إيثارًا لرأي إمامهم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في مذاهب العلماء في حكم السلام من الصلاة:
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ": أكثر العلماء على أنه لا يُخْرَج من الصلاة بدون التسليم، واستدلّوا بحديث: "تحليلُها التسليمُ".
وممن قال من الصحابة: تحليل الصلاة التسليم: ابن مسعود، وابن عباس، وحكاه الإمام أحمد إجماعًا.
وذهب طائفة إلى أنه يُخرَج من الصلاة بفعل كلّ مناف لها، من أكل، أو شرب، أو كلام، أو حدث، وهو قول الحكم، وحماد، والثوريّ، وأبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعيّ، وإسحاق، ولم يفرّقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلّي، أو بغير اختياره، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: إن وُجد باختياره خرج من الصلاة بذلك، وإن وُجد بغير اختياره بطلت صلاته، وجعل الفرض الخروج منها بفعل المنافي باختيار المصلي لذلك، وخالفه صاحباه في اشتراط ذلك.
وقد حُكي عن طائفة من السلف أنّ من أحدث بعد تشهده تمّت صلاته، منهم: الحسن، وابن سيرين، وعطاء -على خلاف عنه- والنخعي، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وقد أنكر صحّته أحمد، وأبو حاتم الرازي، وغيرهما، وروي أيضًا عن ابن مسعود من طريق منقطع.
واستُدِلّ لهؤلاء بحديث ابن مسعود: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وقد اختُلِف في رفعه ووقفه على ابن مسعود، واختُلف في لفظه أيضًا، فرواه بعضهم، وقال: قال ابن مسعود: "فإذا فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف". خرّجه البيهقي. وهذه الرواية تدلّ على أنه إنما خيّره إذا فرغ من صلاته، وإنما يفرغ بالتسليم، بدليل ما رَوَى شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، قال: "مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلّم الإمام فقم إن شئت".
قال البيهقي: وهذا أثر صحيح، وقال: ويكون مراد ابن مسعود الإنكار على من زعم أن المأموم لا يقوم حتى يقوم إمامه.
стр. 7107
وحمل أبو حنيفة، وإسحاق حديثَ: "تحليلُها التسليم" على التشهد، وقالوا: يسمى التشهد تسليمًا، لما فيه من التسليم على النبيّ ﷺ والصالحين، وهذا بعيد جدًّا.
واستدلّوا أيضًا بما روى عبد الرحمن بن زياد الإِفريقي، أن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة أخبراه عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إذا أحدث، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم جازت صلاته"، أخرجه الترمذيّ، وقال: إسناده ليس بالقويّ، وقد اضطربوا في إسناده، والإفريقي ضعّفه القطّان، وأحمد بن حنبل. وخرّجه أبو داود بمعناه. وخرّجه الدارقطني، ولفظه: "إذا أحدث بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة، واستوى جالسًا تمّت صلاته".
وقد رُوي بهذا المعنى عن الإفريقي، عن عبد اللَّه بن يزيد، عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا، وهذا اضطراب منه في إسناده كما أشار إليه الترمذي، ورفعه منكر جدًّا، ولعله موقوف، والإفريقي لا يُعتَمَد على ما ينفرد به.
قال حرب: ذُكِر هذا الحديث لأحمد، فردّه، ولم يصحّحه.
وقال الْجُوزجاني: هذا الحديث لا يبلغ القوة أن يدفع أحاديث "تحليلُها التسليم".
وأجاب بعضهم عن هذا، وعن حديث ابن مسعود -على تقدير صحّتها- بالنسخ، واستدّل بما رَوَى عُمر بن ذرّ، عن عطاء بن أبي رباح، قال: كان النبيّ ﷺ إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه، وذلك قبل أن ينزل التسليم، خرّجه البيهقي، وخرّجه وكيع في كتابه عن عُمر بن ذرّ، عن عطاء بمعناه، وقال: حتى نزل التسليم.
ورُوي عن عمر أن النبيّ ﷺ كان يُصلي في أول الإسلام ركعتين، ثم أمر أن يصلي أربعًا، فكان يسلّم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتمّ الصلاة، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى، ويعلن بالثانية، فافعلوا. خرّجه الإسماعيلي، وإسناده ضعيف.
ولم يَقُل بذلك أحد من علماء المسلمين أن الصلاة الرباعية المكتوبة يُسلَّم فيها مرتين، مرة في التشهد الأول، ومرة في الثاني، ولكن الإمام يسرّ
стр. 7108
السلام الأول، ويُعلن بالثاني، والأحاديث كلّها تدلّ على أنه لم يكن يُسلَّم فيها إلا مرة واحدة في التشهد الثاني خاصّة. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى بتصرف يسير (١).
وقال النووي رحمه اللَّه تعالى في "شرحه":
(واعلم): أن السلام ركن من أركان الصلاة، وفرض من فروضها، لا تصحّ الصلاة إلا به، هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم.
وقال أبو حنيفة ﵀: هو سنّة، ويحصل التحلل من الصلاة بكلّ شيء يُنافيها، من سلام، أو كلام، أو حدَث، أو قيام، أو غير ذلك.
واحتجّ الجمهور بأن النبيّ ﷺ كان يسلّم، وثبت في "صحيح البخاري" أنه ﷺ قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وبالحديث الآخر: "تحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ". انتهى كلام النووي ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا النسائيّ، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، يصلح للاحتجاج به.
وقد استَدَلَّ به الجمهور على وجوب السلام، قالوا: إن الإضافة تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي انحصر تحليلها في التسليم، لا تحليل لها غيره.
ولأن النبيّ ﷺ كان يسلّم من صلاته، ويديم ذلك، ويواظب عليه، ولا يُخلّ به، وقد قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، ولأنه قد تواتر العمل عليه من لدن صاحب الشريعة إلى يومنا هذا، وتلقّاه الكافّة عن الكافّة طبقة عن طبقة، فهو ثابت متواتر عملًا.
وأما ما قيل: من أن النبيّ ﷺ لم يعلّم السلام المسيء في صلاته، ولو وجب لأمره به؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ففيه أن النبيّ ﷺ
стр. 7109
لم يعلّمه كلّ الواجبات، بدليل أنه لم يعلّمه التشهد، والقعود، وغيرهما، ويَحْتَمِل أنه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه.
وأما ما روي أن رسول اللَّه ﷺ "صلّى الظهر خمسًا، فلما سلّم أُخْبِر بصنيعه، فثَنَى رجله، فسجد سجدتين"، أخرجه الجماعة عن ابن مسعود ﵁ بطرق متعددة، وألفاظ مختلفة.
قال الطحاويّ: في هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعةً من غيرها قبل التسليم، ولم يَرَ ذلك مُفسدًا للصلاة، فدلّ ذلك على أن السلام ليس من أصلها، ولو كان واجبًا وجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك، ولكنه بخلافه، فهو سنّة.
ففيه أنه ليس فيه إلّا تأخير السلام، لا تركه رأسًا، وهذا لا يدلّ على كون السلام من غير أصل الصلاة، مع أن ذلك كان في حالة النسيان، وعلى ظنّ عدم الزيادة والإدخال، والكلام هنا فيمن ترك السلام عمدًا، وخرج من الصلاة بغير السلام مما ينافي الصلاة.
وأما ما روي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ مرفوعًا: "إذا أحدث الرجل، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم، فقد جازت صلاته"، أخرجه أبو داود، والترمذيّ.
ففيه أنه حديث ضعيف مضطرب، قد تفرّد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، وقد ضعفه أكثر الحفّاظ، قال الترمذيّ ﵀ بعد إخراجه: ليس إسناده بذاك القويّ، وقد اضطربوا في إسناده. انتهى. فقد جمع بين ضعف الراوي، والاضطراب.
وفيه أيضًا أنه مخالف للحديث الصحيح المذكور: "وتحليلُها التسليمُ"، فلا يقوى على معارضته.
قال الخطاّبي ﵀ في "المعالم" ١/ ١٧٥: هذا الحديث ضعيف، وقد تكلّم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد، والتسليم. انتهى.
وأما ما رُوي أن رسول اللَّه ﷺ أخذ بيد عبد اللَّه بن مسعود ﵁، فعلّمه التشهد في الصلاة، ثم قال: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت
стр. 7110
صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، أخرجه أحمد، وأبو داود، والدارقطنيّ.
ففيه أن قوله: "إذا قلت هذا إلخ" مُدْرَج من قول ابن مسعود، قال الدارقطني: الصحيح أن قوله: "إذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك" من كلام ابن مسعود، فصله شَبَابة، عن زهير بن معاوية، وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق مَن رَوَى تشهد ابن مسعود على حذفه، كذا في "المنتقى".
