٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاض) بن ضَمْرة الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ، مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٥ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٢) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
٦ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، كان يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها، وقد جاوز السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٧ - (الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُود) بن طَرِيف الْجَحْدريّ، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ القاضي، وَلِيَ قضاء سُرَّ مَن رَأَي، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠].
رَوَى عن سفيان بن موسى البصريّ، وسُليم بن أخضر، وعباد بن عباد المهلبيّ، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهشيم، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفَاويّ، وخلق.
ورَوَى عنه مسلم حديث الباب فقط، وإبراهيم بن الجنيد، وبَقِيّ بن مخلد، وعبد اللَّه بن أحمد، وأبو زرعة الرازيّ، والحسن بن عليّ بن شَبِيب المعمريّ، وزكرياء بن يحيى الساجيّ، وعبدان بن أحمد الأهوازيّ، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى الموصليّ، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال صالح بن محمد البغداديّ: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: سمعت عَبدان يقول: نظر عباس بن عبد العظيم العنبريّ في جزء لي، فقال: عن الصَّلْت بن مسعود؟ فقال: يا بنيّ اتّقِهِ، قال ابن عديّ: لَمْ يبلغني عن أحد في الصلت كلامٌ إلَّا هذا، وقد اعتبرتُ حديثه، فلم أجد فيه ما يجوز أن أُنكره عليه، وهو عندي لا بأس به، وقال العُقيليّ: له أحاديث وَهِمَ فيها، إلا أنه ثقةٌ، وكذا قال مسلمة في "تاريخه"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات قبل الأربعين، وقال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
стр. 6792
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٨ - (سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى) البصريّ، صدوقٌ [٨].
رَوَى عن أيوب، وسَيّار أبي الحكم، وعنه الصلت بن مسعود الجحدريّ، وعمرو بن عليّ الفلاس، ومحمد بن عُبيد بن خَشّاب، ومحمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، وعبد الرحمن بن المبارك العيشيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: مجهولٌ، ووثّقه الدارقطنيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال النوويّ في "شرحه": سفيان هذا بصريّ ثقةٌ معروفٌ، قال الدارقطنيّ: هو ثقةٌ مأمونٌ، وقال أبو عليّ الغسّانيّ: هو ثقةٌ، وأنكروا على من زعم أنه مجهول. انتهى (١).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط متابعةً.
٩ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) وله (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني الغسّانيّ ﵀: هكذا في نسخة أبي العلاء بن ماهان: "سفيان، عن أيّوب" غير منسوبين، وفي روايتنا عن أبي أحمد الْجُلُوديّ من طريق السِّجْزيّ عنه: "نا الصَّلْتُ بن مسعود، نا سفيان بن موسي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر".
قال أبو عليّ ﵀: وسفيان بن موسى هذا رجلٌ من أهل البصرة، يروي عن أيوب، وهو ثقةٌ، وكذلك نَسَبَهُ أبو مسعود الدمشقيّ في "كتاب الأطراف" عن مسلم، عن الصَّلْت بن مسعود، عن سفيان بن موسي، عن أيوب.
ومن حديثه ما أخبرنا أبو عمر النَّمَريّ، نا خَلَف بن القاسم، نا أبو على بن السكن، نا عبد اللَّه بن محمد البغويّ، نا الصَّلْتُ بن مسعود، نا سفيان بن موسي، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 6793
"من استطاع أن يموت بالمدينة فليمُت، فإنه من مات بها شَفَعتُ له يوم القيامة".
قال ابن السكن: نا عبد اللَّه بن محمد بن سعيد الجمال، نا محمد بن إسماعيل، أبو إسماعيل، نا محمد بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، نا سفيان بن موسى، عن أيوب بإسناده مثله.
وذكر أبو عبد اللَّه الحاكم النيسابوريّ قال: انفرد مسلم بن الحجاج بالرواية لسفيان بن موسى، عن أيوب، قال: وسمعت عليّ بن عمر الدارقطنيّ يقول: ذُكر لبعض أصحابنا ممن يدّعي الحفظ -ونحن بمصر- حديثٌ لسفيان بن موسى، عن أيوب، فقال: هذا خطأ، إنما هو عن سفيان بن عيينة، عن أيوب، قال: ولم يعرف سفيان بن موسى البصريّ، وهو ثقة مأمونٌ.
قال أبو عليّ ﵀: ورأيت في بعض النسخ من كتاب مسلم قد غُيِّر هذا الإسناد، وَرُدّ: "سفيان، عن أيوب بن موسى"، وهو خطأٌ. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ (١).
قال القاضي عياض: أرى أن الناقل عن بعفالرواة غَلِطَ في تخريج نسب سفيان المذكور بعد اسمه حين إلحاقه، فخرّجه بعد أيّوب، فوقع الوهم فيه. انتهى (٢).
وقوله: (قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ) فاعل "قال" ضمير المصنّف، وهو ملحق من الراوي عنه.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) الضمير لموسى بن عُقبة، وابن جريج، وأيوب.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) أي بنحو حديث عبيد اللَّه بن عمر المتقدّم.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة التي أحالها هنا على رواية عبيد اللَّه، ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٥٩) فقال:
(١٢٩٢) حدَّثنا حمدون بن عباد البغداديّ، قال: ثنا أبو بَدْر شُجَاع بن الوليد، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول اللَّه ﷺ
стр. 6794
قال: "إذا كان أحدكم عند الطعام، فلا يَعْجَلنّ عنه حتى يَقضِيَ حاجته، وإن أقيمت الصلاة". انتهى.
وأما رواية ابن جُريج، فساقها أبو عوانة في "مسنده" أيضًا (١/ ٣٥٩)، فقال:
(١٢٩٤) حدّثنا يزيد بن سِنَان، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا ابنُ جريج، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا قُرِّب إلى أحدكم العشاء، فلا يَعْجَل عنه". انتهى.
وقال أيضًا (١/ ٣٦٠):
(١٢٩٥) حدّثنا أبو حميد المصيصيّ، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يُقَدَّم إليه الطعام، وقد نودي لصلاة المغرب، ثم تقام، وهو يَسْمَع، فلا يترك عَشاءه، ولا يعجل حتى يقضيَ عَشاءه، ثم يخرج فيصلِّي، وقد كان يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تعجلوا عن عشائكم إذا قُدِّم إليكم". انتهى.
وأما رواية أيوب، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٥٧٧٢) حدّثنا عَفّان، حدّثنا وُهيبٌ، حدّثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا وُضع العَشاء، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء"، قال: ولقد تعشى ابن عمر مرّة، وهو يسمع قراءة الإمام. انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٠] (٥٦٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، هُوَ (١) ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقِ، قَالَ: تَحَدثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَدِيثًا، وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً (٢)، وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا، أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ
стр. 6795
أُتِيتَ؟ هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَغَضِبَ الْقَاسِمُ، وَأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ غُدَرُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ (١)، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (يَعْقُوب بْنُ مُجَاهِدٍ) القُرشيّ أبو حَزْرَة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي- المدني القاصّ، مولى بني مخزوم، يقال كنيته أبو يوسف، وأبو حَزْرة لقبٌ، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمه الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف، وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وعبد اللَّه بن أبي عَتِيق بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم.
ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو أكبر منه، وحنظلة بن عمرو الرَّقِّيّ، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، ويحيى بن سعيد القطان، وصفوان بن عيسي، وغيرهم.
قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بالإسكندرية سنة خمسين ومائة، أو سنة تسع وأربعين ومائة، وكان يَقُصّ، وفي سنة تسع أرّخه ابن سعد، وقال: كان قليل الحديث، وقال العُقيليّ: ثنا محمد بن عيسي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن ابن معين، قال: أبو حَزْرة صويلح الحديث، سمع القاسم بن محمد.
стр. 6796
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٦٠)، وحديث (٣٠١٤): "من انظر معسرًا، أو وضع عنه أظلّه اللَّه. . . " الحديث الطويل الآتي في "كتاب الزهد والرقائق".
٤ - (ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق المعروف بابن أبي عَتِيق، أبو بكر المدنيّ، صدوق فيه مِزَاحٌ [٣].
رَوَى عن عمة أبيه عائشة، وعن ابن عمر، وعامر بن سعد.
وروى عنه ابناه: عبد الرحمن، ومحمد، وخالد بن سعد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن إسحاق، وأبو جَزْرة يعقوب بن مجاهد المدنيّ، وغيرهم.
قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وقال مصعب الزبيريّ: كان امرءًا صالحًا، وكان فيه دُعابةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الزبير بن بكار: قد سمع من عائشة، ودخل عليها في مرضها الذي ماتت فيه، فقال: كيف أصبحتِ؛؟ جعلني اللَّه فداك، فقالت: أصبحت ذاهبةً، قال: فلا إذًا، قال الزبير: وأخبرني عبد اللَّه بن كثير بن جعفر أن عائشة رَكِبت بغلةً، وخرجت تُصلح بين غلمان لها ولابن عباس، فأدركها ابن أبي عتيق، فقال: يُعتَقُ ما تَمْلِك إن لم ترجعي، فقالت: ما حملك على هذا؟ قال: ما انقضى عنا يومُ الجمل حتى يأتينا يومُ البغلة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه.
٥ - (عَائِشَةُ) ﵂ تقدّمت قبل حديثين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فمكيّ، ثمّ بغداديّ.
٣ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) بفتح العين المهملة، وكسر المثنّاة التحتانيّة: هو
стр. 6797
عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، أنه (قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا) أتى بالضمير المنفصل؛ ليمكن عطف الظاهر على الضمير المتّصل، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَالْقَاسِمُ) هو: ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ الثقة المثبت، أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار الطبقة الثالثة، مات سنة (١٠٦) على الصحيح، تقدّمت ترجمته في "الحيض" ٣/ ٦٩٥٠ (عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَدِيثًا، وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً) بفتح اللام، وتشديد الحاء المهملة: أي كثير اللحن، قال القاضي عياض ﵀: قوله: "رَجُلَا لَحّانةً" كذا للسمرقنديّ، وهذا اللفظ استعملته العرب للمبالغة، قالوا: لَحّانةٌ لكثير اللحن، وعلّامةٌ لكثير العلم، ووقع للعذريّ، وابن أبي جعفر: "لُحْنَةً"، بضمّ اللام، وسكون الحاء، وهو بمعناه، أي يَلْحَن في كلامه، ويُلَحِّنه الناس، وباب فُعْلَةٍ -بضمّ الفاء، وسكون العين- للذي يَرَى الناس منه ذلك، كخُدْعَةٍ للذي يُخْدَعُ، وهُزْأَةٍ للذي يُهْزَأ به، وباب فُعَلَةٍ بفتح العين بضدّه، فهو الذي يَفْعَل ذلك بغيره، كما يقال: صُرَعَةٌ للذي يَصْرَعُ الناس، وهُزَأَةٌ للذي يَهْزَأُ بهم، وخُدَعَةٌ للذي يَخْدَعُهُم. انتهى (١).
(وَكَانَ) أي القاسم (لِأُمِّ وَلَدٍ) قال ابن سعد في "الطبقات": أمه أم ولد يقال لها: سَوْدَةُ. انتهى (٢).
وجملة "وكان لأم ولد" بيان لسبب كثرة لحنه في كلامه، فكأنه قال: وإنما كان لحّانةً؛ لكون أمه أعجميّة لا تُحسن العربيّة، فتعلّم منها، كما بيّنته عائشة ﵄ في كلامها الآتي.
(فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ) ﵂ (مَا لَكَ) "ما" استفهاميّة، أي أيُّ شيء ثبت لك؟
стр. 6798
(لَا) نافية (تَحَدَّثُ) بفتح التاء، أصله تتحدّث بتاءين حُذفت إحداهما تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا) تعني ابنَ أبي عتيق، جعلته ابن أخيها مجازًا؛ لأنه ولد محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، فهو حفيد أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه مثل "ألا" (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء (قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ؟) أي من أيّ شيء أصابك اللحن وعدم الفصاحة مثله (هَذَا) أي ابن أبي عتيق (أَدَّبَتْهُ) بتشديد الدال؛ للمبالغة، قال الفيّوميّ ﵀: أَدَبْتُهُ أَدْبًا، من باب ضَرَبَ: علّمتُهُ رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، قال أبو زيد الأنصاريّ: الأدَبُ يقع على كلّ رياضة محمودة، يَتَخَرَّج بها الإنسان في فَضِيلة من الفضائل، وقال الأزهريّ نحوه، فالأدب اسم لذلك، والجمع أَداب، مثلُ سَبَبٍ وأَسباب، وأدّبته تأديبًا مبالغةٌ وتكثيرٌ، ومنه قيل: أدّبته تأديبًا: إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سببٌ يدعو إلى حقيقة الأدب. انتهى (١). (أُمُّهُ) هي رُمَيثةُ بنت الحارث بن حُذيفة بن مالك بن ربيعة، من بني فِرَاس بن غَنْم بن مالك بن كنانة (٢)، والمعنى: أن كثرة لحنك إنما أتاك من قبل تعليم أمك لك؛ لأنَّها أعجميّة (وَأَنْتَ) تعني القاسم (أَدَّبَتْكَ أمّكَ) أي وهي فصيحة، فأتته الفصاحة منها.
وحاصل ما أشارت إليه عائشة ﵂ في كلامها هذا أن القاسم لَمّا لم تكن أمه عربيّة فصيحةَ، وتربّى عندها لم يكن فصيحًا، بل كان لحّانةً، وأما ابن أبي عتيق فلَمّا كانت أمه عربيّة فصيحة؛ لأنَّها من بني فِرَاس بن غنم كما أسلفناه آنفًا، وربّته على فصاحتها كان فصيحًا، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن أبي عَتيق (فَغَضِبَ) بكسر الضاد المعجمة (الْقَاسِمُ) بن محمد (وَأَضَبَّ عَلَيْهَا) بفتح الهمزة، والضاد المعجمة، وتشديد الباء الموحّدة: أي حَقَد، قال الفيّوميّ: الضبّ: الْحِقْدُ (٣)، وقال في "القاموس": و"الضَّبّ":
стр. 6799
الغيظ، والحِقْد، ويُكسر. انتهى (١). فأفاد أن ضاده مفتوحة، ويجوز كسرها، فافهمه (فَلَمَّا رَأَى) أي القاسم (مَائِدَةَ عَائِشَةَ) ﵂، قال الفيّوميّ ﵀: "المائدة": مشتقّة من ماد يَمِيد: إذا أعطي، وهي فاعلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأن المالك مادها للناس: أي أعطاهم إيّاها، وقيل: مشتقّةٌ من ماد يَمِيد: إذا تحرّك، فهي اسم فاعل على الباب. انتهى. (قَدْ أُتِيَ) بالبناء للمفعول، أي جيء (بِهَا) أي بالمائدة (قَامَ) أي لئلا يأكل طعامها؛ غضبًا عليها (قَالَتْ) عائشة ﵂ (أَيْنَ؟) أي إلى أي مكان تقوم من مكان المائدة؟ (قَالَ) القاسم (أُصَلِّي، قَالَت: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي) كرّره؛ لاشتداد غضبه عليها (قَالَت: اجْلِسْ غُدَرُ) بضمّ الغين المعجمة، وفتح الدال المهملة، وهو بحذف حرف النداء، أي يا غادر، قال أهل اللغة: الغَدْر: ترك الوفاء، ويقال لمن غَدَر: غادرٌ، وغُدَرٌ، وأكثر ما بُسْتَعْمَل في النداء بالشتم، كما قال في "الْخُلاصة":
وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ فُعَلُ … وَلَا تَقِسْ وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ فُلُ
قال النوويّ ﵀: وإنما قالت له: غُدَرُ؛ لأنَّه مأمور باحترامها؛ لأنَّها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحةٌ له، ومؤدِّبةٌ، فكان حقُّهُ أن يَحْتَمِلَها، ولا يَغْضَبَ عليها. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قولها: "غُدَرُ" معناه: يا غادر، وعُدِل به عنه؛ لزيادة معنى التكثير، ونسبتُهُ للغدر؛ لما أظهر من أنه إنما ترك طعامها من أجل الصلاة، وما صدر من عائشة ﵂ للقاسم إنما كان منها لإنهاض همّته، وليحرص على التعلّم، وعلى تثقيف لسانه. انتهى (٣).
ثم علّلت نهيها له عن الصلاة في ذلك المكان، بقولها:
(إِني) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا) نافية للجنس تعمل عمل "إنَّ"، كما قال في "الخلاصة":
стр. 6800
عَمَلَ "إِنَّ" اجْعَلْ لِـ "لَا" فِي النَّكِرَهْ … مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ
واسمها قوله: (صَلَاةَ) فهو مبنيّ؛ لتركّبه معها، وهذا مذهب البصريين، وعند الكوفيين منصوبٌ، سقط تنوينه للتخفيف، وقوله: (بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ) متعلّق بـ "لا"، وفي نسخة: "بحضرة طعام" بالتنكير.
