الساكنة، أي حضرت المنيّة والوفاة، وأما الأول فمعناه: نزل ملك الموت، والملائكة الكرام. انتهى (١).
وقال في "العمدة": قوله: "لَمّا نَزَلَ" على صيغة المعلوم في رواية أبي ذرّ، وفاعله محذوف، أي لما نَزَل الموت، وفي رواية غيره بضم النون، وكسر الزاي، على صيغة المجهول. انتهى (٢).
وقوله: (طَفِقَ) جواب "لَمّا"، يقال: طَفَق بكسر الفاء وفتحها، أي جعل، والكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن، وممن حَكَى الفتح الأخفش والجوهريّ، قاله النوويّ.
وقال في "العمدة": قوله "طَفَقَ" من أفعال المقاربة، وهي ثلاثة أنواع: منها ما وُضع للدلالة على الشروع في الخبر، وأفعاله: أنشأ، وطفق، وجعل، وعَلِق، وأخذ، وتعمل هذه الأفعال عمل "كان"، إلا أن خبرهن يجب كونه جملةً. حَكَى الأخفش: طَفَقَ يَطْفِقُ، مثل ضَرَب يَضْرِب، وطَفِقَ يَطْفَقُ، مثلُ عَلِم يَعْلَم، ولم يستعمل له اسم فاعل، واستعمل له مصدرٌ، حَكَى الأخفش: طُفُوقًا عمن قال: طَفَقَ بالفتح، وطَفَقًا عمن قال: طَفِقَ بالكسر، ومعناه ههنا جَعَلَ. انتهى (٣).
وأفعال الشروع هي التي ذكرها ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
(يَطْرَحُ) بفتح أوله، وثالثه، قال الفيّوميّ: طَرَحتُهُ طَرْحًا، من باب نَفَعَ: رَمَيْتُ به، ومن هنا قيل: يجوز أن يُعَدّى بالباء، فيقال: طَرَحتُ به؛ لأن الفعل إذا تضمّن معنى فعل جاز أن يَعْمَل عمله، وطَرَحتُ الرداء على عاتقي: ألقيتُهُ. انتهى (٤). والجملة خبر "طفق".
(خَمِيصَةً) بالنصب على أنه مفعول "يطرح"، وهي بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم: كِسَاءٌ أسودُ مربعٌ له عَلَمان، فإن لم يكن مُعْلَمًا، فليس بخميصة، وتكون من خزّ، أو صوف، وجمعها خَمَائص، وقيل: الخمائص: ثيابٌ من خزّ
стр. 6512
ثِخَان سُودٌ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثِخَان أيضًا، أفاده في "اللسان" (١).
وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ "خَمِيصة"، أي كائنةً له ﷺ (عَلَى وَجْهِهِ) متعلّق بـ "يطرح"، أي يُلقي تلك الخميصة على وجهه الشريف ﷺ (فَإِذَا اغْتَمَّ) بالغين المعجمة: أي احتَبَس نفسه عن الخروج، وقيل: إذا تَسَخَّن بالخميصة، وحَمِي بها (كَشَفَهَا) أي أزال تلك الخميصة (عَنْ وَجْهِهِ) الشريف ﷺ ؛ ليزول اغتمامه (فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهي معترضة بين القول ومقوله، أي قال ﷺ ، والحال أنه في تلك الحال من الطرح والكشف، وقوله: ("لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مقول "فقال"، واللعنة: الطرد والإبعاد عن الرحمة، أي أبعدهم اللَّه تعالى عن رحمته.
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") تقدّم أنها جملة استئنافية كأنها جواب عن سؤال سائل بقوله: ما سبب لعنهم هذا؟.
وقوله: (يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا) مقول الراوي، وليس مقول الرسول ﷺ ، وهي أيضًا جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه سئل عن حكمة ذكره ﷺ ذلك في ذلك الوقت، فأجاب به.
و"يُحذّر" بتشديد الذال المعجمة، مبنيًّا للفاعل، من التحذير، أي يحذر أمته أن تصنع بقبره كما صنعت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها؛ لأن ذلك يصير بالتدريج شَبِيهًا بعبادة الأصنام.
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكر هذا الحديث: أخرج الإمام أحمد من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قومًا اتَّخَذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا يُعْبَد، اشتَدَّ غضبُ اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال ابن عبد البرّ ﵀: الوَثَنُ: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يُعْبَد من دون اللَّه فهو وثن، صَنَمًا
стр. 6513
كان، أو غير صنم، وكانت العرب تُصَلِّي إلى الأصنام، وتعبدها، فخَشِي رسول اللَّه ﷺ على أمته أن تصنع كما صنع بعض مَن مضى من الأمم، كانوا إذا مات لهم نبيّ عَكَفُوا حول قبره، كما يُصْنَعُ بالصنم، فقال ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا يُصَلَّى إليه، ويُسْجَد نحوه، ويُعْبَدُ، فقد اشتدّ غضب اللَّه على من فعل ذلك، وكان رسول اللَّه ﷺ يُحَذِّر أصحابه، وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله الذين صَلَّوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلةً ومسجدًا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يَسجُدون إليها، ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبيّ ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط اللَّه وغضبه، وأنه مما لا يرضاه؛ خشية عليهم امتثالَ طرقهم، وكان ﷺ يُحِبُّ مخالفة أهل الكتاب، وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا تَرَى إلى قوله ﷺ على جهة التعيير والتوبيخ: "لتتبعُنَّ سَنَنَ الذين كانوا قبلكم حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إنّ أحدهم لو دَخَل جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه". انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١). وهو نفيسٌ.
قال ابن رجب ﵀: ويؤيّده ما ذكره أن النبيّ ﷺ كان يُحذِّر من ذلك في مرض موته، كما في حديث عائشة، وابن عباس ﵄، وفي حديث جُندب ﵁ أن النبيّ ﷺ قال ذلك قبل موته بخمس.
وفي "مسند الإمام أحمد" بسند صحيح، من حديث أبي عبيدة بن الجرّاح ﵁ قال: آخر ما تكلم به النبيّ ﷺ : "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأخرج الإمام أحمد حديث عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "أدخل علي أصحابي"، فدخلوا عليه، فكشف القناع، ثم قال: "لعن اللَّه اليهود والنصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأخرج أيضًا حديث عائشة ﵂ من رواية ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، وقال في آخر حديثه: "يُحرّم ذلك على أمته".
стр. 6514
وقد اتّفق أئمة الإسلام على هذا المعنى، قال الشافعيّ ﵀: وأكره أن يُعظَّم مخلوقٌ حتى يتّخذ قبره مسجدًا خشيةَ الفتنة عليه، وعلى من بعده.
وقال صاحب "التنبيه" من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول اللَّه ﷺ متوجّهًا إليه فحرام.
قال القرطبي ﵀: بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبره النبيّ ﷺ ، فأعلموا حِيطان تربته، وسدُّوا الداخل إليها، وجعلوها مُحدقةً بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يُتخّذ موضع قبره قبلةً إذا كان مستقبل المصلّين، فتُتصوّر الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليّين، وحرّفوهما حتى التقيا على زاوية مُثلّثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكّن أحدٌ من استقبال قبره، ولهذا المعنى قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك أُبرِز قبره. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة وابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٢] (٥٣١)، (والبخاريّ) في "الصلاة" (٤٣٥ و ٤٣٦ و ٣٤٥٣ و ٣٤٥٤ و ٤٤٤٣ و ٤٤٤٤ و ٥٨١٥ و ٥٨١٦)، و (النسائيّ) (٢/ ٤٠ - ٤١)، وفي "الكبرى" (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٠٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٣ و ١١٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن اتّخاذ القبور مساجد؛ لما يترتّب عليه من الفساد بتعظيمها المؤدّي إلى عبادتها.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبي ﷺ من شدّة العناية في تحذير أمته
стр. 6515
من الوقوع في الشرك، حتى في آخر لحظة من حياته، وفي الوقت الذي اشتدّ به النزع.
٣ - (ومنها): بيان اشتداد مرضه ﷺ ، وذلك لتضعيف درجاته، فعن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول اللَّه ﷺ ". متّفقٌ عليه.
وعن عائشة ﵂ أيضًا، قالت: "إن رسول اللَّه ﷺ كان بين يديه رَكْوة، أو عُلْبة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، ويقول: لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات، ثم نَصَب يده، فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبِض، ومالت يده"، متّفقٌ عليه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة لعن اليهود والنصارى؛ لانحرافهم عن دينهم، وعما أنزل اللَّه تعالى عليهم، حتى عَبَدُوا قبور الأنبياء، والصالحين من دون اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية [التوبة: ٣١].
٥ - (ومنها): أن من فعل مثل ما فعلته اليهود والنصارى استحقّ اللعن والطرد من رحمة اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١١٩٣] (٥٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ").
стр. 6516
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصلت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ جليلٌ حافظ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (بخ م مد ت س ق) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٨.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو) بن أبي الوليد الرقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيه ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٢/ ٩٦.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجزريّ، أبو أُسامة، أصله من الكوفة، ثم سكن الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٩ أو ١٢٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦.
٦ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيُّ) الزُّبيديّ الكوفيّ المعروف بالمكتب، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن مسعود، وجندب بن عبد اللَّه البجليّ، وطَلِيق بن قيس، وأبي كثير الزُّبيديّ، وغيرهم.
ورَوى عنه عمرو بن مُرّة، وحميد بن عطاء الأعرج، وأبو سنان ضِرَار بن مرة، والمغيرة بن عبد اللَّه اليشكريّ.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٨ - (جُنْدَب) بن عبد اللَّه بن سُفيان الْبَجَليّ، ثُمّ الْعَلَقيّ، أبو عبد اللَّه، وربّما نُسب لجدّه، صحابيّ، مات بعد الستين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦.
стр. 6517
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل ببيان صيغتي الأداء؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل، كما سبق بيانه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له" وقد سبق بيانه غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ) بفتح النون، وسكون الجيم: نسبة إلى نَجْران: ناحية بين اليمن وهَجَر، قاله في "اللباب" (١)، وقال في "المصباح": نَجْرانُ: بلدة من بلاد هَمْدَان من اليمن، قال البكريّ: سُمّيت باسم بانيها نَجْران بن زيد بن يَشْجُبَ بن يَعْرُبَ بن قَحْطان. انتهى (٢).
(قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ) -بضم الجيم، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وتُضمّ- ابن عبد اللَّه بن سفيان ﵁ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ) أي خمس ليال، وهذا فيه بيان أن هذا الكلام من أواخر ما تكلّم به النبيّ ﷺ ، فكأنه ﷺ عَلِمَ أنه مرتحل عن الدنيا بذلك المرض، فخاف على أمته أن تُعظّم قبره، وتقع فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، فحذّرها عن ذلك (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من المفعول ("إِنِّي أَبْرَأُ) بفتح أوله وثالثه، مضارع بَرِئَ، من باب تَعِبَ، ونَدَر كونه من باب نصرَ، قال في "القاموس": وبَرِئَ من الأمر يَبْرَأُ، ويَبْرُؤُ -نادرٌ- بَرَاءً وبراءةً، وبُرُوءًا: تبرّأ. انتهى (٣).
قال النوويّ ﵀: معنى "أبرأ": أي أمتنع من هذا، وأنكره، وقال القاضي عياض ﵀: أي أبعُد عن هذا، وأنقطع عنه، ولا أتّصل به. انتهى (٤).
وقوله: (إِلَى اللَّهِ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كوني منقطعًا إلى اللَّه تعالى من غيره.
стр. 6518
(أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ) الخليل: هو المنقَطَعُ إليه، وقيل: المختص بشيء دون غيره، قيل: هو مشتقّ من الْخَلَّة -بفتح الخاء-: وهي الحاجة، وقيل: من الْخُلّة -بضم الخاء-: وهي تخلل المودّة في القلب، فنفى ﷺ أن تكون حاجته، وانقطاعه إلى غير اللَّه تعالى، وقيل: الخليل من لا يَتَّسِع القلب لغيره، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال ابن الأثير ﵀: الْخُلّة بالضم: الصداقة، والمحبة التي تخلَّلت القلب، فصارت خلاله، أي في باطنه، والخليل: الصديق، فَعِيلٌ بمعنى مُفَاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول، وإنما قال ﷺ ذلك؛ لأن خُلّته كانت مقصورة على حبّ اللَّه تعالى، فليس فيها لغيره مُتَّسَعٌ، ولا شَرِكة من مَحابّ الدنيا والآخرة، وهذه حالٌ شريفةٌ، لا ينالها أحدٌ بكسب واجتهاد، فإن الطباع غالبةٌ، وإنما يَخُصّ اللَّه بها من يشاء من عباده، مثل سيد المرسلين -صلوات اللَّه وسلامه عليه-.
ومن جَعَل الخليل مشتقًّا من الْخَلَّة، وهي الحاجة والفقر، أراد: إني أبرأ من الاعتماد والافتقار إلى أحد غير اللَّه تعالى، وفي رواية ﵀: "أبرأ إلى كُلّ خِلٍّ من خَلَّته" بفتح الخاء، وبكسرها، وهما بمعنى الْخُلَّة والخليل. انتهى (٢).
وقال القرطبي ﵀: قوله: "إني أبرأ إلى اللَّه. . . إلخ": أي أَبْعُدُ عن هذا، وأنقطع عنه، وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه ﷺ قد امتلأ بما تخلّله من محبّة اللَّه تعالى وتعظيمه، فلا يَتَّسِعُ لمخاللة غيره، أو لأنه ﷺ قد انقطع بحاجته كلّها إلى اللَّه تعالى، ولجأ إليه في سدّ خلّاته، فكفاه ووقاه، فلا يَحتاج إلى أحد من المخلوقين. انتهى (٣).
ثم علّل براءته عن المخلوقين بقوله:
(فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَلِيلًا) حيث قال اللَّه : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ
стр. 6519
إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وهذا من باب الترغيب في اتّباعه؛ لأنه إمام يُقْتَدى به حيث وصل إلى غاية ما يَتَقَرَّب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الْخُلَّة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧].
قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أُمر به، وفي كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبيرٌ عن صغير، وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ الآية [النحل: ١٢٠] والآية بعدها.
وقال البخاريّ: حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: "إن معاذًا لَمّا قَدِمَ اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من القوم: لقد قَرَّت عين أم إبراهيم".
وقد ذكر ابن جرير في "تفسيره" عن بعضهم أنه إنما سماه اللَّه خليلًا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جَدْبٌ، فارتحل إلى خليل له من أهل الْمَوْصِل، وقال بعضهم: من أهل مصر؛ ليمتار طعامًا لأهله من قِبَله، فلم يُصِب عنده حاجته، فلما قَرُب من أهله بمفازة ذات رَمْل، فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل؛ لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير مِيرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك، فتحوَّل ما في الغرائر من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا، فعَجَنوا منه، وخَبَزوا، فاستيقظ، فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي اللَّه، فسماه اللَّه بذلك خليلًا.
قال ابن كثير ﵀: وفي صحة هذا ووقوعه نظرٌ، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًّا لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب.
وإنما سُمِّي خليل اللَّه؛ لشدّة محبته لربه لِمَا قام له به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في "الصحيحين" من رواية أبي سعيد الخدريّ أن رسول اللَّه ﷺ لَمّا خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: "أما بعدُ أيها الناس، فلو
стр. 6520
كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل اللَّه".
وجاء من طريق جندب بن عبد اللَّه البجليّ، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن اللَّه اتّخذني خليلًا كما اتّخذ إبراهيم خليلًا".
وقال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدّثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدّثنا إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجانيّ بمكة، حدّثنا عبد اللَّه الحنفيّ، حدّثنا زَمْعَة أبو صالح، عن سَلَمَة بن وَهْرَام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "جلس ناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عَجَبٌ إن اللَّه اتّخذ من خلقه خليلًا، فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن اللَّه كلم موسى تكليمًا؟، وقال آخر: فعيسى روح اللَّه وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه اللَّه، فخرج عليهم، فسلّم، وقال: قد سمعت كلامكم، وتعجبكم أن إبراهيم خليل اللَّه، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه اللَّه، وهو كذلك، ألا وإني حبيب اللَّه، ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفَّع ولا فخر، وأنا أول من يُحَرِّك حلقة الجنة فيفتح اللَّه ويدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة، ولا فخر" (١).
قال ابن كثير ﵀: وهذا حديث غريبٌ، من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.
وقال قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الْخُلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟ -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- (٢).
стр. 6521
رواه الحاكم في "المستدرك" رقم (١٦٥)، وقال: صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرِّجاه.
وكذا رُوِي عن أنس بن مالك، وغير واحد من الصحابة والتابعين، والأئمة من السلف والخلف. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (١).
(وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن أبا بكر ﵁ أفضل الناس بعد رسول اللَّه ﷺ ، وأنه مخصوص من مِنَحِ اللَّه تعالى، ومن كريم مواهبه، ومن محبّة اللَّه ورسول اللَّه ﷺ له بما ليس لأحد من بعده، وهذا مذهب أهل السنّة أجمعين من السلف الماضي، والخلف اللاحقين. انتهى (٢).
[تنبيه]: كتب بعضهم في معنى قوله: "لو كنت متّخذًا. . . إلخ" ما نصّه: يعني لو جاز لي أن أتّخذ صديقًا من الخلق يَقِف على سرّي لاتّخذت أبا بكر خليلًا، ولكن لا يطّلع على سرّي إلا اللَّه، ووجه تخصيصه بذلك أن أبا بكر كان أقرب سرًّا من سرّ رسول اللَّه ﷺ ؛ لما رُوي أنه ﷺ قال: "إن أبا بكر لم يفضُل عليكم بصوم، ولا صلاة، ولكن بشيء كُتِب في قلبه". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث لا أصل له (٣)، فلا يصلح لأخذ معنى الحديث منه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (وَإِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، ألَا فَلَا تَتَّخِذوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) وقوله: (إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) تأكيد لقوله: "فلا تتّخذوا. . . إلخ".
قال النوويّ ﵀: قال العلماء: إنما نهى النبيّ ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، فربما أَدَّى ذلك إلى
стр. 6522
الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة -رضوان اللَّه عليهم أجمعين- والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللَّه ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حُجْرة عائشة لمَدْفَن رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه: أبي بكر وعمر ﵄ بنوا على القبر حيطانًا مرتفعةً مستديرةً حوله؛ لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوامّ، ويؤدي المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرّفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: "ولولا ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشِي أن يُتَّخَذ مسجدًا". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد اللَّه البجليّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٣] (٥٣٢)، و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (١١١٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢/ ١٦٨ رقم ١٦٨٦)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال القاضي عياض ﵀: وفي سند هذا الحديث: "ثنا زكرياء بن عديّ، عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللَّه بن الحارث النجراني، قال: حدّثني جندبٌ".
هذا مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال: خالف عبيد اللَّه فيه أبو عبد الرحيم (٢)، فقال: عن جميل النجرانيّ، عن جندب، وجميل مجهول، والحديث محفوظ عن أبي سعيد وابن مسعود، وقال غيره: وقد ذكر النسائيّ
стр. 6523
الحديث من رواية عبيد اللَّه بن عمرو، ثم ذكر رواية أبي عبد الرحيم، عن زيد، عن عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن جميل النجرانيّ، عن جندب. انتهى (١).
وقال الحافظ في "النكت الظراف": ذكر الْبَرْقانيّ أن أبا عبد الرحيم رواه عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، فقال: عن عمرو بن مرّة، عن جميل النجرانيّ، عن جندب، قال الْبَرْقانيّ: وذكرت ذلك للدارقطنيّ، فقال: رواية عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد أشبه بالصواب.
وقال ابن أبي حاتم ﵀: (٢٦٧٤) سألت أبي عن حديث رواه إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة، قال: قرأت في كتاب أبي عبد الرحيم بخطه، وأخبرني محمد بن سلمة أنه خط أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: حدثني جميل النجرانيّ، قال: سمعت جندب بن عبد اللَّه البجليّ، قال: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول قبل موته بخمس. . . " فذكر الحديث، قال أبي: رواه عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد، عن عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث النجرانيّ، قال: حدّثنا جندب، وهو أشبه، وهو عندي عبد اللَّه بن الحارث المكتب الكوفيّ، وقد أدرك جندبًا ﵁. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما قاله الدارقطنيّ، وأبو حاتم أن الحديث صحيحٌ، وأنه محفوظ من رواية عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن جندب، كما هو رأي المصنّف ﵀، حيث أخرجه في "صحيحه" من هذا الطريق.
والحاصل أن للدارقطني في هذا الإسناد رأيين:
أحدهما: إعلاله بمخالفة أبي عبد الرحيم لعبيد اللَّه بن عمرو، وهو الذي ذكره في كتابه "التتبع والإلزامات" (ص ١٣٣) بنسخة تحقيق الشيخ ربيع بن هادي، وهو الذي نقله عياض في كلامه السابق.
والثاني: ترجيح رواية عبيد اللَّه على رواية أبي عبد الرحيم، كما نقله
стр. 6524
الحافظ في "النكت الظراف"، كما أسلفته آنفًا، وهذا الرأي منه هو المقدّم والمرجح؛ لموافقته لرأي الإمامين: مسلم، وأبي حاتم الرازي، فقد اتّفق الثلاثة على صحّته من هذا الوجه.
والحاصل أن الحديث صحيحٌ من هذا الطريق؛ فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤) - (بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٤] (٥٣٣) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَن بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِي، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ، حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ (١): إِنَّكُمْ قَدْ كثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا للَّهِ تَعَالَى -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ"، ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ: "مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعرف بابن التستريّ، صدوقٌ تُكلّم في بعض سماعه، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
стр. 6525
٣ - (بُكَيْر) بن عبد اللَّه بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بن النعمان بن زيد بن عامر بن سَوّاد بن كعب، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الظفريّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر المدنيّ، ثقة عالم بالمغازي [٤].
رَوَى عن أبيه، وجابر بن عبد اللَّه، ومحمود بن لبيد، وجدته رُمَيثة، ولها صحبة، وأنس، والحسن بن محمد بن الحنفية، وعبيد اللَّه الخولانيّ، وعلي بن الحسين بن عليّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه الفضل، وبُكير بن عبد اللَّه بن الأشج، وعبد الرحمن بن سليمان بن الْغَسِيل، وزيد بن أسلم، وعُمارة بن غَزِيّة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان راويةً للعلم، وله علم بالمغازي والسيرة، أَمَره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، فيحدّث الناس بالمغازي، ومناقب الصحابة، ففعل، وكان ثقةً كثير الحديث، عالِمًا، وكَنَاه ابن حبان أبا محمد، وقال البزار: ثقةٌ مشهورٌ، وقال عبد الحق في "الأحكام": هو ثقةٌ عند أبي زرعة، وابن معين، وقد ضعَّفه غيرهما، وقد رَدّ ذلك عليه ابن القطان، وقال: بل هو ثقة عندهما وعند غيرهما، ولا أعرف أحدًا ضعّفه، ولا ذكره في الضعفاء. انتهى.
تُوُفّي سنة عشرين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: توفي سنة (١٩)، وقيل: مات سنة (٦) وقيل: سنة (٢٧)، وقيل: سنة (٢٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٣٣) وأعاده بعده، وحديث (٢٢٠٥): "إن فيه شفاء"، وأعاده بعده.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ) هو: عبيد اللَّه بن الأسود، ويقال: ابن الأسد الْخَوْلانيّ، ربيب ميمونة أم المؤمنين ﵂، ثقةٌ [٣].
رَوَى عنها، وعن زيد بن خالد الجهنيّ، وابن عباس ﵃.
وروى عنه بُسْر بن سعيد، وعاصم بن عمر بن قتادة، ومحمد بن طلحة بن يزيد بن رُكَانة.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 6526
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: المراد بقوله: "رَبيب ميمونة ﵂" أنها رَبّته، فقيل: كان مولاها، لا أنه ابن زوجها.
قال المنذريّ: وكذا وقع في "رجال الموطأ" لابن الْحَذّاء، وأفاد أن الذي سَمَّى أباه الأسود هو الليث بن سعد.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ (١)، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٣٣) وأعاده بعده، وحديث (٢١٠٦): "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة"، وأعاده بعده.
٦ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، استُشهِد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وعمره (٨٠) سنة، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد صيغ أدائهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٣ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": في هذا الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق: بكير، وعاصم، وعبيد اللَّه، وثلاثة من أوله مصريون، وثلاثة من آخره مدنيون، وفي وسطه مدنيّ سكن مصر، وهو بكير، فانقسم الإسناد إلى مصريّ ومدنيّ. انتهى (٢).
