المشهورة، قال الفيّوميّ ﵀: السنة: أربعة أزمنة، وهي الفُصول أيضًا:
[فالأول]: الرَّبِيع، وهو عند الناس الخَرِيف، سَمَّته العرب رَبيعًا؛ لأن أوّل المطر يكون فيه، وبه يَنبُت الربيع، وسمّاه الناس خَرِيفًا؛ لأَن الثمار تُخْتَرَف فيه، أي تُقْطَع، ودخوله عند حلول الشمس رأس الميزان.
[والثاني]: الشتاء، ودخوله عند حلول الشمس رأس الْجَدْي.
[والثالث]: الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند الناس الربيع.
[والرابع]: الْقَيْظُ، وهو عند الناس الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس السَّرَطَان. انتهى (١).
(الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ") يعني قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦].
(وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من عاش يعيش، يقال: عاش يَعيش عيَشًا، كسار يسير سيرًا: صار ذا حياة، فهو عائشٌ، والأنثى عائشة، وعيّاشٌ أيضًا مبالغةٌ (٢)، وقوله: (أقضِ) مجزوم على أنه جواب الشرط، أي أحكم، يقال: قضيتُ بين الخصمين، وعليهما: أي حكمت (٣). (فِيهَا) أي في الكلالة، أي في معرفة أحكامها (بِقَضِيَّةٍ) أي بقضاء، فالمراد بالقضيّة هنا معناها المصدريّ، قال في "القاموس": "القضاءُ"، ويُقصر: الحكم، قَضَى عليه يَقْضي قَضْيًا، وقَضَاءً، وقَضِيَّةً، وهي الاسم أيضًا. انتهى (٤). (يَقْضِي بِهَا) أي بتلك القضية (مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) يعني أنه يستوي في فهم تلك القضيّة الخاصّ والعامّ؛ لوضوحها وبيانها.
قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أنه كان اتّضح له وجهُ الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فِكْرَه فيها حتى فَهِمَ ذلك، وأنه أراد أن يوضِّح ذلك على غاية الإيضاح، ولم يتمكّن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنيّة ﵁، ولم يُرْوَ عنه فيها شيءٌ من ذلك.
стр. 6862
لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيَّن الصبح لذي العينين، وسيأتي ذلك في موضعه - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ) عمر ﵁ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ) أي الذين ولّاهم على أمصار المسلمين النائية من المدينة (وَإِنِّي) وفي نسخة: "فإني" (إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ) أي على أهل الأمصار (لِيَعْدِلُوا) بكسر الدال، من العَدْل -بفتح، فسكون- وهو خلاف الْجَوْر، قال الفيّومي ﵀: العَدْلُ: القَصْدُ في الأمور، وهو خلاف الْجَورِ، يقال: عَدَلَ في أمره عَدْلًا، من باب ضَرَبَ، وعدل على القوم عَدْلًا أيضًا، ومَعْدِلَةً بكسر الدال وفتحها، وأما عَدَلَ يَعْدَل بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع، من باب تَعِبَ، فهو بمعنى جار وظَلَم. انتهى بتصرّف (٢). (عَلَيْهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا) بتشديد اللام، من التعليم (النَّاسَ دِينَهُمْ) وقوله: (وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ ) عطف تفسير وبيان لـ "دينهم"؛ لأن دينهم هو سنّة النبيّ ﷺ ، وهو الإسلام، قال اللَّه : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وهو الذي أكمله اللَّه تعالى، ورضيه لنا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ) بفتح الفاء، وسكون التحتانيّة، وهو: ما أصيب من أموال الكفّار بعد أن تضع الحرب أوزارها، وأما ما أُصيب منهم عَنْوَةً، والحرب قائمةٌ، فهو الغنيمة.
قال ابن الأثير ﵀: "الْفيءُ": هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفّار من غير حرب، ولا جهاد، وأصل الفيء: الرجوع، يقال: فاء يفيء فِئَةً، وفُيُوءًا، كأنه كان أصله لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظلّ الذي يكون بعد الزوال: فيءٌ؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.
قال: والغَنِيمة: ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب. انتهى كلام ابن الأثير ﵀ (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد صدق في قوله: "كأنه كان أصله لهم إلخ"؛
стр. 6863
لأن منافع الدنيا من المال وغيره خُلقت؛ ليستعين بها المؤمنون على طاعة اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية، فاستولى عليها الكفّار، واغتصبوها منهم، فلما أقام المؤمنون الجهاد، وغلبوا عليهم، وأخذوا أموالهم، فقد رجع إليهم ما اغتصبوه منهم، فلهذا سمّاه اللَّه تعالى فيئًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَيَرْفَعُوا) أي أمراء الأمصار (إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ) أي أمر أهل الأمصار الذي لا يستطيعون حلّه، ولا يقدرون على أن يقيموه على الوجه المطلوب، فيرفعوه إلى وليّ الأمر حتى يقوم بحلّ ما أشكل منه، ويُعينهم على إقامته على الوجه المطلوب.
(ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ) تقدّم أن إطلاق الشجر على ما لا ساق له، مثل البصل والثوم جائز لغةً، وهو الراجح؛ لأحاديث هذا الباب الصحيحة، وإن كان أكثر أهل اللغة لا يُطلقونه إلا على ما له ساق، وأما ما لا ساق له، فهو النَّجْم، فتنبّه.
وقوله: (لَا أَرَاهُمَا) بالبناء للفاعل: أي لا أعتقدهما (إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ) جملة في محل نصب على الحال، سُمِّيَا خبيثتين؛ لقبح رائحتهما، وتقدّم أن الخبيث في اللغة: هو المكروه من قول، أو فعل، أو غير ذلك، وقوله: (هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ) يَحْتَمِل النصب على البدليّة من "شجرتين"، ويَحْتَمِل الرفع، على أنه مبتدأ وخبره، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيّا، كأنه قيل له: ما هاتان الشجرتان؟، فأجاب بقوله: هذا البصلُ والثُّومُ.
(لَقَدْ) وفي نسخة: "ولقد" بالواو (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا) أي ريح البصل والثوم (مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ (أَمَرَ بِهِ) أي بإخراجه من المسجد (فَأُخْرِجَ) بالبناء للمفعول (إِلَى الْبَقِيعِ) بفتح الموحّدة، وكسر القاف: مقبرة المدينة، وإنما أُخرج إلى ذلك المكان البعيد، ولم يُترك خارج المسجد؛ تشديدًا في تأديبه حتى لا يعود مرّةً أخرى.
(فَمَنْ أَكَلَهُمَا) أي من أراد أكل البصل والثُّوم (فَلْيُمِتْهُمَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإماتة، أي ليُزل رائحتهما الكريهة (طَبْخًا) منصوب بنزع
стр. 6864
الخافض، أي بالطبخ، وإماتة الشيء: كسرُ حِدّته، ومنه قولهم: قتلت الخمر: إذا مزجتها بالماء، وكسرت حِدّتها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٦٢ و ١٢٦٣] (٥٦٧) وسيأتي في "كتاب الفرائض" (١٦١٧)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٣) وفي "الكبرى" (٧٨٧) و"التفسير" من "الكبرى" (١١١٣٥) و"الأطعمة" منها (٦٦٧٣ و ٦٦٨٢ و ٦٦٨٤)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠١٤) و (الأطعمة" (٣٣٦٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (ص ١١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٠ - ٥١١ و ٨/ ٣٠٤)، و (ابن سعد) في "الطبقات" (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٥ و ٢٦ و ٤٨ - ٤٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠ و ٢٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٩١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢١٧ و ١٢١٨ و ١٢١٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٦ و ١٢٣٧ و ١٢٣٨)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٠٨٧٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٢٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في انتقاد الحافظ أبي الحسن الدارقطنيّ ﵀ على المصنّف هذا الحديث:
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثة حفاظ، وهم منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعَمْرو بن مُرّة، فرووه عن سالم، عن عمر منقطعًا، لم يذكروا فيه معدان، قال الدارقطنيّ: وقتادة وإن كان ثقةً، وزيادة الثقة مقبولة عندنا، فإنه مُدَلِّس، ولم يَذكُر فيه سماعَهُ من سالم، فأشبه أن يكون بَلَغه عن سالم، فرواه عنه.