قال الشوكانيّ: أما حديث ابن مسعود، فقال البيهقيّ في "الخلافيّات": إنه كالشاذّ من قول عبد اللَّه، وإنما جعله كالشاذّ؛ لأن أكثر أصحاب الحسن بن الْحُرّ لم يذكروا هذه الزيادة، لا من قول ابن مسعود مفصولةً من الحديث، ولا مدرجةً في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت، عن الحسن، فجعلها من قول ابن مسعود، وزهير بن معاوية عن الحسن، فأدرجها في آخر الحديث في قول أكثر الرواة عنه، ورواها شبابة بن سَوّار عنه مفصولة، كما ذكره الدارقطني.
وقد رَوَى البيهقي من طريق أبي الأحوص، عن ابن مسعود ما يخالف هذه الزيادة بلفظ: "مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلم الإمام، فقم إن شئت". قال: وهذا الأثر صحيح عن ابن مسعود ﵁.
وقال ابن حزم ﵀: قد صحّ عن ابن مسعود إيجاب السلام فرضًا، وذكر رواية أبي الأحوص هذه عنه.
قال البيهقيّ: إن تعليم النبيّ ﷺ التشهد لابن مسعود كان قبل فرض التسليم، ثم فُرض بعد ذلك.
وقد صرّح بأن تلك الزيادة المذكورة في الحديث مدرجة جماعةٌ من الحفّاظ: منهم الحاكم، والبيهقي، والخطيب.
وقال البيهقي في "المعرفة": ذهب الحفّاظ إلى أن هذا وَهَمٌ من زهير بن معاوية.
وقال النوويّ في "الخلاصة": اتفق الحفّاظ على أنها مدرجة. انتهى.
وقد رواه عن الحسن بن الحرّ حسين الجعفيّ، ومحمد بن عجلان،
стр. 7111
ومحمد بن أبان، فاتفقوا على ترك هذه الزيادة في آخر الحديث، مع اتفاق كلّ من روى التشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على ذلك. انتهى كلام الشوكاني ﵀.
وقد تأول القاضي أبو بكر ابن العربي في "شرح الترمذي" ٢/ ١٩٩ حديث ابن مسعود هذا: بأنه إنما يَعْنِي به فقد قضيت صلاتك، فاخرج منها بتحليل كما دخلتها بإحرام. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدم أن الحقّ كون هذه الزيادة مدرجةً من كلام ابن مسعود، وقد عارضها ما صحّ عنه عند البيهقي، وابن حزم من إيجابه السلام فرضًا، فلا تكون حجة أصلًا، وقد صح لدينا قوله ﷺ : "وتحليلها التسليم" مع مواظبته على التسليم من الصلاة من دون أن يوجد منه إخلال بذلك، ولو مرة واحدة، وقد قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، فهذه الأدلة ظاهرة في إيجاب السلام من الصلاة.
والحاصل أن ما عليه الجمهور من كون السلام ركنًا من أركان الصلاة التي لا تتم الصلاة إلا به هو الحقّ، لوضوح أدلّته.
وأما ما حاول به الشوكاني من ترجيح القول بعدم الوجوب فمما لا يعتمد عليه؛ لأنه لم يذكر دليلًا مقنعًا يردّ به أدلة الجمهور، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التسليمتين:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ومن بعدهم في عدد التسليم، فقالت طائفة: يسلم تسليمتين عن يمينه، وعن شماله، روي هذا القول عن أبي بكر الصدّيق، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وعبد اللَّه بن مسعود، ونافع بن الحارث، وعطاء بن أبي رباح، وعلقمة، والشعبي، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: يسلّم تسليمة واحدة، كذلك قال ابن عمر، وأنس بن
стр. 7112
مالك، وعائشة أم المؤمنين، وسلمة بن الأكوع، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وقال عمّار بن أبي عمّار: كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين عن أيمانهم، وعن شمائلهم، وكان مسجد المهاجرين يسلّمون تسليمة واحدة.
وفيه قول ثالث: وهو أن هذا من الاختلاف المباح، فالمصلي مخيّر، إن شاء سلّم تسليمة، وإن شاء سلّم تسليمتين، قال بهذا القول بعض أصحابنا.
وكان إسحاق يقول: تسليمة تُجزي، وتسليمتان أحبّ إليّ.
قال ابن المنذر ﵀: كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم يُجيز صلاة من اقتصر على تسليمة، وأحبّ أن يسلم تسليمتين، للأخبار الدّالة عن رسول اللَّه ﷺ ، ويجزيه أن يسلّم تسليمة. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ من مشروعية التسليمتين، وهو الذي عليه الجمهور كما تقدم هو المذهب الراجح؛ لكثرة الأحاديث الصحاح على وفقه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه: ثبت عندنا عن النبيّ ﷺ من غير وجه أنه كان يُسلّم عن يمينه، وعن شماله حتى يُرى بياض خدّه.
وقال العُقيلي: الأحاديث الصحاح عن ابن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، وغيرهما في تسليمتين.
وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يسلّم تسليمة واحدة من وجوه لا يصحّ منها شيء، قاله ابن المديني، والأثرم، والعقيليّ، وغيرهم.
وقال الإمام أحمد: لا يُعرف عن النبيّ ﷺ في التسليمة الواحدة إلا حديثٌ مرسلٌ لابن شهاب الزهري، عن النبيّ ﷺ . انتهى.
ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها.
ومن أشهرها حديث زهير بن محمد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن
стр. 7113
عائشة أن النبيّ ﷺ كان يسلّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشقّ الأيمن شيئًا، أخرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التِّنِّيسيّ، عن زهير به، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل: زُهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه.
وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زُهير به مختصرًا.
وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وأخطأ فيما قال، فإن روايات الشاميين عن زهير مناكير عند أحمد، ويحيى بن معين، والبخاريّ، وغيرهم.
قال أحمد في رواية الأثرم: أحاديث التنّيسي عن زُهير بواطيل، قال: وأظنّه قال: موضوعة، قال: فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة، فقال مثل هذا.
وذكر ابن عبد البرّ أن يحيى بن معين سُئل عن هذا الحديث؟ فضعّفه. وقال أبو حاتم الرازي: هو منكر، إنما هو عن عائشة موقوف، وكذا رواه وُهيب بن خالد، عن هشام، وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن هشام، عن أبيه، موقوفًا، قال الوليد: فقلت لزهير: فهل بلغك عن رسول اللَّه ﷺ فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاريّ أن رسول اللَّه ﷺ سلّم تسليمة واحدة.
قال العقيليّ: حديث الوليد أولى -يعني من حديث عمرو بن أبي سلمة- قال: وعمرو في حديثه وَهَم، وقال الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وَهِمَ.
وأخرج النسائيّ من حديث سعد بن هشام، عن عائشة في صفة صلاة النبيّ ﷺ بالليل أنه كان يسلّم تسليمة يُسمعنا (١).
وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه: يسلم تسليمة واحدة "السلام عليكم" يرفع بها صوته حتى يُوقظنا.
стр. 7114
وقد حمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة، ويسرّ الثانية.
ورَوَى عبدُ الوهّاب الثقفيّ عن حميد، عن أنس، أن النبيّ ﷺ كان يُسلّم تسليمة واحدة. أخرجه الطبراني، والبيهقي، ورفعه خطأ، إنما هو موقوف، كذا رواه أصحاب حميد، عنه، عن أنس من فعله.
ورَوَى جريرُ بن حازم، عن أيوب، عن أنس، أن النبيّ ﷺ ، وأبا بكر، وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة، أخرجه البزّار في "مسنده"، وأيوب رأى أنسًا، ولم يسمع منه، قاله أبو حاتم، وقال الأثرم: هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب.
ورَوَى رَوح بن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أبي، عن الحسن، عن سَمُرَة، كان رسول اللَّه ﷺ يُسلّم في الصلاة تسليمة واحدة قُبَالة وجهه، فإذا سّم عن يمينه سلّم عن يساره، أخرجه الدارقطني، والعقيليّ، والبيهقيّ، وغيرهم، وأخرجه بَقِيُّ بن مَخْلَد مختصرًا، وروح هذا ضعّفه ابن معين وغيره، وقال الأثرم: لا يُحتجّ به.
وفي الباب أحاديث أُخَرُ لا تقوم بها حجة، لضعف أسانيدها.
وقد اختَلَف الصحابة، ومن بعدهم في ذلك، فمنهم من كان يُسلّم ثنتين، ومنهم من كان يُسلّم واحدة.
قال عمّار بن أبي عمّار: كان مسجد الأنصار يُسلّمون تسليمتين، ومسجد المهاجرين يُسلّمون تسليمة واحدة.
وأكثر أهل العلم على التسليمتين.
وممن رُوي عنه ذلك من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وعمّار، وسهل بن سعد، ونافع بن عبد الحارث. وروي عن عطاء، والشعبي، وعلقمة، ومسروق، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن ميمون، وأبي وائل، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وهو قول النخعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي عُبيد، وأبي ثور، وحُكي عن الأوزاعي.
