← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

الصواب، فيتم عليه، ثم يسجد سجدتين"، وفي الحديث الآخر المتفق عليه لابن مسعود ﵁: "فقلنا: يا رسول اللَّه، أَحَدَث في الصلاة شيءٌ؟ فقال: لا، فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد أو نقص، فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين"، فقد أَمَر ﷺ بالسجدتين إذا زاد أو إذا نقص، ومراده إذا زاد ما نُهِي عنه، أو نقص ما أمر به. ففي هذا إيجاب السجود لكل ما يُتْرَك مما أمر به إذا تركه ساهيًا، ولم يكن تَرْكُهُ ساهيًا موجبًا لإعادته بنفسه، وإذا زاد ما نُهي عنه ساهيًا، فعلى هذا كلُّ مأمور به في الصلاة إذا تركه ساهيًا، فإما أن يعيده إذا ذكره، وإما أن يسجد للسهو لا بدّ من أحدهما. فالصلاة نفسها إذا نسيها صلاها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، وكذلك إذا نسي طهارتها كما أُمر الذي ترك موضع لُمْعَة من قدمه لم يصبها الماء، أن يعيد الوضوء والصلاة، وكذلك إذا نسي ركعةً، كما في حديث ذي اليدين، فإنه لا بدّ من فعل ما نسيه، إما مضمومًا إلى ما صَلَّى، وأما أن يبتدئ الصلاة. فهذه خمسة أحاديث صحيحة، فيها كلِّها يأمر الساهي بسجدتي السهو، وهو ﷺ لَمَّا سَهَى عن التشهد الأول سجدهما بالمسلمين قبل السلام، ولما سلَّم في الصلاة من ركعتين، أو من ثلاث، صلّى ما بقي، وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة، ولَمّا أذكروه أنه صلّى خمسًا سجدهما بعد السلام والكلام. وهذا يقتضي مداومته ﷺ عليهما، وتوكيدهما، وأنه لم يَدَعْهما في السهو المقتضي لهما قط، وهذه دلائل بينةٌ واضحةٌ على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وليس مع مَن لم يوجبهما حُجَّةٌ تقارب ذلك. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال أبو عبد اللَّه المازريّ ﵀: أحاديث الباب خمسة: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ فيمن شك فلم يَدْرِ كم صلّى؟، وفيه أنه يسجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما.

стр. 6897

٢ - وحديث أبي سعيد ﵁ فيمن شك، وفيه أن يسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم. ٣ - وحديث ابن مسعود ﵁، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام. ٤ - وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والمشي والكلام، وأنه سجد بعد السلام. ٥ - وحديث ابن بُحَينة ﵁، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام. واختَلَف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث، فقال داود ﵀: لا يقاس عليها، بل تُسْتَعمل في مواضعها على ما جاءت، وقال أحمد ﵀ بقول داود في هذه الصلوات خاصّة، وخالفه في غيرها، وقال: يَسجُد فيما سواها قبل السلام لكل سهو. وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا، فقال بعضهم: هو مُخَيَّرٌ في كل سهو، إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله في الزيادة والنقص. وقال أبو حنيفة ﵀: الأصل هو السجود بعد السلام، وتأوّل بعضَ الأحاديث عليه. وقال الشافعيّ ﵀: الأصل هو السجود قبل السلام، ورَدَّ بقية الأحاديث إليه. وقال مالك ﵀: إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام، وإن كان نقصًا فقبله. فأما الشافعيّ: فقال في حديث أبي سعيد: "فإن كانت خامسةً شفعها"، ونَصّ على السجود قبل السلام، مع تجويز الزيادة، والمجوَّز كالموجود، ويتأول حديث ابن مسعود ﵁ في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام على أنه ﷺ ما عَلِمَ السهو إلا بعد السلام، ولو علمه قبله لسجد قبله، ويتأول حديث ذي اليدين على أنها صلاةٌ جرى فيها سهوٌ، فسها عن السجود وقبل السلام، فتداركه بعده. انتهى. قال النوويّ ﵀ بعد نقل كلام المازريّ هذا: هو كلام حسنٌ نفيسٌ،

стр. 6898

وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك ﵀، ثم مذهب الشافعيّ، وللشافعيّ ﵀ قول كمذهب مالك: يفعل بالتخيير، وعلى القول بمذهب مالك: لو اجتمع في صلاة سهوان: سهوٌ بزيادة، وسهوٌ بنقص، سجد قبل السلام، قال القاضي عياض ﵀ وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام، أو بعده للزيادة أو النقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل، واللَّه أعلم. قال الجمهور: لو سها سهوين فأكثر كفاه سجدتان للجميع، وبهذا قال الشافعيّ ومالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم اللَّه تعالى، وجمهور التابعين، وعن ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان، وفيه حديث ضعيف. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال في "الفتح" ما حاصله: ذهب مالك، والمزنيّ، وأبو ثور من الشافعية إلى التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الثاني يسجد بعده، قال: وزعم ابن عبد البرّ أنه أولى من غيره؛ للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر؛ لأنه في النقص جَبْرٌ، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها. وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح، وادّعاءِ النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرةً، وكان الحكم على وفقها كانت علّةً، فيعمّ الحكم جميع محالّها، فلا تخصص إلا بنصّ. وتُعُقِّب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوعٌ، بل هو جبرٌ أيضًا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادةً فهو نقص في المعنى، وإنما سَمَّى النبيّ ﷺ سجود السهو ترغيمًا للشيطان في حالة الشك، كما في حديث أبي سعيد ﵁ عند مسلم. وقال الخطابيّ: لم يَرْجِع مَن فَرَّق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح،

стр. 6899

وأيضًا فقصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام، وهي عن نقصان. وأما قول النوويّ: أقوى المذاهب فيها قولُ مالك، ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى؛ لأنه قال: يُستَعْمَل كلُّ حديث فيما ورد فيه، وما لم يَرِد فيه شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما رُوي عن النبيّ ﷺ في ذلك لرأيته كلَّه قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة، فيفعله قبل السلام. وقال إسحاق مثله، إلا أنه قال: ما لم يرد فيه شيء يُفَرَّق فيه بين الزيادة والنقصان، فحرَّر مذهبه من قولي أحمد ومالك، وهو أعدل المذاهب فيما يظهر. وأما داود فجرى على ظاهريته، فقال: لا يُشرَع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد النبيّ ﷺ فيها فقط، وعند الشافعيّ سجود السهو كلُّه قبل السلام، وعند الحنفية كلُّه بعد السلام. واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود ﵁. وتُعُقِّب بأنه لم يَعْلَم بزيادة الركعة إلا بعد السلام، حين سألوه، هل زيد في الصلاة؟، وقد اتَّفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة ﵃ لتجويزهم الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ. وأجاب بعضهم بما وَقَع في حديث ابن مسعود ﵁ من الزيادة، وهي: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليَتَحَرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم لْيُسَلِّم، ثم يسجد سجدتين". وأجيب بأنه معارَضٌ بحديث أبي سعيد ﵁ عند مسلم، ولفظه: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلّى، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم"، وبه تمسك الشافعية. وجَمَع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورَجَّح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونَقَل الماورديّ وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النوويّ. وتُعُقِّب بأن إمام الحرمين نَقَل في "النهاية" الخلاف في الإجزاء عن

стр. 6900

المذهب، واستبعد القول بالجواز، وكذا نَقَل القرطبيّ الخلاف في مذهبهم، وهو مخالف لما قاله ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل السلام أو بعده أن لا شيء عليه، فيُجْمَع بأن الخلاف بين أصحابه. والخلافُ عند الحنفية، قال القدوريّ: لو سجد للسهو قبل السلام رُوي عن بعض أصحابنا لا يجوز؛ لأنه أداء قبل وقته، وصَرَّح صاحب "الهداية" بأن الخلاف عندهم في الأولوية. وقال ابن قدامة في "المقنع": مَن تَرَك سجود السهو الذي قبل السلام بطلت صلاته إن تعمد، وإلا فيتداركه ما لم يطل الفصل. ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماورديّ وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة. وقال ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود ﵁؛ لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلِّي في الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسةً، ثم سلَّم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصحّ صلاته، ولم يُنْقَل في حديث ابن مسعود ﵁ إضافة سادسة، ولا إعادةٌ، ولا بُدّ من أحدهما عندهم، قال: ويَحْرُم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضح مما سبق من عرض آراء العلماء في مسألة كون سجود السهو قبل السلام، أو بعده، وذكر أدلّتهم أن الأرجح هو القول بالتخيير بين السجود قبل السلام أو بعدها فيما لا نصّ فيه. والحاصل أن ما جاء النصّ فيه بأن النبيّ ﷺ سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما جاء أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام على موافقة النصّ، وما ليس فيه نصّ فالساهي بالخيار، إن شاء سجد قبل السلام، وإن شاء سجد بعد السلام. قال الشوكانيّ ﵀: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله ﷺ من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب

стр. 6901

السجود مُقيَّدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيّدًا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يَرِد تقييده بأحدهما كان مخيّرًا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص؛ لما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين". وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصًا، أو مجموعهما. انتهى كلامه ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ثم بعد أن كتبت ما سبق رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ ترجيح ما رجّحته، أحببت إيراده هنا تكميلًا للفائدة، قال ﵀ بعد إيراده المذاهب، وأدلتها: وحينئذ فأظهر الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحرِّي، والشكِّ مع البناء على اليقين، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، وقول مالك قريب منه، وليس مثله، فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلِّها فيه الفرق المعقول، وذلك أنه إذا كان في نقص، كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر، وجابرُها يكون قبل السلام؛ لتتم به الصلاة، فإن السلام هو تحليل من الصلاة، وإذا كان من زيادة كركعة، لم يُجمَع في الصلاة بين زيادتين، بل يكون السجود بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان بمنزلة صلاة مستقلة، جُبِر بها نقص صلاته، فإن النبيّ ﷺ جعل السجدتين كركعة. وكذلك إذا شك وتَحَرَّى، فإنه أتم صلاته، وإنما السجدتان لترغيم الشيطان، فيكون بعد السلام، ومالك لا يقول بالتحرِّي، ولا بالسجود بعد السلام فيه. وكذلك إذا سَلَّم، وقد بقي عليه بعض صلاته، ثم أكملها، فقد أتمها، والسلام منها زيادةٌ، والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان. وأما إذا شك، ولم يتبين له الراجح، فهنا إما أن يكون صلَّى أربعًا أو خمسًا، فإن كان صلّى خمسًا فالسجدتان يشفعان له صلاته؛ ليكون كأنه قد

стр. 6902

صلّى ستّا لا خمسًا، وهذا إنما يكون قبل السلام، ومالك هنا يقول: يسجد بعد السلام. فهذا القول الذي نصرناه، هو الذي يُستَعْمَل فيه جميع الأحاديث، لا يُترك منها حديثٌ، مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يَرِدْ فيه نَصٌّ، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يُشبهه من المنصوص. ومما يُوَضِّح هذا أنه إذا كان مع السلام سهوٌ سجد بعد السلام، فيقال: إذا زاد غير السلام من جنس الصلاة، كركعة ساهيًا، أو ركوع، أو سجود ساهيًا، فهذه زيادة لو تعمدها بطلت صلاته كالسلام، فإلحاقها بالسلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التشهد الأول، أو شك وبنى على اليقين. وقول القائل: إن السجود من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام، يقال له: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن يكون كلُّه قبل السلام، فلما ثبت أن بعضه بعد السلام، عُلِم أنه ليس جنسه من شأن الصلاة الذي يقضيه قبل السلام، وهذا معارَضٌ بقول من يقول: السجود ليس من موجب تحريم الصلاة، فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة، وهذه الأمور دعاوي لا يقوم عليها في ليل، بل يقال: التحريم أوجب السجود الذي يُجبَر به الصلاة. ويقال: من السجود ما يكون جبره للصلاة إذا كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع فيها زيادتان، ولأنه مع تمام الصلاة إرغام للشيطان، ومعارَضةٌ له بنقيض قصده، فإنه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة، فأُمر العبد أن يُرغِمه، فيأتي بسجدتين زائدتين بعد السلام؛ ليكون زيادة في عبادة اللَّه، والسجود للَّه، والتقرب إلى اللَّه الذي أراد الشيطان أن يَنقُصه على العبد، فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته، فأمره اللَّه أن يُتِمَّ صلاته، وأن يُرغم الشيطان، وعفا اللَّه للإنسان عما زاده في الصلاة نسيانًا، من سلام، وركعة زائدة، وغير ذلك، فلا يأثم بذلك، لكن قد يكون تقرُّبه ناقصًا لنقصه فيما ينساه، فأمره اللَّه أن يُكَمِّل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة، واللَّه أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تدارك سجود السهو:

стр. 6903

رَوَى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحّاك بن مُزاحم: إني سهوت، ولم أسجد، قال: ههنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة. وروى عبد الرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم يقم سَجَدَهما. وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم أقم؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال: فاجلس فاسجدهما. وعن علقمة أنه صلّى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد سجدتي السهو، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما. وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائيّ ﵀ في كتابه المذكور ص ٣٦٧ - ٣٧٠. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلِّي يَتدارَك سجود السهو، وإن انحرف عن القبلة، أو تكلم، أو خرج من المسجد، ناسيًا؛ لأنه ثبت عن النبيّ ﷺ أنه سجد للسهو بعدما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته، كما ستأتي الأحاديث المبيِّنة لذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد والسلام بعد سجدتي السهو: (اعلم): أنهم اختَلَفوا أيضا في سجود السهو، هل يعقبه تشهد وسلام أم لا؟ أم أحدهما؟ وهل يحتاج إذا وقع بعد السلام إلى تكبيرة الإحرام، أم لا؟.

стр. 6904

فروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ أنه يتشهد فيها، ويسلّم، وعن حماد بن أبي سليمان، والْحَكَم كذلك، وعن إبراهيم النخعيّ أيضًا، ورواه عبد الرزاق عن قتادة. وقال آخرون: لا تشهّد بعدها، ولا تسليم، روى ابن أبي شيبة ذلك عن أنس بن مالك، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح على خلاف عنه. وقال آخرون: يُسلّم بعدها، ولا يتشهّد، روي هذا عن سعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن إبراهيم النخعي، والحسن البصري أيضًا، وحكاه ابن عبد البرّ عن ابن سيرين، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحبّ إليّ أن يتشهّد فيهما. وحكى ابنُ عبد البرّ أيضًا عن يزيد بن قُسيط أنه يتشهّد بعدهما، ولا يسلّم، قال: وهو رواية أيضًا عن الحكم بن عُتيبة، وحماد، والنخعي. فهذه أقوال المتقدمين. وأما الأئمة الأربعة، فقال القاضي عياض ﵀: مذهب مالك: أنه إذا كانتا -يعني السجدتين- بعد السلام، فيتشهّد لهما، ثم يسلّم، ثم اختُلفَ عنه، هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات، أم يسرّ، ولا يجهر؟ واختُلف عنه، هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟ واختلف عنه، هل يتشهّد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟. وأشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام، لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يُتحلل منه بسلام لا بدّ من تكبير يُتَحرّم به كسائر الصلوات. ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهّد بعد سجدتي السهو، ثم يسلّم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام؛ لأنه لم يخرج بالسلام الذي قبل سجود السهو من الصلاة أصلًا. هذا قول محمد بن الحسن، حتى قال: يجوز للمقتدي أن يأتمّ به ابتداء بعدما سلّم، ويكون كالمسبوق. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن سجد للسهو بعدما سلّم لم يكن خارجًا

стр. 6905

من الصلاة بسلامه ذلك، وجاز أن يُؤتمّ به، وإن أعرض عن السجود، وكان بذلك السلام خارجًا من الصلاة، فلم يجز ربط القدوة به. ويظهر فائدة الخلاف بينهم في انتقاض الطهارة بالقهقهة على أصلهم، واتفقوا على أنه لو سلّم يريد به قطع الصلاة لَغَت هذه الإرادة، وأتى بسجود السهو الذي عليه؛ لأن نيته تغيير للمشروع. وقال أحمد ﵀: متى سجد قبل السلام لم يَحتج إلى تشهّد، وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة، ليس معلّقًا بسجود السهو، وأما إذا سجد بعد السلام، فإنه يتشهد بعده، ثم يسلّم، ولم يذكر تكبيرة إحرام. وأما مذهب الشافعيّ ﵀، فإن سجد قبل السلام، فلا تشهّد، ولا تسليم قطعًا، وإن سجد بعده ففيه تفاصيل لأصحابه قد ذكرها العلائى ﵀، وتركتها اختصارًا (١). وقد ذكر العلائي ﵀ أدلتهم بعد ذكر أقوالهم، فقال: أما تكبيرة التحريم فلم يأت ذكرها في حديث صريحًا، إلا أن حمّاد بن زيد روى عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ في حديث ذي اليدين أن النبيّ لمّا أتم الصلاة، وسلّم منها كبّر، ثم كبّر، وسجد للسهو. أخرجه أبو داود، وقال: إنها تفرّد بها هشام بن حسّان من رواية حماد بن زيد عنه، وقد رواه حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان لم يذكروا هذه اللفظة -أعني قوله: "كبّر، ثم كبّر"-. وكذلك رواه عن ابن سيرين جماعة كثيرون فوق العشرة بدونها. فالحاصل: أن هذه الزيادة شاذّة، وإن كان راويها ثقةً، ولكنه خالف فيها جماعة حُفّاظًا أكثر عددًا منه، فكانت مردودة. والذي اعتمده القرطبي في اشتراط تكبيرة التحريم ما تكرر في روايات حديث ذي اليدين في "الصحيح" من قول أبي هريرة ﵁: فصلّى ركعتين، ثم كّبر، ثم سجد، ثم كبّر ورفع، ثم كبّر وسجد، ثم كبّر فرفع.

