(فمنها): حديث معاذ بن جبل ﵁ المذكور.
(ومنها): ما أخرجه المصنّف ﵀ عن البراء ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يُقْبِل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: "رَبِّ قني عذابك يوم تبعث، أو تجمع عبادك".
(ومنها): ما أخرجه النسائيّ في "سننه" عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، أن كعبًا حَلَف له باللَّه الذي فَلَق البحر لموسى، إنا لنجد في التوراة أن داود نبي اللَّه ﷺ كان إذا انصرف من صلاته قال: "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نِقْمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ، قال: وحدثني كعب أن صُهيبًا حدّثه أن محمدًا ﷺ كان يقولهنّ عند انصرافه من صلاته".
وهو حديث حسنٌ، كما بيّنته في "شرح النسائيّ" (١).
(ومنها): ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد رجاله ثقات، عن هلال بن يساف، عن زاذان، حدّثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في دبر الصلاة: "اللهم اغفر لي، وتُب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم" (٢).
والحاصل أن الدعاء بعد الصلوات المكتوبات مستحبّ؛ للأدلّة الكثيرة.
وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الدعوات" من "صحيحه": "باب الدعاء بعد الصلاة".
قال في "الفتح": وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يُشْرَع، متمسّكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة ﵂: كان النبيّ ﷺ إذا سلّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
والجواب أن المراد بالنفي المذكور نَفْيُ استمراره جالسًا على هيئته قبل
стр. 7212
السلام إلا بقدر ما ذُكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلّى أقبل على أصحابه، فَيُحْمَل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يُقْبِل على أصحابه.
قال ابن القيّم في "الهدي النبويّ": وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء الإمام، والمنفرد، والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبيّ ﷺ أصلًا، ولا رُوي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخَصّ بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبيّ ﷺ ، ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما استحسان رآه من رآه عِوَضًا من السنّة بعدهما، قال: وعامّة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربّه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟، ثم قال ﵀: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يُسْتَحبّ من أتى بها أن يصلي على النبيّ ﷺ بعد أن يَفْرُغ منها، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر، لا لكونه دبر المكتوبة. انتهى كلام ابن القيّم ﵀.
قال الحافظ ﵀: وما ادّعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبيّ ﷺ قال له: "يا معاذ إني واللَّه لأحبك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك"، أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، والحاكم.
وحديث أبي بكرة ﵁ في قول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر، كان النبيّ ﷺ يدعو بهن دبر كلّ صلاة"، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الحاكم.
وحديث سعد بن أبي وقّاص ﵁: كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلّم المكَتِّبُ الغلمانَ، ويقول: إنّ رسول اللَّه ﷺ كان يتعوّذ بهنّ دبر الصلاة: "اللَّهمّ إني أعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر". أخرجه البخاريّ، والنسائيّ.
وحديث زيد بن أرقم ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ يدعو في دبر كلّ
стр. 7213
صلاة: "اللَّهمّ ربّنا، وربّ كلّ شيء. . . " الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ (١).
وحديث صهيب ﵁ رفعه: "كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللَّهم أصلح لي ديني. . . " الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها، وهو التشهد.
قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا، حتى يثبت ما يخالفه.
وقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة ﵁: قيل: يا رسول اللَّه أيّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات"، وقال: حسن.
وأخرج الطبريّ من رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة.
وفَهِمَ كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيّم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه، أو قدّم الأذكار المشروعة، فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيق نفيس جدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر من الأدلّة أن الدعاء عقب الصلاة ثابت عن النبيّ ﷺ قولًا، وفعلًا، فلا يسع أحدًا إنكاره.
وأمّا تأويل قوله: "دبر كلّ صلاة" بأنه قبل السلام؛ لأن دبر الحيوان منه، فغير مسلّم؛ لأنه ﷺ علّمهم تلك الأذكار والدعوات، وأمرهم أن يجعلوها دبر كل صلاة، فلا يصحّ حمل بعضها على ما قبل السلام، كالدعوات، وبعضها على بعده، كالتسبيح، وقراءة آية الكرسيّ؛ إذ لا دليل على التفريق، ولا سيما وبعضها فيه التصريح بأنه بعد السلام.
стр. 7214
فقد أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" رقم (٧٤٣) عن عليّ ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، أنه كان إذا فرغ من صلاته، فسلّم قال: "اللهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت".
والحاصل أن الذكر والدعاء بعد السلام من الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائيّ، وقد تقدّم في كلام الحافظ ابن رجب ﵀، أنه مذهب الإمام أحمد، بل نقل أن أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي استحبّوا الدعاء عقب الصلوات، وذكره بعض الشافعية اتفاقًا. انتهى.
فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم، أو بعضهم، فلا وجه للإنكار.
وأما ما اعتاده الناس الآن في كثير من البلدان، من الدعاء الجماعي بعد الصلاة بأن يدعو الإمام، أو غيره، ويُؤمّن القوم فلم، يصحّ له دليل، ولا هو منقول عن السلف، كما تقدّم عن الحافظ ابن رجب ﵀، فالحذر كلّ الحذر من إحداث ما لم يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف.
فَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ … وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم رفع اليدين عند الدعاء:
(اعلم): أنه قد عقد الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" بابًا لرفع اليدين في الدعاء، فقال في "كتاب الدعوات":
"باب رفع الأيدي في الدعاء": وقال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبيّ ﷺ ، ثم رفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه.
وقال ابن عمر: رَفَعَ النبيّ ﷺ يديه، وقال: "اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".
قال أبو عبد اللَّه: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك، سمعا أنسًا، عن النبيّ ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
стр. 7215
قال في "الفتح": وفي الحديث الأول ردٌّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس ﵁: "لم يكن النبيّ ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء"، وهو صحيح، لكن جُمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناها بأن المنفيّ صفةٌ خاصّة، لا أصل الرفع.
وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يَعْكُر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما: "حتى يُرى بياض إبطيه"، بل يُجمَع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره.
وإما بأن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء.
قال المنذريّ ﵀: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح.
قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في جزء سَرَد منها النوويّ في "الأذكار"، وفي "شرح المهذب" جملةً، وعقد لها البخاريّ أيضًا في "الأدب المفرد" بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: قَدِمَ الطُّفَيل بن عمرو على النبيّ ﷺ ، فقال: إن دَوْسًا عَصَت، فادع اللَّه عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: "اللهم اهد دوسًا"، وهو في "الصحيحين"، دون قوله: "ورفع يديه".
وحديث جابر: "أن الطفيل بن عمرو هاجر"، فذكر قصّة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبيّ ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر، ورفع يديه". وسنده صحيح، وأخرجه مسلم.
وحديث عائشة ﵂ أنها "رأت النبيّ ﷺ يدعو رافعًا يديه، يقول: اللهم إنما أنا بشر. . . " الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك: ما أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبيّ ﷺ رافعًا يديه، يدعو لعثمان".
ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ في قصّة الكسوف: "فانتهيت إلى النبيّ ﷺ ، وهو رافع يديه يدعو".
وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا: "ثم رفع يديه يدعو".
стр. 7216
وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: "فرفع يديه ثلاث مرّات. . . " الحديث.
ومن حديث أبي هريرة ﵁ الطويل في فتح مكة: "فرفع يديه، وجعل يدعو".
وفي "الصحيحين" من حديث أبي حميد ﵁ في قصة ابن اللُّتَبِيَّة: "ثم رفع يديه حتى رأيت عُفرة إبطه يقول: اللَّهم هل بلّغت".
ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: "أن النبيّ ﷺ ذكر قول إبراهيم وعيسى، فرفع يديه، وقال: اللهم أمتي".
وفي حديث عمر ﵁: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه كدَوِيّ النَّحْل، فأنزل اللَّه عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا. . . " الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائيّ، والحاكم.
