← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

وكنا خمسةً أو ستةً، فأنبت اللَّه لنا بعددنا ورقة لكل رجل منا، فكنا نَمُصّها، فتشبعنا وتُرْوينا، فإذا أفنينا أنبت اللَّه لنا مكانها أخرى، حتى مَرّ بنا مركبٌ، فحملنا. قال ابن لهيعة وغيره: ولد سنة ستين، وقال يحيى بن بكير: تُوُفِّي بعد دخول المسوِّدة، زاد غيره: في ذي الحجة سنة (١٣٢)، وقال خليفة: مات سنة (٤)، وقال أبو حسان الزياديّ: سنة (٥)، وقال ابن سعد: سنة خمس، أو ست وثلاثين ومائة، وقال ابن يونس وغيره: سنة (٣٦)، وكذا قال ابن حبان في "الثقات". أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٥٧٨) و (٨٤٧) و (١٠٤٠) و (١١٤٧) و (١٥٩١) و (١٨٢٦) و (١٨٥١) و (٢٢٥٣). ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) تقدَّم أن الأرجح، كما قال الدارقطنيّ، وتبعه الجيّانيّ، وأيّده الحافظ أنه ابن سعد، مولى بني مخزوم المذكور في السند السابق، وليس هو ابن هُرْمُز، أبا داود المدنيّ، الثقة الثبت الفقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢، وإن كان مُحتملًا، كما هو رأي الحميديّ، وتبعه النوويّ، إلا أن الأول أظهر، كما سبق بيانه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث صفوان بن سُليم، يعني أن عبيد اللَّه بن أبي جعفر، روى عن عبد الرحمن الأعرج مثل رواية صفوان بن سُليم، عنه في السند الماضي. [تنبيه]: رواية عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الأعرج التي أحالها المصنّف هنا على رواية صفوان بن سُليم، عنه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٥٢٤) فقال: (١٩٥٩) حدّثنا الربيع بن سليمان، وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا حجاج بن إبراهيم، قال: ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سجدت مع رسول اللَّه ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ سجدتين. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 7072

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٠٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (١)، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ، فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ (٢) السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: فَلَا أَزَالُ أَسْجُدهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣. ٣ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سُليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١٠٥. ٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرخان التيميّ، أبوالمعتمر، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٥ - (بَكْر) بن عبد اللَّه الْمُزَنيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٣] (ت ١٠٦) (خت م ٤) تقدَّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٢. ٦ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفيعٌ الصَّائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبت مشهورٌ بكنيته [٢] (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما؛ لاتّحاد صيغتي أدائهما، وفيه التحديث، والعنعنة.

стр. 7073

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن، عن أبيه، وثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: سليمان التيميّ، عن بكر، عن أبي رافع. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نفيع الصائغ، أنه (قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ أَبِي هُرَيرَةَ) ﵁ (صَلَاةَ الْعَتَمَةِ) بفتحات، قال الفيّوميّ ﵀: "الْعَتَمَة: من الليل بعد غَيْبُوبة الشفق إلى آخر الثلث الأول، وعَتَمَة الليل: ظلام أوله عند سُقُوط نور الشفق، وأعتم: دخل في الْعَتَمة، مثلُ أصبح: دخل في الصباح. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد ورد النهي عن تسمية العشاء بالعتمة، فسيأتي للمصنّف من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تَغْلِبَنَّكم الإعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعْتمون بالإبل". وأجيب بحمل النهي على التنزيه، وسيأتي تمام البحث في شرح الحديث المذكور-إن شاء اللَّه تعالى-. (فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فَسَجَدَ فِيهَا) أي سجد أبو هريرة ﵁ في هذه السورة لأجل تلاوته آية سجدة (فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟) استفهام إنكاريّ، وفي رواية النسائيّ: "فلما فرغ قلت: يا أبا هريرة هذه -يعني سجدة- ما كنا نسجدها"، أي إن هذه السجدة التي سجدتها في هذه السورة لم نكن نسجدها مع غيرك من الأئمة. فقوله: "هذه" مبتدأ، خبره جملة قوله: "ما كنا نسجدها" وقوله: "يعني سجدةً" هذه العناية من بعض الرواة بَيَّنَ بها المراد من اسم الإشارة.

стр. 7074

(فَقَالَ) أبو هريرة ﵁ (سَجَدْتُ بِهَا) أي بسبب تلاوة آية السجدة منها (خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ) وفي رواية النسائي: سجد بها أبو القاسم ﷺ ، وأنا خلفه، والمراد أنه سجد بها في الصلاة، وليس في رواية البخاري قوله: "وأنا خلفه"، ولذا اعترض ابن المنيّر، فقال: لا حُجّة فيها على مالك؛ حيث كَرِهَ السجدة في الفريضة -يعني في المشهور عنه- لأنه ليس مرفوعًا. فتعقَّبه الحافظ، فقال: وغَفَل عن رواية أبي الأشعث، عن معتمر بهذا الإسناد بلفظ: "صليت خلف أبي القاسم، فسجد بها". أخرجه ابن خزيمة، وكذلك أخرجه الْجَوْزقيّ من طريق يزيد بن هارون، عن سليمان التيمىّ، بلفظ: "صليت مع أبي القاسم، فسجد بها". انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للحافظ أن يعزو هذه الرواية إلى المصنّف، أو يذكره معهم؛ لأن المعروف إذا كان الحديث في "الصحيحين" أو أحدهما أن يُعزى إليهما، أو إلى أحدهما، أو يذكرا مع غيرهما، وإلى هذا أشار بعضهم بقوله: قَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا الأَعْلَامُ … وَمَنْ حَذَا خِلَافَهَا يُلَامُ إِذَا الْحَدِيثُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" يَرِدْ … أَوْ كَانَ فِي أَحَدِ ذَيْنِ قَدْ وُجِدْ فَعَزْوه لِمَا سِوَاهُمَا غَلَطْ … إِلَّا إِذَا بِعَزْوِ ذَيْنِ يُرْتَبَطْ (فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ) وفي رواية النسائيّ: "حتى ألقى أبا القاسم ﷺ "، أي حتى أموت؛ لأنه لا يلقاه إلا بعد الموت (وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) أي محمد بن عبد الأعلى شيخه الثاني (فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُهَا) أي بدل قول عبيد اللَّه: "فلا أزال أسجد بها". قال الجامع عفا اللَّه عنه: في هذا الحديث حجة لمن قال بمشروعية السجود في الصلاة المفروضة، وقد اختلف العلماء في ذلك. فذهب الجمهور إلى مشروعيته في الصلاة مطلقًا، وهو الراجح؛ لحديث الباب وغيره. وذهب بعضهم إلى كراهته في الفريضة، وهو المشهور عن مالك، وعنه كراهته في السرية دون الجهرية، وهو قول للحنفية، وغيرهم.

стр. 7075

وذهب بعضهم إلى أنه لا يسجد في الفرض، فإن سجد فسدت الصلاة به، ذكره الشوكاني عن بعض الزيدية. وكل هذه الأقوال ساقطة محجوجة بما صح عن رسول اللَّه ﷺ أنه سجد في الفريضة، فتبصّر. وفيه تكنية النبيّ ﷺ بأبي القاسم، وقد ورد النهي عن التكنيّ به لغيره ﷺ ، وسيأتي البحث فيه في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي (١) عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بنُ أَخْضَرَ، كُلُّهُمْ عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حُسين بن طلحة الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣. ٤ - (سُلَيم بن أخضر) البصري، ثقة ضابط [٨]. روى عن ابن عون، وعكرمة بن عمار، وسليمان التيميّ، وغيرهم.

стр. 7076

ورَوَى عنه ابن مهدي، وعفان، والأصمعيّ، وحُميد بن مَسْعدة، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: من أهل الصدق والأمانة، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: أعلم الناس بحديث ابن عون، وقال سليمان بن حرب: ثنا سُلَيم بن أخضر الثقة المأمون الرضيّ، وقال القواريريّ: ثنا سُلَيم بن أخضر، وكان في ابن عون كحماد بن زيد في أيوب، وقال ابن سعد: كان ألزمهم لابن عون، وكان ثقة، وقال أبو القاسم الطبريّ: بصريّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: يروي عن حميد الطويل، وابن عون، مات سنة (١٨٠) وكذا أرخه خليفة، وزكريا الساجيّ. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٥٧٨) و (١٢٦٢) و (١٦٣٣) و (١٧٣٠) و (١٨٦٢). والباقون ذُكروا في الباب، و"التيميّ": هو سليمان والد المعتمر. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) الضمير لعيسى بن يونس، ويزيد بن زريع، وسُليم بن أخضر، يعني أن هؤلاء الثلاثة رووا عن سليمان التيميّ، بسنده الماضي، وهو: عن بكر المزنيّ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس التي أحالها هنا على رواية المعتمر، ساقها الحافظ أبو يعلى في "مسنده" (١١/ ٣٦٤) فقال: (٦٤٧٦) حدّثنا عمرو بن محمد الناقد، حدّثنا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، حدّثنا سليمان التيميّ، عن بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، عن أبي رافع، قال: صلّيت مع أبي هريرة صلاة العشاء، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فقلت له، فقال: سجد بها أبو القاسم ﵇ وأنا معه، فقال التيميّ: أو قال: سجدت بها مع أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم ﷺ . انتهى. وأما رواية يزيد بن زريع، فساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٧٦٨) حدّثنا مسدَّد، قال: حدّثنا يزيد بن زُريع، قال: حدّثني التيميّ، عن بكر، عن أبي رافع، قال: صلّيت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ

стр. 7077

انْشَقَّتْ (١)﴾، فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. انتهى. وأما رواية سُليم بن أخضر، فساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال: (٩٦٨) أخبرنا حميد بن مَسْعدة، عن سُلَيم، وهو ابن أخضر، عن التيميّ، قال: حدَّثني بكر بن عبد اللَّه الْمُزَنيّ، عن أبي رافع، قال: صلّيت خلف أبي هريرة صلاة العشاء، يعني العتمة، فقرأ سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد فيها، فلما فرغ قلت: يا أبا هريرة، هذه -يعني سجدة- ما كنا نسجدها، قال: سجد بها أبو القاسم ﷺ ، وأنا خلفه، فلا أزال أسجُد بها حتى ألقى أبا القاسم ﷺ . انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٠٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَسْجُدُ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فَقُلْتُ: تَسْجُدُ فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ خَلِيلِي ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) اسمه مَنِيع، أبو معاذ البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٤] (ت ١٣١) (خ م د س ق) تقدم في "الطهارة" ٢١/ ٦٢٥. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قُلْتُ: النَّبِيَّ ﷺ ؟) يعني أن مراد أبي هريرة ﵁ بقوله: "خليلي" هل هو النبيّ ﷺ ؟، قال عطاء: نعم هو المراد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدَّم شرحه، والمسائل المتعلّقة به قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 7078

(٢١) - (بَابُ صِفَةِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٠] (٥٧٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُوميُّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ، جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِإصبعِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ) البصريّ الْبَحْرانيّ، صدوقٌ، من كبار [١١] (ت ٢٥٠) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٢ - (أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُوميُّ) المغيرة بن سلمة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٤ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عبّاد بن حُنَيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٥] (ت قبل ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٥ - (عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) الأسديّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٢١) (ع) تقدم في "المساجد" ٩/ ١٢١٧. ٦ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن الزبير بن العوّام القُرشيّ الأسديّ، أبو بكر وأبو خُبيب الصحابيّ ابن الصحابي ﵄، قُتل في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٦/ ٦١٠.

стр. 7079

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فأبوه الزبير بن العوّام، حواريّ رسول اللَّه ﷺ ، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ﵄ ذات النطاقين، وجدّه الصدّيق، وجدّته صفيّة عمة رسول اللَّه ﷺ ، وخالته عائشة ﵂، وهو أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، هاجرت به أمه أسماء إلى المدينة، وهي حامل، فولدته بعد وصولها إلى قباء، وأتت به النبيّ ﷺ ، فوضعه في حجره، فدعا بتمرة، فمضغها، ثم تَفَلَ في فيه وحنّكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبيِّ ﷺ ، ثم دعا له، وبرّك عليه، وولي الخلافة تسع سنين، وخلافته صحيحة، بويع له بعد موت يزيد بن معاوية سنة (٦٤)، فخرج عليه مروان بعد أن بويع له بالآفاق كلّها إلا بعض قرى الشام، وقتله الحجاج بمكة، وصلبه، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. شرح الحديث: عن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه من الزبير ﵄ أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ) وفي رواية ابن عجلان التالية: "إذا قعد يدعو"، أي يتشهّد، قال الطيبيّ ﵀: سُمّي التشهّد دعاءً؛ لاشتماله عليه؛ فإن قوله: "السلام عليك"، وقوله: "السلام علينا" دعاء (جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ) أي تحت فخذه اليمنى، وساقه، ففي رواية أبي داود: "جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه"، ونحوه عند أبي عوانة في "مسنده"، وأبي نعيم في "مستخرجه"، فهذه الرواية تبيّن أن المراد من قوله هنا: "بين فخذه وساقه" جعلها تحتهما (وَفَرَشَ) من بأبي نصر وضرب: أي بسط (قَدَمَهُ الْيُمْنَى) أي جعل ظهرها على الأرض، وليست منصوبة، وهذا لا ينافي ما ثبت في الروايات الأخرى التي ذُكر فيها نصبه قدمه اليمنى؛ لإمكان

стр. 7080

حمله على اختلاف الأوقات، فهو ﷺ فعل هذا في بعض الأوقات، وهذا في بعض الأوقات؛ لبيان الجواز، أفاده في "المنهل" (١). وقال النوويّ ﵀: هذا الذي ذكره من صفة القعود هو التورُّك، لكن قوله: "وفَرَشَ قدمه اليمنى" مشكلٌ؛ لأن السنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق العلماء، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على ذلك، في "صحيح البخاريّ" وغيره، قال القاضي عياض ﵀: قال الفقيه أبو محمد الْخُشَنيّ: صوابه: وفَرَش قدمه اليسرى، ثم أنكر القاضي قوله؛ لأنه قد ذكر في هذه الرواية ما يَفْعَل باليسرى، وأنَّه جعلها بين فخذه وساقه، قال: ولعل صوابه: ونصب قدمه اليمنى، قال: وقد تكون الرواية صحيحة في اليمنى، ويكون معنى فرشها أنه لم يَنصِبها على أطراف أصابعه في هذه المرّة، ولا فَتَحَ أصابعها كما كان يفعل في غالب الأحوال، هذا كلام القاضي. قال النوويّ: وهذا التأويل الأخير الذي ذكره هو المختار، ويكون فَعَلَ هذا لبيان الجواز، وأن وضْع أطراف الأصابع على الأرض، وإن كان مستحبًّا يجوز تركه، وهذا التأويل له نظائر كثيرةٌ، لا سيما في باب الصلاة، وهو أولى من تغليط رواية ثابتة في "الصحيح"، واتفق عليها جميع نسخ مسلم. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وفَرَشَ قدمه اليمنى" هكذا الرواية، ولا يصحّ غيرها نقلًا، وقد أشكلت هذه اللفظة على جماعة حتى قال أبو محمد الْخُشَنيّ: صوابه: "وفَرَشَ قدمه اليسرى"، ورأى أنه غَلَطٌ؛ لأن المعروف في اليمنى أنها منصوبة، كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ من رواية أبي داود أنه ﷺ كان يَنصب اليمنى، ويَثْنِي اليسرى، وكذا جاء في البخاريّ من حديث أبي حميد ﵁ قال: "وإذا جلس في الرَّكعة الآخرة جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقَعَدَ على مقعدته"، والصَّواب حَمْلُ الرواية على الصحّة وعلى ظاهرها، وأنَّه ﷺ في هذه الكرّة لم يَنصب قدمه اليمنى، ولا فَتَحَ أصابعه، وإنما باشر الأرض بجانب رجله اليسرى، وبسطها عليها، إما لعذر، كما كان يفعل ابن

стр. 7081

عُمر ﵄ حيث قال: إن رجليّ لا تحملاني، وإما ليُبَيِّنَ أن نصبهما، وفتحَ أصابعهما ليس بواجب، وهذا هو الأظهر، واللَّه أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيس، واللَّه تعالى أعلم. (وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى) يعني بسطها عليها، وفي رواية ابن عجلان: "ويُلقِم كفّه اليُسرى ركبته"، وهذا أيضًا لا ينافي ما في الروايات الآتية من وضعه ﷺ يده اليسرى على فخذه اليُسرى باسطها عليها؛ لأنه ﷺ كان يفعل هذا تارةً، وذاك تارة أخرى؛ لبيان الجواز، فالأمر فيه سعة (٢). (وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى) أي مقبوضة، كما تدلّ عليه رواية: "ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى" (وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ") تقدَّم أن فيه عشر لغات، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة، والإصبع التي أشار بها هي السبّابة، كما بُيّن في رواية ابن عجلان التالية، وسيأتي تفسير الإشارة في شرح حديث ابن عمر ﵄ الآتي في الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن الزبير ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ١٣١٠ و ١٣١١] (٥٧٩)، و (أبو داود) في "سننه" (٩٨٨ و ٩٨٩ و ٩٩٠)، و (النسائيّ) في "السهو" (٣/ ٣٧ و ٣٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٤٣ و ١٩٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٠١ و ٢٠٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٨٢ و ١٣٨٣ و ١٢٨٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٣٠ و ١٣١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٧٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 7082

١ - (منها): بيان كيفيّة الجلوس للتشهّد في الصلاة، وذلك بأن يضع قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه، ويفرش اليمنى، وهذا هو التورّك، وهذه إحدى كيفيّات الجلوس، وله كيفيّة أخرى سيأتي بيانها في المسألة التالية. ٢ - (ومنها): بيان استحباب وضع اليد اليسرى على الركبة اليسرى، واليمنى على اليمنى. ٣ - (ومنها): استحباب قبض اليد اليمنى، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): استحباب الإشارة بالسبّابة، وسيأتي تمام البحث فيها قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- أيضًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة الجلوس في الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: افترق أهل العلم في صفة الجلوس في التشهد الأول والآخر ثلاث فِرَق، فسوّت فرقة بين الجلسة الأولى والأخيرة، فرأت أن ينصب الجالس رجله اليمنى، ويفترش اليسرى، فيجلس على بطن قدمه، هذا قول سفيان الثوريّ، وقال أصحاب الرأي: يقعد الرجل في الصلاة إذا قعد في الثانية والرابعة يفترش رجله اليسرى، فيجعلها بين أَلْيتيه، فيقعد عليها، ويَنْصِب اليمنى نصبًا، ويوجه أصابع رجله اليمنى نحو القبلة. واحتَجَّ من هذا مذهبه بما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن بإسناد صحيح، عن وائل بن حجر ﵁، قال: "أتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: لأنظرنّ إلى صلاته، كيف يصلّي؟، فلما جلس افترش رجله اليسرى، ووضع يده على ركبته اليسرى، ووضع حدّ مرفقه على فخذه اليمنى". وبما أخرجه البخاريّ، وأصحاب السنن عن ابن عمر ﵄ قال: "من سنّة الصلاة، أن تنصب اليمنى، وتَثْني اليسرى"، ولفظ أبي داود، والنسائيّ: "من سنّة الصلاة أن تُضْجِع رجلك اليسرى، وتَنْصِب اليمنى". ورأت فرقة أن يجلس بين السَّجدتين كما يجلس في التشهد، ينصب رجله اليمنى، ويَثني اليسرى، ويقعد على وَرِكِه الأيسر حتى يستوي قاعدًا، ويعتدل.

стр. 7083

هذا قول مالك، قال: وهذا أحبّ ما سمعت إليّ، وقال مالك: إذا نصب اليمنى جعل بطن الإبهام على الأرض. واحتج بما رواه في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب اليمنى، وثَنَى اليسرى، وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. ورأت فرقة ثالثة أن يجلس الجلسة الأولى كالذي ذكرناه عن الثوريّ، ويجلس في الرابعة على نحو ما حكيناه عن مالك. هذا قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. واحتج هؤلاء بحديث أبي حميد الساعديّ ﵁. انتهى كلام ابن المنذر باختصار وتصرّف (١). وقال النوويّ ﵀: مذهبنا -يعني الشافعيّة- أنه يُستحبُّ أن يجلس في التشهد الأول مفترشًا، وفي الثاني متوركًا، فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركًا، وقال مالك: يجلس فيهما متوركًا، وقال أبو حنيفة والثوريّ: يجلس فيهما مفترشًا، وقال أحمد: إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعًا افترش في الأول، وتَوَرَّك في الثاني. واحتُجَّ لمن قال يفرش فيهما بحديث عائشة ﵂: "أنّ النبيّ ﷺ كان يَفرِش رجله اليسرى، ويَنصب اليمنى، ويَنهَى عن عقب الشيطان"، رواه مسلم، وفي رواية البيهقي: "يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى". وعن وائل بن حُجْر ﵁ أنّ النبيّ ﷺ "كان يفرش رجله اليسرى". واحتُجّ للتورك بحديث عبد اللَّه بن الزبير ﵄ المذكور في الباب. وعن ابن عمر ﵄: "سنّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى"، رواه البخاريّ. وروى مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄: "الجلوس على قدمه اليسرى".

стр. 7084

واحتج الشافعيّة بحديث أبي حميد الساعديّ ﵁ في عشرة من أصحاب النبيّ ﷺ أنه وصف صلاة النبيّ ﷺ ، قال: "فإذا جلس في الرّكعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الرَّكعة الأخيرة قدّم رجله اليسرى، ونصب الأُخرى، وقعد على مقعدته"، رواه البخاري بهذا اللفظ. قال الشافعيّ وأصحابه: فحديث أبي حميد وأصحابه صريح في الفرق بين التشهدين، وباقي الأحاديث مطلقة، فيجب حملها على موافقته، فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير، ومن روى الافتراش أراد الأول، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، لا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة ﵃، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي من هذه المذاهب كلِّها هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀، وهو أن التورّك يكون للصلاة التي يكون فيها تشهدان، وما عدا ذلك فالسنة فيه الافتراش، فهذا التفصيل هو الأرجح عندي، إذ هو أقرب للجمع بين الأحاديث، فإن حديث عائشة ﵂ نصّ صريح في أن السنة في كل تشهد هو الافتراش، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي الجَوْزاء عنها، في صفة صلاة النبيّ ﷺ ، وفيه: "وكان يقول في ركعتين التحيةَ، وكان يفرُش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عُقْبَة الشيطان". فإن هذا نصّ صريح في أن السنة في الجلوس للتشّهد في كل ركعتين هو الافتراش. لكن لما صحّ لدينا حديث أبي حميد ﵁، وكان فيه زيادة أخذنا بالزيادة، وهي أن السنة في التشهد الأخير فيما كان فيه تشهدان التورُّك، فبقي ما عداه على حديث عائشة ﵂. والحاصل أن الافتراش هو السنة في الجلوس مطلقًا، ما عدا الجلوسَ

стр. 7085

للتشهد الأخير في الصلاة الثلاثية، والرباعية، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: هذه الكيفيات المذكورة في التشهد ليست للوجوب، بل هي للاستحباب، فلو تَوَرَّك في الأول، وافترش في الأخير جازت الصلاة، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قيل: الحكمة في الافتراش في التشهد الأول، والتورّك في الثاني أنه أقرب إلى تذكر الصلاة، وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول، فيجلس مفترشًا؛ ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل الثاني، ولا قيام بعده، فيجلس متوركًا ليكون أعون له، وأمكن ليتوفر الدعاء، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين، ذكره النوويّ ﵀، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإصبَعِهِ السَّبَابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (لَيْث) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.

