وقال الشافعي؛ لا يُطَهِّر النجاسات إلَّا الماء في الخفّ والنعل وغيرهما.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح هو المذهب الأول؛ لما أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذي، فإن التراب له طهور"، وفي لفظ: "إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب"، وهو حديث صحيح. ولم يُفَرِّق بين الرطب واليابس، فدلّ على أن النعل تطهر بالتراب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ١٢٤٠ و ١٢٤١] (٥٥٥)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٨٦ و ٥٨٥٠)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٠٠)، و (النسائيّ) في "القبلة" (٧٧٥)، وفي "الكبرى" (٨٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٠ و ١٨٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٣٨٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠١٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٦٧ و ١٤٦٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٢١٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): دلّ حديث الباب على مشروعية الصلاة في النعال:
قال العلامة الشوكانيّ ﵀: وقد اختَلَف نظر الصحابة والتابعين في ذلك، هل هو مستحب، أو مباح، أو مكروه؟.
فرُوِي عن عمر ﵁ بإسناد ضعيف أنه كان يَكْرَه خلع النعال، ويشتدّ على الناس في ذلك، وكذا عن ابن مسعود، وكان أبو عمرو الشيبانيّ يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم، وروي عن إبراهيم أنه كان يكره خلع النعال، وهذا يشعر بأنه مستحب عند هؤلاء.
قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": وممن كان يفعل ذلك -يعني لبس النعل في الصلاة- عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد اللَّه بن مسعود، وعويمر بن ساعدة، وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع، وأوس الثقفيّ ﵃.
стр. 6757
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد اللَّه، وعطاء بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وطاوس، وشريح القاضي، وأبو مِجْلَز، وأبو عمرو الشيباني، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، وإبراهيم التيمي، وعلي بن الحسين، وابنه أبو جعفر.
وممن كان لا يصلي فيهما: عبد اللَّه بن عمر، وأبو موسى الأشعريّ.
وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: الحديث دليل على جواز الصلاة في النعال، ولا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة. ثم أطال البحث في ذلك.
قال الشوكانيّ ﵀: إلا أن حديث: "خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا في خفافهم" أقلُّ أحواله الدلالة على الاستحباب، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر؛ فإن رأى في نعليه قذرًا، أو أذًى فليمسحه، وليصل فيهما".
ويمكن الاستدلال لعدم الاستحباب بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إذا صلى أحدكم، فخَلَع نعليه فلا يؤذ بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلِّ فيهما"، وهو كما قال العراقيّ صحيح الإسناد.
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلًا"، أخرجة أبو داود، وابن ماجه.
وروى ابن أبي شيبة باسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: صلى رسول اللَّه ﷺ في نعليه، فصلى الناس في نعالهم، فخلع نعليه، فخلعوا، فلما صلى قال: "من شاء أن يصلي في نعليه فليصلِّ، ومن شاء أن يخلع فليخلع"، قال العراقيّ ﵀: وهذا مرسل صحيح الإسناد.
قال الشوكانيّ ﵀: ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة ﵁ وما بعده صارفًا للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب؛ لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر
стр. 6758
لا ينافي الاستحباب، كما في حديث: "بين كلّ أذانين صلاة لمن شاء"، وهذا أعدل المذاهب، وأقواها عندي.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا التحقيق الذي قرره الشوكانيّ ﵀، واختاره هو المختار عندي؛ لظهور حجته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا (١)، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عُمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٣٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عبّاد بن العوّام هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٥) - (بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٢] (٥٥٦) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: (ح) وحَدَّثَني (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
стр. 6759
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّي فِي خَمِيصَةٍ، لَهَا أَعْلَامٌ، وَقَالَ (١): "شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، فَاذْهَبُوا بِهَا، إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ (٢) ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قبل باب، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ) -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، بعدها صاد مهملة-: كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين، ويكون من خَزّ، أو صوف، فإن لَمْ يكن معلمًا فليس بخميصة، قاله الفيوميّ ﵀.
وقال العينيّ ﵀: كساءٌ أسود مُرَبَّعٌ، له علمان، أو أعلام، ويكون من خزّ، أو صوف، ولا تسمى خَمِيصة إلَّا أن تكون سوداء مُعْلَمَة، سميت بذلك للينها ورقّتها وصِغَر حجمها إذا طُوِيت، ومأخوذ من الخَمَص، وهو ضمور البطن.
وقال ابن حبيب في "شرح الموطأ": الخميصة كساء صوف، أو مِرْعِزَّى معلم الصنعة.
و"الأعلام" -بالفتح-: جمع عَلَم -بفتحتين- مثل سبب وأسباب، يقال: أعلمت الثوب: جعلتُ له علَمًا من طِراز وغيره (لَهَا أَعْلَامٌ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "خَمِيصة"، وهي صفة مؤكّدة؛ لأن الخميصة كما سبق لا تسمّى بها إلَّا إذا كان لها أعلام (وَقَالَ) وفي نسخة: "ثمّ قال" ("شَغَلَتْنِي) يقال: شغله الأمر شَغْلًا، من باب نَفَعَ، فالأمر شاغلٌ، وهو مشغولٌ، والاسم الشُّغْل بضمّ الشين، وتُضمّ الغين، وتسكن للتخفيف، وقد سبق أنه لا يقال: أشغله بالألف، فإنه من لحن العوامّ، وإن ذكر صاحب "القاموس" أنَّها لغة، فقد ردّ عليه الشارح، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(أَعْلَامُ هَذِهِ) أي كادت تَشْغَلني، وتُلْهِيني عن كمال الحضور في الصلاة،
стр. 6760
وليس المراد أنَّها شَغَلته بالفعل؛ ففي رواية البخاري: "كنت انظر إلى عَلَمِها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني"، وفي رواية مالك في "الموطأ": "فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني".
فإطلاق رواية الباب للمبالغة في القرب، لا لتحقق وقوع الشَّغْل، وعلى تقدير وقوعه له ﷺ ، فليس فيه نقص في حقّه؛ لأنه بشر يؤثِّر فيه ما يؤثِّر في البشر من الأمور التي لا تُؤَدِّي إلى نقص في مرتبته الشريفة ﷺ ، أفاده في "المنهل".
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: أثبت في هذه الرواية -يعني رواية الشيخين- إِلْهَاءَ الخميصة له بقوله: "فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي"، وقال في رواية مالك: "نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني"، قال ابن عبد البرّ ﵀: فيه دليل على أن الفتنة لَمْ تقع، قال: والفتنة هنا الشُّغْل عن خشوع الصلاة. انتهى.
فيَحْتَمِل أن يقال: الفتنة فوق الإلهاء، فلهذا أثبته، ولم يُثْبِت الفتنة، ويَحْتَمِل أن يقال: هما واحد، ويكون قوله: "ألهتني" أي كادت، وقاربت، كما يقول المؤذن في الإقامة: "قد قامت الصلاة" أي قد قرب إقامتها، واللَّه تعالى أعلم.
وقال السندي في "شرح النسائيّ": قوله: "شغلتني أعلام هذه" هذا مَبْنِيّ على أن القلب قد بلغ من الصفاء عن الأغيار الغايةَ حتى يظهر فيه أدنى شيء، يظهر لك ذلك إذا نظرت إلى ثوب بلغ في البياض الغاية، وإلى ما دون ذلك، فيظهر في الأول من أثر الوسخ ما لا يظهر في الثاني، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
(فَاذْهَبُوا بِهَا) أي بهذه الخميصة (إِلَى أَبِي جَهْمٍ) -بفتح الجيم، وسكون الهاء- ابن حُذيفة بن غانم بن عامر بن عبد اللَّه بن عَبيد بن عُويج بن عديّ بن كعب القرشي العدويّ، قال البخاريّ وجماعة: اسمه عامر، وقيل: اسمه عبيد -بالضم- قاله الزبير بن بكار، وابن سعد، وقالا: إنه من مسلمة الفتح. وقال البغويّ، عن مصعب: كان من مُعَمّري قريش، ومن مشيختهم.
وحَكَى ابن منده أن أبا عاصم فرَّق بين أبي جهم بن حذيفة، وعُبيد بن
стр. 6761
حُذيفة، قال الزبير: كان من مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، قال: وقال عمي: كان من المعمَّرين، حضر بناء الكعبة مرتين؛ حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين تَوَلَّوا دفن عثمان.