стр. 6906

قال: فعَطَفَ السجود على التكبير الأول بـ "ثم" التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه مصاحبًا له، ولأتى الراوي به بالواو المقتضية للجمع، كما فعل في بقية انتقالات السجود. قال العلائي: وهذا الاستدلال ليس بالظاهري القويّ، بل هو مُحْتَمِلٌ، أو قريب من الظهور. وأقوى ما يُستدَل به لذلك ما ثبت عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- من التسليم بعد سجود السهو الذي فعله بعد السلام، كما ثبت هذا من حديث عمران بن حُصين ﵄ عند مسلم. والقاعدة تقتضي أن السلام لا يُتحلّل به إلا من عَقْد انعقد قبله بتحرّم، فهذا إذا انضمّ إلى ما قاله القرطبي أفاد قوّةً في تكبيرة الإحرام. ولكن هذا إذا قلنا بأنه ليس في الصلاة الأولى، أما إذا جعلناه عائدًا إليها كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا سلم ناسيًا سجودَ السهو، وكمذهب أبي حنيفة في أن السلام الأول لم يُخرج به من الصلاة، إذ كان عليه سجودُ سهو، فلا معنى هنا لتكبيرة الإحرام، لكن القول بأنه لم يخرج من الصلاة بالتسليم الذي أَتَى به قصدًا بعيدٌ لا وجه له، وقد قال النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: "وتحليلها التسليم"، فيحتاج من يقول بأنه لا يخرج من الصلاة إذا تعمد التسليم إلى دليل. وأما التشهّد، فقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه جميعًا عن محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، أخبرني أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵄، أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال العلائي: أشعث هذا هو ابن عبد الملك الحُمراني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، والنسائي وغيرهما، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: خرج حفص بن غياث إلى عَبّادان، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدّثنا عن أشعث بن عبد الملك. ولم يخرّج الشيخان له شيئًا في كتابيهما، لكن البخاري ذكره تعليقًا، وقد

стр. 6907

ذكره ابن عديّ في كتابه "الكامل في الضعفاء"، لكنه لم يذكر شيئًا يدلّ على تليينه أكثر من قول أهل البصرة هذا، وفي كونه تضعيفًا نظر، لو انفرد، فكيف به مع توثيق يحيى بن سعيد القطان وغيره؟. والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث أنه تفرّد به أشعث هذا، وقد رواه شعبة بن الحجاج، ووهيب بن خالد، وإسماعيل ابن عُلية، وحماد بن زيد، وهُشيم بن بَشير، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي، كلهم عن خالد الحذّاء، من حديث عمران بن حُصين مطوّلًا ومختصرًا، ولم يذكر أحد منهم التشهّد بعد سجدتي السهو، فهذه الزيادة شاذّة مخالفة للثقات الحُفّاظ المتقنين، فكانت مردودة، هذا لو كان أشعث مقاومًا لمن ذكر، فكيف، وهو دونهم في الإتقان والحفظ بكثير؟، وقد مُسّ أيضًا، وهذا وحده كاف في ردّ زيادة التشهّد. ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت من طُرُق عديدة عن ابن سيرين في حديث ذي اليدين بعد سياقه حديث أبي هريرة ﵁، قال: ونُبِّئتُ عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلّم، فلم يذكر مع السلام تشهّدًا، وهو هنا راوي هذا الحديث، فلو كان محفوظًا عنده لذكره ولو مرًّة واحدة. وفي "صحيح البخاري" عن حماد بن زيد قال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهّد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة، ولفظ الإسماعيلي: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحبّ إليّ أن يتشهّد. وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثني الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- تشهّد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو. قال البيهقي: وهذا تفرّد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي، ولا يُفرح بما تفرد به. ثمّ روى من حديث محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهّدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلّم، ثم تشهّدت أيضًا، ثم سلّمت".

стр. 6908

ثم قال البيهقي: وهذا غير قويّ، ومختلف في رفعه ووقفه. قال العلائي: خُصيف الجزري تقدم أن أحمد بن حنبل ضعّفه، وقال مرًّة: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: تُكُلّم في سوء حفظه. وتقدّم أيضًا أن أبا عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئًا؛ لأنه كان صغيرًا جدًّا في حياته، قال عمرو بن مرّة: سألت أبا عُبيدة: هل تذكر من عبد اللَّه شيئًا؟، قال: لا. وأما حديث المغيرة، ففيه ابن أبي ليلى، كما قال البيهقي، وهو القاضي الفقيه محمد بن عبد الرحمن كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال فيه أحمد بن حنبل: سيئ الحفظ مضطرب الحديث، وفقهه أحبّ إلينا من حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان سيئ الحفظ شُغل بالقضاء، فساء حفظه، ومع ذلك فقال فيه: محله الصدق، وكذلك قال فيه العجلي: كان صدوقًا جائز الحديث، وقد أثنى عليه جماعة. قال العلائي: فقد يقال: إن هذه الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، وُيحتجّ بها، وهذا ليس ببعيد، ولكن قال ابن عبد البرّ: أما التشهّد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وكذلك قال النووي: إنه لا يثبت في التشهّد حديث، فاللَّه أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه اللَّه تعالى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن زيادة التشهّد في أحاديث السهو لا يثبُت؛ لمخالفة من زادها لجماعة الحفّاظ، مع أنهم قد تُكلّم فيهم، وقد كنت رجّحت في "شرح النسائيّ" ثبوتها، لكن الآن ترجّح لي هذا، كما قاله ابن عبد البرّ، والنوويّ، وأقرهما العلائيّ، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٢٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).

стр. 6909

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) بإسناد الزهريّ السابق، نحو حديثه، وهو: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁. [تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٧٢٤٤) حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، يبلغ به النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: "يأتي أحدكم الشيطان، وهو في صلاته، فيُلْبِس عليه، حتى لا يدري كم صلّى؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليسجد سجدتين، وهو جالس". انتهى. وأما رواية الليث، فقد ساقها الترمذيّ ﵀ في "جامعه"، فقال: (٣٦٣) حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته، فيلبس عليه، حتى لا يدري كم صلّى؟، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي (٢) أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا

стр. 6910

هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ يَخْطُرُ (١) بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصري، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ. ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقة ثبتٌ، يُدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان ذكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد مرّ ذكرهم غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن أبي سلمة. ٦ - (ومنها): أن أبا سلمة ممن اشتَهَر بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.

стр. 6911

شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ) أي حدّث أبا سلمة ومن معه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ) أي بألفاظ الأذان المعهودة (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دَبَر النهار دُبُورًا، من باب قَعَد: إذا وَلَّى، وانصرَمَ (١)، وأدبر بالألف مثله، والألف واللام في "الشيطان" للعهد، والمراد الشيطان المعهود، قاله في "العمدة" (٢). وقال في "الفتح": الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، ويَحْتَمِل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل مُتَمَرِّد من الجنّ والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجنّ خاصة. انتهى (٣). (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة في محل نصب على الحال من "الشيطان"، و"الضُّرَاط" -بالضم- اسم من ضَرِطَ يَضْرَطُ، من باب تَعِبَ، ضَرِطًا، مثل كَتِفٍ، فهو ضَرِطٌ، وضَرَطَ، ضَرْطًا، من باب ضَرَب لغةٌ، قاله في "المصباح"، وهو: ريحٌ له صوت، يَخْرُج من دُبُر الإنسان، وغيره. قاله في "المنهل" (٤). ثم إن خروج الضُّرَاط من الشيطان حقيقةٌ، كما قاله القاضي عياض ﵀؛ لأنه جسم يأكل ويشرب، كما جاء ذلك في الأخبار الصحيحة. وقال العينيّ ﵀: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هُرُوبه من سماع الأذان بحال من خَرَقه أمر عظيم، واعتراه خَطْبٌ جسيم، حتى لم يزل يَحْصُل له الضُّراط من شدّة ما هو فيه؛ لأن الواقع في شدّة عظيمة؛ من خوف، وغيره تسترخي مفاصله، ولا يَقْدِر على أن يَمْلِك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط. ولما كان الشيطان لعنه اللَّه يعتريه شدة عظيمة، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيهرُب حتى لا يسمع الأذان؛ شُبِّه حاله بحال ذلك الرجل، وأُثبت له على وجه الادّعاء الضُّراط الذي يَنشأ من كمال الخوف الشديد، وفي

