← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

يُصْنَع بالشام؟ فشاور النبيّ ﷺ المسلمين في ذلك، فَرَأَوْا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلامًا يقال له: كلاب أعْمَلُ الناسِ، فقال: "مره أن يعمل"، الحديث، ورجاله ثقات إلا الواقدي. خامسها: تميم الداري، رواه أبو داود مختصرًا، والحسن بن سفيان، والبيهقي، من طريق أبي عاصم، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر: أن تميمًا الداري قال لرسول اللَّه ﷺ لَمّا كثر لحمه: ألا نتخذ لك منبرًا يحمل عظامك؟، قال: "بلى"، فاتخذ له منبرًا، الحديث، وإسناده جيد. سادسها: ميناء، ذكره ابن بشكوال عن الزبير بن بكار: حدثني إسماعيل، هو ابن أبي أويس، عن أبيه، قال: عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار، من بني سَلِمَةَ، أو من بني ساعدة، أو امرأة لرجل منهم، يقال له: ميناء. انتهى. قال الحافظ: وهذا يَحْتَمِل أن يعود الضمير فيه على الأقرب، فيكون ميناء اسم زوج المرأة، وهو بخلاف ما حكيناه عن ابن التين أن المنبر عمله غلام سعد بن عبادة، وجوّزنا أن تكون المرأة زوج سعد. قال: وليس في جميع الروايات التي سُمِّيَ فيها النجارُ شيء قويّ السند، إلا حديث ابن عمر، وليس فيه التصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم الداريّ، بل قد تبيّن من رواية ابن سعد أن تميمًا لم يعمله. قال: وأشبه الأقوال بالصواب قول من قال: هو ميمون، لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضًا، وأما الأقوال الأخرى فلا اعتداد بها لِوَهَائها، ويَبْعُد جدًّا أن يُجْمَع بينها بأن النجّار كانت له أسماء متعددة، وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيَمْنَع منه قوله في كثير من الروايات: "لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد"، إلا إن كان يُحْمَل على أن المراد بالواحد الماهر في صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن، واللَّه تعالى أعلم. ووقع عند الترمذيّ، وابن خزيمة، وصححاه من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: "كان النبيّ ﷺ يقوم يوم الجمعة، فيسند ظهره إلى جِذْع منصوب في المسجد، يخطب، فجاء إليه رُومِيّ، فقال: ألا نصنع لك منبرًا"، الحديث، ولم يسمّه، فيَحْتَمِل أن يكون المراد بالرومي تميم الداري؛ لأنه كان كثير السفر إلى أرض الروم، وقد عرفت مما تقدم سبب عمل المنبر.

стр. 6687

وجزم ابن سعد بأن ذلك كان في السنة السابعة، وفيه نظر؛ لذكر العباس، وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع، وجزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان، وفيه نظر أيضًا؛ لما ورد في حديث الإفك في "الصحيحين" عن عائشة، قالت: "فثار الحيان، الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ على المنبر، فنزل، فخفَّضهم، حتى سكتوا"، فإن حُمِل على التجوز في ذكر المنبر، وإلا فهو أصحّ مما مضى. وحَكَى بعض أهل السير أنه ﷺ كان يخطب على منبر من طين قبل أن يُتَّخذ المنبر من خشب، ويعكُر عليه أن في الأحاديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب. ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ستّ درجات من أسفله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بعث معاوية إلى مروان، وهو عامله على المدينة أن يَحْمِل إليه المنبر، فأمر به، فقُلِعَ، فأظلمت المدينة، فخرج مروان، فخطب، وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نَجّارًا، وكان ثلاث درجات، فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم، ورواه من وجه آخر، قال: "فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم، وقال: فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس". قال ابن النجّار، وغيره: استَمَرّ على ذلك إلا ما أصْلِحَ منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحتَرَق، ثم جَدَّد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرًا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرًا، فأزيل منبر المظفَّر، فلم يزل إلى هذا العصر، فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمانمائة منبرًا جديدًا، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرًا جديدًا إلى مكة أيضًا، شكر اللَّه له صالح عمله آمين، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6688

وقال في "العمدة": فإن قلت: رَوَى أبو داود عن ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ لما بَدَّنَ قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول اللَّه، يَجْمَع -أو يَحْمِل- عظامك؟، قال: "بلى" فاتخذ له منبرًا مِرْقاتين". أي اتخذ له منبرًا درجتين، فبينه وبين ما ثبت في الصحيح أنه ثلاث درجات منافاة. قلت: الذي قال: مرقاتين لم يَعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها ﷺ . انتهى (١). (يَعْمَلْ لِي) بجزم الفعل في جواب الأمر، وهو "انظري"، ويَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا على الاستئناف البيانيّ، كما مرّ نظيره غير مرّة. (أَعْوَادًا) بالنصب على المفعوليّة، وهو بالفتح: جمع عُود بالضمّ، وهو الخشب، ويُجمع أيضًا على عِيدان، والمراد أن يجمع الأعواد، ويرتّبها، ويصنعها على وجه يُمكن الجلوس عليها. وفي رواية البخاريّ: "مُري غلامك النجّار أن يَعمل لي أعوادًا أجلس عليهنّ إذا كلّمت الناس". (أُكُلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا") جملة في محلّ نصب صفة لـ "أعوادًا"، أي أخطب الناس على تلك الأعواد، أي على المنبر المصنوع منها، ويَحتمل أن تكون الجملة مستأنفةً استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل له: ما تصنع بالأعواد؟ فقال: أكلّم الناس عليها. (فَعَمِلَ هَذ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ) هكذا الرواية في "صحيح مسلم"، بتنكير "درجات"، قال النوويّ ﵀: هذا مما يُنكره أهل العربيّة، والمعروف عندهم أن يقول: "ثلاث الدرجات"، أو "الدرجات الثلاث"، وهذا الحديث دليلٌ لكونه لغةً قليلةً. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: القاعدة في هذه المسألة أن العدد إذا كان مضافًا، وأردت تعريفه عرّفت الآخر، وهو المضاف إليه، فيصير الأول مضافًا إلى معرفة، فتقول: "ثلاثة الأثواب"، و"مائة الدرهم"، و"ألف الدينار"، وأجاز الكوفيّون الثلاث الأثواب بتعريف الجزأين.

стр. 6689

وأما ما وقع هنا فقد عرّف المضاف، ونكَر المضاف إليه، ونظيره ما وقع في "صحيح البخاريّ" في قصّة الرجل الذي استسلف ألف دينار، فقال: "ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار"، وأوّله الدمامينيّ بتقدير مضاف من المعرّف، أي بالألف ألف دينار، قال: ولا يقال: إن "أل" زائدة؛ لأن ذلك لا ينقاس. انتهى. وقد تقدّم البحث في هذه المسألة في هذا الشرح مستوفى، في "كتاب الإيمان" برقم (٧١/ ٣٨٨)، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق. (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا) أي بتلك الأعواد المصنوع منها المنبر (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوُضِعَتْ) بالبناء للمفعول (هَذَا الْمَوْضِعَ) منصوب على الظرفيّة لـ "وُضعت"، وهو مقيسٌ؛ لوجود شرطه، وهو كونه من مادَّته، كما قال في "الخلاصة": وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ وَمَا … يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إِلَّا مُبْهَمَا نَحْوُ الْجِهَاتِ وَالْمَقَادِيرِ وَمَا … صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ كَمَرْمًى مِنْ رَمَى وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَعْ … ظَرْفًا لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ والمعنى: أن تلك الأعواد وُضِعت في محلّها التي هي فيه حينما حدّثهم سهل ﵁ بالحديث، ولا زال موضعها إلى الآن. (فَهِيَ) أي تلك الأعواد المصنوع منها المنبر (مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ) وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عيَينة، عن أبي حازم: "هو من أثل الغابة". و"الطَّرْفَاء" -بفتح الطاءَ، وسكون الراء المهملتين، وبعد الراء فاء ممدودة- قال سيبويه: الطرْفاء: واحدٌ، وجمعٌ، والطرفاء: اسم للجمع، وقيل: واحدتها: طرْفَاءة، وقال ابن سِيدَه: والطرَفَة: شجرة، وهي الطَّرَف، والطرْفاء: جماعة الطَّرَفَة، وبها سمي طَرَفَة بن العبد، والطَّرَفُ -بفتحتين-: اسم يُجْمَعُ على طَرْفَاء، وقَلّمَا يُسْتَعمَل في الكلام إلا في الشعر، والواحدة طَرَفَة، وقياسه قَصَبَة، وقَصَب، وقَصْبَاء وشجَرَة، وشَجَرٌ، وشَجْراء، أفاده في "اللسان". و"الأثْلُ" -بفتح، فسكون-: شَجَرٌ يُشْبِهُ الطَّرفاء، إلا أنه أعظم منه، وأكرم، وأجود عُودًا، تُسَوَّى به الأَقْداح الصُّفْر الجِيَاد، وفي "الصحاح": هو نوع من الطرفاء، والأثْلُ: أصول غليظة، يُسَوَّى منها الأبواب، وغيرها، ووَرَقُهُ عَبْلٌ كوَرَق الطرْفَاء.