وأخرج البغويّ من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما أصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فَمُنِعُوا، فقال أبو جَهْم: دعوه؛ فقد صلى اللَّه عليه ورسوله.
وأخرج ابن أبي عاصم في "كتاب الحكماء" من طريق عبد اللَّه بن الوليد، عن أبي بكر بن عبيد اللَّه بن أبي الجهم، قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتُها إلا خشية على عقلي، وما فيها من الفساد.
مات في آخر خلافة معاوية، قاله ابن سعد، ويقال: إنه وَفَد على معاوية، ثم على ابنه يزيد، وهذا يدلّ على أنه تأخرت وفاته، واللَّه تعالى أعلم. انتهى ملخصًا من "الإصابة".
قال في "الفتح": وإنما خصه ﷺ بإرسال الخميصة إليه لأنه كان أهداها له ﷺ ، كما رواه مالك في "الموطأ" من طريق أخرى عن عائشة ﵂ قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول اللَّه ﷺ خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: "رُدِّي هذه الخميصة إلى أبي جهم".
ووقع عند الزبير بن بكار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل "أن النبيّ ﷺ أُتِي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم"، ولأبي داود من طريق أخرى: "وأخذ كُرديًّا لأبي جهم، فقيل: يا رسول اللَّه، الخميصة كانت خيرًا من الكردي".
وقال ابن بطال ﵀: إنما طلب منه ثوبًا غيرها ليُعلِمه أنه لَمْ يَرُدّ عليه هديته استخفافًا به، قال: وفيه أن الواهب إذا رُدَّت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. قال الحافظ ﵀: وهذا مبني على أنها واحدة، ورواية الزبير والتي بعدها تصرح بالتعدد. انتهى.
(وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ) قال في "النهاية": المحفوظ بكسر الباء، ويروى
стр. 6762
بفتحها، يقال: كساء أنْبَجَاني منسوب إلى مَنْبج المدينة المعروفة، وهي مكسورة الباء، ففتحت في النسب، وأبدلت همزة، وقيل: إنها منسوبة إلى موضع اسمه أنبجان، وهو أشبه، والأول فيه تعسف.
وهو كساء يُتَّخَذ من الصوف، وله خَمْلٌ، ولا عَلَمَ له، وهو من أدون الثياب الغليظة، قال: وإنما بعث الخميصة إلى أبي جهم؛ لأنه هو الذي أهداها له، وإنما طلب منه الأنبجانيّ لئلا يؤثّر رَدّ الهدية في قلبه. والهمزة زائدة في قول.
وقال القاضي عياض: يُرْوَى بفتح الهمزة، وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبتشديد الياء وتخفيفها.
وقال في "العمدة": قد اختلفوا في ضبط هذا اللفظ، ومعناه؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبجانيّ -بكسر الباء، وفتحها-: إذا كان مُلْتفًّا كثير الصوف، وكساء أنبجانيّ كذلك.
وقال الجوهري: إذا نسبت إلى مَنْبج فتحت الباء، فقلت: كساء مَنَبجاني، أخرجوه مخرج مَخْبَراني، ومَنْظَرَاني.
وقال أبو حاتم في لحن العامة: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما تخطئ فيه العامة، وإنما يقول: مَنْبَجَاني -بفتح الميم والباء-، قال: وقلت للأصمعي: لِمَ فتحت الباء، وإنما نسب إلى مَنبج -بالكسر-؟، قال: خرج مخرج منظراني، ومخبراني، قال: والنسب مما يُغَيِّرُ البناءَ.
وقال القزاز في "الجامع": والنِّبَاج موضع تنسب إليه الثياب المنبجانية. وفي "الجمهرة": ومَنْبج موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية. وفي "المحكم": إن منبج موضع.
قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنها إنما كثرت مزيدة أَوّلًا فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أَوّلًا في الاسم والصفة، وكذلك النِّبَاج، وهما نِبَاجان؛ نباج ثَيْتَل، ونباج ابن عامر، وكساء منبجاني منسوب إليه على غير قياس.
стр. 6763
وفي "المغيث": المحفوظ كسر باء الأنبجاني. وقال ابن الحصار في "تقريب المدارك": مَن زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وَهِمَ.
ومَنْبِج -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وفي آخره جيم-: بلدة من كور قِنِّسْرِين، بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام، وسمّاها منبه، وبنى بها بيت نار، ووَكَّل بها رجلًا، فعُرِّبت، فقيل: منبج، والنسبة إليها مَنْبَجيّ على الأصل، ومَنْبَجانيّ على غير قياس، والباء تفتح في النسبة، كما يقال في النسبة إلى صَدِف -بكسر الدال- صَدَفي -بفتحها- ومَن هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى مَنْبج -بفتح الميم، وكسر الباء- ويقال: نسبة إلى موضع، يقال له: أنبجان، وعن هذا قال ثعلب: يقال: كساء أنبجانيّ، وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث.
وأما تفسيرها، فقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": هي كساء غليظ، يُشْبِه الشَّمْلة، يكون سَدَاه قُطنًا غليظًا، أو كَتّانًا غليظًا، ولُحْمته صُوف، ليس بالْمُبْرَم في فَتْله لَيِّن غليظ، يُلْتَحَف به في الفِرَاش، وقد يُشْتَمَل به في شدة البرد.
وقيل: هي من أدون الثياب الغليظة تُتَخَّذ من الصوف، ويقال: هو كساء غليظ لا عَلَمَ له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة، وإن لم يكن فهو أنبجانية. انتهى ما في "العمدة" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ١٢٤٢ و ١٢٤٣ و ١٢٤٤] (٥٥٦)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٧٣ و ٧٥٢ و ٥٨١٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩١٤) و"اللباس" (٤٠٥٢ و ٤٠٥٣)، و (النسائيّ) (٧٧١)، وفي "الكبرى" (٨٤٧)، و (ابن ماجه) (٣٥٥٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٩٧ -
стр. 6764
٩٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٣٨٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٧٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٧ و ٤٦ و ١٩٩ و ٢٠٨ و ٣٠٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٢٨ و ٩٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٧٠ و ١٤٧١ و ١٤٧٢ و ١٤٧٣ و ١٤٧٤ و ١٤٧٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢١٧ و ١٢١٨ و ١٢١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٢٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٢٣ و ٧٣٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كراهة لبس ما يشتغل القلب به عن كمال الحضور في الصلاة، وتدبّر أذكارها، وتلاوتها، ومقاصدها، من الانقياد والخضوع.
٢ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على حضور القلب في الصلاة، وتدبر ما ذكرناه، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يَشْغَل، وإزالة ما يُخاف اشتغال القلب به.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه كراهية تزويق محراب المسجد، وحائطه، ونقشه، وغير ذلك من الشاغلات؛ لأن النبيّ ﷺ جَعَل العلة في إزالة الخميصة هذا المعنى.
٤ - (ومنها): أن الصلاة تصحّ، وإن حصل فيها فكر في شاغل ونحوه، مما ليس متعلقًا بالصلاة، قال النوويّ ﵀: وهذا بإجماع الفقهاء، وحُكِي عن بعض السلف والزُّهّاد ما لا يصحّ عمن يُعْتَدّ به في الإجماع.
قال أصحابنا -يعني الشافعيّة-: يُستَحَبّ له النظر إلى موضع سجوده، ولا يَتَجاوزه، قال بعضهم: يكره تغميض عينيه، وعندي لا يُكره إلَّا أن يخاف ضررًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كيف يقول النووي: وعندي لا يُكره؟ فمن أين له هذا؟ فهل ثبت في السنّة أنه ﷺ كان يصلي مغمّض المعينين؟، بل الأمر بالعكس، فإنه ﷺ كان ينظر في الصلاة، وقد قال ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): صحة الصلاة في ثوب له أعلام، وأن غيره أولى؛ وذلك لأن النبيّ ﷺ صلى فيها، ولم يُعِد تلك الصلاة، بل أمر بإبعادها عنه خوفَ الافتتان بها؛ فدلّ على صحتها، وأن تركه ذلك هو الأولى، فتنبّه.
وأما بعثه ﷺ بالخميصة إلى أبي جَهْم، وطلب أنبجانيِّه، فهو من باب الإدلال
стр. 6765
عليه؛ لعلمه بأنه يُؤثر هذا، وَيفْرَح به، واللَّه تعالى أعلم، قاله النوويّ ﵀ (١).
٦ - (ومنها): أنه استدل به بعض المالكية على كراهة غرس الأشجار في المساجد؛ لما فيه من شغل المصلي بذلك.
٧ - (ومنها): جواز لبس الثوب الذي له عَلَمٌ، وكذلك الكساء ونحوه.
٨ - (ومنها): أن اشتغال الفكر في الصلاة يسيرًا غير قادح في صحتها.
٩ - (ومنها): ما قال صاحب "المفهم": فيه سدُّ الذرائع، والانتزاع عما يَشْغَل الإنسان عن أمور دينه.
١٠ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: فيه أن النبيّ ﷺ آنس أبا جهم حين ردّها إليه بأن سأله ثوبًا مكانها؛ لِيُعْلِمه أنه لَمْ يَرُدّ عليه هديته استخفافًا به، ولا كراهة للبسه، وقال صاحب "المفهم": وفيه قبول الهدايا من الأصحاب، واستدعاؤه ﷺ أنبجانية أبي جهم تطييب لقلبه، ومباسطة معه، وهذا مع من يُعْلَم طيب نفسه، وصفاء ودّه جائز.
١١ - (ومنها): أن الواهب والمهدي إذا رُدّت إليه عطيته، من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها، إذ لا عار عليه في قبولها، قاله ابن بطال، وابن عبد البرّ.
١٢ - (ومنها): أن للإنسان أن يشتري ما أهداه بخلاف الصدقة، قاله أبو الوليد الباجيّ ﵀.
١٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: جرت عادة الأنبياء ﵈ والصالحين بإخراج ما شَغَلهم عن بعض العبادات عن ملكهم رأسًا، وكذلك ما أعجبهم من ملكهم، كما قال اللَّه تعالى في حق سليمان ﵇: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ [ص: ٣٢ - ٣٣].
وأخرج النبيُّ ﷺ الخميصة عن ملكه، ورَمَى بالخاتم أيضًا لما شغله، كما رواه النسائي من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ اتخذ خاتمًا، ولبسه، قال: "شَغَلني هذا عنكم منذ اليوم، إليه نظرة، وإليكم نظرة، ثم ألقاه".
стр. 6766
وأما نزعه خاتم الذهب عند التحريم فهو مُتَّفَقٌ عليه من حديث ابن عمر ﵄.
وفي "الصحيحين" من حديث أنس ﵁ أنه كان من فضة، وقال القرطبيّ ﵀: إنه وَهَمٌ، قال وليّ الدين ﵀: ولعله كان لما شَغَله عنهم، وإن كان فضة، فيكون لا لحرمته، ولكن لاشتغاله به عنهم، ولا حاجة حينئذ إلى الحكم عليه بالوهم، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ورَوَينا في "الزهد" لابن المبارك عن مالك، عن أبي النضر، قال: انقطع شراك نعل رسول اللَّه ﷺ ، فوصله بشيء جديد، فجعل ينظر إليه، وهو يصلي، فلما قضى صلاته قال: انزِعُوا هذا، واجعلوا الأول مكانه، فقيل: كيف يا رسول اللَّه؟ قال: إني كنت انظر إليه وأنا أصلي.
ورَوَى محمد بن خفيف الشيرازي بإسناده إلى عائشة ﵂ أنه ﷺ احتَذَى نعلًا، فأعجبه حسنها، ثم خرج بها، فدفعها إلى أول مسكين لقيه، ثم قال: "اشتر لي نعلين مخصوفتين".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث، والذي قبله يحتاج إلى النظر في سنده، واللَّه تعالى أعلم.
ورَوَى مالك في "الموطأ" عن عبد اللَّه بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائطه، فطار دُبْسِيّ (١)، فطَفَق يتردد يلتمس مخرجًا، فأعجبه ذلك، فجعل يُتبعه ببصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلي، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة، وقال: يا رسول اللَّه، هو صدقة لك، فضعه حيث شئت. انتهى كلام ولي الدين ﵀ (٢)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الأسئلة والأجوبة:
стр. 6767
[فإن قيل]: كيف بعث النبيّ ﷺ بالخميصة إلى أبي جهم، وقد أخبر عن نفسه بأنها ألهته في صلاته مع قُوّته ﷺ ، فكيف لا تَشْغَل أبا جهم عن صلاته؟.
[أجيب]: بأنه لَمْ يَبْعَث بها إليه ليلبسها في الصلاة، بل لينتفع بها في غير، الصلاة، كما قال في حلة عُطارد: "إني لَمْ أبعث بها إليك لتلبسها. . . " الحديث، قاله ولي الدين العراقيّ ﵀.
وقال في "الفتح": ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من جنس قوله: "كُلْ فإني أُناجي من لا تناجي". انتهى.
[فإن قيل]: كيف يَخاف الافتتان مَن لا يلتفت إلى الأكوان ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]؟.
[أجيب]: بأنه كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا رُدّ إلى طبعه البشري، فإنه يؤثّر فيه ما يؤثّر في البشر.
[فإن قيل]: إن المراقبة شَغَلت خلقًا من أتباعه حتى وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار، ولم يَعْلَم به.
[أجيب]: بأن أولئك يؤخذون عن طباعهم، فيَغِيبون عن وجودهم، وكان النبيّ ﷺ يَسْلُك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص قال: "لست كأحدكم"، وإذا سلك طريق غيرهم قال: "إنما أنا بشر"؛ فنَزْعُ الخميصة يكون من الثاني (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيَ فِي خَمِيصَةٍ، ذَاتِ أَعْلَامٍ، فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: "اذْهَبُوا بِهَذِهِ (٢) الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَأْتُونِي
стр. 6768
بِأَنْبِجَانِيِّهِ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا فِي صَلَاتِي (١) ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، والذي قبله.
وقوله: (في خَمِيصَةٍ) تقدّم أنَّها كساء مربّع من صوف.
وقوله: (وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ) قال القاضي عياض ﵀: رَوَيناه بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسرها أيضًا في غير مسلم، وبالوجهين ذكرها ثعلب، قال: ورويناه بتشديد الياء في آخره وبتخفيفها معًا في غير مسلم؛ اذ هو في رواية لمسلم بأنبجانيه مشدَّدٌ مكسورٌ على الإضافة إلى أبي جهم، وعلى التذكير كما جاء في الرواية الأخرى: "كساءً له أنبجانيًّا".
قال ثعلب: هو كلُّ ما كَثُفَ، وقال غيره: هو كساءٌ غليظٌ، لا عَلَم له، فإذا كان للكساء عَلَمٌ، فهو خميصةٌ، فإن لم يكن فهو أنبجانية.
وقال الداوديّ: هو كساءٌ غليظٌ بين الكساء والعَبَاءة.
وقال القاضي أبو عبد اللَّه: هو كساءٌ سَدَاه قُطنٌ، أو كَتّانٌ، ولُحْمَته صُوفٌ.
وقال ابن قتيبة: إنما هو منبجانيّ، ولا يقال: أنبجانيّ، منسوب إلى مَنْبِج، وفُتِحَ الباء في النسب؛ لأنه خرج مخرج الشذوذ، وهو قول الأصمعيّ، قال الباجيّ: ما قاله ثعلب أظهر، والنسب إلى مَنِبج منبجيّ. انتهى (٢).
وقوله: (فَإِنَّهَا أَلْهَتْنى) أي شَغَلتني، وهو من الإلهاء، وثلاثيّه: لَهِي الرجل عن الشيء بالكسر يَلْهَي، من باب تَعِب: إذا غَفَلَ، وأما لَهَا يلهو: إذا لَعِبَ، فهو من باب نصر ينصر.
وقوله: (آنِفًا) أي قريبًا، وهو مأخوذ من ائتناف الشيء: أي ابتدائه، وكذا الاستئناف، ومنه أنف كلّ شيءٍ، وهو أوّله، ويقال: قلت آنفًا وسالفًا، وانتصابه على الظرفيّة، قال الأزهريّ: استأنفت الشيءَ: إذا ابتدأته، وفعلت الشيء آنفًا، أي في أول وقت يقرب مني (٣).
وقوله: (فِي صَلَاتِي) وفي نسخة: "عن صلاتي"، قال في "الفتح": قوله:
стр. 6769
"عن صلاتي": أي عن كمال الحضور فيها، كذا قيل، والطريق الآتية المعلقة -يعني قوله: "كنت انظر إلى علمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني"- تدلّ على أنه لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خَشِي أن يقع لقوله: "فأخاف"، وكذا في رواية مالك: "فكاد"، فلتؤوَّل الرواية الأولى.
قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه مبادرة الرسول إلى مصالح الصلاة، ونفيُ ما لعله يخدُش فيها، وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم فلا يلزم منه أن يستعملها في الصلاة، ومثله قوله في حُلّة عطارد، حيث بَعَث بها إلى عمر: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها".
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من جنس قوله: "كُلْ، فاني أناجي من لا تناجي".
ويُستنبط منه كراهية كلِّ ما يَشْغَل عن الصلاة، من الأصباغ، والنقوش، ونحوها.
وفيه قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليهم، والطلب منهم.
واستدلّ به الباجي على صحة المعاطاة؛ لعدم ذكر الصيغة.
وقال الطيبيّ: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، يعني فضلًا عمن دونها. انتهى (١)، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَتْ لَهُ خَمِيصَةٌ، لَهَا عَلَمٌ، فَكَانَ يَتَشَاغَلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ، وَأَخَذَ كِسَاءً لَهُ أُنْبِجَانِيًّا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قريبًا.
٢ - (هِشَام) بن عروة، تقدّم قبل باب.
стр. 6770
والباقون ذكروا في الباب، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٦) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَعَنِ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الْحَدَثِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٥] (٥٥٧) - (أَخْبَرَنِي (١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقة حافظ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة حافظ فقيه إمامٌ حجةُ، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب بن
стр. 6771
عبد اللَّه بن الحارث القرشيّ، أبو بكر المدنيّ، الفقيه الحافظ، متّفقٌ على جلالته وإتقانه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور الخادم، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٨٠) من رباعيّات الكتاب، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه، والآخران ما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن عمرًا وزهيرًا بغداديّان، وأبو بكر كوفيّ، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، والزهريّ، مدنيّ، وأنس مدنيّ، ثم بصريّ.
٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو خادم رسول اللَّه ﷺ ، خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ) بالفتح والمدّ: الطعام يُتَعَشَّى به وقت العشاء، قاله في "المصباح"، وفي "القاموس": هو طعام الْعَشِيّ، وهو ممدود كسَمَاءٍ. انتهى.
قال العراقيّ ﵀: المراد بحضوره: وَضْعُهُ بين يدي الآكل، لا استواؤه، ولا غَرْفه في الأوعية؛ لحديث ابن عمر المتفق عليه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا وُضِعَ عشاءُ أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء، ولا يَعْجَل حتى
стр. 6772
يَفْرُغ منه"، وكان ابن عمر ﵄ يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتها حتى يَفْرُغ منه، وإنه لَيَسْمَعُ قراءة الإمام. انتهى (١).
ويؤيِّد ما قاله العراقيّ ﵀ من أن المراد بحضوره: وَضْعُهُ بين يدي الآكل، حديث أنس ﵁، عند البخاريّ بلفظ: "إذا قُدِّم العشاء"، ولمسلم: "إذا قُرِّب العشاء"، وعلى هذا، فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكنه لم يُقَرَّب للآكل، كما لو لَمْ يقرَّب، أفاده في "الفتح" (٢).
(وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) قال ابن دقيق العيد ﵀: الألف واللام في "الصلاة" لا ينبغي أن تُحْمَل على الاستغراق، ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تحمل على المغرب؛ لقوله: "فابدءوا بالعَشَاء"، ويترجح حمله على المغرب، لقوله في الرواية الأخرى: "فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب"، والحديث يفسر بعضه بعضًا، وفي رواية صحيحة: "إذا أقيمت الصلاة، وأحدكم صائم، فليبدأ بالعَشَاء قبل صلاة المغرب،. . . ولا تُعْجَلُوا عن عشائكم"، رواه ابن حبان. انتهى.
وقال الشوكانيّ ﵀: وأنت خبير بأن التنصيص على المغرب لا يقتضي تخصيص عموم الصلاة؛ لما تقرر في الأصول من أن مُوَافِقَ العامّ لا يُخَصَّص به، فلا يصلح جعله قرينة لحمل اللام على ما لا عموم فيه، ولو سُلِّم عدنم العموم، لم يُسَلَّم عدم الإطلاق، وقد تقرر أيضًا في الأصول أن مُوَافِق المطلق لا يقتضي التقييد، ولو سَلَّمنا ما ذكره باعتبار أحاديث الباب؛ لتأييده بأن لفظ العشاء يُخْرِج صلاة النهار، وذلك مانع من حمل اللام على العموم، لم يتمّ له باعتبار حديث: "لا صلاة بحضرة طعام" عند مسلم وغيره، ولفظ: "صلاة" نكرة في سياق النفي، ولا شكّ أنها من صيغ العموم، ولإطلاق الطعام، وعدم تقييده بالعَشَاء، فذِكْرُ المغرب من التنصيص على بعض أفراد العامّ، وليس بتخصيص، على أن العلة التي ذكرها شُرّاح الحديث للأمر بتقديم العشاء، كالنوويّ وغيره لعدم الاختصاص ببعض الصلوات، فإنهم قالوا: إنها اشتغال
стр. 6773
القلب بالطعام، وذهاب كمال الخشوع عند حضوره، والصلوات متساوية الإقدام في هذا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الشوكانيّ ﵀ من حمل الحديث على العموم هو الراجح عندي؛ لقوّة حجّته، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وظاهر الأحاديث أنه يُقَدِّم العَشَاء مطلقًا، سواء كان محتاجًا إليه، أم لا، وسواء كان خفيفًا أم لا، وسواء خَشِي فساد الطعام أم لا، وخالف الغزالي، فزاد قيد خشية فساد الطعام، والشافعية، فزادوا قيدَ الاحتياج، ومالك، فزاد قيد أن يكون الطعام خفيفًا.
وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم والظاهرية، ورواه الترمذي عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وإسحاق، والعراقيّ عن الثوريّ، فقال: يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قُدِّمت.
وذهب الجمهور إلى الكراهة. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ادَّعَى أبو عمر بن عبد البرّ: الإجماع على صحة صلاة مَن صلّى بحضرة الطعام، ومن صلّى حاقنًا، إذا لم يترك شيئًا من فرائض الصلاة (٢).
فإن صحّ دعوى الإجماع، فذاك، وإلا في قاله الأولون هو الظاهر؛ لأن حديث مسلم: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" نص في انتفاء الصلاة، وعدم الاعتداد بها مع حضور الطعام، ومدافعة الأخبثين، واللَّه تعالى أعلم.
(فَابْدَءُوا بالْعَشَاءِ") أي بأكل العَشَاء، وهو بفتح العين المهملة.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
стр. 6774
المسألة الثانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٤٥ و ١٢٤٦] (٥٥٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٧٢) وفي "الأطعمة" (٥٤٦٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٥٣)، و (النسائي) في "الإمامة" (٨٥٣) وفي "الكبرى" (٩٢٦)، و (ابن ماجه) فيها (٩٣٣)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٢٥)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢١٨٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٨١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٢/ ٤٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٠ و ١١٠ و ١٦٢ و ٢٤٩ و ٢٨٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٣)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٤٠١ و ٤٠٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٢٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٣٤ و ١٦٥١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦ و ١٢٨٧ و ١٢٨٨ و ١٢٨٩ و ١٢٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٠ و ١٢٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٢ - ٧٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٠٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن الصلاة بحضرة الطعام، قال الترمذيّ ﵀ بعد إخراج الحديث: وعليه العمل عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ ، منهم أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وبه يقول أحمد، وإسحاق يقولان: يبدأ بالعَشَاء، وإن فاتته الصلاة في الجماعة، قال: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول في هذا الحديث: يبدأ بالعشاء إذا كان طعامًا يُخاف فساده، قال الترمذيّ: والذي ذهب إليه بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم أشبه بالاتباع، وإنما أرادوا أن لا يقوم الرجل إلى الصلاة، وقلبه مشغول بسبب شيء، وقد رُوي عن ابن عباس بأنه قال: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء. انتهى كلام الترمذيّ ﵀.
٢ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: في هذه الأحاديث -يعني أحاديث الباب- كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله؛ لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويَلْتَحِق به ما في معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صَلَّى على حاله؛ محافظةً على حرمة الوقت، ولا يجوز
стр. 6775
التأخير، وحَكَى المتولي وجهًا أنه يبدأ بالأكل، وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع، فلا يفوته. انتهى (١).