وفي رواية أبي داود: "لا يُصَلَّى بحضرة الطعام"، وقال في "المنهل": أي لا صلاة بحضرة طعام تتعلّق به النفس إلَّا بعد الأكل، وأخذ النفس حاجتها من الطعام، والنفي هنا بمعنى النهي للتنزيه عند الجمهور، وللتحريم عند الظاهريّة، وابن حزم، وأبي ثور، وجماعة، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قُدِّمت، والطعام المتيسّر عن قريبٍ كالحاضر.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "والطعام المتيسّر كالحاضر" فيه نظر لا يخفى؛ إذ قوله: "إذا قُرّب"، وكذا "إذا قُدّم" والألفاظ الأخرى تردّه، فالصواب تقييده بما حضر؛ عملًا بظواهر الألفاظ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وهذا ما لم يَضِق الوقتُ بحيث يُخاف خروج وقت الصلاة، وإلا صلّى وجوبًا، ولا يؤخّرها؛ محافظةً على حرمة الوقت، هذا ما ذهب إليه الجمهور؛ لما جاء عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "لا تؤخّروا الصلاة لطعام ولا لغيره"، رواه البغويّ في "شرح السنّة".
قال ابن الملك: يُحمَلُ هذا الحديث على ما إذا كان متماسكًا في نفسه، لا يُزعجه الجوع، أو كان الوقت ضيّقًا، يُخاف فوته؛ توفيقًا بين الأحاديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث جابر ﵁ المذكور أخرجه أيضًا أبو داود في "سننه"، وهو ضعيفٌ، فلا يُحتجّ به (٢)، فتنبّه.
(وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) أي ولا صلاةَ في حالة مدافعة الأخبثين، تثنية الأخبث، أي البول والغائط.
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "ولا هو يُدافعه الأخبثان" قال الأشرف: هذا
стр. 6801
التركيب لا أُحقّقه، وأقول: يمكن أن يقال: إن "لا" الأولى لنفي الجنس، و"بحضرة الطعام" خبرها، و"لا" الثانية زائدة للتأكيد، وعُطِفت الجملةُ على الجملة، وقوله: "هو" مبتدأ، و"يُدافعه" خبره، وفيه حذف، تقديره: ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان فيها، يعني أن الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدّي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، ويجوز أن تُحمَلَ المدافعة على الدفع مبالغةً، ويجوز أن يُحذف اسم "لا" الثانية وخبرها، وقوله: "هو يدافعه" حالٌ، أي ولا صلاةَ للمصلّي، وهو يُدافعه الأخبثان، ويؤيّده رواية: "لا يُصلّي الرجل، وهو يُدافع الأخبثين" (١)، ويجوز مثل هذا الحذف. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (٢).
وقال في "المرعاة": والمدافعة إما على حقيقتها، يعني أن الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدّي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، وإما بمعنى الدفع مبالغةً، وهذا مع المدافعة، وأما إذا لم يجد في نفسه ثقل ذلك، وليس هناك مدافعة فلا نهي عن الصلاة معه، ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل: تنزيهًا؛ لنقصان الخشوع، فلو خشي خروج الوقت إن قدّم التبرّز، وإخراج الأخبثين قدّم الصلاة، وهي صحيحة مكروهة، وُششحبّ إعادتها، ولا تجب عند الجمهور، كمال قال النوويّ، وعن الظاهريّة أنَّها باطلة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الظاهريّة لا يخفى رُجحانه؛ لظواهر النصوص، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "المنهل": وما قيل: إن في هذا تقديم حقّ العبد على حقّ اللَّه تعالى مردود بأنه ليس كذلك، وإنما فيه صيانة حقّ اللَّه تعالى؛ ليدخل العبد في العبادة بقلب خاشع غير مشغول (٤).
стр. 6802
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لا صلاة بحضرة الطعام إلخ" ظاهر هذا النصِّ نفي الصحّة والإجزاء، وإليه ذهب أهل الظاهر في الطعام، فتأوّل بعض أصحابنا حديث مدافعة الأخبثين على أنه شَغَلَهُ حتى لا يدري كيف صلّى؟ فهو الذي يُعيد قبلُ وبعدُ (١)، وأما إن شغَلَه شُغْلًا لا يمنعه من إقامة حدودها، وصلّى ضامًّا بين وركيه، فهذا يُعيد في الوقت، وهو ظاهر قول مالك في هذا، وذهب الشافعيّ والحنفيّ في مثل هذا إلى أنه لا إعادة عليه.
قال القاضي أبو الفضل: وكلّهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يَعقِل به صلاته، ولا يضبط حُدودها أنَّها لا تجزئه، ولا يَحلّ له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ١٢٥٠ و ١٢٥١] (٥٦٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٣ و ٥٤ و ٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٣٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٧٣ و ٢٠٧٤)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ١٦٨)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٥ و ١٢٢٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧١ و ٧٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٠١ و ٨٠٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن الصلاة بحضرة الطعام، قال الخطّابيّ ﵀: إنما أمر النبيّ ﷺ أن يبدأ بالطعام؛ لتأخذ النفس حاجتها منه، فيدخل في صلاته،
стр. 6803
وهو ساكن الجأش، لا تنازعه نفسه شهوة الطعام، فيُعجله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها، وإيفاء حقوقها، وكذلك إذا دافعه البول والغائط، فإنه يضيع به نحوُ من هذا، وهذا إذا كان في الوقت متّسعٌ، فإن لم يكن بدأ بالصلاة. انتهى (١).
٢ - (ومنها): أن هذا الحديث يدلّ على أن حمل الصلاة في قوله ﷺ : "إذا وُضح عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعَشاء" على العموم أولى؛ لأن لفظ "صلاة" في هذا الحديث نكرة في سياق النفي، ولا شكّ أنها من صيغ العموم؛ ولأن لفظ الطعام مطلقٌ غير مقيّد بالعشاء، فالظاهر أن ذكر المغرب في حديث أنس ﵁ الماضي من التنصيص على بعض أفراد العامّ، وليس بتخصيص، واللَّه تعالى أعلم (٢).
٣ - (ومنها): النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين: البول والغائط، وكذا يُلحق ما في معناه مما يَشغَل القلب، ويُذهب كمال الخشوع في الصلاة، قال الإمام ابن حبّان ﵀: المرء مزجور عن الصلاة عند وجود البول والغائط، والعلّة المضمرة في هذا الزجرِ هي أن يستعجله أحدهما حتى لا يتهيّأ له أداء الصلاة على حسب ما يجب من أجله، والدليل على هذا تصريح الخطاب: "ولا هو يدافعه الأخبثان"، ولم يقل: ولا هو يَجِد الأخبثين، والجمع بين الأخبثين قصد به وجودهما معًا، وانفراد كلّ واحد منهما، لا اجتماعهما دون الانفراد. انتهى كلامه ﵀ (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٤) يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ، عَنْ
стр. 6804
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ حُجْرِ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٥.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو حَزْرَة القاصّ" هو يعقوب بن مجاهد المذكور هناك، ويقال: أبو حَزْرة لقبه، وكنيته أبو يوسف.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث حاتم بن إسماعيل، يعني أن إسماعيل بن جعفر حدّث عن أبي حَزْرَة، يعقوب بن مجاهد بمثل ما حدثّ حاتم بن إسماعيل عنه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ) ببناء "يَذْكُر" للفاعل، وفاعله ضمير إسماعيل بن جعفر.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر التي أحالها المصنّف على رواية حاتم بن إسماعيل ساقها الحافظ أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ١٥٨ - ١٥٩) فقال:
(١٢٢٦) حدّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا عليّ بن حجر (ع) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن العباس، ثنا عبد الرحمن بن واقد، قالا: ثنا إسماعيل بن جعفر، ثنا أبو حَزْرَة القاصّ، عن عبد اللَّه بن أبي عتيق، عن عائشة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يُصَلِّيَنّ أحدكم، وهو بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 6805
(١٧) - (بَابُ نَهْي مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، أَوْ كُرَّاثًا، أَوْ نَحْوَهَا، مِمَّا لَهُ رَائِحَة كَرِيهَةٌ أَنْ يَحْضُرَ الْمَسْجِدَ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٢] (٥٦١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي غَزْوةِ خَيْبَرَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، يَعْنِي الثُّومَ فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ" (٢)، قَالَ زُهَيْرٌ: "فِي غَزْوَةٍ"، وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ القطان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٨) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرَن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زُهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة.
стр. 6806
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن نافع.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي غَزْو خَيْبَرَ) هي البلدة المعروفة، في جهة الشام تبعد عن مدينة النبيّ ﷺ ، نحو ثلاثة أيّام، وغزوتها كانت في المحرّم سنة سبع من الهجرة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "قال".
