ذلك عن ابن معين ﵀، قال: أصحّ الأسانيد: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵀، وإليه أشار في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ … عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ (١)
٥ - (ومنها): أن فيه "عبد اللَّه" مهملًا، لم يُنسب إلى أبيه، وفي الصحابة من يُسمّى بعبد اللَّه كثيرون، ويعلم الفرق بالرواة، فإذا كان الراوي كوفيًّا كما هنا فهو ابن مسعود ﵁، وقد بيّن هذا السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عَمَرٍ وإنْ يَفِي
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) جملة حاليّة من "رسول اللَّه ﷺ ".
وأخرج الحديث أبو داود في "سننه" من طريق أبي وائل، عن عبد اللَّه ﵁ قال: كنا نسلِّم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول اللَّه ﷺ ، وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يردَّ عليّ السلام، فأخذني ما قَدُمَ وما حَدُثَ، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ الصلاة، قال: "إن اللَّه يُحدث من أمره ما يشاء، وإن اللَّه جَلَّ وعَزّ قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة"، فردَّ عليَّ السلام.
(فَيَرُدُّ عَلَيْنَا) أي يردُّ السلام علينا بالقول، وهو في الصلاة؛ لكون الكلام كان مباحًا (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ) بفتح النون، وقيل: بكسرها، وتخفيف الجيم، وبالشين المعجمة، وتخفيف الياء، وتُشَدَّد كياء النسب.
وفي "القاموس": النجاشيّ بتشديد الياء، وبتخفيفها أفصح، وتُكسر نونها، أو هو أفصح، أصحَمَةُ، ملك الحبشة. انتهى (٢).
стр. 6617
وقال ابن الأثير: النجاشيّ الياء مشدّدة، وقيل: الصواب تخفيفها. انتهى (١).
وأفاد ابن التين أنه بسكون الياء، يعني أنها أصليّة، لا ياء النسبة، وحكى غيره تشديد الياء أيضًا، وحكى ابن دحية كسر نونه، وهو لقبٌ لكل من ملك الحبشة، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس، وفرعون لملك مصر، واسمه أصحمة، أسلم في زمن النبيّ ﷺ ، ومات سنة تسع من الهجرة عند الأكثر، وصلّى عليه النبيّ ﷺ بأصحابه بالمدينة (٢).
[تنبيه]: (اعلم): أن جماعة من الصحابة ﵃ هاجروا من مكة إلى الحبشة قبل هجرة المدينة.
قال ابن إسحاق: لَمّا احْتَمَل المسلمون من أذى الكفار، واشتَدَّ ذلك عليهم، قصد بعضهم الهجرة فرارًا بدينهم من الفتنة، قال: ولما رأى رسول اللَّه ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من اللَّه تعالى، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها مَلِكًا لا يُظْلَم عنده أحدٌ، وهي أرض صدق، حتى يجعل اللَّه لكم فرجًا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون، من أصحاب رسول اللَّه ﷺ إلى أرض الحبشة؛ مخافةَ الفتنة، وفرارًا إلى اللَّه تعالى بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.
وقال الواقديّ: كانت هجرتهم إلى الحبشة في رجب سنة خمس من النبوة، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلًا، وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماشٍ وراكبٍ، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة، وهم: عثمان بن عفان، وامرأته رُقيّة بنت رسول اللَّه ﷺ ، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوّام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة الْعَنَزيّ، وامرأته ليلى بنت أبي
стр. 6618
حثمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم، وحاطب بن عمرو، وسُهَيل بن بيضاء، وعبد اللَّه بن مسعود ﵃.
وقال ابن جرير: وقال الآخرون: كانوا اثنين وثمانين رجلًا، سوى نسائهم وأبنائهم، وعمار بن ياسر يشك فيه، فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلًا، ولما رجعوا من عند النجاشيّ كان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن المسلمين الذين ذكرناهم أنهم هاجروا إلى الحبشة بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتَدَّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين (١).
[تنبيه آخر]: اختُلِف في مراده بقوله: "فلما رجعنا" هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟.
فمالت جماعة، منهم أبو الطيب الطبريّ إلى الأول، وقالوا: تحريم الكلام كان بمكة، وحَمَلُوا حديث زيد بن أرقم ﵁ على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع من أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه.
ومالت طائفة إلى الترجيح، فقالوا بترجيح حديث ابن مسعود ﵁، فإنه حَكَى لفظ النبيّ ﷺ بخلاف زيد، فلم يَحْكِه.
وقالت طائفة: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قَدِمَ المدينة، والنبي ﷺ يتجهز إلى بدر.
ورَوَى الحاكم في "مستدركه" من طريق أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، قال: "بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى النجاشيّ ثمانين رجلًا. . . "، فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: "فتعجل عبد اللَّه بن مسعود، فشهد بدرًا"، وقال ابن إسحاق: إن المؤمنين وهم بالحبشة لما بلغهم أن النبيّ ﷺ هاجر إلى المدينة، رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان بمكة، وحُبِس بها منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا، فشهدوا بدرًا، فبان من ذلك أن ابن مسعود كان من هؤلاء، وأن اجتماعهم بالنبيّ ﷺ كان
стр. 6619
بالمدينة، قاله في "العمدة" (١).
(سَلَّمْنَا عَلَيْهِ) ﷺ ، والمراد أنهم سلّموا عليه، وهو يصلّي (فَلَمْ يَرُدَّ) بفتح الدال، ويجوز ضمّها، وكسرها (عَلَيْنَا) أي بالقول، وإلا فقد رَوَى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبيّ ﷺ ردّ على ابن مسعود ﵁ في هذه القصّة السلام بالإشارة، أفاده في "الفتح" (٢).
(فَقُلْنَا) أي بعد الصلاة (يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ) أي قبل أن نهاجر إلى الحبشة (فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟) أي ترد علينا السلام بالقول، فلماذا تركت ذلك؟ (فَقَالَ) ﷺ ("إِن فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا") وفي رواية أحمد: "لشُغلًا" بلام التوكيد، وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أنه موجود في بعض نسخ مسلم.
و"الشغل": بضمّ الشين، وسكون الغين المعجمتين، وبضمّهما، قال القرطبيّ ﵀: اكتفى بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه قال: شُغْلًا كافيًا، أو مانعًا من الكلام وغيره، ويُفهم منه التفرّغ للصلاة من جميع الأشغال، ومن جميع المشوّشات، والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ ﵀: التنكير فيه يَحْتَمِل التنويع، يعني أن شغل الصلاة قراءة القرآن، والذكر، والدعاء، لا الكلام، ويَحْتَمِلُ التعظيم، أي شُغلًا، أيَّ شغل؛ لأنها مناجاة مع اللَّه ﵎، واستغراق في خدمته، فلا تصلح للاشتغال بغيره. انتهى (٤).
وقال النوويّ ﵀: معناه: أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبّر ما يقوله، فلا ينبغي أن يُعرِّج على غيرها من ردّ السلام ونحوه. انتهى (٥).
وزاد في رواية أبي وائل المتقدّمة: "إن اللَّه يُحدث من أمره ما يشاء، وإن اللَّه قد أحدث أن لا تكلّموا في الصلاة"، وزاد في رواية كلثوم الخزاعيّ:
стр. 6620
"إلا بذكر اللَّه، وما ينبغي لكم، فقوموا للَّه قانتين، فأمرنا بالسكون"، قاله في "الفتح" (١).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: انتقد أبو الفضل بن عمّار الشهيد هذا الإسناد في "علله"، فقال:
ووجدت فيه حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، كنا نسلّم على النبيّ ﷺ . . . الحديث. وبعده لِهُرَيم بن سُفيان، عن الأعمش مثله.
قال أبو الفضل: وافقهما على ذلك جماعة: أبو عوانة، وأبو بدر شُجاع بن الوليد، ورواه الثوريّ، وشعبة، وزائدة، وجرير، وأبو معاوية، وحفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد اللَّه، ولم يذكروا علقمة، وهؤلاء الذين أرسلوه أثبت، وأجلّ ممن وصله، ورواه الحكم بن عتيبة أيضًا، عن إبراهيم، عن عبد اللَّه مرسلًا أيضًا، إلا ما رواه أبو خالد الأحمر عن شعبة موصولًا، فإنه وَهِمَ فيه أبو خالد. انتهى كلام أبي الفضل ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه أبو الفضل في كلامه هذا ترجيح انقطاع الحديث على وصله، وجه الانقطاع أن إبراهيم النخعي لم يلق ابن مسعود، فروايته عنه منقطعة، وإنما رجّح أبو الفضل الانقطاع على الاتّصال؛ لكثرة من رووه كذلك، فإن الذين رووه موصولًا بذكر علقمة هم: محمد بن فُضيل، وهُريم بن سفيان، وأبو عوانة، وأبو بدر شُجاع بن الوليد، أربعة.