ورُوي التسليمة الواحدة عن ابن عمر، وأنس، وعائشة، وسلمة بن الأكوع، ورُوي عن عثمان، وعليّ أيضًا، وعن الحسن، وابن سيرين، وعطاء
стр. 7115
أيضًا، وعمر بن عبد العزيز، والزهريّ، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والليث، وهو قولٌ قديم للشافعيّ، وحكاه أحمد عن أهل المدينة، وقال: ما كانوا يُسلّمون إلا واحدة، قال: وإنما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشم، يعني في ولاية بني العبّاس، وقال الليث: أدركت الناس يُسلّمون تسليمة واحدة.
وقد اختُلف على كثير من السلف في ذلك.
فروي عنهم التسليمتان، وروي عنهم التسليمة الواحدة، وهو دليل على أن ذلك كان عندهم سائغًا، وإن كان بعضه أفضل من بعض، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة، وعلى أهل العراق التسليمتان.
وحُكي للشافعي قول ثالث قديم أيضًا، وقيل: إن الربيع نقله عنه، فيكون حينئذ جديدًا: أنه إن كان المصلي منفردًا، أو في جماعة قليلة، ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة، وإلا فتسليمتان.
والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه، وصحّت صلاته، وذكره ابن المنذر إجماعًا ممن يَحفَظ عنه من أهل العلم.
وذهبت طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بتسليمتين معًا، وهو قول الحسن بن حيّ، وأحمد في رواية عنه، وبعض المالكيّة، وبعض أهل الظاهر.
واستدلّوا بقوله ﷺ : "تحليلها التسليم"، وقالوا: التسليم إلى ما عُهد منه فعله، وهو التسليمتان، وبقوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وقد كان يُسلّم تسليمتين.
ومن ذهب إلى قول الجمهور قال: التسليم مصدر، والمصدر يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عددًا، فيدخل فيه التسليمة الواحدة.
واستدلّوا بأن الصحابة قد كان منهم من يُسلّم تسليمتين، ومنهم من يُسلّم تسليمة واحدةً، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد رُوي عن جماعة منهم التسليمتان، والتسليمة الواحدة، فدلّ على أنهم كانوا يفعلون أحيانًا هذا، وأحيانًا هذا، وهذا إجماع منهم على أن الواحدة تكفي.
قال أكثر أصحاب أحمد: ومحلّ الخلاف عن أحمد في الصلاة
стр. 7116
المكتوبة، فأما التطوّع فيُجزئ فيه تسليمة، واستدلّوا بحديث عائشة في صلاة النبيّ ﷺ بالليل، وقد سبق ذكره.
وأخرج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة، يُسمعناها.
وقد تأوّل حديث عائشة في هذا المعنى على أنه كان يُسمعهم واحدةً، ويُخفي الثانية، وقد نصّ أحمد على ذلك، وأن الأُولى تكون أرفع من الثانية في الجهر.
وقد رَوَى أبو رزين قال: سمعت عليًّا يُسلّم في الصلاة عن يمينه، وعن شماله، والتي عن شماله أخفض.
ومن أصحاب أحمد من قال: يجهر بالثانية، ويخفض بالأولى، وهو قول النخعيّ. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ ببعض تصرف.
وقال العلّامة الشوكانيّ ﵀ بعد ذكره اختلافَ أهل العلم في هذه المسألة:
والحقّ ما ذهب إليه الأولون -يعني القائلين بمشروعية التسليمتين- لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين، وصحة بعضها، وحسن بعضها، واشتمالها على الزيادة، وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة، فإنها مع قلّتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج بها، ولو سُلّم انتهاضها لم تصلح لمعارضتها أحاديثَ التسليمتين، لما عرفت من اشتمالها على الزيادة.
وأما القول بمشروعية ثلاث (١) فلعلّ القائل به ظن أن التسليمة الواحدة -يعني في حديث عائشة وغيرها- غير التسليمتين، فجمع بين الأحاديث بمشروعية الثلاث، وهو فاسد، وأفسد منه ما رواه في "البحر" عن البعض من أن المشروع واحدة في المسجد الصغير، وثنتان في المسجد الكبير. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ ﵀ حسنٌ جدًّا.
стр. 7117
وحاصله ترجيح قول الجمهور في مشروعية التسليمتين، وتفنيد الأقوال الأخرى؛ لعدم استنادها إلى دليل يصلح للاعتماد عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في صيغ السلام:
قال الحافظ ابن رجب ﵀: واختلفوا في صفة التسليم، فقالت طائفة: صفة التسليم: "السلام عليكم ورحمة اللَّه"، وهذا مرويّ عن النبيّ ﷺ من وجوه، وإليه ذهب أكثر العلماء، ولو اقتصر على قوله: "السلام عليكم" أجزأه عند جمهورهم، ولأصحاب أحمد فيه وجهان.
وقالت طائفة: يزيد "وبركاته"، ومنهم الأسود بن يزيد، كان يقولها في التسليمة الأولى، وقال النخعي: أقولها، وأخفيها، واستحبّه طائفة من الشافعية.
وقد أخرج أبو داود من حديث وائل بن حُجر أنه صلّى مع النبيّ ﷺ ، فكان يُسلّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته"، وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة اللَّه".
ومن أصحاب أحمد من قال: إنما فعل ذلك مرّة لبيان الجواز.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي الكلام على هذه الزيادة في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
قال: وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى: "السلام عليكم ورحمة اللَّه"، ويقتصر في الثانية على: "السلام عليكم"، وروي عن عمّار، وغيره، وقد تقدّم حديث ابن عمر المرفوع بموافقة ذلك.
وقالت طائفة: بل يقتصر على قوله: "السلام عليكم" بكلّ حال، وهو قول مالك، والليث بن سعد، وروي عن عليّ وغيره، وكذلك هو في بعض روايات حديث جابر بن سمرة المرفوع، وفي بعضها زيادة: "ورحمة اللَّه"، وقد أخرجه مسلم بالوجهين. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ بتصرّف يسير.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي قول من قال: إنه يقول في التسليمتين: "السلام عليكم ورحمة اللَّه"، لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك، وأما ما ورد من الاقتصار على "السلام عليكم"، أو زيادة "وبركاته"،
стр. 7118
فيُحْمَل على بيان الجواز، فيُعمل به في بعض الأوقات، وأما اتخاذه مذهبًا دائمًا، فغير صواب؛ لمخالفته لأكثر الأحاديث الصحيحة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في الكلام على زيادة "وبركاته" في التسليم:
(اعلم): أنه ورد زيادة "وبركاته" في التسليم من الجانبين من حديث وائل بن حُجر ﵁ مرفوعًا، ومن حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعًا وموقوفًا، ومن حديث عمّار بن ياسر ﵁ موقوفًا.
فأما حديث وائل ﵁، فأخرجه أبو داود في "سننه" على ما هو في النسخة الصحيحة، فإن نسخه قد اختَلَفت، فسقط من بعضها زيادتها في الثانية، وثبت في بعضها فيهما، وهي الصحيحة عندي، لما يأتي.
فأما النسخ التي ثبتت فيهما، فهي النسخة الهندية، وتوجد في "المكتبة المحموديّة" في المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة، ونصّها -١/ ١٣٨ - :
حدّثنا عَبْدة بن عبد اللَّه، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا موسى بن قيس الحضرميّ، عن سلمة بن كُهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه قال: صلّيت مع النبيّ ﷺ ، فكان يُسلّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته"، وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته".
والنسخة الثانية هي النسخة التي ضِمْنَ الكتب التسعة التي طُبعت على منهج "المعجم المفهرس"، فقد ثبتت فيها من الجانبين أيضًا.
والنسخة الثالثة هي التي حقّقها عزت دعاس ص ٦٠٧، وهذه النسخة يَحْتَمِل أن تكون مأخوذة من النسختين السابقتين، أو من إحداهما، ويَحْتَمِل أن تكون نسخة أخرى، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه النسخ هي الصحيحة عندي، كما أشرت إليه سابقًا، دون النسخ الأخرى التي لا تثبت الزيادة لأمرين:
(الأول): أن المحقّقين من حُفّاظ الحديث أثبتوا هذه الزيادة في الجانبين من حديث وائل بن حُجْر ﵁ في مؤلّفاتهم، وعَزَوا ذلك إلى "سنن أبي داود".
فمن هؤلاء المحققين:
стр. 7119
الحافظ المجتهد العلّامة ابن دقيق العيد ﵀ في كتابه "الإلمام" ١/ ١١٥ فقد أثبتها فيهما، وعزا ذلك إلى أبي داود.
ومنهم: الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ في كتابه "المحرّر" ١/ ٢٠٧، فإنه أثبتها فيهما، وعزا ذلك إلى أبي داود.
ومنهم: الحافظ ابن حجر ﵀، في كتابه "بلوغ المرام"، فإنه أثبتها فيهما، وعزا ذلك إلى أبي داود.
وقال في "التلخيص الحبير" ١/ ٢٧١ ما نصه:
[تنبيه]: وقع في "صحيح ابن حبّان" من حديث ابن مسعود زيادة "وبركاته"، وهي عند ابن ماجه أيضًا، وهي عند أبي داود أيضًا في حديث وائل بن حُجْر، فيُتَعجّب من ابن الصلاح، حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث. انتهى.
والحاصل أن اتفاق هؤلاء الأئمّة على إثباتها فيهما، وعَزْوِ ذلك إلى أبي داود يؤكّد أن نسخ "سنن أبي داود" التي فيها الإثبات من الجانبين هي الصحيحة، وأما النسخ التي أثبتت في الأول فقط -وعليها كتب الشّرّاح- فقد دخلها الخلل، واللَّه تعالى أعلم.
(الأمر الثاني): صحّة ثبوتها في الجانبين من حديث غير وائل ﵁، فقد ثبتت في حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا وموقوفًا، وفي حديث عمار ﵁ موقوفًا، كما أشرت إليه آنفًا.
فأما حديث ابن مسعود ﵁، فأخرجه ابن ماجه، وابنا خزيمة، وحبّان في "صحيحيهما"، وأبو العبّاس السّرّاج في "مسنده"، وابن حزم في "الْمُحَلَّى"، وأخرجه عبد الرزّاق في "مصنّفه" موقوفًا عليه.
فأما رواية ابن ماجه، فقد ثبتت في النسخة الصحيحة منه، كما عزاها إليه الحافظ ﵀ في "التلخيص الحبير" ١/ ٢٧١.
قال العلّامة الصنعانيّ ﵀ في "سُبُل السلام" ١/ ٣٧٩ ما نصه: قال المصنّف: إلّا أنه قال ابن رسلان في "شرح السنن": لم نجدها في ابن ماجه، قلت: راجعنا "سنن ابن ماجه" من نسخة صحيحة مقروءة، فوجدنا فيه ما لفظه:
"باب التسليم" حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، حدثنا عُمر بن عُبيد،
стр. 7120
عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، أن رسول اللَّه ﷺ كان يُسلّم عن يمينه، وعن شماله حتى يُرَى بياضُ خدّه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته". انتهى بلفظه.
وقال محقّق "شرح السنّة" للبغوي الشيخ شعيب الأرناؤوط ما نصّه: وعند ابن ماجه في نسخة خطيّة في دار الكتب الظاهرية زيادة "وبركاته"، وقد سقطت بتحقيق فُؤاد عبد الباقي، وهي زيادة صحيحة، نصّ عليها في "التلخيص". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وقد صرّح الحافظ أيضًا في "نتائج الأفكار" ٢/ ٢٢٣ بأنها ثابتة في ابن ماجه، وسيأتي نصّه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
ثم وجدت نسخة محققة أثبتت الزيادة المذكورة في "سنن ابن ماجه"، وهي النسخة الجديدة التي حققها الشيخ خليل مأمون شِيحا مع شرح السنديّ، وتعليقات "مصباح الزجاجة" المطبوعة بتاريخ ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م، وهي نسخة محققة على نسخة خطيّة مقروءة، كُتب عليها سماعات الحفاظ، كالحافظ المنذريّ ﵀ وغيره، كما بيّن ذلك المحقّق المذكور في الكلام على وصف النسخة الخطيّة أول الكتاب ١/ ١٢ - ١٥.
والحاصل أن النسخة الصحيحة لـ "سنن أبي داود" بالنسبة لحديث وائل بن حجر ﵁، و"سنن ابن ماجه " بالنسبة لحديث ابن مسعود ﵁ هي النسخة التي أثبتت زيادة "وبركاته" في الجانبين، للأدلّة المذكورة، واللَّه تعالى أعلم.
وأما رواية ابن خزيمة ﵀، فقال في "صحيحه" ١/ ٣٦٠:
نا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وزياد بن أيوب، قال إسحاق: حدثنا عُمر، وقال زياد: حدثني عمر بن عُبيد الطنافسيّ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُسلّم عن يمينه حتى يُرى بياضُ خدّه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته"، وعن شماله حتى يبدو بياض خدّه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته". انتهى (١).
стр. 7121
وأما رواية ابن حبّان ﵀ تعالى، فقال في "صحيحه" ٥/ ٣٣٣ رقم ١٩٩٣ بتحقيق شعيب الأرنؤوط:
أخبرنا الفضل بن الحباب، قال: حدّثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، أن النبيّ ﷺ كان يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرَى بياض خدّه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: هكذا نسخة "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" بإثباتها في الثاني دون الأول، عكس ما في بعض نسخ أبي داود، وهو تصرّف من النساخ بلا شكّ، بدليل أن الحافظ أبا بكر الهيثميّ: أثبتها في كتابه "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" في الجهتين، وكتابه مختصر من "صحيح ابن حبّان"، وكذا عزا الحافظ ﵀ ثبوتها إلى "صحيح ابن حبان" في كتابه "نتائج الأفكار" ٢/ ٢٢٣. فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وأما رواية أبي العبّاس السّرّاج، فقد أخرجها الحافظ في أماليه "نتائج الأفكار" ٢/ ٢٢١ - ٢٢٣ من طريقه، فقال:
أخبرني شيخنا الإمام أبو الفضل بن الحسين الحافظ ﵀، أخبرني أبو الحرم بن أبي الفتح، قال: قُرئ على سيدة بنت موسى المازنية، ونحن نسمع، عن زينب بنت عبد الرحمن الشعري، قالت: أنا أبو المظفّر عبد المنعم ابن الإمام أبي القاسم القُشيريّ، أنا أبي، أنا أبو الحسين الْخَفّاف، ثنا أبو العبّاس السرّاج، ثنا عبد اللَّه بن عمر -يعني ابن أبان- ثنا وكيع، وأبو نعيم، قالا: ثنا سفيان -هو الثوريّ- عن أبي إسحاق -هو السبيعي- عن أبي الأحوص -هو عوف بن مالك- عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ ، أنه كان يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرَى بياض خدّيه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته".
стр. 7122
قال: هكذا في أصل سماعنا من مسند السرّاج بخط الحافظ مجد الدين بن النجار، وكذلك وجدته بخط الحافظ زكيّ الدين البرزالي، وهو من روايتهما جميعًا عن زينب بنت عبد الرحمن.
وهكذا أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" عن أبي خليفة، عن محمد بن كثير، عن سفيان الثوريّ، وذكر فيه "وبركاته".
لكن أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير، فلم يذكرها، وكذا من رواية وكيع، وكذا الترمذي، والنسائي من رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان.
قال: وبهذا الإسناد إلى السرّاج: ثنا هَمّام السَّكُونيّ -هو الوليد بن شُجَاع بن الوليد- ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، فذكر مثله، لكن قال: "عن شماله"، وقال: "أَرَى".
وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، عن عُمر بن عُبيد، عن أبي الأحوص (١)، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وفيه: "وبركاته".
قال: فهذه عدّة طرق ثبت فيها "وبركاته" بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ -يعني النوويّ ﵀ أنها رواية فردة.
وأما رواية ابن حزم ﵀، فقال في كتابه "المحلّى" ٣/ ٢٧٥:
حدّثنا حمام، ثنا ابن مفرج، ثنا ابن الأعرابي، ثنا الدّبريّ، ثنا عبد الرزّاق، عن سفيان الثوريّ ومعمر، كلاهما عن حمّاد بن أبي سليمان، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: ما نسيت فيما نسيت عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان يُسلّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته" حتى يُرى بياض خدّه، وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته" حتى يُرى بياض خدّه أيضًا. انتهى.
стр. 7123
قال الجامع عفا اللَّه عنه: رجال هذا الإسناد ثقات غير حماد بن أبي سليمان فصدوق، له أوهام، واللَّه أعلم.
وأخرجه عبد الرزّاق موقوفًا على ابن مسعود، فقال في "مصنّفه" ٢/ ٢١٩:
عبد الرزّاق، عن معمر، عن خُصيف الْجَزَريّ، عن أبي عُبيدة بن عبد اللَّه، أن ابن مسعود كان يُسلّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته"، وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته"، يجهر بكلتيهما.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيه خُصيف متكلّم فيه، قال في "التقريب": صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخره، ورُمي بالإرجاء. انتهى. وفيه أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فهو منقطع، واللَّه أعلم.
وأما حديث عمّار بن ياسر ﵄، فأخرجه عبد الرّزّاق في "مصنّفه" أيضًا موقوفًا عليه، فقال ٢/ ٢٢٠:
عبد الرزّاق عن معمر، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرّب، أن عمّار بن ياسر كان يسلّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته"، وعن يساره مثل ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: رجال إسناده ثقات، واللَّه أعلم.
قال العلّامة الصنعاني ﵀ في "سبل السلام" عند شرح حديث وائل بن حُجْر ﵁ المتقدّم ما نصّه:
وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة بأحاديث مختلفة، ففيها صحيح، وحسن، وضعيف، ومتروك، وكلها بدون زيادة "وبركاته" إلّا في رواية وائل هذه، ورواية عن ابن مسعود عند ابن ماجه، وعند ابن حبّان، ومع صحّة إسناد حديث وائل ﵁ كما قال المصنف -يعني الحافظ ابن حجر- يتعيّن قبول زيادته؛ إذ هي زيادة عدل، وعدم ذكرها في رواية غيره ليس رواية لعدمها. انتهى كلام الصنعاني ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه:
خلاصة القول في هذه المسألة أن زيادة "وبركاته" ثابتة في التسليم من الصلاة من الجانبين، فمَن قَبِلَ زيادتها في التسليمة الأولى، فليقبلها في الثانية
стр. 7124
أيضًا؛ لثبوتها فيها بما ثبتت به الأولى، ولا يؤثّر على ذلك عدم وجودها في بعض النسخ؛ لما قدّمنا أن ذلك من تصرف النُّسّاخ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ثم إن زيادة "وبركاته" إنما يستحبّ في بعض الأوقات، فلا ينبغي التزامها في جميع الصلوات؛ لأن أكثر من نقل صفة صلاة رسول اللَّه ﷺ لم يذكرها، فلو كان ﷺ التزمها لما أهملوها، فدلّ على أنه كان يزيدها في بعض الأوقات، فحفظها بعض الصحابة، ولم يعمل بها في معظم الأوقات، فلم يحفظها الأكثرون، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً، أَنَّ أَمِيرًا، أَوْ رَجُلًا سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظ فقيهٌ مجتهد، رأس الطبقة [١٠] (ت ٢٤١) عن (٧٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٧.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً) أي رفع الحكم هذا الحديث إلى النبيّ ﷺ مرّة، وفي رواية الإمام أحمد في "مسنده": "قال: سمعته مرّةً رفعه، ثم تركه. . . ".
وقوله: (أَنَّ أَمِيرًا، أَوْ رَجُلًا) "أو" للشكّ من الراوي.
وقوله: (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟) أي قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁ في حقّ ذلك الرجل: من أين تعلّم هذه السنّة، وممن أخذها؟ وهي تسليمه مرّتين يمينًا وشمالًا، فكأنه تعجّب من معرفة ذلك الرجل بسنّة التسليم من الصلاة.
وقوله: (أَنَّى عَلِقَهَا؟) أي قال عبد اللَّه.
стр. 7125
[تنبيه]: رواية أحمد بن حنبل ﵀ هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٤٢٢٧) حدّثنا يحيى، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن عبد اللَّه، قال: سمعته مرّةً رفعه، ثم تركه، رأى أميرًا أو رجلًا، سَلَّم تسليمتين، فقال: أنى عَلِقَها؟، انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣١٨] (٥٨٢) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهد [١٠] (ت ٢٣٨) عن (٧٢) سنةً (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عَمْرو الْقَيْسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَر) بن عبد الرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة -بسكون المعجمة، وفتح الراء المخفّفة- ابن نَوْفَل بن أَهيب بن عبد مناف الزُّهريّ الْمَخْرَمِيُّ، أبو محمد المدنيّ، ليس به بأس [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن محمد بن سعد، وسعد بن إبراهيم، وعثمان بن محمد بن الأخنس، وغيرهم.
وَرَوَى عنه إبراهيم بن سعد، وبشر بن عُمر، وإسحاق بن جعفر، وأبو عامر الْعَقَديّ، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس صدوق، وليس بثبت. وقال أبو زرعة: هو أحبّ إليّ
стр. 7126
من يزيد بن عبد الملك النوفليّ. وقال حنبل عن أحمد: ثقةٌ ثقةٌ. وقال يعقوب بن شيبة: رأيت أحمد وابن معين يتناظران في ابن أبي ذئب والْمَخْرَمي، فقدّم أحمد المَخْرَميّ، فقال له يحيى: المَخْرَميّ شيخ، وليس عنده من الحديث بعض ما عند ابن أبي ذئب، وقدّمه على المخرميّ تقديمًا متفاوتًا، قال يعقوب: فقلت لابن المديني بعد ذلك: أيهما أحبّ إليك؟ قال: ابن أبي ذئب، وهو صاحب حديث، وأَيْش عند المخرميّ؟ والمخرميّ ثقةٌ، وقال ابن خراش: صدوق. وقال بكّار بن قُتيبة: ثنا أبو المطرّف، ثنا المخرمي، ثقةٌ. وقال البَرْقيّ: ثبت. وقال الترمذيّ: مدني ثقةٌ عند أهل الحديث، وقال في "العلل" عن محمد بن إسماعيل: صدوق ثقةٌ. وقال النسائيّ: عبد اللَّه بن جعفر هذا ليس به بأس، وعبد اللَّه بن جعفر بن نَجِيح والد عليّ ابن المدينيّ متروك الحديث، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وليس بابن جعفر المسكوت عنه -يعني المدائني الضعيف- وقال ابن حبّان: كان كثير الوهم، فاستحقّ الترك، كذا قال، وكأنه أراد غيره، فالتبس عليه.
وقال ابن سعد: كان من أكثر رجال أهل المدينة علمًا بالمغازي، والفتوى، ولم يزل يُؤمّل فيه أن يلي القضاء حتى مات، ولم يَلِهِ، قال محمد بن عمر: قال ابن أبي الزناد: لا أحسبه أقعده عن ذلك إلا خروجه مع محمد بن عبد اللَّه بن حسن، قال: ومات بالمدينة سنة (١٧٠) وكان له يوم مات بضع وسبعون سنة، وكذا أرّخه يعقوب بن شيبة.
عَلَّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٥٨٢) و (٩٦٦) و (١٣٦٤) و (١٦٨٤) و (١٧١٨).
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّد) بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٤) (خ م ت س) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨.
٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْد) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٦ - (أَبُوهُ) ابن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب الزُّهريّ، الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
стр. 7127
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل عن عامر.
٣ - (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃، وآخر من مات منهم، وأول من رَمَى بسهم في سبيل اللَّه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص ﵁ أنه (قَالَ: كُنْتُ أَرَى) بفتح الهمزة، مبنيًّا للفاعل: أي أُبصِر (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ) قال الطيبيّ ﵀: أي مُجاوزًا نظره عن يمينه، كما يُسلّم أحد على من في يمينه (وَعَنْ يَسَارِهِ) فيه مشروعيّة أن يكون التسليم إلى جهة اليمين، ثمّ إلى جهة اليسار (حَتَّى أَرَى) بالبناء للفاعل أيضًا (بَيَاضَ خَدِّهِ) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الدال المهملة، جمعه خُدُود، كفلس وفلُوس: وهو من الْمَحْجِرِ إلى اللَّحْي من الجانبين، قاله في "المصباح" (١).
وقال في "القاموس": الْخَدّتان، والْخُدّتان بالضمّ: ما جاوز مُؤَخَّرَ العينين إلى مُنتهى الشِّدْق، أو اللذان يَكتنِفَان الأنف عن يمين وشمال، أو من لدن الْمَحْجَرِ إلى اللَّحْي، مذَكَّر. انتهى (٢).
وقال الأبهريّ: معنى "بياض خدّه: أي وَجْنته الخاليةُ عن الشعر، وكان مُشْرَبًا بالحمرة. انتهى.
والمعنى حتى أرى بياض خدّه الأيمن في الأولى، والأيسر في الثانية، وفيه دليل على المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار.
وقال القاري في "شرح المشكاة": قوله: "بياض خدّه": أي صفحة وجهه، وهو كذا بصيغة الإفراد في النسخ المصحّحة، وجعل ابن حجر -يعني الهيتمي- "خدّيه" بصيغة التثنية أصلًا، ثم قال: وفي نسخة: "خدّه"، ولا تخالف بينهما؛ لأن معنى الأول: "حتى أرى بياض خدّه الأيمن في الأولى،
стр. 7128
والأيسر في الثانية"، بدليل حديث ابن مسعود ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يُسلّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة اللَّه، حتى يُرى بياض خدّه الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة اللَّه: حتى يُرى بياض خذه الأيسر" (١). انتهى (٢).
قال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور من السلف والخلف أنه يُسَنّ تسليمتان، وقال مالك، وطائفة: إنما تسنّ تسليمة واحدة، وتعلّقوا بأحاديث ضعيفة، لا تقاوم هذه الأحاديث الصحيحة، ولو ثبت شيء منها حُمِل على أنه فعل ذلك لبيان جواز الاقتصار على تسليمة واحدة.
وأجمع العلماء الذين يُعتدّ بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإن سَلّم واحدةً استُحِبّ له أن يسلّمها تلقاء وجهه، وإن سلّم تسليمتين جَعَل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره، ويلتفت في كلّ تسليمة حتى يَرَى مَن عن جانبه خدّه، هذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: حتى يَرَى خدَّيه مَن عن جانبه، ولو سلّم التسليمتين عن يمينه، أو عن يساره، أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن يساره، والثانية عن يمينه صحّت صلاته، وحصلت التسليمتان، ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما. انتهى.
وقد تقدّم تحقيق الخلاف بين العلماء في حكم التسليمتين، وأدلتهم في مسائل الحديث الماضي، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٣١٨] (٥٨٢)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣١٦ و ١٣١٧) و"الكبرى" (١٢٣٩ و ١٢٤٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"
стр. 7129
(٩١٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٧٢ و ١/ ١٨٠ و ١/ ١٨٦)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٤٤)، و (الدارمي) في "سننه" (١٣٥٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٢٦ و ٧٢٧ و ١٧١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٩٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٦ و ٢٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٧٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٩٨)، واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]: أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٣٥٩ رقم ٧٢٦) من طريق ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: "رأيت النبيّ ﷺ يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرَى بياض خدّه".
فقال الزهريّ: لم نَسْمَع هذا من حديث رسول اللَّه ﷺ ، فقال إسماعيل: أكلَّ حديث النبيّ ﷺ سمعت؟ قال: لا، قال: والثلثين؟ قال: لا، قال: فالنصف؟ قال: لا، قال: فهذا في النصف الذي لم تَسْمَع. انتهى.
وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" (٥/ ٣٣١ - ٣٣٣ رقم ١٩٩٢)، وفي سنده مصعب بن ثابت، قال عنه في "التقريب": ليّن الحديث، وكان عابدًا.
وبقيّة مسائل الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٣) - (بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣١٩] (٥٨٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي بِذَا أَبُو مَعْبَدٍ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ بَعْدُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ).
стр. 7130
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الْجُمَحِيّ مولاهم المكي، ثقةٌ ثبت [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (أَبُو مَعْبَدٍ) اسمه: نافذ -بفاء، فمعجمة- مولى ابن عباس - المكيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه الحبر البحر ﵄، مات (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
[تنبيه]: قوله: (أَخْبَرَنِي بِذَا أَبُو مَعْبَدٍ) قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀: في نسخة أبي العلاء بن ماهان: "سفيان بن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني جدّي أبو معبد"، هكذا في نسخة الأشعريّ، وابن الحذّاء، عن ابن ماهان.
وقوله: "جدّي" تصحيف، وإنما صوابه: "أخبرني بذا"، يريد بهذا، وليس لعمرو بن دينار جدّ يَروي عنه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي شرح الحديث، وبيان مسائله في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا كنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي مَعْبَدٍ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا، قَالَ عَمْرٌو: وَقَدْ أَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ).
стр. 7131
رجال هذا الإسناد: خمسة أيضًا:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيّين، سوى شيخه الأول، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن أبي معبد.
٥ - (ومنها): أن فيه ابنَ عباس ﵄ أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم، والموحدة، بينهما عين، فدال مهملتان (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ سَمِعَهُ) الضمير الأول لعمرو بن دينار، والثاني لأبي معبد، يعني أن عمرو بن دينار سمع أبا معبد، حال كونه (يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: مَا) نافية (كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ) أي بسماعنا لتكبير المصلّين بعد سلامهم من الصلاة، حيث إنهم يجهرون به.
رواية المصنّف هذه فيها الحصر، ومثلها رواية النسائيّ بلفظ: "إنما كنتُ أعلم انقضاء صلاة رسول اللَّه ﷺ بالتكبير".
وفي الرواية التالية من طريق ابن جُريج، عن عمرو: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبيّ ﷺ "، قال ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك، إذا سمعته".
والرواية الأولى أخصّ من رواية ابن جريج هذه؛ لأن الذكر أعمّ من التكبير، ويَحْتَمِل أن تكون مفسّرة لها، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر أي
стр. 7132
بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد (١)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل -إن شاء اللَّه تعالى-.
واختُلف في كون ابن عبّاس ﵄ قال ذلك، فقال القاضي عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك، ولا يُلزَم به، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون حاضرًا في أواخر الصفوف، فكان لا يَعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير.
(قَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي الحديث المذكور (لِأَبِي مَعْبَدٍ) ولعله ذكره ليحدّثه مرّةً ثانيةً، أو لأمر آخر (فَأَنْكَرَهُ) أي أنكر أبو معبد كون هذا الحديث من حديثه (وَقَالَ) أبو معبد (لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا) فيه أنه مما نسيه أبو معبد (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار (وَقَدْ أَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ) يعني أنه نسيه بعدما كان سمعه عن ابن عبّاس ﵄، وحدّث به عمرًا.
وفي رواية الحميديّ في "مسنده": "قال عمرو: فذكرت بعد ذلك لأبي معبد، فأنكره، وقال: لم أحدّثك به، فقلت: بلى قد حدّثتنيه قبل هذا، قال سفيان: كأنه خَشِي على نفسه".
وقال الشافعيّ في "المسند" (١/ ٩٥) بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نَسيه بعدما حدّثه إياه (٢).
وفي إنكار الشيخ على الراوي تحديثه له اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ١٣٢٠ و ١٣٢١] (٥٨٣)، و (البخاريّ) في
стр. 7133
"الأذان" (٨٤٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٠٢)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٣٥) وفي "الكبرى" (١٢٥٨)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٤)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٢٢٥)، و (الحميدي) في "مسنده" (٤٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٢ و ٣٦٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٠٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٣٢)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١٢٢٠٠ و ١٢٢١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال الطبريّ ﵀: فيه إبانة عن صحّة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة.
وتعقّبه ابن بطاّل بأنه لم يَقِف على ذلك عن أحد من السلف، إلا ما حكاه ابن حبيب في "الواضحة" أنهم كانوا يستحبّون التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء تكبيرًا عاليًا ثلاثًا، قال: وهو قديم من شأن الناس.
قال ابن بطاّل: وفي "العتبية" عن مالك أن ذلك مُحدَث.
قال: وفي السياق إشعار بأن الصحابة لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذكر في الوقت الذي قال فيه ابن عباس ما قال.
قال الحافظ: في التقييد بالصحابة نظرٌ، بل لم يكن حينئذ من الصحابة إلا القليل.
وقال النوويّ: حَمَلَ الشافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتًا يَسِيرًا لأجل تعليم صفة الذكر، لا أنهم داوموا على الجهر به. والمختار أن الإمام والمأموم يُخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في كون الإخفاء هو المختارَ مع صحة أحاديث الجهر بالذكر نظرٌ لا يخفى، بل قول ابن عبّاس ﵄: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد النبيّ ﷺ " ظاهر في كونه مستمرًّا، وسياتي تحقيق هذا في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
стр. 7134
٢ - (ومنها): أن قوله: "كان على عهد رسول اللَّه ﷺ " أن مثل هذا عند الشيخين له حكم الرفع، خلافًا لمن شذّ، ومنع ذلك، ومذهب الجمهور على ذلك، كما قاله في "الفتح" (١).
٣ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀: يُؤخذ منه أنه لم يكن هناك مُبَلّغ جهير الصوت، يُسمِع مَن بَعُدَ. انتهى.
٤ - (ومنها): أن في قول عمرو بن دينار ﵀: "فذكرت ذلك لأبي معبد، فأنكره. . . إلخ" دليلًا على أن البخاريّ ومسلمًا يذهبان إلى صحة الحديث الذي يُروَى على هذا الوجه مع إنكار المحدّث له، إذا حدّث به عنه ثقة.
قال النوويّ ﵀: وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، قالوا: يُحتجّ به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكُّكه فيه، أو لنسيانه، أو قال: لا أحفظه، أو لا أذكر أني حدّثتك به، ونحو ذلك، وخالفهم الكرخيّ من أصحاب أبي حنيفة ﵀، فقال: لا يُحتجّ به.
فأما إذا أنكره إنكارًا جازمًا قاطعًا بتكذيب الراوي عنه، وأنه لم يحدِّثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج به عند جميعهم؛ لأن جزم كلّ واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل، فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يَقْدَحُ ذلك في باقي أحاديث الراوي؛ لأنا لم نتحقق كذبه. انتهى كلام النوويّ ﵀.
وقال في "الفتح": "قال الشافعيّ بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نسيه بعد أن حدّثه به". انتهى.
وهذا يدلّ على أن مسلمًا كان يرى صحة الحديث، ولو أنكره راويه، إذا كان الناقل عنه عدلًا.
ولأهل الحديث فيه تفصيل: قالوا: إما أن يَجْزِم، أو لَا، وإذا جزم، فإما أن يصرّح بتكذيب الراوي عنه، أو لا، فإن لم يجزم بالرّدّ، كأن قال: لا أذكره، فهو مُتَّفق على قبوله؛ لأن الفرع ثقة، والأصل لم يَطعَن فيه، وإن جزم، وصرّح بالتكذيب، فهو متَّفق عندهم على ردّه؛ لأن جزم الفرع بكون الأصل
стр. 7135
حدّثه يستلزم تكذيب الأصل في دعواه أنه كَذَب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، وإن جزم بالردّ، ولم يصرّح بالتكذيب، فالراجح عندهم قبوله.
وأما الفقهاء فاختلفوا، فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول، وعن بعض الحنفيّة، ورواية عن أحمد لا يُقبل، قياسًا على الشاهد.
وللإمام فخر الدين في هذه المسألة تفصيل نحو ما تقدّم، وزاد: فإن كان الفرع متردّدًا في سماعه، والأصل جازمًا بعدمه سقط؛ لوجود التعارض.
ومحصّل كلامه آنفًا أنهما إن تساويا فالرّدّ، وإن رُجِّح أحدُهما عُمل به.
وهذا الحديث من أمثلته.
وأبعَدَ مَن قال: إنما نَفَى أبو معبد التحديث، ولا يلزم منه نفي الإخبار، وهو الذي وقع من عمرو، ولا مخالفة، وتردّه الرواية التي فيها: "فأنكره"، ولو كان كما زعم لم يكن هناك إنكار، ولأن التفرقة بين التحديث والإخبار إنما حدث بعد ذلك، وفي كتب الأصول حكاية الخلاف في هذه المسألة عن الحنفية. انتهى (١).
وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث" حيث قال:
وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحْ … إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ
أَوْ قَالَ لَا أَذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا … كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية الجهر بالذكر:
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث دليل لما قاله بعض السلف: إنه يستحبّ رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبّه من المتأخرين ابن حزم الظاهريّ، ونقل ابن بطال، وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الاتّفاق المذكور غير صحيحة،
стр. 7136
وسيتبيّن لك بطلانها في كلام الحافظ ابن رجب ﵀، حيث ينقل عن الإمام أحمد وغيره مشروعيةَ الجهر، فتبصر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، وباللَّه تعالى التوفيق.
قال: وحَمَل الشافعيّ ﵀ هذا الحديث على أنه جَهَر وقتًا يسيرًا حتى يُعلّمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا به دائمًا، فاختار للإمام والمأموم أن يذكرا اللَّه تعالى بعد الفراغ من الصلاة، ويُخْفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا يريد أن يُتَعلّم منه، فيجهر حتى يَعلَم أنه قد تُعُلِّم منه، ثمّ يُسرّ، وحَمَلَ الحديث على هذا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن الشافعيّ ﵀ من حمله هذا الحديث على وقت يسير، فيه نظرٌ لا يخفى، فإن من تأمّل قول ابن عبّاس ﵄: "إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان في عهد رسول اللَّه ﷺ "، يظهر ضعف هذا التأويل، فإن ابن عبّاس ﵄ من أهل اللغة، فتعبيره بهذا الأسلوب ظاهر في الاستمرار، لا أنه حصل وقتًا يسيرًا، ثم انقطع، فتأمله بالإنصاف.
وقال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀: [مسألة]: ورفعُ الصوت بالتكبير إثر كلّ صلاة حسن.
ثم استَدَلّ بحديث ابن عباس ﵄ المذكور، ثم قال: فإن قيل: قد نَسِي أبو معبد هذا الحديث، وأنكره.
قلنا: فكان ماذا؟، عمرو أوثق الثقات، والنسيان لا يَعرَى منه آدميّ، والحجّة قد قامت برواية الثقة. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد دلّ حديث ابن عبّاس ﵄ على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة.
وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل الظاهر، وحُكي عن أكثر العلماء خلافُ ذلك، وأن الأفضل الإسرار بالذكر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٥]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
стр. 7137
وَخُفْيَةً﴾ الآية [الأعراف: ٥٥]، ولقول النبيّ ﷺ لمن جهر بالذكر من أصحابه: "إنكم لا تَدْعُون أصمّ، ولا غائبًا. . . " الحديث. متفق عليه.
ثم ذكر كلام الشافعيّ ﵀ المتقدّم، ثم قال: وكذلك ذكر أصحابه، وذكر بعض أصحابنا -يعني الحنابلة- مثل ذلك أيضًا، ولهم وجه آخر أنه يكره الجهر به مطلقًا.
وقال القاضي أبو يعلى في "الجامع الكبير": ظاهر كلام أحمد أنه يُسنّ للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات، بحيث يُسمِع المأمومَ، ولا يزيد على ذلك، وذَكَرَ عن أحمد نصوصًا تدلّ على أنه كان يجهر ببعض الذكر، ويُسرّ بالدعاء.
وهذا هو الأظهر، وأنه لا يختص ذلك بالإمام، فإن حديث ابن عبّاس هذا ظاهره يدلّ على جهر المأمومين أيضًا.
ويدلّ عليه أيضًا ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث ابن الزبير ﵄ أنه كان يقول في دبر كلّ صلاة حين يُسلّم: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوّة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة والفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون"، وقال: كان رسول اللَّه ﷺ يُهلّ بهنّ في دبر كلّ صلاة.
ومعنى يُهلّ: يرفع صوته، ومنه الإهلال في الحجّ، وهو رفع الصوت بالتلبية، واستهلال الصبي إذا وُلد.
وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يجهرون بالذكر عقب الصلوات، حتى يسمع من يليه.
فأخرج النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" من رواية عون بن عبد اللَّه بن عُتبة، قال: صلّى رجل إلى جنب عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فسمعه حين سلّم يقول: "أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، ثم صلّى إلى جنب عبد اللَّه بن عُمر، فسمعه حين سلّم يقول مثل ذلك، فضحك الرجل، فقال له ابن عمر: ما أضحكك؟ قال: إني صلّيت إلى جنب عبد اللَّه بن عمرو، فسمعته يقول مثل ما قلت، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك.
стр. 7138
وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر، فإنما المراد به المبالغة في رفع الصوت، فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته "لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر"، فقال لهم النبيّ ﷺ : "اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تنادون أصمّ، ولا غائبًا"، وأشار إليهم بيده يُسكّتهم، ويخفّضهم، وقد أخرجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ.
وقال عطية بن قيس: كان الناس يذكرون اللَّه عند غروب الشمس يرفعون أصواتهم بالذكر، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن كرروا الذكر، أخرجه جعفر الفريابي في "كتاب الذكر"، وأخرج أيضًا من رواية ابن لهيعة، عن زُهْرَة بن معبد، قال: رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاءين كبّر حتى يبلغ منزله، ويرفع صوته.
وروى محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ أن رجلًا كان يرفع صوته بالذكر، فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعه، فإنه أوّاه".
وهذا يدلّ على أنه يُحتَمَلُ ذلك ممن عُرف صدقه وإخلاصه دون غيره.
وأخرج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال لرجل يقال له ذو البجادين: "إنه أوّاه"، وذلك أنه رجل كان كثير الذكر للَّه في القرآن، ويرفع صوته في الدعاء، وفي إسناده ابن لهيعة.
وقال الأوزاعيّ في التكبير في الْحَرس في سبيل اللَّه: أحبّ إليّ أن يذكر اللَّه في نفسه، وإن رفع صوته فلا بأس.
فأما قول ابن سيرين: يكره رفع الصوت إلا في موضعين: الأذان، والتلبية، فالمراد به -واللَّه أعلم- المبالغة في الرفع كرفع المؤذن والملبّي.
وقد رُوي رفع الصوت بالذكر في مواضع، كالخروج إلى العيدين، وأيام العشر، وأيام التشريق بمنى.
وأما الدعاء فالسنة إخفاؤه.
ففي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآية [الإسراء: ١١٠] أنها نزلت في الدعاء.
وكذا روي عن ابن عباس، وأبي هريرة ﵃، وعن سعيد بنْ جُبير، وعطاء، وعكرمة، وعروة، ومجاهد، وإبراهيم، وغيرهم.
стр. 7139
وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يُسرّ دعاءه لهذه الآية، قال: وكان يُكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء.
وقال سعيد بن المسيب: أحدث الناس الصوت عند الدعاء، وكرهه مجاهد وغيره.
ورَوَى وكيع عن الربيع، عن الحسن، والربيعُ عن يزيد بن أبان، عن أنس أنهما كرها أن يُسمع الرجل جليسه شيئًا من دعائه.
وورد فيه رخصة من وجه لا يصح.
أخرجه الطبراني من رواية أبي موسى: كان نبي اللَّه ﷺ إذا صلّى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه، يقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري" -ثلاث مرّات- "اللهم أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي" -ثلاث مرّات- "اللهم أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي" -ثلاث مرّات-، وذكر دعاء آخر.
وفي إسناده يزيد بن عياض متروك الحديث، وإسحاق بن طلحة ضعيف.
فأما الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن البراء بن عازب ﵄ قال: كنا إذا صلّينا خلف رسول اللَّه ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه ليُقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: "ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك".
فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك، حتى يسمعه الناس، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه أحيانًا جليسه كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحيانًا في صلاة النهار.
ورَوَى هلال بن يساف، عن زاذان، حدثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في دبر الصلاة: "اللهم اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الغفور" مائة مرّة. أخرجه ابن أبي شيبة (١)، وعنه بقيّ بن مخلد في "مسنده". انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر في كلام الحافظ ابن
стр. 7140
رجب ﵀، وكذا ما تقدم من كلام ابن حزم: أن الصواب هو الذي ذهب إليه أحمد، وبعض السلف، من أن رفع الذكر بعد الصلاة مستحبّ، وأن القول بكراهة ذلك مع صحة الأدلّة، ولا سيما حديث ابن عباس ﵄ المذكور في الباب مما لا وجه له، وأن دعوى اتّفاق أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم على عدم القول به من الدعاوي الباطلة.
فهذا الإمام أحمد ﵀ قد عرفتَ قولَه بالاستحباب، أليس هو من أصحاب المذاهب المتبوعة؟ إن هذا لشيء عجيب!!.
وأنه لا دليل لمن حَمَل حديث ابن عباس ﵄ على أن الجهر كان وقتًا يسيرًا للتعليم، كما لا دليل لمن ادَّعَى أن الجهر بالتأمين كان لأجل التعليم.
وهذا ابن عباس ﵄ من أعلم الناس بالسنّة يخبرنا إخبارًا مطلقًا، دون أن يقيده بوقت دون وقت، وأيضًا فإن فيه لفظة "كان" المشعرة بالمداومة والمواظبة.
والحاصل أن أكثر عمل النبيّ ﷺ وأصحابه قد كان على رفع الصوت بالتكبير عقب المكتوبة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ).
стр. 7141
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضل ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ فقيهٌ، يدلّ ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ) الْكوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٤) - (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ جَهَنَّمَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٢] (٥٨٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ"، قَالَتْ
стр. 7142
عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر الأَيْليّ، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الفقيه المشهور، أبو بكر المدنيّ، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٤.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7143
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ) وفي رواية النسائيّ: "دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئًا، فوهبت لها عائشة. . . "، وفي رواية المصنّف من طريق مسروق، عن عائشة ﵂ الآتية بعد حديث: "قالت: دخلت عليّ عجوزان من عجوز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم. . . ".
ولا تنافي بين الروايتين، إذ يمكن أن إحداهما تكلّمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنَسَبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحْمَل على المتكلّمة، أفاده الحافظ ﵀، وقال: لم أقف على اسم واحدة منهما.
(وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ) يَحْتمل أن يكون للمسلمين، ويَحْتمل أن يكون لهم ولسائر الناس، وهذا أولى؛ لأنه يدلّ عليه الحديث الآتي بلفظ: "أن أهل القبور يُعذّبون في قبورهم" (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟) أي تعذّبون فيها، قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، قال القاضي عياض ﵀: استعمالها في العرف لكشف الحال المكروه. انتهى. وتُطلق أيضًا على القتل، والإحراق، والنميمة، والتعذيب.
وإنما نُسبت الفتنة إلى القبر؛ لكون الغالب على الموتى أن يُقبَروا، وإلا فالعذاب يقع على من شاء اللَّه تعالى تعذيبه بعد موته، ولو لم يُدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق، لا يسمعه إلا البهائم، كما جاء في الحديث.
(قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) من الارتياع: وهو الفَزَع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبر، لم يَسبِق له به علمٌ، ويكون شنيعًا منكرًا، ثم ردّه (وَقَالَ: "إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ") أي إنما تُفتن في قبورها يهود، لا المسلمون، وهذا قاله بناءً على أنه لم يوحَ إليه قبل ذلك، ومقتضى الظاهر أنه لو كان لأُوحي إليه، فليس هذا من باب الإنكار بمجرد عدم الدليل، بل لقيام أمارةٍ ما على العدم أيضًا، وفيه أنه يجوز إنكار ما لا يثبت إلا بدليل، إذا لم يقم عليه دليل، وظهر أمارةٌ ما على عدمه، وإن كان حقًّا، ولا إثم بإنكاره،
стр. 7144
قاله السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ" (١).
وفي هذه الرواية أنكر النبيّ ﷺ على اليهودية، وفي رواية مسروق عن عائشة الآتية: "فقال: صدقتا. . . "، وفي رواية للنسائيّ: "نعم عذاب القبر حقّ"، أقرّها على ما قالت، وبين الروايتين اختلاف.
وأجاب النوويّ تبعًا للطحاويّ وغيره، بأنهما قصتان، فأنكر النبيّ ﷺ قول اليهودية في الأولى، ثم أُعلِمَ النبيُّ ﷺ بذلك، ولم يُعلِم عائشةَ، فجاءت اليهودية مرّة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ ﷺ بأن الوحي نزل بإثباته، انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وبهذا يجاب أيضًا ما سيأتي في قصة العجوزين أنه ﷺ قال: "صدقتا. . . إلخ".
وأصرح من رواية الباب في إنكار النبيّ ﷺ على اليهودية عذاب القبر، ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأمويّ، عن عائشة، أن يهودية كانت تخدُمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا، من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك اللَّه عذاب القبر، قالت: فدخل رسول اللَّه ﷺ عليّ، فقلت: يا رسول اللَّه، هل للقبر عذاب، قبل يوم القيامة؟، قال: "لا، وعَمَّ ذاك؟ "، قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها من المعروف شيئًا، إلا قالت: وقاك اللَّه عذاب القبر، قال: "كذبت يهود، وهم على اللَّه كذُبٌ، لا عذاب دون يوم القيامة"، قالت: ثم مكث بعد ذاك، ما شاء اللَّه أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، مشتملًا بثوبه، مُحْمَرّةً عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: "أيها الناس أظلتكم الفتن، كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرًا، وضحكتم قليلًا، أيها الناس، استعيذوا باللَّه، من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق".
قال الحافظ ﵀: وفي هذا كله أنه ﷺ -إنما عَلِم بحكم عذاب القبر، إذ هو بالمدينة في آخر الأمر، كما سيأتي تاريخ صلاة الكسوف في موضعه.
وقد استُشكل ذلك بأن الآية المتقدّمة مكيّة، وهي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ
стр. 7145
الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وكذلك الآية الأخرى المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].
والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم، من حقّ من لم يتّصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان في حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ ﷺ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحّدين، ثم عَلِم ﷺ أن ذلك قد يقع على من يشاء اللَّه منهم، فجزم به، وحذّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه، تعليمًا لأمته، وإرشادًا، فانتفى التعارض -بحمد اللَّه تعالى- انتهى (١).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ شَعَرْتِ) أيٍ عَلِمتِ، يقال: "شَعَرتُ بالشيء شُعُورًا، من باب قَعَدَ وشِعْرًا، وشِعْرةً بكسرهما: عَلِمْتُ" (٢). (أَنَّهُ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موقع المصدر؛ لوقوعها مفعولًا به لـ "شعرت"، والهاء ضمير الشأن، وهو ما تفسّره جملة بعده (أُوحِيَ إِلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة أيضًا؛ لما ذكرته آنفًا، والخطاب للمسلمين (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ ") أي كما تُفتَن اليهود في قبورها، قال في "النهاية": يريد بالفتنة مسألة منكر ونكير، وهو من الفتنة، وهي الامتحان والاختبار. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: المراد عذاب القبر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [البروج: ١٠]، والفتنة تتصرّف على وجوه، وأصلها الاختبار. انتهى (٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأولى تفسير الفتنة هنا بما يعمّ سؤال الملكين، وعذاب القبر؛ لثبوت ذلك عن النبيّ ﷺ .
فأما تفسيره بسؤال الملكين، فقد أخرجه الشيخان من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄، مرفوعًا: "ولقد أُوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثلَ أو قريب من فتنة الدجال، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، يؤتى أحدكم، فيقال له: ما