وقال في "الفتح": قوله: "قال في غزوة خيبر" قال الداوديّ: أي حين أراد الخروج، أو حين قَدِمَ، وتعقبه ابن التين بأن الصواب أنه قال ذلك، وهو في الغَزَاة نَفْسِها، قال: ولا ضرورة تمنع أن يُخبرهم بذلك في السفر. انتهى.
فكأن الذي حَمَل الداوديّ على ذلك قوله في الحديث: "فلا يقربنّ مسجدنا"؛ لأن الظاهر أن المراد به مسجد المدينة، فلهذا حَمَل الخبر على ابتداء التوجه إلى خيبر، أو الرجوع إلى المدينة، لكن حديث أبي سعيد ﵁ عند مسلم (١) دالّ على أن القول المذكور صدر منه ﷺ عقب فتح خيبر، فعلى هذا فقوله: "مسجدنا" يريد به المكان الذي أُعِدّ ليصليَ فيه مُدّة إقامته هناك، أو المراد بالمسجد الجنس، والإضافة إلى المسلمين، أي فلا يقربنّ مسجد المسلمين، ويؤيِّده رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: "فلا يقربنّ المساجد"، ونحوه لمسلم -يعني هذا الحديث-.
وهذا يَدْفَع قولَ من خص النهي بمسجد النبيّ ﷺ كما سيأتي، وقد حكاه ابن بطال عن بعض أهل العلم، ووهّاه، وفي "مُصَنَّف عبد الرزاق"، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل النهي للمسجد الحرام خاصّة، أو في المساجد؟ قال: لا، بل في المساجد. انتهى.
("مَنْ) شرطيّة جوابها "فلا يأتينّ" (أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) قيل: فيه إطلاق الشجرة على الثوم، وهو مجازٌ؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فَسَّر ابن عباس وغيره قوله تعالى:
стр. 6807
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾، ومن أهل اللغة من قال: كُلُّ ما ثبتت له أرُومة (١) أي أصلٌ في الأرض يُخْلِف ما قُطِع منه فهو شجرٌ، وإلا فنجمٌ.
وقال الخطابيّ ﵀: في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثُّوم، والعامة لا تعرف الشجر إلَّا ما كان له ساق. انتهى.
ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوصٌ، فكلُّ نجم شجرٌ، من غير عكس، كالشجر والنخل، فكل نخل شجرٌ، من غير عكس، قاله في "الفتح".
وقال في "المصباح": الشَّجَرُ: ما له ساقٌ صُلْبٌ يقوم به، كالنخل وغيره، الواحدة شجرةٌ، ويُجمع على شجرات، وأشجار. انتهى (٢).
وقال في "القاموس": الشَّجَر، والشِّجَرُ، والشَّجْراءُ، كجبَلٍ، وعِنَبٍ، وصَحْراء، والشِّيَرُ بالياء، كعِنَبٍ من النبات: ما قام على ساقٍ، أو ما سما بنفسه، دَقَّ أو جلَّ، قاوم الشتاء، أو عجز عنه، الواحدة بهاء. انتهى (٣).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وفي عامّة هذه الأحاديث تسمية الثُّوم شجرةً، قال الخطّابيّ: فيه أنه جعل الثُّوم من جملة الشجر، والعامّة إنما تُسمّي الشجر ما كان له ساقٌ يَحْمِل أغصانه دون غيره، وعند العرب أن كلَّ ما بقيت له أُرومة في الأرض تَخْلُف ما قُطع فهو شجرٌ، وما لا أُرومة له، فهو نجمٌ، فالقطن شجر يبقى في كثير من البلدان سنين، وكذلك الباذنجان، فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر، فلو حلف رجلٌ على شيء من الأشجار، فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على ما ذَكرتُ، وفي العرف ما تعارفه الناس. انتهى.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ [الصافات: ١٤٦] فلا يَرِد على ما ذكره، فإنها شجرة مقيّدة بكونها من يقطين، وكلامه إنما هو في إطلاق اسم الشجر. انتهى (٤).
стр. 6808
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "فلا يرد إلخ" فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الآية فيها إطلاق اسم الشجر على اليقطين، فكيف يستقيم قوله: "فأما اليقطين فليس بشجر"، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (يَعْنِي الثُّومَ) قال الحافظ ﵀: لم أعرف القائل: "يعني"، ويَحْتَمِل أن يكون عبيد اللَّه بن عمر، فقد رواه السَّرّاج من رواية يزيد بن الهادي، عن نافع بدونها، ولفظه: "نَهَى رسول اللَّه ﷺ عن أكل الثوم يوم خيبر". انتهى.
وزاد في الرواية التالية من طريق ابن نُمَير، عن عبيد اللَّه: "حتى يَذْهَب ريحُها".
[فائدة]: قال في "القاموس المحيط": "الثُّوم" -بالضم- بُسْتَانيّ، وبَرّيّ، ويُعرَف بثوم الحيَّة، وهو أقوي، وكلاهما مُسَخّن، مُخرِجٌ للنفخ والدود، مُدِرٌّ جِدًّا، وهذا أفضل ما فيه، جَيِّدٌ للنسيان، والرَّبْوِ، والسُّعَال الْمُزْمِن، والطِّحَال، والخاصرة، والْقَوْلَنْج، وعِرْقِ النَّسَا، ووجِعِ الْوَرِك، والنِّقْرِسِ، ولَسْعِ الْهَوَامّ والحيّات والعقارب، والكَلْبِ الْكَلِب، والعطشِ البَلْغَميّ، وتقطيرِ البول، وتصفيةِ الحلق، باهِيٌّ، جَذّابٌ، ومَشْويّه لوجع الأسنان المتأكِّلة، حافظٌ صحَّةَ الْمَبْرُودِينَ والمشايخ، رديءٌ للبواسير، والزَّحِير، والخنازير، وأصحاب الدِّقِّ، والْحَبَالَي، والمرضعات، والصُّداع، إصلاحه سَلْقُه بماء ومِلْح، وتطجينه بدُهْن لَوْز، وإتباعه بِمَصّ رُمّانة مِزَّةٍ، والثُّومَةُ واحدته. انتهى (١).
(فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ") فيه بيان أن النهي عامّ في المساجد كلّها، ففيه ردّ على من خصّه بالمسجدّ النبويّ، ووقع في بعض النسخ: "المسجد"، بالإفراد، وهو بمعناه؛ لأن "أل" فيه للاستغراق، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن حرب شيخه الثاني (فِي غَزْوَةٍ) مقول القول (وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ) هذا بيان لاختلاف ألفاظ الشيوخ، وهو من ورع المصنّف ﵀، واحتياطه، وتحرّيه في أداء الألفاظ، وإن لم يختلف به المعنى، وهذا هو الذي امتاز به على غيره، حتى قدّموه على البخاريّ في هذا، كما أشار إليه بعضهم بقوله [من الطويل]:
стр. 6809
تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمٍ … لأَيِّهِمَا فِي الْفَضْلِ كَانَ التَّقَدُّمُ
فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً … كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٢ و ١٢٥٣] (٥٦١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٣) و"المغازي" (٤٢١٥)، و (أبو داود) في "الأطعمة" (٣٨٢٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠١٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٠ و ٨/ ٣٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن دخول المسجد لمن أكل الثوم، وكذا كلّ ما له رائحة كريهة، حتى يذهب ريحها.
قال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربن المساجد" هذا تصريح بنهي مَن أَكَل الثوم ونحوه عن دخول كلّ مسجد، وهذا مذهب العلماء كافّة إلَّا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاصّ في مسجد النبيّ ﷺ ؛ لقوله ﷺ في بعض روايات مسلم: "فلا يقرَبَنَّ مسجدنا"، وحجة الجمهور: "فلا يَقرَبَنَّ المساجد". انتهى.
٢ - (ومنها): أنه وقع في حديث أنس ﵁ الآتي بعد حديث بلفظ: "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنّا، ولا يُصلّي معنا".
قال في "الفتح": وليس في هذا تقييدُ النهي بالمسجد، فيُستَدَلّ بعمومه
стр. 6810
على إلحاق المجامع بالمساجد، كمُصَلَّى العيد والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسكُ بهذا العموم أولى، ونظيره قوله: "وليقعد في بيته"، لكن قد عُلِّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كلٌّ منهما جزءَ علة اختَصَّ النهي بالمساجد، وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعمَّ النهيُ كلَّ مجمع كالأسواق، ويؤيِّد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد الآتي في الباب: "من أكل من هذه الشجرة شيئًا، فلا يقربنا في المسجد"، قال القاضي ابن العربيّ: ذكر الصفة في الحكم يدلّ على التعليل بها، ومِن ثَمَّ رُدَّ على المازريّ حيث قال: لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم؛ لأن المنع لم يَختَصّ بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنعُ من تناول شيئًا من ذلك، ودخل المسجد مطلقًا، ولو كان وحده. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ بأحاديث الباب على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين.