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ويُلقّب بذي النورين؛ لأنه تزوّج بنتي رسول اللَّه ﷺ : رُقيّة، وأم كلثوم ﵄، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6527
شرح الحديث:
عن عَاصِمِ بن عمر بن قتادة (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو-: نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن يَشْجُب بن عُريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأ، وبعض خولان يقولون: خولان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، وهكذا قال ابن الكلبيّ، واسم خولان: أفكل، وهي قبيلة نزلت الشام، ينسب إليها جماعة من العلماء، قاله في "اللباب" (١).
(يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ﵁ (عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) أي في عثمان ﵁، وقد وقع بيان ذلك في رواية محمود بن لبيد الأنصاريّ التالية، قال: لما أراد عثمان بناء المسجد، كَرِهَ الناس ذلك، وأحبوا أن يدعوه على هيئته، أي في عهد النبيّ ﷺ .
وقال البغويّ في "شرح السنة": لعل الذي كَرِهَ الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة، لا مجرد توسيعه. انتهى.
قال الحافظ: ولم يَبْنِ عثمان المسجد إنشاءً، وإنما وَسّعه وشَيَّده، فيؤخذ منه إطلاق البناء في حقّ من جدّد كما يُطلَق في حقّ من أنشأ، أو المراد بالمسجد هنا بعض المسجد، من إطلاق الكل على البعض. انتهى.
وتعقّبه العينيّ كعادته بما هو ظاهر التعسّف، فتأمله بالإنصاف.
(حِينَ بَنَى) أي حين أراد عثمان ﵁ أن يبني، كما أوضحته الرواية التالية، والمراد به توسيعه، وتشييده، لا أنه أنشأ بناءه (مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ ) كذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها: "مسجد رسول اللَّه ﷺ ".
[تنبيه]: كان بناء عثمان ﵁ للمسجد النبويّ سنة ثلاثين على المشهور، وقيل: في آخر سنةٍ من خلافته، ففي "كتاب السير" عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، أخبرني مالك، أن كعب الأحبار كان يقول عند بنيان عثمان المسجد: لَوَدِدت أن هذا المسجد لا يُنْجَزُ، فإنه إذا فُرخ من بنيانه، قُتِل عثمان، قال مالك: فكان كذلك.
стр. 6528
قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بين القولين بأن الأول كان تاريخ ابتدائه، والثاني تاريخ انتهائه. انتهى (١).
(إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ) هذا مقول لقول مقدّر حال من فاعل "سمع"، أي سمعه يقول: "إنكم قد أكثرتم"، ومفعول "أكثرتم" محذوف؛ للعلم به، أي أكثرتم الكلام في الإنكار عليّ فيما فعلته من بناء المسجد.
(وَإِنِّي سَمِعْتُ) وفي نسخة: "قد سَمِعْتُ" (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) جملة حالية من المفعول ("مَنْ بَنَى مَسْجدًا للَّهِ تَعَالَى) التنكير فيه للتعميم، فيدخل فيه الكبير والصغير، ووقع في رواية أَنس ﵁ عند الترمذيّ: "صغيرًا أو كبيرًا".
وزاد ابن أبي شيبة في حديث الباب من وجه آخر، عن عثمان ﵁: "ولو كَمَفْحَص قَطَاة"، وهذه الزيادة أيضًا عند ابن حبّان، والبزّار، من حديث أبي ذرّ ﵁، وعند أبي مسلم الكجيّ من حديث ابن عباس، وعند الطبرانيّ في "الأوسط" من حديث أنس وابن عمر ﵄، وعند أبي نعيم في "الحلية" من حديث أبي بكر الصدِّيق، ورواه ابن خزيمة من حديث جابر بلفظ: "كمَفَحص قَطاة، أو أصغر".
وحَمَلَ أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تَفْحَص القَطاة عنه؛ لتَضَع فيه بيضها، وترقُد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه، وتؤيده رواية جابر هذه.
وقيل: بل هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدرًا يُحتاج إليه، تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشتركَ جماعةٌ في بناء مسجد، فتقع حصّة كل واحد منهم ذلك القدر.
وهذا كلّه بناءٌ على أن المراد بالمسجد ما يَتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذي يُتَّخذ للصلاة فيه.
فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يَسَع الجبهة، فلا يحتاج إلى شيء مما ذُكِر، لكن قوله: "بَنَى" يُشْعِر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة: "مَن بَنَى للَّه بيتًا"، أخرجه سمويه في "فوائده"
стр. 6529
بإسناد حسن، وقوله في رواية عُمر: "مَن بنى مسجدًا يُذكَرُ فيه اسم اللَّه"، أخرجه ابن ماجه، وابن حبّان، وأخرج النسائيّ نحوه من حديث عمرو بن عَبَسَة، فكل ذلك مشعر بأن المراد بالمسجد المكان المتَّخَذ، لا موضع السجود فقط.
لكن لا يَمتنع إرادة الآخر مجازًا؛ إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا كثيرًا من المساجد في طُرُق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود.
ورَوَى البيهقيّ في "الشعب" من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد: "قلت: وهذه المساجد التي في الطُّرُق؟ قال: نعم"، وللطبرانيّ نحوه من حديث أبي قِرْصَافة، وإسنادهما حسن، قاله في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ بُكَيْرٌ) هو ابن عبد اللَّه بن الأشجّ الراوي عن عاصم بن عمر (حَسِبْتُ) بكسر السين المهملة، ومضارعه يَحْسَب بفتحها، وتُكسر أيضًا في لغة، قال الفيّوميّ ﵀: حَسِبْتُ زيدًا قائمًا أَحْسَبُهُ، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب، إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياسٍ، حِسْبَانًا بالكسر: بمعنى ظننتُ. انتهى (٢).
وأما حَسَبَ المالَ حَسْبًا: إذا أحصى عدده، فإنه من باب نصر (٣)، ولا يُناسب هنا، فافهم.
(أَنَّهُ) أي عاصم بن عمر (قَالَ) أي زاد في روايته قوله: (يَبْتغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ) أي يطلب بذلك رضي اللَّه تعالى.
قال في "الفتح": قوله: "قال بكير: حَسِبْتُ أنه" أي شيخه عاصمًا بالإسناد المذكور، قوله: يبتغي به وجه اللَّه" أي يطلب به رضا اللَّه، والمعنى بذلك الإخلاصُ، وهذه الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث، ولم أَرَها إلا من طريقه هكذا، وكأنها ليست في الحديث بلفظها، فإن كلَّ مَن رَوَى حديث
стр. 6530
عثمان ﵁ من جميع الطرق إليه لفظهم: "من بنى للَّه مسجدًا"، فكأن بُكيرًا نسيها، فذكرها بالمعنى مُتردِّدًا في اللفظ الذي ظنه، فإن قوله: "للَّه" بمعنى قوله: "يبتغي به وجه اللَّه"؛ لاشتراكهما في المعنى المراد، وهو الإخلاص. انتهى.
[فائدة]: قال ابن الجوزيّ ﵀: مَن كَتَبَ اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص. انتهى.
قال في "الفتح": ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص؛ لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة.
ورَوى أصحاب "السنن" وابن خزيمة، والحاكم، من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "إن اللَّه يُدخل بالسهم الواحد ثلاثةً الجنةَ: صانعه الْمُحْتَسِبَ في صنعته، والرامي به، والممدّ به"، فقوله: "المحتَسِب في صنعته" أي مَن يَقْصِد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعًا بذلك، أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يحصل إلا من المتطوع.
وهل يحصل الثواب المذكور من جَعَل بقعة من الأرض مسجدًا، بأن يكتفي بتحويطها من غير بناء، وكذا من عَمَد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجدًا، إن وَقَفنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإن نظرنا إلى المعنى فنعم، وهو المتَّجِهُ.
وكذا قوله: "بَنَى" حقيقةٌ في المباشرة بشرطها، لكن المعنى يَقتَضي دخول الَامر بذلك أيضًا، وهو المنطبِق على استدلال عثمان ﵁؛ لأنه استَدَلّ بهذا الحديث على ما وقع منه، ومن المعلوم أنه لم يباشر ذلك بنفسه. انتهى. وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ") قال في "الفتح": إسناد البناء إلى اللَّه مجاز، ومثله في "العمدة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أنه لا مجاز هنا، بل هو كسائر الصفات التي تنسب إلى اللَّه تعالى على الوجه اللائق به ، مثل نسبة الخلق، والرِّزْق، والمنع، والعطاء، والقبض، والبسط، والرفع، والخفض، ونحو ذلك، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
стр. 6531
وإبراز الفاعل فيه لتعظيم ذكره -جَلّ اسمه- أو لئلا يُتَوَهَّم عوده على باني المسجد.