стр. 6865
قال النوويّ: هذا الاستدراك مردودٌ؛ لأن قتادة، وإن كان مُدَلِّسًا، فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاريّ ومسلم عن المدلسين، وعنعنوه، فهو محمولٌ على أنه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلِّس هذا الحديثَ ممن عنعنه عنه، وأكثر هذا، أو كثير منه يَذكُر مسلم وغيره سماعه من طريق آخر، متصلًا به، وقد اتفقوا على أن المدلِّس لا يُحتَجُّ بعنعنته، كما سبق بيانه في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح، ولا شك عندنا في أن مسلمًا ﵀ يَعْلَم هذه القاعدة، ويعلم تدليس قتادة، فلولا ثبوت سماعه عنده لم يَحتَجَّ به، ومع هذا كله فتدليسه لا يلزم منه أن يَذكُر معدانًا، من غير أن يكون له ذكر، والذي يُخاف من المدلِّس أن يَحذِف بعض الرواة، أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلِّس، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه، وإنما ذِكْرُ معدان زيادة ثقة، فيجب قبولها.
والعجب من الدارقطني: في كونه جعل التدليس موجِبًا لاختراع ذكر رجل لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محلُّهُ من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية، وباللَّه التوفيق. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما ردّ به النوويّ على الدارقطنيّ أمران:
أحدهما: أن ما كان في "الصحيحين" معنعنًا عن طريق المدلّسين محمول على السماع.
والثاني: أن هذا ليس من نوع التدليس؛ لأن التدليس إنما يُخاف فيه من الإسقاط، وهذا زيادة، لا إسقاط، بل هو من زيادة الثقة، فيجب قبولها، هذا ملخّص ردّه ﵀.
وعندي أن قتادة وإن كان معروفًا بالتدليس، فهذا ليس مما دلّسه قطعًا؛ لأنه رواه شعبة عنه كما في الرواية التالية، وقد ثبت وعُرف أن شعبة لا يروي عن قتادة إلا ما صرّح فيه بالسماع، نُقل عنه أنه قال: كنت أتفقّد فم قتادة، فإذا قال: "حدّثنا"، و"سمعتُ" حفظته، وإذا قال: حدّث فلان تركته، وقال أيضًا: كَفَيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة.
стр. 6866
والظاهر أن المصنّف: أتبع روايته لهذا الغرض، واللَّه تعالى أعلم.
وقد نظمت القاعدة المذكورة مع زيادة يحيى القطّان، والليث بن سعد إذا روى عن أبي الزبير المكيّ بقولي:
شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ الْمُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ
لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوَ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوْا
مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ
كَذَلِكَ الْقَطَّانُ لَا يَرْوِي لِمَنْ … دَلَّسَ مَا لَيْسَ شَمَاعًا يُؤْتَمَنْ
كَذَاكَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ … رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ يُخْشَى يَا فَطِنْ
فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا … سَمِعَهُ مِنْ جَابِر فَلْتَعْلَمَا
هَذِي فَوَائِدُ عَزِيزَةُ الْمَنَالْ … يَصبُو لَهَا مَنْ هَمُّهُ ضَبْطُ الرِّجَالْ
والحاصل أن الحديث صحيح من الطريق الذي أخرجه المصنّف ﵀، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عمر ﵁، وعلمه بتعبير الرؤيا، فقد وقع ما فسّر به رؤياه نقر الديك له ثلاث نَقَرات مطابقًا، حيث طعنه العلج ثلاث طعنات، فمات منها، وقد أخبر النبيّ ﷺ بأنه من الْمُحَدّثين، فقد أخرج البخاريّ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، فإن يكُ في أمتي أحد، فإنه عمر"، وفي لفظ: "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل، رجال يُكَلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر".
وأخرج مسلم عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ أنه كان يقول: "قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ، فإن عمر بن الخطاب منهم"، قال ابن وهب: تفسير مُحَدَّثون: مُلْهَمُون.
٢ - (ومنها): أنه حجة للإلحاح في سؤال العالم، ومباحثته، وجواز تأديب المعلِّم للمتعلّم إذا رآه أسرف في ذلك.
٣ - (ومنها): أن قوله: "إن اللَّه لا يضيع دينه ولا خلافته" فيه حجة لما
стр. 6867
وقع عليه إجماع المسلمين من إقامة الخليفة لهم، قاله القاضي عياض ﵀ (١).
٤ - (ومنها): جواز قول "سورة النساء"، و"سورة البقرة"، و"سورة العنكبوت"، ونحوها، وهذا مذهب مَن يُعْتَدُّ به من العلماء، والإجماع اليوم منعقد عليه، وكان فيه نزاع في العصر الأول، وكان بعضهم يقول: لا يقال: سورة كذا، وإنما يقال: السورة التي يُذْكَر فيها كذا، وهذا باطل مردودٌ بالأحاديث الصحيحة، واستعمالِ النبيّ ﷺ ، والصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، من علماء المسلمين، ولا مَفْسَدَة فيه؛ لأن المعنى مفهوم، قاله النوويّ ﵀ (٢).
٥ - (ومنها): أن فيه إخراج من وُجد منه ريح الثُّوم والبصل، ونحوهما من المسجد.
٦ - (ومنها): أن رحبة المسجد له حكمه؛ لأنه ﷺ لم يكتف بإخراجه إليه، بل أبعده إلى البقيع.
٧ - (ومنها): أن من أراد أكل البصل والثوم ونحوهما بينبغي له أن يُميتها بالطبخ.
٨ - (ومنها): إزالة المنكر باليد لمن أمكنه، وهو أول ما جاء الأمر بإزالة المنكر به في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، رواه مسلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
стр. 6868
إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٢ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان الفزاريّ مولاهم ثقة حافظٌ، ورمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الحافظ الناقد الواسطيّ، ثم البصري [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (جَمِيعًا) يعني أن سعيد بن أبي عروبة، وشعبة كلاهما حدّثا به عن قتادة.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة الماضي، فـ "في" بمعنى الباء.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي.
[تنبيه]: أما رواية سعيد بن أبي عروبة، فقد ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٦٢) فقال:
(١٢٣٦) حدّثنا ابن (١) يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا عبد اللَّه بن بكر، ثنا سعيد بن أبي عروبة (ح) وحدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا غُندر بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، عن سعيد بن أبي عروبة، وحدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن سعيد، ثنا عبدان بن أحمد، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن علية، عن سعيد بن عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، أن عمر بن الخطاب، صَعِدَ المنبر، فحمد اللَّه، وأثنى عليه،
стр. 6869
ثم ذكر نبيّ اللَّه ﷺ وأبا بكر، ثم قال: يا أيها الناس، إني رأيت أن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أرى ذلك إلا لحضور أجلي، وأن ناسًا يأمروني أني (١) أستخلف، وأن اللَّه تعالى لم يكن ليضيع دينه، ولا خلافته، وما بَعَثَ به رسوله، فإن عَجِل أمرٌ، فالشورى في هؤلاء الستة الذين تُوُفّي رسول اللَّه ﷺ ، وهو عنهم راضٍ، فمن بايعهم فاسمعوا له وأطيعوا، فإن رجالًا سيطعنون في ذلك، أنا قاتلتهم بيدي على الإسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء اللَّه الكَفَرة الضُّلال، وإني لا أَدَعُ شيئًا أهم عندي من أمر الكلالة، وما أغلظ لي رسول اللَّه ﷺ في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طَعَن بإصبَعه في صدري، أو في جنبي، ثم قال: يا عمر يكفيكها آية الصيف التي أُنزلت في آخر سورة النساء، وإني إن أعتبر (٢) أقض بقضاء لا يَختلف فيه أحد، يقرأ القرآن ومن لا يقرأ، وإني أشهد اللَّه على أمراء الأمصار، فإني إنما بعثتهم ليعلِّموا الناس دينهم، وسنة نبيهم ﷺ ، ويَعْدِلوا عليهم، ويَقْسِموا فيهم (٣)، ويرفعوا إلينا ما أشكل علينا (٤)، وإنكم يا أيها الناس تأكلون من شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين، قد كنت أرى الرجل على عهد رسول اللَّه ﷺ يوجد ريحها منه، فيؤخذ بيده، فيُخْرَج إلى البقيع، فمن كان أكلهما لا بُدّ فليمتهما طبخًا: الثوم، والبصل. انتهى.
زاد في رواية ابن شيبة في "مصنفه" (٧/ ٤٣٧) قال: فخطب بها عمر يوم الجمعة، وأصيب يوم الأربعاء، لأربع بقين لذي الحجة. انتهى.