وفي حديث أسامة ﵁: "كنت رِدْفَ النبيّ ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناوله بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى"، أخرجه النسائيّ بسند جيّد.
وفي حديث قيس بن سعد ﵁ عند أبي داود: "ثم رفع رسول اللَّه ﷺ يديه، وهو يقول: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة. . . " الحديث، وسنده جيّد.
والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُوَيبة -براء، وموحدة، مصغرًا- أنه رأى بِشْرَ بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: "لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ ، وما يزيد على هذا، يشير بالسبّابة".
فقد حَكَى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنّة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء، مع ثبوت الأخبار -الصحيحة- بمشروعيتها.
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وغيرهما من حديث
стр. 7217
سلمان ﵁ رفعه: "إن ربكم حيّي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا" -بكسر المهملة، وسكون الفاء- أي خالية - وسنده جيّد.
قال الطبريّ: وكره رفعَ اليدين في الدعاء ابنُ عمر، وجُبيرُ بن مطعم، ورأى شُرَيح رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أُمّ لك؟، وساق الطبريّ ذلك بأسانيده عنهم.
وذكر ابن التين عن عبد اللَّه بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدوّنة": ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض.
وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر ﵄، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضًا.
وعن ابن عباس ﵄ أن هذه صفة الدعاء.
وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: "المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا".
وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه.
وقد صحّ عن ابن عمر ﵄ خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" من طريق القاسم بن محمد: "رأيت ابن عمر ﵄ يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يُحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه".
انتهى كلام الحافظ ﵀ في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من الأحاديث والآثار أن رفع اليدين في الدعاء مشروع، بل هو من أسباب إجابة الدعاء، كما بُيّن ذلك في حديث سلمان ﵁: "إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرًا". فلا ينبغي للداعي أن يُهْمِل رفع يديه في دعائه رجاءَ القبول.
وأما القائلون بكراهة رفع اليدين في الدعاء، فيُعتذر عنهم بأنه لم تَصِل
стр. 7218
إليهم هذه الأحاديث الصحاح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فليس فيه حديث صحيح، بل الأحاديث الواردة في ذلك كلّها ضعاف، وأما تحسين الحافظ ﵀ في "بلوغ المرام" بعضها، فليس بحسن، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (١)، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعِ، عَنْ وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ (٢)، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ، وَكَتَبْتُ بِهَا (٣) إِلَى مُعَاوِيَةَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في هذا الباب.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ سِنَانِ) بن أسد بن حِبّان -بكسر المهملة، بعدها موحّدة- أبو جعفر القطّان الواسطيّ، ثقة حافظ [١١].
رَوَى عن يحيى سعيد القطان، وأبي أحمد الزبيري، وأبي أسامة، ويزيد بن هارون، والشافعي، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ في حديث مالك، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو موسى، وهو من أقرانه، وابنه جعفر بن أحمد بن سنان، وزكريا بن يحيى الساجي، وأبو بكر بن أبي داود، وابن أبي حاتم، وابن صاعد، وأبو حاتم.
стр. 7219
قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال إبراهيم بن أُورمة: أَعَدْنا عليه ما سمعناه منه من بُندار وأبي موسى، يعني لإتقانه وحفظه، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطنيّ: كان من الثقات الأثبات، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقدَّمه على بُندار، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: حدثنا عنه ابنه جعفر.
قيل: مات سنة (٦)، وقيل: سنة (٨)، وقيل: سنة (٢٥٩)؛ وقال ابن حبّان: مات (٢٥) أو قبلها، أو بعدها بقليل.
وليس له عند البخاريّ سوى حديث واحد، وقد روى عنه النسائيّ في "السنن الكبرى" عدّة أحاديث في "الحدود"، و"الطلاق"، وغير ذلك.
وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٩٣)، و (٢٣٢٠): "أشدّ حياءً من العذراء في خدرها. . . ".
٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم في هذا الباب.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءة، ورعٌ لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: "بمثله"، أي بمثل الحديث الماضي، يعني أن الأعمش حدّث عن الْمُسيَّب بن رافع بمثل حديث منصور عنه.
وقوله: (قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ) فاعل "قال" ضمير ورّاد.
وقوله: (وَكَتَبْتُ بِهَا) وفي نسخة: "فكتبتُ بها".
[تنبيه]: رواية الأعمش هذه ساقها الإمام أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال:
(١٥٠٥) حدّثنا مسدَّد، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن وَرّاد، مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة: كَتَب معاوية إلى المغيرة بن شعبة، أيُّ شيء كان رسول اللَّه ﷺ يقول إذا سلّم من الصلاة؟ فأملاها المغيرة عليه، وكتبْ إلى معاوية، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على
стр. 7220
كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، أَنَّ وَرَّادًا مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ وَرَّادٌ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) (١).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) البرسانيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٤ - (عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقة [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في "الصلاة" ١٣/ ٨٩٧.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لمنصور، والأعمش.
وقوله: (فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف، والضمير لعبدة بن أبي لبابة، ويَحْتَمِل أن يكون مبنيًّا للمفعول، أي لم يُذكر قوله: "وهو على كلّ شيء قدير" في حديث عبدة، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبدة بن أبي لبابة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
стр. 7221
(١٧٦٧٣) حدّثنا عبد الرزاق، وابن بكر قالا: أنا ابن جريج، وحدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا ابن جريج، أخبرني عبدة بن أبي لبابة، أن ورّادًا مولى المغيرة بن شعبة أخبره، أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية، كتب ذلك الكتاب له وَرّاد: إني سمعت النبيّ ﷺ يقول حين يسلِّم: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ"، قال ورّاد: ثم وَفَدتُ بعد ذلك على معاوية، فسمعته على المنبر يأمر الناس بذلك القول، ويعلمهموه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي أَزْهَرُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عُمر بن حفص بن عمر بن عُبيد اللَّه بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقة [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَزْهَرُ) بن سعد السمّان، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وابن عون، وهشام الدستوائيّ، ويونس بن عُبيد.
ورَوَى عنه ابن المبارك، وهو أكبر منه، وعليّ ابن المدينيّ، وعمرو بن عليّ الفلاس، والحسن بن علي الحلوانيّ، وبندار، وأبو موسى، والذُّهْليّ، وأبو مسعود الرازيُ الْكُدَيْمِيّ.
стр. 7222
قال ابن سعد: ثقة أوصى إليه عبد اللَّه بن عون، وقال ابن قانع في "الْوَفَيَات": ثقةٌ مأمونٌ، وفي "تاريخ البخاريّ" الكبير: حكاية عن ابن عون قال: أزهر أزهر، وقال ابن معين: أروى عن ابن عون، وأعرفهم به أزهر، وقال في رواية الغلابيّ: لم يكن أحد أثبت في ابن عون من أزهر، وبعده سُليم بن أخضر، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى: ثقةٌ، وحَكَى ابن شاهين في "الثقات" عن حماد بن زيد، أنه كان يأمر بالكتابة عن أزهر، وقال العقيليّ في "الضعفاء": له حديث منكر، عن ابن عون، وساق له حديث فاطمة في التسبيح، وصله أزهر، وخالفه غيره فأرسله، وحَكَى العقيليّ وأبو العرب الصَّقْليّ في "الضعفاء" أن الإمام أحمد قال: ابن أبي عديّ أحب إليّ من أزهر.
وتعقّب الحافظ هذا، وقال: ليس هذا بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء، ولكن ذَكَر العقيليّ، عن عليّ ابن المدينيّ: قال: رأيت في أصل أزهر في حديث عليّ في قصة فاطمة في التسببح عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، مرسلًا، فكلمت أزهر فيه، وشكَّكته فأبى، وعن عمرو بن عليّ الفلاس قال: قلت ليحيى القطان: أزهر عن ابن عون، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد اللَّه، حديث: "خيرُ الناس قرني. . . "؟ قال: ليس فيه عبد اللَّه، قلت: سمعته من ابن عون؟ فقال: لا، ولكن رأيت أزهر يحدِّث به من كتابه، لا يزيد على عُبيدة، قال عمرو بن عليّ: فاختلفت إلى أزهر أيامًا، فأخرج إليّ كتابه، فإذا فيه كما قال يحيى ﵀.
تُوُفّي وهو ابن أربع وتسعين سنةً، قال غيره: مات سنة (٢٠٣)، وذكر ابن حبان في "الثقات" أن مولده سنة (١١١).
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٥٩٣) و (١٦٢٣) و (١٦٣٣) و (١٦٧١) و (١٨٢١) و (٢٥٣٣).
٥ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد اللَّه بن عون بن أَرْطبان، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) الشاميّ، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، وعنه ابن
стр. 7223
عون، قال أبو عوانة الإسفرايينيّ: يقال: إن أبا سعيد هذا اسمه كثير، وهو رضيع عائشة، وقال الحاكم أبو أحمد: هو عمرو بن سعيد الثقفيّ، وقال غيره: اسمه عبد ربه، وقيل: لا يعرف اسمه، [٦].
قال الحافظ: القول الأخير قول أبي مسعود، والذي قبله قول الدارقطنيّ، ولم يَجزم، واستَشْهَد لذلك بأن حماد بن سلمة، رَوَى ذلك الحديث عن الْجُريريّ، وابن عون، وداود بن أبي هند، ثلاثتهم عن أبي سعيد، عن وَرّاد، ورواه خالد الواسطيّ، عن الْجُريريّ، عن عبد ربه، عن وَرّاد، قال الدارقطنيّ: فلعل اسم أبي سعيد عبدُ ربه، وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد": أبو سعيد هذا أظنه الحسن البصريّ، قال هذا في ترجمة يزيد بن زياد من "التمهيد"، فهذه خمسة أقوال. انتهى (١).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": اختَلَفوا في أبي سعيد هذا، فالصواب الذي قاله البخاريّ في "تاريخه" وغيره من الأئمة أنه عبد ربه بن سعيد، وقال ابن السكن: هو ابن أخي عائشة ﵂ من الرضاعة، وغَلَّطوه في ذلك، وقال ابن عبد الْبَرّ: هو الحسن البصريّ ﵀، وغَلَّطوه أيضًا. انتهى (٢).
وعبارة القاضي عياض ﵀ في "الإكمال": قال الإمام -يعني المازريّ-: كذا وقع أبو سعيد غير مسمّى، وسمّاه البخاريّ في "التاريخ الكبير" (٣): عبد ربّه، وتابعه على ذلك ابن الجارود، وقد ذكر البخاريّ عن إسحاق، عن خالد، عن الْجُريريّ، عن عبد ربّه، عن وَرّاد، قال الدارقطنيّ: لعله اسم أبي سعيد، قال البخاريّ: قال عثمان بن عُمر، عن ابن عون، عن أبي سعيد الشاميّ، عن وَرّاد.
وقال ابن السكن في "مصنّفه": أبو سعيد عن ورّاد هو ابن أخي عائشة من الرضاعة، ووَهِمَ في هذا؛ لأن أبا سعيد رضيع عائشة، واسمه كثير بن عُبيد
стр. 7224
مشهور بذلك يُعَدّ في الكوفيين، وذلك رجل شاميّ، وأَرَى دخول الوهم على ابن السكن من قِبَل أن عبد اللَّه بن عون يروي عنهما جميعًا.
وقد حَكَى ابن عبد البرّ أن أبا سعيد في هذا الإسناد هو الحسن البصريّ، وليس هذا بشيء، وقول البخاريّ، ومن تابعه أولى. انتهى كلام عياض ﵀ (١).
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ) يعني أن حديث ابن عون، عن أبي سعيد، عن ورّاد مثل حديث منصور، والأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن ورّاد.
[تنبيه]: رواية ابن عون هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٥٥٤) فقال:
(٢٠٧٤) حدّثنا محمد بن إبراهيم الطرسوسيّ، قال: ثنا رَوْح (ح) وحدّثنا العباس بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عُمر (ح) وحدّثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، كلهم قالوا: ثنا ابن عون، أنبأني أبو سعيد، وقال بعضهم: عن أبي سعيد، قال: أنبأني وَرّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء حفظته من رسول اللَّه ﷺ . قال: كان إذا صلّى ففرغ، قال: "لا إله إلا اللَّه -قال: وأظنه قال-: وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ". انتهى.
قال أبو عوانة: يقال: إن أبا سعيد هذا اسمه كثير، وهو رضيع عائشة، وبعض هؤلاء قال: أبو سعيد الشاميّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللْه عنه: قد عرفت ما في كلام أبي عوانة هذا آنفًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7225
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعَا وَرَّادًا، كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، يَقُولُ: كَتَبَ مُعَاوِيةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قُدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ، ويقال له: الفَرَسيّ، ثقة فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) عن (١٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
وقوله: (إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ) أي فرغ منها، وخرج منها بالسلام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٦] (٥٩٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، حِينَ يُسَلِّمُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ
стр. 7226
الْكَافِرُونَ"، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) (١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في ثاني أحاديث الباب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (ابْنُ الزُّبَيْرِ) هو: عبد اللَّه بن الزبير بن الْعَوّام القُرشيّ الأسديّ، أبو بكر أو أبو خُبيب الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، قُتِل في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٦/ ٦١٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين بالمدينة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم، وفي رواية الحجاج بن أبي عثمان الآتية: حدّثني أبو الزبير، قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير يخطب على هذا المنبر. . . (قَالَ: كَانَ) عبد اللَّه (ابْنُ الزُّبَيْرِ) ﵄ (يَقُولُ) زاد الشافعيّ: في روايته: "بصوته الأعلى"، ونَصّه في "الأمّ": أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال:
стр. 7227
حدثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد اللَّه بن الزبير، يقول: كان رسول اللَّه ﷺ إذا سلّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ" (١).
إلا أنه ليس عنده كلمة "لا إله إلا اللَّه" بين قوله: "لا حول ولا قوّة إلا باللَّه"، وقولِهِ: "ولا نعبد إلّا إيّاه". وإبراهيم شيخه متكلّم فيه، وكان هو يوثّقه، والجمهور على تضعيفه، بل كذّبه بعضهم.
(فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أي مكتوبة، كما تقدّم تقييده في حديث المغيرة ﵁ (حِينَ يُسَلِّمُ) قيل: فيه أنه ينبغي أن يكون هذا الذكر تاليًا للسلام، مقدّمًا على غيره، لتقييد القول به بوقت التسليم.
