هذا فالخلاف في ذلك وقع بين الصحابة، لكن بَيَّن مسلم في رواية ابن عجلان، عن سُمَيّ أن القائل: "فاختلفنا" هو سُمَيّ، وأنه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأن الذي خالفه بعض أهله. انتهى.
وقوله: "وتكبر أربعًا وثلاثين" هو قول بعض أهل سُميّ كما تقدم التنبيه عليه، من رواية مسلم، وقد تقدم احتمال كونه من كلام بعض الصحابة، وقد جاء مثله في حديث أبي الدرداء، عند النسائيّ، وكذا عنده من حديث ابن عمر بسند قويّ، ومثله لمسلم من حديث كعب بن عُجرة، ونحوه لابن ماجه، من حديث أبي ذَرّ، لكن شك بعض رواته في أنهنّ أربع وثلاثون، ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، عند أبي داود، ففيه: "ويختم المائة بلا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ"، وكذا لمسلم في رواية عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أمّ الْحَكَم، ولجعفر الفريابيّ في حديث أبي ذرّ.
قال النوويّ ﵀: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين، ويقول معها: "لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ".
وقال غيره: بل يَجمع بأن يَختم مرةً بزيادة تكبيرة، ومرةً بـ "لا إله إلا اللَّه"، على وفق ما وردت به الأحاديث. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الأخير هو المتعيّن في وجه الجمع، وأما ما قاله النوويّ ففيه خروج عن التعليم النبويّ.
والحاصل أن الصواب أنه يكبّر. تارةً أربعًا وثلاثين، فتكون التكبيرة تمام المائة، ويكبّر أحيانًا ثلاثًا وثلاثين، ويختم المائة بـ "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ"، كما ورد التعليم النبويّ بكلّ منهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(إِنَّمَا قَالَ) أي أبو صالح، وفي نسخة: "إنما قال لك" ("تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) وفي نسخة: "ثلاثًا وثلاثين مرّةً" (وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ") هذا في رواية المصنّف، والذي عند البخاريّ: "وتكبّر أربعًا وثلاثين"، كما سبق آنفًا.
(فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ) أي ذكرت له اختلافنا فيه (فَأَخَذَ
стр. 7247
بِيَدِي، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ) ولفظ البخاريّ: "فقال: تقول: "سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر" حتى يكون منهنّ كلِّهِنّ ثلاث وثلاثون".
قال ابن الملقّن ﵀: ظاهره أنه يقول: اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، ثلاثًا وثلاثين مرّة، وظاهر الحديث أنه يُسبّح ثلاثًا وثلاثين مستقلّةً، ثم يَحْمَد كذلك، ثم يُكبّر كذلك، وهو ظاهر جميع روايات الحديث، قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي صالح. انتهى (١).
(قَالَ) وفي نسخة: "وقال" بالواو (ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ) بالبناء للفاعل (بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، وفتح الواو- ابن جَرْوَل (٢)، ويقال: جَنْدَل بن الأحنف بن السِّمْط بن امرئ القيس بن عمرو الكِنْديّ، أبو المِقْدام، ويقال: أبو نَصْر الْفِلَسطينيّ، يقال: إن لجده صحبةً، ثقةٌ فقيهٌ، من الطبقة الثالثة.
أرسل عن معاذ بن جبل، ورَوَى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعديّ بن عَمِيرة، وعبادة بن الصامت، وعبد الرحمن بن غَنْم، ومعاوية، والنوّاس بن سَمْعان، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي أمامة، والْمِسْوَر بن مَخْرمة، وقَبِيصة بن ذُؤَيب، وأبي صالح السمان، وورّاد كاتب المغيرة، وخلق.
ورَوَى عنه عديّ بن عديّ بن عَمِيرة الكِنديّ، وابن عجلان، وثور بن يزيد، وابن عون، ومَطَر الورّاق، والزهريّ، ومحمد بن جُحادة، وابنه عاصم بن رجاء، وحميد الطويل، وغيرهم.
قال أبو مسهر: كان من مدينةٍ يقال لها: بيسان، ثم انتقل إلى فلسطين، وقال ابن سعد: كان ثقةً فاضلًا كثير العلم، وقال العجليّ، والنسائيّ: شاميّ
стр. 7248
ثقةٌ، وقال يحيى بن حمزة، عن موسى بن يسار: كان رجاء بن حيوة، وعديّ بن عديّ، ومكحول في المسجد، فسأل رجل مكحولًا مسألة، فقال مكحولٌ: سَلُوا شيخنا وسيدنا، رجاء بن حيوة، وقال ضمرة، عن ابن شَوْذَب، عن مَطَر الورّاق: ما لقيت شاميًّا أفضل -وفي رواية: أفقه- من رجاء بن حيوة، إلا أنه إذا حركته وجدته شاميًّا، وقال الأصمعيّ عن ابن عون: رأيت ثلاثةً ما رأيت مثلهم: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بالشام، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الشام، وفقهائهم، وزهادهم، وقال أحمد بن حنبل: لم يَلْقَ رجاء وَرّادًا كاتب المغيرة، وكذا حَكَى الترمذيّ عن السخاويّ وأبي زرعة. قال الحافظ: وروايته عن أبي الدرداء مرسلة.
قال خليفة بن خياط، وسليمان بن عبد الرحمن، وغير واحد: مات سنة (١١٢).
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، في هذا الموضع فقط، والأربعة.
(فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ) أي بمثل ما حدّثه سميّ، ولفظ أبي عوانة: "فقال محمد بن عجلان: فذكرت ذلك لرجاء بن حيوة، فحدّثني بمثلها، عن أبي صالح، وقال: صدق سُميّ". انتهى (١). (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) السمّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
[تنبيه]: رواية ابن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة هذه ساقها الطبرانيّ ﵀ في "المعجم الأوسط"، فقال:
(٥٣١٠) حدّثنا محمد بن عليّ بن الصبّاح البغداديّ، قال: حدّثنا هانئ بن المتوكل الإسكندرانيّ، حدّثنا حيوة بن شُرَيح، عن محمد بن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة، وسُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: أتى فقراء المسلمين رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا رسول اللَّه، ذَهَب ذوو الأموال بالدرجات، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويَحُجُّون كما نَحُجّ، ولهم فضول أموال يتصدقون منها، وليس لنا ما نتصدق، فقال: "ألا أدلكم
стр. 7249
على أمر إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم، ولم يَلْحَقكم مَن خَلَفَكم، إلا مَن عَمِل بمثل ما عملتم؟ تسبحون اللَّه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثًا وثلاثين، وتكبروه (١) أربعًا وثلاثين"، فبلغ ذلك الأغنياءَ، فقالوا مثل ما قالوا، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ، فأخبروه، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء". انتهى (٢).
وساقها أيضًا في "المعجم الصغير"، وقال في آخرها: لم يروه عن رجاء إلا ابنُ عجلان. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه.
[تنبيه]: تكلّم الرشيد العطّار ﵀ في رواية المصنّف هذه، فقال في كتابه "غرر الفوائد" (١/ ٣٠١) بعد أن ساق رواية المصنّف هذه بنصّها:
هكذا أورده مسلم، وهو حديثٌ بعضه مسندٌ، وبعضه مرسلٌ، والمرسل منه قول أبي صالح: "فرجع فقراء المهاجرين. . . " إلى آخره؛ لأن أبا صالح لم يُسنِده.
وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ولم يذكر فيه هذه الزيادة من قول أبي صالح، إلا أن مسلمًا ﵀ قد أخرجه من وجه آخر، عن أبي صالح -يعني الرواية التالية- وفيه هذه الزيادة متصلةً مع سائر الحديث، فأخرجه من حديث رَوْح بن عُبَادة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ ، وقال في آخره: بمثل حديث قتيبة، عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين. . . إلى آخر الحديث. انتهى كلام مسلم ﵀.
стр. 7250
قال الرشيد ﵀: فقد اتّصل ما في هذا الحديث من المرسل من هذا الوجه الآخر الذي ذكرناه، والحمد للَّه.