وقوله: "في الجنة" متعلّق بـ "بنى"، أو بمحذوف صفة لـ "بيتًا".
(وَقَالَ ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ: مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) يعني أن أحمد بن عيسى شيخه الثاني قال في روايته: "بَنَى اللَّه له مثله في الجنّة"، بدل قول هارون بن سعيد: "بنى اللَّه له بيتًا في الجنّة".
قال في "الفتح": قوله: "مثلَهُ" صفة لمصدر محذوف أي بَنَى بِناءً مثلَهُ، ولفظ "المثل" له استعمالان:
أحدهما: الإفراد مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، والآخر: المطابقة كقوله تعالى: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنيةً متعددةً، فيحصُل جواب مَن استشكَل التقييد بقوله: "مثله" مع أن الحسنة بعشمرة أمثالها؛ لاحتمال أن يكون المراد بَنَى اللَّه له عشرة أبنية مثله، والأصل أن ثواب الحسنة الواحدة واحد بحكم العدل، والزيادة عليه بحكم الفضل.
وأما مَن أجاب باحتمال أن يكون ﷺ قال ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ففيه بُعْدٌ.
وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة عليه.
ومن الأجوبة المرضيَّة أيضًا أن المثلية هنا بحسب الكميّة، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة، بل من مائة، أو أن المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره، مع قطع النظر عن غير ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة؛ إذ موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها، كما ثبت في "الصحيح".
وقد رَوى أحمد من حديث واثلة بلفظ: "بَنى اللَّه له في الجنة أفضل منه"، وللطبرانيّ من حديث أبي أمامة بلفظ: "أوسع منه"، وهذا يُشعر بأن المثلية لم يُقْصَد بها المساواة من كل وجه.
стр. 6532
وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن المراد بالمثل هنا -واللَّه أعلم- تماثل العمل والجزاء في الجنس، فيكون الجزاء من جنس العمل، لا التماثُل في الكم والكيف، وهذا توضحه نصوص أخرى وردت في هذا المعنى، كحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من أعتق رقبةً أعتق اللَّه بكلّ عضو منه عضوًا منه من النار". متّفقٌ عليه.
وكحديثه أيضًا مرفوعًا: "من نفّس عن مؤمن كربةً من كُرب الدنيا، نفّس اللَّه عنه كربةً من كُرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا في الدنيا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". رواه مسلم.
وبهذا المعنى وردت أحاديث كثيرة، فمن بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّه له بيتًا في الجنّة، ولا يُراد به المثليّة في الكميّة والكيفيّة، وإنما هو في مسمّى البناء من جنس عمله.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما قوله: "مثله" فليس المراد أنه على قدره، ولا على صفته في بنيانه، ولكن المراد -واللَّه أعلم- أنه يوسّع بنيانه بحسب توسعته، ويحكم بنيانه بحسب إحكامه، لا من جهة الزخرفة، ويكمل انتفاعه بما يُبنى له في الجنّة بحسب كمال انتفاع الناس بما بناه لهم في الدنيا، ويشرُف على سائر بنيان الجنة كما تشرف المساجد في الدنيا على سائر البنيان، وإن كان لا نسبة لما في الدنيا إلى ما في الآخرة، كما قال النبيّ ﷺ : "واللَّه ما في الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يَجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبّابة- في اليمّ، فلينظر بم ترجع"، رواه مسلم.
وقد دلّ على ما قلناه ما أخرجه أحمد من حديث أسماء بنت يزيد، عن النبيّ ﷺ قال: "من بنى للَّه مسجدًا في الدنيا، فإن اللَّه يبني له بيتًا أوسع
стр. 6533
منه في الجنّة" (١). انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ١١٩٤ و ١١٩٥] (٥٣٣)، وسيأتي في "كتاب الزهد والرقائق" -إن شاء اللَّه تعالى-، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٥٠)، و (الترمذيّ) فيها (٣١٨)، و (ابن ماجه) في "المساجد" (٧٣٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٦١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٠٩)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٤٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٥٦ و ١١٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٤ و ١١٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٣٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٦١ و ٤٦٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل من بنى للَّه مسجدًا.
٢ - (ومنها): بيان أهميّة الإخلاص للَّه تعالى في جميع أعمال العبد.
٣ - (ومنها): فضل عثمان ﵁ فإنه قد صحّ أن النبيّ ﷺ أمره أن يوسّع المسجد لَمّا ضاق بأهله، وضَمِنَ له بيتًا في الجنّة (٣)، فلهذا -واللَّه أعلم- أدخل ﵁ هدم المسجد، وتجديد بنائه على وجه هو أتقن من البنيان الأول مع التوسعة فيه في قوله: "من بنى مسجدًا للَّه بنى اللَّه له مثله في الجنّة"، فرضي اللَّه عنه، وعن الصحابة أجمعين.
стр. 6534
٤ - (ومنها): أن فيه بشرى لباني المسجد للَّه تعالى بدخوله الجنة؛ إذ المقصود بالبناء له أن يُسكنه، وهو لا يسكنه إلا بعد الدخول.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا للَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٣ - (الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَد) بن الضحّاك بن مسلم الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ، هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاريّ الأوسيّ، أبو الفضل، ويقال: أبو حفص، ويقال: إن رافع بن سنان جدّه لأمه.
رَوى عن أبيه، وعن عمّ أبيه عمر بن الحكم، ووهب بن كيسان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأسود بن العلاء بن جارية، وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، وخالد بن الحارث، وأبو خالد الأحمر، وعبد اللَّه بن حُمران، وهُشيم، ووكيع، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ ليس به بأس، سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان سفيان يُضَعِّفه من أجل القدر، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد يضعفه، قلت ليحيى: فقد روى عنه، قال: قد روى عنه، وكان يضعفه، وكان يرى القدر، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد
стр. 6535
يوثقه، وكان الثوريّ يضعفه، قلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: ليس بحديثه بأس، وهو صالح، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان سفيان يَحْمِل عليه، ما أدري ما كان شأنه وشأنه؟، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يُكْتَب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، وقال الفضل بن موسى: كان ممن خرج مع محمد بن عبد اللَّه بن حسن، وقال ابن حبان: ربما أخطأ، وقال الساجيّ: ثقةٌ صدوق، ضعفه الثوريّ لذلك، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمير، وقال النسائيّ في "كتاب الضعفاء": ليس بقويّ.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعين، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٥ - (أَبُوهُ) جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم الأنصاريّ، والد عبد الحميد، ثقة [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٧.
٦ - (مَحْمُودُ بْن لَبِيدٍ) بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأوسيّ الأنصاريّ الأشهليّ، أبو نعيم المدنيّ، وأمه أم منظور بنت محمد بن مسلمة.
رَوَى عن النبيّ ﷺ أحاديث، ولم تصحّ له رؤية، ولا سماع منه، وعن عمر، وعثمان، وشداد بن أوس، ورافع بن خَدِيج، وقتادة بن النعمان، وأبي سعيد الخدريّ، ورُفيدة امرأة صحابية، وجماعة.
ورَوَى عنه الزهريّ، وعاصم بن عمر بن قتادة، وجعفر بن عبد اللَّه بن الحكم، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وحصين بن عبد الرحمن الأشهليّ، وبكير بن الأشج، والمسيّب بن عبد اللَّه بن أبي أمامة بن ثعلبة، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، فيمن وُلد على عهد النبيّ ﷺ ، وقال: سمع من عُمر، وتُوُفّي بالمدينة سنة ست وتسعين، وكان ثقةً، قليل الحديث، قال الواقديّ: مات وهو ابن تسع وتسعين سنةً، وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة سبع وتسعين، وقال ابن أبي خيثمة تبعًا للَّهيثم بن عديّ: مات في خلافة ابن الزبير، زاد ابن أبي خيثمة: وقد قيل: سنة ست وتسعين.
стр. 6536
قال الحافظ ﵀: على مقتضى قول الواقديّ في سنّه يكون له يوم مات النبيّ ﷺ ثلاث عشرة سنةً، وهذا يُقَوّي قول مَن أثبت له الصحبة، وقد قال البخاريّ: قال أبو نعيم: حدّثنا عبد الرحمن بن الغَسِيل، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد: "أسرع النبيّ ﷺ حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ".
وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ، قال ابن عبد البرّ: قول البخاري أولى، يعني في إثبات صحبته، وكذا ذكره ابن حبان في الصحابة، وقال الترمذيّ: رأى النبيّ ﷺ ، وهو غلام صغير. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي ما قاله في "التقريب": صحابيّ صغير، وجُلُّ روايته عن الصحابة ﵃.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده في "كتاب الزهد والرقائق".
وقوله: (أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ) أي النبويّ.
وقوله: (فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي بناءه.
وقوله: (فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ) أي يترك المسجد.
وقوله: (عَلَى هَيْئَتِهِ) أي حالته وصفته التي كان عليها في عهد النبيّ ﷺ ، والخليفتين ﵄.
وقوله: ("مَنْ بَنَى مَسْجِدًا للَّهِ) قال القرطبيّ ﵀: أي مخلصًا في بنائه للَّه تعالى، كما قال في الرواية الأخرى: "يبتغي به وجه اللَّه".
وقوله: (بنى اللَّه له في الجنّة مثله") هذه المثليّة ليست على ظاهرها، ولا من كلّ الوجوه، وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناءً أشرف وأعظم وأرفع، وكذلك في الرواية الأخرى ﵀: "بنى اللَّه له بيتًا في الجنّة"، ولم يسمّه مسجدًا، وهذا البيت هو -واللَّه أعلم- مثلُ بيت خديجة ﵂ الذي قال فيه: "إنه بيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب"، يريد من قصب الزمرّد والياقوت، ويعتضد هذا بأن أُجور الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدّق بالثمرة: "إنها تربى حتى تصير مثل الجبل"، ولكن هذا التضعيف هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولَمّا فَهِمَ عثمان ﵁ هذا المعنى تأنّق في بناء المسجد، وحسّنه، وأتقنه، وأخلص للَّه فيه؛ رجاء أن يُبنى له في الجنّة قصرٌ متقنٌ مُشَرَّفٌ مرفَّع، وقد فعل اللَّه تعالى له ذلك، وزيادة ﵁. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.
стр. 6537
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إنما جزم القرطبيّ: بأن اللَّه تعالى فعل لعثمان ذلك؛ اعتمادًا على ما صحّ أن النبيّ ﷺ ضمن له الجنّة، وبشّره بها، واللَّه تعالى أعلم.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ وَضْعِ الأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ في الرُّكُوعِ، وَنَسْخِ التَّطْبِيقِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٦] (٥٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيْبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، قَالًا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَقُومُوا (١)، فَصَلُّوا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، قَالَ: وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، قَالَ: فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، وَطبَّقَ بَيْنَ كَفيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، يُؤَخرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا، وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً، وَإِذَا كنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَصَلُّوا جَمِيعًا، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَلْيَجْنَأْ (٢)، وَلْيُطَبّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرَاهُمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيْب) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) عن (٨٧) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
стр. 6538
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ، إلا أنه يرسل كثيرًا [٥] (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٥ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ مخضرم [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في المقدمة ٦/ ٥٢.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم فىِ "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، والأخيران قُرن بينهما.
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد ابن مسعود ﵁، كما نُقل عن ابن معين ﵀، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ … عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ
٧ - (ومنها): أن ابن مسعود ﵁ صحابيّ مشهورٌ ذو مناقب جمّة، من
стр. 6539
السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن أكابر فقهاء الصحابة ﵃، وأثنى النبيّ ﷺ على قراءته، وحثّ على الأخذ منه، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن أبا بكر وعمر ﵄ بَشّراه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أُمِّ عبد"، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ) أنهما (قَالَا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (فِي دَارِهِ) وفي رواية النسائيّ: "دخلت أنا وعلقمة على عبد اللَّه بن مسعود" (فَقَالَ) عبد اللَّه ﵁ (أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟) يريد الأمير والتابعين له، وفيه إشارة إلى إنكار تأخير الصلاة.
وقال القرطبي ﵀: قوله: "أصلّى هؤلاء. . . إلخ" هذه الإشارة إلى الأمراء، عاب عليهم تأخيرها عن وقتها المستحبّ، ويدلّ عليه آخر الحديث، و"خَلْفَكُم" إشارة إلى موضعهم، فكأنه قال: "الذين خَلْفَكُم"، ولم يُرد به أنهم أئمتهم؛ إذ قد صلّى بهم عبد اللَّه ﵁. انتهى (١).
(فَقُلْنَا: لَا) أي لم يصلّوا (قَالَ) عبد اللَّه ﵁ (فَقُومُوا) وفي نسخة: "قوموا" (فَصَلُّوا) قال النوويّ ﵀: فيه جواز إقامة الجماعة في البيوت، لكن لا يَسقُط بها فرض الكفاية، إذا قلنا بالمذهب الصحيح أنها فرض كفاية، بل لا بدّ من إظهارها، وإنما اقتصر عبد اللَّه بن مسعود ﵁ على فعلها في البيت؛ لأن الفرض كان يسقط بفعل الأمير، وعامّة الناس، وإن أخروها إلى أواخر الوقت. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح أن صلاة الجماعة فرض على الرجال، لا يسقط إلا بعذر، ومن جملة الأعذار تأخير الأئمة الصلاة عن وقتها، فيُحمل فعل ابن مسعود ﵁ على هذا، وسيأتي تحقيق الخلاف بأدلّته في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذانٍ وَلَا إِقَامَةٍ) قال القرطبي ﵀: اختُلف في صلاة الرجل وحده، أو في بيته، فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود ﵁ وغيرهم إلى أنه تُجزئه إقامة أهل المصر وأذانهم، وذهب عامّة فقهاء الأمصار إلى أنه لا
стр. 6540
بدّ من إقامة الصلاة، ولا تجزئه إقامة أهل المصر، ولا يؤذّن، واستحبّ ابن المنذر أن يؤذّن ويقيم. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: هذا مذهب ابن مسعود ﵁، وبعض السلف من أصحابه وغيرهم، أنه لا يُشْرَع الأذان ولا الإقامة من يصلي وحده في البلد الذي يؤذَّن فيه ويقام لصلاة الجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الإقامة سنة في حقه، ولا يكفيه إقامة الجماعة، واختلفوا في الأذان، فقال بعضهم: يشرع له، وقال بعضهم: لا يشرع، ومذهبنا الصحيح أنه يشرع له الأذان إن لم يكن سمع أذان الجماعة، وإلا فلا يُشْرَع. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ مشروعيّة الأذان والإقامة من يُصلّي وحده في بيته لعذر؛ لأن الأدلّة التي وردت في الأذان والإقامة تعمّه، فلا يخرج من عمومها إلا بدليل، وأما ما فعله ابن مسعود ﵁، فهذا رأيه، ولم يُسنده إلى النبيّ ﷺ ، فلا يكون حجة.
وقد استحبّ ابن المنذر: الأذان والإقامة من صلّى وحده، واحتجّ له بحديث مالك بن الحويرث حيث قال له النبيّ ﷺ ولابن عمه: "إذا سافرتما فأذنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما"، رواه الترمذيّ، وقال: حسن صحيح.
وفي رواية الشيخين: "فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم".
قال ابن المنذر: فقد أمرهما النبيّ ﷺ بالأذان ولا جماعة معهما.
واحتجّ أيضًا بما أخرجه الشيخان عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاريّ ثم المازنيّ، عن أبيه أنه أخبره، أن أبا سعيد الخدريّ قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنّ، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه ﷺ .
стр. 6541
قال ابن المنذر: فقد رغّب في رفع الصوت بالأذان؛ لفضيلة الأذان؛ لئلا يظنّ ظانّ أن الأذان لاجتماع الناس لا غير.
وقال الترمذيّ بعد إخراج حديث مالك بن الحويرث المذكور ما نصّه: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، اختاروا الأذان في السفر، وقال بعضهم: تجزئ الإقامة إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، والقول الأول أصحّ، وبه يقول أحمد وإسحاق. انتهى.