وأما رواية شَبَابة بن سَوّار، فساقها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٤١) فقال:
(١٢١٨) حدّثنا أبو عليّ الزعفرانيّ، والدُّوريّ، وابن المنادي، قالوا: ثنا
стр. 6870
شَبَابة، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمَريّ، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁، فقال: رأيت كأن ديكًا أحمر نَقَرني نقرة أو نقرتين، فلا أرى ذلك إلا لحضور أجلي، فإن عَجِل بي أمرٌ، فإن الشُّورَى إلى هؤلاء الستة الذين تُوُفِّي رسول اللَّه ﷺ ، وهو عنهم راضٍ، وإني أعلم أن أُناسًا سيطعنون في هذا الأمر بعدي، فإن فعلوا فأولئك أعداء اللَّه الكُفّار الضُّلال، أنا جاهدتهم بيدي هذه على الإسلام، إني أشهد اللَّه على أمراء الأمصار، فإني إنما بعثتهم ليعلِّموا الناس دينهم، وسنة نبيهم، وليَقْسِموا فيهم فيأهم، قال: وما أغلظ لي رسول اللَّه ﷺ ، أو ما نازلت رسول اللَّه ﷺ في شيء ما أغلظ لي في آية الكلالة، حتى ضَرَب في صدري، وقال: تكفيك آية الصيف: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ١٧٦]، وسأقضي فيها بقضاء، يعلمه من يقرأ، ومن لا يقرأ، هو مما خلا الأبَ أحسِبُ، ألا أيها الناس إنكم تأكلون من شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين: الثوم والبصل، وإن كان رسول اللَّه ﷺ لَيَأْمُر بالرجل يوجد منه ريحهما، أن يُخْرَج إلى البقيع، فمن كان منكم آكلهما، فليمتهما طَبْخًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٨) - (بَابُ النَّهْي عَنْ نِشْدَةِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا يَقُولُهُ مَنْ سَمِعَ النَّاشِدَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٤] (٥٦٨) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ (٢)، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ
стр. 6871
ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان التُّجِيبيّ، أبو زُرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] (ت سنة بضع ١٣٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣.
٣ - (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) هو: سالم بن عبد اللَّه النَّصْريّ -بالنون- أبو عبد اللَّه المدنيّ، ويقال له: مولى النصريين، مولى مالك بن أوس، ومولى دوس، ومولى الْمَهْريّ، ومولى شدّاد، والدُّوْسيّ، وسالم سَبَلَان، صدوقٌ [٣] (ت ١١٠) (م د س ق) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، ومولى شدّاد، فما أخرج لهما البخاريّ والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) ووقع في نسخة: ابن الهادي بالياء، وهو الأفصح في الاستعمال، قال في "الخلاصة":
وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي
وقد تقدّم البحث في هذا في ترجمة عمرو بن العاص، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
стр. 6872
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً) أي يطلبها برفع الصوت، و"يَنْشُد" بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: نَشَدَ الضَّالَّةَ يَنْشُدُها، من باب قتل: إذا طلبها، وكذا إذا عرّفها، والاسم نِشْدة، ونِشْدانٌ بكسرهما، وأنشدها: عَرَّفَها، قاله الفيّوميّ (١).
وقال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: يقال: نَشَدتُ الدابّة: إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرَّفتها، ورواية هذا الحديث "يَنْشُدُ" بفتح الياء، وضمّ الشين، من نَشَدت: إذا طَلَبتَ. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: يقال: نشَدت الضّالّة، فأنا ناشدٌ: إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرّفتها، وهو من النَّشِيد، وهو رفع الصوت. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن نَشَد الثلاثيّ يُستعمل للطلب، وللتعريف، وأما أنشد الرباعيّ فيُستعمل للتعريف فقط، وأن الرواية في هذا الحديث "يَنْشُدُ" الثلاثيّ، كما أفاده النوويّ ﵀.
و"الضّالّة": الحيَوَان الضائع، قال ابن الأثير ﵀: الضالة: هي الضائعة من كل ما يُقْتَنَى من الحيوان وغيره، يقال: ضَلَّ الشيءُ: إذا ضاع، وضَلَّ عن الطريق: إذا حار، وهي في الأصل فاعلةٌ، ثم اتُّسِعَ فيها، فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى، والاثنين والجمع، وتُجْمَع على ضَوَالّ، قال: وقد تُطْلَق الضالة على المعاني، ومنه الحديث: "الكلمة الحكيمة ضالةُ المؤمن"، وفي رواية "ضالةُ كل حكيم" (٤)، أي لا يزال يَتَطَلَّبُها كما يتطلب الرجل ضالته. انتهى (٥).
وقال الفيّوميّ ﵀: الضَّلالُ: الْغَيْبَةُ، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالّةٌ
стр. 6873
بالهاء، للذكر والأنثى، والجمع: الضّوَالّ، مثل دابّة ودوابّ، ويقال لغير الحيوان: ضائعٌ ولُقَطَةٌ، وضَلَّ البعير: غاب، وخَفِيَ موضعه، وأضللته بالألف: فَقَدتُهُ، قال الأزهريّ: وأضللتُ الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت كالدار قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْتُهُ، ولا تقل: أضللته بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أضلَّني كذا بالألف: إذا عَجَزت عنه، فلم تَقْدِر عليه، وقال في "البارع": ضَلَّني فلان، وكذا في غير الإنسان يَضِلُّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حَيَوَانًا، فأخطأت مكانه، ولم تَهْتَدِ إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضللته، وقال الفارابيّ: أضللته بالألف: أضعته.
قال: وقوله: لا يجوز بيع الآبق، والضالِّ، إن كان المراد الإنسان فاللفظ صحيحٌ، وإن كان المراد غيره، فينبغي أن يقال: والضالة بالهاء، فإن الضالّ، هو الإنسان، والضالّة: الحيوان الضائع. انتهى (١).
(فِي الْمَسْجِدِ) متعلّقٌ بـ "يَنْشُدُ" (فَلْيَقُل) أي السامع، يعني عقوبة له؛ لارتكابه في المسجد ما لا يجوز فيه، وظاهره أنه يقوله جهرًا؛ لأنه ﷺ قاله جهرًا، حتى سمع الصحابة منه، ونقلوه إلينا (لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ) هذا دعاء عليه بعدم وجود ضالّته، وفي الرواية الآتية: "لا وجدتَّ"، وفي رواية أبي داود: "لا أدّاها اللَّه إليك".
فكلمة "لا" لنفي الماضي، ودخولها على الماضي بلا تكرار جائز في الدعاء، وفي غير الدعاء الغالب هو التكرار، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١].
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو الصواب في معنى الحديث، وأما ما ذكره بعض الشرّاح كالسنوسيّ، فإنه قد طوّل نفسه بما لا فائدة فيه، واستحسن كون الحديث دعاء له، لا دعاء عليه، وأن "لا" ناهيةً، أي لا تَنْشُدْ، وقوله: "ردّها اللَّه عليك" دعاءً له بردّ ضالّته عليه، فغير صحيح، ويبطله قوله: "فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا"، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
стр. 6874
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "لا ردّها اللَّه عليك" دعاءٌ على الناشد في المسجد بعدم الوجدان، فهو معاقبة له في ماله على نقيض مقصوده، فليُلحق به ما في معناه، فمن رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته، دُعي عليه على نقيض مقصوده ذلك بسبب جريمة رفع الصوت في المسجد، وإليه ذهب مالك في جماعة، حتى كرهوا رفعَ الصوت في المسجد في العلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت فيه في الخصومة والعلم، قالوا: لأنه لا بُدّ لهم من ذلك، وهذا مخالف لظاهر الحديث، وقولهم: لا بدّ لهم من ذلك ممنوعٌ، بل لهم بُدّ من ذلك بوجهين:
أحدهما: ملازمة الوقار والحرمة بإخطار ذلك بالبال، والتحرّز من نقيضه، ومن خاف ما يقع فيه تحرّز منه.