قال ابن دقيق العيد ﵀: هذا الحديث صريح في التخلّف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور؛ لأن اللازم من منعه أحدُ أمرين: إما أن يكون أكلُ هذه الأمور مباحًا، فتكون صلاة الجماعة ليست فرض عين، أو حرامًا، فتكون صلاة الجماعة فرضًا، وجمهور الأمة على إباحة أكلها، فيلزم أن لا تكون الجماعة فرض عين.
وتقريرُه أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حقّ آكلها جائزٌ، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تعقّب هذا التقرير العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ فيما علّقه على "الفتح"، فقال: ليس هذا التقرير بجيّد، والصواب أن أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين،
стр. 6811
كما أن حضور الطعام يُسوّغ ترك الجماعة لمن قُدِّم بين يديه مع كون ذلك مباحًا.
وخلاصة الكلام أن اللَّه يسّر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات عُذرًا في ترك الجماعة لمصلحة شرعيّة، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلةً لترك الجماعة حرُم عليه ذلك. انتهى كلامه ﵀، وهو تعقّب حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن ابن دقيق العيد ﵀ قال: ونُقل عن أهل الظاهر، أو بعضهم تحريم أكل الثُّوم؛ بناءً على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.
وتقرير هذا أن يقال: صلاة الجماعة واجبةٌ على الأعيان، ولا تتمّ إلَّا بترك أكل الثُّوم؛ لهذا الحديث، وما لا يتمّ الواجب إلَّا به، فهو واجبٌ، فترك أكل الثوم واجب، فيكون حرامًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا النقل عن أهل الظاهر غير صحيح، فقد صرّح ابن حزم ﵀ بخلافه، قال في "الفتح" بعد نقل كلام ابن دقيق العيد هذا ما نصّه: وكذا نقله غيره عن أهل الظاهر، لكن صَرّح ابن حزم منهم بأن أكلها حلالٌ، مع قوله بأن الجماعة فرض عين، وانفَصَل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مُخْتَصّ بمن عَلِمَ بخروج الوقت قبل زوال الرائحة، ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يَحْرُم على من أنشأه بعد سماع النداء. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن حزم: هو الصواب؛ لموافقته للنصوص الواردة في هذا الباب.
وحاصله أن صلاة الجماعة فرض، وأن أكل هذه الأشياء مباحٌ، وأنه يُسقط عمن أكلها فرض صلاة الجماعة حتى تزول رائحتها.
ومنه يتبيَّن أن قول الخطّابيّ ﵀: توهَّم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلّف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله؛ إذ حُرِم فضل الجماعة. انتهى. غير سديد، بل الصواب أنه عذرٌ في التخلُّف عنها؛ لظاهر النصّ؛ لأن من فعل ما أُبيح له لا يُعِاقب على فعله، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6812
٥ - (ومنها): أنه استَدَلَّ المهلَّب بقوله ﷺ : "فإني أناجي من لا تناجي" على أن الملائكة أفضل من الآدميين.
وتُعُقب بأنه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس على الجنس، وهذه المسألة قد تقدّم البحث فيها مستوفًى، وباللَّه تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): أنه اختُلِف هل كان أكل الثوم ونحوه حرامًا على النبيّ ﷺ أم لا؟ والراجح الحلّ؛ لعموم قوله ﷺ : "وليس بمحرَّم"، فقد أخرج ابن خزيمة: عن أبي أيوب الأنصاريّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ أرسل إليه بطعام من خُضْرة، فيه بصل، أو كُرّاث، فلم ير فيه أثر رسول اللَّه ﷺ ، فأبى أن يأكله، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ما منعك أن تأكل؟ "، فقال: لم أر أثرك فيه يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أستحي من ملائكة اللَّه، وليس بِمُحَرَّم"
٧ - (ومنها): أن ابن التين عن مالك قال: الفُجْل إن كان يَظهَر ريحه فهو كالثوم، وقيَّده عياض بالْجُشَاء.
قال الحافظ: وفي الطبراني الصغير من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁ التنصيص على ذكر الفُجْل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد، وهو ضعيف.
قال: وألحق بعضهم بذلك مَن بفيه بَخَرٌ، أو به جُرْحٌ له رائحة، وزاد بعضهم، فالحق أصحاب الصنائع، كالسمّاك، والعاهات، كالمجذوم، ومَن يُؤدِّيَ الناس بلسانه.
وأشار ابن دقيق العيد: إلى أن ذلك كلَّهُ توسع غير مرضيّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد ﵀ هو الحقّ، فلا ينبغي إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص؛ لأنَّها كانت موجودة في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يَرِد النصّ بنهي أصحابها عن دخول المسجد مع وجود الحاجة إلى بيان حكمها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": حُكم رَحْبة المسجد وما قَرُب منها حكمه، ولذلك كان ﷺ إذا وَجَد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وُجدت منه إلى البقيع، كما سيأتي في حديث عمر ﵁. انتهى.
[تنبيه آخر]: وقع في حديث حذيفة ﵁ عند ابن خزيمة: "من أكل من
стр. 6813
هذه البقلة الخبيثة، فلا يقْرَبَنَّ مسجدنا ثلاثًا"، وبَوَّب عليه: "توقيتُ النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم".
وتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون قوله: "ثلاثًا" يتعلَّق بالقول، أي قال ذلك ثلاثًا، بل هذا هو الظاهر؛ لأن علة المنع وجودُ الرائحة، وهي لا تستمرّ هذه المدة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحافظ ﵀ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا (١)، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا"، يَعْنِي الثُّومَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون تقدّموا في الباب الماضي، و"ابن نمير" هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير المذكور بعد التحويل، والثلاثة الباقون في السند الماضي.
وقوله: (مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ) بفتح الموحدة، وسكون القاف: واحد البَقْل، وهو: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض، قاله ابن فارس، وأبقلت الأرض: أنبتت البَقْلَ، فهي مُبْقلةٌ على القياس، وجاء باقلةٌ على غير قياس، أفاده الفيّوميّ (٢).
وقوله: (فَلَا يَقْرَبَنَّ) بفتح أوله، وثاللَّه، ويُضمّ أيضًا، قال الفيّوميّ: قَرِبتُ الأمرَ أقرَبه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قَتِلَ قِرْبَانًا بالكسر: فَعَلته، أو دانيته، من الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، ومن الثاني: "لا تقرَبِ الْحِمَى" ﵀، أي لا تدنُ منه، وقال أيضًا: قَرُب الشيءُ منَّا قُربًا، وقَرَابَةً،
стр. 6814
وقُربةً، وقُرْبَى: إذا دنا. انتهى بتصرّف (١).
وقال في "القاموس": قَرُبَ منه، ككرُمَ، وقَرِبَهُ، كسَمِعَ قُرْبًا، وقُربانًا -بالضمّ- وقِرْبَانًا -بالكسر-: دنا، فهو قريبٌ للواحد والجمع. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يُستفاد مما سبق عن "المصباح"، و"القاموس" أن قوله هنا: "فلا يقرُبنّ" يجوز فيه فتح رائه، وضمّها، وهو متعدّ، ولذا نصب قوله: "مساجدنا"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (مَسَاجِدَنَا) وفي نسخة: "مسجدنا" بالإفراد، وهو مفرد مضاف، فيعمّ.
قال ابن دقيق العيد ﵀: تعلّق بعضهم برواية: "مسجدنا" بالإفراد في أن النهي مخصوص بمسجد الرسول ﷺ ، وربّما يتأكّد ذلك بأنه مهبط الملك بالوحي، والصحيح المشهور خلاف ذلك، وأنه عامّ؛ لما جاء في الروايات الآخرى: "مساجدنا"، ويكون قوله"مسجدنا " للجنس، أو لضرب المثال، فإن هذا النهي مُعلَّل إما بتأذّي الآدميين، أو بتأذِّي الملائكة الحاضرين، وذلك يوجد في المساجد كلّها. انتهى (٢).
وقوله: (يَعْنِي الثُّومَ) لَمْ يُعرف قائل "يعني" كما تقدّم قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٤] (٥٦٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّا، وَلَا يُصَلِّ (٣) مَعَنَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل حديث.
стр. 6815
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير ﵁، تقدم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٨١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه أنس، وقد تقدّم الكلام فيه قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ) لَمْ يقل: "عبد العزيز بن صُهيب" بدون لفظة "وهو" إشارةً إلى أن شيخه لم ينسبه إلى أبيه، فلما أراد أن ينسبه أتى بما يفصل بين ما زاده وبين ما سمعه من شيخه، وقد تقدّم هذا غير مرّة (قَالَ) أي عبد العزيز (سُئِلَ أَنَسٌ) ﵁ (عَنِ الثُّوم؟) بالضّمّ، أي عن حكم أكله (فَقَالَ) أنس ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّا) بشديد النون، أصله "فلا يقرب"، ثم أدخلت عليه نون التوكيد، فصار "يقربنَّ" ثم أدغم في نون "نا"، وهو ضمير المتكلم ومعه غيره، في محلّ نصب مفعول به لـ "يقرب".
(وَلَا يُصَلِّ مَعَنَا") قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه: "ولا يُصَلِّ" على النهي، ووقع في أكثر الأصول: "ولا يصلي" بإثبات الياء على الخبر الذي يراد به النهيُ، وكلاهما صحيحٌ.
وفيه نَهْيُ مَن أكل الثُّوم ونحوه عن حضور مَجْمَع المصلين، وإن كانوا في غير مسجد، ويؤخذ منه النهي عن سائر مجامع العبادات ونحوها. انتهى (١).
стр. 6816
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فلا يقربنا، ولا يصلّي معنا" يدلّ على أن مُجتمَع الناس حيث كان لصلاة، أو غيرها، كمجالس العلم والولائم، وما أشبهها لا يقربها مَن أكل الثوم وما في معناه، مما له رائحة كريهة، تؤذي الناس، ولذلك جَمَعَ بين الثوم والبصل والكرّاث في حديث جابر ﵁. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٤] (٥٦٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٦) و"المغازي" (٥٤٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٩٧ و ١٣١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٨)، و (الطبرانيّ) في "الصغير" (٢/ ٣٥)، و (الطحاويّ) (٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٠٧)، وفوائده تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٥] (٥٦٣) - (وَحَدَّثَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا (٣) بِرِيحِ الثُّومِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقة حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 6817
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّف، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [١٠] (ت ٢١١) عن (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٥٨) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: (وَلَا يُؤْذِيَنَّا) قال النوويّ ﵀: هو بتشديد نون "يُؤْذِيَنَّا"، وإنما نبهت عليه؛ لأني رأيت من خَفّفه، ثم استَشْكَل عليه إثبات الياء، مع أن إثبات الياء المخففة جائز على إرادة الخبر. انتهى (١). وتمام شرح الحديث سبق قريبًا.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٥] (٥٦٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٣٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و ٢٦٦ و ٤٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢٥ و ١٢٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٩)، و (الطحاويّ) (٤/ ٢٣٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٤٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ٣٨٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6818
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٦] (٥٦٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا، فَقَالَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى (١) مِنْهُ الإِنْسُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب.
٢ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ) الكلابيّ، أبو سهل الرّقّيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٧] (ت ٧ أو ٢٠٨) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧.
٣ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ) هو: هشام بن أبي عبد اللَّه، واسمه سَنْبَر كجَعْفَر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في الإيمان ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وكثير، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أن جابرًا صحابيّ ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
стр. 6819
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ هكذا رواية المصنّف بالعنعنة، وأبو الزبير مدلّسٌ، لكن وقع تصريحه بالسماع عن جابر ﵁ عند أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٣٤٢) قال:
(١٢٢٣) حدّثنا يوسف بن مسلم، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: نَهَى رسول اللَّه ﷺ أن يأكلوا البصَلَ والكُرّاث، فلم ينتهوا، ولم يجدوا من أكلها بُدًّا، فوجد ريحها، فقال: "ألم يُنْهَوْا عن أكل هذه البَقْلَة الخبيثة، أو المنتنة؟ من أكلها فلا يَغْشَنَا في مساجدنا، فإن الملائكة تتأذي، مما يتأذى به الإنسان"، فقيل لجابر: والثُّوم؟ قال: لَمْ يكن عندنا يومئذ ثومٌ. انتهى.
وقال الحميديّ ﵀ في "مسنده" رقم (١٢٧٨) قال: حدّثنا سفيان (١)، قال: حدّثنا أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، سُئل عن الثوم؟ فقال: "ما كان بأرضنا يومئذ ثومٌ، إنما الذي نُهي عنه البصل، والكرّاث"، وبهذا ثبت تصريح أبي الزبير بالسماع، فزالت تُهمة التدليس عنه، فتنبّه.
(قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ) بفتحتين، واحده بصَلَة، كقصب وقَصَبة: نبتٌ معروف (وَالْكُرَّاثِ) بضمّ الكاف، كرُمّان، وبفتحها، ككَتَّانٍ، قاله في "القاموس" (٢)، وفي "المصباح": "الْكُرَّاثُ: بقلة معروفة، والكُرّاثة أخصّ منه، وهي خبيثة الريح". انتهى (٣). (فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ) أي الاحتياج إلى أكل البصل والكرّاث، ففي رواية الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ نَهَى زمنَ خيبر عن البصل والكُرّاث، فأكلهما قوم، ثم جاءوا إلى المسجد، فقال النبيّ ﷺ : "ألم أَنْهَ عن هاتين الشجرتين الْمُنْتِنَتَيْنِ؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، ولكن أجهدنا الجوع، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من أكلهما فلا يحضر مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
стр. 6820
(فَأَكَلْنَا مِنْهَا) هكذا النسخ بالإفراد، وفي روابة أحمد المذكورة: "فأكلهما قوم"، ولما هنا أيضًا وجه، وهو أن يؤوّل بالمذكورة، أو بجنس البَقْلَة (فَقَالَ) ﷺ ("مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ) اسم فاعل من أنتن الرباعيّ، قال في "القاموس": "النَّتْنُ": ضِدُّ الْفَوْح، نَتُنَ، كَكَرُمَ، وضَرَبَ نَتَانَةً، وأَنْتَنَ، فهو مُنْتِنٌ، ومِنْتِنٌ بكسرتين، وبضمّتين، وكقِنْدِيل. انتهى (١).
وقال في "المصباح": نَتُنَ الشيءُ بالضمّ نُتُونَةً، ونَتَانَةً، فهو نَتِيْنٌ، مثلُ قريبٍ، ونَتَنَ نَتْنًا، من باب ضَرَبَ، ونَتِنَ يَنْتَنُ، فهو نَتِنٌ، من باب تَعِبَ، وأنتنَ إنتانًا، فهو مُنْتِنٌ، وقد تُكْسر الميم للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضمُّ التاء إتباعًا للميم قليلٌ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر من عبارة "القاموس"، و"المصباح" أن "الْمُنْتِنة" هنا يجوز ضم ميمها، وهو الأشهر، وكسرها؛ إتباعًا لكسر التاء بعدها، وضمّ التاء إتباعًا لضمّ الميم قبلها، وهو قليلٌ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَا) ناهية، أو نافية، فعلى الأول يكون قوله: (يَقْرَبَنَّ) في محلّ جزم؛ لكونه مبنيًّا؛ لأجل نون التوكيد، وعلى الثاني، فهو في محلّ رفع خبر بمعنى النهي المؤكّد، وقد تقدّم أنه من بابي تعب، ونصر، وهو متعدّ، ولذا نصب قوله: (مَسْجِدَنَا) تقدّم أن المراد جنس المسجد، فلا يختصّ بالمسجد النبويّ، كما زعمه بعضهم، ويؤيّد ذلك ما تقدّم في حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: "فلا يأتينّ المساجد"، وفي رواية: "فلا يقربنّ مساجدنا"، ثم علّل النهي بقوله: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) الفاء للتعليل؛ أي لأن الملائكة (تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى (٣) مِنْهُ الْإِنْسُ") قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما، وهو ظاهر، ووقع في أكثر الأصول: "تَأَذَى مِمَّا يَأْذَى منه الإنس" بتخفيف الذال فيهما، وهي لغةٌ، يقال: أَذِيَ يَأَذَى، مثلُ عَمِيَ يَعْمَي، ومعناه: تَأَذَّى. انتهى (٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ ﵀ بإيضاح أنه رُوي بوجهين:
стр. 6821
[أحدهما]: "تَأَذَّى مما يَتَأذّى منه الإنس"، بتشديد الذال فيهما، من التأذِّي، وأصل "تَأَذَّى" تتأذَّى بتاءين، فحُذفت إحداهما تخفيفًا، كما في ﴿تَصَدَّى﴾، و ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، و ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
[والثاني]: "تَأْذَى مما يَأْذَى منه الإنس"، مضارع أَذِيَ، من باب تَعِبَ، وهو بمعنى الأول، قال في "المصباح": أَذِيَ الشيءُ أَذًى، من باب تَعِبَ: بمعنى قَذِرَ، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾: أي مستقذرٌ، وأَذِيَ الرجلُ أَذًى: وَصَلَ إليه المكروه، فهو أَذٍ، مثلُ عَمٍ، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آذيته إيذاءً، والأذيّةُ اسمٌ منه، فتأَذَّى هو. انتهى (١).
والمعنى المناسب هنا وصول المكروه إلى الملائكة، واللَّه تعالى أعلم.
قال العلماء: وفي هذا الحديث دليلٌ على منع آكل الثوم ونحوه، من دخول المسجد، وإن كان خاليًا؛ لأنه محلّ الملائكة، ولعموم الأحاديث، قاله النوويّ ﵀ (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٦] (٥٦٤)، (وابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٣٣٦٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٤ و ٣٨٧ و ٣٩٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٢٢٦)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٤/ ٢٤٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٢٣ و ١٦٤٦ و ٢٠٨٦ و ٢٠٨٧ و ٢٠٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6822
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ (٢)، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ، وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: زَعَمَ (٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ"، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خُضَرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: "قَرِّبُوهَا" إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: "كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى بن حَرْملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور قبل حديث.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بذكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرَنَ بينهما؛ لاتّحاد صيغة أدائهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
стр. 6823
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس أيليّ، نزل مصر، والثاني بالمدنيين، سوى عطاء، فمكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عطاء، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الراء، وتخفيف الموحدة، واسمه أسلِم، كما مرّ آنفًا (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ (قَالَ) وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: زعَمَ) أشار به إلى الاختلاف الواقع بين شيخيه: أبي الطاهر، وحرملة، فقال أبو الطاهر في روايته: "أن جابر بن عبد اللَّه قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: من أكل. . . إلخ"، وقال حرملة: "أن جابر بن عبد اللَّه زعم أن رسول اللَّه ﷺ قال. . . إلخ"، وفي رواية البخاريّ: "عن ابن شهاب، زعم عطاء، أن جابر بن عبد اللَّه زعم أن النبيّ ﷺ قال. . . " الحديث.
قال الخطابيّ ﵀: لم يقل: زَعَمَ على وجه التُّهْمَة، لكنه لَمّا كان أمرًا مُختلَفًا فيه، أَتَى بلفظ الزعم؛ لأن هذا اللفظ لا يكاد يُستَعمَل إلَّا في أمر يُرتاب به، أو يُختَلف فيه.
قال الحافظ ﵀: وقد يُستَعمَل في القول المحقَّق أيضًا، وكلام الخطابيّ لا ينفي ذلك. انتهى (١).
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا) شكٌّ من الراوي، وهو الزهريّ، ولم تَختَلف الرواة عنه في ذلك، قاله في "الفتح" (وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ") هكذا رواية المصنّف بالواو، وكذا عند البخاريّ إلَّا في رواية أبي ذرّ، فإنه بلفظ: "أو ليقعد في بيته" بـ "أو" التي للشك أيضًا،
стр. 6824
وهذا أخصّ من الاعتزال؛ لأنه أعمّ من أن يكون في البيت أو غيره.
وقوله: (وَإِنَّهُ) أي النبيّ ﷺ ، وهو بكسر "إنّ" معطوف على "إِنّ رسول اللَّه ﷺ قال. . . إلخ"، فهو مقول قال، أو بفتح الهمزة عطفًا "أنّ رسول اللَّه ﷺ قال. . . إلخ" مفعول به لـ "زَعَمَ".
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "وأن النبيّ ﷺ أُتي بقدر. . . إلخ" فقال في "الفتح": هذا حديث آخر، وهو معطوف على الإسناد المذكور، والتقدير: وحدّثنا سعيد بن عُفير -يعني شيخ البخاريّ هنا- بإسناده "أن النبيّ ﷺ أُتِي"، قال: وهذا الحديث الثاني كان مُتَقَدِّمًا على الحديث الأول بستّ سنين؛ لأن الأول تقدَّم في حديث ابن عمر وغيره أنه وقع منه ﷺ في غزوة خيبر، وكانت في سنة سبع، وهذا وقع في السنة الأولى عند قدومه ﷺ إلى المدينة، ونزوله في بيت أبي أيوب الأنصاريّ ﵁، كما سأبيّنه. انتهى (١).
(أُتِيَ) بالبناء للمفعول (بِقِدْرٍ) بكسر القاف، وهو: ما يُطْبَخ فيه، ويجوز فيه التأنيث والتذكير، والتأنيث أشهر، لكن الضمير في قوله: "فيه خَضِرَات" يعود على الطعام الذي في القِدْر، فالتقدير: أُتِي بقدر من طعام، فيه خَضِراتٌ، ولهذا لما أعاد الضمير على القدر أعاده بالتأنيث، حيث قال: "فأُخبِر بما فيها"، وحيث قال: "قرِّبوها"، قاله في "الفتح" (٢).
وتعقّبه العينيّ، فقال: هذا تصرّف فيه تعسّفٌ، فلا تُحتاج إلى تطويل الكلام، ولَمّا جاز في "القدر"التذكير والتأنيث أعاد الضمير إليه تارةً بالتذكير، وتارةً بالتأنيث؛ نظرًا إلى جواز الوجهين. انتهى (٣). وهو تعقّبٌ وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "بقدر" قال النوويّ ﵀: هكذا هو في نسخ "صحيح مسلم" كلِّها: "بقدر"، ووقع في "صحيح البخاريّ"، و"سنن أبي داود" وغيرهما من الكتب المعتمدة: "أُتي ببدر" بباءين موحّدتين، قال العلماء: هذا هو الصواب، وفسّر الرواةُ، وأهلُ اللغة والغريب البدر بالطبق، قالوا: سُمّي بدرًا؛
стр. 6825
لاستدارته كاستدارة البدر، وهو القمر عند كماله. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: وقعت هذه اللفظة "ببدر" بالباء الموحدة، وهو الطَّبَقُ، سُمّي بذلك لاستدارته، وقد وقع لبعض الرواة "بقدر" بالقاف، واستُدلّ به على كراهة ما له ريحٌ من البقول، وإن طُبخ، وهذا ليس بصحيح، قالوا: وهو تصحيف، وصوابه: "ببدر"، وقد ورد في كتاب أبي داود: "أُتِي ببدر"، ولو سُلِّم أنه "بقدر"، فيكون معناه أنَّها لم تَمُتْ بالطبخ تلك الرائحة منها، فبقي المعنى المكروه، فكأنها نيئة. انتهى (٢).
وقال البخاريّ ﵀ بعد روايته عن سعيد بن عُفير بلفظ: "أُتي بقدر" بالقاف ما نصّه: وقال أحمد بن صالح، عن ابن وهب: "أُتِيَ بِبَدْر".
قال في "الفتح": مراده أن أحمد بن صالح خالف سعيد بن عُفير في هذه اللفظة فقط، وشاركه في سائر الحديث، عن ابن وهب بإسناده المذكور.
وقد أخرجه البخاريّ في "الاعتصام"، قال: حدّثنا أحمد بن صالح، فذكره بلفظ: "أُتِي ببَدْر"، وفيه قول ابن وهب: "يعني طَبَقًا فيه خضرات".
وكذا أخرجه أبو داود، عن أحمد بن صالح، لكن أَخَّرَ تفسير ابن وهب، فذكره بعد فراغ الحديث.
وأخرجه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب، فقال: "بِقِدر" بالقاف.
ورَجَّح جماعة من الشُّرّاح رواية أحمد بن صالح؛ لكون ابن وهب فَسَّر البَدْر بالطَّبَق، فدَلَّ على أنه حدَّث به كذلك.
وزَعَم بعضهم أن لفظة "بقدر" تصحيفٌ؛ لأنَّها تُشْعِر بالطبخ، وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة بخلاف الطَّبَق، فظاهره أن البقول كانت فيه نِيئةً.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن رواية القدر أصحّ؛ لِمَا يأتي من حديث أبي أيوب وأم أيوب ﵄ جميعًا، فإن فيه التصريح بالطعام، ولا تعارُض بين امتناعه ﷺ من أكل الثوم وغيره مطبوخًا وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخًا، فقد عَلَّل ذلك بقوله: "إني لست كأحد منكم"، وترجم ابن خزيمة على حديث
стр. 6826
أبي أيوب: "ذكرُ ما خَصَّ اللَّه نبيه ﷺ به من ترك أكل الثوم ونحوه مطبوخًا".
وقد جَمَع القرطبيّ في "المفهم" بين الروايتين بأن الذي في القِدْر لم يَنضِج حتى تَضْمَحِلّ رائحته، فبقي في حكم النيء. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي رجّحه الحافظ ﵀ من كون رواية "بقِدر" أصحّ هو الظاهر؛ لما ذكره، ولأن فيه السلامة من دعوى التصحيف على الرواة الثقات، ولأن معناه صحيح على التأويل الذي قاله القرطبيّ ﵀، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فِيهِ) أي في ذلك القدر (خُضَرَاتٌ) قال في "الفتح": ضُبِط في رواية أبي ذرّ بضم الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، وهو جمع خُضْرَة، ولغيره بفتح أوله، وكسر ثانيه، ويجوز مع ضم أوله ضمُّ الضاد، وتسكينها أيضًا. انتهى.
وقال في "العمدة": قال ابن التين: رَوَيناه بفتح الخاء، وكسر الضاد، وقال ابن قرقول: ضبطه الأصيليّ بضمّ الخاء، وفتح الضاد، والمعروف الأول. انتهى (٢).
(مِنْ بُقُولٍ): "من" بيانيّة، ويجوز كونها للتبعيض، قاله في "العمدة" (فَوَجَدَ) النبيُّ ﷺ (لَهَا) أي لتلك الخضرات (رِيحًا) المراد الريح الكريه (فَسَأَلَ) أي عما فيها (فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (بِمَا فِيهَا) أي بما في تلك القدر، وقد تقدّم أنه يؤنّث، وقد يُذكّر (مِنَ الْبُقُولِ) بالضمّ جمع بَقَل، كفلس وفُلُوس، وقد تقدّم أنه كلّ نبت اخضرّت به الأرض (فَقَالَ) ﷺ ("قَرِّبُوهَا") أمرٌ من التقريب، والضمير المنصوب يجوز أن يرجع إلى الخضرات، ويجوز أن يرجع إلى القدر، ويجوز أن يرجع إلى البقول، أفاده في "العمدة" (٣). (إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ) ﷺ ، قال الكرمانيّ ﵀: فيه النقل بالمعنى؛ إذ الرسول ﷺ لم يقله بهذا اللفظ، بل قال: قَرِّبوها إلى فلان مثلًا، أو فيه حذفٌ، أي قال: قَرِّبوها مشيرًا، أو أشار إلى بعض أصحابه. انتهى.
قال الحافظ ﵀: والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاريّ، ففي "صحيح
стр. 6827
مسلم" من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبيّ ﷺ عليه قال: فكان يصنع للنبيّ ﷺ طعامًا، فإذا جيء به إليه -أي بعد أن يأكل النبيّ ﷺ منه- سأل عن موضع أصابع النبيّ ﷺ ، فصنع ذلك مرّةً، فقيل له: لم يأكل، وكان الطعام فيه ثُومٌ، فقال: أحرام هو يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، ولكن أكرهه". انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحافظ ﵀ من أن ذلك البعض هو أبو أيوب ﵁ هو الظاهر؛ لما ذكره، وقد تعقّبه العينيّ في ذلك، فإن أراد الاعتراض على جزمه بأنه أبو أيوب، فله وجه، وإلا فلا، فتأمّل ما كتبه بالإنصاف (٢)، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَلَمَّا رَآهُ) أي رأى النبيّ ﷺ ذلك الرجل (كَرِهَ أَكْلَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه كارهًا أكل ما في تلك القدر؛ لكونه ﷺ ترك أكلها (قَالَ) ﷺ لذلك الرجل ("كُلْ) ثم علّل تركه لها، وأمْرَه بأكلها بقوله: (فَإِنِّي) الفاء فيه للتعليل، أي لأني (أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي") أي أُسارُّ من لا تُسارُّ، وهم الملائكة، قال في "القاموس": وناجاه مناجاةً، ونِجاءً: سارّه، وانتجاه: خصّه بمناجاته، وناجى القومُ: تسارُّوا، كتَنَاجَوْا، قال: ونَجَاه نَجْوًا، ونَجْوَى: سارّه، ونَكَهَهُ، والنَّجْوَى: السِّرُّ، والْمُسَارُّون، اسمٌ، ومصدرٌ. انتهى بتصرّف (٣).
قال القرطبيّ ﵀: هذا يُشعر بأن هذا الحكم خاصّ به ﷺ ؛ إذ هو المخصوص بمناجاة الملك، ولكن قد عُلِّلَ هذا الحكم في أول الحديث بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم، حيث قال: "فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم"، وقولِهِ: "ولا تؤذينا بريح الثُّوم". انتهى (٤).
وقال في "الفتح": قوله: "كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي" أي الملائكة، وفي حديث أبي أيوب زمنه عند ابن خزيمة، وابن حبان من وجه آخر: أن رسول اللَّه ﷺ أرسل إليه بطعام من خُضْرة، فيه بَصَلٌ، أو كُرّاثٌ، فلم يَرَ فيه أثر رسول اللَّه ﷺ ، فأبى أن يأكل، فقال له: "ما منعك؟ "، قال: لَمْ أَرَ أَثَرَ
стр. 6828
يدك، قال: "أستحي من ملائكة اللَّه، وليس بمحرَّم"، ولهما من حديث أم أيوب ﵄ قالت: نزل علينا رسول اللَّه ﷺ ، فتكلَّفنا له طعامًا فيه بعض البقول. . . فذكر الحديث نحوه، وقال فيه: "كلوا، فإني لست كأحد منكم، إني أخاف أُوذي صاحبي"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٧ و ١٢٥٨ و ١٢٥٩] (٥٦٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٥) و"الأطعمة" (٥٤٥٢) و"كتاب الاعتصام" (٧٣٥٩)، و (أبو داود) في "الأطعمة" (٣٨٢٢)، و (الترمذيّ) في "الأطعمة" (١٨٠٦)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٣٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٠ و ٨/ ٣٠٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٠)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٤ و ١٦٦٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٤٤)، و (الطبرانيّ) في "الصغير" (٢/ ١٢٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢٧ و ١٢٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣١ و ١٢٣٢ و ١٢٣٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٦ و ٧/ ٥٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٩٦).
وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٨] (. . .) - (وحَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 6829
"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَنِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ -وَقَالَ مَرَّةً-: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضل ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم أول الباب.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (الثُّومِ) بالجرّ بدل من "الْبَقْلة".
وقوله: (وَقَالَ مَرَّةً إلخ) فاعل "قال" ضمير ابن جُريج، كما بيّنته رواية أبي نعيم في "مستخرجه"، من طريق رَوْح بن عُبادة، عن ابن جُريج، ولفظه: "قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: الثوم والبصل والكراث".
وقوله: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) قال القاضي عياض ﵀: قال أبو القاسم بن أبي صفرة: فيه دليلٌ على تفضيل الملائكة على بني آدم، قال: ولا دليل في ذلك، ولا سيّما مع قوله: "فإن الملائكة تتأذى بما يتاذّى به الإنس"، فقد سوّاهم. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: "مَنْ أَكَلَ (٢) مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ-
стр. 6830
فَلَا يَغْشَنَا (١) فِي مَسْجِدِنَا"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصَلَ، وَالْكُرَّاثَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) الضمير لمحمد بن بكر، وعبد الرزّاق.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد ابن جريج الماضي، وهو: عن عطاء، عن جابر ﵁.
وقوله: (يُرِيدُ الثُّومَ) قال الحافظ ﵀: لَمْ أعرف الذي فسره، وأظنه ابن جريج، فإن في الرواية التي تلي هذه -يعني عند البخاريّ- عن الزهريّ، عن عطاء الجزم بذكر الثوم، على أنه قد اختُلِف في سياقه عن ابن جريج، فقد رواه مسلم من رواية يحيى القطان، عن ابن جريج بلفظ: "من أكل من هذه البقلةِ الثُّومِ" -يعني الرواية التي قبل هذه- وقال مرةً: "من أكل البَصَلَ، والثومَ، والكُرّاث"، ورواه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج مثله، وعَيَّن الذي قال: "وقال مرةً"، ولفظه: قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: "الثوم والبصل والكراث"، ورواه أبو الزبير عن جابر بلفظ: "نَهَى النبيّ ﷺ عن أكل البصل والكراث"، قال: ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم، هكذا أخرجه ابن خزيمة، من رواية يزيد بن إبراهيم، وعبد الرزاق، عن ابن عيينة كلاهما، عن أبي الزبير.
قال الحافظ: وهذا لا ينافي التفسير المتقدم؛ إذ لا يلزم من كونه لم يكن بأرضهم أن لا يُجْلَب إليهم، حتى لو امتَنَع هذا الحمل لكانت رواية المثبِتِ مقدمة على رواية النافي. انتهى (٢).