والحاصل أن الأذان والإقامة لا يشترط لها الجماعة، بل يشرعان لكلّ مصلّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) هكذا الرواية بالإفراد مع أن الضمير للأسود وعلقمة، بتأويله بالمذكور، أو بالراوي (وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ) أي نقوم صفًّا واحد (خلف ابن مسعود ﵁؛ لاعتقادهما أنه السنّة، كما هو الثابت عن الصحابة الآخرين، إلا أن ابن مسعود لا يراه، كما قال: (فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ) قال النوويّ ﵀: وهذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفًّا؛ لحديث جابر وجَبّار بن صخر، وقد ذكره مسلم في "صحيحه" في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر ﵁، وأجمعوا إذا كانوا ثلاثةً أنهم يقفون وراءه، وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافّة، ونقل جماعةٌ الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصحّ عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس ﵄، وكيف كان فهم اليوم مُجْمِعون على أنه يقف عن يمينه. انتهى.
(قَالَ) الراوي، وتقدّم الكلام في إفراد الضمير (فَلَمَّا رَكَعَ) أي ابن مسعود ﵁ (وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا) كما هو السنّة، إلا أن ابن مسعود لم يصل إليه علمه، فلذا أنكر عليهما، كما أشار إليه بقوله: (قَالَ) الراوي (فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، وَطَبَّقَ) بتشديد الموحّدة، من التطبيق (بَيْنَ كَفيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا) أي الكفّين المطبّقين (بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ) ابن مسعود (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده (سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ
стр. 6542
عَنْ مِيقَاتِهَا) أي عن وقتها المعتاد في السنّة، قال النووي ﵀: معناه: يؤخّرونها عن وقتها المختار، وهو أول وقتها، لا عن جميع وقتها. انتهى.
وقال القرطبي ﵀: هذا وقع في بني أميّة، وكذلك أخّر عمر بن عبد العزيز العصر، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأنكر عليه، وكأن بني أميّة كانوا قد ذهبوا إلى أن تأخير الصلاة إلى آخر وقتِها أفضل، كما هو قياس قول أبي حنيفة، حيث قال: إن آخر الوقت هو وقت الوجوب. انتهى (١).
[تنبيه]: ظاهر هذا السياق يدلّ أنّ قوله: "إنه ستكون عليكم أمراء. . . إلخ" موقوف من كلام ابن مسعود، لكن مثل هذا، وإن كان موقوفًا لفظًا، إلا أنه مرفوعٌ حكمًا؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، ويؤيّد هذا ما جاء رفعه صريحًا فيما أخرجه المصنّف من حديث أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: "صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ، فإنها لك نافلة" (٢).
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند حسن، عن شدّاد بن أوس ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "سيكون من بعدي أئمة يميتون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة" (٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(وَيَخْنُقُونَهَا) بضمّ النون، يقال: خَنَقَه يَخْنُقُهُ، من باب قتل خَنِقًا، مثل كَتِفٍ، ويُسكّن للتخفيف (٤)، وقال النوويّ ﵀: معناه يُضَيّقون وقتها، ويتركون أداءها إلى ذلك الحين، يقال: هم في خِنَاق من كذا، أي في ضيق، والْمُخْتَنِقُ الْمُضَيّق. انتهى (٥).
(إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى) بفتح الشين والراء، قال ابن الأعرابيّ: فيه معنيان:
стр. 6543
أحدهما: أن الشمس في ذلك الوقت، وهو آخر النهار إنما تبقى ساعة، ثم تغيب.
والثاني: أنه من قولهم: شَرِق الميت بريقه، من باب تَعِبَ، إذا لم يَبْقَ بعده إلا يسيرًا، ثم يموت.
وقال الأثير: قوله: "شَرَق الموتى": له معنيان: أحدهما: أنه أراد به آخر النهار؛ لأن الشمس في ذلك الوقت إنما تَلْبث قليلًا، ثم تغيب، فشبّه ما بقي من الوقت ببقاء الشمس تلك الساعة.
والآخر: من قولهم: شَرِق الميت بريقه: إذا غُصّ به، فشبّه قلّة ما بقي من الوقت بما بقي من حياة الشَّرِق بريقه إلى أن تخرج نَفْسُهُ، وسئل الحسن بن محمد ابن الحنفية عنه؟ فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان، فصارت بين القبور كأنها لُجّة؟ فذلك شَرَق الموتى، يقال: شَرِقَت الشمس شَرَقًا: إذا ضَعُف ضوؤها. انتهى (١).
وقيل: شرق الموتى: إذا ارتفعت الشمس عن الطلوع يقال: ساعة الموتى، وقيل: هو اصفرارها عند غروبها (٢).
(فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ) أي إذا رأيتم تأخير الأمراء الصلاة مثل هذا التأخير (فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا) أي لوقتها المعتاد في السنّة (وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً) بضم السين، وإسكان الباء: هي النافلة.
قال النوويّ ﵀: معناه: صَلُّوا في أول الوقت، يسقط عنكم الفرض، ثم صلُّوا معهم متى صَلَّوا؛ لتحرزوا فضيلة أول الوقت، وفضيلة الجماعة، ولئلا تقع فتنة بسبب التخلف عن الصلاة مع الإمام، وتختلفَ كلمة المسلمين، وفيه دليل على أن من صلى فريضةً مرتين تكون الثانية سنةً، والفرض سقط بالأولى، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقيل: الفرض أكملهما، وقيل: كلاهما، وقيل: إحداهما مبهمةً، وتظهر فائدة الخلاف في مسائل معروفة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الأقوال كلها ساقطة، غير الأول؛
стр. 6544
لمخالفتها النصّ، فالحديث نصّ في أن الثانية نافلة، فلا وجه للترديدات المذكورة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَصَلُّوا جَمِيعًا) أي مجتمعين صفًّا واحدًا، يكون الإمام فيه وسطًا، كما فعل ابن مسعود ﵁ بالأسود وعلقمة (وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أي من الثلاثة (فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ) أي ليتقدّم أمامكم، وتصفّون وراءه (وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِشْ) بضمّ الراء، وكسرها، يقال: فَرَشتُ البساط وغيره فَرْشًا، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: بسطته، وأفرشته، فافترشَ هو، وهو الفِراشُ بالكسر، فِعَالٌ بمعنى مفعول، مثلُ كتاب؛ قاله الفيّوميّ (١).
وقوله: (ذِرَاعَيْهِ) منصوب على المفعوليّة، أي يبسطهما (عَلَى فَخِذَيْهِ) متعلّق بـ "يفرِشُ" (وَلْيَجْنَأْ) قال النوويّ ﵀: هو بفتح الياء، وإسكان الجيم، آخره مهموز، هكذا ضبطناه، وكذا هو في أصول بلادنا، ومعناه: يَنْعَطِف، وقال القاضي عياض ﵀: رُوي: "وَلْيَجْنَأْ" كما ذكرناه، ورُوي "ولْيَحْنِ" بالحاء المهملة، قال: وهذا رواية أكثر شيوخنا، وكلاهما صحيح، ومعناه: الانحناء والانعطاف في الركوع، قال: ورواه بعض شيوخنا بضم النون، وهو صحيح في المعنى أيضًا، يقال: حَنَيْتَ الْعُودَ، وحَنَوتُهُ: إذا عطفته، وأصل الركوع في اللغة: الخضوع، والذِّلّة، وسُمِّي الركوع الشرعيُّ ركوعًا، لما فيه من صورة الذِّلّة، والخضوع، والاستسلام. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ولْيَحْنِ" رواية الْعُذريّ بضمّ النون، من حَنَوْتُ العودَ: إذا عطفته، ورواية أكثر الشيوخ بكسر النون، من حَنَيتُ العُود، وهما لغتان، وعند الطبريّ: "فليَجْنَأْ" بالجيم وفتح النون، وبهمزة في آخره، وكلها صحيح، والمراد به الانحناء في الركوع، وهو تَعَقُّف الصلْب، يقال: حَنَا على الشيء يَحْنُو حَنْوًا بالحاء، وجَنَأ يَجَنأ جَنًا وجُنُوءًا (٢) بالجيم والهمز: إذا فعل ذلك، وأصل الركوع في لغة العرب: الخضوع والذِّلّة، قال شاعرهم [من الخفيف]:
стр. 6545
لَا تُعَادِ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ … كَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
ثم هو في الشرع: عبارة عن التذلّل بالانحناء، وأقلّه عندنا -يعني المالكيّة- تمكين وضع اليدين على الركبتين منحنيًا، وهو الواجب، وهل الطمأنينة واجبة، أو ليست بواجبة؛ قولان، وعند أبي حنيفة: الواجب منه أقلّ ما يُطلق عليه اسم المنحني، والحديث الصحيح يردّ عليه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث الصحيح أيضًا يردّ على من يقول من المالكيّة ويخرهم: إن الطمأنينة غير واجبة، فقد قال ﷺ للمسيء صلاته: "ثم اركع حتى تطمئنّ راكعًا. . . " الحديث، متفقّ عليه، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في محلّه، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقال القاضي عياض؛ بعد ذكره نحو ما تقدّم عن القرطبيّ ما نصّه: وهذه صفة الخاضع الذليل الملقي بيده المستسلم، بل قيل: هي صورة الممكّن نفسه لضرب عنقه، وتلك غاية صور الاستسلام، لا سيّما ما كان عليه أول الشرع من التطبيق، وحبس اليدين بين الفخذين كالمكتوف. انتهى (١).
(وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرَاهُمْ) أي أرى ابن مسعود ﵁ الحاضرين كيفيّة التطبيق الذي رآه من النبيّ ﷺ ، وقوله: "فلكأني" الفاء فاء الفصيحة، واللام هي لام الابتداء، و"كأنّ" أداة تشبيه، أراد بذلك أنه حفظ هذه القضيّة من النبيّ ﷺ ، وما نسيها إلى ذلك الوقت، بل يستحضر صورتها أمامه، ويتخيّلها، ففيه تأكيد إخباره بذلك، ولقد صدق ابن مسعود ﵁ فيما قاله، وصحّ ذلك عنه ﷺ ، إلا أنه منسوخ، ولم يبلغه نسخه، فلهذا استمرّ عليه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: هذا الذي ذكره من تشبيك اليدين، وتطبيقهم بين الفخذين هو مذهب ابن مسعود وأصحابه خاصّةً، وهو صحيح من فعل النبيّ ﷺ ، إلا أنه منسوخ، كما ذُكر في حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁، ولم يبلُغ ابن مسعود ﵁ نسخه، قال: وعلى نسخ التطبيق كافّة العلماء غير من
стр. 6546
ذُكر. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١١٩٦ و ١١٩٧ و ١١٩٨] (٥٣٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٦٨)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٩ و ٥٠)، و"التطبيق" (١٨٣ و ١٨٤) وفي "الكبرى" (٢٧/ ٧٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٤٥ و ٢٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٤ و ٤٥١ و ٤٥٥ و ٤٥٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٩٦)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٧٤ و ١٨٧٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٦٤ و ١٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ١٣٤ و ١٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التطبيق الذي كان أوّلًا مشروعًا، ثم نُسخ، ولا زال ابن مسعود ﵁ متمسّكا به؛ لعدم علمه بنسخه.
٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن أكابر العلماء قد يخفى عليهم من النصوص ما هو مشهور لدى الناس، وقد عقد الإمام ابن حبّان في "صحيحه" بابًا لهذا، فقال:
"ذكر البيان بأن الْخَيِّرَ الفاضلَ من أهل العلم قد يَخْفَى عليه من السنن المشهورة ما يحفظه من هو دونه، أو مثله، وإن كَثُرَ مواظبته عليها، وعنايته بها"، ثم أورد هذا الحديث، وقال قبل ذلك ما نصّه:
كان ابن مسعود ﵁ ممن يُشَبّك يديه في الركوع، وزعم أنه كذلك رأى
стр. 6547
النبيّ ﷺ يفعله، وأجمع المسلمون قاطبةً من لدن المصطفى ﷺ إلى يومنا هذا على أن الفعل كان في أول الإسلام، ثم نسخه الأمر بوضع اليدين للمصلي في ركوعه، فإن جاز لابن مسعود ﵁ في فضله، وورعه، وكثرة تعاهده أحكام الدين، وتفقده أسباب الصلاة خلف المصطفى ﷺ ، وهو في الصف الأول؛ إذ كان من أولي الأحلام والنُّهَى أن يخفى عليه مثل هذا الشيء المستفيض الذي هو منسوخ بإجماع المسلمين، أو رآه فنسيه، جاز أن يكون رفع المصطفى ﷺ يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، مثلَ التشبيك في الركوع، أن يخفى عليه ذلك، أو ينساه بعد أن رآه. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد ابن حبّان ﵀ في هذا الاستنباط، والتحقيق، فإن هذا الحديث وأمثاله مما يقطع دابر المقلّدين الذين لا يبالون بالسنن الصحاح إذا خالفت مذهبهم، إذا ذُكِّرُوا لا يذكُرُون، بل يتعلّلون بأن إمامهم أعلم وأكثر اطّلاعًا من غيره، فلو كان هذا النصّ سليمًا لَمَا خفي عليه، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، فهذا ابن مسعود ﵁ أعلم، وأحفظ للسنن من الإمام الذي يدّعون له الإحاطة بالسنّة زورًا، قد خفيت عليه هذه السنة، فماذا بعد هذا؟ إلا العناد والمكابرة، اللهم اهدنا فيمن هديت آمين.
٣ - (ومنها): أنه من أدلّة نبوّة النبيّ ﷺ ، ومعجزة من معجزاته؛ إذ قد أخبر ﷺ عن شيء من الغيب، فوقع على نحو ما أخبر به.
٤ - (ومنها): أن فيه جواز التشبيك في المسجد؛ لأن التطبيق الذي ذكر في هذا الحديث كان في المسجد، وفيه قوله: "فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول اللَّه ﷺ "، وفي رواية النسائيّ: "فجعل إذا ركع شبّك بين أصابعه"، ففيه أن التشبيك وقع في المسجد، وقد بوّب النسائيّ في "سننه"، فقال: "تشبيك الأصابع في المسجد"، ثم أورد الحديث محتجًّا به على جوازه، وقد أشبعت البحث في "شرحي" (٢) عليه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وأما حديث أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن كعب بن عجرة ﵁
стр. 6548
مرفوعًا: "إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يُشَبِّكَنّ يديه، فإنه في صلاة"، ففي إسناده اختلاف، ضعَّفه بعضهم بسببه (١)، فلا يُعارض حديث الباب والأحاديث الأخرى في معناه.
٥ - (ومنها): الإنكار على الأئمّة إذا أخّروا الصلاة، والمبادرة إلى أدائها في أول وقتها، ثم إذا أدركهم يصلّون صلاها معهم نافلة؛ إحرازًا لفضيلة أول الوقت، وفضيلة صلاة الجماعة.
٦ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الواجب على المسلم البعد عن إثارة الفتن في وُلاة الأمور، وجماهير المسلمين، ولو رأى منهم التساهل في بعض أمور الدين، فهذه الصلاة التي أخرها هؤلاء الأئمة الذين أنكر عليهم ابن مسعود ﵁ ما حثه على الخروج بسببها عليهم، بل أمر الأسود وعلقمة بأن يصلوا في بيوتهم، ثم يصلوا معهم في أي وقت صلّوها، وهذا كلّه محافظة على أمن الأمة، وأداء لما يجب على الناس تجاه ولاة الأمور، وإنما الحقّ أن ينصحهم سِرًّا إذا استطاع دون أن يثير شرًّا، أو يُشهِرهم على رؤوس الأشهاد، فإن هذا هو الشرّ المستطير، ونسأل اللَّه تعالى السلامة من كلّ شرّ، اللهم اهدنا فيمن هديت ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، آمين.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي (٢) أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ رَاكِعٌ).
стр. 6549
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسْهِر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضَرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٧ - (مُفَضَّل) بن المُهَلْهَل السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٧) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: عليّ بن مُسهر، وجرير بن عبد الحميد، ومفضل بن مهلهل رووا هذا الحديث عن الأعمش. . . إلخ.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ) يعني أن حديث هؤلاء الثلاثة عن الأعمش بمعنى حديث أبي معاوية عنه الذي سبق قبل هذا.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي. . . إلخ) وفي بعض النسخ "فكأني"، يعني أن في حديثهما زيادة، وهي قوله في آخره: "وهو راكعٌ".
[تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6550
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، ثُمَّ طبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السمرقنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب "المسند" ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ إمام [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي الْمُختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلِّم فيه بلا حجة [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤٢.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا) وفي رواية النسائيّ: "فنزعها، فخالف بين أصابعها"، وهذا هو معنى التشبيك، وهو التطبيق.
وقوله: (ثُمَّ طبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ) المراد بالتطبيق هنا: جمع الكفّين، وتشبيك أصابعهما حتى تختلف، ثم وضعهما بين الركبتين في حالة الركوع، وهذا منسوخ، كما يأتي في حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.