стр. 6912

الحقيقة ما ثَمَّ ضُراطٌ، ولكن يجوز أن يكون له ريحٌ؛ لأنه رُوحٌ، ولكن لم تُعْرَف كيفيته. وقال الطيبيّ ﵀: شُبِّهَ شَغْل الشيطان نفسَهُ عند سماع الأذان بالصوت الذي يملؤ السمعَ، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضُرَاطًا تقبيحًا له انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العينيّ، ونقله أيضًا عن الطيبيّ، من نفي حقيقة الضراط، وأن الكلام مجازٌ خرج مخرج التمثيل فقط، غير صحيح؛ لأنه من التعسّف، وتأويل النصّ دون حاجة، بل الصواب أن الضراط ثابت حقيقةً، كما أثبته هذا الحديث الصحيح، وأيُّ مانع يَمنع منه؟، حتى يُحرَّف النص الصريح عن ظاهره، فما سبق عن القاضي عياض ﵀ هو الحقّ، فتبصر بالإنصاف، واللَّه الهادي إلى الصواب. (حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ) علّة للضُّراط، أي إنما يفعل ذلك ليَشْغَل نفسه عن سماع الأذان؛ لئلا يَشْهَد للمؤذن يوم القيامة، لما في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ مرفوعًا: "لا يَسْمَع مَدَى صوت المؤذِّن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ، إلا شَهِدَ له يوم القيامة"، رواه البخاريّ، وهو داخل فيه، وقيل: حتى غاية لإدباره، قاله في "العمدة". قال الجامع عفا اللَّه عنه: الوجه الأول أقرب إلى المعنى؛ إذ الظاهر في سبب هروبه عن الأذان، مع أنه لا يَهْرُب عن القرآن، وهو أفضل من الأذان: هو الابتعاد عن إلزامه الشهادة للمؤذن، كما دلّ عليه حديث أبي سعيد ﵁ المذكور، فيكون خروج الضُّراط منه حين هروبه من أجل خوفه، وُصُولَ صوت المؤذّن إليه خلال هُرُوبه، ودخوله في أذنه، فظهر كون قوله: "حتى لا يسمع" علة للضراط، واللَّه تعالى أعلم. وقال في "الفتح": قوله: "حتى لا يسمع الأذان"، ظاهره أنه يتعَمَّد إخراج ذلك، إما لِيَشْتَغِل بسماع الصوت الذي يُخرِجه عن سماع المؤذن، أو يَصْنَع ذلك استخفافًا، كما يفعله السفهاء.

стр. 6913

ويَحْتَمِل أن لا يتعمد ذلك، بل يَحصُل له عند سماع الأذان شدّة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها. ويَحْتَمِل أن يتعمد ذلك، ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث. واستُدِلَّ به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله: "حتى لا يسمع" ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية للمصنّف تقدّمت في "الأذان" من حديث جابر ﵁، فقال: "حتى يكون مكان الرَّوْحَاء"، وحَكَى الأعمش عن أبي سفيان، راويه عن جابر أن بين المدينة والرَّوْحاء ستة وثلاثين ميلًا. هذه رواية قتيبة، عن جرير، عند مسلم، وأخرجه عن إسحاق، عن جرير، ولم يسق لفظه، ولفظ إسحاق في مسنده: "حتى يكون بالرَّوْحاء، وهي ثلاثون ميلًا من المدينة"، فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية قتيبة. انتهى (١). (فَإذَا قُضِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (الْأَذَانُ) أي فُرغ منه، والقضاء يأتي لمعان كثيرة، فهو هنا بمعنى الفراغ، يقال: قضيت حاجتي، أي فرغت منها، وانتهيت من أمرها (أَقْبَلَ) أي توجه إلى المصلِّي حتى يُلَبّس عليه صلاته (فَإاذَا ثُوِّبَ بِهَا) -بضم المثلّثة، وتشديد الواو المكسورة، مبنيًّا للمفعول-: أي أُقيم للصلاة، والتثويب هنا بمعنى الإقامة. ومعنى التثويب في الأصل: الإعلام بالشيء، والإنذار بوقوعه، وأصله أن يُلَوّح الرجل لصاحبه بثوبه، فيديره عند أمر يُرْهِقه من خوف، أو عدوّ، ثم كَثُر استعماله في كل إعلام يُجهَر به، وإنما سميت الإقامة تثويبًا؛ لأنه عَوْد إلى النداء، من ثاب إلى كذا: إذا عاد إليه. أفاده في "العمدة" (٢). (أَدْبَرَ) أي ولّى الشيطان حتى لا يسمع التثويب (فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ يَخْطُرُ) وفي نسخة: "حتى يَخْطِر"، وهو: -بضم الطاء وكسرها- لغتان، حكاهما القاضي عياض في "المشارق"، قال: ضبطناه عن المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس،

стр. 6914

وقد تقدّم تمام البحث فيه في كتاب "الصلاة" (١). (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، يعني أنه يحول بين المرء، وبين ما يريده من إقباله على صلاته، وإخلاصه فيها. قال في "العمدة": وبهذا التفسير -يعني تفسير النفس بالقلب- يحصل الجواب عما قيل: كيف يُتَصَوَّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يجاب بأن يكون تمثيلًا لغاية قربه منه. انتهى (٢). (يَقُولُ: اذْكرْ كَذَا، اذْكرْ كَذَا) هو كناية عن أشياء غير متعلّقة بالصلاة، وكرّره للتأكيد (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي لشيء لم يكن يتذكّره المصلّي قبل دخوله في الصلاة، وزاد في رواية عبد ربه، عن الأعرج التالية: "فَهَنَّاه، ومَنَّاهُ، وذَكَّره من حاجته ما لم يَذْكُرْ". (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى) أي كي يصير الرجل لا يعلم كم صلّى، فـ "حتى" غاية لوسوسة الشيطان، و"يظلّ" بالظاء، من باب تَعِب، أي يصير، و"إن" بكسر الهمزة نافية، و"يدري" بمعنى يعلم، أي إنه يوسوس للرجل حتى يصير لا يعلم كم صلّى من الركعات، أثلاثًا، أم أربعًا؟. (فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) فيه أنه لا زيادة على السجدتين، وإن سها عن أمور متعدّدة. (وَهُوَ جَالِسٌ") أي حال كونه جالسًا. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي (٣) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، وَلَّى وَلَهُ ضُرَاطٌ"، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: "فَهَنَّاهُ، وَمَنَّاهُ، وَذَكَرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ").

стр. 6915

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن جدّه قيس، وأبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن المنكدر، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومَخْرَمة بن سليمان، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعبد الرحمن الأعرج، وغيرهم. ورَوَى عنه عطاء، وهو أكبر منه، وأيوب السختيانيّ، وهو من أقرانه، وعمرو بن الحارث، وما لك، والليث، وشعبة، والسفيانان، والمبارك بن فَضَالة، وحماد بن سلمة، وابن لَهِيعة. قال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد القطان: كان وقّادًا حَيّ الفُؤاد، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة مدنيّ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة مأمونٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: لا بأس به، قلت: يُحْتَجّ بحديثه؟ قال: هو حسن الحديث، ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هو الذي يقال له: عبد ربه المدنيّ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، دون أخيه يحيى، وقال أبو عوانة: هو أعزّ إخوته حديثًا. قال عمرو بن عليّ، وغير واحد: مات سنة تسع وثلاثين ومائة، وقال خليفة، وابن قانع، وغيرهما: مات سنة (١٤٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (٣٨٩) و (٧٦٣) و (١١٠٨) و (١١٠٩) وأعاده بعده، و (٢١٩٤) و (٢٢٠٤) و (٢٢٦١) وكرّره ثلاث مرات. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيهٌ [٧] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. والباقون تقدّموا قبل باب، و"عمرو": هو ابن الحارث. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عبد الرحمن الأعرج، أي ذَكَر عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث أبي سلمة، عنه. وقوله: (فَهَنَّاهُ، وَمنَّاهُ) الأول من التهنئة، خُفِّف لأجل قرينه، وهو منّاه،