стр. 7086

٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن الزبير ﵄ أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو) أي يقرأ التشهّد، وسُمّي التشهُّد دعاءً؛ لاشتماله عليه، في قوله: "السلام عليك أيها النَّبيّ ورحمة اللَّه وبركاته"، وقوله: "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين"، فهو وإن كان في صورة الخبر لكنه في معنى الإنشاء. وقال في "المنهل": ويحتمل أن يراد بالدعاء قوله: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وكان دعاءً؛ لأنه يترتّب عليه من الخير ما يترتّب على الدعاء. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول أقرب كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم. (وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى) وَضْعُ اليدين على الركبتين في التشهّد مجمع على استحبابه، والحكمة من وضعهما على الركبتين المحافظةُ من العبث، والمراعاةُ للأدب. (وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ) أي من ابتداء القعود للتشهّد إلى انتهائه، على ما هو الصواب. و"السّبّابة": هي الإصبَعُ التي تلي الإبهام؛ سُمّيت بذلك؛ لأنها يشار بها عند السبّ، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢). (وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى) هذه إحدى الكيفيّة في القبض في

стр. 7087

التشهّد (وَيُلْقِمُ) بضم أوله، من الإلقام، يقال: ألقمت الطَّعام: إذا أدخلته في فيك (كفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ) يعني أنه يدخل ركبته في راحة كفّه اليسرى حتى صارت ركبته كاللقمة في كفّه، ولا ينافي هذا ما سيأتي من أنه وضع كفّيه على فخذيه؛ لأنه يُحمل على تعدد الأوقات. وقال النوويّ ﵀: أما قوله: "ووضع يده اليسرى على ركبته"، وفي رواية ﵀: "ويُلْقِم كفه اليسرى ركبته"، فهو دليل على استحباب ذلك، وقد أجمع العلماء على استحباب وضعها عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول: بَعْطِف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: "ويُلْقِم كفه اليسرى ركبته"، والحكمة في وضعها عند الركبة منعها من العَبَث. وأما قوله: "ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى" فمُجْمَعٌ على استحبابه. وقوله: "أشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوُسْطَى"، وفي الرواية الأخرى: "وعَقَدَ ثلاثًا وخمسين" (١)، هاتان الروايتان محمولتان على حالين، ففعل في وقت هذا، وفي وقت هذا، وقد رام بعضهم الجمع بينهما، بأن يكون المراد بقوله: "على إصبعه الوسطى"، أي وضعها قريبًا من أسفل الوُسطى، وحينئذ يكون بمعنى العقد ثلاثًا وخمسين. قال: وأما الإشارة بالمسبِّحة فمستحبة عندنا؛ للأحاديث الصحيحة، قال أصحابنا: يُشير عند قوله: "إلا اللَّه" من الشهادة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "يشير عند قوله: إلا اللَّه" هذا مما لا دليل عليه، بل ظواهر الأحاديث تدلّ على أن الإشارة من أول الجلوس إلى آخره، فالحقّ أنه يُشير من أوله إلى آخره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: ويُشير بمسبحة اليمنى لا غير، فلو كانت مقطوعة أو عَلِيلة لم يشر بغيرها، لا من الأصل باليمنى، ولا اليسرى، والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في "سنن أبي داود"، ويشير بها موجَّهةً إلى القبلة، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).

стр. 7088

والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد سبق بيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٢] (٥٨٠) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، بَاسِطَهَا عَلَيْهَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسِّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، كان يتشيّع، وعمي في آخره، فتغيّر [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.

стр. 7089

٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب ﵄، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ ("أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ) أي للتشهّد (وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) لكن مع اختلاف الهيئة كما بيّنه قوله: (وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى) ظاهره أن رفع الإصبع، أي الإشارة بها كان من ابتداء الجلوس، لا كما يزعمه من يقول: إن الإشارة عند الشهادتين فقط، فإن ذلك مما لا دليل عليه، كما سيأتي بيانه (الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ) تقدّم أنها السبّابة، وتسمّى المسبِّحة أيضًا (فَدَعَا بِهَا) أي أشار بها، وقيل: معنى "دعا": تشهدّ، وسُمّي التشهّد دعاء؛ لاشتماله عليه، كما سبق بيانه (وَيَدَهُ الْيُسْرَى) بالنصب عطفًا على "يديه"، أي ووضع يده اليسرى، ويَحْتَمل الرفع، على أنه مبتدأ خبره قوله: (عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى) وقوله: (بَاسِطَهَا عَلَيْهَا) بالنصب على الحال، أي حال كونه باسطًا يده اليسرى على ركبته من غير رفع إصبعه، ويَحْتمل الرفع على أنه خبر لـ "يدُه اليسرى" بعد خبر، وفيه إشعارٌ يكون اليمنى مقبوضة. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وسيأتي بيان مسائله بعد حديث -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 7090

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً (١) وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّد) بن مسلم، أبو محمد البغداديّ المؤدِّب، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ١١/ ٨٠. ٣ - (أيُّوبُ) بن أبي تميمةْ كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى. . . إلخ) المراد وضع باطن الكفّين على الركبتين، وفيه دليل على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس، وهو مجمع عليه. وقوله: (وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ) ووقع في نسخة: "ثلاثًا وخمسين"، بتذكير ثلاث، وهو جائز؛ لعدم ذكر المعدود بعده، كما أسلفناه غير مرّة. وعقدُ ثلاثة وخمسين عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر، ولكن المراد هنا أن يضع الخنصر على الراحة، وهو المسمّى عندهم بعقد تسعة وخمسين، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة من شرح الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى-. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وعقد ثلاثًا وخمسين" قد بَيَّنَ هذا بيانًا شافيًا

стр. 7091

وائل بن حُجْر ﵁ فيما رواه أبو داود، قال: "وجَعَل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قَبَضَ اثنتين من أصابعه، وحَلَّقَ حَلْقةً"، وإلى ظاهر حديث وائل ﵁ هذا ذهب بعض أهل العلم، فقالوا بالتحليق، وكرهه بعض علماء المدينة؛ أخذًا بظاهر حديث ابن عمر ﵄ حيث حَكَى أنه ﷺ عقد ثلاثًا وخمسين، ومن قال بالتحليق منهم من ذهب إلى أن التحليق برؤوس الأنامل، وهو الخطّابيّ، ومنهم من ذهب إلى أنه يَضَع أنملة الوسطى بين عُقدتي الإبهام، والأمر قريبٌ، ويُفيد مجموع الأحاديث التخيير. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو حسنٌ. وقوله: (وَأَشَارَ بِالسَّبَابَةِ") هي التي تلي الإبهام، سُمّيت بذلك؛ لأنها يُشار بها عند المخاصمة والسبّ، ويقال لها: المسبِّحة -بضمّ الميم، وكسر الموحّدة المشدّدة، سُمّيت بذلك؛ لأن المصلّي يُشير بها إلى التوحيد والتنزيه للَّه تعالى عن الشرك (٢). والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وستأتي مسائله في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصَى (٣) فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِي، فَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ (٤) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ؟ قَالَ: "كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلِّهَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى").

стр. 7092

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكٌ) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين المجتهدُ المشهور، أبو عبد اللَّه [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) يسار السَّلُوليّ المدنيّ مولى الأنصار، وقيل في ولائه غير ذلك، ثقة [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن سرْجِس، وعليّ بن عبد الرحمن الْمُعاويّ، وغيرهم. ورَوَى عنه إسماعيل بن جعفر، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وهم ثلاثة إخوة: محمد، وعبد اللَّه، ومسلم، بنو أبي مريم، ومسلم أعلاهم، وقال ابن سعد: ليس بأخيهما، وقال علي بن زَنْجَلَةَ، عن القعنبيّ: كان مالك يُثني عليه، وقال: لا يكاد يَرفع حديثًا إلى النبيّ ﷺ ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو، وابن سعد: مات في ولاية أبي جعفر، زاد ابن سعد: وكان شديدًا على القدريّة، وكان ثقة قليل الحديث. رَوَى له الجماعة، سوى التِّرمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٨٠)، و (٢٥٦٥): "تُعرض الأعمال في كلّ خميس واثنين. . . "، وأعاده بعده. ٤ - (عَلِي بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيُّ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وجابر، ورَوى عنه مسلم بن أبي مريم، والزهريّ. قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر أبو عوانة في "صحيحه" أن شعبة رَوَى حديثه عن مسلم بن أبي مريم، عنه، فقَلَبه، فقال: عبد الرحمن بن عليّ، قال أبو عوانة: وهو غلط (١).

стр. 7093

أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ حديث الباب فقط. [قوله]: "الْمُعَاويّ": نسبةٌ إلى مُعَاوية بن مالك، قال في "تهذيب الكمال" ٢١/ ٥٣: من وَلَد مُعاوية بن مالك بن عَوف بن عمرو بن عوف، من الأوس. انتهى. والصَّواب في ضبطه ضم الميم، وتخفيف العين المهملة، كما في "الخلاصة" ٢/ ٢٥٣، و"لب اللباب" ٢/ ٢٦٤، فما وقع في بعض نسخ "تقريب التهذيب" من ضبطه بفتح الميم فغلط، وقد وقع على الصواب في بعضها، وهي النسخة التي حققها أبو الأشبال صغير أحمد شاغف، الباكستاني. فتنبه، واللَّه تعالى ولي التوفيق. وابن عمر ﵄ ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي رواية النسائيّ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم، قال: سمعت عليّ بن عبد الرحمن يقول: صليت إلى جنب ابن عمر، فقلبت الحصى. . .، وقوله: (الْمُعَاوِيِّ) تقدّم أنه بضمّ الميم (أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (وَأَنَا أَعْبَثُ) بفتح أوله وثالثه، يقال: عَبِثَ عَبَثًا، من باب تَعِبَ: إذا لَعِبَ، وعَمِلَ ما لا فائدة فيه (١). (بِالْحَصَى) وفي نسخة: "بالحصباء"، وهي صغار الحصى (فِي الصَّلَاةِ) والمراد أنه يَعبَث في جلوس الصلاة بدليل تعليم ابن عمر ﵄، فإنه اقتصر على بيان كيفية وضع اليدين في حال الجلوس، فإنه يدلّ على أنه إنما رآه يعبث في حال الجلوس، لا في كلّ الصلاة. (فَلَمَّا انْصَرَف) أي سَلَّم ابن عمر ﵄ من الصلاة (نَهَانِي) وفي رواية النسائيّ: "لا تحرّك الحصى، وأنت في الصلاة، فإن ذلك من الشيطان" (فَقَالَ) ابن عمر (اصْنَعْ كمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ) "ما" مصدريّة، أي كصنعه ﷺ ، أو موصولة، والعائد مقدّر، أي كالصنع الذي يصنعه ﷺ (فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ)

стр. 7094

وفي نسخة: قلت: كيف كان (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ؟) و"كيف" استفهاميّة، وهي مفعول مطلق لـ "يصنع"، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١] (١). أي أيَّ صُنْعٍ يصنع ﷺ حتى أقتدي به (قَالَ) ابن عمر (كَان) رسول اللَّه ﷺ (إِذَا جَلَسَ) أي شرع في الجلوس للتشهّد (فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ كَفَّهُ) أي باطن كفّه (الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا) أي أصابع يده اليمنى (وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ) أي وهي السبّابة (وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى) أي مبسوطة، كما بُيِّن في الروايات الأخرى، وفي رواية النسائيّ: "قال: فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورَمَى ببصره إليها، أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ يصنع"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ١٣١٤ و ١٣١٥] (٥٨٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٨٧)، و (التِّرمذيّ) فيها (٢٩٤)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (١١٦٠ و ١٢٦٦ و ١٢٦٧) و "الكبرى" (٧٤٧ و ١١٨٩ و ١١٩٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٩١٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٨٨ - ٨٩)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٧٠٨٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧١٢ و ٧١٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٤٢ و ١٩٤٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٠٧ و ٢٠٠٨ و ٢٠٠٩ و ٢٠١٠ و ٢٠١١ و ٢٠١٢ و ٢٠١٣ و ٢٠١٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٨٥ و ٢١٨٦ و ١٢٨٧ و ١٢٨٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٣٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٧٥)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7095

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كيفيّة وضع اليدين في حال الجلوس في الصلاة، فأما اليمنى فالمستحبّ فيها القبض، والإشارة بالسبابة، وسيأتي هيئات قبضها قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، وأما اليسرى فالمستحبّ فيها الوضع. قال النوويّ ﵀: وقد أَجْمَع العلماء على استحباب وضعها -يعني اليسرى- عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول: يَعطِف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: "ويلقم كفه اليسرى على ركبته". انتهى. ثم إنه لا خلاف بين أهل العلم في وضع اليدين على الركبتين، والإشارة بمسبحة اليمنى. قال صاحب "التعليق الممجد" من العلماء الحنفية: أصحابنا الثلاثة -يعني الإمام أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن- اتفقوا على تجويز الإشارة (١)، لثبوتها عن النبيّ ﷺ وأصحابه بروايات متعددة، وقد قال به غير واحد من العلماء، حتى قال ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف في ذلك، وإلى اللَّه المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا، أصحاب الفتاوى، كصاحب "الخلاصة" وغيره حيث ذكروا أن المختار عدم الإشارة، بل ذكر بعضهم أنها مكروهة، فالحذرَ الحذرَ من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة مع كونه مخالفًا لما ثبت عن النبيّ ﷺ وأصحابه، بل وعن أئمتنا أيضًا، بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي، وثبت عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه الإثبات لكان فعل الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ أحقّ وألزم بالقبول، فكيف، وقال به أئمتنا أيضًا؟. انتهى كلام صاحب "التعليق الممجد" باختصار، وهو تحقيقٌ نفيس. ٢ - (ومنها): استحباب الإشارة بالمسبّحة، وتوجيهها إلى القبلة، كما دلّت عليه رواية النسائيّ المذكورة. ٣ - (ومنها): بيان موضع نظر المصلِّي في حال التشهد، وهي الإصبع التي أشار بها، فيستحب للمصلّي أن ينظر في حال التشهد إلى المسبّحة، ولا يتجاوزها، ففي رواية أبي داود، والنسائيّ من حديث عبد اللَّه بن الزبير أن

стр. 7096

رسول اللَّه ﷺ "كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبّابة لا يجاوز بصره إشارته". ٤ - (ومنها): الإنكار على مَن يَلْعَب في الصلاة، وتعليمه السنّة. ٥ - (ومنها): فضل ابن عمر ﵄، حيث قام بالإنكار على من يعبث في الصلاة، وتعليمه السنة؛ امتثالًا لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد ورد عن النبيّ ﷺ في كيفية وضع اليد اليمنى هيئات: (الأولى): ما في حديث ابن عمر ﵄ هذا: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام. . . " الحديث. (الثانية): ما في حديث ابن عمر ﵄ أيضًا في الرواية الماضية: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قعد في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة". (الثالثة): ما تقدّم في حديث عبد اللَّه بن الزبير ﵄: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوُسطى، ويُلْقِم كفه اليسرى ركبته". (الرابعة): ما في حديث وائل بن حجر ﵁ عند الإمام أحمد، والنسائيّ بإسناد صحيح، وفيه: "وجعل حَدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّقَ حَلْقَة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها، يدعو بها". (الخامسة): وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض، والإشارة بالسبابة، وقد تقدّم في حديث عبد اللَّه بن الزبير ﵄ في الرواية الأولى؛ لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة، وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عمر ما يدلّ على ذلك، وأخرج أبو داود، والترمذيّ من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض.

стр. 7097

قال العلامة الشوكانيّ ﵀: اللَّهم إلا أن تُحمل الرواية التي لم يُذكر فيها القبض على الروايات التي ذكر فيها القبض حملَ المطلق على المقيَّد. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحمل هو المتعيِّن في المسألة؛ توفيقًا بين الروايات، واللَّه تعالى أعلم. وقد جعل العلامة الإمام ابن القيم ﵀ في "الهدي" الروايات المذكورة كلَّها واحدةً، قال: فإن مَن قال: قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوُسطى كانت مضمومة، ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: قبض اثنتين أراد أن الوُسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر، بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى، وقد صرّح بذلك من قال: وعقد ثلاثًا وخمسين، فإن الوُسطى في هذا العقد تكون مضمومةً، ولا تكون مقبوضة مع البنصر. وقد استَشْكَل كثير من الفضلاء هذا؛ إذ عقد ثلاث وخمسين لا يلائم واحدة من الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بدّ أن تركب البنصر في هذا العقد. وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمةٌ، وهي التي ذُكرت في حديث ابن عمر، تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومة مع تحليق الإبهام مع الوسطى، وحديثةٌ، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب، واللَّه أعلم. انتهى كلام العلامة ابن القيم ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: وعندي أن الأولى حمل الروايات على اختلاف الأوقات، ففي بعضها قبض أصابعه كلّها، وأشار بالسبّابة، وفي بعضها قبض ثنتين من أصابعه، وهما الخنصر والبنصر، وحلّق الإبهام والوُسطى، وأشار بالسبّابة، وهو معنى عقد ثلاثة وخمسين، وأما حديث وضع اليمنى على الفخذ من دون قبض، فيحتمل أن يكون لبيان الجواز، أو يُحمَل على الأحاديث الأخرى التي دلّت على القبض؛ حملًا للمطلق على المقيّد، كما سبق التنبيه عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان معنى عقد ثلاث وخمسين الوارد في حديث التشهد: قال النوويّ ﵀: قوله: "وعقد ثلاثًا وخمسين" شرطه عند أهل الحساب