ولا يعارض هذا ما تقدّم من حديث ثوبان، وعائشة ﵄؛ لإمكان حمله على أوقات مختلفة، فتارةً يقول بعد السلام ما وقع في حديث ثوبان، وعائشة ﵂، وتارة يقول ما وقع في حديث عبد اللَّه بن الزبير ﵄ هذا، وتارةً يقول ما تقدّم في حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
وعلى هذا فالسنّة أن يأتي بهذه الأذكار على سبيل البدل، لا الجمع، وقيل: يجوز الجمع بينها؛ لأنه يحتمل أنه ﷺ كان يجمع بينها، ورَوَى كلُّ واحد ما سمعه منه ﷺ ، ولا يخفى بُعده (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا بُعْدَ في الجمع المذكور، بل هو الظاهر؛ لأنه ﷺ كان يجلس لانتظار انصراف النساء من المسجد ودخولهنّ بيوتهن، وذلك الوقت يسع أكثر من الذكر المذكور بكثير، فالظاهر أنه كان يقول أكثر من ذكر واحد، فينبغي من طال جلوسه أن يجمع بين هذه الأذكار، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
("لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) "لا" نافية للجنس، وخبرها محذوف، أي لا معبود بحقّ سواه، فلا بدّ من كلمة "بحقّ"، فلا يقدّر: لا معبود إلا اللَّه، كما يقدّره بعضهم؛ لأن المعبودات كثيرة، وإنما المراد المعبود بحقّ، وكذا لا يقدّر بـ "لا
стр. 7228
موجود إلا اللَّه"؛ فإن هذا مذهب الحلوليّة، وكذا ما قدّره بعض الشرّاح هنا: أي لا إله موجود غير اللَّه تقدير فاسدٌ؛ لأن وجود الآلهة مما لا شكّ ولا ارتياب فيه، فقد قال المشركين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية، وقال فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ الآية، فليس المراد نفي وجود الآلهة، وإنما المراد نفي كونها معبودة بحقّ، وأنها لا تستحقّ العبادة، وإنما المعبود بحقّ هو اللَّه ، وهو المستحقّ للعبادة، دون غيره (وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتأويله مشتقًّا نكرةً، أي حال كونه منفردًا في ذاته (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته. وقيل: تأكيد بعد تأكيد، لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد (لَهُ) أي لا لغيره، فتقديم الخبر يفيد الحصر (الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ) في الأولى والآخرة، لا لغيره، فلا منعم سواه حتى يستحقّ الحمد (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) قال الأزهريّ: سمعت المنذريّ، يقول: سمعت أبا الهيثم يقول عن تفسير قوله: "لا حول ولا قوّة إلا باللَّه"، قال: الحولُ: الحَرَكَةُ، تقول: حالَ الشخصُ: إذا تحرّك، وكذلك كلّ متحوّل عن حاله، فكأن القائل إذا قال: لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة اللَّه، وقال الكسائي: يقال: لا حول ولا قوّة إلا باللَّه، ولا حَيْلَ ولا قوّة إلا باللَّه، وورد ذلك في الحديث: لا حول ولا قوّة إلا باللَّه، وفُسّر بذلك المعنى: لا حركة، ولا قوّة إلا بمشيئة اللَّه تعالى، وقيل: الحول الحيلةُ، قال ابن الأثير، والأول أشبه. انتهى.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ) إذ لا يستحقّ العبادة سواه (لَهُ النِّعْمَةُ) المراد جنس النعمة، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، أو له نعمة التوفيق (وَلَهُ الْفَضْلُ) أي له الفضلُ بالقبول، أو له التفضّل على عباده (وَلَهُ) (الثَّنَاءُ الْحَسَنُ) أي الوصف الحسن على ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي الطاعة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي كرهوا كوننا مخلصين ديننَا للَّه، وكوننا عابدين وموحّدين له .
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "مخلصين" حالٌ عاملُهُ محذوفٌ، وهو الدّالّ على مفعول "كره"، أي نقول: "لا إله إلا اللَّه" حال كوننا مخلصين، ولو كره
стр. 7229
الكافرون قولنا، و"الدين" مفعول به لـ "مخلصين"، و"له" ظرف قدّم على المفعول به للاهتمام به. انتهى.
وتعقّبه بعضهم، فقال: فيه تكلّف، والأولى جَعْلُهُ حالًا من فاعل "نعبد" المذكور. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: التكلّف فيما قاله موجود أيضًا، حيث إن فيه الفصل بين الحال وصاحبه بقوله: "له النعمة إلخ"، فما قاله الطيبيّ ﵀ أقرب، فتأمّل.
(وَقَالَ) ابن الزبير ﵄ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ) أي يرفع صوته بهؤلاء الكلمات، يقال: أهلّ الرجل: إذا رفع صوته بذكر اللَّه تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يُعجبه (١). (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) وفي نسخة: "في دبر كلّ صلاة"، المراد المكتوبة، كما تقدّم قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن الزبير بهذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٤٦ و ١٣٤٧ و ١٣٤٨ و ١٣٤٩] (٥٩٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٥٠٦ و ١٥٠٧)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٣٩ و ١٣٤٠) وفي "الكبرى" (١٢٦٢ و ١٢٦٣) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤ و ٤/ ٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٤١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٠٨ و ٢٠٠٩ و ٢٠١٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٧٥ و ٢٠٧٦ و ٢٠٧٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١٧ و ١٣١٨ و ١٣١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٧)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7230
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، مَوْلًى لَهُمْ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، كَانَ يُهَلِّلُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في هذا الباب.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مَوْلًى لَهُمْ) يعني أن أبا الزبير مولى لهشام بن عروة وأسرته، ولذا تقدّم في ترجمته أنه أسديّ، وهو قبيلة هشام بن عروة.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن حديث عبدة بن سليمان، عن هشام، مثل حديث عبد اللَّه بن نمير عنه.
وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرِهِ) فاعل "قال" ضمير عبدة، أي قال عبدة في روايته في آخر هذا الحديث: "ثم يقول ابن الزبير: كان رسول اللَّه ﷺ . . . إلخ".
[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(١٣٤٠) أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبدة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبي الزبير، قال: كان عبد اللَّه بن الزبير، يُهَلل في دبر الصلاة، يقول: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون"، ثم يقول ابن الزبير: كان رسول اللَّه ﷺ يُهَلِّل بهنّ في دبر الصلاة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7231
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، أَوِ الصَّلَوَاتِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) عن (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩، وهو أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصوّاف، أبو الصَّلْت الكنديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٢/ ٣١٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ) الظاهر أنه منبر مكة؛ لأن مكة كانت مقرّ خلافة عبد اللَّه بن الزبير ﵄، وأبو الزبير مكيّ، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (أَوِ الصَّلَوَاتِ) "أو" للشكّ من الراوي.
وقوله: (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الحجّاج بن أبي عثمان.
[تنبيه]: رواية الحجّاج بن أبي عثمان هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٥/ ٣٥٢) فقال:
(٢٠١٠) أخبرنا ابن خزيمة، قال: حدّثنا يعقوب الدَّوْرَقيّ، قال: حدّثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، قال: حدّثنا حجاج بن أبي عثمان، قال: أخبرنا أبو الزبير، قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير، يخطب على هذا المنبر، وهو يقول: كان رسول اللَّه ﷺ إذا سلّم في دبر الصلاة، يقول: "لا إله إلا اللَّه، لا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل، والثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين،
стр. 7232
ولو كره الكافرون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّي حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي إِثْرِ الصَّلَاةِ إِذَا سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِم) بن عبد اللَّه بن عمر المدنيّ، صدوقٌ، من كبار [٨] (ت ١٥٣) (م د س) تقدم في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨٢.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لهشام بن عروة، والحجّاج بن أبي عثمان، يعني أن موسى بن عقبة حدّث عن أبي الزبير بمثل حديث هشام، والحجاج كلاهما عنه.
وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرِهِ) فاعل "قال" ضمير موسى بن عقبة، أي قال موسى بن عقبة في آخر الحديث: "وكان يذكر. . . إلخ"، فقوله: "وكان يذكر. . . إلخ" مقول "قال".
стр. 7233
وقوله: (وَكَانَ يَذْكُرُ. . . إلخ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير لعبد اللَّه بن الزبير ﵁.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة هذه ساقها الإمام الشافعيّ في كتابه "الأمّ " (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، ونصّه:
أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعيّ، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدّثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد اللَّه بن الزبير يقول: كان رسول اللَّه ﷺ إذا سلّم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٠] (٥٩٥) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ، أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: ذَهَبَ (١) أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ "، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ (٢)، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً"، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ
стр. 7234
الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ، يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ"، وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَهِمْتَ إِنَّمَا قَالَ (١): "تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ (٢)، وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ"، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ، قَالَ (٣) ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَيِ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر الأحول التيميّ، أبو عُمَر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن معتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له النسائيّ بواسطة أحمد بن محمد بن جعفر الطرسوسيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، وجعفر بن محمد الفريابيّ، والحسن بن أحمد بن الليث الرازيّ، والحسن بن علي المعمريّ، والفضل بن العباس فَضْلَك الرازيّ، وموسى بن هارون الحمال، ويعقوب بن سفيان، وعليّ بن سعيد بن بشير الرازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو معلى، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
стр. 7235
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد الملقّب بالطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عثمان المدجنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (لَيْث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت هـ ١٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٦ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد القرشيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
٧ - (سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في "الصلاة" ١٨/ ٩١٨.