والثاني: أنه إذا لم يتمكّن من ذلك، فليَتَّخِذ لذلك موضعًا يخصّه، كما فعل عمر ﵁، وقال: من أراد يَلْغَط، أو يُنشد شعرًا، فليُخرج من المسجد. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح قول من قال بجواز رفع الصوت في المسجد بالعلم ونحوه؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يسألون النبيّ ﷺ عما يحتاجون إليه في المسجد رافعين أصواتهم، ولم يمنع أحدًا منهم عن رفع صوته بالسؤال، وكذا كان هو يُجيبهم رافعًا صوته، وهذا مما لا يخفى على من له إلمام بدواوين السنّة، فالقول بالكراهة مما لا دليل عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإنَّ الْمَسَاجِدَ) الفاء للتعليل، أي لأن المساجد (لَمْ تُبْنَ) بالبناء للمفعول (لِهَذَا") أَي لنشد الضالّة، وفي الرواية الآتية: "إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له"، أي وهو الصلاة، وذكر اللَّه تعالى، وقراءة القرآن، والعلم، ونحوها.
وروى ابن أبي شيبة بسند جيّد عن عاصم بن عُمر بن قتادة، أن عمر ﵁ سمع ناسًا من التجّار يذكرون تجاراتهم والدنيا في المسجد، فقال: "إنما بُنيت
стр. 6875
هذه المساجد لذكر اللَّه، فإذا ذَكَرتم تجاراتكم ودنياكم، فاخرجوا إلى البقيع" (١).
[تنبيه]: قوله: "فإن المساجد لم تُبْن لهذا" يَحْتَمِل أن يكون داخلًا في حيّز القول، فيذكره قائل "لا ردّها اللَّه عليك"؛ تعليلًا لقوله، ويؤيّد هذا قوله ﷺ في الرواية التالية: "لا وجدت، إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له".
ويَحْتَمِلُ أنه تعليل لقوله: "فليقل"، فلا حاجة إلى أن يقوله، والاحتمال الأول هو الأرجح، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ١٢٦٤ و ١٢٦٥] (٥٦٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٧٣)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٧٦٧)، (وأحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٤٩ و ٤٢٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢١٢ و ١٢١٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٩ و ١٢٤٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٤٧ و ٦١٩٦ و ١٠/ ١٠٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن نَشْدِ الضالّة في المسجد، ويُلْحَق به ما في معناه، من البيع والشراء والإجارة، ونحوها، من العقود.
٢ - (ومنها): كراهة رفع الصوت في المسجد، قال القاضي عياض: قال مالكٌ وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمهم اللَّه تعالى رفع الصوت
стр. 6876
فيه بالعلم، والخصومة، وغير ذلك، مما يَحْتاج إليه الناس؛ لأنه مَجمَعُهم، ولا بُدّ لهم منه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا القول هو الحقّ؛ لأنه المتعارف في زمن النبيّ ﷺ ، فقد أخرج الشيخان عن سهل بن سعد ﵄ أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أرأيت رجلًا وَجَدَ مع امرأته رجلًا، أيقتله؟ فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد.
وأخرج البخاريّ عن أنس ﵁ قال: بينما نحن جلوس مع النبيّ ﷺ في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟، والنبيّ ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبيّ ﷺ : "قد أجبتك"، فقال الرجل للنبيّ ﷺ : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال: "سل عما بدا لك. . ." الحديث في قصّة ضمام بن ثعلبة ﵁ الطويلة، فقد وقع هذا كلّه في المسجد برفع الصوت.
وأخرج أيضًا عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رجلًا قام في المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، من أين تأمرنا أن نُهِلّ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "يُهِلّ أهل المدينة من ذي الحليفة. . . " الحديث، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي جاء فيها التصريح أن الصحابة كانوا يرفعون أصواتهم بالعلم في المسجد، فلم ينه النبيّ ﷺ أحدًا منهم عن ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: فيه دليلٌ على منع عمل الصانع في المسجد، كالخياطة، وشبهها، قال: وقد مَنَعَ بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد، قال: قال بعض شيوخنا: إنما يُمنَع في المسجد من عمل الصنائع التي يَختصّ بنفعها آحاد الناس، ويكتسب به، فلا يَتَّخِذ المسجد مَتْجَرًا، فأما الصنائع التي يَشْمَل نفعها المسلمين في دينهم، كالمثاقفة، وإصلاح آلات الجهاد، مما لا امتهان للمسجد في عمله، فلا بأس به (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيِّد هذا ما أخرجه المصنّف عن عائشة ﵄
стр. 6877
قالت: "جاء حَبَشٌ يَزْفِنُون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبيّ ﷺ ، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت انظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم".
قولها: "يَزْفنون" من باب ضرب: أي يَثِبُون، ويلعبون بحرابهم، كهيئة الرَّقْص.
٤ - (ومنها): ما قاله القاضي ﵀: وقد منع بعض أهل العلم تعليم الصبيان في المساجد، فإن كان منعهم ذلك لأجل أخذ الأجرة على ذلك التعليم، فيكون ضربًا من البيع في المسجد، ويجري ذلك أيضًا في غير الصبيان إذا كان بأجرة، وإن كان لمضرّة المسجد بالصبيان لم يَشْرَكهم في ذلك إلا من شاركهم في هذه العلة. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بمنع تعليم الصبيان في المسجد إذا لم يترتّب عليه ضرر، غير صحيح؛ لأن تعليم النبيّ ﷺ للكبار والصغار كان في المسجد، وكذلك في عهد الصحابة ﵃، ولم تُبْنَ المدارس المعروفة إلا متأخّرة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه دلالة على النهي من رفع الصوت في المسجد بأمر دنيويّ، كالبيع والشراء، فقد أخرج الترمذيّ بإسناد صحيح، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح اللَّه تجارتك، وإذا رأيتم من يَنْشُد فيه ضالّةً، فقولوا: لا رد اللَّه عليك".
٦ - (ومنها): أن نشد الضالّة في المسجد جريمة يستحقّ صاحبها أن يُدعى عليه بعدم وجدان مطلوبه؛ عقوبةً له على مخالفته، وعصيانه، فينبغي لسامعه أن يقول له: "لا ردّها اللَّه عليه"، أو "لا وجدت، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا"، كما قاله رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن المازريّ استنبط من الحديث منع السؤال في المسجد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: السائل في المسجد، قيل: يحرم إعطاؤه، وقيل: لا، وقيل: إن كان يتضرّر به أهل المسجد، بأن يرفع صوته، ويُشوّش
стр. 6878
على المصلّين، أو يمرّ بين يدي مصلّ، أو يسأل بإلحاف، حرم إعطاؤه؛ لكونه إعانةً على ممنوع، وإلا جاز إعطاؤه، وهذا التفصيل هو الصواب؛ لثبوت أدلّته في الأحاديث الصحيحة.
فقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "هل منكم أحدٌ أطعم اليومَ مسكينًا؟ "، فقال أبو بكر ﵁: دخلت المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كِسْرَة خُبْز في يد عبد الرحمن، فأخذتها منه، فدفعتها إليه".
فهذا يدلّ على جواز السؤال في المسجد، حيث أقرّ النبيّ ﷺ أبا بكر في إعطائه السائل في المسجد.
والحديث أخرجه مسلم مطوّلًا دون ذكر المسجد، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ "، قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازةً؟ "، قال أبو بكر ﵁: أنا قال: "فمن أطعم منكم اليومَ مسكينًا؟ "، قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: "فمن عاد منكم اليومَ مريضًا؟ "، قال أبو بكر ﵁: أنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة".
وأخرج مسلم عن المنذر بن جرير، عن أبيه ﵁ قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَار، أو العباء، مُتَقَلِّدي السيوف، عامتهم من مُضَر، بل كلهم من مضر، فَتَمَعَّر وجِه رسول اللَّه ﷺ لَمَا رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا، فأَذَّن وأقام، فصلّى، ثم خطب. . . الحديث، وفيه: "تَصَدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. . ." الحديث.
وروى البيهقيّ أنه ﷺ أمر سُليكًا الغطفانيّ بالصلاة يوم الجمعة في حال الخطبة؛ ليراه الناس، فيتصدّقوا عليه، وأمرهم بالصدقة، وهو على المنبر (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 6879
(المسألة الرابعة): لا يجوز رفع الصوت في المسجد بقراءة القرآن، أو الذكر؛ فقد أخرج أحمد، وأبو داود، واللفظ له، بإسناد صحيح، عن أبي سعيد ﵁ قال: اعتكف رسول اللَّه ﷺ في المسجد، فسمعهم يَجهَرون بالقراءة، فكَشَف السِّترَ، وقال: "ألا إن كلكم مُنَاجٍ ربَّهُ، فلا يُؤذيَنَّ بعضُكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة"، أو قال: "في الصلاة".
وأخرج أحمد بإسناد صحيح، عن البياضيّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ خرج على الناس، وهم يصلّون، وقد عَلَت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلّي يناجي ربه ، فلينظر ما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن".
وأخرج أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: اعتكف رسول اللَّه ﷺ في العشر الأواخر من رمضان، فاتُّخِذ له فيه بيتٌ من سَعَفٍ، قال: فأخرج رأسه ذات يوم، فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر أحدكم بما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة"، وفي سنده محمد بن أبي ليلى متكلّم فيه، لكن يشهد له ما قبله، فهو صحيح.
وقد نصّ العلماء من أصحاب المذاهب المتبوعة على ذلك، فقال في "الدرّ المختار" من كتب الحنفيّة: يحرم في المسجد رفع الصوت بالذكر، إلا للمتفقّهة. انتهى. وقال في "البحر الرائق" من كتبهم أيضًا: إذا جهر الإمام فوق حاجة الناس فقد أساء.
وقال في "مختصر الخليل" من كتب المالكيّة، وشروحه، وحواشيه: يكره رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد؛ خشية التشويش على المصلّين والذاكرين، فإن شوّش حرُم اتّفاقًا. انتهى.
وقال ابن العماد: تحرم القراءة جهرًا على وجه يُشَوِّش على نحو مصلٍّ. انتهى. وذكر مثله في كتب الشافعيّة والحنبليّة، نقل هذه الأقوال في "المنهل" (١).
والحاصل أنه لا يجوز التشويش على المصلّين، والمعتكفين في المسجد
стр. 6880
برفع الصوت بالذكر والتلاوة ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا (١) حَيْوَةُ، قَالَ: سَمِعْت أَبا الْأَسْوَدِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى شَدَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْمُقْرِئُ) هو: عبد اللَّه بن يزيد المكيّ، أبو عبد الرحمن المقرئ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
[تنبيه]: وقع لأصحاب برنامج الحديث هنا غلظٌ، حيث ترجموا المقرئ بأنه عبد اللَّه بن يزيد المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، مولى الأسود بن سفيان، وهو من شيوخ مالك، من الطبقة السادسة، وهذا من تلامذته، ومما يوضّح كونه غلطًا أنه لم يلقه زهير بن حرب الراوي عنه هنا؛ لأنه مات سنة (١٤٨) ووُلد زهير -كما في "تهذيب التهذيب" (١/ ٦٣٦) - سنة (١٦٠) أي بعد موت المقرئ المذكور باثنتي عشرة سنة، وقد نبّهت على هذا فيما سبق، فينبغي التنبّه له، فإنه مهمّ جدًّا، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والباقون تقدّموا في المسند الماضي، و"أبو الأسود": هو محمد بن عبد الرحمن المذكور هناك.
[تنبيه]: روايهَ المقرئ التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية ابن وهب، ساقها الحافظ أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ١٦٤) فقال:
(١٢٣٩) حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى،
стр. 6881
ثنا عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، ثنا حيوة، سمعت أبا الأسود، يقول: أخبرني أبو عبد اللَّه، مولى شداد، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَن سَمِعَ رجلًا يَنْشُدُ ضالّةً في المسجد، فليقل له: لا أداها اللَّه إليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٦] (٥٦٩) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمام حجةٌ، ربّما دلّس، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) (١) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ القاضي، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٦ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب، أبو عبد اللَّه، وقيل غير ذلك، الأسلميّ الصحابيّ، أسلم ﵁ قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣.
стр. 6882
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وأبو داود، وسليمان، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه: سليمان بن بُريدة، عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصَيب ﵁ (أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ) تقدّم في الحديث الماضي، من باب نصر: إذا طلب (فِي الْمَسْجِدِ) "أل" فيه للجنس (فَقَالَ: مَنْ) استفهاميّة (دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟) أي من وجد الجمل الأحمر، فدعا إليه، ونادى عليه؟ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا وَجَدْتَ) مفعوله محذوف، والكلام على الدعاء عليه، أي لا وجدت ضالّتك، فهو بمعنى "لا ردّها اللَّه عليك".
[تنبيه]: قال الإمام ابن حبّان البستيّ ﵀ في "صحيحه" بعد إخراجه الحديث، من طريق الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، مفسِّرًا له ما نصّه: قال أبو حاتم: أُضمر فيه: لا وجدتَ إن عُدت لهذا الفعل بعد نهيي إياك عنه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى، فإن سياق الروايات يدلّ على عدم التقييد، بل هو على إطلاقه، ولا سيّما رواية الإمام أحمد الآتية، فلا داعي إليه، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(إِنَّمَا بُنِيَتِ) بالبناء للمفعول (الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ) أي للغرض الذي بُنيت من أجله.
وقد أخرج الحديث الإمام أحمد ﵀ من طريق سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، ولفظه: أن أعرابيًّا قال في المسجد: من دعا للجمل الأحمر؟ بعد الفجر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا وجدته، لا وجدته، لا وجدته، إنما بُنِيت هذه البيوت" -قال مؤمل (١) -: "هذه المساجد لما بُنِيَت له". انتهى.
стр. 6883
وقد تقدّم بيان معنى ما بُنيت له في حديث أنس بن مالك ﵁ الذي تقدّم في "كتاب الطهارة" في قصّة الأعرابيّ الذي بال في المسجد، وفيه: ثم إن رسول اللَّه ﷺ دعاه، فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلَح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه ، والصلاة، وقراءة القرآن. . ." الحديث.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "إنما بُنِيت المساجدُ لما بُنِيَت له" معناه: لذكر اللَّه تعالى، والصلاة، والعلم، والمذاكرة في الخير، ونحوها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة بن الْحُصَيب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ١٢٦٦ و ١٢٦٧ و ١٢٦٨] (٥٦٩)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١٧٤ و ١٧٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٧٦٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٢١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤١٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٨٠٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٠١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٥٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢١٤ و ١٢١٥ و ١٢١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٤١ و ١٢٤٢ و ١٢٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٩٦ و ١٠/ ١٠٣ و ٤٤٧)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي
стр. 6884
سِنَانٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (١) لَمَّا صَلَّى، قَامَ رَجُلٌ، فَيقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) عن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (أَبُو سِنَانٍ) هو: سَعِيد بن سِنَان الْبُرْجميّ -بضم الموحّدة، والجيم بينهما راء ساكنة- الشيبانيّ الأصغر الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦].
رَوَى عن طاوس، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة، وسعيد بن جبير، وعلقمة بن مرثد، وحبيب بن أبي ثابت، ووهب بن خالد الْحِمْصِيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الثوريّ، وابن المبارك، ووكيع، وجرير بن عبد الحميد، وإسحاق بن سليمان الرازيّ، وأسباط بن محمد القُرَشيّ، وأبو داود الطيالسيّ، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: كان رجلًا صالحًا، ولم يكن يقيم الحديث. وقال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي في الحديث. وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي جائز الحديث. وقال ابن سعد: كان من أهل الكوفة، ولكنه سكن الرّيّ، وكان سيئ الْخُلُق. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة من رُفَعاء الناس. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عابدًا فاضلًا. ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال ابن عديّ: له غرائب، وأفرادات، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب، ولعله إنما يَهِمُ في الشيء بعد الشيء.
стр. 6885
وقال الدارقطني: سعيد بن سنان اثنان: أبو مهدي حِمْصيّ يَضَعُ الحديث، وأبو سِنَان كوفيّ سكن الرّيّ من الثقات.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: كون أبي سنان في هذا المسند هو الأصغر، واسمه سعيد بن سنان، صرّح به الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، ونصّه:
(٢٢٥٤٢) حدّثنا وكيع، حدّثنا سعيد بن سِنَان، وهو أبو سِنَان، عن علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: صلّى النبيّ ﷺ ، فقام رجل: فقال: من دعا للجمل الأحمر؟ فقال النبيّ ﷺ : "لا وجدتَ، إنما بُنِيت المساجدُ لما بنيت له". انتهى.
وقوله: (لَمَّا صَلَّى، قَامَ رَجُلٌ) وفي الرواية التالية: قال: "جاء أعرابيّ بعدما صلّى النبيّ ﷺ صلاة الفجر، فأدخل رأسه من باب المسجد"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ بَعْدَمَا صلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا (٢).
قَالَ مُسْلِم: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ، وَهُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل
стр. 6886
الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ شَيْبَةَ) بن نَعَامة الضبّيّ الكوفيّ، مقبول [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعمرو بن مُرّة، وعلقمة بن مَرْثَد، وزبيد الياميّ، وثابت بن عُبيد.