стр. 6690

وقال أبو حنيفة -الدّينَوَريّ-: قال أبو زياد: من العِضَاة: الأثْلُ، وهو طُوَال في السماء، مستطيل الخشب، وخشبه جيد يُحمَل إلى القرى، فتُبْنى عليه بيوتُ المَدَر، وورَقُه هَدَبٌ طوال دُقَاق، وليس له شوك، ومنه تُصنع القِصَاع والجِفَان، وله ثمر حمراء، كأنها أُبْنَة -يعني عُقْدة الرِّشاء- واحدته أثْلَة، وجمعه: أُثُول، كتَمْر، وتُمُور، قاله في "اللسان" (١). و"الغابة" -بالغين المعجمة، وبعد الألف باء موحدة-: هي أرض عَلَى تسعة أميال من المدينة، كانت بها إبل النبيّ ﷺ مُقِيمة بها للمَرْعَى، وبها وقعت قِصّةُ العُرَنيين الذين أغاروا على سَرْحِه. وقال ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقال الزمخشري: الغابة بَرِيد من المدينة، من طريق الشام. وفي "الجامع": كل شجر مُلْتَفٍّ فهو غابة، وفي "المحكم": الغابة: الأجَمَةُ التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة، وقال أبو حنيفة الدينوريّ: هي أجَمَة القصب، قال: وقد جُعِلَت جماعة الشجر غابًا، مأخوذًا من الغيابة، والجمع غابات، وغاب، ذكره في "العمدة" (٢). و"الأجَم": الشجر المُلْتَفُّ، جمعه أَجَمٌ، كقصبة، وقصب، والآجام جمع الجمع. قاله في "المصباح". (وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ) أي على المنبر المصنوع من تلك الأعواد (فَكَبَّرَ) أي تكبيرة الإحرام (وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة من الفاعل (ثُمَّ رَفَعَ) هكذا الرواية هنا "رَفَع" بالفاء مبنيًّا للفاعل، أي رفع ﷺ رأسه من الركوع، وفي رواية البخاريّ: "ثم رأيت رسول اللَّه ﷺ صلّى عليها، وكبّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر". قال الحافظ ﵀: لم يذكر القيام بعد الركوع في هذه الرواية، وكذا لم يذكر القراءة بعد التكبيرة، وقد تَبَيَّن ذلك في رواية سفيان، عن أبي حازم، ولفظه: "كبر، فقرأ، وركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى"، وفي رواية هشام بن سعد، عن أبي حازم، عند الطبرانيّ: "فخطب الناس عليه، ثم أقيمت

стр. 6691

الصلاة، فكبر، وهو على المنبر"، فأفادت هذه الرواية تقدُّم الخطبة على الصلاة. انتهى (١). (فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى) أي نزل من المنبر نزولًا إلى جهة ورائه؛ لئلا يستدبر القبلة. و"القَهْقَرى": الرجوعُ إلى خَلْفُ، فإذا قلت: رَجَعتُ القَهْقَرى، فكأنك قلت: رجعت الرجوعَ الذي يُعرفُ بهذا الاسم؛ لأن القهقرى ضرب من الرجوع، وقَهْقَرَ الرجلُ في مِشيته: فَعَلَ ذلك. وتقهقر: تراجع على قفاه، والقَهْقرى: مصدر قَهْقَرَ: إذا رجع على عقبيه. قاله في "اللسان" (٢). وقال في "العمدة": قيل: يقال: رجع القهقرى، ولا يقال: نزل القهقرى؛ لأنه نوع من الرجوع، لا من النزول. وأجيب بأنه لما كان النزول رجوعًا من فوق إلى تحت صحّ ذلك (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره العينيّ لا حاجة إليه؛ لأن معنى القهقرى موجود في حال النزول، إذ هو الرجوع إلى خلفُ، ونزول النبيّ ﷺ كان إلى جهة خلفه، وإنما فعل ذلك محافظة على استقبال القبلة، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ) أي على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه (ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ فِيْ آخِرِ صَلَاِتِهِ) يعني أنه ﷺ رجع إلى درجات المنبر بعد القيام من السجدة الثانية، ثم فعل هكذا إلى أن انتهى من تلك الصلاة. قال السنديّ ﵀: وهذا العمل القليل لا يبطل الصلاة، وقد فعله ﷺ لبيان كيفية الصلاة، وجواز هذا العمل، فلا إشكال، ويُفْهَم منه أن نظر المقتدي إلى إمامه جائز. انتهى. (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) وفي رواية البخاريّ: "فلَمّا فرغ أقبل على الناس" (فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا) وفي رواية البخاريّ: "إنما صنعت هذا" بدون "إنّي" (لِتَأْتَمُّوا بِي) -بكسر اللام-: أي لتقتدوا بأفعالي (وَلِتَعَلَّمُوا

стр. 6692

صَلَاِتِي") -بكسر اللام، وفتح التاء المثناة من فوقُ، وتشديد اللام- وأصله لتتعلموا، فحذفت إحدى التاءين، تخفيفًا لتوالي المثلين، كما قال ابن مالك: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ وعطف جملة "لتعلَّمُوا" على ما قبلها للتأكيد. يعني أنه ﷺ إنما صلى على المنبر على هذه الكيفية؛ للتعليم، حتى يَرَى جميعهم أفعاله ﷺ ، بخلاف ما إذا صلى على الأرض، فإنه لا يراه إلا مَن قرب منه. قال ابن حزم ﵀: وبكيفية هذه الصلاة قال أحمد، والشافعي، والليث، وأهل الظاهر، ومالك، وأبو حنيفة لا يجيزانها. وقد ردّ العيني هذا على ابن حزم، وقال: هذا غير صحيح، بل مذهب أبي حنيفة الجواز مع الكراهة. وقال ابن التين: الأشبه أن ذلك كان ﷺ خاصة (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الخصوصية غير صحيحة، فالصواب جواز ذلك لكل من احتاج للتعليم بهذا الطريق لمن لا يعلم كيفية الصلاة، ولذا قال ﷺ : "إنما صنعت هذا لتأتمّوا بي، ولتعلّموا صلاتي"، فأطلقه، فلو كان خاصًّا به، لبيّنه بأنه لا يحلّ ذلك لغيره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعدي ﵄ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٢٢١ و ١٢٢٢] (٥٤٤)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٧٧)، و"الجمعة" (٩١٧)، و"البيوع" (٢٠٩٤)، و"الهبة" (٢٥٦٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٨٠)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٧٣٩)، و"الكبرى" (٨١٨)، و (ابن ماجه) فيها (١٤١٦)، و (الشافعيّ) في

стр. 6693

"مسنده" (١/ ١٣٨)، و (الحميدي) في "مسنده" (٩٢٦)، و (أحمد) (٥/ ٣٣٠ و ٣٣٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٢٦١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣١١ و ٣١٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٤٤ و ١٧٤٥ و ١٧٤٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٩٧ و ١١٩٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٠٨)، و"دلائل النبوّة" (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٧٥٢ و ٥٧٩٠ و ٥٨٨١ و ٥٩٧٧ و ٥٩٩٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٩٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز اتخاذ المنبر، واستحباب كون الخطيب ونحوه على مرتفع كمنبر، أو غيره. ٢ - (ومنها): جواز الصلاة على المنبر، وقد عَلّل النبيّ ﷺ صلاته عليه، وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له، والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم لغير حاجة كمثل هذا كُرِه، وبه قال الشافعىّ، وأحمد، والليث، وعن مالك، والشافعيّ، المنع، وبه قال الأوزاعيّ. ٣ - (ومنها): جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل، قال البخاري في "صحيحه": قال علي بن عبد اللَّه -يعني ابن المديني-: سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ قال: إنما أردتّ أن النبيّ ﷺ كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث؟ قال: فقلت: إن سفيان بن عيينة كان يُسأل عن هذا، فلم تسمعه منه؟ قال: لا. انتهى. ولابن دقيق العيد في ذلك بحث، فإنه قال: من أراد أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم؛ لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصف معتبر، تقتضي المناسبةُ اعتبارَه، فلا بد منه. وقال النوويّ ﵀: وفيه جواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع المأمومين، ولكنه يكره ارتفاع الإمام على الماموم، وارتفاع المأموم على الإمام لغير حاجة، فإن كان لحاجة بأن أراد تعليمهم أفعال الصلاة لم يكره، بل يُسْتَحَبّ لهذا الحديث، وكذا إن أراد المأموم إعلام المأمومين بصلاة الإمام،

стр. 6694

واحتاج إلى الارتفاع. انتهى (١). ٤ - (ومنها): جواز العمل اليسير في الصلاة، فإن الخطوتين لا تبطل بهما الصلاة، ولكن الأولى تركه إلا لحاجة، فإن كان لحاجة فلا كراهة فيه، كما فعل النبيّ ﷺ ، وكذا الفعل الكثير كالخطوات وغيرها إذا تفرقت لا تبطل الصلاة؛ لأن النزول والصعود قد تكرر، وجملته كثيرة، ولكن أفراده المتفرّقة كلّ واحد منها قليلٌ. ٥ - (ومنها): جواز الصلاة على الخشب، وكَرِهَ ذلك الحسن، وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وأخرج أيضًا عن ابن مسعود، وابن عمر نحوه، وعن مسروق أنه كان يَحْمِل لَبِنةً ليسجد عليها إذا رَكِب السفينة، وعن ابن سيرين نحوه، قال الحافظ: والقول بالجواز هو المعتمد. ٦ - (ومنها): جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وأن ذلك لا يَقْدَح في صلاته، ولا يكون من باب التشريك في العبادة، بل هو كرفع الصوت بالتكبير؛ ليُسمعهم. ٧ - (ومنها): أن مَن فَعَلَ شيئًا يخالف العادة يُبَيِّن حكمته لأصحابه. ٨ - (ومنها): استحباب اتّخاذ المنبر لكل خطيب خليفةً كان، أو غيره؛ لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب، والسماع منه. وقال ابن بطال: إن كان الخطيب هو الخليفة، فسنته أن يخطب على المنبر، وإن كان غيره يُخَيَّر بين أن يقوم على المنبر، أو على الأرض. وتعقبه الزين ابن الْمُنَيِّر بان هذا خارج عن مقصود الترجمة (٢)، ولأنه إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء، فإن كان من الخلفاء الراشدين، فهو سنة متبعة، وإن كان من غيرهم، فهو بالبدعة أشبه منه بالسنة. قال الحافظ: ولعل هذا هو حكمة هذه الترجمة -يعني ترجمة البخاري بقوله: "باب الخطبة على المنبر"- أشار بها إلى أن هذا التفصيل غير مستحبّ، ولعل مراد من استحبّه أن الأصل أن لا يرتفع الإمام عن المأمومين، ولا يلزم

стр. 6695

من مشروعية ذلك للنبيّ ﷺ ، ئم لمن ولي الخلافة أن يُشْرَع لمن جاء بعدهم، وحجة الجمهور وجود الاشتراك في وعظ السامعين، وتعليمهم بعض أمور الدين. ٩ - (ومنها): استحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد، إما شكرًا، وإما تبركًا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر في "الفتح"، وفي هذا الاستنباط نظر لا يخفى؛ لأنه ﷺ بَيّن سبب صلاته على المنبر، وهو أن يتعلّم الناس صلاته، ولم يقل: إنه افتتح به للتبرّك، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): جواز نظر المأموم إلى إمامه في الصلاة؛ ليتعلم منه، وأن ذلك لا ينافي الخشوع. ١١ - (ومنها): أن فيه التصريح بأن منبره ﷺ كان ثلاث درجات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا قتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ (١) الْقُرَشِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حَلِيف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥. والباقون تقدّموا في السند الماضي. والإسناد أيضًا من الرباعيّات، كسابقه، ولاحقه، وهو (٧٣) من رباعيّات الكتاب.

стр. 6696

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [. . .] (. . .) - (قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَسَأَلُوهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ مِنْبَرُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَاقُوا الْحَدَيثَ نَحْوَ (١) حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ). قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان ينبغي أن أجعل لهذا السند رقمًا مستقلّا، إلا أني لَمّا رأيت المصنّف جمع بينهم بالتحويل، وجعل الضمير في قوله: "وساقوا الحديث" في الأخير راجعًا إليهم معًا جعلت لهما رقمًا واحدًا، فتنبّه. وقوله: "قال" من كلام الراوي عن المصنّف، وفاعله ضمير يعود إلى المصنف. ورجال الإسناد: أربعة أيضًا، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فأبو بكر تقدّم قبل باب، وزُهير قبل بابين، وابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى العدنيّ، وسفيان في الباب الماضي، والباقيان في هذا الباب. والسند أيضًا من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٧٤) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (وَسَاقُوا الْحَدِيثَ) قال النوويّ ﵀: قوله: "وساقوا الحديث نحو حديث ابن أبي حازم" هكذا هو في النسخ: "وساقوا" بضمير الجمع، وكان ينبغي أن يقول: وساقا؛ لأن المراد بيان رواية يعقوب بن عبد الرحمن، وسفيان بن عيينة، عن أبي حازم، فهما شريكا ابن أبي حازم في الرواية، عن أبي حازم، ولعله أتى بلفظ الجمع، ومراده الاثنان، وإطلاق الجمع على الاثنين جائز بلا شكّ، لكن هل هو حقيقة، أم مجاز؟ فيه خلاف مشهور، والأكثرون أنه مجاز.

стр. 6697

قال: ويَحْتَمِل أن مسلمًا أراد بقوله: "وساقوا" الرواةَ عن يعقوب، وعن سفيان، وهم كثيرون، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم نظير هذا البحث في الباب الماضي عند قوله بعد سوقه رواية سعيد المقبريّ: "بنحو حديثهم"، وهو يرجع إلى اثنين، وهما: عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وبكير بن الأشج، فتفطّن لدقائق الإسناد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ) وفي بعض النسخ: "بنحو حديث ابن أبي حازم". [تنبيه]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن هذه ساقها أبو داود في "سننه" بسند المصنّف ﵀، فقال: (١٠٨٠) حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد القاريّ القرشيّ، حدَّثني أبو حازم بن دينار، أن رجالًا أَتَوْا سهل بن سعد الساعديّ، وقد امْتَرَوا في المنبر مِمَّ عوده؟، فسألوه عن ذلك؟ فقال: واللَّه إني لأعرف مما هو؟ ولقد رأيته أوَّلَ يومٍ وُضِعَ، وأوّلَ يومٍ جلس عليه رسول اللَّه ﷺ ، أرسل رسول اللَّه ﷺ إلى فلانة، امرأة قد سماها سهل، أَنْ مُرِي غلامك النجّار، أن يَعْمَل لي أعوادًا أجلس عليهنّ، إذا كلمتُ الناس، فأمرته، فعملها من طَرْفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلته إلى النبيّ ﷺ ، فأَمَرَ بها، فَوُضِعَتْ ها هنا، فرأيت رسول اللَّه ﷺ صلى عليها، وكَبّر عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسَجَدَ في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "أيها الناس، إنما صنعت هذا؛ لتأتموا بي، ولتَعَلَّمُوا صلاتي". انتهى. وأما رواية سفيان بن عُيينة ﵀، فساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٧٠) فقال: (١٧٤٤) حدّثنا بشر بن موسى، قال: ثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو حازم، قال: سألوا سهل بن سعد من أيِّ شيء المنبر؟ قال: ما بقي في الناس أعلم مني، من أَثْل الغابة، عَمِله فلان، مولى فلانة، لرسول اللَّه ﷺ ، فقام عليه رسول اللَّه ﷺ حين عُمِلَ، ووُضِعَ، فاستقبل القبلة،

стр. 6698

وكَبّر، وقام الناس خلفه، فقرأ، وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع، فرجع القهقرى، فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى، حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١١) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الاخْتِصَارِ في الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٣] (٥٤٥) - (وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ جَمِيعًا، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ) هو: الحكم بن موسى بن أبي زُهير البغداديّ القَنْطَرىِّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤. [تنبيه]: "الْقَنْطَريّ" -بفتح القاف-: منسوب إلى مَحِلّة من مَحَالِّ بغداد، تُعْرَف بقنطرة الْبُرّ، ويُنْسَب إليها جماعات كثيرون، منهم الحكم بن موسى هذا، ولهم جماعات يقال فيهم الْقَنْطَريّ، يُنْسَبون إلى مَحِلّة من مَحَالّ نيسابور، تُعْرَف برأس القنطرة، وقد أوضح القسمين الحافظ أبو الفضل، محمد بن طاهر المقدسيّ، قاله النوويّ ﵀ (٢). ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) بن واضح الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عالمٌ جَوَادٌ مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) عن (٦٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.

стр. 6699

٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (أَبُو خَالِدٍ) الأحمر سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها عن بضع وسبعين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. ٥ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٦ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ القردوسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٧ - (مُحَمَّد) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القَدْر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابي الشهير ﵁، مات سنة (٥٩) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الاسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء بسبب اختلاف كيفيّة التحمّل، فكان أخذه عن الحكم بن موسى وحده، ولذا قال: "وحدّثني الحكم"، وكان أخذه عن أبي بكر مع جماعة، ولذا قال: "وحدثنا أبو بكر"، وأيضًا فالحكم روى عن ابن المبارك وحده، وأبو بكر روى عن أبي خالد، وأبي أسامة، فتنبّه لهذه الدقائق، وباللَّه تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني علق له البخاريّ، وأخرج له أبو داود في "مسند مالك"، ولم يُخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيّ، وهو الصحابيّ، ومروزيّ، وهو ابن المبارك، وبغداديّ، وهو الحكم، وبصريينِ، وهما: محمد، وهشام، وكوفيين، وهم الباقون.

стр. 6700

٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا) منصوب على الحال من "الرجل"، وهو اسم فاعل، من الاختصار، ووقع في بعض الرواية: "متخصِّرًا"، اسم فاعل من التَّخَصُّر، وهو وضع اليد على الخاصرة، فسّره بذلك الترمذيّ في "جامعه"، وأبو داود في "سننه"، وفسّره بذلك أيضًا محمد بن سيرين، رَوَى ذلك عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه". وكذلك فسّره هشام بن حسّان، رواه عنه البيهقي في "سننه"، قال: ورَوَى سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ معنى هذا التفسير. وحَكَى الخطابيّ وغيره قولًا آخر في تفسير الاختصار، فقال: وزعم بعضهم أن معنى الاختصار هو أن يُمسِك بيده مِخْصَرَة، أي عصًا يتوكأ عليها، قال ابن العربي: ومن قال: إنه الصلاة على المِخْصَرَة لا معنى له. وفيه قول ثالث، حكاه الهرويّ في "الغريبين"، وابن الأثير في "النهاية"، وهو أن يَخْتَصِر السورة، فيقرأ من آخرها آية، أو آيتين. وفيه قول رابع، حكاه الهرويّ، وهو أن يَحذِف من الصلاة، فلا يمدّ قيامها وركوعها وسجودها. قال العراقيّ ﵀: والقول الأول هو الصحيح الذي عليه المحققون، والأكثرون من أهل اللغة، والحديث، والفقه، هذا ما ذكره العلامة الشوكانيّ في شرح "منتقى الأخبار" (١). وذكر ابن منظور في "اللسان" نحو ما تقدم، أحببت إيراده، وإن كان فيه تكرار لما سبق، زيادةً في الإيضاح، قال ﵀:

стр. 6701

والاختصار، والتخاصر: أن يَضْرِب الرجل يده إلى خَصْرِهِ (١) في الصلاة، وروي عن النبيّ ﷺ أنه "نَهَى أن يصلي الرجل مُخْتصِرًا"، وقيل: "مُتَخَصِّرًا"، قيل: هو من الْمِخْصَرَة، وقيل: معناه أن يصلي الرجل، وهو واضح يده على خَصْرِهِ، وجاء في الحديث: "الاختصار في الصلاة راحة أهل النار" (٢)، أي أنه فعل اليهود في صلاتهم، وهم أهل النار، على أنه ليس لأهل النار الذين هم خالدون فيها راحة، هذا قول ابن الأثير. قال ابن منظور: ليس الراحة المنسوبة لأهل النار هي راحتهم في النار، وإنما هي راحتهم في صلاتهم في الدنيا، يعني أنه إذا وَضَعَ يده على خَصْرِهِ كأنه استراح بذلك، وسماهم أهل النار لمصيرهم إليها، لا لأن ذلك راحتهم في النار. وقال الأزهري في الحديث الأول: لا أدري أرُوي "مُخْتصِرًا"، أو "مُتَخَصرًا"؟ (٣)، ورواه ابن سيرين، عن أبي هريرة "مُخْتَصِرًا"، وكذا رواه أبو عبيد؛ قال: هو أن يصلي، وهو واضع يده على خَصْرِهِ، قال: ويروى في كراهيته حديث مرفوع، قال: ويروى فيه الكراهة عن عائشة، وأبي هريرة، وقال الأزهري: معناه أن ياخذ بيده عصًا يتكئ عليها. وفيه وجه آخر، وهو أن يقرأ آية من آخر السورة، أو آيتين، ولا يقرأ سورة بكمالها في فرضه، قال ابن الأثير: هكذا رواه ابن سيرين عن أبي هريرة. انتهى (٤). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الأول، وهو وضع اليد على الخاصرة، هو الراجح.

стр. 6702

قال النوويّ ﵀: الصحيح الذي عليه المحققون، والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين، وبه قال أصحابنا في كتب المذهب أن المختَصِر هو الذي يصلي، ويده على خاصرته. انتهى. قال الحافظ ﵀: ويؤيده ما رواه أبو داود، والنسائيّ من طريق سعيد بن زياد، عن زياد بن صُبَيح، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى، قال: هذا الصَّلْب في الصلاة، وكان رسول اللَّه ﷺ ينهى عنه. انتهى. وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب النهي في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. والحديث دليل على تحريم الاختصار في الصلاة، وبه يقول أهل الظاهر، وهو الظاهر؛ إذ لا صارف للنهي عنه، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ) هو ابن أبي شيبة شيخه الثاني (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) يعني أنه صرّح برفع الحديث، فإن رواية الحكم كانت صورتها صورة الموقوف، وإن كان لها حكم الرفع؛ لأن قول الصحابيّ: "نُهِيَ عن كذا" يعطى حكم الرفع، كما هو مذهب جمهور المحدثون، وإن خالف في ذلك بعضهم، قال الحافظ السيوطيّ في "ألفية الحديث": وَليُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنَّةِ" مِنْ صَحَابِي كَذَا "أُمِرْنَا" وَكَذَا "كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ" أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى ثَالِثُهَا إنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي وأخرج الحديث الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ٢٩٠) عن يزيد بن هارون عن هشام موقوفًا، بلفظ: "نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة". وزاد بعده: قال: قلنا لهشام: ما الاختصار؟ قال: يَضَع يده على خَصْره، وهو يصلي. قال يزيد: قلنا لهشام: ذكره عن النبيّ ﷺ ؟ قال برأسه: نعم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه.

стр. 6703

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ١٢٢٣] (٥٤٥)، و (البخاريّ) في "العمل في الصلاة" (١٢١٩ و ١٢٢٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٤٧)، و (الترمذيّ) فيها (٣٨٣)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (٨٩٠) وفي "الكبرى" (٩٦٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٥٠٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٧ - ٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٢ و ٢٩٠ و ٢٩٥ و ٣٣١ و ٣٩٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٤٣٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٠٨)، (وابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٨٥)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٢٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٤٦ و ١٥٤٧ و ١٥٤٨ و ١٥٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٨٧ و ٢٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٣٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): اختلف العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- في المعنى الذي نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة لأجله على أقوال: (الأول): أن اليهود تُكثر من فعله، فنُهِي عنه؛ كراهة للتشبه بهم، أخرجه البخاري في "صحيحه" في ذكر بني إسرائيل عن عائشة ﵂، زاد ابن أبي شيبة فيه: "في الصلاة"، وفي رواية: "لا تشبهوا باليهود". (الثاني): أنه تَشَبُّهٌ بإبليس، قال الترمذيّ في "جامعه": وُيرْوَى أن إبليس إذا مشى يمشي مختصرًا، ولأنه أهبط مُتَخَصِّرًا، أخرجه ابن أبي شيبة، عن حميد بن هلال موقوفًا، وروي عن ابن عباس ﵄، حكاه عنه ابن أبي شيبة. (الثالث): أنه راحة أهل النار، رَوَى ذلك ابن أبي شيبة عن مجاهد، قال: "وضع اليد على الْحِقْو استراحة أهل النار"، ورواه أيضًا عن عائشة ﵂، ورَوَى البيهقيّ عن أبي هريرة ﵁، أن النبيّ ﷺ قال: "الاختصار في الصلاة راحة أهل النار"، قال العراقي: وظاهر إسناده الصحة (١)، ورواه أيضًا الطبرانيّ.

стр. 6704

(الرابع): أنه فعل المختالين والمتكبرين، قاله المهلب بن أبي صفرة ﵀. (الخامس): أنه شَكْلٌ من أشكال أهل المصائب، يصفّون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المآتم، قاله الخطابيّ ﵀. (السادس): أنه صفة الراجز حين ينشد، رواه سعيد بن منصور من طريق قيس بن عباد بإسناد حسن. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أقرب الأقوال في ذلك هو الأول، فقد أخرجه البخاري في "صحيحه" عن عائشة ﵂، ولكن لا منافاة بين الجميع، كما قاله الحافظ ﵀، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): حديث الباب يدل على تحريم الاختصار في الصلاة، وإليه ذهب أهل الظاهرية، قال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀: ومن تعمّد في الصلاة وضع يده على خاصرته بطلت صلاته. انتهى. قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: وممن كَرِهَ الاختصار في الصلاة: ابن عباس، وعائشة أم المؤمنين، ومجاهد، وأبو مِجْلَز، والنخعيّ، ومالك، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كون النهي للتحريم كما قال أهل الظاهر

стр. 6705

هو الظاهر؛ لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم الذي هو معناه الحقيقي، كما هو مذهب الجمهور أن الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ما لم يصرفه صارفٌ، وقد صَرّح بهذا العلامة الشوكانيّ ﵀، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابُ النَّهْي عَنْ مَسِّ الْحَصَى، وَتَسْوِيَةِ التُّرَابِ فِي الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٤] (٥٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَيْقِيبٍ، قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي الْحَصَى، قَالَ: "إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٣ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ) هو: هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، ورُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. ٦ - (مُعَيْقِيب) -بقاف، وآخره موحّدة، مصغّرًا- ابن أبي فاطمة الدَّوْسيّ، حَلِيف بني عبد شمس، أسلم قَديمًا بمكة، وهاجر الهجرتين، وشهد

стр. 6706

بدرًا، وكان على خاتم النبيّ ﷺ ، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه إياس بن الحارث بن معيقيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. قال ابن عبد البرّ: كان قد نزل به داء الجذام، فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، وتُوُفّي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة عليّ سنة أربعين. أخرج له الستّة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرات. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن أبي سلمة. ٤ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا هذا الحديث، وله حديث آخر عن أبي داود والنسائيّ، من رواية إياس بن الحارث بن المعيقيب، عن جدّه معيقيب، أنه قال: "كان خاتم النبيّ ﷺ حَدِيدًا مَلْويًّا، عليه فضةٌ. . . " الحديث. ٦ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستة من يسمّى معيقيب غير هذا الصحابيّ ﵁، وذكر ابن التين أنه ليس في الصحابة ﵃ أحدٌ أجذم غيره، قاله في "العمدة" (١)، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَيْقِيبٍ) ﵁ وفي رواية شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة الآتية:

стр. 6707

"قال: حدّثني معيقيبٌ"، وفي رواية الترمذيّ من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى: حدّثني أبو سلمة"، فوقع التصريح بالتحديث من كلّ من يحيى، وأبي سلمة (قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي الْحَصَى) أي يقصد بقوله: "ذَكَر المسح" أي مسح الحصى في المسجد، والعناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن من هو؟، وفي رواية يحيى بن سعيد التالية: "أنهم سألوا النبيّ ﷺ عن المسح في الصلاة"، وفي رواية شيبان: "أن رسول اللَّه ﷺ قال في الرجل يُسوّي التراب حيث يسجد" (قَالَ) ﷺ ("إِنْ) بكسر الهمزة شرطيّة (كُنْتَ لَا بُدَّ) "لا" نافيةٌ للجنس، و"بُدّ" بضمّ الباء، وتشديد الدال اسمها في محلّ نصب مبنيّ على الفتح؛ لتركّبه معها تركيب خمسة عشر. قال في "اللسان": "ولا بُدّ منه": أي لا مَحالةَ، وليس لهذا الأمر بُدّ، أي لا مَحالةَ، و"البُدّ": الفراق، تقول: لا بدّ اليوم من قضاء حاجتي، أي لا فِراق منه. انتهى (١). والجملة معترضة بين "كان" وخبرها. (فَاعِلًا) أي مسوّيًا للتراب، ولفظ الفعل أعمّ الأفعال، ولهذا جاء لفظ ﴿فَاعِلُونَ﴾ في موضع مؤدّون، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ٤] (فَوَاحِدَةً") الفاء رابطة لجواب الشرط، و"واحدةً" منصوب على إضمار ناصب، تقديره: فامسح واحدة، ويجوز أن تكون منصوبة على أنها صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إن كنت فاعلًا فافعل فَعْلَةً واحدةً، يعني مرّةً واحدة، وكذا هو في رواية الترمذيّ: "إن كنت فاعلًا فمرّةً واحدةً"، ويجوز رفعها على الابتداء، وخبرها محذوف، أي ففَعلةٌ واحدة تكفي، ويجوز أن تكون خبرًا لمحذوف، أي المشروع فَعْلةٌ واحدة، أفاده في "العمدة" (٢). وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "إن كنت لا بُدّ فاعلًا فواحدةً": معناه: لا تفعل، وإن فعلتَ فافعل واحدةً لا تزد، قال: واتَّفق العلماء على كراهة المسح؛ لأنه ينافي التواضع، ولأنه يَشْغَل المصلي، قال القاضي: وكره السلف

стр. 6708

مسح الجبهة في الصلاة، وقبل الانصراف، يعني من المسجد مما يتعلق بها من تراب ونحوه. انتهى (١). وأخرج الإمام أحمد، من حديث حذيفة ﵁ قال: سألت النبيّ ﷺ عن كل شيء، حتى عن مسح الحصى، فقال: "واحدةً، أو دَعْ"، وأخرج أصحاب "السنن" من حديث أبي ذرّ ﵁ مرفوعًا: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى". وأخرج أحمد بسند ضعيف عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: سألت النبيّ ﷺ عن مسح الحصى؟ فقال: "واحدةً، ولئن تُمْسِكْ عنها خير لك من مائة بدنة كلها سُودُ الْحَدَقَة" (٢). وقوله: "إذا قام" المراد به الدخول في الصلاة؛ ليوافق حديث الباب، فلا يكون منهيًّا عن المسح قبل الدخوك فيها، بل الأولى أن يَفْعَل ذلك حتى لا يَشتغل باله، وهو في الصلاة به، قاله في "الفتح" (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معيقيب ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ١٢٢٤ و ١٢٢٥ و ١٢٢٦] (٥٤٦)، و (البخاري) في "كتاب العمل في الصلاة" (١٢٠٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٤٦)، و (الترمذيّ) فيها (٣٨٠)، و (ابن ماجه) فيها (١٠٢٦)، و (النسائيّ) في "السهو" (١١٩٢) و"الكبرى" (١١١٥)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١١٨٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٢٦ و ٥/ ٤٢٥)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢١٨ و ١٣٩٤)، و (أبو عوانة) في

стр. 6709

"مسنده" (١٨٩٤ و ١٨٩٥ و ١٨٩٦ و ١٨٩٧ و ١٨٩٨)، و (أبو نعيم) في (١٢٠٠ و ١٢٠١ و ١٢٠٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٩٥ و ٨٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٧٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٦٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم مسح الحصى في الصلاة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فرخصّت فيه طائفة. وممن رَخَّص في ذلك: أبو ذرّ، وأبو هريرة، وحذيفة، وكان ابن مسعود، وابن عمر يفعلانه في الصلاة، وبه قال من التابعين إبراهيم النخعيّ، وأبو صالح. وحَكَى الخطابيّ في "المعالم" كراهته عن كثير من العلماء. وممن كرهه من الصحابة: عمر بن الخطاب، وجابر، ومن التابعين الحسن البصريّ وجمهور العلماء بعدهم. وحَكَى النوويّ في "شرحه" اتفاق العلماء على كراهته؛ لأنه ينافي التواضع، ولأنه يشغل المصلي. وتُعُقّب في حكايته الاتفاق؛ فإن مالكًا لم ير به بأسًا، وكان يفعله في الصلاة، ولعلّه لم يبلغه الخبر. وفي "التلويح": رُوي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع سجودهم مرةً واحدةً، وكَرِهوا ما زاد عليها. وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرة الواحدة، وقال ابن حزم: فرض عليه أن لا يمسح الحصى، وما يسجد عليه إلا مرةً واحدةً، وتركها أفضل، لكن يسوي موضع سجوده قبل دخوله في الصلاة. وأخرجه الترمذيّ عن أبي ذرّ ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه"، ورواه أيضًا بقية الأربعة، وقال الترمذيّ: حديث أبي ذرّ حديث حسن، وتعليل النهي عن مسح الحصى بكون الرحمة تواجهه يدلّ على أن النهي حكمته أن لا يشتغل خاطره

стр. 6710

بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه، وفي معنى مسح الحصى مسح الجبهة من التراب والطين والحصى في الصلاة. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن أبي الدرداء ﵁ قال: "ما أحب أن لي حمر النعم، وأني مسحت مكان جبيني من الحصى، إلا أن يغلبني، فأمسح مسحةً"، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ المتفق عليه "أن النبيّ ﷺ انصرف عن الصلاة، وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين". قال القاضي عياض: وكَرِه السلف مسح الجبهة في الصلاة، وقبل الانصراف يعني من المسجد، مما يتعلق بها من تراب ونحوه. وحَكَى ابنُ عبد البرّ عن سعيد بن جبير، والشعبيّ، والحسن البصريّ أنهم كانوا يَكرَهون أن يمسح الرجل جبهته قبل أن ينصرف، ويقولون: هو من الجفاء، وقال ابن مسعود ﵁: "أربع من الجفاء: أن تصلي إلى غير سترة، أو تمسح جبهتك قبل أن تنصرف، أو تبول قائمًا، أو تسمع المنادي ثم لا تجيبه"، ذكر هذا كلّه في "العمدة" (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح عدم مسح الحصى في الصلاة، إلا أن يضطرّ إلى ذلك، فيمسح مرّة واحدة، كما نصّ عليه النبيّ ﷺ حيث قال: "إن كنت لا بدّ فاعلًا، فواحدة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَيْقِيبٍ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَسْحِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "وَاحِدَةً") رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.

стр. 6711

٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الثبت الناقد [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. والباقون تقدّموا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ، وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥. ٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) الْهُجَميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد هشام الماضي، وهو: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب. وقوله: (وَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ) فاعل "قال" ضمير خالد بن الحارث. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث هذه لم أجد من ساقها تامّة، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [. . .] (. . .) - (ح) (وَحَدَّثَنَاه، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: "إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢١.

стр. 6712

٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (فِي الرَّجُلِ) أي في حكم الرجل، وذكر الرجل للغالب، وإلا فالحكم جار في النساء أيضًا. وقوله: (يُسَوِّي التُّرَابَ) أي يُعدّله. (حَيْثُ يَسْجُدُ) أي في مكان السجود، وهل يتناول العضو الساجد؟، لا يبعد ذلك، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَنَهْي الْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٧] (٥٤٧) - (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الأصبحيّ، رأس المتثبّتين، وكبير المتقنين، الإمام المشهور [٧] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.

стр. 6713

٣ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب العدوي، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٧٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان نيسابوريًّا إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد على الإطلاق كما نُقل عن الإمام البخاريّ ﵀، قال يحيى بن بُكير لأبي زرعة الرازيّ: ليس ذا زَعْزَعَة عن زَوْبَعة (١)، وإنما ترفع السترة، فتنظر إلى النبيّ ﷺ وأصحابه: مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ (٢)، وإذا زيد قبله أحمد، عن الشافعيّ، سُمّي سلسلة الذهب، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله: فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ … وَزِيدَ مَا لِلشَّفِعِي فَأَحْمَدِهْ ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا) بضمّ الموحّدة، وبالصاد المهملة: لغة في الْبُزاق -بالزاي- يقال: بَصَقَ يَبْصُقُ

стр. 6714

بَصْقًا، من باب نصر، قال في "القاموس": الْبُصَاق كغُرَاب، والْبُسَاقُ، والْبُزَاق: ماء الْفَمِ إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريقٌ. انتهى. (فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ) متعلّق بـ "رأى"، وفي الرواية التالية: "رأى نُخامة في قبلة المسجد"، وفي رواية البخاريّ: "في جدار المسجد" (فَحَكَّهُ) أي قَشَرَهُ، يقال: حَكَكت الشيءَ حكًّا، من باب قتل: قَشَرْتُهُ. قاله في "المصباح". ولم يُبَيِّن في هذه الرواية بأي شيء حَكَّه، وسيأتي في حديث أبي سعيد ﵁ الآتي "أن رسول اللَّه ﷺ رأى نخامة في المسجد فحكها بحصاة"، وفي حديث أنس ﵁ عند البخاري "أن رسول اللَّه ﷺ رأى نخامة في المسجد فحكه بيده"، وفي حديث جابر ﵁ عند أبي داود "أن رسول اللَّه ﷺ رأى نخامة في المسجد فحكها بعُرْجُون". فالظاهر حمل المطلق هنا على المقيد في هذه الروايات، وأما اختلافها في كون الحكّ باليد، أو الحصى، أو العُرْجون، فيحمل على تعدد الواقعة، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ) بكسر القاف، وفتح الباء: أي جهة قُدّامه. وفيه تعظيم المساجد عن أثْفَال البدن، وعن القاذورات بالطريق الأولى، وفيه احترام جهة القبلة، وقد بيّن علة النهي بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ) هذا وأمثاله من أحاديث الصفات مما يجب الإيمان به، وإثباته كما صح عن رسول اللَّه ﷺ ، بلا تأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جملة كلامه في آيات الصفات وأحاديثها ما نصه: وكذلك قوله ﷺ : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن اللَّه قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه. . . " الحديث حقّ على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قِبَل وجه المصلي. بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو

стр. 6715

يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء، والشمس، والقمر فوقه، وكان أيضًا قبل وجهه. وقد ضرب النبيّ ﷺ المثل بذلك -وللَّه المثل الأعلى- ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه؛ لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبيّ ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًا به. . . "، فقال له أبو رَزِين الْعُقَيليّ ﵁: كيف يا رسول اللَّه، وهو واحد ونحن جميع؟، فقال النبيّ ﷺ : "سأنبيك بمثل ذلك في آلاء اللَّه، هذا القمر كلُّكم يراه مُخليًا به، وهو آية من آيات اللَّه، فاللَّه أكبر". انتهى كلامه باختصار، فإن أردت تمام كلامه فارجع إلى "مجموع الفتاوى"، فقد حقق هذا الموضوع فيه تحقيقًا بالغًا لا تجده عند غيره ممن تكلم فيه (١). وقال في "الفتح": قال الخطابي: معناه أنَّ توجهه إلى القبلة مُفْضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: فإن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف، أي عظمة اللَّه، أو ثواب اللَّه. وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وقد نَزَعَ به بعض المعتزلة القائلين بأن اللَّه في كل مكان، وهو جهل واضح؛ لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصّلُوه، وفيه الردّ على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تُؤُوّل به هذا جاز أن يتأول به ذاك، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقد رد على ما ذكره صاحب "الفتح" هنا العلّامة المحقّق عبد العزيز بن باز ﵀، فقال: ليس في الحديث المذكور ردّ على من أثبت استواء الرب سبحانه على العرش بذاته؛ لأن النصوص من الآيات، والأحاديث في إثبات استواء الرب على العرش بذاته محكمة قطعية واضحة لا تحتمل أدنى تأويل. وقد أجمع أهل السنة على الأخذ بها، والإيمان بما دلّت عليه على الوجه الذي يليق باللَّه سبحانه من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته. وأما قوله في هذا الحديث: "فإن اللَّه قبل وجهه إذا صلى"، وفي لفظ:

стр. 6716

"فإن ربه بينه وبين القبلة" فهذا لفظ مُحْتَمِلٌ أن يفسر بما يوافق النصوص المحكمة، كما أشار الإمام ابن عبد البر إلى ذلك، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء الذي أثبتته النصوص القطعية المحكمة الصريحة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلامه ﵀. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الردّ حسنٌ جدًّا، إلا قوله: "بذاته" فإنها وإن وُجِدت في عبارة بعض العلماء لإيضاح المعنى، فلا ينبغي ذكرها؛ لئلا يكون زيادة على النصّ، وقد أنكر الحافظ الذهبيّ ﵀ في كتابه "العلو للعلي الغفار" على من قال: "هو تعالى فوق عرشه بذاته"؛ لعدم ورودها عن السلف، واعتبرها من فضول الكلام (١). وأما ما نقله في "الفتح" عن الخطابيّ، وكذا قول السنديّ: إنه يناجيه، ويقبل عليه تعالى في تلك الجهة، وهو تعالى من هذه الحيثية كأنه في تلك الجهة، فلا يليق إلقاء البصاق فيها. انتهى، ففيه نظر لا يخفى. والحاصل أن الصواب في هذا الباب إثبات النصوص كما وردت على ظاهر معناها على الوجه الذي أراده اللَّه تعالى مع اعتقاد تنزيه اللَّه تعالى عن مشابهة الخلق، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، واللَّه تعالى أعلم. (إِذَا صَلَّى) أي دخل في الصلاة، ونصّ في الحديث على النهي عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة، لفضيلة تلك الحال على سائر الأحوال، وإلا فالبصاق إلى جهة القبلة ممنوع مطلقًا، في الصلاة وغيرها، وفي المسجد وغيره، كما يأتي قريبًا، خلافًا لمن خَصّه بقبلة المسجد، أو حال الصلاة. وقال الباجيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون خَصّ بذلك حال الصلاة؛ لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة، وفي سائر الأحوال قد تكون عن يساره، وهي الجهة التي أمر بالبصاق إليها. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 6717

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٢٧ و ١٢٢٨] (٥٤٧)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٠٦ و ٧٥٣ و ١٢١٣ و ٦١١١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٧٩)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٧٢٤)، و"الكبرى" (٨٠٣)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥٣٣٤)، (وأبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٠٣ و ١٢٠٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٠٠ و ١٢٠١ و ١٢٠٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٢٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن البصاق في الصلاة؛ لمنافاته التعظيم للَّه ؛ إذ المصلي يناجي ربّه . ٢ - (ومنها): مشروعية إنكار المنكر لمن راَه، وإزالته باليد، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". أخرجه مسلم وأصحاب السنن. ٣ - (ومنها): غضب الإمام على رعيته وزجرهم إذا رأى منهم إخلالًا بأمر من أمور الشرع، فعند أبي داود: "فتغيّظ على الناس"، وفي حديث أنس ﵁ في الصحيح: "فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه". ٤ - (ومنها): وجوب احترام القبلة وتعظيمها، وقد عَلَّل ذلك بقوله: "فإن اللَّه قِبل وجهه". قال في "الفتح": وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أو لا، ولا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم؟. وفي "صحيح ابن خزيمة"، و"ابن حبان" من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "من تَفَلَ تُجَاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُهُ بين عينيه"، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يبعث صاحب النخامة في القبلة

стр. 6718

يوم القيامة، وهي في وجهه"، ولأبي داود، وابن حبان، واللفظ لأبي داود من حديث السائب بن خلاد ﵁: "أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، ورسول اللَّه ﷺ ينظر، فقال رسول اللَّه ﷺ حين فرغ: "لا يصلي لكم" فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول اللَّه ﷺ فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "نعم"، وحسبت أنه قال: "إنك آذيت اللَّه ورسوله ﷺ " (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ذكر ابن عبد البرّ ﵁ في "التمهيد" عند هذا الحديث إجماع العلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها. قال العراقيّ ﵀: فما أدري هل أراد بالعمل القليل نفس البصاق، أو أراد ما ورد في حديث آخر من كونه يبصق في ثوبه، أو أراد أن النبيّ ﷺ حكّه من القبلة، وهو في الصلاة؟ وهو الظاهر، فقد روى البخاريّ من رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: "رأى رسول اللَّه ﷺ نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي، فحتها، ثم قال حين انصرف. . . " الحديث. وفي بعض طرقه أنه كان لِخطب، كما رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "بينما رسول اللَّه ﷺ يخطب يومًا إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيّظ على الناس، ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران، فلطخه به". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ العراقيّ ﵀: اختَلَفت الأحاديث في البصاق الذي وجده النبيّ ﷺ في القبلة، هل كان ذلك في مسجده ﷺ ، أو في مسجدآخر؟. فقيل: إنه كان في مسجد الأنصار، بدليل ما رواه مسلم، وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد، قال: أتينا جابرًا، وهو في مسجده، فقال: أتانا رسول اللَّه ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده عُرجون ابن طاب، فنظر، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتها بالعرجون. . . " الحديث. لفظ أبي داود.

стр. 6719

وظاهر ما تقدم من كونه كان في الخطبة أنه كان في مسجد المدينة، والظاهر أنهما واقعتان، أو وقائع، ففي قصة مسجد الأنصار أنه حتّها بالعرجون، وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: رأى رسول اللَّه ﷺ نخامة في المسجد فحكها بحصاة، وفي قصة مسجد الأنصار: "أروني عبيرًا"، فقام فتى من الحيّ يشتد إلى أهله، فجاء بخَلُوق في راحته، فأخذه رسول اللَّه ﷺ ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة. وعند النسائيّ من حديث أنس ﵁ أنه رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خَلُوقًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما أحسن هذا". وفي بعضها أنه كان في الصلاة، وفي بعضها أنه كان يخطب، كما تقدم، فهذا يدلّ على اختلاف واقعتين، أو وقائع من غير تعارض. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (٢)، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا (٣) ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ -يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ- (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، إِلَّا الضَّحَّاكَ، فَإِن فِي حَدِيثِهِ نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ).

стр. 6720

رجال هذا الإسناد: عشرون: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قريبًا. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور قبل بابين. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر المذكور قريبًا. ٨ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المشهور المذكور قريبًا أيضًا. ٩ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر قبل بابين. ١٠ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) تقدّم قريبًا. ١١ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ١٢ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع، تقدّم قريبًا أيضًا. ١٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥. ١٤ - (الضَّحَّاكُ بْنَ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤. ١٥ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ١٦ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثقةٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤. ١٧ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ

стр. 6721

مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، لكنه يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ١٨ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (جَمِيعًا) يعني أن عبد اللَّه بن نمير، وأبا أسامة معًا رويا عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) أي كلّ هؤلاء الخمسة: عُبيد اللَّه، والليث بن سعد، وأيوب، والضحّاك بن عثمان، وموسى بن عقبة رووا عن نافع، عن ابن عمر ﵄. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ) يعني أن حديث هؤلاء الخمسة عن نافع يوافق معنى حديث مالك عنه. [تنبيه]: رواية عبيد اللَّه بن عمر هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: (٥١٣٠) حدّثنا يحيى، عن عبيد اللَّه، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ رأى نُخامة في قبلة المسجد فحَتّها، ثم قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يتنخم، فإن اللَّه تعالى قِبَل وجه أحدكم في الصلاة". انتهى. وأما رواية الليث بن سعد، فساقها أيضًا الإمام أحمد ﵀، فقال: (٥٣٨٥) حدثنا أبو سلمة (١)، أخبرنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي بين يدي الناس، فحتّها، ثم قال حين انصرف من الصلاة: "إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن اللَّه قِبَل وجهه، فلا يَتَنَخّمنّ أحد قِبَل وجهه في الصلاة". انتهى. وأما رواية أيوب، فقد ساقها الإمام البخاريّ ﵀، فقال: (١٢١٣) حدّثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيّظ على أهل المسجد، وقال: إن اللَّه قِبَل أحدكم، فإذا كان في صلاته، فلا يبزقنّ، أو قال:

стр. 6722

لا يتنخمنّ، ثم نزل، فحتّها بيده، وقال ابن عمر ﵄: إذا بزق أحدكم فليبزق على يساره. انتهى. وأما رواية الضحّاك بن عثمان، وموسى بن عقبة، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٩] (٥٤٨) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (٢) رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ أَمَامَهُ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ (٣) عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم أول الباب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي ٣ - (عَمْرو الناقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (تخ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا. ٦ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣ (٤)] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن

стр. 6723

الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل، فقال: قال يحيى: "أخبرنا سفيان بن عيينة" إيضاحًا بأنه صرّح بالإخبار، ونسب شيخه إلى أبيه، بخلاف الآخرين. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وابن عيينة مكيّ، ويحيى نيسابوريّ، وأبو بكر كوفيّ، وعمرو بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن حميد. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ) وفي نسخة: "أن رسول اللَّه ﷺ " (رَأَى نُخَامَةً) بضم النون، وتخفيف الخاء المعجمة كالنُّخَاعة وزنًا ومعنى، يقال: تنخّم الرجل: إذا تنخع، وفي "المطالع": النُّخَامة: ما يخرج من الصدر، وهو البلغم اللَّزِج، وفي "النهاية": النخامة: البَزْقَة التي تخرج من الرأس، ويقال: النخامة: ما يخرج من الصدر، والبصاقُ: ما يخرج من الفم، والمخاط: ما يسيل من الأنف. قاله في "العمدة" (١). (فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) متعلق بـ "رأى"، أو بمحذوفٍ صفةٍ لـ "نخامة"، أي نخامةً كائنةً في حائط قبلة المسجد النبويّ.

стр. 6724

(فَحَكَّهَا) أي قَشَرَ تلك النخامة (بِحَصَاةٍ) هي واحدة الحصى، وهي صغار الحجارة. [فإن قيل]: ظاهر هذا الحديث كحديث ابن عمر ﵄ الماضي يدلّ على أن الذي تولى إزالتها هو النبيّ ﷺ بنفسه، ورواية أنس عند النسائيّ بلفظ: "فقامت امرأة من الأنصار، فحكّتها، وجعلت مكانها خَلُوقًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما أحسن هذا! " يدلّ على أن الذي باشر ذلك امرأة من الأنصار، فكيف التوفيق بينهما؟. [أجيب]: بحمل الاختلاف على تعدد الواقعة، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ نَهَى) بالبناء للفاعل، أي منع النبيّ ﷺ (أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) وعلة النهي عنه كونه محل ملَك، فعند أبي داود من طريق ابن عجلان، وصححه الحاكم على شرط مسلم: أن النبيّ ﷺ كان يُحِبّ العَرَاجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد، فرأى نُخامة في قبلة المسجد، فحَكّها، ثم أقبل على الناس مُغْضَبًا، فقال: "أَيَسُرُّ أحدكم أن يُبصَقَ في وجهه؟، إن أحدكم إذا استقبل القبلة، فإنما يستقبل ربه ، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه، ولا في قبلته، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليقل هكذا"، ووصف لنا ابن عجلان ذلك أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض. (أَوْ أَمَامَهُ) وعلة النهي هو قوله في حديث أبى داود المذكور: "فإنما يستقبل ربّه "، وفي حديث ابن عمر ﵄ الماضي: "فإن اللَّه قبل وجهه" (وَلَكِنْ يَبْزُقُ) وفي نسخة: "لِيَبْزُق"، وهو بضمّ الزاي، يقال: بزق يَبْزُق من باب نصر بُزَاقًا: بَصَقَ، وهو إبدال منه (عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) ووقع عند البخاريّ في رواية أبي الوقت: "وتحت قدمه"، بالواو، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي للمصنّف من طريق أبي رافع، عنه: "ولكن عن يساره تحت قدمه" بحذف "أو"، وفي حديث أنس ﵁: "ولكن عن شماله تحت قدمه". قال في "الفتح": والروايات التي فيها "أو" أعم؛ لكونها تَشْمَل ما تحت القدم، وغير ذلك. انتهى. وقال صاحب "المفهم": وظاهر "أو" الإباحة، أو التخيير ففي أيهما بصق

стр. 6725

لم يكن به بأس، قال: وإليه يرجع معنى قوله: "عن شماله تحت قدمه"، فقد سمعنا من بعض مشايخنا أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب، أو الرمل، كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إن كان في المسجد بُسُط، وما له بالٌ من الْحُصُر مما يُفسده البصاق، ويقذّره، فلا يجوز؛ احترامًا للماليّة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٢٩ و ١٢٣٠] (٥٤٨)، و (البخاريّ) (٤٠٨ و ٤٠٩ و ٤١٠ و ٤١١ و ٤١٤)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٧٢٥)، و"السنن الكبرى" (٨٠٤)، (وابن ماجه) في "الصلاة" (٧٦١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٨١)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٢٢٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٦ و ٥٨ و ٨٨ و ٩٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٢٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩٧٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٧٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٦٨ و ٢٢٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٩٥ و ١١٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٠٥ و ١٢٠٦ و ١٢٠٧)، و (البيهقيّ) (٢/ ٢٩٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٩٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن البزاق في المسجد في الصلاة أو غيرها. ٢ - (ومنها): بيان النهي عن البزاق بين المصلّي وقبلته؛ لأنه يناجي ربّه. ٣ - (ومنها): النهي عن البزاق عن يمين المصلّي؛ لأنه مكان الملك. ٤ - (ومنها): بيان طهارة البصاق والنخامة؛ إذ لو لم يكن طاهرًا لما أمر
следующие страницы →