قال في "الفتح": وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر؛ لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، وخروج الوقت أشدّ من ترك "الخشوع بدليل صلاة الخوف والغَرِيق وغير ذلك، وإذا صلّى لمحافظة الوقت صحّت مع الكراهة، وتستحب الإعادة عند الجمهور.
وادعى ابن حزم: أن في الحديث دلالةً على امتداد الوقت في حقّ من وُضِع له الطعام، ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثل ذلك في حق النائم والناسي.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: النصوص المذكورة لا تدلّ على ما ادعاه، فتأملها بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن النووي وغيره استَدَلُّوا بحديث أنس ﵁ على امتداد وقت المغرب.
وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر، وإن أريد به مطلق التوسعة، فمسلَّم، ولكن ليس محلَّ الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مُقَدَّرًا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سَوْرة الجوع.
وقال ابن رجب ﵀: وفي أحاديث الباب دليلٌ على أن وقت المغرب متّسع، وأنه لا يفوت بتأخير الصلاة فيه عن أول الوقت، ولولا ذلك لَمْ يأمر بتقديم الْعَشَاء على صلاة المغرب من غير بيانٍ لحدّ التأخير، فإن هذا وقت حاجة إلى البيان، فلا يجوز تأخيره عنه، واللَّه أعلم. انتهى (٢).
٤ - (ومنها): أنه استدلّ به القرطبيّ على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب؛ لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل، وإن فاتته الصلاة في الجماعة.
وتُعُقّب بأن من ذهب إلى وجوب الجماعة -وهو الحقّ- جعل حضور
стр. 6776
الطعام عذرًا يُبيح ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقًا.
٥ - (ومنها): أن فيه تفضيلَ الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت.
٦ - (ومنها): أنه استدَلَّ بعض الشافعية والحنابلة بقوله: "فابدؤوا" على تخصيص ذلك بمن لم يَشْرَع في الأكل، وأما مَن شرع، ثم أقيمت الصلاة، فلا يتمادي، بل يقوم إلى الصلاة.
قال النووي ﵀: وصنيع ابن عمر ﵄ يبطل ذلك، وهو الصواب.
وتُعُقّب بأن صنيع ابن عمر ﵄ اختيار له، وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه؛ لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما دَفَعَ شغل البال به، ويؤيِّد ذلك حديث عمرو بن أمية ﵁، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يأكل ذراعًا يَحْتَزُّ منها، فدُعي إلى الصلاة، فقام، فطرح السكين، فصلّي، ولم يتوضأ.
لكن قال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: لعله ﷺ أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة، فقدَّم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة؛ لأنه لا يَقْوَى على مدافعة الشهوة قوته، "وأيكم يملك أربه". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي حمل حديث عمرو بن أمية ﵁ على الإمام، وهو رأي الإمام البخاريّ ﵀، وهو الظاهر؛ لأنه يُنتظر ممن في المسجد، ويتضرّرون بتأخره بخلاف المأموم، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
ورَوَى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة بإسناد حسن، عن أبي هريرة، وابن عباس ﵃: "أنهما كانا يأكلان طعامًا، وفي التنور شواء، فأراد المؤذِّن أن يقيم، فقال له ابن عباس ﵄: لا تَعْجَل؛ لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء"، وفي رواية ابن أبي شيبة: "لئلا يَعْرِض لنا في صلاتنا"، وله عن الحسن بن عليّ ﵄، قال: "العَشَاء قبل الصلاة يُذهب النفس اللوامة".
وفي هذا كله إشارةٌ إلى أن العلة في ذلك تشوُّف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا، ولا يتقيد بكل، ولا بعض، ويُستثنى من ذلك الصائم، فلا تُكرَه صلاته بحضرة الطعام؛ إذ الممتنع بالشرع لا يَشغَل العاقل نفسه به، لكن إذا غَلَب استُحِبّ له التحول من ذلك المكان،
стр. 6777
أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح تعميم الحكم فيمن بدأ بالأكل، ومن لم يبدأ به، لقوله ﷺ : "إذا وُضِع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يُعْجَل حتى يَفْرُغ منه"، متّفقٌ عليه، وقوله: "إذا كان أحدكم على الطعام، فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة"، متّفقٌ عليه أيضًا، فهذا نصّ يشمل من بدأ بالأكل، ومن لم يبدأ، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
[فائدتان]:
(الأولى): قال ابن الجوزيّ ﵀: ظَنّ قوم أن هذا من باب تقديم حقّ العبد على حق اللَّه تعالى، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحقّ الحقّ؛ ليدخل في عبادته بقلوب مُقبِلة، ثم إن طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا يقطع عن لَحاق الجماعة غالبًا.
(الثانية): قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ما يقع في بعض كتب الفقه: "إذا حَضَر العَشَاء والعِشَاء، فابدؤوا بالعَشَاء" لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ. انتهى.
قال الحافظ ﵀: لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين أن ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل، وهو ابن عُلَيّة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني عبد اللَّه بن رافع، عن أم سلمة مرفوعًا: "إذا حضر العَشَاء، وحضرت العِشَاء، فابدأوا بالعَشَاء"، فإن كان ضبطه، فذاك، وإلا فقد رواه أحمد في "مسنده" عن إسماعيل بلفظ: "وحَضَرت الصلاة"، قال: ثم راجعت "مصنف ابن أبي شيبة"، فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): رأيت للحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ" كلامًا مفيدًا في بيان مذاهب العلماء في هذه المسألة، وتحقيقها بما لها وما عليها، فأحببت إيراده هنا، وإن كان تقدّم معظمه، إلا أن في كلامه فوائد وزوائد مهمّة، ودونك خلاصة تحقيقه، قال ﵀:
стр. 6778
فهذه الأحاديث كلّها تدلّ على أنه إذا أقيمت الصلاة، وحضر العَشاءُ، فإنه يبدأ بالعشاء، سواء كان قد أكل منه شيئًا، أو لا، وأنه لا يقوم حتى يقضي حاجته من عَشائه، ويفرغ منه.
وممن يروى عنه تقديم العشاء على الصلاة: أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وغيرهم.
ورَوى معمر، عن ثابت، عن أنس قال: إني لمع أُبيّ بن كعب، وأبي طلحة، وغيرهما من أصحاب النبيّ ﷺ على طعام إذ نُودي بالصلاة، فذهبت أقوم، فأقعدوني، وعابوا عليّ حين أردت أن أقوم، وأَدَع الطعام، خرّجه عبد اللَّه بن أحمد في "مسائله".
وإلى هذا القول ذهب الثوريّ، وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق، وابن المنذر، وقال أحمد: لا يقوم حتى يفرغ من جميع عشائه، وإن خاف أن تفوته الصلاة ما دام في الوقت، قال: لأنه إذا تناول منه شيئًا، ثم تركه كان في نفسه شغل من تركه الطعام إذا لم يَنَلْ منه حاجته.
وحاصل الأمر أنه إذا حضر الطعام كان عُذرًا في ترك صلاة الجماعة، فيقدّم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لا بدّ أن يكون له ميلٌ إلى الطعام، ولو كان ميلًا يسيرًا، صرّح بذلك أصحابنا وغيرهم، وعلى ذلك دلّ تعليل ابن عبّاس، والحسن، وغيرهما، وكذلك ما ذكره البخاريّ عن أبي الدرداء (١).
فأما إذا لم يكن له ميلٌ بالكلّيّة إلى الطعام، فلا معنى لتقديم الأكل على الصلاة.
وقالت طائفةٌ أخرى: يبدأ بالصلاة قبل الأكل، إلَّا أن تكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وهذا مذهب الشافعيّ، وقول ابن حبيب المالكيّ، واستدلّ له ابن حبّان بالحديث الذي فيه التقييد بالصائم، والحق به كلّ من كان شديد التوقان إلى الطعام في الصلاة يَمنع من كمال الخشوع بخلاف اليسير.
стр. 6779
وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة إلَّا أن يكون الطعام خفيفًا، حكاه ابن المنذر عن مالك.
وهذا يَحْتَمِلُ أنه أراد أن الخفيف من الطعام يُطمَع في إدراك الجماعة بخلاف الطعام الكثير، فيَختصّ هذا بالعشاء.
وهذا بناء على أن وقت المغرب وقتٌ واحدٌ، كما هو قول مالك والشافعيّ في أحد قوليه.
ونَقَل حربٌ عن إسحاق أنه يبدأ بالصلاة إلا في حالين: أحدهما أن يكون الطعام خفيفًا، والثاني: أن يكون مع جماعة، فيشقّ عليهم قيامه إلى الصلاة.
وهؤلاء قالوا: إن النبيّ ﷺ أمر بتقديم العَشاء على الصلاة حيث كان عَشاؤهم خفيفًا كما كانت عادة الصحابة ﵃ في عهد النبيّ ﷺ ، فلم يتناول أمره غير ما هو معهود في زمنه.
وروى أبو داود بإسناده عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، قال: كنت مع أبي في زمان ابن الزبير إلى جنب عبد اللَّه بن عمر، فقال عباد بن عبد اللَّه بن الزبير: إنا سمعنا أنه يُبدأ بالعشاء قبل الصلاة، فقال عبد اللَّه بن عمر: ويحك ما كان عشاؤهم؟، أتُراه كان مثل عشاء أبيك؟ (١).
وأخرج البيهقيّ من حديث حُميد قال: كنّا عند أنس بن مالك، فأذّن المؤذّن بالمغرب، وقد حضر الْعَشاء، فقال أنس: ابدؤوا بالعشاء، فتعشّينا معه، ثم صلّينا، فكان عشاء خفيفًا.
وقالت طائفة: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام يُخاف فساده؛ لما في تأخيره من إفساد الطعام، وهذا قول وكيع، رواه الترمذيّ في "جامعه" عنه.
قال ابن رجب: وفي هذا القول بُعد، وهو مخالف ظاهر الأحاديث الكثيرة.
قال: وللإمام أحمد ﵀ في المسألة ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه قال في رواية أبي الحارث، وسُئل عن العشاء إذا وُضع،
стр. 6780
وأقيمت الصلاة؛ فقال: قد جاءت أحاديث، وكان القوم في مجاعة، فأما اليوم فلو قام رجوت.
وهذه الرواية تدلّ على أن تقديم الأكل على الصلاة مختصّ بحال مجاعة الناس عمومًا، وشدّة توقانهم بأجمعهم إلى الطعام، وفي هذا نظر، وقد يُستدلّ له بما رواه أبو داود بسنده عن محمد بن ميمون الزعفرانيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُؤَخَّر الصلاةُ لطعام ولا لغيره" (١).
وأخرجه الطبرانيّ، ولفظه: لم يكن رسول اللَّه ﷺ يؤخّر صلاة المغرب لِعَشَاء ولا غيره (٢).
وهذا حديث ضعيف لا يثبت، ومحمد بن ميمون هذا وثّقه ابن معين، وغيره، وقال البخاريّ، والنسائيّ: منكر الحديث.
وروى سلام بن سلام المدائنيّ: ثنا ورقاء بن عمر، عن ليث بن أبي سُليم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا حضر العَشاء، والصلاةُ، فابدءوا بالصلاة"، أخرجه تمّام الرازيّ في "فوائده"، وقال: هكذا وقع في كتابي، وهو خطأٌ، وليث بن أبي سُليم ليس بالحافظ، فلا تُقبل مخالفته لثقات أصحاب نافع، فإنهم رووه: "فابدءوا بالعَشاء" كما تقدّم، وسلام المدائنيّ ضعيفٌ جدًّا.
[والقول الثاني]: نَقَل حرث عن أحمد قال: إن كان أخذ من طعامه لقمة، أو نحو ذلك فلا بأس أن يقوم إلى الصلاة فيصلّي، ثم يرجع إلى العَشاء؛ لأن النبيّ ﷺ كان يَحتزّ من كتف الشاة، فألقى السكين، وقام، وكذا نَقَل عنه ابنه عبد اللَّه، والأثرم.
وحاصل هذا القول: إن كان أكل شيئًا من الطعام، ثم أقيمت الصلاة قام إليها، وترك الأكل، وإن لم يكن أكل شيئًا أكل ما تسكن به نفسه، ثم قام إلى الصلاة، ثم عاد إلى تتمّة طعامه.
وصرّح بذلك الأثرم في كتاب "الناسخ والمنسوخ"، واستدلّ بحديث
стр. 6781
عمرو بن أُميّة الضمريّ ﵁، وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، ورُوي نحوُه من حديث المغيرة بن شُعبة، وجابر بن عبد اللَّه.
وفي هذه الأحاديث أن النبيّ ﷺ كان يَحتزّ من كتف شاة، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى السكين، ثم قام إلى الصلاة.
وقد ذهبت طائفة من الفقهاء من الشافعيّة وغيرهم إلى أنه إذا سمع الإقامة لم يشبع من طعامه، بل يأكل ما يَكسر به سَوْرة جوعه، وحديث ابن عمر صريح في ردّ ذلك، وأنه لا يعجل حتى يفرغ من عشائه.
[والقول الثالث]: عكس الثاني، نقله حربٌ عن أحمد، قال: إن كان قد أكل بعض طعامه، فاُقيمت الصلاة، فإنه يُتمّ أكله، وإن لَمْ يأكل شيئًا، فأُحبّ أن يصلي.
وقد يُعلّل هذا بأنه إذا تناول شيئًا من طعامه، فإن نفسه تتوق إلى تمامه، بخلاف من لم يذُق منه شيئًا، فإن تَوَقَان نفسه إليه أيسر.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا خلاف النصوص الكثيرة، فإنها عامّة، فلا ينبغي استثناء بعض الأحوال دون بعض، فتبصّر.
قال: وفي المسألة قول آخر، وهو الجمع بين أحاديث هذا الباب، وبين حديث عمرو بن أُميّة، وما في معناه من طرح النبيّ ﷺ السكّين من يده، وقيامه إلى الصلاة بالفرق بين الإمام والمأمومين، فإذا دُعي الإمام إلى الصلاة قام، وترك بقيّة طعامه؛ لأنه يُنتظر، وَيشُقّ على الناس عند اجتماعهم تأخّره عنهم بخلاف آحاد المأمومين، وهذا مسلك البخاريّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجمع حسنٌ جدًّا، وحاصله أن الأمر بالبدء بالعشاء محمول على مَن غير الإمام؛ لعدم من يتضرر بتأخّره، وأما هو فلا يبدأ بالعشاء، بل يذهب إلى الصلاة؛ لئلا يتضرّر بتأخره من ينتظره في المسجد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وبكلّ حال فلا يُرخّص مع حضور الطعام في غير ترك الجماعة، فأما الوقت فلا يُرخص بذلك في تفويته عند جمهور العلماء، ونصّ عليه أحمد وغيره.
وشذّت طائفة، فرخّصت في تأخير الصلاة عن الوقت بحضور الطعام
стр. 6782
أيضًا، وهو قول بعض الظاهريّة، ووجه ضعيفٌ للشافعيّة، حكاه المتولّي وغيره.
قال: ومتى خالف وصلّى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، فصلاته مجزئة عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البرّ وغيره.
وإنما خالف فيه شُذوذ من متأخري الظاهريّة، لا يُعبأ بخلافهم الإجماع القديم. انتهى خلاصة ما كتبه ابن رجب ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن صحّ الإجماع المزعوم فذاك، وإلا في ذهب إليه الظاهريّة من بطلان الصلاة بحضرة الطعام هو الظاهر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ذكر الإمام الحافظ أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" الأعذارَ التي تُسقِط فرض الجماعة، فقال: وأما العذر الذي يكون المتخلِّف عن إتيان الجماعات به معذورًا، فقد تتبعته في السنن كلِّها، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء. انتهى. وهاك خلاصة ما قاله ﵀:
[الأول]: المرض الذي لا يَقدِر المرء معه أن يأتي الجماعات؛ لحديث أنس ﵁ في كونه ﷺ كشَفَ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁، فأراد أبو بكر أن يرتدّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السِّجْف. . . الحديث (٢).
[الثاني]: حضور الطعام، لحديث الباب.
[الثالث]: النسيان الذي يَعْرض في بعض الأحوال؛ لحديث أبي قتادة ﵁ في نومهم عن صلاة الصبح (٣).
[الرابع]: السِّمَن الْمُفْرِط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رجل من الأنصار -وكان ضَخْمًا- للنبيّ ﷺ : إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيت منزلي، فصليت فيه، فأقتدي بك؟،
стр. 6783
فصنع له الرجل طعامًا، ودعاه إلى بيته، فبَسَطَ له طرف حصير لهم، فصلّى عليه ركعتين (١).
[الخامس]: وجود المرء حاجةَ الإنسان في نفسه -يعني البول والغائط- لما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد اللَّه بن الأرقم ﵁ أنه كان يؤمّ أصحابه، فحضرت الصلاة يومًا فذهب لحاجته، ثم رجع، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا وَجَد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة" (٢).
والمراد أن يؤذيه ذلك بحيث يَشْغله عن الصلاة، لا ما لا يتأذى به؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يُصَلِّ أحدكم، وهو يدافعه الأخبثان" (٣).
[السادس]: خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبان بن مالك ﵁ (٤).
[السابع]: وجود البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه وَجَد ذات ليلة بردًا شديدًا، فأَذَّن من معه، فصلَّوا في رحالهم، وقال: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا كان مثلُ هذا أمر الناس أن يصلُّوا في رحالهم (٥).
[الثامن]: وجود المطر المؤذي؛ لحديث ابن عمر ﵄ أيضًا، قال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةٌ ذاتُ برد ومطر يقول: "ألا صلُّوا في الرحال" (٦).
[التاسع]: وجود العلة التي يَخاف المرء على نفسه الْعَثْر منها؛ لحديث ابن عمر ﵄ أيضًا، قال: كنا إذا كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، فكانت ليلة ظَلْماءُ، أو ليلة مطيرة، أَذَّن مؤذِّن رسول اللَّه ﷺ ، أو نادى مناديه: أن صَلُّوا في رحالكم (٧).
стр. 6784
[العاشر]: أكل الثُّوم والبصل إلى أن يذهب ريحها؛ لحديثِ: "مَن أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يَقْرَبَنَّ مصلانا حتى يذهب ريحها" (١).
انتهى ما ذكره ابن حبان من أعذار سقوط فرض الجماعة حسبما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة بالاختصار (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٣) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظ فقيه [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ) بضمّ القاف، وتشديد الراء المكسورة مبنيًّا للمفعول، من التقريب.
وقوله: (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) بالبناء للفاعل، وتقدّم الخلاف في كون "أل"
стр. 6785
للعهد، والمراد صلاة المغرب، أو لتعريف الماهيّة، وهذا هو الأرجح، والمراد حقيقة الصلاة، قال الفاكهانيّ: ينبغي حمله على العموم؛ نظرًا إلى العلّة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذكر المغرب لا يقتضي الحصر؛ لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم. انتهى (١).
وقوله: (فَابْدَءُوا بِهِ) أي بأكل العشاء.
وقوله: (وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ) بفتح حرف المضارعة، والجيم، مضارع عَجِلَ، من باب تَعِبَ، ويُروى بضمّ التاء، وكسر الجيم من الإعجال رباعيًّا، وقال في "الفتح": هو: بضمّ المثنّاة وبفتحها، والجيم مفتوحةٌ فيهما، ويُروى بضمّ أوله، وكسر الجيم. انتهى (٢).
والحديث متَّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧] (٥٥٨) - (حَدَّثَنَا (٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَحَفْصٌ، وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (حَفْص) بن غياث بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغير قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
стр. 6786
٤ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) عن (٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (هِشَام) بن عروة الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٥٠.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح، تقدّمت في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣١٥.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ إلخ) يعني أن هؤلاء الثلاثة: عبد اللَّه بن نُمير، وحفص بن غياث، ووكيع بن الجرّاح حدّثوا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ بمثل ما حَدّث به سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن أنس ﵁.
[تنبيه]: حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه، أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٤٧] (٥٥٨)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٧١) وفي "الأطعمة" (٥٤٦٥).
[تنبيه آخر]: حديث عائشة ﵂ هذا الذي أحاله المصنّف على حديث أنس ﵁ ساقه البخاريّ في "صحيحه" من طريق يحيى القطّان، عن هشام، فقال:
(٦٧١) حدّثنا مسدد، قال: حدّثنا يحيى، عن هشام، قال: حدّثني أبي، قال: سمعت عائشة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا وُضِع العشاء، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء". انتهى.
وأخرجه أيضًا ابن ماجه: من طريق ابن عيينة، ووكيع، كلاهما عن هشام، فقال:
(٩٣٥) حدّثنا سهل بن أبي سهل، حدّثنا سفيان بن عيينة (ع) وحدّثنا علي بن محمد، حدّثنا وكيع جميعًا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاثشة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا حَضَر العشاء، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 6787
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٨] (٥٥٩) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
١ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠١] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم في السند الماضي.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القُرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع و ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف شيخيهما، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
стр. 6788
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه، والباقون كلهم كوفيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة، ومن المشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵃، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ) ببناء الفعل للمفعول، و"العشاء" بفتح العين المهملة، والمدّ في الموضعين: بمعنى طعام آخر النهار.
قال في "الفتح": هذا أخصّ من الرواية الماضية -يعني قوله: "إذا قُدِّم العَشَاءُ"- فيُحمَل"العشاء" في تلك الرواية على عشاء من يُريد الصلاة، فلو وُضع عشاء غيره لَمْ يدخل في ذلك، ويَحْتَمِل أن يقال بالنظر إلى المعنى: لو كان جائعًا، واشتَغَل خاطره بطعام غيره كان كذلك، وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان، أو يتناول مأكولًا يزيل شُغل باله؛ ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ، ويؤيّد هذا الاحتمال عموم قوله في رواية مسلم من حديث عائشة ﵄: "لا صلاة بحضرة طعام. . . " الحديث، وقول أبي الدرداء ﵁: "من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يُقبل على صلاته وقلبه فارغٌ" (١). انتهى (٢).
(وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) تقدّم قريبًا أن الأرجح كون "أل" هنا للاستغراق، فيشمل المغرب وغيرها (فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ) بفتح العين المهملة، أي بأكله (وَلَا) ناهية (يَعْجَلَنَّ) من باب تَعِبَ، ويَحْتَمِل أن يكون من الإعجال، والمعنى: لا يُسرِع في الأكل، بل يأكل على تمهّل (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ") بالبناء للفاعل، يقال: فَرَغ من الشُّغْل فُرُوغًا، من باب قَعَد، وفَرخَ يَفْرَغ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، والاسم: الْفَرَاغُ، قاله الفيّوميّ.
стр. 6789
قال الطيبيّ ﵀: أفرد قوله: "يَعْجلنّ" نظرًا إلى لفظ "أحد"، وجمع قوله: "فابدءوا" نظرًا إلى لفظ "كُمْ"، قال: والمعنى: إذا وُضع عشاءُ أحدكم، فابدءوا أنتم بالعشاء، ولا يعجلنّ هو حتى يفرغ معكم منه. انتهى (١).
وأجاب البرماويّ بأن النكرة في الشرط تعُمّ، فيَحْتَمِل أن الجمع لأجل عموم "أحد". انتهى.
وقال القاري: الظاهر أن الخطاب بالجمع لإفادة عموم الحكم، وأنه غير مختصّ بأحد دون أحد، أو المراد به الموافقة معه، ثم أداء الصلاة جماعةً؛ لينال الفضيلة، والحديث دليلٌ على أن تقريب الطعام، ووضعه بين يدي الآكل من أعذار ترك الجماعة. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "حتى يفرغ منه" دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب، وأما ما تأوّله بعض أصحابنا على أنه يأكل لُقيمات يَكسِر بها شدّة الجوع، فليس بصحيح، وهذا الحديث صريحٌ في إبطاله. انتهى (٣). وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ ﵀ ما نصّه: "وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام". انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "وكان ابن عمر" هو موصول عطفًا على المرفوع، وقد رواه السَّرّاج من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، فذكر المرفوع، ثم قال: قال نافع: وكان ابن عمر إذا حضر عشاؤه، وسمع الإقامة، وقراءةَ الإمام لم يَقُم حتى يَفرُغ، ورواه ابن حبان من طريق ابن جريج، عن نافع، أن ابن عمر كان يصلِّي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحيانًا يَلْقاه وهو صائم، فَيُقَدَّم له عَشاؤه، وقد نودي للصلاة، ثم تقام، وهو يسمع، فلا يترك عَشاءه، ولا يَعْجَل حتى يَقضِيَ عشاءه، ثم يخرج فيصلِّي.
стр. 6790
انتهى. وهذا أصرح ما ورد عنه في ذلك. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى)؛ حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٤٨ و ١٢٤٩] (٥٥٩)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٧٣) وعلّقه فيه (٦٧٤) وأخرجه في "الأطعمة" (٥٤٦٣)، و (أبو داود) في "الأطعمة" (٣٧٥٧)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٥٤)، و (ابن ماجه) فيها (٩٣٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١٨٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٤٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٣٥ و ٩٣٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٦٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٩١ و ١٢٩٢ و ١٢٩٣ و ١٢٩٤ و ١٢٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٣ و ١٢٢٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٣)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٩] (. . .) - (وحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِي، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ع) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيّ) من ولد المسيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
стр. 6791
٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاض) بن ضَمْرة الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ، مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٥ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٢) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
٦ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، كان يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها، وقد جاوز السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٧ - (الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُود) بن طَرِيف الْجَحْدريّ، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ القاضي، وَلِيَ قضاء سُرَّ مَن رَأَي، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠].
رَوَى عن سفيان بن موسى البصريّ، وسُليم بن أخضر، وعباد بن عباد المهلبيّ، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهشيم، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفَاويّ، وخلق.
ورَوَى عنه مسلم حديث الباب فقط، وإبراهيم بن الجنيد، وبَقِيّ بن مخلد، وعبد اللَّه بن أحمد، وأبو زرعة الرازيّ، والحسن بن عليّ بن شَبِيب المعمريّ، وزكرياء بن يحيى الساجيّ، وعبدان بن أحمد الأهوازيّ، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى الموصليّ، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال صالح بن محمد البغداديّ: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: سمعت عَبدان يقول: نظر عباس بن عبد العظيم العنبريّ في جزء لي، فقال: عن الصَّلْت بن مسعود؟ فقال: يا بنيّ اتّقِهِ، قال ابن عديّ: لَمْ يبلغني عن أحد في الصلت كلامٌ إلَّا هذا، وقد اعتبرتُ حديثه، فلم أجد فيه ما يجوز أن أُنكره عليه، وهو عندي لا بأس به، وقال العُقيليّ: له أحاديث وَهِمَ فيها، إلا أنه ثقةٌ، وكذا قال مسلمة في "تاريخه"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات قبل الأربعين، وقال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
стр. 6792
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٨ - (سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى) البصريّ، صدوقٌ [٨].
رَوَى عن أيوب، وسَيّار أبي الحكم، وعنه الصلت بن مسعود الجحدريّ، وعمرو بن عليّ الفلاس، ومحمد بن عُبيد بن خَشّاب، ومحمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، وعبد الرحمن بن المبارك العيشيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: مجهولٌ، ووثّقه الدارقطنيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال النوويّ في "شرحه": سفيان هذا بصريّ ثقةٌ معروفٌ، قال الدارقطنيّ: هو ثقةٌ مأمونٌ، وقال أبو عليّ الغسّانيّ: هو ثقةٌ، وأنكروا على من زعم أنه مجهول. انتهى (١).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط متابعةً.
٩ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) وله (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني الغسّانيّ ﵀: هكذا في نسخة أبي العلاء بن ماهان: "سفيان، عن أيّوب" غير منسوبين، وفي روايتنا عن أبي أحمد الْجُلُوديّ من طريق السِّجْزيّ عنه: "نا الصَّلْتُ بن مسعود، نا سفيان بن موسي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر".
قال أبو عليّ ﵀: وسفيان بن موسى هذا رجلٌ من أهل البصرة، يروي عن أيوب، وهو ثقةٌ، وكذلك نَسَبَهُ أبو مسعود الدمشقيّ في "كتاب الأطراف" عن مسلم، عن الصَّلْت بن مسعود، عن سفيان بن موسي، عن أيوب.
ومن حديثه ما أخبرنا أبو عمر النَّمَريّ، نا خَلَف بن القاسم، نا أبو على بن السكن، نا عبد اللَّه بن محمد البغويّ، نا الصَّلْتُ بن مسعود، نا سفيان بن موسي، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 6793
"من استطاع أن يموت بالمدينة فليمُت، فإنه من مات بها شَفَعتُ له يوم القيامة".
قال ابن السكن: نا عبد اللَّه بن محمد بن سعيد الجمال، نا محمد بن إسماعيل، أبو إسماعيل، نا محمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، نا سفيان بن موسى، عن أيوب بإسناده مثله.
وذكر أبو عبد اللَّه الحاكم النيسابوريّ قال: انفرد مسلم بن الحجاج بالرواية لسفيان بن موسى، عن أيوب، قال: وسمعت عليّ بن عمر الدارقطنيّ يقول: ذُكر لبعض أصحابنا ممن يدّعي الحفظ -ونحن بمصر- حديثٌ لسفيان بن موسى، عن أيوب، فقال: هذا خطأ، إنما هو عن سفيان بن عيينة، عن أيوب، قال: ولم يعرف سفيان بن موسى البصريّ، وهو ثقة مأمونٌ.
قال أبو عليّ ﵀: ورأيت في بعض النسخ من كتاب مسلم قد غُيِّر هذا الإسناد، وَرُدّ: "سفيان، عن أيوب بن موسى"، وهو خطأٌ. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ (١).
قال القاضي عياض: أرى أن الناقل عن بعفالرواة غَلِطَ في تخريج نسب سفيان المذكور بعد اسمه حين إلحاقه، فخرّجه بعد أيّوب، فوقع الوهم فيه. انتهى (٢).
وقوله: (قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ) فاعل "قال" ضمير المصنّف، وهو ملحق من الراوي عنه.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) الضمير لموسى بن عُقبة، وابن جريج، وأيوب.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) أي بنحو حديث عبيد اللَّه بن عمر المتقدّم.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة التي أحالها هنا على رواية عبيد اللَّه، ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٥٩) فقال:
(١٢٩٢) حدَّثنا حمدون بن عباد البغداديّ، قال: ثنا أبو بَدْر شُجَاع بن الوليد، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول اللَّه ﷺ
стр. 6794
قال: "إذا كان أحدكم عند الطعام، فلا يَعْجَلنّ عنه حتى يَقضِيَ حاجته، وإن أقيمت الصلاة". انتهى.
وأما رواية ابن جُريج، فساقها أبو عوانة في "مسنده" أيضًا (١/ ٣٥٩)، فقال:
(١٢٩٤) حدّثنا يزيد بن سِنَان، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا ابنُ جريج، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا قُرِّب إلى أحدكم العشاء، فلا يَعْجَل عنه". انتهى.
وقال أيضًا (١/ ٣٦٠):
(١٢٩٥) حدّثنا أبو حميد المصيصيّ، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يُقَدَّم إليه الطعام، وقد نودي لصلاة المغرب، ثم تقام، وهو يَسْمَع، فلا يترك عَشاءه، ولا يعجل حتى يقضيَ عَشاءه، ثم يخرج فيصلِّي، وقد كان يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تعجلوا عن عشائكم إذا قُدِّم إليكم". انتهى.
وأما رواية أيوب، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٥٧٧٢) حدّثنا عَفّان، حدّثنا وُهيبٌ، حدّثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا وُضع العَشاء، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء"، قال: ولقد تعشى ابن عمر مرّة، وهو يسمع قراءة الإمام. انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٠] (٥٦٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، هُوَ (١) ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقِ، قَالَ: تَحَدثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَدِيثًا، وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً (٢)، وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا، أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ
стр. 6795
أُتِيتَ؟ هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَغَضِبَ الْقَاسِمُ، وَأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ غُدَرُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ (١)، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (يَعْقُوب بْنُ مُجَاهِدٍ) القُرشيّ أبو حَزْرَة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي- المدني القاصّ، مولى بني مخزوم، يقال كنيته أبو يوسف، وأبو حَزْرة لقبٌ، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمه الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف، وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وعبد اللَّه بن أبي عَتِيق بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم.
ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو أكبر منه، وحنظلة بن عمرو الرَّقِّيّ، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، ويحيى بن سعيد القطان، وصفوان بن عيسي، وغيرهم.
قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بالإسكندرية سنة خمسين ومائة، أو سنة تسع وأربعين ومائة، وكان يَقُصّ، وفي سنة تسع أرّخه ابن سعد، وقال: كان قليل الحديث، وقال العُقيليّ: ثنا محمد بن عيسي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن ابن معين، قال: أبو حَزْرة صويلح الحديث، سمع القاسم بن محمد.