стр. 7098

أن يَضَع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادًا ههنا، بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة، ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: (اعلم): أن للعرب طريقة مشهورة اصطلحوا عليها في عُقُود الحساب، وهي أنواع: آحاد، وعشرات، وألوف. وقد بيّن ذلك العلّامة الفقيه الحنفيّ محمد أمين المعروف بـ "ابن عابدين" ﵀، في رسالته "رفع التردد"، وخلاصة ما ذكره فيها: أن للواحد: ضمَّ الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكفّ ضمًا مُحْكَمًا، وللاثنين: ضم البنصر معها كذلك، وللثلاثة: ضمهما مع الوسطى كذلك، وللأربعة: ضمهما، ورفع الخنصر، وللخمسة: ضم الوسطى فقط، وللستة: ضم البنصر فقط، وللسبعة: ضم الخنصر فقط مع مدها حتى تصل إلى لحمة أصل الإبهام، وللثمانية: ضم البنصر معها كذلك، وللتسعة: ضمهما مع الوسطى كذلك. وللعشرة: جعل طرف السبابة على باطن نصف الإبهام، وللعشرين: إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى بحيث يكون ظفرها بين عقدتي السبابة، وللثلاثين: إلزاق طرف السبابة بطرف الإبهام، وللأربعين: وضع باطن الإبهام على ظاهر السبابة، وللخمسين: عطف الإبهام كأنها راكعة، وللستين: تحليق السبابة على طرف الإبهام الراكعة، وللسبعين: وضع طرف الإبهام على وسط السبابة مع عطف السبابة إليها قليلًا، وللثمانين: مد الإبهام والسبابة كأنهما ملتصقتان خلقة، وللتسعين: ضم طرف السبابة إلى أصلها، وعطف الإبهام عليها. ثم انقل الحساب إلى اليد اليسرى، واجعل المائة كعقد الواحد، وهكذا دَوَاليك. والحاصل أن عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليمنى للآحاد، والسبابة والإبهام للعشرات، بتبديل كيفية الوضع، وكذلك عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليسرى للمئات، والسبابة، والإبهام منها للألوف.

стр. 7099

فغاية ما تجمعه اليمنى من العدد تسعة وتسعون، وما تجمعه اليسرى تسعمائة وتسعة آلاف. انتهى كلام ابن عابدين ﵀. وقد نظمت هذه القاعدة، فقلت: يَا سَائِلًا كَيْفِيَّةَ الْحِسَابِ … لِلْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ خُذْ جَوَابِي لِلْوَاحِدِ اضْمُمْ خِنْصِرًا لأَقْرَبِ … بَاطِنِ كَفِّكَ وَأَحْكِمْ تُصِبِ لاثْنَيْنِ بِنْصِرًا تَزِيدُ وإِذَا … تَزِيدُ وُسْطَاكَ ثَلَاثَةً خُذَا ضَمُّهُمَا مَعْ رَفْعِ خِنْصِرٍ غَدَا … أَرْبَعَةً وَضَمُّ وُسْطَى أَرْشَدَا لِخَمْسَةٍ وَبِنْصِرٍ لِسِتَّةِ … وَضَمُّ خِنْصِرٍ فَقَطْ لِسَبْعَةِ مَعْ مَدِّهَا لِلَحْمَةِ تَتَّصِلُ … بِأَصْلِ إِبْهَامِكَ خُذْ مَا نَقَلُوا وَمَعَهَا الْبِنْصِرَ لِلثَّمَانِيَهْ … وَمَعْهُمَا الْوُسْطَى لِتِسْعٍ وَاقِيَهْ لِنِصْفِ بَاطِنٍ لإِبْهَامٍ طَرَفْ … سَبَّابَةٍ وَضَعَ مَنْ عَشْرًا وَصَفْ وَبَيْنَ وُسْطَاكَ وَسَبَّاب إِذَا … أَدْخَلْتَ إِبْهَامَكَ عِشْرِينَ خُذَا بِطَرَفِ الإِبْهَامِ أَلْزِقْ طَرَفَا … سَبَّابَةٍ بِهِ ثَلَاثُونَ وَفَى وَإِنْ تَضَعْ بَاطِنَ إِبْهَامٍ عَلَى … سَبَّابَةٍ قُلْ أَرْبَعُونَ حَصَلَا كَهَيْئَةِ الرَّاكِعِ الإِبْهَامَ اعْطِفَا … خَمْسُونَ وَالسِّتُّونَ بَعْدُ عُرِفَا إِنْ حُلِّقَتْ سَبَّابَة عَلَى طَرَفْ … رَاكِعَةِ الإِبْهَامِ كُنْ مِمَّنْ عَرَفْ وَإِنْ تَضعْ طَرَفَ إِبْهَام عَلَى … وَسَطِ سَبَّاب بِعَطْفٍ قُلِّلَا سَبْعُونَ وَالإِبْهَامُ وَالسَّبُّابُ إِنْ … مُدَّا وَأُلْصِقًا ثَمَانِينَ أَبِنْ تِسْعُونَ ضَمُّ طَرَفِ السَّبَّابِ فِي … أَصْلٍ وَالإبْهَامَ عَلَيْهَا فَاعْطِفِ ثُمَّ انْقُلِ الْحِسَابَ لِلْيُسْرَى وَعُدْ … كَالْوَاحِدِ الْمِائَةَ هَكَذَا تَسُدْ فَغَايَةُ الْيُمْنَى مِنَ الْعَدَدِ قُلْ … تِسْعٌ وَتِسْعُونَ وَفِي الْيُسْرَى كَمُلْ تِسْعَةُ آلَافٍ وَتِسْعُمِائِةِ … فَاحْفَظْ تَنَلْ مَقَامَ خَيْرِ الْفِئَةِ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في تحريك السبّابة عند التشهّد: قال القرطبيّ ﵀: اختَلَفت الروايات في ذلك، فزاد أبو داود في حديث ابن الزبير: "أنه ﷺ كان يُشير بإصبعه إذا دعا، ولا يُحرّكها"، وإلى هذا ذهب

стр. 7100

بعض العراقيين، فمنع من تحريكها، وبعض أصحابنا رأوا أن مدّها إشارة إلى دوام التوحيد. وفي حديث وائل بن حجر بعد قوله: "وحَلّق حلقةً، ثم رفع إصبعه، فرأيته يُحرّكها، يدعو بها"، رواه النسائيّ. وإلى هذا ذهب أكثر المالكيّة، ثم من قال بالتحريك، فهل يواليه، أو لا يواليه؟ اختُلِف فيه على قولين، وسبب ذلك اختلافُهُم في ماذا يُعلَّلُ به ذلك التحريك؟ فمن وإلى التحريك تأول ذلك بأنها مُذكّرةٌ بموالاة الحضور في الصلاة، وبأنها مِقْمَعة ومِدفعة للشيطان، ومن لم يُوالي رأى تحريكها عند التلفّظ بكلمتي الشهادة فقط، وتأوّل في الحركة كأنها نُطق تلك الجارحة بالتوحيد. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الإشارة تكون من أول الجلوس إلى آخره، كما هو ظاهر الأحاديث، وليس عند الشهادتين فقط؛ إذ لا دليل عليه. ثم إن عدم التحريك هو الأولى عندي، كما هو مذهب جمهور العلماء؛ لما رواه أبو داود، والنسائيّ من طريق زياد بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه: "أن النبيّ ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يُحرّكها"، فهذا صريح في عدم التحريك. وأما ما أخرجه أحمد، والنسائيّ عن وائل بن حجر ﵁ وفيه: "فرأيته يحرّكها"، فقد أعلّه بعضهم بالشذوذ، حيث خالف زائدة بن قُدامة جماعة من الحفاظ الذين رووه عن عاصم بن كُليب، وقد ألّف بعض المعاصرين في ذلك رسالة، وعلى تقدير صحته، فيُحمل على أنه فعل ذلك لبيان الجواز، فيُعمل به في بعض الأحيان. وأما تضعيف بعضهم حديث عبد اللَّه بن الزبير الذي فيه أنه لا يحرّكها بتفرّد محمد بن عجلان، فليس بجيّد، فإن زيادته ليست منكرةً؛ لأنه ثقةٌ متّفقٌ على توثيقه، وإنما تكلّموا باضطرابه في أحاديث أبي هريرة ﵁ فقط، وليس هذا منها، ولأن روايته يؤيّدها حديث ابن عمر ﵄ الذي فيه وصف كيفيّة

стр. 7101

القبض والإشارة وصفًا دقيقًا، حيث بيّن فيه بأنه عقد ثلاثًا وخمسين، فإنه خالٍ عن التحريك، فلو كان ﷺ يُحرّكها لَما أهمله ابن عمر ﵄، فهو مؤيّد لرواية ابن عجلان. والحاصل أن الأولى عدم التحريك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَزَادَ: قَالَ سُفْيَانُ: فَكَانَ (٢) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ مُسْلِمٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ) فاعل "ذَكَر" ضمير "سفيان". وقوله: (وَزَادَ: قَالَ سُفْيَانُ) فاعل "زاد" ضمير "ابن أبي عمر". وقوله: (فَكَانَ) وفي نسخة: "وكان". وقوله: (فَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ مُسْلِمٌ) معنى هذا الكلام أن سفيان بن عيينة سمع هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن مسلم بن أبي مريم، ثم بعد ذلك لقي مسلمًا شيخ شيخه، فحدّثه بنفسه. وفي رواية أبي عوانة في "مسنده" (١/ ٥٣٧): قال سفيان: فحدّثنا

стр. 7102

يحيى بن سعيد سنة أربع وعشرين أن مسلم بن أبي مريم حدّثه، فلقيتُ مسلم (١)، فحدّثني أنه سمع عليّ بن عبد الرحمن الْمُعاويّ، ثم قال سفيان: من أين لأهل الكوفة مثل هذا؟. انتهى. [تنبيه]: رواية سفيان التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية مالك ساقها النسائيّ في "السنن الكبرى" (١/ ٣٧٥)، فقال: (١١٨٩) أخبرنا محمد بن منصور، نا سفيان، نا يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، شيخ من أهل المدينة، ثم لقيت الشيخ، فقال: سمعت لحيّ بن عبد الرحمن، يقول: صلّيت إلى جنب ابن عمر، فقَلَّبتُ الحصى، فقال لي ابن عمر: لا تُقَلِّب الحصى، فإن تقليب الحصى من الشيطان، وافعل كما رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعل، قلت: كيف رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعل؟ قال: هكذا ونصب اليمنى، وأضجع اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٢) - (بَابُ السَّلَامِ لِلتَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٦] (٥٨١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، وَمَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، أَنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكَّةَ، يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟ قَالَ الْحَكَمُ فِي حَدِيثِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ).

стр. 7103

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل باب. ٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦. ٦ - (مُجَاهِد) بن جَبْر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام فقيه [٣] (ت ١٠١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٧ - (أَبُو مَعْمَرِ) عبد اللَّه بن سَخْبَرة الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في ولاية عبيد اللَّه بن زياَد (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢/ ٤٧٠. ٨ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من الحكم، وشعبة ويحيى بصريّان، وزهير نسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: الحكم، وكذا منصور على رأي، عن مجاهد، عن أبي معمر. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، كما تقدّم الكلام فيه قريبًا.

стр. 7104

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرَة -بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحّدة- (أَنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكّةَ) بفتح همزة "أنّ"؛ لوقوعها موقع المصدر، كما قال في "الخلاصة": وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ فهي مع اسمها وخبرها في تأويل المصدر مفعول ثان لـ "حدّثنا"، أي حدّثنا كون أمير بمكة إلخ. وهذا الأمير -كما قال صاحب "التنبيه"- هو: نافع بن عبد الحارث، قاله سراج الدين الْبُلْقِينيّ، وقد أنكر الواقديّ صحبته، وقال: إنه تابعيّ، والمشهور صُحبته. وقال القرطبيّ في "المفهم": هو الحارث بن حاطب - فيما أحسب. انتهى. قال: وهذا فيه نظرٌ؛ لأن الحارث هذا تأمّر لابن الزبير سنة ستّ وستّين، وابنُ مسعود تُوفّي سنة اثنتين وثلاثين، أو ثلاث قبل تأمير الحارث بن حاطب بنحو أربع وثلاثين سنة. انتهى كلام صاحب "التنبيه" (١). (يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ) أي للتحلّل من الصلاة (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ (أَنَّى) بفتح الهمزة، وتسْديد النون: استفهام عن الجهة، تقول: أَنَّى يكون هذا، أي من أيّ وجه وطريقٍ، قاله الفيّوميّ (٢). (عَلِقَهَا؟) بفتح العين المهملة، وكسر اللام: أي من أين حصّل هذه السنة، وظفِر بها؟، قاله النوويّ. وقال القاضي عياض: أي من أين أخذ هذه السنّة واستفادها؟، مِن عَلِق الرجلُ بالشيء، وعَلِقَ الصيد بالحبالة. انتهى (٣). وقال القرطبيّ: أي كيف حفِظها؟ وأصله من عَلاقة الحبّ، وهذا الاستبعاد من ابن مسعود ﵁ يدلّ على أن عمل الناس كان تسليمة واحدة. انتهى (٤).

стр. 7105

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "على تسليمة واحدة" فيه نظر لا يخفى؛ إذ هذا عمل بعض الناس، لا عمل عموم الناس، وسيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. (قَالَ الْحَكَمُ) بن عُتيبة (فِي حَدِيثِهِ) أي في روايته عن مجاهد (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ) يعني أن الحكم زاد على منصور، التصريح برفع الحديث إلى رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ١٣١٦ و ١٣١٧] (٥٨١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٤٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٥٣ و ٢٠٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٨٩ و ١٢٩٠ و ١٢٩١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٧٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة التسليمتين للتحلّل من الصلاة، وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان أن بعض الناس كانوا تركوا التسليمتين، واكتفوا بتسليمة واحدة، ولذا تعجّب ابن مسعود ﵁ من عمل هذا الأمير. ٣ - (ومنها): بيان أن بعض السنن المشهورة قد تخفى على كثير من الناس، حتى في عهد الصحابة ﵃، فما بالك في العصر المتأخّر زمن استيلاء الجهل والهوى، فلا يجوز لمسلم أن يترك السنّة التي صحّت لديه بعلّة أن إمام مذهبه لم يقل بها، فإن إمامه كسائر الناس يخفى عليه بعض السنن، فلا ينبغي تقليده فيما جهله، فليتنبّه العاقل لهذه الدقيقة، فإنها مزلّة أقدام، فقد وقع قيها كثير ممن يُظنّ أنهم من أهل العلم، فأعماهم التقليد عن اتّباع السنّة الصحيحة؛

стр. 7106

إيثارًا لرأي إمامهم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب العلماء في حكم السلام من الصلاة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ": أكثر العلماء على أنه لا يُخْرَج من الصلاة بدون التسليم، واستدلّوا بحديث: "تحليلُها التسليمُ". وممن قال من الصحابة: تحليل الصلاة التسليم: ابن مسعود، وابن عباس، وحكاه الإمام أحمد إجماعًا. وذهب طائفة إلى أنه يُخرَج من الصلاة بفعل كلّ مناف لها، من أكل، أو شرب، أو كلام، أو حدث، وهو قول الحكم، وحماد، والثوريّ، وأبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعيّ، وإسحاق، ولم يفرّقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلّي، أو بغير اختياره، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: إن وُجد باختياره خرج من الصلاة بذلك، وإن وُجد بغير اختياره بطلت صلاته، وجعل الفرض الخروج منها بفعل المنافي باختيار المصلي لذلك، وخالفه صاحباه في اشتراط ذلك. وقد حُكي عن طائفة من السلف أنّ من أحدث بعد تشهده تمّت صلاته، منهم: الحسن، وابن سيرين، وعطاء -على خلاف عنه- والنخعي، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وقد أنكر صحّته أحمد، وأبو حاتم الرازي، وغيرهما، وروي أيضًا عن ابن مسعود من طريق منقطع. واستُدِلّ لهؤلاء بحديث ابن مسعود: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وقد اختُلِف في رفعه ووقفه على ابن مسعود، واختُلف في لفظه أيضًا، فرواه بعضهم، وقال: قال ابن مسعود: "فإذا فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف". خرّجه البيهقي. وهذه الرواية تدلّ على أنه إنما خيّره إذا فرغ من صلاته، وإنما يفرغ بالتسليم، بدليل ما رَوَى شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، قال: "مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلّم الإمام فقم إن شئت". قال البيهقي: وهذا أثر صحيح، وقال: ويكون مراد ابن مسعود الإنكار على من زعم أن المأموم لا يقوم حتى يقوم إمامه.

стр. 7107

وحمل أبو حنيفة، وإسحاق حديثَ: "تحليلُها التسليم" على التشهد، وقالوا: يسمى التشهد تسليمًا، لما فيه من التسليم على النبيّ ﷺ والصالحين، وهذا بعيد جدًّا. واستدلّوا أيضًا بما روى عبد الرحمن بن زياد الإِفريقي، أن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة أخبراه عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إذا أحدث، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم جازت صلاته"، أخرجه الترمذيّ، وقال: إسناده ليس بالقويّ، وقد اضطربوا في إسناده، والإفريقي ضعّفه القطّان، وأحمد بن حنبل. وخرّجه أبو داود بمعناه. وخرّجه الدارقطني، ولفظه: "إذا أحدث بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة، واستوى جالسًا تمّت صلاته". وقد رُوي بهذا المعنى عن الإفريقي، عن عبد اللَّه بن يزيد، عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا، وهذا اضطراب منه في إسناده كما أشار إليه الترمذي، ورفعه منكر جدًّا، ولعله موقوف، والإفريقي لا يُعتَمَد على ما ينفرد به. قال حرب: ذُكِر هذا الحديث لأحمد، فردّه، ولم يصحّحه. وقال الْجُوزجاني: هذا الحديث لا يبلغ القوة أن يدفع أحاديث "تحليلُها التسليم". وأجاب بعضهم عن هذا، وعن حديث ابن مسعود -على تقدير صحّتها- بالنسخ، واستدّل بما رَوَى عُمر بن ذرّ، عن عطاء بن أبي رباح، قال: كان النبيّ ﷺ إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه، وذلك قبل أن ينزل التسليم، خرّجه البيهقي، وخرّجه وكيع في كتابه عن عُمر بن ذرّ، عن عطاء بمعناه، وقال: حتى نزل التسليم. ورُوي عن عمر أن النبيّ ﷺ كان يُصلي في أول الإسلام ركعتين، ثم أمر أن يصلي أربعًا، فكان يسلّم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتمّ الصلاة، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى، ويعلن بالثانية، فافعلوا. خرّجه الإسماعيلي، وإسناده ضعيف. ولم يَقُل بذلك أحد من علماء المسلمين أن الصلاة الرباعية المكتوبة يُسلَّم فيها مرتين، مرة في التشهد الأول، ومرة في الثاني، ولكن الإمام يسرّ

стр. 7108

السلام الأول، ويُعلن بالثاني، والأحاديث كلّها تدلّ على أنه لم يكن يُسلَّم فيها إلا مرة واحدة في التشهد الثاني خاصّة. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى بتصرف يسير (١). وقال النووي رحمه اللَّه تعالى في "شرحه": (واعلم): أن السلام ركن من أركان الصلاة، وفرض من فروضها، لا تصحّ الصلاة إلا به، هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة ﵀: هو سنّة، ويحصل التحلل من الصلاة بكلّ شيء يُنافيها، من سلام، أو كلام، أو حدَث، أو قيام، أو غير ذلك. واحتجّ الجمهور بأن النبيّ ﷺ كان يسلّم، وثبت في "صحيح البخاري" أنه ﷺ قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وبالحديث الآخر: "تحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ". انتهى كلام النووي ﵀. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا النسائيّ، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، يصلح للاحتجاج به. وقد استَدَلَّ به الجمهور على وجوب السلام، قالوا: إن الإضافة تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي انحصر تحليلها في التسليم، لا تحليل لها غيره. ولأن النبيّ ﷺ كان يسلّم من صلاته، ويديم ذلك، ويواظب عليه، ولا يُخلّ به، وقد قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، ولأنه قد تواتر العمل عليه من لدن صاحب الشريعة إلى يومنا هذا، وتلقّاه الكافّة عن الكافّة طبقة عن طبقة، فهو ثابت متواتر عملًا. وأما ما قيل: من أن النبيّ ﷺ لم يعلّم السلام المسيء في صلاته، ولو وجب لأمره به؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ففيه أن النبيّ ﷺ

стр. 7109

لم يعلّمه كلّ الواجبات، بدليل أنه لم يعلّمه التشهد، والقعود، وغيرهما، ويَحْتَمِل أنه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه. وأما ما روي أن رسول اللَّه ﷺ "صلّى الظهر خمسًا، فلما سلّم أُخْبِر بصنيعه، فثَنَى رجله، فسجد سجدتين"، أخرجه الجماعة عن ابن مسعود ﵁ بطرق متعددة، وألفاظ مختلفة. قال الطحاويّ: في هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعةً من غيرها قبل التسليم، ولم يَرَ ذلك مُفسدًا للصلاة، فدلّ ذلك على أن السلام ليس من أصلها، ولو كان واجبًا وجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك، ولكنه بخلافه، فهو سنّة. ففيه أنه ليس فيه إلّا تأخير السلام، لا تركه رأسًا، وهذا لا يدلّ على كون السلام من غير أصل الصلاة، مع أن ذلك كان في حالة النسيان، وعلى ظنّ عدم الزيادة والإدخال، والكلام هنا فيمن ترك السلام عمدًا، وخرج من الصلاة بغير السلام مما ينافي الصلاة. وأما ما روي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ مرفوعًا: "إذا أحدث الرجل، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم، فقد جازت صلاته"، أخرجه أبو داود، والترمذيّ. ففيه أنه حديث ضعيف مضطرب، قد تفرّد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، وقد ضعفه أكثر الحفّاظ، قال الترمذيّ ﵀ بعد إخراجه: ليس إسناده بذاك القويّ، وقد اضطربوا في إسناده. انتهى. فقد جمع بين ضعف الراوي، والاضطراب. وفيه أيضًا أنه مخالف للحديث الصحيح المذكور: "وتحليلُها التسليمُ"، فلا يقوى على معارضته. قال الخطاّبي ﵀ في "المعالم" ١/ ١٧٥: هذا الحديث ضعيف، وقد تكلّم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد، والتسليم. انتهى. وأما ما رُوي أن رسول اللَّه ﷺ أخذ بيد عبد اللَّه بن مسعود ﵁، فعلّمه التشهد في الصلاة، ثم قال: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت

стр. 7110

صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، أخرجه أحمد، وأبو داود، والدارقطنيّ. ففيه أن قوله: "إذا قلت هذا إلخ" مُدْرَج من قول ابن مسعود، قال الدارقطني: الصحيح أن قوله: "إذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك" من كلام ابن مسعود، فصله شَبَابة، عن زهير بن معاوية، وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق مَن رَوَى تشهد ابن مسعود على حذفه، كذا في "المنتقى". قال الشوكانيّ: أما حديث ابن مسعود، فقال البيهقيّ في "الخلافيّات": إنه كالشاذّ من قول عبد اللَّه، وإنما جعله كالشاذّ؛ لأن أكثر أصحاب الحسن بن الْحُرّ لم يذكروا هذه الزيادة، لا من قول ابن مسعود مفصولةً من الحديث، ولا مدرجةً في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت، عن الحسن، فجعلها من قول ابن مسعود، وزهير بن معاوية عن الحسن، فأدرجها في آخر الحديث في قول أكثر الرواة عنه، ورواها شبابة بن سَوّار عنه مفصولة، كما ذكره الدارقطني. وقد رَوَى البيهقي من طريق أبي الأحوص، عن ابن مسعود ما يخالف هذه الزيادة بلفظ: "مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلم الإمام، فقم إن شئت". قال: وهذا الأثر صحيح عن ابن مسعود ﵁. وقال ابن حزم ﵀: قد صحّ عن ابن مسعود إيجاب السلام فرضًا، وذكر رواية أبي الأحوص هذه عنه. قال البيهقيّ: إن تعليم النبيّ ﷺ التشهد لابن مسعود كان قبل فرض التسليم، ثم فُرض بعد ذلك. وقد صرّح بأن تلك الزيادة المذكورة في الحديث مدرجة جماعةٌ من الحفّاظ: منهم الحاكم، والبيهقي، والخطيب. وقال البيهقي في "المعرفة": ذهب الحفّاظ إلى أن هذا وَهَمٌ من زهير بن معاوية. وقال النوويّ في "الخلاصة": اتفق الحفّاظ على أنها مدرجة. انتهى. وقد رواه عن الحسن بن الحرّ حسين الجعفيّ، ومحمد بن عجلان،
следующие страницы →