ومعمر: "حتى تروني قد خرجتُ"، وقال أبو داود: لم يذكر "قد خرجت" إلا معمرٌ، وذكر البيهقيّ أنها قد رُويت عن حجّاج أيضًا، وخرّجها ابن حبّان في "صحيحه" من رواية معمر، ولفظه: "حتى تروني قد خرجت إليكم". انتهى (١).
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي إذا ذكرت ألفاظ الإقامة، ونودي بها (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي") أي تُبصروني، وفي الرواية التالية: "حتى تروني قد خرجت"، وفي رواية ابن حبان من طريق عبد الرزاق: "حتى تروني خرجت إليكم"؛ ولا بد فيه من التقدير، أي لا تقوموا حتى تروني خرجت، فإذا رأيتموني خرجت فقوموا، قاله في "العمدة" (٢).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذه اللفظة -يعني "قد خرجتُ"- يُستدلّ بها على مراده ﷺ برؤيته أن يَخرُج من بيته، فيراه من كان عند باب المسجد، ليس المراد يراه كلُّ من كان في المسجد، وهذا كقوله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروا الهلال"، متّفق عليه، ومعلوم أنه لو رآه واحد أو اثنان لاكتُفي برؤيتهما، وصام الناس كلُّهم.
ويدلّ على هذا ما أخرجه مسلم بعد هذا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدّلنا الصفوف قبل أن يخرُج إلينا رسول اللَّه ﷺ . . . " الحديث.
ويُحمَل ذلك على قيامهم قبل أن يطلع على أهل المسجد من المسجد لما علموا خروجه من بيته وتحقّقوه.
وأخرج أيضًا من حديثه: "إن كانت الصلاة تقام لرسول اللَّه ﷺ ، فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النبيّ ﷺ مقامه".
فهذه الرواية تصرّح بأن الصفوف كانت تُعدَّل له قبل أن يبلغ النبيّ ﷺ إلى مصلّاه، ولكنّه كان قد خرج من بيته، ورآه من كان بقرب بيته.
وقد ذكر الدارقطنيّ وغير واحد من الحفّاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد بن مسلم من الحديث الذي قبله، فأتى به بهذا اللفظ.
стр. 7352
[فإن قيل]: فقد أخرج مسلم من حديث جابر بن سَمُرة ﵁ قال: "كان بلالٌ يؤذّن إذا دحضت، فلا يُقيم حتى يخرج النبيّ ﷺ ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه"، فلو اكتُفي برؤية واحد للنبيّ ﷺ لاكتُفي برؤية بلال له، واكتُفي بإقامة بلال في قيام الناس، فإنه كان لا يُقيم حتى يرى النبيّ ﷺ قد خَرَجَ.
[أجيب]: بأن هذا إنما ورد في صلاة الظهر بالمدينة خاصّةً، وأما في غيرها من الصلوات، فقد كان بلالٌ يجيء إلى النبيّ ﷺ في بيته، فيُؤْذِنه بالصلاة، فكان يفعل في صلاة الفجر، كما في حديث عائشة وابن عبّاس ﵃، وكان أحيانًا يفعله في السفر في غير الفجر، كما رَوَي أبو جُحيفة أنه رأى بلالًا آذن النبيّ ﷺ بصلاة الظهر.
فالظاهر أن بلالًا كان إذا آذن النبيّ ﷺ بالصلاة، رجع فأقام قبل خروج النبيّ ﷺ من بيته، واكتَفَى بتأهّبه للخروج بإيذانه له، فوقع النهي عن قيام الناس إلى الصلاة قبل خروجه في مثل هذه الحالة. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١) ببعض تصرّف، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم.
ثم ذكر المصنّف ﵀ الاختلاف بين شيخيه: محمد بن حاتم، وعبيد اللَّه بن أبي سعيد، فأشار بأن اللفظ المذكور لعبيد اللَّه، وأما محمد بن حاتم، فذكر لفظه بقوله: (وَقَالَ) وفي نسخة: "قال" بحذف الواو (ابْنُ حَاتِمٍ) هو: محمد شيخه الأول ("إِذَا أُقِيمَتْ، أَوْ نُودِيَ") "أو" للشكّ من الراوي، يعني أن محمد بن حاتم ذكره بالشكّ.
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" ظاهره: أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبيّ ﷺ من بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة ﵄ الآتي: "أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبيّ ﷺ ".
ويُجْمَع بينهما بأن بلالًا ﵁ كان يراقب خروج النبيّ ﷺ ، فأول ما يراه يَشْرَع في الإقامة، قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.
стр. 7353
قال في "الفتح": ويَشْهَد له ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: "أن الناس كانوا ساعةَ يقول المؤذن: اللَّه أكبر، يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبيّ ﷺ مقامه حتى تعتدل الصفوف".
وأما حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "أقيمت الصلاة، فقمنا، فعَدّلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبيّ ﷺ ، فأتى، فقام مقامه" الحديث، وفي رواية أبي داود: "إن الصلاة كانت تقام لرسول اللَّه ﷺ ، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء النبيّ ﷺ ".
فيُجْمَع بينه وبين حديث أبي قتادة ﵁ هذا بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة ﵁ كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعةَ تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبيّ ﷺ ، فنهاهم عن ذلك؛ لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره.
ولا يَرُدُّ هذا حديث أنس ﵁: أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم؛ لاحتمال أن يكون ذلك وقع منه نادرًا، أو فعله لبيان الجواز. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٣٦٨ و ١٣٦٩] (٦٠٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٣٧ و ٦٣٨)، و"الجمعة" (٩٠٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٣٩ و ٥٤٠)، و (الترمذيّ) فيها (٥٩٢)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٨٦)، و"الكبرى" (٧٩٠ و ٨٦٥ و ١٦٥١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٢٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٠٥ و ٣٠٧ و ٣٠٨ و ٣٠٩)،
стр. 7354
و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٢٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٥٥ و ٢٢٢٢ و ٢٢٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٣٥ و ١٣٣٦ و ١٣٣٧ و ١٣٣٨ و ١٣٣٩ و ١٣٤٠ و ١٣٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٤٠ و ١٣٤١ و ١٣٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٤٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الوقت الذي يقوم فيه الناس للصلاة، وهو وقت رؤيتهم الإمام خارجًا إلى الصلاة، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): بيان حرص الصحابة ﵃ في المبادرة إلى الخير حيث إنهم كانوا يقومون للصلاة قبل خروج النبيّ ﷺ ؛ مبادرةً إليها.
٣ - (ومنها): بيان شفقة النبيّ ﷺ على أمته حيث نهاهم عن القيام قبل أن يخرج إليهم؛ لئلا يشقّ عليهم، كما قال اللَّه : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
٤ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها حيث خفّفت في مواطن المشقّة؛ دفعًا للحرج، وقد بيّن اللَّه تعالى ذلك حيث قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال ﷺ : "بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة" (١).
٥ - (ومنها): أنه يفيد أن المؤذن لا يقيم حتى يرى الإمام قد خرج للصلاة؛ لأن ذلك يؤدي إلى تطويل القيام على الناس؛ انتظارًا له، وربما لا يكون مستعدًّا، أو يَعْرِض له عارضٌ في طريقه، فيتأخر عليهم، وأصرح منه حديث جابر بن سمرة ﵁ الآتي بلفظ: "كان بلالٌ يؤذّن إذا دحَضَت، فلا يُقيم حتى يخرج النبيّ ﷺ "، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 7355
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يقوم فيه الناس حين يقام للصلاة:
قال الإمام مالك ﵀ تعالى في "الموطأ": لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحدّ محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف.
وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة.
وعن أنس ﵁ أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة"، رواه ابن المنذر، وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق، عن أصحاب عبد اللَّه ﵁.
وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا قال المