ) يَحْتمل الرفع على الفاعليّة، والمفعول محذوفٌ، والنصب على المفعوليّة، والفاعل الضمير المستتر في "وافق" يعود إلى النبيّ على حذف مضاف، أي خطّ ذلك النبيّ، يعني أن من وافق من الناس خطُّهُ خطّ ذلك النبيّ (فَذَاكَ") خبر مبتدأ محذوف، واختُلف في تقديره، فقيل: فذاك مباحٌ، وقيل: فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، والجملة جواب الشرط. وقال في "المنهل": قوله: "فذاك" أي فهو مُصيبٌ، وعالمٌ مثل ذلك النبيّ، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقينيّ بالموافقة، وامتَنَعت الموافقة؛ لأن خطّه كان معجزةً، ولأنه كان يَعرِف بالفراسة بواسطة تلك الخطوط، فلا يُلْحَق به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة ذلك الخطّ؛ لقوّة فراسته، وكمال علمه وورعه. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: اختَلَفَ العلماءُ في معناه، فالصحيح أن معناه: من وافق خطُّهُ فهو مباح، ولا طريق لنا إلى العلم اليقينيّ بالموافقة، فلا يباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها.

стр. 6583

وإنما قال النبيّ ﷺ : "فمَن وافق خطه فذاك"، ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة؛ لئلا يَتَوهَّم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبيّ الذي كان يَخُط، فحافظ النبيّ ﷺ على حرمة ذاك النبيّ، مع بيان الحكم في حقنا. فالمعنى أن ذلك النبيّ لا منع في حقّه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال الخطابيّ: هذا الحديث يَحْتَمِل النهي عن هذا الخطّ؛ إذ كان عَلَمًا لنبوة ذاك النبيّ، وقد انقطعت، فنُهِينا عن تعاطي ذلك. قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خطّ من يوافق خطّه، لكن من أين نعلم الموافقة؟ والشرع منع من التخرُّص، وادّعاء الغيب جملةً، وإنما معناه: أن من وافق خطُّه فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم، وعليه يدلّ ظاهر قول ابن عبّاس، قال: ويَحْتَمُل أن هذا نُسِخَ في شرعنا. انتهى كلام القاضي (١). قال النوويّ بعدما تقدّم: فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن (٢). وقال القرطبيّ: حَكَى مكيّ في "تفسيره" أنه رُوي أن هذا النبيّ كان يخطّ بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل، ثم يزجر. انتهى (٣). (قَالَ) معاوية ﵁ (وَكَانَتْ لِي جَارِيةٌ) أي أمة، سُمّيت جاريةً؛ تشبيهًا لها بالسفينة الجارية في البحر؛ لجريها مُسخَّرةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشابّة؛ لخفّتها، ثم توسّعوا حتى سَمَّوا كلَّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزًا لا تقدر على السعي؛ تسميةً بما كانت عليه، وجمعها جواري، أفاده الفيّوميّ (٤). (تَرْعَى غَنَمًا لِي) "الغنم": اسم جنس يُطلق على الضأن والمعز، وقد يُجمع على أغنام على معنى قُطْعَانات من الغنم، ولا واحد له من لفظه، قاله ابن الأنباريّ، وقال الأزهريّ أيضًا: الغنم: الشاة، الواحدة: شاةٌ، وتقول العرب:

стр. 6584

راح على فلان غَنَمان، أي قَطِيعان من الغنم، كلُ قطيع منفرد بمرعًى وراعٍ، وقال الجوهريّ: الغنم اسم مؤنّثٌ موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور والإناث، وعليهما، ويُصَغَّر، فتدخل الهاء، فيقال: غُنيمة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرت، فالتأنيث لازم لها. انتهى (١). (قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي جهةَ (أُحُدٍ) بضمّتين: الجبل المعروف بقرب المدينة النبويّة من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة في أوائل سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّرٌ، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البُقْعة، فيُمنع، وليس بالقويّ (٢). (وَالْجَوَّانِيَّةِ) بفتح الجيم، وتشديد الواو، وبعد الألف نون مكسورة، ثم ياء مشدّدة، قال النوويّ: هكذا ضبطناه، وكذا ذكر أبو عُبيد البكريّ، والمحققون، وحَكَى القاضي عياض عن بعضهم تخفيف الياء، والمختار التشديد، والجوّانية بقرب أُحُد: موضع في شَمَاليّ المدينة، وأما قول القاضي عياض: إنها من عَمَلِ الْفُرْع فليس بمقبول؛ لأن الْفُرْع بين مكة والمدينة بعيد من المدينة، وأُحُد في شماليّ المدينة، وقد قال في الحديث: "قِبَلَ أُحُد، والجوّانيّة"، فكيف يكون عند الفُرْع؟. انتهى (٣). (فَاطَّلَعْتُ) بتشديد الطاء المهملة، من الاطّلاع، يقال: اطّلعتُ على الشيء: إذا أشرفت عليه، وعَلِمته، أي أشرفت تلك الغنم (ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيام، و"ذات" مقحمة (فَإذَا الذِّيبُ) بكسر الذال المعجمة، بعدها ياء، ويقال: فيها أيضًا ذئب بالهمزة، وهو: كلبُ البرّ، قال في "المصباح": الذِّئبُ: يُهمز، ولا يُهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربّما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبةٌ، وجمع القليل أذؤُب، مثلُ أفلس، وجمع الكثرة ذِئَابٌ، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذِيَاب بالياء؛ لوجود الكسرة. انتهى. (قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا) وفي رواية النسائيّ: "قد ذهب بشاة منها" (وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ) بمدّ الهمزة، وفتح السين: أي أغضب، يقال: أَسِفَ

стр. 6585

أَسَفًا، من باب تَعِبَ: حَزِنَ وتَلَهَّفَ، فهو أَسِفٌ، مثلُ تَعِبٍ، وأَسِفَ مثلُ غَضِبَ وزنًا ومعنًى، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آسفته، قاله الفيّوميّ (١). (كَمَا يَأْسَفُونَ) أي كما يغضبُ بنو آدم إذا أُصيب مالهم (لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً) أي لطمت تلك الجارية لطمة، يقال: صكّه صَكًّا: إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطة. وقوله: "لكنّي" تقدّم مثله في قوله: "لكني سكتُّ"، وأنه استدراك على محذوف، فيقدّم هنا: فلما رأيت ذلك أردت أن أسامحها، لكني لم أفعل ذلك، بل صككتها صكّةً، واللَّه تعالى أعلم. (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ) معطوف على محذوف، وقد صرّح به النسائيّ، أي فأخبرته، فعظّم ذلك عليّ، من التعظيم، أي جعل ما فعلته فعلًا عظيمًا منكرًا. (قُلْتُ) وفي نسخة: "فقلت" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟) بهمزة الاستفهام، وكان هذا العتق لأجل كفّارة كانت عليه من نذر، أو نحوه، كما بيّنه مالك في "الموطّأ"، ولفظه: "وعليّ رقبةٌ، أفأعتقها؟ ". ويَحْتَمِلُ أن يكون كفّارةً عن جنايته عليها بالصكّ، فكأنه لَمّا عظّم النبيّ ﷺ ذلك عليه أراد أن يكفّره بعتق رقبة، فسأل هل تكفي تلك الجارية عن كفّارته؟. (قَالَ) ﷺ ("ائْتِنِي بِهَا") وفي رواية النسائيّ: "قال: ادعها"، وإنما أمره بالإتيان بها؛ ليتبيّن كونها مؤمنةَّ يَعتقها صاحبها عن الرقبة التي عليه. قال: (فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ) ﷺ (لَهَا) أي لتلك الجارية ("أَيْنَ اللَّهُ؟) (قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ) قال النوويّ: هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن اللَّه تعالى ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات. قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد بعدم الخوض في معناه عدم الخوض في معرفة الكيفيّة، فذاك صواب، وإن أراد عدم معرفة المعنى اللغوي من
следующие страницы →