ورَوَى عنه مِسْعَرٌ، وهُشيم، وخارجة بن مُصْعب، وأبو معاوية، وفُضيل بن عياض، وجَرِير بن عبد الحميد، ومحمد بن عيينة.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن القطّان: لا يُعْرَف حاله، وقال أبو عوانة في "صحيحه": يقال: إنه يُكْنَى أبا نَعَامة.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وقال عنه: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ، وَهُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وفيه سقط، كما سأبيّنه قريبًا.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) فاعل "ذَكَرَ" ضمير محمد بن شيبة، وضمير "حديثهما" لعلقمة بن مَرْثد، وأبي سنان الشيبانيّ الأصغر.
[تنبيه]: رواية محمد بن شيبة هذه، لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) يَحْتَمِل أن يكون من كلام المصنّف نفسه، ويَحْتَمِل أن يكون من الراوي عنه.
وقوله: (هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ) هكذا نسخ الكتاب، والظاهر أن فيه سقطًا، والصواب: "هو محمد بن شيبة بن نَعامة، أبو نعامة؛ لأن أبا نعامة كنية لمحمد، لا لأبيه شيبه، كما سبق في ترجمته، ولم يُنبّه أحد من الشّرّاح على هذا.
وقد وقع أيضًا لأبي عوانة في "مسنده" نحو هذا من الغلط، حيث قال: "يقال: إن محمد بن شيبة هو أبو نعامة بن نعامة، رواه مسعر، وهشام (١)، وجرير عنه". انتهى.
والصواب تقديم "ابن نعامة" على قوله: "أبو نعامة"، هكذا: يقال: إن
стр. 6887
محمد بن شيبة بن نعامة أبو نعامة، روى مسعر، وهشام، وجرير عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٩) - (بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: (اعلم): أن "السَّهْوَ" -بفتح، فسكون- مصدر "سها" "يسهو"، يقال: سها عن الشيء يسْهُوُ سهَوًا.
وقال في "اللسان": السَّهْو، والسَّهْوَة: نسيان الشيء، والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره، سَهَا يَسْهُو سَهْوًا، وسُهُوًّا، فهو سَاهٍ، وسَهْوَان، وإنه لساه بَيِّن السَّهْو، والسُّهُوّ، والسهو في الصلاة: الغفلة عن شيء منها. وقال ابن الأثير: السَّهْوُ في الشيء: تركه عن غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥]. انتهى المقصود من "اللسان" (١).
وقال أبو البقاء الكَفَويّ في "الكليات": السهو: هو غفلة القلب عن الشيء بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد. قال بعضهم: النسيان: زوال الصورة عن القوّة المدركة مع بقائها في الحافظة، والسهو زوالها عنهما معا. وقيل: غفلتك عما أنت عليه لتفقده سهو، وغفلتك عما أنت عليه لتفقد غيره نسيان. وقيل: السهو يكون لما علمه الإنسان، ولما لا يعلمه، والنسيان لما غَرُبَ بعد حضوره، والمعتمد أنهما مترادفان. انتهى المقصود من "الكليات" (٢).
وقال في "المصباح": سَهَا عن الشيء يَسْهُو سَهْوًا: غَفَلَ، وفرَّقُوا بين الساهي والناسي بأن الناسي إذا ذكّرته تذكّر، والساهي بخلافه، والسهو: الغفلة. انتهى (٣).
وقال في "مراقي السعود" مُبَيِّنًا الفرق بينهما:
стр. 6888
زَوَالُ مَا عُلِمَ قُلْ نِسْيَانُ … وَالْعِلْمُ فِي السَّهْوِ لَهُ اكْتِنَانُ
قال شارحه: يعني أن النسيان هو زوال المعلوم من القوّة الحافظة، والقوّة المدركة، فيُستأنَفُ تحصيله لأنه غير حاصل لزواله، والسهو هو اكتنان المعلوم، أي غيبته عن القوّة الحافظة مع أنه غير غائب عن القوة المدركة، فهو الذهول عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. وقيل: النسيان غفلة عن المذكور، والسهو غفلة عن المذكور وغيره. وقيل: هما مترادفان. انتهى (١).
وقال السيوطيّ ﵀ في "الكوكب الساطع" مشيرًا إلى القول بأن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا:
وَالسَّهْوُ أَنْ يَذْهَلَ عَنْ مَعْلُومِهِ … وَفَارَقَ النِّسْيَانَ فِي عُمُومِهِ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٩] (٣٨٩)(٢) - (حَدَّثَنَا (٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
стр. 6889
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الفقيه الحافظ المتّفق على جلالته وإتقانه، رأس [٤] (ت ١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ) ومثل الأحد الإحدى، وإنما خص الذكور بالخطاب لعله لكونهم الحاضرين وقت الخطاب، واللَّه تعالى أعلم.
(إِذَا قَامَ يُصَلِّي) المراد إذا دخل في الصلاة، فلا يقتضي أنه لو صلّى جالسًا لا يحصل له ذلك.
ثمَّ إن قوله: "يُصَلِّي" يَشمَل الفرضَ والنفل.
[فإن قلت]: قوله في الرواية التالية: "إذا نودي بالصلاة" قرينة في كون المراد الفريضة، وكذا قوله: "إذا ثُوِّبَ".
стр. 6890
[وأجيب]: بأن ذلك لا يَمنع تناول النافلة؛ لأن الإتيان بها حينئذ مطلوب، لقوله ﷺ : "بين كلّ أذانين صلاة" (١)، واللَّه تعالى أعلم.
(جَاءَهُ الشَّيْطَانُ) الظاهر أن "أل" فيه للعهد الذهنيّ، وهو شيطان الصلاة الذي يُسمّى خَنْزَب، فسيأتي للمصنّف في "كتاب السلام" أن عثمان بن أبي العاص ﵁ أتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسها عليّ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذاك شيطان يقال له: خَنْزَب، فإذا أحسسته، فتعَوَّذ باللَّه منه، واتفُلْ على يسارك ثلاثًا"، قال: ففعلت ذلك، فأذهبه اللَّه عني.
(فَلَبَسَ عَلَيْهِ) أي خَلَطَ عليه صلاته، وهو: بفتح الموحّدة المخففة، من الثلاثيّ، يقال: لَبَس عليه يَلْبِسُ، من باب ضرب: إذا خلطه عليه، وجعله مشتبهًا بغيره، خافيًا حتى لا يعرف جهته، والمعنى هنا: خلط عليه أمر صلاته، وشوّش عليه خاطره.
وقال النوويّ ﵀: هو بالتخفيف هنا، أي خلط عليه صلاته، وشبّهها عليه، وشكّكه فيها (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: هو بالتخفيف، وربّما شُدّد للتكثير. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: يُرْوَى مخفف الباء ومشدَّدها، وهي مفتوحة في الماضي مكسورة في المستقبل، ومعناه: خَلَطَ، يقال: لَبَستُ عليه الأمر أَلْبِسُهُ: أي خَلَطته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، فأما بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل: فهو من لِبَاس الثوب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. انتهى (٤).
(حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ) الإشارة إلى التردّد وعدم العلم، ويَحْتَمِل أن يكون للسهو.
(فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) أي ترغيمًا للشيطان حيث لَبَسَ عليه صلاته، وليس
стр. 6891
شيء أثقل عليه من السجود؛ لما لَحِقه ما لحِقه بسبب الامتناع عن السجود لآدم ﵇.
وفيه دلالة على أنه لا زيادة على السجدتين، وإن تكرر السهو.
(وَهُوَ جَالِسٌ) قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث مقصوده الأمر بالسجود عند السهو، وهل ذلك بعد السلام، أو قبله؟ لم يَتعرَّض له فيه، وقد رُوي عن مالك والليث أنهما حملا هذا الحديث على المستنكح، وهو الذي يغالبه النعاس (١)، وليس في الحديث ما يدلّ عليه، وما قالاه ادّعاء تخصيص، ولا بُدّ من دليله، على أنه قد اختَلَفَ قول مالك في المستنكح، هل عليه سجودٌ أم لا؟ بل نقول: إن في الحديث ما يدلّ على نقيض ما قالاه، وهو قوله: "فإذا وَجد أحدكم"، وهذا خطابٌ لعموم المخاطبين، وعمومُهُم السلامة من الاستنكاح، فإنه نادر الوقوع.