стр. 6621
والذين رووه عن إبراهيم، عن عبد اللَّه بدون ذكر علقمة هم: الثوريّ، وشعبة، وزائدة، وجرير بن عبد الحميد، وأبو معاوية، وحفص بن غياث، ستة.
فرجّح أبو الفضل رواية هؤلاء؛ لجلالتهم، وهم أكثر أيضًا، لكن الذي يظهر لي أن الأرجح كونه موصولًا، كما هو صنيع الشيخين، حيث اتّفقا على إخراج الحديث موصولًا، وذلك لأن الذين رووه موصولًا جماعة، ثقات، حفّاظ، وأن الذين رووه منقطعًا، وإن كانوا أجلّ وأكثر، إلا أن للأولين مرجِّحَين:
[أحدهما]: أن الانقطاع بين إبراهيم وابن مسعود له حكم الاتّصال؛ لأن إبراهيم لا يرسل عنه إلا ما سمعه من أكثر من واحد، فقد ذكر ذلك الترمذيّ عنه بسند حسن، عن الأعمش، أنه قال: قلت لإبراهيم النخعيّ: أَسْنِدْ لي عن عبد اللَّه بن مسعود، فقال: إذا حدّثتك عن رجل، عن عبد اللَّه، فهو الذي سَمَّيتُ، وإذا قلت: قال عبد اللَّه، فهو عن غير واحد. انتهى.
قال الحافظ ابن رجب في "شرحه": وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعيّ خاصّةً فيما يُرسله عن ابن مسعود ﵁ خاصّة.
قال: وقد قال أحمد في مراسيل النخعيّ: لا بأس بها، قال: وقال ابن معين: مرسلات إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة. انتهى باختصار (١).
وإلى هذا أشرت في "شافية الغُلَل" حيث قلت:
وَمُرْسَلَاتُ النَّخَعِيِّ صُحِّحَتْ … سِوَى حَدِيثَيْنِ لَدَى يَحْيَى الثَّبَتْ
حَدِيثُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِالضَّحِكْ … وَتَاجِرُ الْبَحْرَيْنِ فَاهْجُرُ مَا تُرِكْ
وَكَوْنُهَا أَعْلَى مِنَ الْمُسْنَدِ إِنْ … إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ عَزَاهَا قُلْ قَمِنْ
وراجع ما كتبه في شرح هذه الأبيات (٢).
والحاصل أن مرسل إبراهيم النخعيّ عن ابن مسعود صحيح.
стр. 6622
[والثاني]: أن الحديث روي متّصلا عن ابن مسعود من طرق كثيرة، غير هذا الطريق، فقد أخرجه أحمد من طريق زائدة بن قُدامة، وأبو داود، من طريق أبان بن يزيد العطار، والنسائيّ من طريق ابن عيينة، ثلاثتهم عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال: "كنا نسلم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدِمتُ على رسول اللَّه ﷺ ، وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يرُدّ عليّ السلام. . . " الحديث.
وأخرجه النسائيّ من طريق الثوريّ، عن الزبير بن عديّ، عن كُلْثُوم الخزاعيّ، عن عبد اللَّه ﵁.
وأخرجه ابن ماجه، والطحاويّ من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه ﵁.
وأخرجه أحمد من طريق أبى الجهم (١)، عن أبي الرَّضْرَاض (٢)، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: "كنت أُسَلِّم على رسول اللَّه ﷺ في الصلاة، فيردُّ عليّ. . . " الحديث.
والحاصل أن الحديث متّصلًا أرجح، كما هو رأي الشيخين، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٧/ ١٢٠٦ و ١٢٠٧] (٥٣٨)، و (البخاريّ) في "كتاب العمل في الصلاة" (١١٩٩ و ١٢١٦)، و"المناقب" (٣٨٧٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٢٣)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٢٢٠ و ١٢٢١)، وفي "الكبرى" (١١٤٣ و ١١٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٣٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٧ و ٤٣٥ و ٤٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 6623
١ - (منها): بيان تحريم الكلام في الصلاة.
٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الكلام كان مباحًا في الصلاة، ثم حُرِّم، وكذلك في حديث زيد بن أرقم الآتي بعد هذا، واختلفوا متى حُرِّم؟ فقال قوم: بمكة، واستدلُّوا بحديث ابن مسعود ﵁، ورجوعه من عند النجاشيّ إلى مكة، وقال آخرون: بالمدينة، بدليل حديث زيد بن أرقم ﵁، فإنه من الأنصار، أسلم بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، وسيأتي الخلاف قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): جواز السلام على من يُصلي؛ لأنه ﷺ لم ينكر على من سلّم عليه، وهو في الصلاة، وإنما ترك الردّ عليه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة ردّ السلام في الصلاة بالإشارة؛ لأنه ﷺ ردّ بها.
٥ - (ومنها): أن الإشارة بالسلام لا تُبطل الصلاة؛ خلافًا لأبي حنيفة، والحديث يردّ عليه.
٦ - (ومنها): استحباب ردّ السلام باللفظ بعد الصلاة، وإن ردّ فيها بالإشارة؛ لأنه ﷺ ردّ على ابن مسعود في الصلاة بالإشارة، وبعدها باللفظ، ففي رواية أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال: كنا نسلم في الصلاة،. . . الحديث، وفي آخره: "فردَّ عليّ السلام".
٧ - (ومنها): بيان أن الواجب في الصلاة اشتغال المصلي بقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، ولا يشتغل بما ينافيها، من السلام على الناس، وردّ سلامهم، وتشميت العاطس، ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٠٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي (١) ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
стр. 6624
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْر) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير المذكور في السند الماضي.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ في كتابه "تقييد المهمل" بعد سوقه هذا الإسناد ما نصّه: هكذا رواه مسلم عن ابن نُمير، ووقع في بعض النسخ بدل "ابن نُمير": "نا ابن مثنّى، قال: نا إسحاق بن منصور"، وفي بعضها أيضًا: "نا ابن كثير، نا إسحاق" وهذا كلّه خطأ، والحديث يرويه محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، عن إسحاق بن منصور، وكذلك خرّجه البخاريّ في "الجامع"، عن محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، عن إسحاق السَّلُوليّ. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ (١).
٢ - (إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُوليُّ) -بفتح السين المهملة، ولامين الأولى مضمومة- مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ تُكُلِّم فيه للتشيّع [٩] (ت ٢٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٨.
٣ - (هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ) -بهاء، وراء، آخره ميم، مصغّرًا- البجليّ، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، والأعمش، ومنصور، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وسهيل بن أبي صالح، وعبد ربه بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم.
وروى عنه إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، وأسود بن عامر شاذان، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وأبو داود الْحَفَريّ، وأبو نعيم، وأحمد بن عبد اللَّه بن يونس، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوقٌ ثقةٌ، وقال البزار: صالح الحديث، ليس بالقويّ، وقال الدارقطنيّ: صدوقٌ.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
стр. 6625
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه.
وقوله: (نَحْوَهُ) هذه العبارة أيضًا هي عبارة البخاريّ، فإنه أخرج الحديث بإسنادي المصنّف، وذكر في الثاني هذه العبارة، قال الحافظ ﵀: ظاهر في أن لفظ رواية هُرَيم غير مُتّحِد مع لفظ رواية ابن فضيل، وأن معناهما واحدٌ، وكذا أخرج مسلم الحديث من الطريقين، وقال في رواية هُرَيم أيضًا: "نحوه".
قال: ولم أقف على سياق لفظ هُرَيم إلا عند الْجَوْزقيّ (١)، فإنه ساقه من طريق إبراهيم بن إسحاق الزهريّ، عنه، ولم أر بينهما مغايرةً، إلا أنه قال: "قَدِمْنا" بدل "رجعنا"، وزاد: "فقيل له: يا رسول اللَّه"، والباقي سواء.