٨ - (أَبُو صَالِح) ذَكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وملتقى الإسنادين هو سُميّ، فكلّ من عبيد اللَّه، وابن عجلان يرويان عن سُميّ، فمرجع في قوله: "كلاهما" عبيد اللَّه وابن عجلان.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عاصم، كما أسلفته آنفًا، وابن عجلان علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه وابن عجلان، والباقون بصريّون، سوى قُتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن رواية عبيد اللَّه وابن عجلان عن سُميّ من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وهو من السادسة.
стр. 7236
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سُمَيٍّ) -بضمّ السين المهملة، وتشديد التحتانيّة، بصيغة التصغير- مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، قال الحافظ ﵀: لم أقف لِسُمَيّ على رواية عن أحد من الصحابة، فتكون رواية عبيد اللَّه عنه من رواية الكبير عن الصغير. انتهى (١). (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السّمّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وقوله: (وَهَذَا حَدِيث قُتَيْبَةَ) يعني سياق المتن لشيخه قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سُميّ، وأما رواية عاصم، عن المعتمر، عن عبيد اللَّه، فهي رواية بالمعنى.
[تنبيه]: رواية عاصم، عن المعتمر، أخرجها ابن حبّان في "صحيحه"، فقال:
(٢٠١٤) أخبرنا عُمر بن محمد الهمدانيّ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، قالا: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر، قال: سمعت عبيد اللَّه بن عمر، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء الفقراء إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: "أفلا أدلكم على أمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهريه، إلا أحد عمل بمثل أعمالكم؟، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين". انتهى (٢).
(أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرينَ) قال ابن الملقّن ﵀: هو من باب "مسجد الجامع"، و"صلاة الأولى"، مما أُضيف فيه الموصوف إلى صفته، وكان الأصل: الفقراءَ
стр. 7237
المهاجرين، كما أن الأصل: المسجد الجامع، والصلاة الأولى. انتهى (١).
وقال في "الفتح": سُمّي منهم في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، أبو ذرّ الغفاريّ، أخرجه أبو داود، وأخرجه جعفر الفريابيّ في "كتاب الذكر" له من حديث أبي ذرّ نفسِهِ، وسُمِّي منهم أبو الدرداء عند النسائيّ وغيره، من طُرُق عنه، ولمسلم من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنهم قالوا: يا رسول اللَّه. . . فذكر الحديث، والظاهر أن أبا هريرة منهم.
وفي رواية النسائيّ عن زيد بن ثابت، قال: أَمَرنا أن نُسَبِّح. . . الحديث كما سيأتي لفظه، وهذا يمكن أن يقال فيه: إن زيد بن ثابت كان منهم.
ولا يعارضه قوله في رواية مسلم هنا: "جاء فقراء المهاجرين"؛ لكون زيد بن ثابت من الأنصار؛ لاحتمال التغليب. انتهى (٢).
(أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: ذَهَبَ) وفي نسخة: "قد ذهب" (أَهْلُ الدُّثُورِ) -بضم الدال المهملة، والثاء المثلّثة-: جمع دَثْرٍ -بفتح، فسكون- هو المال الكثير، وكذا الكثير من كلّ شيء.
وقال القرطبيّ ﵀: "الدُّثُور": واحد الدّثْر، وهو المال الكثير، وكذا الدِّبْرُ، بكسر الدال، وبالباء الموحّدة، قال ابن السّكّيت: الدِّبر: المال الكثير، ووقع في السير في خبر النجاشيّ: "دَبْر من ذهب" بفتح الدال، قال ابن هشام: ويقال: دَبْرَى، وهو الجبل بلغة الحبشة، وقال الهرويّ: يقال: مالٌ دَثْرٌ، ومالان دَثْرٌ، وأموالٌ دَثْرٌ، وحكى أبو عمر المطرّز أن الدَّثْر بالثاء يثنّى ويُجمع. انتهى (٣).
ولفظ البخاريّ: "ذَهَب أهلُ الدثور من الأموال"، فمِن في قوله: "من الأموال" للبيان.
ووقع عند الخطابيّ: "ذهب أهل الدُّور من الأموال"، وقال: كذا وقع
стр. 7238
"الدُّور"، جمع دار، والصواب: "الدُّثُور". انتهى. وذكر صاحب "المطالع" عن رواية أبي زيد المروزيّ أيضًا: "الدور".
(بِالدَّرَجَاتِ) الباء للتعدية، وقال الطيبيّ ﵀: الباء بمعنى المصاحبة، وهو أولى وأوقع في هذا المقام من الهمزة المتضمّنة لمعنى الإزالة، يعني ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، واستصحبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومَضَوا بها، ولم يتركوا لنا شيئًا منها، فما حالنا يا رسول اللَّه؟، ولو قيل: أذهب أهل الدثور الدرجات العلى، أي أزالوها لم يكن بذاك، هذا مذهب المبرّد، وصاحبُ "الكشّاف"، نصّ في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] على هذا المعنى، ومن لم يقف على سرّ المعاني من النحاة تكلّم عليه، وقد أجبنا عن ذلك في "فتوح الغيب" مستقصًى، وهذا الحديث من أقوى الدليل على ما قصدناه. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١).
(الْعُلَى) -بضم العين-: جمع الْعَلْياء، وهي تأنيث الأعلى.
قال ابن الملقّن ﵀: "الدرجات" يجوز أن تكون حسيّةً على ظاهرها من دَرَج الجنّات، ويجوز أن تكون معنويّةً: أي علا قدرهم عند اللَّه تعالى، وارتفعت درجاتهم عنده، من قولهم: ارتفعت درجة فلان عند الملك، ونحو ذلك. انتهى (٢).
(وَالنَّعِيمِ) هو: ما يُتنعّم به، من ملبس ومطعم، أو منكح، أو منظر، أو من علوم، ومعارف، أو غير ذلك (الْمُقِيمِ) هو الذي لا ينقطع أبدًا، أي وبالعيش الدائم الْمُستَحَقّ بالصدقة، قال الطيبيّ ﵀: وَصَفه بـ "المقيم" تعريضًا بالنعيم العاجل، فإنه قلّما يصفو، وإن صفا فهو في وشك الزوال، وسُرعة الانتقال. انتهى (٣).
وفي رواية محمد بن أبي عائشة عند أبي داود التي سبق الإشارة إليها: "ذهب أصحاب الدُّثور بالأُجور"، وكذا هو عند مسلم في "كتاب الزكاة"، من حديث أبي ذرّ ﵁.
стр. 7239
(فَقَالَ) ﷺ ("وَمَا ذَاكَ؟ ") وفي البخاريّ في "الدعوات"، من رواية ورقاء، عن سُمَيّ: "قال: كيف ذلك؟ "، والمعنى: ما سببُ قولكم هذا؟، أو ما سبب فوزهم، وحِيازهم دونكم؟.
(قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي الدرداء المذكور: "ويذكرون كما نَذْكُر"، وللبزار من حديث ابن عمر ﵄: "صَدَّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا" (وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّق) وفي رواية البخاريّ: "ولهم فضل أموال، يحجّون بها، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون" (وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإعتاق، لا من العتق.
وفي رواية البخاريّ: "ولهم فَضْلٌ من الأموال، يحجّون بها، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون".
قال في "الفتح": قوله: "يَحُجّون بها"، أي ولا نَحُجّ، يُشْكِل عليه ما وقع في رواية جعفر الفريابيّ من حديث أبي الدرداء ﵀: "ويَحُجُّون كما نحج"، ونظيره ما وقع هنا: "ويجاهدون"، ووقع في "الدعوات" من رواية وَرْقاء، عن سُمَيّ: "وجاهدوا كما جاهدنا"، لكن الجواب عن هذا الثاني ظاهر، وهو التفرقة بين الجهاد الماضي، فهو الذي اشتركوا فيه، وبين الجهاد المتوقَّع، فهو الذي تقدِرُ عليه أصحاب الأموال غالبًا، ويمكن أن يقال مثله في الحجّ، ويَحْتَمِل أن يقرأ: "يُحِجُّون بها" بضم أوله من الرباعيّ، أي يعينون غيرهم على الحجّ بالمال. انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أفَلَا أُعَلِّمُكُمْ) -بضم حرف المضارعة، وتشديد اللام- من التعليم، وقُدّمت الهمزة للصدارة، والتقدير: ألا أُسلِّيكم، فأعلّمكم؟ (شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ) أي بذلك الشيء (مَنْ سَبَقَكُمْ) أي من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصدقة، والإعتاق، و"من" موصولة مفعول به لـ "تُدرِكون".
والسبقية هنا يَحْتَمِل أن تكون معنوية، وأن تكون حسية، قال الشيخ تقيّ الدين: والأول أقرب، قاله في "الفتح".
وقال في "المرعاة": والمراد بالسبق السبقُ رُتبةً، أي من حيث كثرة
стр. 7240
الأعمالِ بسبب المال، ورجّحه الشيخ تقيّ الدين على السبق زمانًا، وعلى هذا ينبغي حملُ البعديّة في قوله: "وتسبقون به من بعدكم" على البعديّة رتبةً أيضًا، أي تسبقون به أمثالكم الذين لا يقولون هذه الأذكار، فتكون البعديّة معنويّةً، أي بحسب الرتبة، لا حسّيّةً. انتهى (١).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: السبقيّة هنا يَحْتَمِل أن تكون في الغنى، وهو السبق في الفضيلة، وقوله: "مَن بعدكم" أي من بعدكم في الفضيلة ممن لا يعمل هذا العمل، ويَحْتَمل أن يُراد القبليّة الزمانيّة، والبعديّة الزمانيّة، ولعلّ الأول أقربُ إلى السياق، فإن سؤالهم كان عن أمر الفضيلة، وتقدّم الأغنياء. انتهى (٢).
قال ابن الملقّن بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد هذا: لعلّ مراده بالقبليّة والبعديّة من كان في زمنهم، وإلا ففضيلة هذه الأمة ثابتة على من سبقهم، وإن لم يقولوا هذا الذكر. انتهى (٣).
(وَتَسْبِقُونَ) -بفتح أوله- من السَّبْق (بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ) -بفتح ميم "من"، وهي موصولة مفعولُ "تَسبقون" (وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ") قيل: الاستثناء متعلّق بهذه الجملة الأخيرة فقط، وقيل: يصحّ جعله متعلّقًا بالجمل الثلاث كلّها على معنى: يحصل لكم الأحوال الثلاثة بالنظر إلى الطوائف إلا من عَمِل من الطوائف الثلاثَ مثله.
وقال الطيبيّ ﵀:
[فإن قلت]: ما معنى الأفضليّة في قوله: "لا يكون أحدٌ أفضل منكم" مع قوله: "إلا من صنع مثل ما صنعتم"، فان الأفضليّة تقتضي الزيادة، والمثليّة تقتضي المساواة؟.
[قلت]: هو من باب قوله [من الرجز]:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ … إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
стр. 7241
يعني إن قُدِّرَ أن المثليّة تقتضي الأفضليّة، فتحصُل الأفضليّة، وقد عُلِمَ أنها لا تقتضيها، فإذًا لا يكون أحدٌ أفضل منكم، وهذا على مذهبٍ تميميّ (١).
ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: ليس أحدٌ أفضل منكم إلا هؤلاء، فإنهم يساوونكم، ويَحْتَمل أن يكون المعني بـ "أحدٌ" الأغنياءُ، أي ليس أحدٌ منهم أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم. انتهى كلام الطيبيّ ﵀.
وقال في "الفتح" عند شرح رواية البخاريّ بلفظ: "وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم" ما نصّه: قيل: ظاهره يخالف ما سبق؛ لأن الإدراك ظاهره المساواة، وهذا ظاهره الأفضلية.
وأجاب بعضهم بأن الإدراك لا يلزم منه المساواة، فقد يُدرِك ثم يفوق، وعلى هذا فالتقرب بهذا الذكر راجح على التقرب بالمال.
ويَحْتَمِل أن يقال: الضمير في "كنتم" للمجموع من السابق والمدرك، وكذا قوله: "إلا مَن صنع مثل صنيعكم" أي من الفقراء، فقال الذكرَ، أو من الأغنياء، فتصدق، أو أن الخطاب للفقراء خاصّةً، لكن يشاركهم الأغنياء في الخيرية المذكورة، فيكون كل من الصنفين خيرًا ممن لا يتقرب بذكر، ولا صدقة، ويَشهد له قوله في حديث ابن عمر ﵄ عند البزار: "أدركتم مثل فضلهم"، ولمسلم في حديث أبي ذرّ ﵁: "أوَليس قد جعل لكم ما تتصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقةً، وبكل تكبيرة صدقة. . . " الحديث.
واستُشكِل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال، مع شدّة المشقة فيه.
وأجاب الكرمانيّ بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل
стр. 7242
حالة، واستَدَلّ لذلك بفضل كلمة الشهادة مع سهولتها على كثير من العبادات الشاقة. انتهى (١).
(قَالُوا: بَلَى) أي علّمنا ذلك (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ) -بفتح أوله وثالثه- من الحمد ثلاثيًّا، وفي بعض النسخ: "وتُحَمِّدون" -بضم أوله، وتشديد الميم- من التحميد.
قال في "المرعاة": قوله: "تسبّحون. . . إلخ" إخبار بمعنى الأوامر، أو هي من قبيل: "تَسْمَعُ بالمعيديّ خير من أن تراه". انتهى.
وفي رواية البخاريّ: "تُسَبِّحون، وتَحمدون، وتكبرون"، قال في "الفتح": كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد، وتأخير التكبير، وفي رواية ابن عجلان -يعني في رواية مسلم هنا- تقديم التكبير على التحميد خاصّة، وفيه أيضًا قول أبي صالح: يقول: "اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه"، ومثله لأبي داود، من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي هريرة: "تكبر، وتحمد، وتسبح"، وكذا في حديث ابن عمر ﵄.
وهذا الاختلاف دالّ على أن لا ترتيب فيها، ويُستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصالحات: "لا يَضُرُّك بأيهن بدأت".
لكن يُمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري ، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص، وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدالّ على انفراده بجميع ذلك. انتهى.
(دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) -بضمتين- قال الأزهريّ: دُبُر الأمر -يعني بضمتين- ودَبْره -يعني بفتح، ثم سكون-: آخره، وادَّعَى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة.
ورُدّ عليه بمثل قولهم: أعتق غلامه عن دُبُر.
وقال ابن الملقّن ﵀: "دُبُر" بضمّ الدال والباء على المعروف المشهور
стр. 7243
في الروايات واللغة، ويجوز التخفيف، كعُنْق، وقال ابن الأعرابيّ: دُبُر الشيء، ودَبْره بالضمّ والفتح: آخر أوقاته، والصحيح الضمّ، ولم يذكر الجوهريّ وآخرون غيره، وقال أبو عمر المطرّز في كتابه "اليواقيت": دَبر كلّ شيء بفتح الدال: آخر أوقاته، من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة فبالضمّ.
والمراد به في الحديث عقب السلام منها، سواءٌ كان آخر أوقاتها، أو أوسطه، أو أوّله، إلا أن يكون مراد أهل اللغة بآخر أوقات الشيء الفراغ منه، فيتطابق تفسيرهم ومراد الحديث. انتهى (١).
ولفظ البخاريّ هنا: "خلف كل صلاة"، قال في "الفتح": هذه الرواية مفسرة للرواية التي عند المصنف في "الدعوات"، وهي قوله: "دبر كلّ صلاة"، ولجعفر الفريابيّ في حديث أبي ذرّ: "إثر كلّ صلاة".
قال: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يُعَدّ معرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة، كآية الكرسيّ، فلا يَضُرّ.
وظاهر قوله: "كل صلاة" يَشْمَل الفرض والنفل، لكن حَمَله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة ﵁ الآتي عند المصنّف التقييد بالمكتوبة، ولفظه: "مُعقّباتٌ لا يَخيب قائلهنّ، أو فاعلهنّ دبر كلّ صلاة مكتوبة. . . "، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلًا بين المكتوبة والذكر، أو لا؟ محل نظر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن تأخيره عن الرواتب لا يُعدّ فاصلًا؛ لأنها توابع للمكتوبات، واللَّه تعالى أعلم.
(ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً") أي يقول كلّ فرد منها ثلاثًا وثلاثين مرّةً، وقال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وُزِّع كان لكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سُهيل بن أبي صالح، كما رواه مسلم من طريق رَوْح بن
стр. 7244
القاسم عنه، لكن لم يُتابَع سهيلٌ على ذلك، قال الحافظ: بل لم أر في شيء من طرق الحديث كلِّها التصريحَ بإحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وإسناده ضعيف، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد.
فعلى هذا، ففيه تنازُعُ ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر، والتقدير: تسبحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون كذلك، وتكبرون كذلك. انتهى (١).
وقال في "المرعاة": ظاهر هذه الرواية أن يقول ذلك مجموعًا، ورجّحه بعضهم؛ للإتيان فيه بواو العطف، والمختار أن الإفراد أولى؛ لتميّزه باحتياجه إلى العدد، وله على كلّ حركة لذلك، سواءٌ كان بأصابعه أو بغيرها ثوابٌ لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأحاديث الآتية من غير طريق أبي صالح واضحة في كونه يسبّح ثلاثًا وثلاثين مستقلّة، ويكبّر كذلك، ويَحمد كذلك، فإن قوله ﷺ : "من سبّح اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكبّر اللَّه ثلاثًا وثلاثين. . . " الحديث واضح في استقلال كلّ جملة بالعدد المذكور، فينبغي أن يقول كلّ جملة بمفردها؛ حرصًا على ما اقتضاه ظاهر النصّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان، وقول أبي صالح هذا مرسل سيأتي الكلام عليه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- (فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ) بالرفع على البدليّة، ويَحْتَمل النصب على الاختصاص، أو بتقدير "نعني".
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أهل الأموال" بدلٌ من "إخوانُنَا"، وفائدة البدل الإشعار بأنهم فعلوا ذلك منهم غبطةً لا حسدًا.
وقوله: (بِمَا فَعَلْنَا) متعلّق بـ "سَمِعَ"، ضمّن "سَمِعَ" معنى "أخبر"، فعدّي بالباء، قاله الطيبيّ ﵀ (٣).
(فَفَعَلُوا مِثْلَهُ) أي مثل ما فعلنا، وإطلاق الفعل على القول شائع ذائعٌ
стр. 7245
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَلِكَ) أي الزائد من الثواب الذي حصل لهم على الجود بأموالهم منضمّا إلى فعلهم مثل ما فعله الفقراء، فـ "ذلك" مبتدأ خبره قوله: (فَضْلُ اللَّهِ، يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ") قال الطيبيّ ﵀: فيه إشارة إلى أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، نعم لا يخلو الغنيّ عن أنواع من الخطر، والفقير الصابر آمن. انتهى. وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا.
(وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ) بن سعيد، قيل: يَحْتَمِل أن يكون هذا الغير شعيبَ بن الليث، فإن أبا عوانة أخرجه في "مستخرجه" عن الربيع بن سليمان، عن شعيب، ويَحْتَمِلُ أن يكون سعيد بن أبي مريم، فإن البيهقيّ أخرجه من طريق سعيد، ويَحتَمِل أن يكون غيرهما، قاله في "العمدة" (١)، واللَّه تعالى أعلم.
(فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ) بن سعد (عَن) محمد (ابْنِ عَجْلَانَ) أنه قال: (قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي) قال ابن الملقّن ﵀: لم أر تعيين هذا البعض في رواية بعد الكشف عنه. انتهى (٢). (هَذَا الْحَدِيثَ) أي الذي حدّثه به أبو صالح عن أبي هريرة ﵁ (فَقَالَ) ذلك البعض (وَهِمْتَ) بفتح، فكسر، كغَلِطْتَ وزنًا ومعنًى، قال الفيّوميّ ﵀: وَهَمْتُ إلى الشيء وَهْمًا، من باب وَعَدَ: سبق القلب إليه مع إرادة غيره، وَوَهَمْتُ وَهْمًا: وقع في خَلَدي، والجمعُ أوهام، وشيء موهومٌ، وتوهَّمْتُ: أي ظننتُ، وَوَهِمَ في الحساب يَوْهَمُ وَهَمًا، مثلُ غَلِطَ يَغْلَطُ غَلَطًا وزنًا ومعنًى، ويَتَعدَّى بالهمزة والتضعيف، وقد يُستعمَلُ المهموز لازمًا، وأوهم من الحساب مائةً، مثلُ أسقط وزنًا ومعنًى، وأوهم من صلاته ركعةً: تركها. انتهى (٣).
وفي رواية البخاريّ: "فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبّح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونُكبّر أربعًا وثلاثين، فرجعت إليه فقال. . . ".
قال في "الفتح": قوله: "فاختلفنا بيننا" ظاهره أن أبا هريرة هو القائل، وكذا قوله: "فرجعت إليه"، وأن الذي رجع أبو هريرة إليه هو النبيّ ﷺ ، وعلى
стр. 7246
هذا فالخلاف في ذلك وقع بين الصحابة، لكن بَيَّن مسلم في رواية ابن عجلان، عن سُمَيّ أن القائل: "فاختلفنا" هو سُمَيّ، وأنه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأن الذي خالفه بعض أهله. انتهى.
وقوله: "وتكبر أربعًا وثلاثين" هو قول بعض أهل سُميّ كما تقدم التنبيه عليه، من رواية مسلم، وقد تقدم احتمال كونه من كلام بعض الصحابة، وقد جاء مثله في حديث أبي الدرداء، عند النسائيّ، وكذا عنده من حديث ابن عمر بسند قويّ، ومثله لمسلم من حديث كعب بن عُجرة، ونحوه لابن ماجه، من حديث أبي ذَرّ، لكن شك بعض رواته في أنهنّ أربع وثلاثون، ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، عند أبي داود، ففيه: "ويختم المائة بلا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ"، وكذا لمسلم في رواية عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أمّ الْحَكَم، ولجعفر الفريابيّ في حديث أبي ذرّ.
قال النوويّ ﵀: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين، ويقول معها: "لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ".
وقال غيره: بل يَجمع بأن يَختم مرةً بزيادة تكبيرة، ومرةً بـ "لا إله إلا اللَّه"، على وفق ما وردت به الأحاديث. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الأخير هو المتعيّن في وجه الجمع، وأما ما قاله النوويّ ففيه خروج عن التعليم النبويّ.
والحاصل أن الصواب أنه يكبّر. تارةً أربعًا وثلاثين، فتكون التكبيرة تمام المائة، ويكبّر أحيانًا ثلاثًا وثلاثين، ويختم المائة بـ "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ"، كما ورد التعليم النبويّ بكلّ منهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(إِنَّمَا قَالَ) أي أبو صالح، وفي نسخة: "إنما قال لك" ("تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) وفي نسخة: "ثلاثًا وثلاثين مرّةً" (وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ") هذا في رواية المصنّف، والذي عند البخاريّ: "وتكبّر أربعًا وثلاثين"، كما سبق آنفًا.
(فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ) أي ذكرت له اختلافنا فيه (فَأَخَذَ
стр. 7247
بِيَدِي، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ) ولفظ البخاريّ: "فقال: تقول: "سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر" حتى يكون منهنّ كلِّهِنّ ثلاث وثلاثون".
قال ابن الملقّن ﵀: ظاهره أنه يقول: اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، ثلاثًا وثلاثين مرّة، وظاهر الحديث أنه يُسبّح ثلاثًا وثلاثين مستقلّةً، ثم يَحْمَد كذلك، ثم يُكبّر كذلك، وهو ظاهر جميع روايات الحديث، قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي صالح. انتهى (١).
(قَالَ) وفي نسخة: "وقال" بالواو (ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ) بالبناء للفاعل (بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، وفتح الواو- ابن جَرْوَل (٢)، ويقال: جَنْدَل بن الأحنف بن السِّمْط بن امرئ القيس بن عمرو الكِنْديّ، أبو المِقْدام، ويقال: أبو نَصْر الْفِلَسطينيّ، يقال: إن لجده صحبةً، ثقةٌ فقيهٌ، من الطبقة الثالثة.
أرسل عن معاذ بن جبل، ورَوَى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعديّ بن عَمِيرة، وعبادة بن الصامت، وعبد الرحمن بن غَنْم، ومعاوية، والنوّاس بن سَمْعان، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي أمامة، والْمِسْوَر بن مَخْرمة، وقَبِيصة بن ذُؤَيب، وأبي صالح السمان، وورّاد كاتب المغيرة، وخلق.
ورَوَى عنه عديّ بن عديّ بن عَمِيرة الكِنديّ، وابن عجلان، وثور بن يزيد، وابن عون، ومَطَر الورّاق، والزهريّ، ومحمد بن جُحادة، وابنه عاصم بن رجاء، وحميد الطويل، وغيرهم.
قال أبو مسهر: كان من مدينةٍ يقال لها: بيسان، ثم انتقل إلى فلسطين، وقال ابن سعد: كان ثقةً فاضلًا كثير العلم، وقال العجليّ، والنسائيّ: شاميّ
стр. 7248
ثقةٌ، وقال يحيى بن حمزة، عن موسى بن يسار: كان رجاء بن حيوة، وعديّ بن عديّ، ومكحول في المسجد، فسأل رجل مكحولًا مسألة، فقال مكحولٌ: سَلُوا شيخنا وسيدنا، رجاء بن حيوة، وقال ضمرة، عن ابن شَوْذَب، عن مَطَر الورّاق: ما لقيت شاميًّا أفضل -وفي رواية: أفقه- من رجاء بن حيوة، إلا أنه إذا حركته وجدته شاميًّا، وقال الأصمعيّ عن ابن عون: رأيت ثلاثةً ما رأيت مثلهم: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بالشام، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الشام، وفقهائهم، وزهادهم، وقال أحمد بن حنبل: لم يَلْقَ رجاء وَرّادًا كاتب المغيرة، وكذا حَكَى الترمذيّ عن السخاويّ وأبي زرعة. قال الحافظ: وروايته عن أبي الدرداء مرسلة.
قال خليفة بن خياط، وسليمان بن عبد الرحمن، وغير واحد: مات سنة (١١٢).
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، في هذا الموضع فقط، والأربعة.
(فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ) أي بمثل ما حدّثه سميّ، ولفظ أبي عوانة: "فقال محمد بن عجلان: فذكرت ذلك لرجاء بن حيوة، فحدّثني بمثلها، عن أبي صالح، وقال: صدق سُميّ". انتهى (١). (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) السمّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
[تنبيه]: رواية ابن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة هذه ساقها الطبرانيّ ﵀ في "المعجم الأوسط"، فقال:
(٥٣١٠) حدّثنا محمد بن عليّ بن الصبّاح البغداديّ، قال: حدّثنا هانئ بن المتوكل الإسكندرانيّ، حدّثنا حيوة بن شُرَيح، عن محمد بن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة، وسُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: أتى فقراء المسلمين رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا رسول اللَّه، ذَهَب ذوو الأموال بالدرجات، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويَحُجُّون كما نَحُجّ، ولهم فضول أموال يتصدقون منها، وليس لنا ما نتصدق، فقال: "ألا أدلكم
стр. 7249
على أمر إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم، ولم يَلْحَقكم مَن خَلَفَكم، إلا مَن عَمِل بمثل ما عملتم؟ تسبحون اللَّه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثًا وثلاثين، وتكبروه (١) أربعًا وثلاثين"، فبلغ ذلك الأغنياءَ، فقالوا مثل ما قالوا، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ، فأخبروه، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء". انتهى (٢).
وساقها أيضًا في "المعجم الصغير"، وقال في آخرها: لم يروه عن رجاء إلا ابنُ عجلان. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه.
[تنبيه]: تكلّم الرشيد العطّار ﵀ في رواية المصنّف هذه، فقال في كتابه "غرر الفوائد" (١/ ٣٠١) بعد أن ساق رواية المصنّف هذه بنصّها:
هكذا أورده مسلم، وهو حديثٌ بعضه مسندٌ، وبعضه مرسلٌ، والمرسل منه قول أبي صالح: "فرجع فقراء المهاجرين. . . " إلى آخره؛ لأن أبا صالح لم يُسنِده.
وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ولم يذكر فيه هذه الزيادة من قول أبي صالح، إلا أن مسلمًا ﵀ قد أخرجه من وجه آخر، عن أبي صالح -يعني الرواية التالية- وفيه هذه الزيادة متصلةً مع سائر الحديث، فأخرجه من حديث رَوْح بن عُبَادة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ ، وقال في آخره: بمثل حديث قتيبة، عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين. . . إلى آخر الحديث. انتهى كلام مسلم ﵀.
стр. 7250
قال الرشيد ﵀: فقد اتّصل ما في هذا الحديث من المرسل من هذا الوجه الآخر الذي ذكرناه، والحمد للَّه.
قال: ووقع في آخر هذا الحديث أيضًا زيادة أوردها مسلم غير متصلة، وهي قوله بعد انقضائه: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث، عن الليث، عن ابن عجلان، قال سُمَيّ: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وَهِمْتَ، وذكر باقي الحديث، وهذا غير متصل كما ترى. انتهى كلام الرشيد العطّار ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "فقد اتّصل. . . إلخ" هذا الذي اعتبره الرشيد العطّار ﵀ متّصلًا من رواية سهيل، عن أبيه لا يراه الحافظ متّصلًا؛ لأنه ذكر فيه قول أبي صالح مدرجًا، ونصّه في "الفتح": زاد مسلم في رواية ابن عجلان، عن سُميّ: "قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه. . . إلخ"، ثم ساقه مسلم من رواية رَوْح بن القاسم، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذَكَرَ طَرَفًا منه، ثم قال بمثل حديث قتيبة، قال: إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قولَ أبي صالح: "فرجع فقراء المهاجرين. . . إلخ".
قال الحافظ: وكذا رواه أبو معاوية، عن سهيل مُدرجًا، أخرجه جعفر الفريابيّ، وتبين بهذا أن الزيادة المذكورة مرسلةٌ.
وقد رَوَى الحديث البزار من حديث ابن عمر ﵄، وفيه: "فرَجَع الفقراء. . . "، فذكره موصولًا، لكن إسناده ضعيفٌ، ورواه جعفر الفريابيّ من رواية حَرَام بن حكيم -وهو بحاء، وراء مهملتين- عن أبي ذرّ ﵁، وقال فيه: فقال أبو ذرّ: يا رسول اللَّه، إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء".
ونَقَلَ الخطيب أن حرام بن حكيم يُرسل الرواية عن أبي ذرّ ﵁، فعلى هذا لم يصح بهذه الزيادة إسناد، إلا أن هذين الطريقين يَقْوَى بهما مُرسل أبي صالح. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢).