← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

غفلة وخَدِيعة، يقال: فَتَكَ به فَتْكًا، من بابي ضرب، وقتل، وبعضهم يقول: فِتْكًا مثلّث الفاء: إذا بطش به، أو قتله على غفلة، وأفتك بالألف لغة، أفاده الفيّوميّ (١). وفي رواية البخاريّ: "تَفَلَّتَ عليّ" بفتح الفاء، وتشديد اللام: أي تعرّض لي فَلْتةً، أي بغتةً. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يفتك" هكذا صحّ في كتاب مسلم "يفتك"، ومعناه: يُغْفِله عن الصلاة ويَشغله، وأصل "الفتك" القتل على غفلة وغِرّةٍ، ومنه قوله ﷺ : "الإيمان قَيْدُ الفتكِ، لا يَفْتِكُ مؤمن" (٢)، وهكذا مجيء الشيطان للمصلي على غفلة وغِرّة، وذكره البخاريّ، وقال: تَفَلَّتَ عليّ"، وهو أيضًا صحيحٌ، أي جاءني على غفلة وفَلْتة، وغِرّةٍ، وفَجْأة، ومنه قيل: افتلتت نفسه: أي مات على فَجْأة، والفلتة: الأمر يُوتى على غير رويّة. انتهى (٣). (عَلَيَّ) متعلّق بـ "فتك" (الْبَارِحَةَ) هي أقرب ليلة مَضَت، وفي "المنتهى": كلُّ زائل بارحٌ، ومنه سُمِّيت البارحة، أدنى ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحةَ، والبارحةَ الأولى، ومنذ ثلاث ليال، وفي "المحكم": البارحةُ هي الليلة الخاليةُ، ولا تُحَقَّر (٤)، وقال قاسم في "كتاب الدلائل": يقال: بارحة الأولى، يضاف الاسم إلى الصفة، كما يقال: مسجد الجامع، وانتصابها على الظرفية. انتهى (٥). وقال في "الفتح": البارحة: الليلة الخالية الزائلة، والبارح الزائل، ويقال من بعد الزوال إلى آخر النهار: البارحة. انتهى (٦). (لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ) وفي حديث أبي الدرداء ﵁ الآتي: "إن عدوّ اللَّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. . . "، وفي رواية للبخاريّ:

стр. 6652

"عَرَضَ لي، فشَدَّ عليَّ"، ووقع في رواية عبد الرزاق: "عَرَضَ لي في صورة هِرٍّ" (وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ) أي جعلني متمكّنًا وقادرًا على معاقبته، قال الفيّوميّ ﵀: مَكَنَ فلانٌ عند السلطان مكانةً، وزانُ ضَخُمَ ضَخَامةً: عَظُمَ عِنْده، وارتفَعَ، فهو مكينٌ، ومَكّنته من الشيء تمكينًا: جعلتُ له عليه سُلطانًا وقُدرةً، فتمكّن منه، واستمكن: قَدَرَ عليه، وله مَكِنَةٌ: أي قُوَّةً وشِدّةً، وأمكنته بالألف مثلُ مَكَّنته، وأمكنني الأمر: سَهُلَ وتيسّر. انتهى (١). (فَذَعَتُّهُ) بالذال المعجمة، وتخفيف العين المهملة: أي خنقته، قال مسلم: وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: "فَدَعَتهُ"، يعني بالدال المهملة، وهو صحيح أيضًا، ومعناه: دفعته دفعًا شديدًا، والدَّعْتُ، والدّعّ: الدفعُ الشديدُ، وأنكر الخطابيّ المهملة، وقال: لا تصحّ، وصححها غيره، وصَوّبوها، وإن كانت المعجمة أوضح وأشهر، وفيه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة، قاله النوويّ ﵀ (٢). وفي رواية النسائيّ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "بينا أنا قائم أصلي اعترض لي الشيطان، فأخذت بِحَلْقه، فخنقته حتى إني لأجد بَرْدَ لسانه على إبهامي"، وفي لفظ: "على كفّي" (٣). وفي رواية أحمد عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَرّ عليّ الشيطان، فأخذته، فخنقته، حتى إني لأجد بَرْد لسانه في يدي، فقال: أوجعتني، أوجعتني". (فَلَقَدْ هَمَمْتُ) وفي بعض النسخ: "وقد هَمَمت" (أَنْ) بالفتح مصدريّةٌ (أَرْبِطَهُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، قال في "القاموس": رَبَطَهُ يَرْبِطُهُ، ويَرْبُطُهُ، أي من بابي ضَرَب ونَصَرَ: شَدّه، فهو مربوطٌ، ورَبِيطٌ (٤). والمعنى هنا أنه ﷺ قصد أن يشدّ العِفْريت (إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ) هي الأُسطوانة، وجمعها سَوَارٍ، كجاريةٍ وجَوَارٍ (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ

стр. 6653

(حَتَّى تُصْبِحُوا) أي حتى تدخلوا في الصباح، وهي هنا تامّة لا تحتاج إلى خبر، كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾، قال في "الخلاصة": . . . . . . . . . . . … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وهو منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد "حتى"، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كَـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ" وقوله: (تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) جملة حاليّة من الفاعل، وفي نسخة: "فتنظروا إليه"، فيكون منصوبًا بالعطف على "تصبحوا"، وقوله: (أَجْمَعُونَ) توكيد للضمير الفاعل (أَوْ) للشكّ من الراوي، أي قال بدل "أجمعون" (كُلُّكُمْ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخي سُلَيْمَانَ) ﵇، قال في "العمدة": والأخوة بين سليمان وبين النبيّ صلى اللَّه عليهما وسلم بحسب أصول الدين، أو بحسب المماثلة في الدين. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله ﷺ : "أخي" إشارة إلى ما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاريّ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلّات، أمهاتهم شَتّى، ودينهم واحد". (﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن ملك الجنّ، والتصرّف فيهم بالقهر مما خُصّ به سليمان ﵇، وسبب خُصُوصيّته دعوته التي استُجيبت له حيث قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، ولَمّا تحقّق النبي ﷺ الخصوصتة امتنع من تعاطي ما همّ به من أخذ الجنيّ وربطه. [فإن قيل]: كيف يتأتّى ربطه وأخذه واللعب به مع كون الجنّ أجسامًا لطيفةً روحانيّةً؟. [قلنا]: كما تأتّى ذلك لسليمان ﵇ حيث جعل اللَّه تعالى له منهم ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ [ص: ٣٧ - ٣٨]، ولا شكّ أن اللَّه تعالى أوجدهم على صُوَر تخصّهم، ثم مكنهم من التشكّل في صور مختلفة، فيتمثّلون في أيّ صورة شاؤوا، وكذلك فعل اللَّه بالملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقال ﷺ : "وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا،

стр. 6654

فيكلّمني. . . " الحديث، متّفقٌ عليه، فيجوز أن يُمكّن اللَّه تعالى نبيّه ﷺ من هذا الجنّيّ مع بقاء الجنّيّ على صورته التي خُلق عليها، فيوثّقه كما كان سليمان ﵇ يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس، فيرونه مُوثَقًا حتى يلعب به الغلمان. ويجوز أن يشكّله اللَّه تعالى في صورة جسميّة محسوسة، فيربطه، ويُلعَب به، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها، حتى يفعل اللَّه ما همّ به النبيّ ﷺ . وفي هذا دليل على رؤية بنىِ آدم الجنّ، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀. وقال في "الفتح": وفي قوله ﷺ : "فذكرت دعوة أخي. . . إلخ" إشارة إلى أنه تركه رعايةً لسليمان ﵇. ويَحْتَمِل أن تكون خصوصية سليمان ﵇ استخدام الجنّ في جميع ما يريده، لا في هذا القدر فقط. واستَدَلّ الخطابيّ بهذا الحديث على أن أصحاب سليمان ﵇ كانوا يرون الجن في أشكالهم وهيئتهم حال تصرفهم، قال: وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فالمراد الأكثر الأغلب من أحوال بني آدم. وتُعُقِّب بأن نفي رؤية الإنس للجن على هيئتهم ليس بقاطع من الآية، بل ظاهرها أنه ممكن، فإن نفي رؤيتنا إياهم مقيدٌ بحال رؤيتهم لنا، ولا ينفي إمكان رؤيتنا لهم في غير تلك الحالة. ويَحْتَمِل العموم، وهذا الذي فهمه أكثر العلماء، حتى قال الشافعيّ: من زعم أنه يرى الجنّ أبطلنا شهادته، واستَدَلّ بهذه الآية. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي فيما نُقل عن الشافعيّ إن صحّ نظرٌ؛ لأن حديث الباب يردّه، كيف وقد قال ﷺ : "حتى تُصبحوا، فتنظروا إليه"، وقال: "يلعب به ولدان أهل المدينة"، فهل بعد هذا النصّ يمكن إنكار رؤيتهم كلّا ثم كلّا، وأما الآية فقد وجّهها العلماء، كما سبق آنفًا، والحاصل أن النفي محمول على الأغلبيّة، أو هو مقيّد بحال رؤيتهم لنا. وعندي يَحْتَمل أن يكون المنفيّ رؤية الناس لهم عند الإغواء، فهم

стр. 6655

يستطيعون أن يغووا من شاءوا، وهو لا يراهم حتى لا يحاول الدفاع عن نفسه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: كتب بعضهم ما نصّه: [فإن قلت]: أما يُشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطي اللَّه ما لا يُعطيه غيره؟ - يعني قول سليمان ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]. [قلت]: كان سليمان ﵇ ناشئًا في بيت الملك والنبوّة ووارثًا لهما، فأراد أن يطلب من ربّه معجزةً، فطلب على حسب إلفه ملكًا زائدًا على الممالك زيادة خارقةً للعادة بالغةً حدّ الإعجاز؛ ليكون ذلك دليلًا على نبوّته، قاهرًا للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزةً حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أسلوب هذا السؤال والجواب فيه سوء أدب؛ إذ مثله لا ينبغي أن يوجّه إلى الأنبياء ﵈ وإنما كتبته للتنبيه عليه، فتنبّه أيها الطالب، ولا تغترّ بمثله، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَرَدَّهُ اللَّهُ) أي العفريت، حال كونه (خَاسِئًا") أي ذليلًا صاغرًا مطرودًا مُبعَدًا، وقال في "اللسان": الخاسئ من الكلاب، والخنازير، والشياطين: البعيد الذي لا يُتْرَكُ أن يدنو من الناس، والخاسئ: المطرود، وخَسَأَ الكلبَ يَخْسَؤُهُ خَسْأً وخُسُوءًا، فَخَسَأَ، وانخسأ: طَرَدَهُ، قال الراجز: كَالْكَلْبِ إِنْ قِيلَ لَهُ اخْسَإِ انْخَسَأْ أي إن طردته انطرد، وقال الليث: خَسَأت الكلبَ: أي زجرته، فقلت له: اخسَأْ، ويقال خَسَأته فَخَسَأَ: أي أبعدته فبَعُدَ، والخاسئ: الْمُبْعَد، ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر الذليل، وخَسَأ الكلبُ بنفسه يَخْسأ خُسُوءًا يتعدى ولا يتعدى. انتهى (١). وقوله: (وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ) يعني شيخه الثاني إسحاق بن منصور (شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) المراد أن إسحاق بن منصور قال في روايته: حدَّثنا النضر،

стр. 6656

قال: أخبرنا شعبة، عن محمد بن زياد، فخالف رواية رفيقه إسحاق بن إبراهيم السابقة في شيئين: [أحدهما]: أنه قال: أخبرنا شعبةُ عن محمد بن زياد، فعنعن، وقال إسحاق بن إبرهيم: "أخبرنا شعبة، قال: أخبرنا محمد"، فصرّح بالإخبار. [والثاني]: أنه قال: "محمد بن زياد"، فنسبه إلى أبيه، وفي رواية إسحاق بن إبراهيم: "محمد، وهو ابن زياد"، فلم ينسبه إلى أبيه، بل أتى باسم أبيه بعد كلمة "وهو"؛ إشارةً إلى أن شيخه لم ينسبه، فتفطّن لهذه الدقائق الإسناديّة، فإنها مهمّة جدًّا لطالب علم الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصّنف) هنا [٨/ ١٢١٤ و ١٢١٥] (٥٤١)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٦١) و"كتاب العمل في الصلاة" (١٢١٠) و"بدء الخلق" (٣٢٨٤) و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٢٣) و"التفسير" (٤٨٠٨)، و (النسائيّ) في "الصلاة" من "الكبرى" (١/ ١٦ - ١٨٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٩٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٢٩ و ١٧٣٠ و ١٧٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٩١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٤٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن العمل القليل في الصلاة للحاجة، كدفع الأذى، أو لما أذن الشرع فيه، كدفع المارّ بين يديه، وإن أدى إلى المضاربة، أو المقاتلة لا يبطلها. ٢ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ ﵀: فيه دليل على أن رؤية الجنّ للبشر غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لَطُف فدركه غير ممتنع أصلًا، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٢]، فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم اللَّه تعالى

стр. 6657

بذلك، وابتلاهم؛ ليَفْزَعُوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبون الأمان من غائلتهم، ولا يُنكَر أن يكون حكم الخاصّ والنادر من المصطفَينَ من عباده بخلاف ذلك. وقال الكرمانيّ ﵀: لا حاجة إلى هذا التأويل؛ إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المستفاد منها أن رؤيته إيانا مُقَيَّدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قطّ، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: تعقّب الكرمانيّ وجيهٌ، وقد تقدّم البحث بأتمّ من هذا، فتنبّه. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناريّ؛ لأنه ﷺ قال: "إن عدوّ اللَّه إبليس جاء بشهاب من نار؛ ليجعله في وجهي"، وقال: "رأيت ليلة أُسري بي عفريتًا من الجنّ يطلبني بشُعْلة من نار، كلما التفتُّ إليه رأيته"، ولو كانوا باقين على عنصرهم الناريّ، وأنهم نار محرقة، لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان، أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشيطان، أو العفريت، أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما تُحْرِق الآدمي النارُ الحقيقية بمجرد اللمس، فدل على أن تلك النارية انغمرت في سائر العناصر، حتى صار إلى البرد، ويؤيِّد ذلك قوله ﷺ : "حتى وجدت بَرْدَ لسانه على يدي"، وفي رواية: "برد لعابه"، قاله في "العمدة" (١). ٤ - (ومنها): أنه يدلّ على أن أصحاب سليمان ﵇ كانوا يرون الجن، وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم لم تكن تقوم الحجة له لمكانته عليهم. ٥ - (ومنها): ما قال ابن بطال ﵀: رؤيته ﷺ للعفريت هو مما خُصّ به كما خُصّ برؤية الملائكة، وقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، ورأى النبي الشيطان في هذه الليلة، وأقدره اللَّه عليه؛ لتجسّمه لأن الأجسام ممكن القدرة

стр. 6658

عليها، ولكنه أُلْقِي في رُوعه ما وُهِب سليمان ﵇، فلم يُنَفِّذ ما قَوِي عليه من حبسه؛ رغبة عما أراد سليمان الانفراد به، وحرصًا على إجابة اللَّه تعالى دعوته، وأما غير النبيّ ﷺ من الناس فلا يُمَكَّن منه، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٧٢]، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وَجَده في بيته على صورة حَيّة فقتله، فمات الرجل به، فبَيَّن النبيّ ﷺ ذلك بقوله: "إن بالمدينة جنًا قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوامّ شيئًا فآذنوه ثلاثًا، فإن بدا لكم فاقتلوه"، رواه الترمذيّ، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁. [تنبيه]: (اعلم): أن الجن يتصورون في صور شتى، ويتشكلون في صور الإنسان، والبهائم، والحيات، والعقارب، والإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صورة الطيور. وقال القاضي أبو يعلى: ولا قدرة للشيطان على تغيير خلقتهم، والانتقال في الصور، إنما يجوز أن يُعَلّمهم اللَّه كلمات وضربًا من ضروب الأفعال، إذا فعله وتكلم به نقله اللَّه من صورة إلى صورة أخرى، وأما أن يتصور بنفسه فذلك محالٌ؛ لأن انتقالها من صورة إلى صورة إنما يكون بنقض البنية، وتفريق الأجزاء، وإذا انتقضت بطلت الحياة، والقول في تشكل الملائكة كذلك. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كلام أبي يعلى ليس واضحًا، إن أراد نفي قدرة الجنّ على تصوّرهم بالصور المختلفة دون أن يأذن اللَّه به، فهذا حقّ، وإن أراد أنهم لا يتشكّلون بإذن اللَّه تعالى بأشكال مختلفة، فهذا ردّ للنصوص الكثيرة، كقصّة الحيّة المذكورة، وقصّة أسير أبي هريرة حينما كان يحفظ تمرة الصدقة، وهو في الصحيح، وغير ذلك كثير وكثير، فليُتأمّل كلامه، واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه دليلٌ على إباحة ربط الأسير في المسجد، وعلى هذا بَوّب الإمام البخاريّ في "الصحيح"، فقال: "باب الأسير، أو الغريم يُربط في المسجد"، ومن هذا قال المهلَّب: إن في الحديث جواز ربط مَن خُشِي هُروبه بحق عليه، أو ديني، والتوثُّق منه في المسجد، أو غيره.

стр. 6659

[فإن قلت]: كيف قال: قوله: "فلقد هممت أن أربطه"، وهو في الصلاة؟. [أجيب]: بأنه يَحْتِمِل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة، أو يربطه بوجه كان شغلًا يسيرًا، فلا تَفْسُد به الصلاة، قاله في "العمدة". قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني هو المعتمد، فهو ربط يسير لا يُنافي الصلاة، فالذي أقدره اللَّه على هذا العفريت القويّ الشديد؛ معجزة له، لا يُستبعد أن يكون ربطه بأيسر وجه، وأسهل طريق، واللَّه تعالى على كلّ شيء قديرٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُهُ: "فَذَعَتُّهُ"، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: "فَدَعَتُّهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندار العبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، ويقال: كان اسمه مروان، ثقةٌ حافظ رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لمحمد بن جعفر، وشبابة.

стр. 6660

وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء، أي بإسناد شعبة المتقدّم، وهو: عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه، ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال: (٣٤٢٣) حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "إن عفريتًا من الجنّ تَفَلَّت البارحة؛ ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني اللَّه منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إِليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، فرددته خاسئًا". انتهى. وأما رواية شَبَابة، فساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٦٧) فقال: (١٧٢٩) حدّثنا عليّ بن سهل البزاز، قال: ثنا شبابة بن سَوّار، قال: ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى النبيّ ﷺ صلاةً، فقال: "إن الشيطان عَرَضَ لي ففسَهُ على أن يقطع عليّ الصلاةَ، فأمكنني اللَّه منه، فأخذته، فلقد أردت أن أُوثقه إلى سارية، حتى تُصبِحون فتنظرون إليه، فذكرت قول سليمان بن داود: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، فردّه اللَّه خائبًا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢١٦] (٥٤٢) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوَيَةَ بْنِ صَالِحٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَولَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ"، ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ" ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ (٢)، كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا

стр. 6661

فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا، لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قَالَ (١): "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ؛ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ، لَأَصْبَحَ مُوثَقًا، يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبث [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب) المصريّ الحافظ، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضيَ الأندلس، صدوقُ، له أوهامٌ [٧] (ت ١٥٨) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الإياديّ، أبو شعيب الدمشقيّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٥ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) هو: عائذ اللَّه بن عبد اللَّه، وُلد في حياة النبيّ ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة ﵃، ومات بالشام (٨٠)، وكان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء ﵁ (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٦ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) هو: عُمير بن زيد بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ في آخر خلافة عثمان، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ والترمذيّ، ومعاوية بن صالح، فما أخرج له البخاريّ.

стр. 6662

٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ربيعة، عن أبي إدريس. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد ﵁، وقيل غير ذلك في اسمه، واسم أبيه، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) إلى الصلاة، ولفظ النسائيّ: "قام رسول اللَّه ﷺ يُصلي" (فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ") أي أعتصم، وأتحصّن من شرّك باللَّه الذي بيده ناصية كلّ شيء (ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ") أي أدعو عليك بأن يَطرُدك اللَّه تعالى من رحمته، ويُبعدك من خيراته (ثَلَاثًا) أي قال ذلك ثلاث مرّات (وَبَسَطَ يَدَهُ) أي مَدَّ النبيّ ﷺ يده الشريفة، وفي نسخة: "يديه" (كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا) أي كأنه يتعاطى شيئًا أمامه (فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ) أي انتهى منها، وسلّم (قُلْنَا) أي الصحابة الحاضرون تلك الصلاة، والسامعون ما قاله النبيّ ﷺ ، والمشاهدون ما فعله من الأمور الغريبة (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا) من القول الغريب الذي (لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ) الوقت (وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ) الجملة حاليّة من المفعول، إن كانت "رأى" بصريّةً؛ لأنها لا تتعدّى إلا إلى مفعول واحد، أي أبصرناك حال كونك باسطًا يدك كأنك تتناول شيئًا (قَالَ) ﷺ ، وفي نسخة: "فقال" ("إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ) بالنصب على البدليّة، وهو بكسر الهمزة: اسم أعجميّ، ولهذا لم يُصرف؛ للعلميّة والعُجمة، وقيل: عربيّ مشتقّ من الإبلاس، وهو اليأس، ورُدّ بأنه لو كان عربيًّا لانصرف، كما في نظائره، نحو إجفيل (١)، وإخريط (٢)، قاله الفيّوميّ (٣). (جَاءَ بِشِهَابٍ) بكسر الشين المعجمة: شُعلة نار ساطعة، والجمع: شُهُبٌ، ككتاب وكُتُب، وشِهْبانٌ بالضمّ والكسر، وأَشهُبٌ، أفاده في "القاموس". وفي التنزيل العزيز: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧]، قال الفرّاء: نوّن

стр. 6663

عاصم والأعمش فيها، قال: وأضافه أهل المدينة ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾، قال: وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه، كما قالوا: حبّة الخضراء، ومسجد الجامع، يُضاف الشيء إلى نفسه، ويضاف أوائلها إلى ثوانيها، وهي هي في المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥]، وروى الأزهريّ عن ابن السِّكِّيت، قال: الشهاب: الْعُود الذي فيه نارٌ، قال: وقال أبو الهيثم: الشهاب: أصل خشبة، أو عُود فيها نارٌ ساطعةٌ، قاله في "اللسان". وقوله: (مِنْ نَارٍ) متعلّق بصفة لـ "شهاب"، كما تقدّم آنفًا في عبارة "اللسان". (لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي) أي ليجعل ذلك الشهاب في وجهه ﷺ حتى يُحرقه به (فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي قلت هذا الدعاء؛ تحصّنًا باللَّه تعالى الذي قاله حين قال حسدًا، وتجبّرًا وَتكبّرًا: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، فقال له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥] (ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ) قال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِل تسميتها تامّةً، أي لا نقص فيها، ويَحْتَمِل الواجبة له المستحقّة عليه، أو الموجبة عليه العذاب سرمدًا. قال: وفيه دليل على جواز الدعاء لغيره وعلى غيره بصيغة المخاطبة؛ خلافًا لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله: إن الصلاة تَبْطُل بذاك. قال النووي: وكذا قال أصحابنا: تبطل الصلاة بالدعاء لغيره بصيغة المخاطبة، كقوله للعاطس: رحمك اللَّه، أو يرحمك اللَّه، ولمن سَلَّم عليه: وعليك السلام، وأشباهه، والأحاديث السابقة في الباب الذي قبله في السلام على المصلي تؤيد ما قاله أصحابنا، فيُتَأَوّل هذا الحديث، أو يُحْمَل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو غير ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن هذا الدعاء على إبليس بالخطاب خاصّ، فيُقتَصَر عليه، فيكون مخصوصًا من عموم النهي عن الدعاء بالخطاب، كالسلام، وتشميت العاطس، وأما حمله على أنه كان قبل تحريم الكلام، ففيه نظر؛ لعدم معرفة التاريخ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6664

(فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ) أي لم يتأخّر إبليس عما أراده من إلحاق الضرر به ﷺ ، بل تمادى عليه، وقوله: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظرف لما قبله، ويَحْتَمل أن يكون ظرفًا لـ "قلت" من قوله: "قلت: ألعنك بلعنة اللَّه"، أي قلت هذا الدعاء ثلاث مرّات (ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ) يعني أنه لَمّا تمادى على غيّه، ولم يتراجع أراد ﷺ أن يمسكه، ويعاقبه، وفيه أن اللَّه تعالى أقدره على ذلك، وأمكنه منه، ويؤيّد ذلك ما تقدّم في حديث أبي هريرة ﵁: "وإن اللَّه أمكنني منه، فذعته" (وَاللَّهِ) فيه جواز الحلف من غير استحلاف؛ لتفخيم ما يخبر به الإنسان وتعظيمه، والمبالغة في صحّته وصدقه، وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا، قاله النوويّ ﵀ (١). (لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ) ﵇ بقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]. قال القاضي عياض ﵀: معناه أنه مُخْتَصّ بهذا، فامتنع نبينا ﷺ من ربطه، إما لأنه لم يَقْدِر عليه لذلك، وإما لكونه لَمّا تذكّر ذلك لم يتعاط ذلك؛ لظنه أنه لم يَقْدِر عليه، أو تواضعًا وتأدبًا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كونه تركه تواضعًا وتأدّبًا هو الحقّ؛ وأما تركه لعدم القوة عليه فيردّه قوله ﷺ : "وإن اللَّه أمكنني منه"، فقد أخبر أنه ممكَّنٌ من أخذه، وعقابه، وقادر عليه؛ إلا أنه لَمّا تذكّر دعوة سليمان ﵇ تأدب معه، فتركه؛ تواضعًا منه ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم. (لَأَصْبَحَ مُوثَقًا) اسم مفعول، من أوثقه: إذا شدّه، وربطه، أي مربوطًا. والظاهر أن هذه الواقعة كانت بالليل، فلذلك قال: "لأصبح"، ويَحْتَمل أن يكون "أصبح" بمعنى "صار"، أي لصار موثقًا. وأما قصّة حديث أبي هريرة ﵁ الماضية، فقد صُرِّح فيها بأنها كانت ليلًا، حيث قال ﷺ : "إن عفريتًا من الجنّ جعل يَفْتِك عليّ البارحة"، فالبارحة لا تُطلق إلا على الليلة الماضية، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ") "الوِلدان": بكسر الواو جمع وَليد بمعنى

стр. 6665

الصبيّ، والجملة حال من فاعل "أصبح"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ١٢١٦] (٥٤٢)، و (النسائيّ) في "السهو" (٣/ ١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٧٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٣٢)، و (أبو نعيم) في "مسنده" (١١٩٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة ﵁ قبله. [تنبيه]: قد ذكرت في "شرح النسائيّ" بحثًا نفيسًا فيما يتعلّق بالجنّ، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابُ جَوَازِ حَمْلِ الصِّبْيَانِ فِي الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢١٧] (٥٤٣) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا؟ قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن

стр. 6666

البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٥ - (عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو الحارث المدنيّ، وأمه حَنْتَمَةُ بنت عبد الرحمن بن هشام، ثقة عابدٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وخاله أبي بكر بن عبد الرحمن، وأنس، وعمرو بن سُلَيم الزُّرَقيّ، وعوف بن الحارث رضيع عائشة، وصالح بن خَوّات بن جبير. ورَوَى عنه أخوه عمر، وابن أخيه مصعب بن ثابت، وابن ابن عمه عمر بن عبد اللَّه بن عروة بن الزبير، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ثقة من أوثق الناس. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح. وقال مالك: كان يغتسل كل يوم، ويواصل صوم سبع عشرة يومين وليلة. وقال ابن سعد: كان عابدًا فاضلًا، وكان ثقة مأمونًا، وله أحاديث يسيرة. وقال الخليلي: أحاديثه كلها يُحتَجّ بها. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عالمًا فاضلًا، مات سنة (١٢١). وقال الواقدي: مات قبل هشام أو بعده بقليل، قال: ومات هشام سنة أربع وعشرين ومائة. والصحيح أنه مات سنة (٥). أخرج له الجماعة، وله عند الترمذيّ حديث واحد في الأمر بتحية المسجد، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥٤٣) وأعاده بعده، و (٥٧٩) وأعاده بعده، و (٧١٤). ٦ - (عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ) -بضمّ الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف- هو: عمرو بن سُليم بن خَلْدة الأنصاريّ، ثقةٌ، من كبار التابعين [٢] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦. ٧ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمَةَ السَّلَميّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.

стр. 6667

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة الأداء، فعبد اللَّه بن مسلمة، وقتيبة قالا: حدّثنا مالك، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، فبيّنا أنهما أخذاه عن طريق التحديث، وأما يحيى بن يحيى، فقال: قلت لمالك: أحدّثك عامر بن عبد اللَّه بن الزبير؟، فبيّن أنه أخذه عن طريق العرض، فتنبّه لهذه الدقائق الإسناديّة، وباللَّه تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه القعنبي، فما أخرج له ابن ماجه، ويحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، ويحيى وقتيبة دخلا المدينة أيضًا. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عامر، عن عمرو. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، شهِد أحدًا وما بعدها، وكان يقال له: فارس رسول اللَّه ﷺ . ٦ - (ومنها): أن رواية شيخه يحيى بن يحيى خرجت مخرج السؤال والجواب؛ لأنه قال: قلت لمالك: حدّثك عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، فساق الحديث، فأجابه مالك بقوله: "نعم"، وهذا هو النوع المسمّى في مصطلح أهل الحديث بالعرض، ويقال له أيضًا: القراءة، وهو صحيح عند جمهور المحدّثين، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بعد ذكره النوع المسمّى بالسماع، فقال: وَبَعْدَ ذَا قِرَاءَةٌ عَرْضًا دَعَوْا … قَرَأْتَهَا مِنْ حِفْظٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ سَمِعْتَ مِنْ قَارٍ لَهُ وَالْمُسْمِعُ … يَحْفَظُهُ أَوْ ثِقَةٌ مُسْتَمِعُ أَوْ أَمْسَكَ الْمُسْمِعُ أَصْلًا أَوْ جَرَى … عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَا وَالأَكْثَرُونَ حَكَوُا الإِجْمَاعَا … أَخْذًا بِهَا وَأَلْغَوُا النِّزَاعَا وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ أَوْ … سَاوَتْهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ خُلْفٌ حَكَوْا واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6668

شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ) -بضم الزاي، وفتح الراء-: نسبة إلى زُرَيق ابن عامر بن زُرَيق بن عبدَ حارثة بن مالك بن عصب بن جشم بن الخزرج. (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ ﵁، وفي رواية بكير بن الأشجّ، عن عمرو بن سُليم الآتية: "قال: سمعت أبا قتادة"، فصرّح بالسماع (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي) وفي الرواية التالية: "يؤمّ الناس" (وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) جملة اسمية في محل النصب على الحال، ولفظ "حاملٌ" بالتنوين، و"أمامةَ" بالنصب، وهو المشهور، ويروى بالإضافة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] بالوجهين في القراءة. وقال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: قال النحاة: إذا كان اسم الفاعل للماضي وجبت الإضافة، فما وجه عمله؟. قلت: إذا أريد به حكاية الحال الماضية جاز إعماله، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ الآية [الكهف: ١٨] (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه الكرمانيّ: أن نصب "حامل" لـ "أمامة" هنا، وإن كان بمعنى الماضي؛ لأجل حكاية الحال الماضية، كالآية المذكورة، وإلى عمل اسم الفاعل، وشروطه أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال: كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ فِي الْعَمَلِ … إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ وَوَلِيَ اسْتِفَهَامًا أَوْ حَرْفَ نَدَا … أَوْ نَفْيًا أَوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا (أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) و"أمامة" -بضم الهمزة، وتخفيف الميمين- بنت زينب ﵂، قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: تزوجها عليّ بعد موت فاطمة ﵂، زَوّجها منه الزبير بن العوام، وكان أبوها قد أوصى بها إلى الزبير، فلما قتل عليّ، وآمَتْ منه أُمامة، قالت أم الهيثم النخعية [من الوافر]: أَشَابَ ذَوَائِبِي وَأَذَلَّ رَكْبِي … أُمَامَةُ حِينَ فَارَقَتِ الْقَرِينَا تُطِيفُ بِهِ لِحَاجَتِهَا إِلَيْهِ … فَلَمَّا اسْتَيْأَسَتْ رَفَعَتْ رَنِينَا

стр. 6669

وكان عليّ ﵁ قد أمر المغيرة بن نوفل بن الحارث أن يتزوج أمامة بنت أبي العاص، فتزوجها المغيرة، فولدت له يحيى، وبه كان يُكنى، وهلكت عند المغيرة. وقيل: إنها لم تلد لعلي، ولا للمغيرة، وقال الزبير بن بكار: ليس لزينب عقب (١). وقال في "الفتح": كانت صغيرة على عهد النبيّ ﷺ ، وتزوجها عليّ بعد وفاة فاطمة ﵂ بوصية منها، ولم تُعْقِب. انتهى (٢). (وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ) قال الكرمانيّ ﵀: الإضافة في قوله: "بنت زينب" بمعنى اللام، فأظهر في المعطوف، وهو قوله: "ولأبي العاص" ما هو مقدَّرٌ في المعطوف عليه. انتهى. وأشار ابن العطار إلى أن الحكمة في ذلك كون والد أمامة كان إذ ذاك مشركًا، فنُسبت إلى أمها؛ تنبيهًا على أن الولد يُنْسَب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا، ثم بَيَّنَ أنها من أبي العاص تبيينًا لحقيقة نسبها. انتهى. وهذا السياق لمالك وحده، وقد رواه غيره عن عامر بن عبد اللَّه، فنسبوها إلى أبيها، ثم بَيَّنُوا أنها بنت زينب، ففي الرواية التالية: "وأمامةُ بنت أبي العاص، وهي ابنة بنت النبيّ ﷺ على عاتقه"، ولأحمد من طريق المقبريّ، عن عمرو بن سُليم: "يَحْمِل أمامة بنت أبي العاص، وأمها زينب بنت رسول اللَّه ﷺ على عاتقه"، قاله في "الفتح". ووقع عند البخاريّ: "ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس" فقال في "العمدة": قوله: ولأبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، وفي أحاديث "الموطأ" للدارقطنيّ: قال ابن نافع، وعبد اللَّه بن يوسف، والقعنبيّ في رواية إسحاق عنه، وابن وهب، وابن بُكير، وابن القاسم، وأيوب بن صالح، عن مالك: "ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس"، وقال محمد بن الحسن: "ولأبي العاص بن الربيع" مثل قول مَعْن، وأبي مُصْعَب. وفي "التمهيد": رواه يحيى: "ولأبي العاص بن ربيعة" بهاء التأنيث،

стр. 6670

وتابعه الشافعيّ، ومُطَرِّف، وابن نافع، والصواب "ابن الربيع"، وكذا أصلحه ابن وضاح في رواية يحيى. وقال عياض: وقال الأصيليّ: هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى جدّه، قال عياض: وهذا غير معروف، ونسبه عند أهل الأخبار باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف. وقال الكرمانيّ: البخاري نسبه مخالفًا للقوم من جهتين، قال: ربيعة بحرف التأنيث، وعندهم الربيع بدونه، وقال: ربيعة بن عبد شمس، وهم قالوا: ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس. قال العينيّ: لو اظلع الكرمانيّ على كلام القوم لما قال: نسبه البخاريّ مخالفًا للقوم من جهتين، على أن الذي عندنا في نسختنا: الربيع بن عبد شمس بالنسبة إلى جدّه. انتهى (١). واختُلِف في اسم أبي العاص، فقيل: ياسر، وقيل: لَقِيط، وقيل: مِهْشَم، وقال الزبير، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه: اسمه القاسم، وهو أكثر في اسمه، وقال أبو عمر: والأكثر لَقِيط، وهو مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وهاجر، وردّ عليه النبيّ ﷺ ابنته زينب، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ (٢). [تنبيه]: كانت زينب ﵂ أكبر بنات رسول اللَّه ﷺ ، وكانت فاطمة أصغرهنّ وأحبهنّ إلى رسول اللَّه ﷺ ، وكان أولاد رسول اللَّه ﷺ كلهم من خديجة ﵂، سوى إبراهيم، فإنه من مارية القبطية ﵂، تزوّج النبيّ ﷺ خديجة ﵂ قبل البعثة، قال الزهريّ: وكان عمره يومئذ إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمسًا وعشرين سنة، زمانَ بُنِيَتِ الكعبة، قاله الواقديّ، وزاد: ولها من العمر خمس وأربعون سنة، وقيل: كان عمره ثلاثين سنةً، وعمرها أربعين سنةً، فولدت له القاسم، وبه كان يكنى، والطاهر، وزينب، ورُقَيَّة، وأم كلثوم، وفاطمةُ وتزوج بزينب أبو العاص بن الربيع، فولدت منه عليًّا وأُمامة هذه

стр. 6671

المذكورة في هذا الحديث، تزوجها عليّ بن أبي طالب بعد موت فاطمة، فولدت منه محمدًا، وكانت وفاة زينب في ثمانٍ، قاله الواقديّ، وقال قتادة: في أول سنة ثمان (١). (فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) وفي الرواية التالية: "فاذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها"، وفي رواية بُكير الآتية: "فإذا سجد وضعها"، وهذه رواية البخاريّ، قال في "الفتح": قوله: "فإذا سجد وضعها" كذا لمالك أيضًا. ورواه مسلم أيضًا من طريق عثمان بن أبي سليمان، ومحمد بن عجلان، والنسائيّ من طريق الزُّبَيديّ، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي العُمَيس، كلهم عن عامر بن عبد اللَّه، شيخ مالك، فقالوا: "إذا ركع وضعها". ولأبي داود من طريق المقبريّ، عن عمرو بن سُليم: "حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده قام وأخذها، فردّها في مكانها"، وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه ﷺ ، لا منها، بخلاف ما أوّله الخطابيّ، حيث قال: يُشبه أن تكون الصبية كانت قد أَلِفَته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته، فيَنْهَض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها، قال: هذا وجهه عندي. وقال ابن دقيق العيد: من المعلوم أن لفظ "حَمَلَ" لا يساوي لفظ "وضع" في اقتضاء فعل الفاعل؛ لأنا نقول: فلان حَمَل كذا، ولو كان غيره حَمَّله، بخلاف وضَعَ، فَعلى هذا فالفعل الصادر منه ﷺ هو الوضع، لا الرفع، فَيَقِلّ العمل، قال: وقد كنت أحسب هذا حسنًا إلى أن رأيت في بعض طرقه الصحيحة: "فإذا قام أعادها". وهذه هي رواية مسلم الآتية، ورواية أبي داود التي قدّمناها أصرح في ذلك، وهي: "ثم أخذها فردّها في مكانها"، ولأحمد من طريق ابن جريج: "وإذا قام حملها، فوضعها على رقبته".

стр. 6672

(وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا؟) أي إذا أراد أن يسجد وضع أمامة على الأرض حتى يتمكنّ من أداء السجود على وجهه. (قَالَ يَحْيَى) بن يحيى في روايته (قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ) أي حدّثني عامر بن عبد اللَّه بن الزبير بهذا الحديث. وزاد في رواية النسائيّ: "حتى قضى صلاته، وهو يفعل ذلك بها"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ١٢١٧ و ١٢١٨ و ١٢١٩ و ١٢٢٠] (٥٤٣)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٥١٦)، و"الأدب" (٥٩٩٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩١٧ و ٩١٨ و ٩١٩ و ٩٢٠)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٥)، و"السهو" (٣/ ١٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٧٠)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٩٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٠٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٢٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٩٥ و ٢٩٦ و ٢٩٧ و ٣٠٤ و ٣١٠ و ٣١١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣١٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٠٩ و ١١١٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢١٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢/ ١٠٦٦ و ١٠٦٧ و ١٠٦٨ و ١٠٦٩ و ١٠٧٠ و ١٠٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٣٤ و ١٧٣٥ و ١٧٣٦ و ١٧٣٧ و ١٧٣٨ و ١٧٣٩ و ١٧٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٩٣ و ١١٩٤ و ١١٩٥ و ١١٩٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٢٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز حمل الصبيان في الصلاة. ٢ - (ومنها): بيان أن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى تتحقّق نجاستها.

стр. 6673

٣ - (ومنها): صحّة صلاة من حمل آدميًّا، أو حيوانًا طاهرًا، من طير، أو شاة، أو غيرهما. قال في "الفتح": وللشافعية تفصيل بين المستجْمِر وغيره، وقد يجاب عن هذه القصة بأنها واقعة حال، فيَحْتَمِلُ أن تكون أُمامة كانت حينئذ قد غسلت. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا فيه نظرٌ، بل الظاهر أن الحمل جائز إلى أن تُتَحَقَّق النجاسة، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن الفعل القليل لا يُبطل الصلاة، وأن الأفعال إذا تعدّدت، ولم تتوال، بل تفرّقت لا تُبطل الصلاة. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع مع الصبيان، وسائر الضَّعَفَة، ورحمته، وملاطفته لهم. ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز إدخال الصبيان المساجد، وقد بوّب عليه النسائيّ في "سننه"، واْما ما أخرجه الطبرانيّ عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "جَنِّبُوا مساجدكم صبيانكم، وخصوماتكم، وحدودكم، وشراءكم، وبيعكم، وجَمِّروها يوم جُمَعِكم، واجعلوا على أبوابها مطاهركم"؛ فهو منقطع؛ لأن الراوي عن معاذ مكحول، وهو لم يسمع منه. وكذا ما أخرجه ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسَلَّ سيوفكم، واتِّخِذوا على أبوابها المطاهر، وجَمِّروها في الْجُمَع"، فهو ضعيف؛ لأن في سنده الحارث بن شهاب، وهو ضعيف. وقد عارضهما حديث أبي قتادة ﵁ المذكور في الباب، وهو متفق عليه، وحديث أنس ﵁ المتفق عليه أيضًا: أن النبيّ ﷺ قال: "إني لأسمع بكاء الصبي، وأنا في الصلاة، فأخفف مخافة أن تُفْتَن أمه". وعلى تقدير الصحة، فيجمع بين الأحاديث بِحَمل الأمر بالتجنيب على الندب، كما قال العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، أو بأنه تُنَزَّه المساجد عمن لا يؤمن حَدَثه فيها، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على أن لمس المحارم، أو من لا

стр. 6674

تُشْتَهَى غير ناقض للطهارة، قال ابن دقيق العيد: وأجيب عنه بأنه يَحْتَمِل أن يكون من وراء حائل، وهذا يُسْتَمَدّ من أن حكايات الحال لا عموم لها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة نقض الطهارة بلمس المرأة قد قدمنا تحقيقها في "كتاب الطهارة"، وأن الراجح من أقوال أهل العلم فيها القول بعدم النقض مطلقًا، لرجحان أدلتّه، راجع المسألة في محلّها، وباللَّه تعالى التوفيق. ٨ - (ومنها): ما قاله الفاكهيّ ﵀: وكأن السر في حمله ﷺ أمامة ﵂ في الصلاة دفع ما كانت العرب تَأْلَفُه من كراهة البنات، وحملهنّ، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة، للمبالغة في رَدْعهم، والبيانُ بالفعل قد يكون أقوى من القول، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم حمل الصبيّ في الصلاة: قال الإمام ابن المنذر ﵀: وللمرء أن يَحْمِلَ الصبيّ في الصلاة المكتوبة والتطوّع، ثبت أن رسول اللَّه ﷺ حَمَلَ أُمامة ابنة أبي العاص في الصلاة، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو ثور، وحَكَى أبو ثور عن الكوفيّ أنه قال: المصلّي يَحْمل في الصلاة، أو يَفتح بابًا، أو مَضَى خلف دابّة، قال: صلاته فاسدة، قال ابن المنذر ﵀: والسنّة مُستغنًى بها. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: اختَلَفَ العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عَمَلٌ كثيرٌ، فروى ابن القاسم، عن مالك، أنه كان في النافلة، وهو تأويل بعيدٌ، فإن ظاهر الأحاديث أنه كان في فريضة، وسبقه إلى استبعاد ذلك المازريّ وعياض؛ لما ثبت في مسلم: "رأيت النبيّ ﷺ يؤم الناس، وأُمامة على عاتقه"، قال المازريّ: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة. وأصرح من هذا ما أخرجه أبو داود بلفظ: "بينما نحن ننتظر رسول اللَّه ﷺ في الظهر، أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا وأمامةُ على

стр. 6675

عاتقه، فقام في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبّر فكبّرنا، وهي في مكانها". وعند الزبير بن بكّار، وتبعه السُّهَيليّ: "الصبح"، ووَهِمَ من عزاه لـ "الصحيحين". قال القرطبيّ: ورَوَى أشهب، وعبد اللَّه بن نافع، عن مالك: أن ذلك للضرورة، حيث لم يَجِد من يكفيه أمرها. انتهى. وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبَكَت، وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها. وفَرَّقَ بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة، وقال الباجيّ: إن وَجَد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. قال القرطبيّ: ورَوَى عبد اللَّه بن يوسف التنيسيّ، عن مالك: أن الحديث منسوخ. قال الحافظ: رَوَى ذلك الإسماعيليّ عَقِبَ روايته للحديث من طريقه، لكنه غير صريح، ولفظه: قال التنيسيّ: قال مالك: من حديث النبيّ ﷺ ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا. وقال ابن عبد البر: لعله نُسِخ بتحريم العمل في الصلاة. وتُعُقّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله ﷺ : "إن في الصلاة لَشُغْلًا"؛ لأن ذلك كان قبل الهجرة، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدّة مديدة. وذَكَرَ عياض عن بعضهم أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ؛ لكونه كان معصومًا من أن تبول وهو حاملها، ورُدّ بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مَدْخَل للقياس في مثل ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لكونه معصومًا من أن تبول. . . إلخ، منقوض ببول الحسن أو الحسين ﵄ على بطنه ﷺ ، وكذلك الصبيّ الذي جاءت به أم قيس، كما تقدّم في "الطهارة"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير مُتَوَالٍ؛ لوجود الطمأنينة في أركان صلاته ﷺ .

стр. 6676

وقال النوويّ ﵀: ادَّعَى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكل ذلك دعاوي باطلة مردودة، لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوّ عنه، وثياب الأطفال، وأجسادهم محمولة على الطهارة، حتى تَتَبَيَّن النجاسة، والأعمال في الصلاة لا تُبطلها إذا قَلّت، أو تفرّقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وفَعَلَ النبيّ ﷺ هذا بيانًا للجواز، وتنبيهًا به على هذه القواعد التي ذكرتها. قال: وهذا يَرُدّ ما ادّعاه الإمام أبو سليمان الخطابيّ أن هذا الفعل يُشبه أن يكون كان بغير تعمد، فحَمَلها في الصلاة؛ لكونها كانت تتعلق به ﷺ فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه، قال: ولا يُتَوَهَّم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى عمدًا؛ لأنه عمل كثير، ويَشْغَل القلب، وإذا كانت الخميصة شغلته فكيف لا يشغله هذا؟. انتهى كلام الخطابيّ ﵀. قال النوويّ: وهو باطلٌ ودعوى مجردةٌ، ومما يرُدُّها قوله في "صحيح مسلم": "فإذا قام حملها"، وقوله: "فإذا رفع من السجود أعادها"، وقوله في رواية غير مسلم: "خرج علينا حاملًا أمامة، فصلى. . . " فذكر الحديث. قال: وأما قضية الخميصة، فلأنها تَشْغَل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلِّم أنه يشغل القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد، وبيان قواعد، مما ذكرناه وغيره، فأُحِلّ ذلك الشغلُ لهذه الفوائد، بخلاف الخميصة. فالصواب الذي لا مَعْدِلَ عنه أن الحديث كان لبيان الجواز، والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا، وشرع مُستَمِرّ للمسلمين إلى يوم الدين، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد النوويّ في تحقيق هذه المسألة، وأفاد. وحاصله جواز حمل الصبيان في الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، وأن ذلك ليس بعمل كثير يُبطل الصلاة؛ لعدم تواليه، وإنما يُبطل الصلاة العمل الكثير، أو المتوالي، وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث: "إن في الصلاة لشُغلًا"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 6677

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَابْنِ عَجْلَانَ، سَمِعَا عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ (١) يَؤُمُّ النَّاسَ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ، وَهِيَ ابْنَةُ (٢) زينَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) بن جُبير بن مُطْعِم بن عديّ بن نوفل النوفليّ المكيّ قاضيها، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عمه نافع بن جبير، وابن عمه سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، وحمزة بن عبد اللَّه بن عمر، وغيرهم. ورَوَى عنه إسماعيل بن أمية، وابن جريج، وابن إسحاق، وابن عيينة، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وابن سعد، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان قاضيًا على مكة، وزعم ابن سعد أن اسم أبي سليمان محمد، وقال أبو مسلم المستملي في "تاريخه": أخبرني عبد اللَّه بن رجاء أنه كان قاضيًا على مكة، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم

стр. 6678

(٥٤٣)، وحديث (٧٣٢): "أن النبيّ ﷺ لم يمت حتى كان كثير من صلاته، وهو جالس". ٥ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد بن عجلان القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠. والباقون تقدّموا قبله، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢١٩] (. . .) - (حَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لِلنَّاسِ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المذكور في الباب الماضي. ٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) نزيل مصر، تقدّم قريبًا. ٤ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر) بن عبد اللَّه بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، سمع من أبيه قليلًا [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٥ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. والباقيان ذُكرا قبله.

стр. 6679

وقوله: (يُصَلِّي لِلنَّاسِ) أي إمامًا بهم، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، سَمِعَ أَبا قَتَادَةَ، يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ، خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ في تِلْكَ الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (لَيْث) بن سعد تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عُبيد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٩/ ١١٣٦. ٥ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٦ - (سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ) هو: سعيد بن أبي سعيد كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة ثبتٌ تغيّر قبل موته بأربع سنين، مات في حدود (١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (جَمِيعًا) يعني أن الليث بن سعد، وأبا بكر الحنفيّ حدّثا عن سعيد المقبريّ. وقوله: (بَيْنَا) هي بين الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وهي مضافة إلى الجملة الاسميّة بعدها، وقد تقدّم البحث فيها مستوفى غير مرّة. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن سعيدًا المقبريّ حدّث عن عمرو بن سليم بمعنى حديث عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وبكير بن عبد اللَّه كلاهما عنه،

стр. 6680

والظاهر أن جمعه الضمير على مذهب من يرى أن أقل الجمع اثنان، وهو قول مالك ﵀، والمحقّقين، وقد استوفيت بحثه في "التحفة المرضيّة"، وشرحها، فراجعه تستفد. ويَحْتَمل أن يكون الضمير يعود إلى مشايخه، يعني أن قتيبة، ومحمد بن المثنى حدّثاني بنحو ما حدّثني المشايخ الذين قبلهما، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سعيد المقبريّ هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٤٢) فقال: (١١٩٦) حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوريّ، ثنا أبو العباس السّراج، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث بن سعد، وحدّثنا حبيب، ثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، كلاهما عن سعيد المقبريّ، عن عمرو بن سُلَيم الزُّرَقيّ، أنه سمع أبا قتادة يقول: بينا نحن في المسجد جلوس، خرج علينا رسول اللَّه ﷺ يَحْمِل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول اللَّه ﷺ ، وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته، يفعل ذلك بها. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ جَوَازِ كَوْنِ الإِمَامِ عَلَى مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، وَجَوَازِ النُّزُولِ وَالصُّعُودِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِلْحَاجَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢١] (٥٤٤) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ، مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ

стр. 6681

إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ وَمَنْ عَمِلَهُ؟، وَرَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْم جَلَسَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، فَحَدِّثْنَا، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّهَا يَوْمَئِذٍ: "انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا، أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا"، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ (١)، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا؛ لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٩٠. ٢ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سُفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣. ٣ - (سَهْلُ بْنُ سَعْد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الْخَزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٨٨) أو بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالإسنادين التاليين، وهو (٧٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.

стр. 6682

٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغلانيّ، وقد دخلا المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (أَنَّ نَفَرًا) لم تعرف أسماؤهم (جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) ﵄ (قَدْ تَمَارَوْا) جملة حاليّة من الفاعل، أي تجادلوا، وتنازعوا، يقال: ماريته أُماريه مماراةً ومِرَاءً: إذا جادلته، ويقال: ماريته أيضًا: إذا طعنتَ في قوله تزييفًا، وتصغيرًا للقائل، ولا يكون المراء إلا اعتراضًا بخلاف الجدال، فإنه يكون ابتداءً واعتراضًا، قاله الفيّوميّ (١). ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "وقد امتروا"، وهو افتعال، من المِرْيَة، قال الراغب الأصفهانيّ في "مفردات القرآن": المِرْية: التردد في الأمر، وهي أخصّ من الشك، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: ٥٥] والامتراء، والمماراة: المجادلة فيما فيه مِرْيَةٌ، قال تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]. وأصله من مَرَيْتُ الناقة: إذا مَسَحْت ضرعها. اهـ كلام الراغب باختصار (٢). وقال ابن منظور: والامتراء في الشيء: الشك فيه، وكذلك التماري. والمراء: المماراة، والجدَلُ، والمراء أيضًا: من الامتراء، والشكّ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]؛ قال: وأصله في اللغة: الْجِدال، وأن يستخرج الرجل من مُنَاظِرِه كلامًا، ومعاني الخصومة، وغيرها من مَرَيت الشاة: إذا حلبتها، واستخرجت لبنها، وقد ماراه مماراةً، وميراءً، وامترى فيه، وتمارى: شك؛ قال سيبويه: وهذا من الأفعال التي تكون للواحد. انتهى (٣).

стр. 6683

(فِي الْمِنْبَرِ) متعلّق بـ "تماروا"، وهو بكسر الميم، وسكون النون، وفتح الموحّدة آخره راء: مِرْقاة الخاطب، سُمِّي منبرًا؛ لارتفاعه وعُلُوّه، وانتبر الأمير: ارتفع فوق المنبر، قاله في "اللسان" (١). وقال في "المصباح": وكلُّ شيء رُفِعَ فقد نُبِرَ، ومنه المنبر؛ لارتفاعه، وكُسرت الميم على التشبيه بالآلة. انتهى (٢). (مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟) مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور قبله، وفي رواية البخاريّ: "وقد امتروا في المنبر ممّ عوده؟ "، أي من أيّ شيء عود ذلك المنبر؟ (فَقَالَ) سهل ﵁ (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه، كـ "ألا" (وَاللَّهِ إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في جواب القسم، كما قال في "الخلاصة": فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (لَأَعْرِفُ) اللام هي لام الابتداء المزحلقة من اسم "إنّ" إلى خبرها؛ لئلا يتوالى حرفا تأكيد، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ … لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ "إِنّي لَوَزَرْ" وإنما أتى بالقسم مؤكّدًا بالجملة الاسميّة، وبكلمة "إنّ" التي هي للتحقيق، وبلام التأكيد في الخبر؛ لإرادة التأكيد فيما قاله للسامع، قاله في "العمدة" (٣). (مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟) جملة اسميّة كنظيره الماضي، مفعول "أعرف" معلّق عنها العامل للاستفهام، وقوله: (وَمَنْ عَمِلَهُ؟) "من" استفهاميّة مبتدأ خبرها جملة "عَمِله" وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب تَعِبَ، والجملة معطوفة على جملة الاستفهام قبله، أي أعرف أيُّ شخص عمله، ويَحْتَمِل أن تكون "من" موصولة معطوفة على المفعول، أي وأعرف الشخص الذي عمله (وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "رأيتُ"، أي رأيته في أول يوم، وقوله: (جَلَسَ عَلَيْهِ) صفة لـ "يوم" بتقدير عائد، أي فيه، فقوله: "ورأيت رسول اللَّه ﷺ . . . إلخ" زيادة على السؤال.

стр. 6684

وفي رواية البخاريّ: "ولقد رأيته أوّل يوم وُضِعَ، وأوّل يوم جلس عليه رسول اللَّه ﷺ ". قال في "العمدة": وفائدة هذه الزيادة المؤكدة باللام، وكلمة "قد" الإعلام بقوة معرفته بما سألوه. (قَالَ) أبو حازم (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ) كنية سهل بن سعد ﵄ (فَحَدِّثْنَا) أمر من التحديث، والفاء فيه فاء الفصيحة، أي إذا كنت تعرف هذا المنبر الذي تمارينا فيه هذه المعرفة المتميّزة، حيث عرفت من أي شيء عوده؟، ومن عَمِله؟، وأول يوم جلس عليه رسول اللَّه ﷺ ، فحدّثنا بهذا كلّه حتى ينقطع عنا النزاع والجدال. (قَالَ) سعد ﵁ (أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ) قال في "الفتح": لا يعرف اسمها، لكنها أنصارية. (قَالَ أَبُو حَازِمِ: إِنَّهُ) أي سهلًا (لَيُسَمِّهَا يَوْمَئِذٍ) أي يوم أن أخبرنا بهذا الخبر. وفي رواية البخاريّ: "أرسل رسول اللَّه ﷺ إلى فلانة امرأة قد سمّاها سهلٌ"، فقوله: "إلى فلانة" كناية عن اسم المرأة، ممنوع من الصرف لوجود علتين فيه، العلمية، والتأنيث، وقوله: "امرأة" بالجر بدل عن "فلانة"، ويحتمل الرفعَ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي امرأة، والنصبَ على أنه مفعول لفعل محذوف، أعني امرأة. قال النوويّ ﵀: قوله: "أرسل رسول اللَّه ﷺ إلى امرأة انظري غلامك النجار. . . إلخ" هكذا رواه لسَهْل بن سعد ﵄، وفي رواية جابر ﵁ في "صحيح البخاريّ" وغيره: "أن المرأة قالت: يا رسول اللَّه، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟؛ فإن لي غلامًا نَجّارًا، قال: إن شئتِ، فعملت المنبر"، وهذه الرواية في ظاهرها مخالفة لرواية سهل، والجمع بينهما أن المرأة عَرَضت هذا أوّلًا على رسول اللَّه ﷺ ، ثم بَعَث إليها النبيّ ﷺ يطلُب تنجيز ذلك. انتهى (١)، وهو جمع حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6685

("انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ) بالنصب؛ لأنه صفة لـ "غلام". قال الفيوميّ ﵀: نَجَرْتُ الخشبة، نَجْرًا، من باب قتل، والفاعل نَجَّار، والنِّجارة، مثلُ الصِّنَاعة. انتهى. وفي "اللسان": النَّجْرُ: نَحْتُ الخشبة، نَجَرَهَا، ينجُرها، نَجْرًا: نَحَتَها، ونُجَارةُ العُودِ: ما انتُحِتَ منه عند النَّجْر. انتهى. [تنبيه]: أشبه الأقوال بالصواب في اسم الغلام قول من قال: إنه ميمون، قال في "الفتح": وسماه عباسُ بن سهل، عن أبيه، فيما أخرجه قاسم بن أصبغ، وأبو سعد في "شرف المصطفى" جميعًا من طريق يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة: حدثني عُمَارة بن غَزِيَّةَ، عنه، ولفظه: "كان رسول اللَّه ﷺ يخطب إلى خشبة، فلما كثر الناس قيل له: لو كنت جعلت منبرًا. . .، قال: وكان بالمدينة نَجَّار واحد، يقال له: ميمون"، فذكر الحديث. وأخرجه ابن سعد من رواية سعيد بن سعد الأنصاري، عن ابن عباس، نحو هذا السياق، ولكن لم يسمه. وفي الطبراني من طريق أبي عبد اللَّه الغفاري: سمعت سهل بن سعد، يقول: كنت جالسًا مع خال لي من الأنصار، فقال له النبيّ ﷺ : "اخرج إلى الغابة، وائتني من خشبها، فاعمل لي منبرًا" الحديث. وجاء في صانع المنبر أقوال أخرى: أحدها: أن اسمه إبراهيم. أخرجه الطبراني في "الأوسط" من طريق أبي نضرة، عن جابر، وفي إسناده العلاء بن مسلمة الرَّوَّاس، وهو متروك. ثانيها: بَاقُول -بموحدة، وقاف مضمومة- رواه عبد الرزاق بإسناد ضعيف منقطع، ووصله أبو نعيم في "المعرفة"، لكن قال: باقوم -آخره ميم- وإسناده ضعيف أيضًا. ثالثها: صُبَاح -بضم المهملة بعدها موحدة خفيفة، وآخره مهملة أيضًا- ذكره ابن بشكوال بإسناد مرسل. رابعها: كلاب مولى العباس، روى ابن سعد في "الطبقات" من حديث أبي هريرة: أن النبيّ ﷺ كان يخطب، وهو مُستَنِد إلى جِذْع، فقال: "إن القيام قد شق علي"، فقال له تميم الداريّ: ألا أعمل لك منبرًا، كما رأيتُ

стр. 6686

يُصْنَع بالشام؟ فشاور النبيّ ﷺ المسلمين في ذلك، فَرَأَوْا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلامًا يقال له: كلاب أعْمَلُ الناسِ، فقال: "مره أن يعمل"، الحديث، ورجاله ثقات إلا الواقدي. خامسها: تميم الداري، رواه أبو داود مختصرًا، والحسن بن سفيان، والبيهقي، من طريق أبي عاصم، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر: أن تميمًا الداري قال لرسول اللَّه ﷺ لَمّا كثر لحمه: ألا نتخذ لك منبرًا يحمل عظامك؟، قال: "بلى"، فاتخذ له منبرًا، الحديث، وإسناده جيد. سادسها: ميناء، ذكره ابن بشكوال عن الزبير بن بكار: حدثني إسماعيل، هو ابن أبي أويس، عن أبيه، قال: عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار، من بني سَلِمَةَ، أو من بني ساعدة، أو امرأة لرجل منهم، يقال له: ميناء. انتهى. قال الحافظ: وهذا يَحْتَمِل أن يعود الضمير فيه على الأقرب، فيكون ميناء اسم زوج المرأة، وهو بخلاف ما حكيناه عن ابن التين أن المنبر عمله غلام سعد بن عبادة، وجوّزنا أن تكون المرأة زوج سعد. قال: وليس في جميع الروايات التي سُمِّيَ فيها النجارُ شيء قويّ السند، إلا حديث ابن عمر، وليس فيه التصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم الداريّ، بل قد تبيّن من رواية ابن سعد أن تميمًا لم يعمله. قال: وأشبه الأقوال بالصواب قول من قال: هو ميمون، لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضًا، وأما الأقوال الأخرى فلا اعتداد بها لِوَهَائها، ويَبْعُد جدًّا أن يُجْمَع بينها بأن النجّار كانت له أسماء متعددة، وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيَمْنَع منه قوله في كثير من الروايات: "لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد"، إلا إن كان يُحْمَل على أن المراد بالواحد الماهر في صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن، واللَّه تعالى أعلم. ووقع عند الترمذيّ، وابن خزيمة، وصححاه من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: "كان النبيّ ﷺ يقوم يوم الجمعة، فيسند ظهره إلى جِذْع منصوب في المسجد، يخطب، فجاء إليه رُومِيّ، فقال: ألا نصنع لك منبرًا"، الحديث، ولم يسمّه، فيَحْتَمِل أن يكون المراد بالرومي تميم الداري؛ لأنه كان كثير السفر إلى أرض الروم، وقد عرفت مما تقدم سبب عمل المنبر.

стр. 6687

وجزم ابن سعد بأن ذلك كان في السنة السابعة، وفيه نظر؛ لذكر العباس، وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع، وجزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان، وفيه نظر أيضًا؛ لما ورد في حديث الإفك في "الصحيحين" عن عائشة، قالت: "فثار الحيان، الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ على المنبر، فنزل، فخفَّضهم، حتى سكتوا"، فإن حُمِل على التجوز في ذكر المنبر، وإلا فهو أصحّ مما مضى. وحَكَى بعض أهل السير أنه ﷺ كان يخطب على منبر من طين قبل أن يُتَّخذ المنبر من خشب، ويعكُر عليه أن في الأحاديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب. ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ستّ درجات من أسفله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بعث معاوية إلى مروان، وهو عامله على المدينة أن يَحْمِل إليه المنبر، فأمر به، فقُلِعَ، فأظلمت المدينة، فخرج مروان، فخطب، وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نَجّارًا، وكان ثلاث درجات، فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم، ورواه من وجه آخر، قال: "فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم، وقال: فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس". قال ابن النجّار، وغيره: استَمَرّ على ذلك إلا ما أصْلِحَ منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحتَرَق، ثم جَدَّد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرًا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرًا، فأزيل منبر المظفَّر، فلم يزل إلى هذا العصر، فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمانمائة منبرًا جديدًا، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرًا جديدًا إلى مكة أيضًا، شكر اللَّه له صالح عمله آمين، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6688

وقال في "العمدة": فإن قلت: رَوَى أبو داود عن ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ لما بَدَّنَ قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول اللَّه، يَجْمَع -أو يَحْمِل- عظامك؟، قال: "بلى" فاتخذ له منبرًا مِرْقاتين". أي اتخذ له منبرًا درجتين، فبينه وبين ما ثبت في الصحيح أنه ثلاث درجات منافاة. قلت: الذي قال: مرقاتين لم يَعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها ﷺ . انتهى (١). (يَعْمَلْ لِي) بجزم الفعل في جواب الأمر، وهو "انظري"، ويَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا على الاستئناف البيانيّ، كما مرّ نظيره غير مرّة. (أَعْوَادًا) بالنصب على المفعوليّة، وهو بالفتح: جمع عُود بالضمّ، وهو الخشب، ويُجمع أيضًا على عِيدان، والمراد أن يجمع الأعواد، ويرتّبها، ويصنعها على وجه يُمكن الجلوس عليها. وفي رواية البخاريّ: "مُري غلامك النجّار أن يَعمل لي أعوادًا أجلس عليهنّ إذا كلّمت الناس". (أُكُلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا") جملة في محلّ نصب صفة لـ "أعوادًا"، أي أخطب الناس على تلك الأعواد، أي على المنبر المصنوع منها، ويَحتمل أن تكون الجملة مستأنفةً استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل له: ما تصنع بالأعواد؟ فقال: أكلّم الناس عليها. (فَعَمِلَ هَذ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ) هكذا الرواية في "صحيح مسلم"، بتنكير "درجات"، قال النوويّ ﵀: هذا مما يُنكره أهل العربيّة، والمعروف عندهم أن يقول: "ثلاث الدرجات"، أو "الدرجات الثلاث"، وهذا الحديث دليلٌ لكونه لغةً قليلةً. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: القاعدة في هذه المسألة أن العدد إذا كان مضافًا، وأردت تعريفه عرّفت الآخر، وهو المضاف إليه، فيصير الأول مضافًا إلى معرفة، فتقول: "ثلاثة الأثواب"، و"مائة الدرهم"، و"ألف الدينار"، وأجاز الكوفيّون الثلاث الأثواب بتعريف الجزأين.

стр. 6689

وأما ما وقع هنا فقد عرّف المضاف، ونكَر المضاف إليه، ونظيره ما وقع في "صحيح البخاريّ" في قصّة الرجل الذي استسلف ألف دينار، فقال: "ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار"، وأوّله الدمامينيّ بتقدير مضاف من المعرّف، أي بالألف ألف دينار، قال: ولا يقال: إن "أل" زائدة؛ لأن ذلك لا ينقاس. انتهى. وقد تقدّم البحث في هذه المسألة في هذا الشرح مستوفى، في "كتاب الإيمان" برقم (٧١/ ٣٨٨)، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق. (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا) أي بتلك الأعواد المصنوع منها المنبر (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوُضِعَتْ) بالبناء للمفعول (هَذَا الْمَوْضِعَ) منصوب على الظرفيّة لـ "وُضعت"، وهو مقيسٌ؛ لوجود شرطه، وهو كونه من مادَّته، كما قال في "الخلاصة": وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ وَمَا … يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إِلَّا مُبْهَمَا نَحْوُ الْجِهَاتِ وَالْمَقَادِيرِ وَمَا … صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ كَمَرْمًى مِنْ رَمَى وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَعْ … ظَرْفًا لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ والمعنى: أن تلك الأعواد وُضِعت في محلّها التي هي فيه حينما حدّثهم سهل ﵁ بالحديث، ولا زال موضعها إلى الآن. (فَهِيَ) أي تلك الأعواد المصنوع منها المنبر (مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ) وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عيَينة، عن أبي حازم: "هو من أثل الغابة". و"الطَّرْفَاء" -بفتح الطاءَ، وسكون الراء المهملتين، وبعد الراء فاء ممدودة- قال سيبويه: الطرْفاء: واحدٌ، وجمعٌ، والطرفاء: اسم للجمع، وقيل: واحدتها: طرْفَاءة، وقال ابن سِيدَه: والطرَفَة: شجرة، وهي الطَّرَف، والطرْفاء: جماعة الطَّرَفَة، وبها سمي طَرَفَة بن العبد، والطَّرَفُ -بفتحتين-: اسم يُجْمَعُ على طَرْفَاء، وقَلّمَا يُسْتَعمَل في الكلام إلا في الشعر، والواحدة طَرَفَة، وقياسه قَصَبَة، وقَصَب، وقَصْبَاء وشجَرَة، وشَجَرٌ، وشَجْراء، أفاده في "اللسان". و"الأثْلُ" -بفتح، فسكون-: شَجَرٌ يُشْبِهُ الطَّرفاء، إلا أنه أعظم منه، وأكرم، وأجود عُودًا، تُسَوَّى به الأَقْداح الصُّفْر الجِيَاد، وفي "الصحاح": هو نوع من الطرفاء، والأثْلُ: أصول غليظة، يُسَوَّى منها الأبواب، وغيرها، ووَرَقُهُ عَبْلٌ كوَرَق الطرْفَاء.

стр. 6690

وقال أبو حنيفة -الدّينَوَريّ-: قال أبو زياد: من العِضَاة: الأثْلُ، وهو طُوَال في السماء، مستطيل الخشب، وخشبه جيد يُحمَل إلى القرى، فتُبْنى عليه بيوتُ المَدَر، وورَقُه هَدَبٌ طوال دُقَاق، وليس له شوك، ومنه تُصنع القِصَاع والجِفَان، وله ثمر حمراء، كأنها أُبْنَة -يعني عُقْدة الرِّشاء- واحدته أثْلَة، وجمعه: أُثُول، كتَمْر، وتُمُور، قاله في "اللسان" (١). و"الغابة" -بالغين المعجمة، وبعد الألف باء موحدة-: هي أرض عَلَى تسعة أميال من المدينة، كانت بها إبل النبيّ ﷺ مُقِيمة بها للمَرْعَى، وبها وقعت قِصّةُ العُرَنيين الذين أغاروا على سَرْحِه. وقال ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقال الزمخشري: الغابة بَرِيد من المدينة، من طريق الشام. وفي "الجامع": كل شجر مُلْتَفٍّ فهو غابة، وفي "المحكم": الغابة: الأجَمَةُ التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة، وقال أبو حنيفة الدينوريّ: هي أجَمَة القصب، قال: وقد جُعِلَت جماعة الشجر غابًا، مأخوذًا من الغيابة، والجمع غابات، وغاب، ذكره في "العمدة" (٢). و"الأجَم": الشجر المُلْتَفُّ، جمعه أَجَمٌ، كقصبة، وقصب، والآجام جمع الجمع. قاله في "المصباح". (وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ) أي على المنبر المصنوع من تلك الأعواد (فَكَبَّرَ) أي تكبيرة الإحرام (وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة من الفاعل (ثُمَّ رَفَعَ) هكذا الرواية هنا "رَفَع" بالفاء مبنيًّا للفاعل، أي رفع ﷺ رأسه من الركوع، وفي رواية البخاريّ: "ثم رأيت رسول اللَّه ﷺ صلّى عليها، وكبّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر". قال الحافظ ﵀: لم يذكر القيام بعد الركوع في هذه الرواية، وكذا لم يذكر القراءة بعد التكبيرة، وقد تَبَيَّن ذلك في رواية سفيان، عن أبي حازم، ولفظه: "كبر، فقرأ، وركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى"، وفي رواية هشام بن سعد، عن أبي حازم، عند الطبرانيّ: "فخطب الناس عليه، ثم أقيمت
следующие страницы →