قال: وللحديث طُرُقٌ أخرى، منها عند أبي داود، والنسائيّ من طريق أبي وائل (٢)، عن ابن مسعود، وعند النسائيّ من طريق كُلْثُوم الخزاعيّ، عنه، وعند ابن ماجه، والطحاويّ من طريق أبي الأحوص، عنه ﵀. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم يطّلع الحافظ على رواية أبي نعيم في "مسنده المستخرج على صحيح مسلم"، فإنه ساقه بتمامه فيه، فالعزو إليه أولى من الْجَوزقيّ، وأيضًا فالمغايرة فيه ظاهرة، كما سيظهر لك في التنبيه التالي، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية هُريم هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٦٣)، فقال:
(١٧٢٠) حدّثنا القاضي إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس أبو إسحاق، قال: ثنا إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، عن هُرَيم بن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: كنا نسلم على رسول اللَّه ﷺ في الصلاة، فيرُدُّ علينا، فلما قَدِمنا من عند النجاشيّ، سلمنا عليه، فلم يرُدّ، فقيل له، فقال: "إن في الصلاة شُغْلًا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6626
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٠٨] (٥٣٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (هُشَيْم) بن بَشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ) -بالشين المعجمة، والموحّدة مصغّرًا- ويقال: ابن شِبْل بن عَوْف الْبَجَليّ، أَبو الطُّفيل الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبي عمرو الشيباني، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وطارق بن شهاب.
وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق، والأعمش.
قال إسحاق بن منصور: لا يسأل عن مثله -يعني لجلالته- وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: حديثه -يعني الحارث بن شبيل- عن عليّ مرسل لم يدركه. انتهى.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب سوى هذا الحديث.
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: فرّق جماعة بين الحارث بن شُبيل، وبين
стр. 6627
الحارث بن شِبْل، منهم أبو حاتم، وابن معين، ويعقوب بن سفيان، والبخاريّ، وابن حبّان في "الثقات"، ولكن المزيّ -يعني في "تهذيب الكمال"- تَبعَ الكلاباذيّ، وقد رَدّ ذلك أبو الوليد الباجيّ على الكلاباذي في "رجال البخاريّ ﵀، وقال: الحارث بن شِبْل بصريّ ضعيف، والحارث بن شُبيل كوفيّ ثقةٌ، وكذا ضَعَّف ابنَ شبل ابنُ معين، والبخاريّ، ويعقوب بن سفيان، والدارقطنيّ، واللَّه أعلم. انتهى (١).
٥ - (أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ) هو: سَعْد بن إياس الكوفيّ، ثقةٌ مخضرَمٌ [٢] (ت ٥ أو ٩٦) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٩.
٦ - (زيدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، مختلف في كنيته، قيل: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو عُمارة، وقيل: أبو أُنيسة، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو سعد، ويقال: أبو سعيد.
واستُصْغِر يوم أُحُد، وأول مشاهده الخندق، وقيل: الْمُرَيسيع، وغزا مع النبيّ ﷺ سبع عشرة غزوة، ثبت ذلك في "الصحيح"، وله حديث كثير، ورواية أيضًا عن عليّ.
رَوَى عنه أنس مكاتبةً، وأبو الطفيل، وأبو عثمان النَّهْدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد خير، وطاوس. وله قصة في نزول "سورة المنافقين" في "الصحيح"، وشهد صِفّين مع علي، وكان من خواصّه، ومات بالكوفة أيام المختار سنة ست وستين، وقيل: سنة ثمان وستين.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر عن بعض قومه، عن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيمًا لعبد اللَّه بن رواحة، فخرج بي معه مُرْدِفي يعني إلى مؤتة، فذكر الحديث، وهو الذي سمع عبد اللَّه بن أُبَيّ يقول: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فأخبر رسول اللَّه ﷺ ، فسأل عبدَ اللَّه، فأنكر، فأنزل اللَّه تصديق زيد، ثبت ذلك في "الصحيحين"، وفيه: فقال: "إن اللَّه قد صدّقك يا زيد".
стр. 6628
وقال أبو المنهال: سألت البراء عن الصرف؟ فقال: سل زيد بن أرقم، فإنه خير مني، وأعلم (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا (٢).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وهُشيم، فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: إسماعيل، عن الحارث، عن أبي عمرو الشيبانيّ.
٥ - (ومنها): أن زيد بن أرقم ﵁ هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد أحاديثه فيه، وكذا الحارث بن شُبيل، وليس له في هذا الكتاب، ولا في "صحيح البخاريّ" إلا هذا الحديث، وقال في "الفتح": وليس لأبي عمرو الشيبانيّ عن زيد بن أرقم ﵁ غير هذا الحديث. انتهى (٣).
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من أفاضل الصحابة ﵃، أنزل اللَّه تعالى في تصديقه سورة كاملة، "سورة المنافقون"، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ) ﵁، وفي رواية البخاريّ: "عن أبي عمرو الشيبانيّ، قال: قال لي زيد بن أرقم"، فصرّح بالسماع من زيد ﵁، أنه (قَالَ: كنَّا
стр. 6629
نَتكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ) زاد في رواية البخاريّ: "على عهد النبيّ ﷺ ".
قال في "الفتح": وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله: "أُمِرنا"؛ لقوله فيه: "على عهد النبيّ ﷺ "، حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذِكْرُ نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر ما قاله صاحب "الفتح" أنه لا يكون له حكم الرفع إذا لم يُقيّد بعهده، أو يذكر معه نزول الآية، وهذا ما رجّحوه في "مصطلح الحديث"، فإن المرجّح هنا أنه يُعطى حكم الرفع مطلقًا، كما بيّن ذلك السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، بقوله:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنَّةِ" مِنْ صَحَابِي
كَذَا "أُمِرْنَا" وَكَذا "كُنَّا نَرَى" … "فِي عَهْدِهِ" أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
وقال أيضًا:
وَهَكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا … فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَايًا أَبَى
وقوله: (يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ) تفسير وتوضيح لقوله: "كنّا نتكلّم" (وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليّة من "صاحبه"، وقوله: (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ "يُكَلِّم"، أو بحال مقدّر، وفي رواية البخاريّ زيادة "بحاجته"، قال في "الفتح": والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من ردّ السلام ونحوه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التقييد يحتاج إلى دليل؛ إذ الظاهر أنه على عمومه في كلّ حاجة، واللَّه تعالى أعلم.
(حَتَّى نَزَلَتْ) وفي رواية البخاريّ: "حتى نزلت هذه الآية"، فاسم الإشارة فاعل "نزلت"، ويكون قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ بدلًا من "هذه الآية"، وعلى رواية المصنّف يكون قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مرفوعًا على الفعليّة، وهو محكيّ؛ لقصد لفظه.
[تنبيه]: اختُلِف في معنى "قانتين" على أقوال:
стр. 6630
الأول: أن معناه ساكتين، وبه قال السديّ.
الثاني: طائعين، وبه قال الشعبي، وجابرُ بنُ زيد، وعطاء، وسعيد بن جبرِ، وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن، فإنما يُعْنَى به الطاعة.
الثالث: خاشعين، وبه قال مجاهد، قال: والقنوت طول الركوع، والخشوع، وغضّ البصر، وخفض الجَنَاح.
الرابع: القنوت طولُ القيام، وبه قال ابن عمر ﵄، وقرأ: "أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا"، وأخرج مسلم في "صحيح مسلم": "أفضلُ الصلاةِ طولُ القنوت".
وقال الشاعر [من الرَّمَل]:
قَانِتًا للَّهِ يَدْعُو رَبَّهُ … وَعَلَى عَمْدٍ مِنَ النَّاسِ اعْتَزَل
الخامس: معناه: داعين، لما في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁: "قَنَتَ رسولُ اللَّه ﷺ لى شهرًا. . . " الحديث، أي دعا، وقال قوم: معناه طَوَّلَ قيامه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح هذه الأقوال عندي أولها؛ لحديث زيد بن أرقم ﵁ المذكور هنا، قال: "حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام".
فهذا نص ظاهر في كون معنى القنوت في الآية السكوتَ. فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء، ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوَام على الشيء جاز أن يُسَمَّى مديمُ الطاعة قانتًا، وكذلك من أطَالَ القيامَ، والقراءةَ والدعاءَ في الصلاة، أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت (١).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: القنوت يُستَعْمَل في معنى الطاعة، وفي معنى الإقرار بالعبودية، والخضوع، والدعاء، وطول القيام، والسكوت، وفي كلام بعضهم ما يُفْهَم منه أنه موضوع للمشترك.
стр. 6631
قال القاضي عياض ﵀: وقيل: أصله الدوام على الشيء، فإذا كان هذا أصله، فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي، والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلهم فاعلون للقنوت.
قال ابن دقيق العيد: وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من استعماله بمعنى مشترك، وهذه طريقة المتأخرين من أهل العصر وما قاربه، يقصدون بها دفع الاشتراك والمجاز عن موضوع اللفظ، ولا بأس بها إن لم يَقُم دليل على أن اللفظ حقيقةٌ في معنى مُعَيَّنٍ أو معاني، ويُستعمل حيث لا يقوم دليل على ذلك. انتهى (١).
(فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ) بالبناء للمفعول، أي أمرنا اللَّه تعالى على لسان نبيّه ﷺ بأن نسكت عن كلام الناس في الصلاة، فالمراد السكوت عن كلام الناس، لا مطلق السكوت عن الكلام المشروع في الصلاة، كقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، فإن الصلاة ليست محلّ سكوت، كما سبق في حديث ابن مسعود ﵁، مرفوعًا: "إن في الصلاة شُغْلًا"، فهي محلّ قراءة، وتسبيح، وتكبير، وتهليل، وتحميد، ودعاء، ونحو ذلك.
وقال في "الفتح": قوله: "فأُمرنا بالسكوت"، أي عن الكلام المتقدِّم ذكره، لا مطلقًا؛ فإن الصلاة ليس فيها حال سكوت حقيقةً.
قال ابن دقيق العيد ﵀: ويترجح بما دَلّ عليه لفظ "حتى" التي للغاية، والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها. انتهى (٢).
وقوله: (وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ) قال في "الفتح": هذا يقتضي أن كلّ شيء يُسمّى كلامًا فهو منهيّ عنه؛ حملًا للفظ على عمومه، ويَحتمل أن تكون اللام للعهد الراجع إلى قوله: "يكلّم الرجل منا صاحبه بحاجته"، وقوله: "فأمرنا بالسكوت" أي عما كانوا يفعلونه من ذلك. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6632
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ١٢٠٨ و ١٢٠٩] (٥٣٩)، و (البخاريّ) في "كتاب العمل في الصلاة" (١٢٠٠)، و"التفسير" (٤٥٣٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٤٩)، و (الترمذيّ) فيها (٤٠٥)، و"التفسير" (٢٩٨٦)، و (النسائيّ) في "السهو" (٣/ ١٨)، (وأحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٦٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٥٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٤٥ و ٢٢٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٨٦)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٥٥٢٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٠٦٣ و ٥٠٦٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٢٢)، و (الخطابيّ) في "غريب الحديث" (١/ ٦٩١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه دليلٌ على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين في الصلاة، وأجمع العلماء على أن الكلام فيها عامدًا عالِمًا بتحريمه بغير مصلحتها، وبغير إنقاذها، وشبهه مبطل للصلاة، وأما الكلام لمصلحتها فقال الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: يبطل الصلاة، وجَوَّزه الأوزاعيّ، وبعض أصحاب مالك، وطائفة قليلة، وكلام الناسي لا يبطلها عند الجمهور ما لم يَطُل، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يُبطلها، وقد تقدم تحقيق ذلك.
[فائدة]: قال ابن الْمُنَيِّر ﵀: الفرق بين قليل الفعل للعامد، فلا يُبطل، وبين قليل الكلام، أن الفعل لا تخلو منه الصلاة غالبًا لمصلحتها، وتخلو من الكلام الأجنبي غالبًا مُطّرِدًا، واللَّه تعالى أعلم (١).
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وأنها نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة.
٣ - (ومنها): بيان أن الكلام في الصلاة كان مباحًا، ثم نُسخ.
стр. 6633
٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ معنى القنوت، وهو السكوت، وهذا أرجح الأقوال كما قدّمناه.
٥ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀: أن هذا اللفظ أحد ما يُسْتَدلّ به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي لتقدم أحد الحكمين على الآخر، وهذا لا شكّ فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ من غير بيان التاريخ، فإن ذلك قد ذُكر فيه أنه لا يكون دليلًا؛ لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهاديّ. انتهى (١).
وقيل: ليس في هذه القصة نسخ؛ لأن إباحة الكلام في الصلاة كان بالبراءة الأصلية، والحكم المزيل لها ليس نسخًا.
وأجيب: بان الذي يقع في الصلاة ونحوها مما يُمنَع أو يباح إذا قَرَّره الشارع كان حكمًا شرعيًّا، فإذا ورد ما يُخالفه كان ناسخًا، وهو كذلك هنا، قاله في "الفتح" (٢).
٦ - (ومنها): لفظة الراوي تُشعر بأن المراد بالقنوت في الآية السكوت؛ لما دلّت عليه لفظة "حتى" التي للغاية، والفاء التي تُشعِر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها، وقد قيل: إن القنوت في الآية الطاعة، وفي كلام بعضهم ما يُشعر بحمله على الدعاء المعروف، حتى جَعل ذلك دليلًا على أن الصلاة الوسطى هي الصبح، من حيث قرانها بالقنوت، والأرجح في هذا كلِّه حمله على ما أشعر به كلام الراوي، فإن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمون بسبب النزول والقرائن المحتفَّة به ما يُرشدهم إلى تعيين المحتمِلات، وبيان المجملات، فهم في ذلك كله كالناقلين للفظٍ يدل على التعيين والتسبب، وقد قالوا: إن قول الصحابيّ في الآية: نزلت في كذا يتنزل منزلة المسنَد، قاله ابن دقيق العيد أيضًا.
٧ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد أيضًا: قوله: "فنُهينا عن الكلام، وأمرنا بالسكوت" يقتضي أن كلَّ ما يسمى كلامًا فهو مَنْهِيّ عنه، وما لا يسمى كلامًا فدلالة الحديث قاصرة عن النهي عنه، وقد اختَلَف الفقهاء في أشياء، هل
стр. 6634
تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ، والتنحنح بغير علة وحاجة، وكالبكاء، والذي يقتضيه القياس أن ما يُسَمَّى كلامًا فهو داخل تحت اللفظ، وما لا يسمى كلامًا، فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، فَلْيُرَاعَ شرطه في مساواة الفرع للأصل، أو زيادته عليه.
واعتَبَر أصحاب الشافعيّ ظهور حرفين، وإن لم يكونا مفهمين، فإن أقل الكلام حرفان، ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يكون كل حرفين كلامًا، وإذا لم يكن كلامًا فالإبطال به لا يكون بالنصّ، بل بالقياس على ما ذكرنا، فَلْيُراعَ شرطه.
اللهم إلا أن يريد بالكلام كل مركب مُفْهِمًا كان أو غير مفهم، فحينئذ يندرج المتنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن فيه بحثًا، والأقرب أن يُنْظَر إلى مواقع الإجماع والخلاف، حيث لا يسمى الملفوظ به كلامًا، فما أُجمع على إلحاقه بالكلام ألحقناه به، وما لم يُجمَع عليه مع كونه لا يسمى كلامًا، فيقوى فيه عدم الإبطال.
ومن هذا استُضْعِف القول بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه قول مَن عَلَّل البطلان به بأنه يشبه الكلام، وهذا ركيك، مع ثبوت السنة الصحيحة أن النبيّ ﷺ نفخ في صلاة الكسوف في سجوده. انتهى كلامه ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح أن المراد بالكلام هو التخاطب الذي يجري بين الناس؛ إذ قول الراوي "يُخاطب بعضنا بعضًا"، وكذا الحديث المتقدّم: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" ظاهر في كون المراد مخاطبة بعضهم بعضًا، فلا يدخل فيه التنحنح، والأنين، والتأوّه، والنفخ، والبكاء، ونحو ذلك؛ لأنها ليست من جنس الكلام الممنوع في الصلاة، فتبصّر بالإنصاف.
٨ - (ومنها): أن قوله: "ونُهينا عن الكلام" هذه الزيادة لم تقع عند البخاريّ، واستُدلّ بها على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضدّه؛ إذ لو كان كذلك لم يُحتَج إلى قوله: "ونُهينا عن الكلام".
وأجيب بأن دلالته على ضدّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع الخلاف، فلعلّه
стр. 6635
ذُكر لكونه أصرح، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح في أن الأمر بالشيء، وكذا النهي عنه لا يستلزم ضدّه لفظًا، وإنما يستلزمه معنًى؛ إذ لا يتأتّى ما طلبه إلا بضدّه، وقد أوضحت هذا في "التحفة المرضيّة" حيث قلت:
الْحَقُّ أَنَّ الأَمْرَ بِالشَّيْءِ فَلَا … يَسْتَلْزِمَ النَّهْيَ عَنِ الضِّدِّ اعْقِلَا
لَفْظًا وَيَسْتَلْزِمُ فِي مَعْنَاهُ … إِذْ دُونَهُ لَمْ يَأْتِ مَا عَنَاهُ
وَهَكَذَا الْعَكْسُ وَلَوْ تَعَدَّدَا … الضِّدُّ وَالنَّدْبُ كَإِيجَابٍ بَدَا
وانظر تفاصيل المسألة في شرحها "المنحة الرضيّة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت تحريم الكلام في الصلاة:
(اعلم): أنهم اختلفوا متى حُرِّم؟ فقال قوم: بمكة، واستدلوا بحديث ابن مسعود ﵁ ورجوعه من عند النجاشيّ إلى مكة.
وقال آخرون: حُرِّم بالمدينة، بدليل حديث زيد بن أرقم ﵁، فإنه من الأنصار، أسلم بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، وقالوا: ابن مسعود لَمّا عاد إلى مكة من الحبشة، رجع إلى النجاشيّ إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم ورد على رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، وهو يتجهز لبدر.
وقال الخطابيّ ﵀: إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة.
وقال في "الفتح": قوله: "حتى نزلت هذه الآية" ظاهرٌ في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية مدنية باتفاق، فيُشكل ذلك على قول ابن مسعود ﵁: إن ذلك وقع لَمّا رجعوا من عند النجاشيّ، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتدّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود ﵁ مع الفريقين.
стр. 6636
واختُلِفَ في مراده بقوله: "فلما رجعنا" هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟، فَجَنَح القاضي أبو الطيب الطبريّ، وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام بمكة، وحَمَلوا حديث زيد بن أرقم ﵁ على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه.
وجَنَح آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود ﵁ بأنه حَكَى لفظ النبيّ ﷺ بخلاف زيد بن أرقم، فلم يَحْكِه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود ﵁ رجوعه الثاني، وقد وَرَد أنه قَدِمَ المدينة، والنبيّ ﷺ يتجهز إلى بدر.
وفي "مستدرك الحاكم" من طريق أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود ﵁ قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى النجاشي ثمانين رجلًا. . . فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: "فتعجل عبد اللَّه بن مسعود، فشَهِد بدرًا".
وفي "السير" لابن إسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبيّ ﷺ هاجر إلى المدينة، رَجَع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان بمكة، وحُبِس منهم سبعةٌ، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا، فشَهِدوا بدرًا، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبيّ ﷺ بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابيّ.
قال الحافظ: ولم يَقِفْ مَن تعقب كلامه على مُستَنَده، قال: ويُقَوِّي هذا الجمع روايهْ كُلْثُوم المتمْدمة، فإنها ظاهرة في أن كلًّا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حَكَى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وأما قول ابن حبان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول زيد بن أرقم: "كنا نتكلم" أي كان قومي يتكلمون؛ لأن قومه كانوا يُصلون قبل الهجرة، مع مُصعب بن عُمير الذي كان يُعَلِّمهم القرآن، فلما نُسخ تحريم الكلام بمكة بلغ ذلك أهل المدينة، فتركوه.
فهو متعَقَّب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار، وتوجه مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن أرقم: "كنا نتكلم خلف رسول اللَّه ﷺ " كذا أخرجه الترمذيّ، فانتفى أن
стр. 6637
يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة، قبل هجرة النبيّ ﷺ إليهم.
وأجاب ابن حبان في موضع آخر: بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: "كنا نتكلم" مَن كان يصلي خلف النبيّ ﷺ بمكة من المسلمين.
وهو متعقَّب أيضًا بأنهم ما كانوا بمكة يَجتمعون إلا نادرًا، وبما رَوَى الطبرانيّ من حديث أبي أُمامة قال: "كان الرجل إذا دخل المسجد، فوجدهم يصلون، سأل الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يَدخُل معهم، حتى جاء معاذ يومًا، فدخل في الصلاة. . . " فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعًا؛ لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما بها. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة، لا بمكة؛ لوضوح حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٠٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) أي كلّ الثلاثة: عبد اللَّه بن نُمير، ووكيعٌ، وعيسى بن يونس، رووا عن إسماعيل بن أبي خالد.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي بإسناد إسماعيل المتقدّم، وهو: عن الحارث بن شُبيل، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن زيد بن أرقم ﵁.
стр. 6638
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(١٢٠٠) حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى -هو ابن يونس- عن إسماعيل، عن الحارث بن شُبيل، عن أبي عمرو الشيبانيّ، قال: قال لي زيد بن أرقم: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبيّ ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت. انتهى.
وأما رواية عبد اللَّه بن نُمير، ووكيع، فساقها الطبريّ في "تفسيره" (٢/ ٥٧٠) مقرونين بابن أبي زائدة، ويعلى بن عُبيد، فقال:
حدّثنا عبد الحميد بن بيان السكريّ، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، وحدّثنا أبو كريب، قال ثنا ابن أبي زائدة، وابن نُمَير، ووكيع، ويعلى بن عبيد، جميعًا عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شِبْل (١)، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن زيد بن أرقم، قال: "كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول اللَّه ﷺ ، يكلم أحدنا صاحبه في الحاجة، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾، فأمرنا بالسكوت". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢١٠] (٥٤٠) - (حَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، وَهوَ يَسِيرُ -قَالَ قُتَيْبَةُ: يُصَلِّي-، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: "إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا، وَأَنَا أُصَلِّي"، وَهُوَ مُوَجِّة حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ).
стр. 6639
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام السَّلَميّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٧٠) من رباعيّات الكتاب، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه محمد بن رُمح، فانفرد به هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيّ، وهو جابر ﵁، ومكيّ، وهو أبو الزبير، وبغلانيّ، وهو قتيبة، والباقيان مصريّان.
٤ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَني لِحَاجَةٍ) أي لقضائها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أر من بينّ عين تلك الحاجة، غير أنها تتعلّق ببني الْمُصطلِق، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6640
وفي رواية زهير التالية: "أرسلني رسول اللَّه ﷺ ، وهو منطلقٌ إلى بني المُصطَلِق، فأتيته، وهو يصلي. . . "، ولأبي داود: "أرسلني رسول اللَّه ﷺ إلى بني المصطلق"، وفي رواية للبخاريّ من رواية عطاء بن أبي رباح، عن جابر ﵁: "بعثني رسول اللَّه ﷺ في حاجة له، فانطلقتُ، ثم رجعتُ، وقد قضيتها، فأتيت النبيّ ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فوقع في قلبي ما اللَّه أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول اللَّه ﷺ وَجَدَ (١) عليّ أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه، فلم يرد عليّ، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فردّ عليّ، فقال: إنما منعني أن أردّ عليك أني كنت أصلي، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة".
وقوله: "فردّ عليّ" أي بعد الفراغ من الصلاة، قاله في "الفتح" (٢).
(ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، وَهُوَ يَسِيرُ) جملة حاليّة من المفعول (قَالَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد، شيخه الأول في روايته (يُصَلِّي) بدل قول محمد بن رُمح: "وهو يسير"، وفي رواية زُهير التالية: "وهو يصلي على بعيره"، وفي رواية عطاء الآتية: "وهو يصلّي على راحلته على غير القبلة" (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) فيه جواز السلام على من يُصلّي، وسيأتي بيان الخلاف فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- (فَأَشَارَ إِلَيَّ) أي أشار ﷺ بردّ السلام عليّ، وفي رواية زُهير: "فكلّمته، فقال لي بيده هكذا، وأومأ زهير بيده، ثم كلّمته، فقال لي هكذا، فأومأ زُهير أيضًا بيده نحو الأرض، وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه".
(فَلَمَّا فَرَغَ) أي انتهى من صلاته، وسلّم منها (دَعَانِي) أي طلبني لأحضر عنده، ويستفسرني هل قضيت حاجته أم لا؟، وفي رواية النسائيّ: "فانصرفت، فناداني: يا جابر، فناداني الناس: يا جابر، فأتيته". (فَقَالَ: "إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا) أي الآن، قال في "القاموس": وقال آنفًا، كصاحب، وكَتِفٍ، وقرئ بهما، أي مذ ساعة، أي في أول وقت يقرُبُ منّا. انتهى (٣).
(وَأنا أُصَلِّي") جملة حاليّة من الفاعل، فقوله ﷺ : "إنك سلّمت عليّ. . .
стр. 6641
إلخ" ذكره اعتذارًا إلى جابر ﵁ في عدم ردّه سلامه، وفي رواية النسائيّ: "فقلت: يا رسول اللَّه سلّمت عليك، فلم تردّ عليّ؟ قال: إني كنت أصلّي"، وفي رواية زهير التالية: "فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلّمك إلا أني كنت أصلّي".
وقوله: (وَهُوَ مُوَجِّهٌ) بصيغة اسم الفاعل، من وجّه بمعنى توجّه، فهو لازم، يقال: وجّهتُ إليه توجيهًا: بمعنى توجّهتُ، أفاده في "القاموس".
وقال النوويّ ﵀: قوله: "موجِّه" بكسر الجيم: أي مُوَجّه وجهَهُ وراحلته. انتهى. وعلى ما قاله فهو متعدّ، ولذا قدّر له المفعول.
ويَحتَمِل أن يكون بصيغة اسم المفعول، بمعنى أن اللَّه تعالى وجّهه، أي أمره بالتوجّه في صلاته إلى تلك الجهة.
(حِينَئِذٍ) أي وقت كونه يُصلي عند مجيء جابر، وسلامه عليه (قِبَلَ الْمَشْرِقِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي جهة مطلع الشمس، وإنما توجّه نحو المشرق؛ لكون بني الْمُصطَلِقِ الذين يريد غزوهم كانوا في جهة الشرق لأهل المدينة.
والمقصود أنه ﷺ لم يكن في صلاته تلك متوجّهًا إلى الكعبة، وذلك لأن الصلاة نافلة، ففي حديث جابر ﵁ عند البخاريّ: "فكان رسول اللَّه ﷺ يصلّي على راحلته حيث توجّهت، فإذا أراد الفريضة نزل، فاستقبل القبلة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ١٢١٠ و ١٢١١ و ١٢١٢ و ١٢١٣] (٥٤٠)، و (البخاريّ) في "كتاب العمل في الصلاة" (١٢١٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٢٦ و ١٢٢٧)، و (الترمذيّ) فيها (٣٥١)، و (النسائيّ) في "السهو" (٣/ ٦)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٤)،
стр. 6642
و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٧٠)، و (ابن حبّان) (٢٥١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٢١ و ١٧٢٢ و ١٧٢٣ و ١٧٢٤ و ١٧٢٥ و ١٧٢٦)، وأبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٨٧ و ١١٨٨ و ١١٨٩ و ١١٩٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٥٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الكلام في الصلاة مطلقًا فرضًا كانت أو نفلًا.
٢ - (ومنها): بيان أن ردّ السلام بالقول في الصلاة يُعتبر من كلام الناس، فيُبطل الصلاة.
٣ - (ومنها): استحباب ردّ السلام بالإشارة في الصلاة، وأنه لا تبطل الصلاة بالإشارة ونحوها من الحركات اليسيرة.
٤ - (ومنها): استحباب الاعتذار لمن سَلَّم في الصلاة، ومنعه من ردّ السلام مانع، ويذكر له ذلك المانع، وإن ردّ عليه بالإشارة؛ لاحتمال عدم علمه بذلك، فيتغيّر خاطره بعدم الردّ.
٥ - (ومنها): كراهة ابتداء السلام على المصلّي؛ لكونه ربّما شغل بذلك فكره، واستدعى منه الردّ، وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر ﵁، وهو راوي الحديث، وكرهه عطاءٌ، والشعبيّ، ومالك في رواية ابن وهب، وقال في "المدوّنة": لا يُكره، وبه قال أحمد والجمهور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح قول من قال بعدم الكراهة؛ لأن النبيّ ﷺ سُلّم عليه غير مرّة، فلم يُنكر ذلك، بل ردّ بالإشارة، وردّ بعدما سلّم، فدلّ على أنه غير مكروه؛ إذ لو كره لنهى عنه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): استحباب الردّ بالإشارة لمن سُلّم عليه وهو يصليّ.
٧ - (ومنها): استحباب الرد أيضًا بعدما سلّم من صلاته؛ لأنه ﷺ ردّ أيضًا بعد السلام.
٨ - (ومنها): جواز النافلة على الدابّة إلى أيّ جهة توجّهت به دابّته، وهو مجمع عليه، كما قال النوويّ ﵀، وأما الفريضة فلا تصحّ إلا على الأرض، متوجِّهًا إلى القبلة، وقد تقدّم بيان ذلك في محلّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6643
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: أَرْسَلَني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرِهِ، فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِى بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ بِيَدِهِ، ثُمَّ كلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِي هَكَذَا، فَأَوْمَأَ (٢) زُهَيْرٌ أَيْضًا بِيَدِهِ نَحْوَ الْأَرْضِ، وَأَنَا أَسْمَعُهُ (٣) يَقْرَأُ، يُومِئُ برَأْسِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: "مَا فَعَلْتَ فِي الَّذِي أَرْسَلْتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُكُلِّمَكَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي"، قَالَ زُهَيْرٌ: وَأَبُو الزُّبَيْرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بِيَدِهِ أَبُو الزُّبَيْرِ إِلَى بَني الْمُصْطَلِقِ، فَقَالَ بِيَدِهِ إِلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس بن عبد اللَّه بن قيس التميميّ الْيَرْبوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) عن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (زهَيْر) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبث [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (٧١) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ) بكسر اللام، بصيغة اسم الفاعل، قال في "القاموس": و"الْمُصْطَلِق": لقب جَذِيمة بن سعد بن عمرو، سُمّي لحسن صوته، وكان أول من غَنّى في خُزَاعة. انتهى (٤).
وقال في "اللباب": اسمه جَذِيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، بطن من خُزاعة. انتهى (٥).
стр. 6644
وقوله: (فَكَلَّمْتُهُ) الظاهر أنه أراد السلام عليه، كما بيّنته الروايات الأخرى.
وقوله: (فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا) يعني أشار بيده، ففيه استعمال القول للإشارة، وهو شائع، كما تقدّم.
وقوله: (وَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ بِيَدِهِ) أي أشار زهير بن معاوية في روايته بيانًا لمعنى قوله: "فقال لي بيده".
وقوله: (نَحْوَ الْأَرْضِ) أي أشار بيده إلى جهة الأرض، والظاهر أنه يأمره بأن يجلس في الأرض حتى ينتهي من الصلاة.
وقوله: (وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأُ) وفي بعض النسخ: "وأنا سمعته يقرأ".
وقوله: (يُومِئُ بِرَأْسِهِ) أي بالركوع والسجود.
وقوله: (مَا فَعَلْتَ فِي الَّذِي أَرْسَلْتُكَ لَهُ؟) "ما" استفهاميّة مفعول مقدّم لـ "فعلت" أي أيَّ فعل فعلت في الحاجة التي أرسلتك لقضائها، فهل قضيتها أم لا؟.
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ: وَأَبُو الزُّبَيْرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ) فيه إشارة إلى أن زهيرًا سمع هذا الحديث من أبي الزبير، وهو جالسٌ أمام الكعبة.
وقوله: (فَقَالَ بِيَدِهِ) أي أشار بيده بيانًا لجهة الحاجة التي أرسل لها جابر ﵁، وهي إلى جهة بني المصطلِق.
وقوله: (فَقَالَ بيَدِهِ إِلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ) أي أشار أبو الزبير إلى الجهة التي استقبلها الرسول ﷺ أنها كانت في غير جهة القبلة، وفيه دليلٌ على جواز النافلة على الدابّة في السفر حيث توجّهت به دابّته، وهذا مجمع عليه، قاله النوويّ ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢١٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ
стр. 6645
كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَعَثَني فِي حَاجَةٍ (١)، فَرَجَعْتُ، وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (٢)، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِى (٣) أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ عابد فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (كَثِير) بن شِنْظير -بكسر المعجمتين، وسكون النون- المازنيّ، ويقال: الأزديّ، أبو قرّة البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [٦].
رَوَى عن عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والحسن، ومحمد، وأنس، وابن سيرين، ويوسف بن أبي الحكم، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبان بن يزيد العطار، وحفص بن سليمان الغاضري، وأبو عامر الخزاز، وعباد بن عباد، وبشر بن المفضل، وجماعة.
قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: صالح، ثم قال: قد روى عنه الناس، واحتملوه، وقال مرة: صالح الحديث. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان ابن مهدي يحدث عنه. وقال أبو زرعة: ليّن. وقال النسائيّ: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة، وقال أيضًا: ليس في حديثه شيء من المنكر. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء اللَّه-. وقال الأثرم: سئل أبو عبد اللَّه عن كثير بن شِنظِير، هو صحيح الحديث -أو قيل: ثبت الحديث؟ قال: لا، ثم قال كلامًا، معناه: يُكتب
стр. 6646
حديثه. وقال الساجي: صدوق، وفيه بعض الضعف، ليس بذاك، ويحتمل لصدقه. وقال الحاكم: قول ابن معين فيه: ليس بشيء، هذا يقوله ابن معين، إذا ذُكِر له الشيخ من الرواة يَقِلّ حديثه، ربما قال فيه: ليس بشيء - يعني لم يُسنِد من الحديث ما يُشتَغل به. وقال البزار: ليس به بأس. وقال ابن حزم: ضعيف جِدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن من هذه الأقوال أن الأكثرين على توثيق كثير بن شِنظير، فقول ابن حزم هذا مُجَازَفٌ فيه، فأيّ ضعف بعد توثيق هؤلاء الأئمة له؟ واللَّه تعالى المستعان.