قال: ووقع في آخر هذا الحديث أيضًا زيادة أوردها مسلم غير متصلة، وهي قوله بعد انقضائه: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث، عن الليث، عن ابن عجلان، قال سُمَيّ: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وَهِمْتَ، وذكر باقي الحديث، وهذا غير متصل كما ترى. انتهى كلام الرشيد العطّار ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "فقد اتّصل. . . إلخ" هذا الذي اعتبره الرشيد العطّار ﵀ متّصلًا من رواية سهيل، عن أبيه لا يراه الحافظ متّصلًا؛ لأنه ذكر فيه قول أبي صالح مدرجًا، ونصّه في "الفتح": زاد مسلم في رواية ابن عجلان، عن سُميّ: "قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه. . . إلخ"، ثم ساقه مسلم من رواية رَوْح بن القاسم، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذَكَرَ طَرَفًا منه، ثم قال بمثل حديث قتيبة، قال: إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قولَ أبي صالح: "فرجع فقراء المهاجرين. . . إلخ".
قال الحافظ: وكذا رواه أبو معاوية، عن سهيل مُدرجًا، أخرجه جعفر الفريابيّ، وتبين بهذا أن الزيادة المذكورة مرسلةٌ.
وقد رَوَى الحديث البزار من حديث ابن عمر ﵄، وفيه: "فرَجَع الفقراء. . . "، فذكره موصولًا، لكن إسناده ضعيفٌ، ورواه جعفر الفريابيّ من رواية حَرَام بن حكيم -وهو بحاء، وراء مهملتين- عن أبي ذرّ ﵁، وقال فيه: فقال أبو ذرّ: يا رسول اللَّه، إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء".
ونَقَلَ الخطيب أن حرام بن حكيم يُرسل الرواية عن أبي ذرّ ﵁، فعلى هذا لم يصح بهذه الزيادة إسناد، إلا أن هذين الطريقين يَقْوَى بهما مُرسل أبي صالح. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢).
стр. 7251
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن قول أبي صالح: "فرجع فقراء المهاجرين. . . إلخ" مرسل، وليس متّصلًا كما زعمه الرشيد العطّار، مستدلًّا برواية سهيل التالية، بل فيها إدراج قول أبي صالح كما أرشد إليه المصنّف في كلامه الآتي، لكن هذا المرسل يتقوّى بالطريقين اللذين ذكرهما الحافظ، كما بيّنه في كلامه المذكور آنفًا، فتبصّر.
وأما قوله: "وزاد غير قتيبة. . . إلخ" فلم أجد من وصله، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في "تخريجه":
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٥٠ و ١٣٥١] (٥٩٥)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٤٣) و"الدعوات" (٦٣٢٩)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١٤٥ و ١٤٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٤٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠١٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٨٥ و ٢٠٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٢٠ و ١٣٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٧ و ٧٢٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الذكر عقب الصلوات، واستدلّ به البخاريّ ﵀ على فضل الدعاء عقب الصلاة؛ لأنه في معناها، ولأنها أوقات فاضلة، يُرتَجَى فيها إجابة الدعاء.
٢ - (ومنها): بيان جواز الغِبْطَة، وهي تمنّي مِثْلِ ما للغير من النعمة دون زوالها عنه، بخلاف الْحَسَد، فإنه تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، سواء تمناها لنفسه، أو لا، وقيل: مع تمنيها، وهو مذموم.
٣ - (ومنها): استحباب المسابقة إلى الأعمال المحصّلة للدرجات العالية؛ لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بَلَغَهم، ولم ينكر عليهم النبيّ ﷺ .
٤ - (ومنها): بيان أن العمل اليسير في الصورة قد يُدْرِك به صاحبه فضل العمل الشاقّ الذي يلحقه من بعده في الفضل ممن لا يعمل به.
٥ - (ومنها): بيان أن العمل القاصر قد يُساوي المتعدّيَ، خلافًا لمن
стр. 7252
قال: إن المتعدي أفضل مطلقًا، نبّه على ذلك الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام ﵀.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال ﵀: في هذه الأحاديث الحضّ على الذكر في أدبار الصلوات، وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة اللَّه تعالى؛ لقوله ﷺ : "تُدركون من سبقكم"، وسُئل الأوزاعيّ ﵀: هل الذكر بعد الصلاة أفضل، أم تلاوة القرآن؟، فقال: ليس شيء يَعدِل القرآن، ولكن كان هدي السلف الذكر.
٧ - (ومنها): بيان أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخَّر عنها إلى أن تصلَّى الراتبة؛ لقوله: "دُبُر كلّ صلاة".
٨ - (ومنها): بيان أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة يُرجى فيها إجابة الدعوات، وقبول الطاعات، ويَصِل بها متعاطيها إلى الدرجات العالية، والمنازل الغالية.
٩ - (ومنها): بيان أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف يُجيب بما يَلْحَق به المفضول درجة الفاضل، ولا يُجيب بنفس الفاضل؛ لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بطّال، وكأنه أخذه من كونه ﷺ أجاب بقوله: "ألا أدلّكم على أمر تساوونهم فيه"، وعَدَل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك.
١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب ﵀: في الحديث دليلٌ على قوّة رغبة الصحابة ﵃ في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى، والنعيم المقيم، فكانوا يَحْزنون على العجز عن شيء مما يَقدِر عليه غيرهم من ذلك، وقد وصفهم اللَّه في كتابه بذلك بقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢].
ولهذا قال النبيّ ﷺ : "لا حَسَدَ إلا في اثنتين. . . " الحديث، فذكر منهما: "رجلٌ آتاه اللَّه مالًا، فهو ينفقه في وجهه، فيقول رجلٌ: لو أن لي مالًا لفعلت فيه كما فعل ذلك" (١)، فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال
стр. 7253
يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون، ويُنفقون حزِنُوا على عجزهم عن ذلك، وتأسّفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه، وشَكَوا ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فدلّهم النبيّ ﷺ على عمل إن أخذوا به أدركوا من سبقهم، ولم يُدركهم أحدٌ بعدهم، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم، إلا من عَمِل مثله، وهو التسبيح، والتحميد، والتكبير خلف كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ": هذا الحديث يدلّ على أن الذكر أفضل الأعمال، وأنه أفضل من الجهاد، والصدقة، والعتق، وغير ذلك، وقد رُوي هذا المعنى صريحًا عن جماعة كثيرة من الصحابة، منهم أبو الدرداء، ومعاذٌ، وغيرهما ﵃، ورُوي مرفوعًا من وجوه متعدّدة أيضًا.
وقال ﵀ في "جامع العلوم والحكم": وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيره من الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تَلْقَوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "ذكر اللَّه "، خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ (٢)، وذكره مالك في "الموطأ" موقوفًا على أبي الدرداء ﵁.
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "من قال لا إله
стр. 7254
إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عَدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك".
وفيهما أيضًا عن أبي أيوب ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "من قالها عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل".
وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث أبي سعيد ﵁ أن النبيّ ﷺ سئل أيُّ العباد أفضل درجةً عند اللَّه يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون اللَّه كثيرًا"، قلت: يا رسول اللَّه: ومن الغازي في سبيل اللَّه؟ قال: "لو ضَرَب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر، ويختضب دمًا، لكان الذاكرون اللَّه أفضل منه درجةً" (١)، ويُروى نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعًا، والصواب وقفه على معاذ من قوله.
وخرّج الطبرانيّ من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ قال: "لو أن رجلًا في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر اللَّه، كان الذاكر أفضل".
قلت: الصحيح عن أبي الوازع، عن أبي برزة الأسلميّ من قوله، خرّجه جعفر الفريابيّ.
وخرّج أيضًا من حديث أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "من كبر مائة، وسبح مائة، وهلَّل مائة، كانت خيرًا له من عشر رقبات يُعتقها، ومن سبع بدنات ينحرها".
وخرّج ابن أبي الدنيا بإسناده، عن أبي الدرداء، أنه قيل له: إن رجلًا أعتق مائة نسمة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك إيمانٌ ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبًا من ذكر اللَّه .
وعن أبي الدرداء أيضًا قال: لأن أقول اللَّه أكبر مائة مرة، أحب إلي من
стр. 7255
أن أتصدق بمائة دينار، وكذلك قال سلمان الفارسيّ وغيره من الصحابة والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال.
وخرّج الإمام أحمد، والنسائيّ من حديث أم هانئ ﵂ أن النبيّ ﷺ قال لها: "سبّحي اللَّه مائة تسبيحة، فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي اللَّه مائة تحميدة، فإنها تعدل لك مائة فرس مُلْجَمة مُسْرَجة تَحملين عليهن في سبيل اللَّه، وكبّري اللَّه مائة تكبيرة، فإنها تعدل مائة بدنة مُقَلّدة متقبلة، وهلّلي اللَّه مائة تهليلة، لا أحسبه إلا قال: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحد مثل عملك، إلا أن يأتي بمثل ما أتيت" (١).
وخرّجه أحمد أيضًا، وابن ماجه، وعندهما: "وقولي: لا إله إلا اللَّه، مائة مرة لا تَذَرُ ذنبًا، ولا يسبقها العمل".
وخرّجه الترمذيّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ بنحوه، وقال: هذا حديث حسنٌ غريب.
وخرّج الطبرانيّ من حديث ابن عباس مرفوعًا قال: "ما من صدقة أفضل من ذكر اللَّه " (٢).
وخرّج الفريابيّ بإسناد فيه نظرٌ، عن أبي أمامة مرفوعًا: "ومن فاته الليل أن يكابده، ويبخل بماله أن ينفقه، وجَبُن عن العدو أن يقاتله، فليكثر من سبحان اللَّه وبحمده، فإنها أحبّ إلى اللَّه من جبل ذهب، أو جبل فضة، ينفقه في سبيل اللَّه ".
وخرّج البزار بإسناد مقارب، من حديث ابن عباس مرفوعًا، قال في حديثه: "فليكثر ذكر اللَّه"، ولم يزد على ذلك، وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. انتهى كلام ابن رجب ﵀ في "جامع العلوم والحكم" (٣).
وقال في "شرح البخاريّ": ولا يعارض هذا -يعني ما سبق من تفضيل
стр. 7256
الذكر على الجهاد وغيره- حديث الذي سأل النبيّ ﷺ عما يعادل الجهاد؟ فقال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تُفطر، وتقوم فلا تفتر. . . " الحديث المشهور؛ لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدّة جهاد المجاهد من حين خروجه من بيته إلى قُدومه، فليس يُعْدَل ذلك بشيء غير ما ذُكر، والفقراء دلّهم النبيّ ﷺ على عمل يستصحبونه في مدّة عمرهم، وهو ذكر اللَّه الكثير في أدبار الصلوت، وهذا أفضل من جهاد يَقع في بعض الأحيان يُنفق صاحبه فيه ماله.
فالناس منقسمون ثلاثة أقسام:
أهل الذكر يدومون عليه إلى انقضاء أجلهم.
وأهل جهاد يُجاهدون، وليس لهم مثل ذلك الذكر، فالأولون أفضل من هؤلاء.
وقوم يَجمعون بين الذكر والجهاد، فهؤلاء أفضل الناس.
ولهذا لَمّا سمع الأغنياء الذين كانوا يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون بما عَلَّم النبيّ ﷺ الفقراء من ذلك عَمِلوا به، فصاروا أفضل من الفقراء حينئذ، ولهذا لَمّا سألوا النبيّ ﷺ عن ذلك؟ قال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء".
ومن زعم من الصوفيّة أنه أراد أن الفقر فضل اللَّه، فقد أخطأ، وقال ما لا يعلم. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في التفضيل بين الغنى والفقر:
قال ابن بطاّل، عن المهلّب رحمهما اللَّه: في هذا الحديث فضل الغنى نصًّا لا تأويلًا، إذا استوت أعمال الغني والفقير، فيما افترض اللَّه عليهما، فللغنيّ حينئذ فضل عمل البرّ من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه. قال: ورأيت بعض المتكلّمين ذهب إلى أن هذا الفضل يخصّ الفقراء دون
стр. 7257
غيرهم، أي الفضل المرتّب على الذكر المذكور، وغفل عن قوله في نفس الحديث: "إلا من صنع مثل ما صنعتم"، فجعل الفضل لقائله كائنًا من كان.
وقال القرطبيّ ﵀: استدلّ بهذا الحديث من يُفضّل الغنى على الفقر، وهي مسألة اختُلِف فيها على خمسة أقوال: فمن قائل بتفضيل الغنى، ومن قائل بتفضيل الفقر، ومن قائل بتفضيل الكَفَاف، ومن قائل رابع بردّ هذا التفضيل إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك، ومن قائل خامس توقّف، ولم يفضّل واحدًا منهما على الآخر، والمسألة لها غَوْرٌ، وفيها أحاديث متعارضة.
قال: والذي يظهر لي أن الأفضل من ذلك ما اختاره اللَّه تعالى لنبيّه ﷺ ، ولجمهور أصحابه ﵃، وهو الفقر غير المدقع.
قال: وتأوّل بعضهم قوله: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه" بأن قال: الإشارة راجعة إلى الثواب المرتّب على العمل الذي يحصل به التفضيل عند اللَّه، فكأنه قال: ذاك الثواب الذي أخبرتكم به لا يستحقّه أحد بحسب الذكر، ولا بحسب الصدقة، وإنما هو بفضل اللَّه (١).
قال: وهذا التأويل فيه بُعدٌ، ولكن اضطرّه إليه ما يعارضه (٢).
وتُعقب بأن الجمع بينه وبين ما يُعارضه ممكن من غير احتياج إلى التعسف.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: ظاهر الحديث القريبُ من النصّ أنه فَضَّلَ الأغنياء بزيادة القربات المالية، وبعض الناس تأول قولَه: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" بتأويل مُستكرَه، يخرجه عما ذكرناه، كأنه يشير إلى ما تقدّم.
قال: والذي يقتضيه الأصل أنهما إن تساويا، وفضّلت العبادات المالية أنه يكون الغنيّ أفضل، ولا شكّ في ذلك، وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كلّ منهما بمصلحة ما هو فيه، وإذا كانت المصالح متقابلة، ففي ذلك نظر، يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فُسّر بزيادة الثواب،
стр. 7258
فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدّية أفضل من القاصرة، وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل لها من التطهير بسبب الفقر أشرف، فيترجّح الفقراء.
ومن ثَمَّ ذهب جمهور الصوفيّة إلى ترجيح الفقير الصابر.
وقال الكرمانيّ ﵀: قضية الحديث أن شكوى الفقر تبقى بحالها، وأجاب بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العُلَى، والنعيم المقيم لهم أيضًا، لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا. اهـ.
قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة، وطهر أن الجواب وقع قبل أن يَعلَم النبيّ ﷺ أن متمنّي الشيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر، كما ثبت في حديث الترمذيّ ﵀ (١) بأن المنفق والمتمنّي إذا كان صادق النية في الأجر سواء، وكذا قوله ﷺ : "من سنّ سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيئًا"، فإن الفقراء في هذه القصّة كانوا السبب في تعلّم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله، امتاز الفقراء بأجر السبب، مضافًا إلى التمنّي، فلعل ذلك يقاوم التقرّب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شَظَف العيش، وشكر الغنيّ على
стр. 7259
التنعّم بالمال، ومن ثمّ وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استدلاله بحديث من "سنّ سنّة حسنة إلخ" على هذه المسألة فيه نظر؛ لأن الذين تسببوا هم فقراء الصحابة، فالاشتراك مع الأغنياء في الأجر قاصر عليهم، لا يتعدّاهم إلى غيرهم من الفقراء؛ لأن غيرهم لم يشاركهم في التسبب، فكيف يستدلّ به على تفضيل الفقير على الغني على الإطلاقّ؟، واللَّه أعلم.
وقال في "كتاب الأطعمة" عند قول البخاريّ ﵀: "بابٌ الطاعمُ الشاكرُ مثل الصائم الصابر" فيه عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، ما نصه: وفيه رفع الاختلاف المشهور في الغنيّ الشاكر والفقير الصابر، وأنهما سواء، كذا قيل، ومساق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر؛ لأن الأصل أن المشبَّه به أعلى درجة من المشبَّه.
والتحقيق عند أهل الْحِذْق أن لا يجاب في ذلك بجواب كلّيّ، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال، نعم عند الاستواء من كل جهة، وفَرْضِ رفع العوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي أن يُعدل بالسلامة شيء. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الحافظ ﵀: وقع في رواية وَرْقاء عن سُمَيّ عند البخاريّ في "الدعوات" في هذا الحديث: "تسبحون عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا"، ولم أقف في شيء من طُرُق حديث أبي هريرة على من تابع ورقاء على ذلك، لا عن سُميّ، ولا عن غيره، ويَحْتَمِل أن يكون تأوّل ما تأوّل سهيل من التوزيع، ثم ألغى الكسر، ويَعْكُر عليه أن السياق صريح في كونه كلام النبيّ ﷺ .
قال: وقد وجدت لرواية العشر شواهد، منها عن عليّ عند أحمد، وعن سعد بن أبي وقاص عند النسائيّ، وعن عبد اللَّه بن عمرو عنده، وعند أبي
стр. 7260
داود، والترمذيّ، وعن أم سلمة عند البزار، وعن أم مالك الأنصارية عند الطبرانيّ.
وجَمَع البغويّ في "شرح السنة" بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدر في أوقات متعددة، أوّلها عشرًا عشرًا، ثم إحدى عشرة إحدى عشرة، ثم ثلاثًا وثلاثين ثلاثًا وثلاثين، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على سبيل التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال.
وقد جاء من حديث زيد بن ثابت، وابن عمر ﵃ أنه ﷺ أمرهم أن يقولوا كلّ ذكر منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها: "لا إله إلا اللَّه" خمسًا وعشرين.
ولفظ زيد بن ثابت ﵁: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فأُتِيَ رجل في منامه، فقيل له: أمركم محمد أن تسبحوا. . . فذكره، قال: نعم، قال: اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبيّ ﷺ وأخبره، فقال: "فافعلوه"، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان.
ولفظ ابن عمر ﵄: رأى رجلٌ من الأنصار فيما يرى النائم، فذكر نحوه، وفيه: فقيل له: سبح خمسًا وعشرين، واحْمَدْ خمسًا وعشرين، وكَبِّر خمسًا وعشرين، وهَلِّل خمسًا وعشرين، فتلك مائة، فأمرهم النبيّ ﷺ أن يفعلوا كما قال. أخرجه النسائيّ، وجعفر الفريابي.
واستُنْبِط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرةٌ، وإلا لكان يُمكن أن يقال لهم: أضيفوا لها التهليل ثلاثًا وثلاثين.
وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات، إذا رُتِّب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور، لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمةٌ وخاصيّةٌ تفوت بمجاوزة ذلك العدد.
قال الحافظ أبو الفضل العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": وفيه نظر؛ لأنه أتى بالمقدار الذي رُتِّب الثواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه، كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله. انتهى.
стр. 7261
قال الحافظ ﵀: ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة فالأمر كما قال العراقيّ لا محالةَ، وإن زاد بغير نية، بأن يكون الثواب رُتِّب على عشرة مثلًا، فرتّبه هو على مائة، فيتجه القول الماضي.
وقد بالغ القرافيّ في "القواعد"، فقال: من الْبِدَع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا؛ لأن شأن العظماء إذا حَدُّوا شيئًا أن يُوقَفَ عنده، ويُعَدّ الخارج عنه مسيئًا للأدب. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أحسن كلام القرافيّ ﵀ في هذا، فالحقّ أنه لا ينبغي الزيادة على الأعداد والتقديرات الشرعيّة، وإن كانت مندوبات؛ لأن للشارع الحكيم حكمة لا يعلمها غيره، فإذا وجّه إلى شيء من العبادة، أذكارًا، أو غيرها، وعيّن لها عددًا، أو صفة معيّنة، فلا ينبغي العدول عنها إلا بتوقيف منه، فالأذكار التي خلف الصلوات، وغيرها لا ينبغي أن يُتجاوز العدد المأثور فيها، إلا أن يقطعها، ثم يستأنف.
وبالجملة فالذي ينبغي للعاقل أن يقف عند تعليم النبيّ ﷺ للأذكار، أو غيرها مع تعيينه لها عددًا، أو صفةً، أو وقتًا، أو غير ذلك، ولا يتجاوز ذلك التوجيه؛ لأنه توجيه ربّانيّ يلزم التأدّب معه، فليُتنبّه لمثل هذا، فإن كثيرًا من الناس عنه لغافلون، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وقد مثّله بعض العلماء بالدواء يكون مثلًا فيه أوقية سُكّر، فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء، ثم استَعْمَل من السكّر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أجمل هذا التمثيل، وما أحقّه أن يُنظر إليه بعين الاعتبار، والبصيرة النافذة، فإن الأذكار النبويّة أدوية للأمراض الحسيّة والمعنويّة، والقلبيّة والبدنيّة، فكما ينبغي المحافظة على ما يصفه الأطبّاء للأدوية البدنيّة، فكذلك ينبغي المحافظة على ما وصفه النبيّ ﷺ للأدوية الروحيّة، فإنه ﷺ مبلّغ عن ربّه ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
قال: ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص
стр. 7262
مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص؛ لما في ذلك من قطع الموالاة؛ لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمةٌ خاصّةٌ تفوت بفواتها. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، كما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(المسألة السابعة): في اختلاف ألفاظ هذا الحديث:
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ": وأما ألفاظ الحديث، فهي مختلفة، ففي رواية عُبيد اللَّه بن عمر التي أخرجها البخاريّ ها هنا: "تسبّحون، وتحمدون، وتكبّرون ثلاثًا وثلاثين"، وفسّره بأنه يقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، حتى يكون منهنّ كلِّهنّ ثلاثًا وثلاثين، وقد تبيّن أن المفسِّر لذلك هو أبو صالح، وهذا يَحْتَمل أمرين:
أحدهما: أنه يَجمع بين هذه الكلمات الثلاث، فيقولها ثلاثًا وثلاثين مرّةً، فيكون مجموع ذلك تسعًا وتسعين.
والثاني: أنه يقولها إحدى عشرة مرّةً، فيكون مجموع ذلك ثلاثًا وثلاثين، وهذا هو الذي فهمه سُهيل، وفسَّر الحديث به، وهو ظاهر رواية سُميّ، عن أبي صالح أيضًا، ولكن قد رُوي حديث أبي هريرة من غير هذا الوجه صريحًا بالمعنى الأول، فخرّجه مسلم من حديث سُهيل، عن أبي عُبيد الْمَذْحِجيّ، وهو مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة. . . " الحديث سيأتي في هذا الباب.
قال: وقد روي عن سُهيل بهذا الإسناد موقوفًا على أبي هريرة، وكذا رواه مالك في "الموطّأ"، عن أبي عُبيد موقوفًا، وخرّجه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق مالك مرفوعًا، والموقوف عن مالك أصحّ.
وخرّجه النسائيّ في "اليوم والليلة" بنحو هذا اللفظ من رواية ابن عَجلان، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا.
وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبّان في "صحيحه" عن الأوزاعيّ، حدّثني حسان بن عطيّة، قال: حدّثني محمد بن أبي عائشة، قال:
стр. 7263
حدّثني أبو هريرة، قال: قال أبو ذرّ: يا رسول اللَّه ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها، وليس لنا مال نتصدق به، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا ذرّ ألا أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك، ولا يَلحقك من خلفك، إلا من أخذ بمثل عملك؟ " قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تكبر اللَّه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتسبحه ثلاثًا وثلاثين، وتختمها بلا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، غُفِرت له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر" (١).
قال: فهذا ما في حديث أبي هريرة من الاختلاف.
وقد رُوي عنه نوع آخر، وهو التسبيح مائة مرّة، والتكبير مائة مرّة، والتهليل مائة مرّة، والتحميد مائة مرّة، خرّجه النسائيّ في كتاب "عمل اليوم والليلة" بإسناد فيه ضعف، ورُوي موقوفًا على أبي هريرة.
وخرّجه النسائيّ في "السنن" بإسناد آخر عن أبي هريرة مرفوعًا: "من سبّح اللَّه في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة، وهلّل مائة تهليلة، غُفر له ذنوبه، ولو كانت مثل زَبَد البحر" (٢).
ورُوي عن أبي هريرة موقوفًا عبيه: "التسبيح عشرٌ، والتحميد عشرٌ، والتكبير عشرٌ"، وقد أخرجه البخاريّ في "الدعوات" من "صحيحه" من طريق ورقاء، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم. . . الحديث، وفيه: "تُسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا".
وقد رُوي عن النبيّ ﷺ من غير حديث أبي هريرة في هذا الباب أنواعٌ أُخر من الذكر:
(فمنها): التسبيح، والتحميد، والتكبير مائة، فالتسبيح والتحميد كلّ منهما
стр. 7264
ثلاثٌ وثلاثون، والتكبير وحده أربع وثلاثون، خرّجه مسلم من حديث كعب بن عُجرة (١)، وخرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث زيد بن ثابت ﵁، وخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي ذرّ ﵁، لكن عنده أن التحميد هو الأربع، وخرّجه ابن ماجه، وعنده أن ابن عيينة قال: لا أدري أيتهنّ أربع.
(ومنها): التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل مائة مرّة، من كلّ واحد خمس وعشرون، خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ، والترمذيّ من حديث زيد بن ثابت ﵁، وخرّجه النسائيّ من حديث ابن عمر ﵄.
(ومنها): التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد مثله، والتكبير أربعًا وثلاثين، فذلك مائة، ويزيد عليهنّ التهليل عشرًا، خرّجه النسائيّ، والترمذيّ من حديث ابن عبّاس ﵄.
(ومنها): التسبيح عشر مرّات، والتحميد مثله، والتكبير مثله، فذلك ثلاثون، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ما جه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، وخرّجه النسائيّ في "اليوم والليلة" من حديث سعد ﵁.
(ومنها): التكبير إحدى عشرة مرّةً، والتحميد مثله، والتهليل مثله، والتسبيح مثله، فذلك أربعٌ وأربعون، خرّجه البزّار من حديث ابن عمر ﵄، وإسناده ضعيف، فيه موسى بن عُبيدة.
قال ابن رجب ﵀: ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات، والأفضل أن لا ينقص عن مائة؛ لأن أحاديثها أصحّ أحاديث الباب.
واختُلف في تفضيل بعضها على بعض، فقال أحمد في رواية الفضل بن زياد، وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثةً وثلاثين أحبّ إليك، أم خمسةً وعشرين؟ قال: كيف شئتَ.
قال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا التخيير بينهما من غير ترجيح، وقال
стр. 7265
في رواية عليّ بن سعيد: أذهب إلى حديث ثلاث وثلاثين، وظاهر هذا تفضيل هذا النوع على غيره، ولذلك قال إسحاق: الأفضل أن يُسبّح ثلاثًا وثلاثين، ويَحمَد ثلاثًا وثلاثين، ويُكبّر ثلاثًا وثلاثين، ويَختِم المائة بالتهليل، قال: وهو في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد الفجر إلى طلوع الشمس، نَقَل ذلك عنه حرب الكرمانيّ.
وهل الأفضل أن يَجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كلّ مرّة، فيقولهنّ ثلاثًا وثلاثين مرّة، ثم يَختم بالتهليل؟ أم الأفضل أن يُفرد التسبيح والتحميد والتكبير على حِدَةٍ؟ قال أحمد في رواية محمد بن ماهان، وسأله: هل يَجمع بينهما أو يُفرد؟ قال: لا يُضيَّق، قال أبو يعلى: وظاهر هذا أنه مخيَّرٌ بين الإفراد والجمع، وقال أحمد في رواية أبي داود: يقول هكذا: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا يقطعه، وهذا ترجيح منه للجمع كما قاله أبو صالح، لكن ذكر التهليل فيه غرابة.
وقد روى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة مرسلًا أن النبيّ ﷺ أمرهم أن يقولوا دبر كلّ صلاة: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه عشرًا.
وقال إسحاق: الأفضل أن يُفرد كلّ واحد منها، وهو اختيار القاضي أبي يعلى من أصحابنا، قال: وهو ظاهر الأحاديث لوجهين:
أحدهما: أنه قال: يُسبّحون، ويحمدون، ويكبّرون، والواو قد قيل: إنها للترتيب، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه.
والثاني: أن هذا مثل نقل الصحابة ﵃ لوضوء النبيّ ﷺ ، وأنه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ولا خلاف في المراد أنه غسل كلّ عُضو من ذلك بانفراده ثلاثًا ثلاثًا قبل شروعه في الذي بعده، ولم يَغسِل المجموع مرّة، ثم أعاد مرّةً ثانيةً وثالثةً.
قال ابن رجب: هذا على رواية من رَوَى التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير ثلاثًا وثلاثين ظاهرٌ، وأما من روى يسبحون، ويحمدون، ويكبّرون ثلاثًا وثلاثين، فمحتملةٌ، ولذلك وقع الاختلاف في فهم
стр. 7266
المراد منها. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أسلفنا أن الإفراد هو الأولى؛ عملًا بظاهر أكثر الأحاديث، كقوله ﷺ : "من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة. . . " الحديث صريح في إفراد كلّ منها، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَ أَبِي صَالِحٍ: ثُمَّ رَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: يَقُولُ سُهَيْلٌ: إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) -بالياء، والشين المعجمة- أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوْح) بن القاسم التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غِيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (ح م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٤ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٥ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح السمّان، تقدّم قبله، وكذا أبو هريرة ﵁.
стр. 7267
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ) يعني سهيل بن أبي صالح حدّث عن أبيه أبي صالح، بمثل حديث سُميّ عن أبي صالح الذي رواه قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عنه، وإنما خصّ رواية قتيبة؛ لأن المصنّف روى الحديث من طريقين: طريق عاصم بن النضر، عن المعتمر بن سليمان، عن عُبيد اللَّه العمريّ، عن سُميّ، وطريق قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سُميّ، وبين سياقيهما اختلاف، فبيّن أن رواية سهيل توافق السياق الذي رواه قتيبة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ. . . إلخ) يعني أن سُهيلًا أدرج في الحديث قول أبي صالح: "ثم رجع. . . إلخ" وهذا فيه إشارة إلى أن رواية سُميّ الماضية بفصل قول أبي صالح هو المحفوظ.
وقوله: (إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ) تقدّم أن هذا مما فهمه سُهيل من تفسير قوله: "ثلاثًا وثلاثين"، فظنّ توزيعه على الأذكار الثلاثة، والصواب أن ثلاثًا وثلاثين لكلّ فرد من أفراد الأذكار الثلاثة، فيكون كلّ من التسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثًا وثلاثين، والمجموع تسعة وتسعون، لا ثلاثة وثلاثون، وأوضح دليل على ذلك ما يأتي عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ : "مَن سَبّح اللَّه في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير،. . . " الحديث.
وقوله: (فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ) بجرّ "كلّه" توكيد لاسم الإشارة.
[تنبيه]: رواية سهيل، عن أبيه هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٩٤) فقال:
(١٣٢٣) حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، في مجموع حديثه لرَوْح، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا أمية، ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْحٌ، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، صَحِبُوك كما صحبناك، ويجدون أموالًا ينفقونها، ولا نجدها، فقال: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به مَن قبلكم، إلا من
стр. 7268
قال مثل ما قلتم؟ تسبحون، وتكبرون، وتحمدون، دبر كل صلاة، ثلاثًا وثلاثين"، إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة، فذلك كله ثلاث وثلاثون، قال: فلما فعلوا ذلك فعل الآخرون، فذكروا ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "ذلك الفضل يؤتيه اللَّه من يشاء". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٢] (٥٩٦) - (وَحَدَّثَنَا (١) الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى) بن ماسَرْجس -بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- الماسَرْجِسي، أبو علي النيسابوريّ، مولى ابن المبارك، ثقة [١٠] تقدم في "المقدمة" ٦/ ١٠١.
٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد اللَّه الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ جوادٌ مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) -بكسر الميم- أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
٤ - (الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ) الْكِنديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
стр. 7269
٦ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، أبو محمد المدنيّ، مات بعد الخمسين، عن نيّف وسبعين سنةً (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وشيخ شيخه، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مُعَقِّبَاتٌ) -بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر القاف المشددة-: اسم فاعل من التعقيب، أي أذكارٌ يَعقُب بعضها بعضًا، أو تُعَقِّب لصاحبها عاقبةً محمودةً.
وقال الهَرَويّ: قال شمر: معناه: تسبيحات تُفْعَل أعقاب الصلاة، وقال أبو الهيثم: سُمِّيت معقّبات؛ لأنها تُفْعَل مرّة بعد أخرى، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي ملائكة يَعْقُب بعضهم بعضًا. انتهى.
وقال في "النهاية": سميت مُعَقّبات؛ لأنها عادت مرّةً بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة، والمعقّب من كلّ شيء ما جاء عقب ما قبله. انتهى.
وقال البغويّ ﵀ في "شرح السنّة": قوله: "مُعَقِّباتٌ": يريد هذه التسبيحات، سُمِّيت معقّبات؛ لأنها عادت مرّةً بعد مرّة، والتعقيبات تَعْمَل عملًا، ثم تعود إليه، وقوله : ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠] أي لم يرجع، قال: شَمِر: كلُّ راجع معقِّبٌ، وقوله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١] أي للإنسان ملائكة يَعْقُبُ بعضهم ببعض، يقال: ملك معقِّبٌ، وملائكةٌ معقّبة، ثم معقّباتٌ جمع الجمع، وقيل: ملائكة الليل تُعَقِّب ملائكة النهار. انتهى (١).
стр. 7270
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "معقّبات": أي الكلمات التي يأتي بعضها بعقب بعض، و"المعقّبات": اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعتركات على الحوض، فإذا انصرفت ناقةٌ دخلت مكانها أخرى، وهي الناظرات للعقب، فكذلك هذه التسبيحات كلّما مرّت كلمةٌ نابت مكانها أخرى.
و"هي" إما صفة مبتدأ، أقيمت مقام الموصوف، أي كلماتٌ، أو أذكارٌ معقباتٌ، وجملة قوله: (لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ) خبره، و"دُبر" ظرف متعلّقٌ بـ "قائلهنّ"، ويَحْتَمِل أن يكون "معقِّباتٌ" مبتدأ، وقوله: "لا يخيب" صفته، والخبر قوله: "ثلاثٌ وثلاثون".
(لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ) بفتح الياء من الخيبة، وهي الحرمان والخسران، أي لا يُحرَم من أجرهنّ، أي كيفما كان، ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا كانت عن غفلة، سوى القراءة، وفيه نظر لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم.
(أَوْ فَاعِلُهُنَّ) "أو" للشكّ من الراوي، قال البيضاويّ: قد يقال للقائل: فاعلٌ؛ لأن القول فعلٌ من الأفعال، قال الطيبيّ: لا يُستعمل الفعل مكان القول إلا إذا صار القول مستمرًا ثابتًا راسخًا رسوخ الفعل، كما قال اللَّه : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الآية [الزمر: ٣٣]، أي تكلّم بالصدق، وصدّقه بتحرّي العمل به. انتهى (١).
(دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ) "دُبر" منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "قائلهنّ"، وقوله: (ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ) خبر لمحذوف، أي هنّ ثلاث وثلاثون، وهو تفسير لـ "معقّبات"، أو خبر لـ "معقّبات"، كما أسلفته آنفًا، وقوله: (تَسْبِيحَةً) منصوب على التمييز (وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً") ولفظ النسائيّ: "يُسبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويَحْمَد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، ويُكبّره أربعًا وثلاثين"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن عُجرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
стр. 7271
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٥٢ و ١٣٥٣ و ١٣٥٤] (٥٩٦)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤١٢)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٤٩)، وفي "الكبرى" (١٢٧٢)، وفي "عمل اليوم والليلة" (١٥٥ و ١٥٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣١٩٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٢٢٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٢٦٠ و ٢٦١ و ٢٦٣ و ٢٦٤ و ٢٦٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠١٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٧٩ و ٢٠٨٠ و ٢٠٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٢٢ و ١٣٢٣ و ١٣٢٤ و ١٣٢٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٢١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث ذكره الدارقطنيّ ﵀ في "استدراكاته على مسلم"، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب؛ لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ.
قال النوويّ ﵀: وهذا الذي قاله الدارقطنيّ مردود؛ لأن مسلمًا رواه من طُرُق كلُّها مرفوعة، وذكره الدارقطنى أيضًا من طُرُق أخرى مرفوعة، وإنما رُوي موقوفًا من جهة منصور وشعبة، وقد اختلفوا عليهما أيضًا في رفعه ووقفه، وبيّن الدارقطنيّ ذلك.
والمذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون، والفقهاء، والمحقّقون من المحدّثين، ومنهم البخاريّ، وآخرون أنه إذا رُوي الحديث موقوفًا ومرفوعًا يحكم بأنه مرفوع، ولو كان الواقفون أكثر من الرافعين، كيف، والأمر هنا بالعكس؟ وذلك لأن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا تُردّ لنسيان، أو تقصير حصل بمن وقفه. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ببعض تصرّف (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة الدارقطنيّ ﵀: وأخرج مسلم من حديث
стр. 7272
الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة مرفوعًا: "معقّبات لا يخيب قائلهنّ. . . " من حديث مالك بن مِغْول، وعمرو بن قيس، وحمزة الزيّات، قال: وقد تابعهم زيد بن أبي أُنيسة، وليث بن أبي سُليم، وابنُ أبي ليلى، وقبيصة، عن الثوريّ، عن منصور، وخالفهم منصورٌ من رواية أبي الأحوص، وجرير، عن منصور، عن الحكم، فروياه موقوفًا، وكذلك رواه شعبة، عن الحكم، إلا من رواية جعفر الصائغ، عن عبدان، عنه.
والصواب -واللَّه أعلم- الموقوف؛ لأن الذين رفعوه شيوخ لا يقاومون منصورًا، وشعبة. انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ترجيح الرفع هنا أظهر؛ لأمور:
(أحدها): أن الذين رفعوه جماعة، وفيهم الثقات الأثبات، وهم: مالك بن مِغْول، وعمرو بن قيس الملائيّ، وحمزة الزّيّات، وقد تابعهم زيد بن أبي أُنيسة، وليث بن أبي سُليم، ومحمد بن أبي ليلى.
فالظاهر أن هؤلاء الجماعة قد حَفِظوا الرفع، فلا يضرّهم مخالفة شعبة ومنصور لهم في وقفه؛ لأن الرفع زيادة، فيجب قبولها.
(الثاني): أنه اختَلَف الرواة على شعبة ومنصور في الرفع والوقف، فيكون هذا الاختلاف مرجّحًا لرفع من خالفهما.
فأما الاختلاف على شعبة، فقد رواه سليمان بن حرب، ومالك بن سليمان، عنه مرفوعًا.
فأما رواية سليمان بن حرب، فقد أخرجها أبو نعيم في "المستخرج" بسنده عنه، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "معقّبات. . . " الحديث (١).
وأما رواية مالك بن سليمان، فقد أخرجها البغويّ في "شرح السنّة" بسنده، عنه، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "معقّبات لا يخيب قائلهنّ. . . " الحديث (٢).
стр. 7273
وخالفهما وكيع، فرواه موقوفًا، قال ابن أبي شيبة في "مصنّفه": ثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة ﵁ قال: "ثلاث لا يخيب قائلهن. . . " الحديث.
وأما الاختلاف على منصور، فقد رواه عنه الثوريّ مرفوعًا.
فقد أخرجه أبو عوانة في "مسنده" قال: حدّثنا أبو العبّاس الغزّيّ، قال: ثنا قَبِيصة، ثنا سفيان (١)، عن منصور، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "معقّبات لا يخيب قائلهنّ. . . " الحديث (٢).
وخالف سفيان أبو الأحوص، فرواه عن منصور موقوفًا، قال ابن أبي شيبة: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب، قال: "معقّبات. . . " الحديث.
فتبيّن بهذا أن مخالفة شعبة، ومنصور بالوقف غير سليمة؛ لوقوع اختلاف الرواة عليهما، فيكون هذا الاختلاف مرجّحًا لرفع غيرهما.
(والثالث): أن الوقف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يُنال بالاجتهاد والرأي، وإنما سبيله التلقّي من الوحي.
(والرابع): أن للحديث شواهد وهي الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم ﵀ في هذا الباب.
وخلاصة المسألة أن ترجيح رفع هذا الحديث هو الحقّ؛ لما سبق من الحجج (٣).
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا، كما هو غرض المصنّف في إيراده هنا، لا كما ادّعاه الدارقطنيّ من ترجيح الوقف على الرفع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7274
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا (١) أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً، فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ) محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
٣ - (حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ) هو: حمزة بن حبيب القارئ التيميّ مولاهم، أبو عمارة الكوفيّ، صدوقٌ زاهدٌ، ربّما وَهِمَ [٧] (ت ٦ أو ١٥٨) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥.
والباقون تقدّموا في السند السابق، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ، عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم في هذا الباب.
стр. 7275
٢ - (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القُرشيّ مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [٩].
رَوَى عن الأعمش، ومُطرّف بن طَريف، ومحمد بن عجلان، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وابنه عُبيد، وابن أبي شيبة، وابن نمير، وغيرهم.
قال محمد بن عبد اللَّه بن عمّار الموصليّ: قال لنا وكيع: اسمعوا منه، فسمعنا منه، وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يُخطئ عن سفيان. وقال أحمد: إنه أحبّ إليّ من الخفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الغَلَابي عنه: ثقة، والكوفيون يُضعفونه. وقال البَرْقيّ عنه: الكوفيون يُضعّفونه، وهو عندنا ثبتٌ فيما يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقد سمعت أنا منه. وقال العقيليّ: ربّما وهم في الشيء. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفّي بالكوفة في المحرّم سنة (٢٠٠).
وقال هارون بن حاتم في "تاريخه": حدّثني أنه وُلد سنة (١٠٥)، ومات في أيّام أبي السرايا سنة (١٩٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٩٦) و (٩٣٦) و (١٨٨٧) و (٢٤٤٧).
٣ - (عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ) -بضمّ الميم، وتخفيف اللام، والمدّ- أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٦] مات سنة بضع وأربعين ومائة (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ٢٤/ ٦٤٥.
وقوله: (بهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الحكم الماضي، وهو: عن عبد الرحمن بن أَبي ليلى، عن كعب بن عُجرة ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية عمرو بن قيس، عن الحكم هذه ساقها الترمذيّ، والنسائيّ، فقالا:
حدّثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرَة الأحمسيّ الكوفيّ، حدّثنا أسباط بن
стр. 7276
محمد، حدّثنا عمرو بن قَيس الْمُلائيّ، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن النبيّ ﷺ قال: "مُعَقِّباتٌ لا يَخِيب قائلهنّ، يُسَبِّح اللَّه في دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، ويَحْمَده ثلاثًا وثلاثين، ويكبره أربعًا وثلاثين". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٥] (٥٩٧) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيِّ -قَالَ مُسْلِم: أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ- عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١): "مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ (٢) فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ (٣) تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) أبو الحسن العسكريّ، صدوقٌ [١٠] (م د ق) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الطحّان الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح ذُكر في هذا الباب.
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيُّ) (٤) صاحب سليمان بن عبد الملك، قيل: اسمه
стр. 7277
عبد الملك، وقيل: حَيّ، وقيل: حُيَيّ، وقيل: حُوَيّ بن أبي عمر، ثقة [٥].
رَوَى عن أنس، وعمر بن عبد العزيز، ورَجَاء بن حَيْوة، وعُبادة بن نُسَيّ، وعطاء بن يزيد، وعقبة بن وَسّاج، وقيس بن الحارث الْمَذْحِجيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأوزاعيّ، ومالك، وسهيل بن أبي صالح، وميسرة بن معبد، وعَمْرو بن الحارث، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، وأبو فَرْوة يزيد بن سِنَان الرُّهَاويّ، وآخرون.
قال الميمونيّ ﵀ عن أحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ، وثقه عليّ ابن المدينيّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات" في أتباع التابعين، وقال بَقِيّة، عن بِشْر بن عبد اللَّه بن يسار: لم أَرَ أحدًا قط أعمل بالعلم من أبي عبيد، وقال الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسان: كان أبو عبيد يَحْجُب سليمان بن عبد الملك، فلما وُلِّي عمر بن عبد العزيز، قال: أين أبو عبيد؟ فدنا منه، فقال: هذه الطريق إلى فلسطين، وأنت من أهلها، فالْحَقْ بها، فقيل له: يا أمير المؤمنين لو رأيت أبا عبيد وتشميره للخير، فقال: ذاك أحقّ أن لا نفتنه، كانت فيه أُبَّهَةٌ للعامة.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ٥ أو ١٠٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٦.
٦ - (أَبو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وأبي عُبيد، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
стр. 7278
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي نسخة: "قال: قال رسول اللَّه ﷺ " ("مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ) وفي نسخة: "قال: من سبّح اللَّه"، أي قال: سبحان اللَّه، و"من" شرطيّة جوابها قوله: "غُفِرت خطاياه" (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) تقدّم أن المشهور ضمّ دال "دُبُر"، وحُكي بفتح، فسكون، والمراد بالصلاة الفريضة، كما تقدّم في حديث كعب بن عُجرة ﵁ قوله: "دبر كلّ صلاة مكتوبة" (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ) بكسر الميم المخفّفة، أي قال: الحمد للَّه في دبر كلّ صلاة، وحذفه هنا وفيما بعده؛ للعلم به من الأول (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ) أي قال: اللَّه أكبر (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ) أي التسبيحات، والتحميدات، والتكبيرات (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) بيّن جملة العدد بعد ذكره بالتفصيل، ويُسمَّى فَذْلَكَةً (١)؛ نظير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] بعد ذكر "ثلاثة"، و"سبعة"، قال في "الكاشف": فائدة الفَذْلكة في كلّ حساب أن يُعلم العدد جملةً، كما عُلِم تفصيلًا؛ ليُحاط به من جهتين، فيتأكّد العلم، وفي أمثال العرب: علمان خير من علم (٢).
(وَقَالَ) وفي نسخة: "ثمّ قال"، والفاعل ضمير "من سبّح. . . إلخ"، وقيل: ضمير النبيّ ﷺ ، والأول أظهر (تَمَامَ الْمِائَةِ) بالنصب على المفعوليّة، وقيل: مرفوع على أنه مبتدأ خبره قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) حاصل الكلام في هذا المقام أن لفظ "تمام" إما منصوب على أنه مفعول به لـ "قال"؛ لأنه في المعنى جملةٌ؛ إذ ما بعده عطف بيان، أو بدلٌ، أو خبرٌ لمحذوف، فصحّ كونه مقول القول، والمراد من تمام المائة ما تَتِمّ به المائة.
وإما منصوب على الظرفيّة، أي في وقت تمام المائة، أي عند إرادة تمامها، والعامل فيه لفظ "قال"، وعلى هذين الوجهين ففاعل "قال" ضمير من "سبّح اللَّه. . . إلخ".
стр. 7279
وإما مرفوع على الابتداء، وخبره قوله: "لا إله إلا اللَّه. . . إلخ"، ويجوز العكس، وعلى هذا ففاعل "قال" ضمير الرسول ﷺ ، فتنبّه.
(وَحْدَهُ) منصوب على الحال، فقد جوّز بعض النحاة كون الحال معرفةً، وأما الجمهور، فيؤوّلونه بالنكرة، أي منفردًا في ذاته (لَا شَرِيكَ لَهُ) في أفعاله، وصفاته (لَهُ الْمُلْكُ) أي السلطان على جميع مخلوقاته له ، لا لغيره (وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقوله: (غُفِرَتْ خَطَايَاهُ) ببناء الفعل للمفعول جواب الشرط، قيل: المراد بالخطايا الذنوب الصغائر، وقال القاري ﵀: ويَحْتَمِل الكبائر (وَإِنْ كَانَتْ) أي في الكثرة (مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ") -بفتح الزاي، والموحّدة-: هو ما يعلو على وجه الماء عند هَيَجانه وتموّجه.
لا يقال: هذا يعارض ما تقدّم أن تمام المائة في هذه الأذكار هو التكبير؛ إذ هو أربع وثلاثون مرّة؛ لما قدّمناه أن هذا يكون في أوقات مختلفة، فتارة يختم المائة بالتكبير، وتارةً يختمها بـ "لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٥٥ و ١٣٥٦] (٥٩٧)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧١ و ٤٨٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٧٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠١٣ و ٢٠١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٨)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الحديث ابن حبّان من طريق يحيى بن صالح الوحاظيّ، مالك مرفوعًا، ثم قال: رفعه يحيى بن صالح، عن مالك وحده. انتهى (١).
قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ بعد أن أورد الحديث: هكذا الحديث
стр. 7280
موقوف في "الموطّأ" على أبي هريرة، ومثله لا يُدرك بالرأي، وهو مرفوعٌ صحيحٌ عن النبيّ ﷺ من وجوه كثيرة ثابتة، من حديث أبي هريرة، ومن حديث عليّ بن أبي طالب، ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو العاص، ومن حديث كعب بن عُجرة، وغيرهم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقانيّ (٣)، أبو زياد الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا (٤)، صدوقٌ يُخطئ قليلًا [٨] (ت ١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في "المقدّمة" تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن إسماعيل بن زكريا حدّث عن سهيل بمثل حديث خالد بن عبد اللَّه الطحّان عنه.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّا، عن سُهيل هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀: حديث سُهيل بن أبي
стр. 7281
صالح، عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من سبّح اللَّه في دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدَ اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه. . . " الحديث.