стр. 6916

وهو من التمنية، أي فذكّره الْمَهَانِئ، والأَمَانِيّ، قال ابن الأثير ﵀: والمراد به ما يَعْرِض للإنسان في صلاته من أحاديث النفس، وتسويل الشيطان، يقال: هَنَأَنِي الطَّعَامُ يَهْنَؤُنِي، وَيهْنِئُنِي، وَيهْنَأُنِي، وهَنَأْتُ الطعامَ: أي تَهَنَّأْتُ بِهِ، وكلُّ أمر يأتيك من غير تَعَبٍ فهو هَنِيءٌ، وكذلك الْمَهْنَأُ، والْمُهَنَّأُ، والجمع الْمَهَانِئُ، هذا هو الأصلُ بالهمز، وقد يُخَفَفُ، وهو في هذا الحديث أشبه؛ لأجل "مَنَّاهُ". انتهى كلام ابن الأثير ﵀ (١). وقال الفيّوميّ ﵀: هَنُؤَ الشيءُ بالضمّ مع الهمز هَنَاءَةً بالفتح والمدّ: تَيَسَّرَ، من غير مشقّة، ولا عَنَاءً، فهو هَنِئٌ، ويجوز الإبدال والإدغام، وهَنَأَنِي الولدُ يَهْنَؤُنِي مهموز، من بابي نَفَعَ وضرَب، وتقول العرب في الدعاء: لِيَهْنِئْكَ الولد بهمزة ساكنة، وبإبدالها ياءً، وحذفُها عاميٌّ، ومعناه: سَرَّنِي، فهو هانِئٌ، وبه سُمِّي، وهَنَاتُهُ هَنْئا باللغتين أعطيته، أو أطعمته، وهَنَأَنِي الطعامُ يَهْنَؤُنِي: ساغ، ولَذَّ، وأكلته هَنِيئًا مَرِيئًا: أي بلا مَشَقَّة، وَيهْنُؤُ بضم المضارع في الكلّ لغةٌ، قال بعضهم: وليس في الكلام يَفْعُل بالضم مهموزًا مما ماضيه بالفتح غيرُ هذا الفعل، وهَنَّأتُهُ بالولد بالتثقيل، وباسم المفعول سُمِّيَ. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (٢). [تنبيه]: رواية الأعرج التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي سلمة، ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٦٦) فقال: (١٢٤٨) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرة بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الشيطان إذا ثُوِّب بالصلاة وَلَّى وله ضُرَاطٌ، فإذا فُرخ منها رجع يلتمس الخلاط، فيأتي الإنسانَ (٣) فَهَنَّاه ومَنّاه، وذَكَّره من حاجاته ما لم يكن يذكر، حتى لا يدري كم صلّى؟ ". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 6917

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٣] (٥٧٠) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: ابن مالك بن الْقِشْب (٢) الأزديّ، أبو محمد، حليف بني المطّلب المعروف بابن بُحَينة (٣)، وهي أمه، صحابيّ معروفٌ، مات ﵁ بعد (٥٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٠. [تنبيه]: بُحَينة -بالتصغير- أم عبد اللَّه، وهي: بنت الحارث بن عبد المطّلب بن عبد مناف، فينبغي كتابة "ابن بُحينة" بالألف؛ لئلا يلتبس بالأب، وإذا نُسب إليهما، كما في السند الثالث، كتب: عبد اللَّه بن مالكٍ ابنُ بُحَينة، بتنوين مالكٍ، وبالألف في "ابن بُحينة"؛ ليندفع الوهم، ويُعرَف أن "ابن بُحينة" نعتٌ لعبد اللَّه، لا لمالك، وهكذا ينبغي أن تُحفظ هذه القاعدة، فيما أشبه هذا، مثل محمد ابن الحنفية، وإسماعيل ابن عُليّة، ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم (٤). والباقون تقدّموا أول الباب، والأعرج في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة.

стр. 6918

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ) وفي رواية البخاري: حدثني عبد الرحمن بن هُرمز مولى بني عبد المطلب، وقال مرة: مولى ربيعة بن الحارث. انتهى. قال في "الفتح": ولا تنافي بينهما؛ لأنه مولى ربيعة بن عبد المطلب، فذكره أوّلًا بجدّ مواليه الأعلى، وثانيًا بمولاه الحقيقي. انتهى. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) وفي رواية للبخاري: "أن عبد اللَّه ابن بحينة، وهو من أَزْدَ شَنُوءة، وهو حليف لبني عبد مناف، وكان من أصحاب النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- (قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي دخل في الصلاة (رَكْعَتَيْنِ، مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ) هي الظهر، لما في الرواية التالية من طريق الليث، عن ابن شهاب: "قام في صلاة الظهر، وعليه جلوسٌ" (ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ) أي في الركعة الثانية، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن الأعرج الآتية: "قام في الشفع الذي يُريد أن يَجلِس في صلاته"، وزاد في رواية ابن خزيمة: "فسبّحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته"، وفي حديث معاوية عند النسائيّ، والبيهقيّ، وعقبة بن عامر عند الحاكم والبيهقيّ جميعًا نحو هذه القصّة بهذه الزيادة، وفيه دليلٌ على أن تارك الجلوس الأول إذا قام لا يرجع له. (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) أي إلى الثالثة؛ اتّباعًا لفعله ﷺ ، وفيه دليلٌ على وجوب متابعة الإمام حيث ترك القعود الأول وتشهُّده (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي فرغ منها وأتمّها، وقد استُدلّ به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يُسلم تمّت صلاته، وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال الحنفيّة، كما سيأتي. وتُعُقّب بأن السلام لَمّا كان للتحلّل من الصلاة كان المصلّي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته، ويدلّ على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة

стр. 6919

من الثقات عن يحيى بن سعيد، عن الأعرج: "حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يُسلّم"، فدلّ على أن بعض الرواة حذف الاستثناء؛ لوضوحه، والزيادة من الثقات الحفاظ مقبولة، كذا في "الفتح". وقيل: معناه: قارب الفراغ من الصلاة، وقال الباجيّ ﵀: ويَحْتَمِل أن يُراد بالصلاة الدعاء، والصلاة على النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فيكون لفظ "قَضى" على حقيقته. انتهى. (وَنَظَرْنَا) أي انتظرنا (تَسْلِيمَهُ) لظنّهم أنه لا يسجد للسهو؛ لعدم تقدّم علمهم بذلك (كبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أي للسهو بعد التشهّد، وفي رواية الليث التالية: "فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين، يُكبّر في كلّ سجدة"، وفي رواية لأحمد: "فكبّر فسجد، ثم كبّر فسجد، ثمّ سلّم"، قال في "الفتح": وفي رواية الأوزاعيّ: "فكبّر ثم سجد، ثم كبّر فرفع رأسه، ثم كبّر فسجد، ثم كبّر فرفع رأسه، ثم سلّم"، أخرجه ابن ماجه، واستُدلّ به على مشروعيّة التكبير في سجدتي السهو والجهر به، كما في غيرهما من سجود الصلاة، وأن بينهمما جلسة فاصلةً. انتهى. (وَهُوَ جَالِسٌ) جملة حاليّة (قَبْلَ التَّسْلِيمِ) زاد في رواية الليث: "وسجدهما الناس معه مكان ما نَسِيَ من الجلوس" (ثُمَّ سَلَّمَ) وفي رواية البخاريّ: "ثم سلّم بعد ذلك"، أي سلّم للانصراف من الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه ابن بُحينة ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٢٧٣ و ١٢٧٤ و ١٢٧٥] (٥٧٠)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٢٩) و"السهو" (١٢٢٤ و ١٢٣٠) و"الأيمان والنذور" (٦٦٧٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٣٤ و ١٠٣٥)، و (الترمذيّ) فيها (٣٩١)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٠٦)، و (النسائيّ) في "السهو" (١١٧٧ و ١١٧٨ و ١٢٢٢ و ١٢٢٣ و ١٢٦١) وفي "الكبرى" (٧٦٥ و ٧٦٦

стр. 6920

و ١١٤٥ و ١١٤٦ و ١١٨٤)، و (مالك) في "الموطأ" (٨١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٤٤٩ و ٣٤٥٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٠)، و (الحميدي) في "مسنده" (٩٠٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٩٩) و (٥/ ٣٤٥ و ٣٤٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٠٧ و ١٥٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٢٩ و ١٠٣٠ و ١٠٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٣٨ و ١٩٣٩ و ١٩٤١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٠٨ و ١٩٠٩ و ١٩١٠ و ١٩١١ و ١٩١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٥٠ و ١٢٥١ و ١٢٥٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٣٣ و ٣٣٤ و ٣٤٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٥٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة سجود السهو في الصلاة. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن القيّم ﵀: كان سهوه ﷺ في الصلاة من تمام نعمة اللَّه على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في "الموطّأ": "إنما أَنْسَى، أو أُنَسَّى لأَسُنَّ" (١)، وكان ﷺ ينسى، فيترتّب على سهوه أحكام شرعيّةٌ تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة. انتهى. ٣ - (ومنها): بيان أن ترك التشهّد الأول لا يبطل الصلاة، قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد إخراج الحديث ما نصّه: في قيام الناس خلف المصطفى ﷺ عند قيامه من موضع جلسته الأولى، وتركه الإنكار عليه ذلك أبينُ البيان على أن القعدة الأولى في الصلاة غير فرض. انتهى (٢). وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن سجود السهو قبل السلام، قال في "الفتح": ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم يُرَدُّ به على من زعم أن

стр. 6921

جميعه بعد السلام، كالحنفيّة، وقد تقدّم تحقيق ذلك، فلا تكن من الغافلين. ٥ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "مَكَان ما نَسِيَ من الجلوس" على أن السجود خاص بالسهو، فلو تَعَمَّد ترك شيء مما يُجْبَر بسجود السهو لا يسجد، وهو قول الجمهور، ورجّحه الغزالي، وناس من الشافعية. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يَسْهُ المأموم، ونقل ابن حزم فيه الإجماع، لكن استثنَى غيره ما إذا ظن الإمام أنه سها، فسجد، وتحقَّقَ المأموم أن الإمام لم يَسْهُ فيما سجد له، وفي تصويرها عُسْرٌ، وما إذا تبين أن الإمام مُحْدِث، ونقل أبو الطيب الطبري أن ابن سيرين استثنى المأموم أيضًا، قاله في "الفتح". قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه الاستثناءات محل نظر، لمن تأمل، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن سجود السهو لا تشهُّد بعده إذا كان قبل السلام. ٨ - (ومنها): أن من سها عن التشهّد الأول حتى قام إلى الثالثة، ثم ذكر لا يرجع، فقد سَبَّحُوا به ﷺ ، فلم يرجع، فلو تعمَّد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي، خلافًا للجمهور. ٩ - (ومنها): أن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فيما طريقه التشريع. ١٠ - (ومنها): أن محلّ سجود السهو آخر الصلاة، فلو سجد للسهو قبل أن يتشهّد ساهيًا أعاد عند من يوجب التشهُّد الأخير، وهم الجمهور، وهو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهُّد الأول: قال الإمام البخاريّ ﵀: "باب من لم يَرَ التشهُّد الأول واجبًا؛ لأن النبيّ ﷺ قام من الركعتين، ولم يرجع". انتهى. قال الزين ابن المُنَيّر ﵀: ذَكَرَ في هذه الترجمة الحكم ودليله، ولم يَبُتَّ الحكم مع ذلك، كأن يقول: باب لا يجب التشهُّد الأول، وسببه ما يَطْرُق الدليلَ المذكور من الاحتمال. انتهى.

стр. 6922

وقال الحافظ ﵀: ووجه الدلالة من حديث الباب أنه لو كان واجبًا لرجع إليه لَمّا سَبَّحُوا به بعد أن قام. وقال ابن بطال ﵀: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب أنه لو نَسِي تكبيرة الإحرام لم تُجْبَر، فكذلك التشهُّد، ولأنه ذِكْرٌ لا يُجْهَر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح. واحتَجَّ غيره بتقريره ﷺ الناس على متابعته بعد أن عَلِمَ أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر. وممن قال بوجوبه الليث، وإسحاق، وأحمد في المشهور، وهو قول للشافعيّ، وفي رواية عند الحنفية. واحتَجَّ الطبري لوجوبه بأن الصلاة فُرِضت أوّلًا ركعتين، وكان التشهّد فيها واجبًا، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلةً لذلك الواجب. وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخيرتين، بل يَحْتَمِل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأولتان بتشهدهما، ويؤيِّده استمرار السلام بعد التشهّد الأخير كما كان. واحتَجَّ أيضًا بأن من تعمَّد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته، وهذا لا يَرِدُ؛ لأن من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه. انتهى ما في "الفتح" ملخصًا. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجَّح عندي ما ذهب إليه من قال بوجوب التشهّد الأول؛ للأمر به في حديث رفاعة بن رافع ﵁ أن النبيّ ﷺ قال للمسيء صلاته: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهّد"، رواه أبو داود، والأمر للوجوب، ولمواظبته ﷺ عليه، ؤلحديث ابن مسعود ﵁: "كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهّد. . . " الحديث، متّفقٌ عليه. والحاصل أن التشهُّد الأول واجب كالأخير؛ للأدلّة المذكورة، فتبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد للسهو إن تركه سهوًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيمن نَسِيَ التشهد الأول: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ في كتابه "الأوسط":

стр. 6923

الذي عليه أكثر أهل العلم اتَّبَاع ظاهر خبر ابن بُحَينة، يقولون: إذا قام المصلِّي من الركعتين الأوليين، فإن ذكر بعد أن يستوي قائمًا لم يرجع إلى الجلوس، ومضى في صلاته، وسجد سجدتي السهو. وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، والضحّاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وابن مسعود ﵃. وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل ذلك: فقالت طائفة: إذا ذَكَرَ، ولم يستتمّ قائمًا جلس، هذا قول علقمة، والضحّاك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعيّ، ورُوي ذلك عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، غير أن الشافعيّ يرى إذا رجع إلى الجلوس أن يسجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة، والأوزاعيّ: لا يسجد. وقالت طائفة: إن ذَكَر ساعةَ يقومُ جلس، كذلك قال حمّاد بن أبي سليمان، وقال النخعي: يقعد ما لم يستفتح بالقراءة. وقالت طائفة: إن المصلِّي إذا فارقت أَلْيَتُهُ الأرضَ، وناء (١) للقيام مَضَى كما هو، ولا يرجع حتى يجلس في الرابع، ثمّ يسجد سجدتي السهو قبل السلام، كذلك قال مالك بن أنس، وقال حسّان بن عطيّة: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مَضَى. وقالت طائفة: يقعد، وإن قرأ ما لم يركع، قال الحسن البصري: يقعد، وإن قرأ ثمانين آية، ما لم يركع. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن من قام من الركعتين الأوليين، وعليه جلوس لا يرجع إلى الجلوس، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم يسلم؛ لصحة حديث عبد اللَّه ابن بحينة ﵁ المذكور في الباب في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. قال ابن المنذر ﵀: وقد اختُلف فيمن ذَكَرَ، وقد نهض للقيام قبل أن يستوي قائما، فجلس: فرأت طائفة أن يسجد سجود السهو، رُوي ذلك عن النعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وبه قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.

стр. 6924

وأسقطت طائفة عنه سجود السهو، كان علقمة، والنخعي، والأوزاعي لا يرون عليه سجود السهو. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الراجح المذهب الأول، وهو أنه يسجد للسهو، لحديث معاوية ﵁ مرفوعًا: "من نسي من صلاته شيئًا، فليسجد مثل هاتين السجدتين"، رواه أحمد في "مسنده" ٤/ ١٠٠ بإسناد حسن. فقوله: "شيئًا" نكرة في سياق الشرط، فيعمّ قليل السهو وكثيره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ، حَلِيفِ بَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، يُكَبِّرُ (١) فِي كُلِّ سَجْدَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، وكلهم تقدّموا في الباب. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ) بسكون السين المهملة، ويقال فيه: الأزديّ، كما ذكره في الرواية الأخرى، والأَزْدُ والأَسْدُ بإسكان السين: قبيلة واحدةٌ، وهما اسمان مترادفان لها، وهم أَزْدَ شَنُوءَةَ، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقوله: (حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في نسخ صحيح البخاريّ ومسلم، والذي ذكره ابن سعد وغيره من أهل السِّيَر والتواريخ أنه خَلِيِف بني المطَّلِب، وكان جدّه حالف المطلب بن عبد مناف. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 6925

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَزْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي الشَّفْعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ: في آخِرِ الصَّلَاةِ، سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّاد) بن زيد بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَزْدِيِّ) قال النوويّ ﵀: الصواب في هذا أن يُنَوَّن مالكٌ، ويُكْتَب "ابن بُحينة" بالألف؛ لأن عبد اللَّه هو ابن مالك، وابنُ بُحينة، فمالك أبوه، وبُحينة أمه، وهي زوجة مالك، فمالك أبو عبد اللَّه، وبُحينةُ أم عبد اللَّه، فإذا قُرئ كما ذكرناه انتظم على الصواب، ولو قرئ بإضافة مالك إلى "ابن" فَسَدَ المعنى، واقتضى أن يكون مالك ابنًا لبحينة، وهذا غلطٌ، وإنما هو زوجها. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو حسنٌ، وقد أسلفت البحث عنه قريبًا، فلا تنس نصيبك، وباللَّه تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٦] (٥٧١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ،

стр. 6926

فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَح الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد اللَّه الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٢. ٢ - (مُوسَى بْنُ دَاوُدَ) الضبّيّ، الْخلْقَانيّ -بضم الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف- أبو عبد اللَّه الطّرَسُوسيّ، كوفيّ الأصل، سكن بغداد، صدوقٌ فقيهٌ زاهدٌ، له أوهام، من صغار [٩]. ورَوَى عن جرير بن حازم، ومُبارك بن فَضَالة، ونافع بن عمر الْجُمَحيّ، ويزيد بن إبراهيم التستُريّ، ومالك، والثوريّ، وشعبة، وسليمان بن بلال، وقيس بن الربيع، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه محمد بن أحمد بن أبي خَلَف، وعليّ ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن معمر الْبَحْرانيّ، وزيد بن أخرم الطائيّ ومحمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزديّ، وغيرهم. قال ابن نُمير: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، صاحب حديث، وَلي قضاء طَرَسوس إلى أن مات بها، وقال ابن عمار الموصليّ: كان قاضي الْمِصِّيصة، وكان زاهدًا، صاحب حديث، ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخ في حديثه اضطراب، وقال الدارقطنيّ: كان مصنفًا مكثرًا مأمونًا، وولي قضاء الثُّغُور، فحُمِد فيها، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذَكَر الجاحظ أنه كان فصيحًا خطيبًا فاضلًا. قال ابن سعد: مات سنة سبع عشرة ومائتين، وقال مطين: مات سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين. روى له مسلم حديث أبي سعيد في الشك في الصلاة فقط. قلت: أخرج له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، واستَشْهَد به الترمذيّ في حديثٍ في صيام التطوع.

стр. 6927

٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيّوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولى عُمر، أبو عبد اللَّه، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يُرسل [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وشيخ شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من سليمان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ) أي في عدد الركعات التي صلّاها (فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى) وقوله: (ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا) منصوب على التمييز رافع إبهام العدد في "كم" (فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ) وفي رواية النسائيّ: "فليُلغ الشكّ"، من الإلغاء، وفي نسخة منه: "فليُلق الشكّ" من الإلقاء، وكلها بمعنى واحد. والمراد أنه يَطرَح المشكوك فيه، وهو الزائد، فلا يأخذ به في البناء، يعني الركعة الرابعة (وَلْيَبْنِ) بكسر اللام، وسكونها؛ تخفيفًا (عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ) بالبناء للفاعل، أي عَلِم يقينًا، وهو: استفعال من يَقِنَ الأمرُ يَقَنًا، من باب تَعِبَ: إذا ثبت ووضَحَ، فهو يَقِينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، ويُستَعمَل مُتعدّيًا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنتُهُ، ويَقِنتُ به، وأيقنت به، وتيقّنته، واستيقنته: أي

стр. 6928

علمته، قاله الفيّوميّ (١). والمعنى: أنه يُتمّ صلاته على المستَيقَن، أي المعلوم يقينًا، وهو الأقلّ، فلا يقال: إنه لا يقين مع الشكّ؛ لأن المراد باليقين هنا المتيقّن، فإذا شكّ هل صلّى ثلاثًا، أم أربعًا؟ فالمتيقَّن هو الثلاث، فليطرح الرابعة المشكوك فيها، وليبن على الثلاث المتَيَقَّن. وهذا فيما إذا لم يترجّح له أحد الطرفين، وإلا فليَبْنِ على ما ترجّح له، ثم ليسجد سجدتي السهو بعد السلام، عملًا بالأحاديث الآتية، وبهذا تجتمع الأدلة من غير إلغاء لبعضها، وسياتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) يَحْتَمل أن يكون "يسجد" بالجزم عطفًا على "يَبْنِ"، ويَحْتَمل أن يكون بالرفع خبرًا، وهو بمعنى الأمر، واللَّه تعالى أعلم. وفي النسائيّ: "فإن استيقن بالتمام، فليسجد سجدتين، وهو قاعد"، أي إن علم بتمام صلاته بإتيانه بالركعة المشكوك فيها، فليسجد سجدتين جالسًا. وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ) فيه أن محل السجدتين إذا لم يترجّح له أحدُ الطرفين يكون قبل السلام. [فإن قيل]: هذا يعارضه حديث ابن مسعود ﵁ الآتي حيث إنّ فيه أن محلهما بعد السلام. [أجيب]: بأنه لا تعارُض بينهما؛ لأن هذا فيما إذا لم يكن له ميل إلى أحد الطرفين، وذاك محمول على ما إذا كان له تَحَرّ ومَيْلٌ إلى أحد الطرفين، كما سيأتي تحقيق ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. (فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا) أي أتى بركعة خامسة سهوًا في صلاة رباعيّة، وهو تعليلٌ بالأمر بالسجود، أي فإن كان ما صلّاه في الواقع أربعًا، فصار خمسًا بإضافته إليه ركعةً أخرى (شَفَعْنَ) بتخفيف الفاء، وتشديدها، قاله في "المرعاة" (٢)، والتشديد محلّ نظر (لَهُ صَلَاتَهُ) قال القرطبيّ ﵀: النون في "شَفَعْن" هي نون جماعة المؤنّث، وعادت على معنى فَعَلات السجدتين، مشيرًا

стр. 6929

إلى ما فيها من الأحكام المتعدّدة. انتهى (١). وقال الطيبيّ: الضمير في "شفعن" للركعات الخمس، وفي "له" للمصلّي، يعني شفعت الركعات الخمس صلاةَ أحدكم بالسجدتين، يدلّ عليه قوله في الرواية الأخرى: "شفعها بهاتين السجدتين"، أي شفع المصلّي الركعات الخمس إلى السجدتين. وقال ابن حجر الهيتميّ: "شفعن" أي الركعة الخامسة والسجدتان، لرواية أبي داود: "كانت الركعة نافلةً والسجدتان"، أي وصارت صلاته شفعًا باقيًا على حاله. انتهى. وفي رواية النسائيّ: "شفعتا له صلاته"، أي صيّرت السجدتان صلاته شفعًا بعد أن كان وترًا بالخامسة، فكان كأنه صلّى ستّ ركعات. ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: أنه إن أتمّ صلاته، وزاد ركعة خامسةً سهوًا، فالسجدتان تجعلان تلك الركعة الزائدة شفعًا، فكأنه صلّى ركعتين نافلةً بعد الفريضة، والمعنى الأول أظهر، واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: يعني أنه لَمّا شكّ هل صلّى ثلاثًا أو أربعًا؟ وبنى على الثلاث، فقد طرح الرابعة، مع إمكان أن يكون فَعَلَها، فإن كان قد فَعَلها فهي خمسٌ، وموضوع تلك الصلاة شفعٌ، فلو لم يسجد لكانت الخامسة لا تناسب أصل المشروعيّة، فلَمّا سَجَدَ سجدتي السهو ارتفعت الوتريّة، وجاءت الشفعيّة المناسبة للأصل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). (وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا) قال الطيبيّ ﵀: إما مفعول له، أو حال من الفاعل، أي صلّى ما شكّ فيه حال كونه متمًّا (لِأَرْبَعِ) فيكون قد أدّى ما عليه من غير زيادة، ولا نقص (كَانَتَا) أي السجدتان (تَرْغَيمًا لِلشَّيْطَانِ") أي إغاظةً وإذلالًا له، مأخوذ من الرُّغام بالضمّ، وهو التُّراب، ومنه أرغم اللَّه أنفه. والمعنى أن الشيطان لَبَسَ عليه صلاته، وتعرّض لإفسادها ونقصِها، فجعل اللَّه تعالى للمصلِّي طريقًا إلى جبر صلاته، وتدارك ما لبسه عليه، وإرغامِ الشيطان، وردّه خاسئًا مُبعَدًا عن مراده، وكَمُلت صلاة ابن آدم لَمّا امتثل أمر اللَّه

стр. 6930

تعالى الذي عَصَى به إبليسُ، من امتناعه من السجود، قاله النوويّ ﵀ (١). قال القاضي: القياس أن لا يسجد؛ إذ الأصل أنه لم يزد شيئًا، لكن صلاته لا تخلو عن أحد خللين: إما الزيادة، وإما أداء الرابعة على تردّد، فيسجد جبرًا للخلل، والتردّدُ لَمّا كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سُمّي جبره ترغيمًا له. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "كانتا ترغيمًا للشيطان" معناه: غيظًا للشيطان، ومَذلّةً له؛ لأنه لَمّا فَعَلَ أربع ركعات أتى بما طُلِب منه، ثم لَمّا انفصل زاد سجودًا للَّه تعالى لأجل ما أوقع الشيطان في قلبه من التردّد، فحصل للشيطان نقيض مقصوده؛ إذ كان إبطالَ الصلاة، فقد صحَّت، وعادت وسوسته بزيادة خير وأجر. انتهى (٣). ولأبي داود: "وكانت السجدتان مُرْغِمتي الشيطان"، أي مُغيظتين، ومُذلّتين له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ١٢٧٦ و ١٢٧٧] (٥٧١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٢٦ و ١٠٢٧)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٢٣٨ و ١٢٣٩) وفي "الكبرى" (١١٦١ و ١١٦٢)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٧٢ و ٨٣ و ٨٤ و ٨٧)، (والدارميّ) في "سننه" (١٥٠٣)، (وابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٢٣ و ١٠٢٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٦٣ و ٢٦٦٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٤١)،

стр. 6931

و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٣٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٠٤ و ١٩٠٥ و ١٩٠٦ و ١٩٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٥٣ و ١٢٥٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٣١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٥٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بإتمام المصلِّي صلاته إذا وقع له الشكّ على المستَيْقَن المعلوم، وهو الأقلّ. ٢ - (ومنها): مشروعية سجدتي السهو لمن وقع له الشك في صلاته. ٣ - (ومنها): بيان أن السجدتين تجعلان الصلاة شفعًا لمن زاد، فصلّى خمسًا، ومُرْغِمتان للشيطان لمن صلّى أربعًا، ولم يزد. ٤ - (ومنها): أن الشيطان يَذِلّ بسبب هاتين السجدتين حيث وُفّق لهما ابن آدم، ولم يُوفَّق هو، بل أبى أن يمتثل أمر ربه، واستكبر، وكان من الكافرين. ٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ ﵀: في هذا الحديث بيان فساد قول من ذهب إلى أن من صلّى خمسًا يُضيف إليها سادسةً، إن كان قد قعد في الرابعة، واعتلّوا بأن النافلة لا تكون ركعةً، وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة، ثم لم يأمره بإضافة أخرى إليها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القائلون بهذا هم الحنفيّة، وقد أجاد الخطابيّ ﵀ في ردّه؛ لأنه رَأْي محضٌ مقابلة النصّ، فيكون فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: [من الوافر] إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاح لكن الخطابيّ ﵀ وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة، فيه نظر لا يخفى، فإن الحديث نصّ على أن السجدتين تشفعان صلاته، فيكون في حكم من صلّى شفعًا، فليست الركعة وحدها نافلة، بل مع السجدتين، خلاف ما يفيده قول الخطابيّ، فتبصّر. ٦ - (ومنها): أن هذا الحديث فيه تفصيل ما أُجمل في حديث أبي

стр. 6932

هريرة ﵁ المتقدِّم، فيكون عليه التعويل، ويجب إرجاع الإجمال إليه، وقد سبق بيان ذلك. ٧ - (ومنها): أن فيه الردّ على من فصّل في الشكّ من كونه أول ما سَهَى، أو ثانيًا؛ لأن الحديث مطلقٌ، وهو أرفق بالناس، والنبيّ ﷺ أُرسل رحمة، ورأفة لهم. ٨ - (ومنها): أنه احتجّ به الجمهور مالك، والشافعيّ، ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه، من وجوب طرح الشكّ، والبناء على المتيَقَّن، أي الأقلّ، وعدم إجزاء التحرّي، لكن سيأتي تعقّبه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الرواة في حديث أبي سعيد ﵁ هذا بالوصل والإرسال، وترجيح وصله؛ لكثرة من رواه كذلك: قال الحافظ ابن رجب في "شرح البخاري" ما حاصله: حديث أبي سعيد ﵁ أخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه، وأخرجه أيضًا من رواية داود بن قيس، عن زيد بن أسلم به. وأخرجه الدّارقطنيّ من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهشام بن سعد، وفُليح بن سليمان، وغيرهم، عن زيد بن أسلم كذلك. وكذلك رَوَيناه من حديث عبد اللَّه بن صالح، عن الليث، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد، والمعروف من رواية ابن عجلان أنه لم يذكر في حديثه: "قبل السلام". وكذا رواه أبو غسّان، وغيره عن زيد بن أسلم. ورواه مالك في "الموطأ"، والثوريّ، ويعقوب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا. ووصله الوليد بن مسلم وغيره عن مالك، وليس بمعروف عنه وصله. ووصله بعضهم عن الثوريّ أيضًا. ولعل البخاريّ ترك تخريجه لإرسال مالك والثوريّ له. وحكم جماعة بصحة وصله، منهم الإمام أحمد، والدارقطنيّ، وقال

стр. 6933

أحمد: أذهب إليه، قيل له: يختلفون في إسناده؟ قال: إنما قَصّر به مالك، وقد أسنده عدّة، فذكر منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة. ورواه الدراورديّ، وعبد اللَّه بن جعفر، وغيرهما، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵄، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، ذكره الدارقطنيّ، وقال: القول قول من قال: "عطاء، عن أبي سعيد". وله شاهد عن أبي سعيد من وجه آخر من رواية عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير: حدّثني هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد الخدريّ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صلّى أحدكم، فلا يدري زاد أو نقص؟ فليسجد سجدتين، وهو جالس"، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن. وأخرجه النسائيّ، وزاد في رواية له: "ثم يسلم"، وشيخ يحيى بن أبي كثير مختلف في اسمه وحاله. ورَوَى ابن إسحاق، عن مكحول، عن كُريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، قال: "إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يَدْرِ واحدةً صلّى، أو اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلّى، أو ثلاثًا؟ فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم"، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حسن صحيحٌ، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وله علّة ذكرها ابن المدينيّ قال: وكان عندي حسنًا حتى وقفت على علته، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلًا، وسمع إسناده من حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس، عن مكحول، قال: يُضَعَّف الحديث من ههنا -يعني من جهة حسين الذي يرجع الإسناد إليه-. وأخرجه أحمد عن ابن عُليّة، عن ابن إسحاق كما ذكره ابن المدينيّ، وكذلك رواه عبد اللَّه بن نمير، وعبد الرحمن المحاربيّ، عن ابن إسحاق، عن مكحول مرسلًا، وعن حسين، عن مكحول متصلًا. ورواه حماد بن سلمة وغيره، عن ابن إسحاق، عن مكحول، مرسلًا، ذكره الدارقطني.

стр. 6934

وأخرجه أحمد أيضًا من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-. وإسماعيل هو المكيّ ضعيف جدًّا، وقد قيل: إنه توبع عليه، ولا يصحّ، وإنما مرجعه إلى إسماعيل، ذكره الدارقطنيّ. ورَوَى أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عُمر بن محمد بن زيد، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، قال: "إذا لم يدر أحدكم كم صلّى، ثلاثًا أو أربعًا؟ فليركع ركعتين، يحسن ركوعهما وسجودهما، ثم ليسجد سجدتين"، أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما. والبخاريّ يخرج من هذه النسخة كثيرًا، لكن هذا رواه مالك في "الموطأ" عن عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه موقوفًا، قال الدارقطنيّ: رفعه غير ثابت، وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ رفعه. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه قال: إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا، فليبن على أتمّ ذلك في نفسه، وليس عليه سجود، قال: فكان الزهريّ يقول: يسجد سجدتي السهو، وهو جالس. انتهى ما قاله الحافظ ابن رجب ﵀ ببعض تصرف (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ المذكور في الباب صحيحٌ، كما رأي المصنّف، حيث أخرجه في "صحيحه"، ولا يؤثر في صحته رواية من أرسله، كما قال الإمام أحمد، والدارقطنيّ؛ لكثرة من وصله، وأرجحيّتهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسألة الشكّ في الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في المصلِّي يشكّ في صلاته، فقالت طائفة: يبني على اليقين، ويسجد سجدتي السهو، هذا قول

стр. 6935

عبد اللَّه بن مسعود، وبه قال سالم بن عبد اللَّه، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور. وقالت طائفة: إذا لم يدر كم صلّى؟، أعاد حتى يَحْفَظ، رُوي هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو، وشُريح، والشعبيّ، وعطاء، وسعيد بن جُبير، وميمون، وبه قال الأوزاعيّ في رجل سها في صلاته، فلم يدر كم صلّى؟. وقالت طائفة: يُعيد المكتوبة، ويسجد سجدتي السهو للتطوّع، رُوي هذا القول عن سعيد بن جُبير، خلاف الرواية التي وافق فيها شُريحًا، والشعبي. وقالت طائفة رابعة بظاهر الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يأتي الشيطان أحدكم، فيلبس عليه صلاته، فلا يدري أزاد، أو نقص، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس" مُتَّفَقٌ عليه. وممن قال بهذا القول أبو هريرة ﵁، فإنه قال: إذا خطر الشيطان بين قلب أحدكم، وبين صلاته، فلم يدر كم صلّى؟ يسجد سجدتي الوهم، وقال أنس بن مالك، والحسن البصريّ: إذا شكّ في ثلاث، أو أربع، فإنه يسجد سجدتي السهو. وفيه قول خامس: قال عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس ﵄، قال: إن نسيت المكتوبة، فعُدْ لصلاتك، قال عطاء: لم أسمع منه في ذلك غير ذلك، ولكن بلغني عنه، وعن ابن عمر أنهما قالا: فإن نسيت الثانية فلا تعد لها، وصلّ على أحرز ذلك في نفسك، ثم اسجد سجدتين بعدما تسلِّم، وأفت جالس. وفيه قول سادس: رَوَينا عن سعيد بن جبير، وعطاء، وميمون بن مهران أنهم كانوا إذا شكّوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كانت الرابعة لم يُعيدوا. وفيه قول سابع: في الإمام لا يدري كم صلّى، قال: ينظر ما يصنع مَنْ وراءه، هذا قول النخعيّ، وقال عطاء: يوشك أن يُعَلِّمَهُ مَنْ وراءه. وفيه قول ثامن: قاله مكحول فيمن شكّ، فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا؟
следующие страницы →