أخرج له الجماعة، سوى النسائيّ، وله في البخاري حديثان فقط، أخرج مسلم أحدَهما فقط، وهو حديث جابر في السلام على المصلي، وأبو داود، والترمذي الآخر، وهو حديث جابر: "خمروا الآنية"، وابن ماجه حديث أنس: "طلب العلم فريضة"، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح أسلم القرشىِّ مولاهم، أبو محمد المكيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
وقوله: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ) وفي بعض النسخ: "كنا مع النبيّ ﷺ يعني في سفر، فبعثني في حاجة"، والمراد بالسفر غزوة بني المصطَلِق.
وقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ) وفي رواية زهير السابقة: "على بعيره"، ولا تخالف بينهما؛ لأن الراحلة تُطلق على الذكر والأنثى، قال في "المصباح": الراحلة: الْمَرْكبُ من الإبل ذكرًا كان أو أُنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرحل، وجمعها رواحل. انتهى (١).
وقوله: (وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ) وفىِ نسخة: "إلى غير القبلة".
وقوله: ("إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي) وفي بعض النسخ: "أما إنه لم يمنعني".
وقوله: (إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي") استثناء مفرغّ، فما بعد "إلا" في تأويل المصدر فاعل "يمنعني"، أي لم يمنعني إلا كوني مصليًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6647
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ) (١).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ) الرازيّ، أبو يعلى نزيل بغداد، ثقةٌ سنّيّ فقيهٌ طُلب للقضاء، فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب [١٠] (ت ٢١١) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٣.
وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٤٠) و (١٢٠٣) و (١٥٣٦) و (٢٨٩٧).
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيد) بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ) وفي بعض النسخ: "بمعنى حديث حماد بن زيد"، يعني أن حديث عبد الوارث عن كثير بن شِنْظِير بمعنى حديث حماد بن زيد عنه.
[تنبيه]: رواية عبد الوارث بن سعيد هذه، ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(١٢١٧) حدّثنا أبو معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا كثير بن شِنْظِير، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت، وقد قضيتها، فأتيت النبيّ ﷺ ، فسلمت
стр. 6648
عليه، فلم يرُدّ عليّ، فوقع في قلبي ما اللَّه أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول اللَّه ﷺ وَجَدَ عليّ أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم سلمت عليه، فردّ عليّ، فقال: إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨) - (بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ، وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فَي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إِلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢١٤] (٥٤١) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ اَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ، جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ؛ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ (١) أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ، مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ (٢) أَجْمَعُونَ، أَوْ كُلُّكُمْ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا". وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فقيهٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
стр. 6649
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرَام الكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد صيغة أدائهما، وفيه التحديث، والإخبار، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فمروزيّان، وأبي هريرة ﵁، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
عن محمد بن زياد الْجُمَحيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا) قال القرطبيّ ﵀: العِفْريتُ: المارد من الجنّ الشديد، ومنه رجلٌ عِفْريت: أي شديد الدَّهَاء، والمكر، والحيلة. انتهى (١).
وقال في "النهاية": قال الزمخشريّ: الْعِفْرُ، والْعِفْرِيَةُ، والْعِفْرِيتُ، والْعُفَارِيَةُ: القويّ المتشيطن الذي يَعْفِرُ قِرْنَهُ، والياء في عِفِرِية، وعُفَارِية
стр. 6650
للإلحاق بشِرْذِمة، وعُذَافِرَةٍ، والهاء فيهما للمبالغة، والتاءُ في عِفْرِيت للإلحاق بقندِيل. انتهى (١).
وقال في "القاموس": ورجلٌ عِفْرٌ، وعِفْريةٌ، وعِفْرِيتٌ بكسرهنّ، وعِفِرٌّ، كطِمِرٍّ، وعِفِرّيٌّ، وعُفَرْنِيَةٌ، كقُذَعْمِلَةٍ، وعُفَارِيَةٌ بالضمّ: بَيِّنُ الْعَفَارَة بالفتح، خَبيثٌ مُنْكَرٌ، والْعِفْرِيتُ، والْعِفْرِينُ، وتشدّد راؤه، مع كسر الفاء: النافذ في الأمر المبالغ فيه، مع دَهَاء. انتهى (٢).
وقال ابن عبد البرّ: الجنّ على مراتب، فالأصل جنيّ، فإن خالط الإنس قيل: عامر، ومن تعرض منهم للصبيان قيل: أرواح، ومن زاد في الْخُبْث قيل: شيطان، فإن زاد على ذلك قيل: مارد، فإن زاد على ذلك قيل: عِفْريت.
وقال الراغب: العفريت من الجنّ هو العارم الخبيث، وإذا بولغ فيه قيل: عِفْريت نِفْريت.
وقال ابن قتيبهَ: العِفريت الْمُوَثَّق الْخَلْق، وأصله من العَفَر، وهو التراب، ورجل عِفِرٌّ بكسر أوله وثانيه، وتثقيل ثالثه، إذا بولغ فيه قيل: عِفِرِّيت بكسر أوله وثانيه، وتثقيل ثالثه. انتهى (٣).
وقوله: (مِنَ الْجِنِّ) بكسر الجيم، وتشديد النون، قال ابن سِيدَهْ: الجِنُّ: نوع من العَالَم، سُمُّوا بذلك لاجتنانهم عن الأبصار، أي استتارهم، ولأنهم استجنُّوا من الناس، فلا يُرون، والجمع: جِنَان، وهم الجِنّة، والجنيّ: منسوب إلى الجنّ، والجنّة: طائفة من الجنّ، وأرض مَجِنّة كثيرة الجنّ، والجانّ أبو الجن، والجانّ الجنّ، وهو اسم جمع.
وقال بعضهم: الجن: خلافُ الإنس، يقال: جَنَّه الليل، وأجنّه، وجنّ عليه، وغَطّاه في معنى واحد: إذا ستره، وكلُّ شيء استتر فقد جَنَّ عنك، وبه سُمِّيت الجنّ؛ لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سُمّي الجنين جنينًا. انتهى من "العمدة" بتصرّف (٤).
(جَعَلَ يَفْتِكُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، وضمه، من الفتك، وهو الأخذ في
стр. 6651
غفلة وخَدِيعة، يقال: فَتَكَ به فَتْكًا، من بابي ضرب، وقتل، وبعضهم يقول: فِتْكًا مثلّث الفاء: إذا بطش به، أو قتله على غفلة، وأفتك بالألف لغة، أفاده الفيّوميّ (١).
وفي رواية البخاريّ: "تَفَلَّتَ عليّ" بفتح الفاء، وتشديد اللام: أي تعرّض لي فَلْتةً، أي بغتةً.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يفتك" هكذا صحّ في كتاب مسلم "يفتك"، ومعناه: يُغْفِله عن الصلاة ويَشغله، وأصل "الفتك" القتل على غفلة وغِرّةٍ، ومنه قوله ﷺ : "الإيمان قَيْدُ الفتكِ، لا يَفْتِكُ مؤمن" (٢)، وهكذا مجيء الشيطان للمصلي على غفلة وغِرّة، وذكره البخاريّ، وقال: تَفَلَّتَ عليّ"، وهو أيضًا صحيحٌ، أي جاءني على غفلة وفَلْتة، وغِرّةٍ، وفَجْأة، ومنه قيل: افتلتت نفسه: أي مات على فَجْأة، والفلتة: الأمر يُوتى على غير رويّة. انتهى (٣).
(عَلَيَّ) متعلّق بـ "فتك" (الْبَارِحَةَ) هي أقرب ليلة مَضَت، وفي "المنتهى": كلُّ زائل بارحٌ، ومنه سُمِّيت البارحة، أدنى ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحةَ، والبارحةَ الأولى، ومنذ ثلاث ليال، وفي "المحكم": البارحةُ هي الليلة الخاليةُ، ولا تُحَقَّر (٤)، وقال قاسم في "كتاب الدلائل": يقال: بارحة الأولى، يضاف الاسم إلى الصفة، كما يقال: مسجد الجامع، وانتصابها على الظرفية. انتهى (٥).
وقال في "الفتح": البارحة: الليلة الخالية الزائلة، والبارح الزائل، ويقال من بعد الزوال إلى آخر النهار: البارحة. انتهى (٦).
(لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ) وفي حديث أبي الدرداء ﵁ الآتي: "إن عدوّ اللَّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. . . "، وفي رواية للبخاريّ:
стр. 6652
"عَرَضَ لي، فشَدَّ عليَّ"، ووقع في رواية عبد الرزاق: "عَرَضَ لي في صورة هِرٍّ" (وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ) أي جعلني متمكّنًا وقادرًا على معاقبته، قال الفيّوميّ ﵀: مَكَنَ فلانٌ عند السلطان مكانةً، وزانُ ضَخُمَ ضَخَامةً: عَظُمَ عِنْده، وارتفَعَ، فهو مكينٌ، ومَكّنته من الشيء تمكينًا: جعلتُ له عليه سُلطانًا وقُدرةً، فتمكّن منه، واستمكن: قَدَرَ عليه، وله مَكِنَةٌ: أي قُوَّةً وشِدّةً، وأمكنته بالألف مثلُ مَكَّنته، وأمكنني الأمر: سَهُلَ وتيسّر. انتهى (١).
(فَذَعَتُّهُ) بالذال المعجمة، وتخفيف العين المهملة: أي خنقته، قال مسلم: وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: "فَدَعَتهُ"، يعني بالدال المهملة، وهو صحيح أيضًا، ومعناه: دفعته دفعًا شديدًا، والدَّعْتُ، والدّعّ: الدفعُ الشديدُ، وأنكر الخطابيّ المهملة، وقال: لا تصحّ، وصححها غيره، وصَوّبوها، وإن كانت المعجمة أوضح وأشهر، وفيه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وفي رواية النسائيّ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "بينا أنا قائم أصلي اعترض لي الشيطان، فأخذت بِحَلْقه، فخنقته حتى إني لأجد بَرْدَ لسانه على إبهامي"، وفي لفظ: "على كفّي" (٣).
وفي رواية أحمد عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَرّ عليّ الشيطان، فأخذته، فخنقته، حتى إني لأجد بَرْد لسانه في يدي، فقال: أوجعتني، أوجعتني".
(فَلَقَدْ هَمَمْتُ) وفي بعض النسخ: "وقد هَمَمت" (أَنْ) بالفتح مصدريّةٌ (أَرْبِطَهُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، قال في "القاموس": رَبَطَهُ يَرْبِطُهُ، ويَرْبُطُهُ، أي من بابي ضَرَب ونَصَرَ: شَدّه، فهو مربوطٌ، ورَبِيطٌ (٤).
والمعنى هنا أنه ﷺ قصد أن يشدّ العِفْريت (إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ) هي الأُسطوانة، وجمعها سَوَارٍ، كجاريةٍ وجَوَارٍ (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ
стр. 6653
(حَتَّى تُصْبِحُوا) أي حتى تدخلوا في الصباح، وهي هنا تامّة لا تحتاج إلى خبر، كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾، قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وهو منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد "حتى"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كَـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ"
وقوله: (تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) جملة حاليّة من الفاعل، وفي نسخة: "فتنظروا إليه"، فيكون منصوبًا بالعطف على "تصبحوا"، وقوله: (أَجْمَعُونَ) توكيد للضمير الفاعل (أَوْ) للشكّ من الراوي، أي قال بدل "أجمعون" (كُلُّكُمْ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخي سُلَيْمَانَ) ﵇، قال في "العمدة": والأخوة بين سليمان وبين النبيّ صلى اللَّه عليهما وسلم بحسب أصول الدين، أو بحسب المماثلة في الدين. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله ﷺ : "أخي" إشارة إلى ما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاريّ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلّات، أمهاتهم شَتّى، ودينهم واحد".
(﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن ملك الجنّ، والتصرّف فيهم بالقهر مما خُصّ به سليمان ﵇، وسبب خُصُوصيّته دعوته التي استُجيبت له حيث قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، ولَمّا تحقّق النبي ﷺ الخصوصتة امتنع من تعاطي ما همّ به من أخذ الجنيّ وربطه.
[فإن قيل]: كيف يتأتّى ربطه وأخذه واللعب به مع كون الجنّ أجسامًا لطيفةً روحانيّةً؟.
[قلنا]: كما تأتّى ذلك لسليمان ﵇ حيث جعل اللَّه تعالى له منهم ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ [ص: ٣٧ - ٣٨]، ولا شكّ أن اللَّه تعالى أوجدهم على صُوَر تخصّهم، ثم مكنهم من التشكّل في صور مختلفة، فيتمثّلون في أيّ صورة شاؤوا، وكذلك فعل اللَّه بالملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقال ﷺ : "وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا،
стр. 6654
فيكلّمني. . . " الحديث، متّفقٌ عليه، فيجوز أن يُمكّن اللَّه تعالى نبيّه ﷺ من هذا الجنّيّ مع بقاء الجنّيّ على صورته التي خُلق عليها، فيوثّقه كما كان سليمان ﵇ يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس، فيرونه مُوثَقًا حتى يلعب به الغلمان.
ويجوز أن يشكّله اللَّه تعالى في صورة جسميّة محسوسة، فيربطه، ويُلعَب به، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها، حتى يفعل اللَّه ما همّ به النبيّ ﷺ .
وفي هذا دليل على رؤية بنىِ آدم الجنّ، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.
وقال في "الفتح": وفي قوله ﷺ : "فذكرت دعوة أخي. . . إلخ" إشارة إلى أنه تركه رعايةً لسليمان ﵇.
ويَحْتَمِل أن تكون خصوصية سليمان ﵇ استخدام الجنّ في جميع ما يريده، لا في هذا القدر فقط.
واستَدَلّ الخطابيّ بهذا الحديث على أن أصحاب سليمان ﵇ كانوا يرون الجن في أشكالهم وهيئتهم حال تصرفهم، قال: وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فالمراد الأكثر الأغلب من أحوال بني آدم.
وتُعُقِّب بأن نفي رؤية الإنس للجن على هيئتهم ليس بقاطع من الآية، بل ظاهرها أنه ممكن، فإن نفي رؤيتنا إياهم مقيدٌ بحال رؤيتهم لنا، ولا ينفي إمكان رؤيتنا لهم في غير تلك الحالة.
ويَحْتَمِل العموم، وهذا الذي فهمه أكثر العلماء، حتى قال الشافعيّ: من زعم أنه يرى الجنّ أبطلنا شهادته، واستَدَلّ بهذه الآية. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي فيما نُقل عن الشافعيّ إن صحّ نظرٌ؛ لأن حديث الباب يردّه، كيف وقد قال ﷺ : "حتى تُصبحوا، فتنظروا إليه"، وقال: "يلعب به ولدان أهل المدينة"، فهل بعد هذا النصّ يمكن إنكار رؤيتهم كلّا ثم كلّا، وأما الآية فقد وجّهها العلماء، كما سبق آنفًا، والحاصل أن النفي محمول على الأغلبيّة، أو هو مقيّد بحال رؤيتهم لنا.
وعندي يَحْتَمل أن يكون المنفيّ رؤية الناس لهم عند الإغواء، فهم
стр. 6655
يستطيعون أن يغووا من شاءوا، وهو لا يراهم حتى لا يحاول الدفاع عن نفسه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: كتب بعضهم ما نصّه:
[فإن قلت]: أما يُشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطي اللَّه ما لا يُعطيه غيره؟ - يعني قول سليمان ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥].
[قلت]: كان سليمان ﵇ ناشئًا في بيت الملك والنبوّة ووارثًا لهما، فأراد أن يطلب من ربّه معجزةً، فطلب على حسب إلفه ملكًا زائدًا على الممالك زيادة خارقةً للعادة بالغةً حدّ الإعجاز؛ ليكون ذلك دليلًا على نبوّته، قاهرًا للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزةً حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أسلوب هذا السؤال والجواب فيه سوء أدب؛ إذ مثله لا ينبغي أن يوجّه إلى الأنبياء ﵈ وإنما كتبته للتنبيه عليه، فتنبّه أيها الطالب، ولا تغترّ بمثله، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَرَدَّهُ اللَّهُ) أي العفريت، حال كونه (خَاسِئًا") أي ذليلًا صاغرًا مطرودًا مُبعَدًا، وقال في "اللسان": الخاسئ من الكلاب، والخنازير، والشياطين: البعيد الذي لا يُتْرَكُ أن يدنو من الناس، والخاسئ: المطرود، وخَسَأَ الكلبَ يَخْسَؤُهُ خَسْأً وخُسُوءًا، فَخَسَأَ، وانخسأ: طَرَدَهُ، قال الراجز:
كَالْكَلْبِ إِنْ قِيلَ لَهُ اخْسَإِ انْخَسَأْ
أي إن طردته انطرد، وقال الليث: خَسَأت الكلبَ: أي زجرته، فقلت له: اخسَأْ، ويقال خَسَأته فَخَسَأَ: أي أبعدته فبَعُدَ، والخاسئ: الْمُبْعَد، ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر الذليل، وخَسَأ الكلبُ بنفسه يَخْسأ خُسُوءًا يتعدى ولا يتعدى. انتهى (١).
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ) يعني شيخه الثاني إسحاق بن منصور (شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) المراد أن إسحاق بن منصور قال في روايته: حدَّثنا النضر،