ثم خَرَّجه بعد ذلك عن محمد بن الصبّاح، قال: نا إسماعيل بن زكريّا، عن سُهيل، عن أبي عُبيد، عن عطاء -غير منسوب- عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ مثله.
قال أبو مسعود الدمشقيّ: يُذكَر أن محمد بن الصبّاح نسبه، فقال: عطاء بن يسار، وأخطأ فيه، فإن كان هذا، فإن مسلم بن الحجّاج أسقط الخطأ من الإسناد؛ ليقرب من الصواب.
وقد رَوى مالك هذا الحديث عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة موقوفًا. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٧) - (بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ أن يقدّم أحاديث هذا الباب بين باب أحاديث تكبيرة الإحرام، وأحاديث قراءة الفاتحة، كما لا تخفى المناسبة، فتأمّل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٧] (٥٩٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ").
стр. 7282
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عُمَارَةُ (١) بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة (٢)، الكوفي الضبي، ثقة أرسل عن ابن مسعود، [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
٤ - (أَبُو زُرْعَةَ) اسمه هَرِم بن عمرو بن جرير بن عبد اللَّه، وقيل غير ذلك، البجليّ الكوفي، ثقة، [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وأبي هريرة ﵁ فمدنيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ) أي تكبيرة الافتتاح، ولفظ النسائيّ: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا استفتح الصلاة" (سَكَتَ هُنَيَّةً) أي ساعةً لطيفةً، تصغيرُ هَنْتْ، وفي "اللسان": وقالوا: هَنْتْ بالتاء ساكنة النون، فجعلوه بمنزلة بنت، وأخْت، وهنتان، وهنات، تصغيرها: هُنَيَّة، وهنيهة، فهنية على القياس، وهنيهة على إبدال الهاء من الياء في هُنَية للقرب الذي بين الهاء وحروف اللين، والياء في هُنية بدل من الواو في هُنَيْوَة، والجمع هَنَات على اللفظ، وهَنَوَات على الأصل، قال ابن جني: أما هَنْت فيدل على أن التاء بدل من الواو في قولهم هنوات.
стр. 7283
وقال الجوهريّ: في تصغيرها هُنية تردها إلى الأصل وتأتي بالهاء كما تقول: أُخَيّة وبُنَيةٌ.
وقد تبدل من الياء الثانية هاء، فيقال: هُنَيهة، وفي الحديث: "أنه قام هُنيةً" أي قليلًا من الزمان، وهو تصغير هَنَة، ويقال: هُنيهة أيضًا. انتهى (١).
وقال في "العمدة": وأما هُنَيئَةٌ ففيه أوجه، الأول بضم الهاء وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة، وقال ابن قرقول: كذا عند الطبريّ ولا وجه له، قال: وعند الأصيليّ، وابن الحذّاء، وابن السكن: هُنيهة بالهاء المفتوحة موضع الهمزة، وهو الوجه الثاني، قال القاضي عياض، والقرطبيّ: إن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النوويّ فقال: الهمز خطأ، وقال غيره: لا يمنع، فقد تقلب الياء همزة.
الوجه الثالث قاله النوويّ: هُنَيّة بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة، ومن همزها فقد أخطأ.
وأصلها هَنْوَة فلما صُغِّرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُروضٍ عَرِيَا
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
وفي "الموعب، لابن التبانيّ: هُنَيَّة هي اليسير من الشيء ما كان". انتهى (٢).
والمراد بالسكوت هنا: عدم القراءة جهرًا، وإلا فالسكوت الحقيقيّ ينافي القول، فلا يتأتَّى السؤال بقوله: "ما تقول في سكوتك؟ " أفاده السنديّ ﵀.
(قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ) القائل هو أبو هريرة ﵁ (يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف، إما اسمٍ، فيكون تقديره: أنت مَفْديٌّ بأبي وأمي، وإما فعلٍ فالتقدير: فَدَيْتُك بأبي، وحُذِف تخفيفًا؛ لكثرة
стр. 7284
الاستعمال، وعِلْم المخاطب به، فلما حُذف الفعل انفصل الضمير.
(أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟) أَيْ أيَّ شيء تقول في حال سكوتك؟ قال في "العمدة": قيل: السكوت مُنافٍ للقول، فكيف يصحّ أن يقال: ما تقول في سكوتك؟.
وأجيب بأنه يَحْتَمِل أنه استَدَلّ على أصل القول بحركة الفم، كما استدل به على قراءة القرآن في الظهر والعصر باضطراب اللحية. انتهى (١).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "ما تقول" يُشْعِر بأنه فهم أن هناك قولًا، فإن السؤال وقع بقوله: "ما تقول"، ولم يقع بقوله: "هل تقول"، والسؤال بـ "هل" مقدَّم على السؤال بـ "ما" هنا، ولعله استدلّ على أصل القول بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (٢).
(قَالَ) ﷺ جوابًا لسؤاله ("أَقُولُ) بينهما (اللَّهُمَّ) أي يا اللَّه (بَاعِدْ) أي أبعد، قال الكرمانيّ ﵀: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة، قال في "العمدة": لم يقل أهل التصريف إلا للتكثير، نحو: ضاعفت، بمعنى ضَعَّفتُ، وفي المبالغة معنى التكثير. انتهى (٣).
(بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) جمع خَطيَّة، كالعَطَايا جمع عَطيَّة، يقال: خَطَأ في دِينه خَطَأ: إذا أثم فيه، والخِطْءُ بالكسر: الذنب والإثم.
وأصل خطايا: خَطَايِئُ، فقلبوا الياء همزة، كما في قبائل جمع قبيلة، فصار خطائِئُ بهمزتين، فقلبوا الثانية ياء، فصار خطائي، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة فصارت خطايَي، فقلبت الياء ألفًا فصارت خطايا.
ثم إن الخطايا إن كان يراد بها اللاحقة، فمعناه: إذا قُدِّرَ لي ذنب فبَعِّدْ بيني وبينه، وإن كان يراد بها السابقة، فمعناه المَحْو والغفران، ويقال: المراد بالمباعدة مَحْوُ ما حَصَل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهذا مجازٌ؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان، والمكان، قاله في "العمدة".
стр. 7285
وقال في "المنهل": وفي هذا اللفظ مجازان: الأول: استعمال المباعدة في المعاني التي هي في الأصل تُسْتَعمل في الأجسام، الثاني: استعمالها في الإزالة بالكليّة مع أن أصلها لا يقتضي الزوال. انتهى (١).
(كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) قال في "العمدة": كلمة "ما" مصدرية تقديره: كتبعيدك بين المشرق والمغرب، ووجه الشبه أن التقاء المشرق والمغرب لَمّا كان مستحيلًا عادةً شُبِّه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق والمغرب.
وقال الكرمانيّ: كرَّر لفظ "بين" في قوله: "وباعد بيني وبين خطاياي" ولم يكرره في قوله: "بين المشرق والمغرب"؛ لأنه إذا عُطِف على المضمر المجرور أعيد الخافض. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الكرمانيّ هو قول جمهور النحاة، ولا يلزم ذلك عند ابن مالك ﵀، كما بيّنه في "خلاصته" حيث قال:
وعَوْدُ خَافض لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَمير خَفْض لازمًا قَدْ جُعلَا
وَلَيْسَ عندي لَازمًا إذْ قدْ أَتَى … في النَّظْم وَالنَّثْر الصَّحيح مُثْبتَا
قال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "اللهم باعد بيني. . . إلخ" عبارة: إما عن مَحْوِها، وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من وقوعها، والعصمة منها، وفيه مجازان:
أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها، والمباعدة في الزمان، أو في المكان في الأصل.
والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية، فإن أصلها لا يقتضي الزوال، وليس المراد ها هنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما المراد الإزالة بالكلية، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب المقصود منه ترك المؤاخذة، أو العصمة. انتهى (٣).
(اللَّهُمَّ نَقِّنِي) بتشديد القاف، وهو من نَقّى يُنَقِّي تنقيةً، وهو مجاز عن