وقد ذهب الحسن في طائفة من السلف إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقالوا: ليس على من لم يَدرِ كم صلّى؟ ولا يدري هل زاد أو نقص؟ غير سجدتين، وهو جالسٌ.
وذُكر عن الشعبيّ، والأوزاعيّ، وجماعة كثيرة من السلف أن من لم يدر كم صلّى؟ أعاد أبدًا حتى يتيقّن، والذي ذهب إليه الأكثر أن يُحْمَلَ حديث أبي هريرة ﵁ هذا على مُفَصَّل حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي بعد، ويُردّ إليه، ولا سيّما وقد زاد أبو داود في حديث أبي هريرة ﵁ من طريق صحيحة: "وهو جالسٌ قبل أن يُسلِّم"، فيكون مساويًا لحديث أبي سعيد ﵁، فهو هو. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢)، وسيأتي تمام البحث قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه، وقد تقدّم
стр. 6892
تخريجه، وبقيّة مسائله في كتاب "الصلاة" برقم [٨/ ٨٦٥] (٣٨٩)، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في المراد بقوله ﷺ : "فإذا وَجَد ذلك أحدكم، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ":
قال النوويّ ﵀: اختَلَفَ العلماء في المراد به، فقال الحسن البصريّ، وطائفة من السلف بظاهر الحديث، وقالوا: إذا شكّ المصلّي، فلم يَدْرِ، زاد أو نقص؟ فليس عليه إلا سجدتان، وهو جالسٌ؛ عملًا بَظاهر هذا الحديث.
وقال الشعبيّ، والأوزاعيّ، وجماعة كثيرة من السلف: إذا لم يدر كم صلّى، لزمه أن يُعِيد الصلاة مرةَّ بَعد أخرى أبدًا حتى يَسْتَيقِن.
وقال بعضهم: يُعيد ثلاث مرّات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه. وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور ﵏: متى شك في صلاته، هل صلى ثلاثًا، أم أربعًا؟ مثلًا، لزمه البناء على اليقين، فيجب أن يأتي برابعة، ويسجد للسهو؛ عملًا بحديث أبي سعيد ﵁، وهو قوله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يَدْر كم صلّى، ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشكّ، ولْيَبْنِ على ما استَيْقَنَ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلّى خمسًا شَفَعْنَ له صلاته، وإن كان صلّى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان".
قالوا: فهذا الحديث صريح في وجوب البناء على اليقين، وهو مُفَسِّرٌ لحديث أبي هريرة ﵁، فيُحْمَل حديث أبي هريرة ﵁ عليه، وهذا متعينٌ، فوجب المصير إليه، مع ما في حديث أبي سعيد ﵁ من الموافقة لقواعد الشرع في الشكّ في الإحداث، والميراث من المفقود وغير ذلك. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أنه ليس في حديث أبي هريرة ﵁ هذا أكثر من أنّ رسول اللَّه ﷺ أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة، وليس فيه بيان ما يصنعه مَنْ وقع له ذلك، والأحاديثُ الأخرى قد اشتَمَلت على زيادةٍ، هي بيانُ ما هو الواجب عليه عند ذلك من غير السجود،
стр. 6893
فالمصير إليها واجب (١).
والحاصل أنّ حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُجْمَل، يجب حمله على الأحاديث الأخرى المبيِّنة للمراد منه، فيكون المعنى: فليسجد سجدتين بعد البناء على غالب الظنّ، إن كان له غلبة ظنّ وميلُ قلب إلى أحد الطرفين، أو البناء على اليقين، إن لم يكن له ذلك، كما هو المذهب الراجح فيما سيأتي بيانه -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم سجود السهو:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه، هل هو واجب لا بدّ منه، أو سنة؟.
فمذهب الشافعيّ ﵀، وكافة أصحابه أنه سنة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جمهور العلماء.
وقال القاضي عبد الوهّاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان.
وقال القرطبي: من أصحابنا من قال: سجود السهو مندوب، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا هل ذلك في كلّ نقص، أو يختص الوجوب بما كان المسقط فعلًا، ولم يكن قولًا؟ روايتان.
والصحيح من مذهب الحنفية: أن سجود السهو واجب كذلك، قاله في "الهداية"، وكذلك حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني وغيره عنهم أنه واجب يأثم بتركه، وليس بشرط لصحّة الصلاة، وهو اختيار الكرخي منهم، وبعض أصحابهم قال: إنه سنة كمذهب الشافعي.
وأما مذهب أحمد ﵀، فأفعال الصلاة منقسمة عندهم على ثلاثة أنواع:
[أحدها]: أركان يُبطل الصلاةَ الإخلال بها عمدًا، ويجب تداركها إذا تركت سهوًا، كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود ونحوها.
[وثانيها]: واجبات، من ترك منها شيئًا عمدًا بطلت صلاته، ومن تركه سهوًا لم تبطل، ولم يتداركه، بل يسجد للسهو، كتكبيرات الانتقالات، والتشهد الأول، والجلوس له، والتسبيح في الركوع، وفي السجود وأشباهها.
стр. 6894
[وثالثها]: سننٌ قوليةٌ، كالاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، ونحو ذلك، فهل يُشرَع سجود السهو لتداركها؟ فيه روايتان، وليس سجود السهو واجبًا في هذا القسم الأخير قطعًا، وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعًا، وكذلك هو أيضًا واجب إذا سها بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجهين، وإن شكّ في زيادة لم يسجد.
واحتجّ أصحاب الشافعيّ على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى أبو داود في "سننه" من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدريّ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا شكّ أحدكم في صلاته فَلْيُلْقِ الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلةً، والسجدتان، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان".
قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن؛ لأن ابن عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من كتابه.
قال العلائيّ ﵀: لكن يَرِدُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه الزيادة، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في "كتاب الضعفاء"، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عددًا في قبوله نظرٌ.
وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك:
[الأول]: الأمر بذلك في قوله ﷺ : "ثم ليسجد سجدتين"، وهو صحيح ثابتٌ في حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهما ﵃.
[والثاني]: التمسك بفعله ﷺ ، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة.
стр. 6895
قال العلائيّ ﵀: وهذا إما على القول بأن فعله ﷺ يدلّ على الوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله ﷺ وقع هنا بيانًا لأفعال الصلاة الواجبة؛ لأنها مُجمَلة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضًا، لم يتبين ذلك إلا بفعله ﷺ ، وبيان الواجب واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح.
وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية.
وإما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده ﷺ قوله: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده.
[والمسلك الثالث]: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجْبَر به.
وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في "نظم الفرائد" ص ٣٦٤ - ٣٦٥.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، مع مداومته ﷺ على فعله، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا صارفًا، واللَّه تعالى أعلم.
ثم رأيت شيخ الإسلام ﵀ نصر هذا الذي رجّحته من كون سجود السهو واجبًا، ودونك نصّه:
قال ﵀: وأما وجوبه فقد أمر به النبيّ ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ لمجرد الشكّ، فقال: "إذا قام أحدكم يصلّي جاءه الشيطان، فلبس عليه صلاته، حتى لا يدري كم صلّى؟ فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس"، متّفقٌ عليه، وأَمَرَ به فيما إذا طرح الشك، فقال في حديث أبي سعيد ﵁: "فليطرح الشك، ولْيَبْنِ على ما استيَقَنَ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلّم، فإن كان صلّى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كان صلّى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان"، رواه مسلم.
وكذلك في حديث عبد الرحمن ﵁: "ثم ليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلّم، ثم يسلّم"، وأَمَر به في حديث ابن مسعود ﵁، حديثِ التحري قال: "فليتحرَّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسجد سجدتين"، متّفقٌ عليه، وفي لفظ: "هاتان السجدتان لمن لا يدري أزاد في صلاته أم نقص؟، فيتحرى
стр. 6896
الصواب، فيتم عليه، ثم يسجد سجدتين"، وفي الحديث الآخر المتفق عليه لابن مسعود ﵁: "فقلنا: يا رسول اللَّه، أَحَدَث في الصلاة شيءٌ؟ فقال: لا، فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد أو نقص، فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين"، فقد أَمَر ﷺ بالسجدتين إذا زاد أو إذا نقص، ومراده إذا زاد ما نُهِي عنه، أو نقص ما أمر به.
ففي هذا إيجاب السجود لكل ما يُتْرَك مما أمر به إذا تركه ساهيًا، ولم يكن تَرْكُهُ ساهيًا موجبًا لإعادته بنفسه، وإذا زاد ما نُهي عنه ساهيًا، فعلى هذا كلُّ مأمور به في الصلاة إذا تركه ساهيًا، فإما أن يعيده إذا ذكره، وإما أن يسجد للسهو لا بدّ من أحدهما.
فالصلاة نفسها إذا نسيها صلاها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، وكذلك إذا نسي طهارتها كما أُمر الذي ترك موضع لُمْعَة من قدمه لم يصبها الماء، أن يعيد الوضوء والصلاة، وكذلك إذا نسي ركعةً، كما في حديث ذي اليدين، فإنه لا بدّ من فعل ما نسيه، إما مضمومًا إلى ما صَلَّى، وأما أن يبتدئ الصلاة.
فهذه خمسة أحاديث صحيحة، فيها كلِّها يأمر الساهي بسجدتي السهو، وهو ﷺ لَمَّا سَهَى عن التشهد الأول سجدهما بالمسلمين قبل السلام، ولما سلَّم في الصلاة من ركعتين، أو من ثلاث، صلّى ما بقي، وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة، ولَمّا أذكروه أنه صلّى خمسًا سجدهما بعد السلام والكلام.
وهذا يقتضي مداومته ﷺ عليهما، وتوكيدهما، وأنه لم يَدَعْهما في السهو المقتضي لهما قط، وهذه دلائل بينةٌ واضحةٌ على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وليس مع مَن لم يوجبهما حُجَّةٌ تقارب ذلك. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو عبد اللَّه المازريّ ﵀: أحاديث الباب خمسة:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ فيمن شك فلم يَدْرِ كم صلّى؟، وفيه أنه يسجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما.
стр. 6897
٢ - وحديث أبي سعيد ﵁ فيمن شك، وفيه أن يسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم.
٣ - وحديث ابن مسعود ﵁، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام.
٤ - وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والمشي والكلام، وأنه سجد بعد السلام.
٥ - وحديث ابن بُحَينة ﵁، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام.
واختَلَف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث، فقال داود ﵀: لا يقاس عليها، بل تُسْتَعمل في مواضعها على ما جاءت، وقال أحمد ﵀ بقول داود في هذه الصلوات خاصّة، وخالفه في غيرها، وقال: يَسجُد فيما سواها قبل السلام لكل سهو.
وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا، فقال بعضهم: هو مُخَيَّرٌ في كل سهو، إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله في الزيادة والنقص.
وقال أبو حنيفة ﵀: الأصل هو السجود بعد السلام، وتأوّل بعضَ الأحاديث عليه.
وقال الشافعيّ ﵀: الأصل هو السجود قبل السلام، ورَدَّ بقية الأحاديث إليه.
وقال مالك ﵀: إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام، وإن كان نقصًا فقبله.
فأما الشافعيّ: فقال في حديث أبي سعيد: "فإن كانت خامسةً شفعها"، ونَصّ على السجود قبل السلام، مع تجويز الزيادة، والمجوَّز كالموجود، ويتأول حديث ابن مسعود ﵁ في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام على أنه ﷺ ما عَلِمَ السهو إلا بعد السلام، ولو علمه قبله لسجد قبله، ويتأول حديث ذي اليدين على أنها صلاةٌ جرى فيها سهوٌ، فسها عن السجود وقبل السلام، فتداركه بعده. انتهى.
قال النوويّ ﵀ بعد نقل كلام المازريّ هذا: هو كلام حسنٌ نفيسٌ،
стр. 6898
وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك ﵀، ثم مذهب الشافعيّ، وللشافعيّ ﵀ قول كمذهب مالك: يفعل بالتخيير، وعلى القول بمذهب مالك: لو اجتمع في صلاة سهوان: سهوٌ بزيادة، وسهوٌ بنقص، سجد قبل السلام، قال القاضي عياض ﵀ وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام، أو بعده للزيادة أو النقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل، واللَّه أعلم.
قال الجمهور: لو سها سهوين فأكثر كفاه سجدتان للجميع، وبهذا قال الشافعيّ ومالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم اللَّه تعالى، وجمهور التابعين، وعن ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان، وفيه حديث ضعيف. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح" ما حاصله: ذهب مالك، والمزنيّ، وأبو ثور من الشافعية إلى التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الثاني يسجد بعده، قال: وزعم ابن عبد البرّ أنه أولى من غيره؛ للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر؛ لأنه في النقص جَبْرٌ، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها.
وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح، وادّعاءِ النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرةً، وكان الحكم على وفقها كانت علّةً، فيعمّ الحكم جميع محالّها، فلا تخصص إلا بنصّ.
وتُعُقِّب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوعٌ، بل هو جبرٌ أيضًا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادةً فهو نقص في المعنى، وإنما سَمَّى النبيّ ﷺ سجود السهو ترغيمًا للشيطان في حالة الشك، كما في حديث أبي سعيد ﵁ عند مسلم.
وقال الخطابيّ: لم يَرْجِع مَن فَرَّق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح،
стр. 6899
وأيضًا فقصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام، وهي عن نقصان.
وأما قول النوويّ: أقوى المذاهب فيها قولُ مالك، ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى؛ لأنه قال: يُستَعْمَل كلُّ حديث فيما ورد فيه، وما لم يَرِد فيه شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما رُوي عن النبيّ ﷺ في ذلك لرأيته كلَّه قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة، فيفعله قبل السلام.
وقال إسحاق مثله، إلا أنه قال: ما لم يرد فيه شيء يُفَرَّق فيه بين الزيادة والنقصان، فحرَّر مذهبه من قولي أحمد ومالك، وهو أعدل المذاهب فيما يظهر.
وأما داود فجرى على ظاهريته، فقال: لا يُشرَع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد النبيّ ﷺ فيها فقط، وعند الشافعيّ سجود السهو كلُّه قبل السلام، وعند الحنفية كلُّه بعد السلام.
واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود ﵁.
وتُعُقِّب بأنه لم يَعْلَم بزيادة الركعة إلا بعد السلام، حين سألوه، هل زيد في الصلاة؟، وقد اتَّفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة ﵃ لتجويزهم الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ.
وأجاب بعضهم بما وَقَع في حديث ابن مسعود ﵁ من الزيادة، وهي: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليَتَحَرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم لْيُسَلِّم، ثم يسجد سجدتين".
وأجيب بأنه معارَضٌ بحديث أبي سعيد ﵁ عند مسلم، ولفظه: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلّى، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم"، وبه تمسك الشافعية.
وجَمَع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورَجَّح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده.
ونَقَل الماورديّ وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النوويّ.
وتُعُقِّب بأن إمام الحرمين نَقَل في "النهاية" الخلاف في الإجزاء عن
стр. 6900
المذهب، واستبعد القول بالجواز، وكذا نَقَل القرطبيّ الخلاف في مذهبهم، وهو مخالف لما قاله ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل السلام أو بعده أن لا شيء عليه، فيُجْمَع بأن الخلاف بين أصحابه.
والخلافُ عند الحنفية، قال القدوريّ: لو سجد للسهو قبل السلام رُوي عن بعض أصحابنا لا يجوز؛ لأنه أداء قبل وقته، وصَرَّح صاحب "الهداية" بأن الخلاف عندهم في الأولوية.
وقال ابن قدامة في "المقنع": مَن تَرَك سجود السهو الذي قبل السلام بطلت صلاته إن تعمد، وإلا فيتداركه ما لم يطل الفصل.
ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماورديّ وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة.
وقال ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود ﵁؛ لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلِّي في الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسةً، ثم سلَّم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصحّ صلاته، ولم يُنْقَل في حديث ابن مسعود ﵁ إضافة سادسة، ولا إعادةٌ، ولا بُدّ من أحدهما عندهم، قال: ويَحْرُم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضح مما سبق من عرض آراء العلماء في مسألة كون سجود السهو قبل السلام، أو بعده، وذكر أدلّتهم أن الأرجح هو القول بالتخيير بين السجود قبل السلام أو بعدها فيما لا نصّ فيه.
والحاصل أن ما جاء النصّ فيه بأن النبيّ ﷺ سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما جاء أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام على موافقة النصّ، وما ليس فيه نصّ فالساهي بالخيار، إن شاء سجد قبل السلام، وإن شاء سجد بعد السلام.
قال الشوكانيّ ﵀: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله ﷺ من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب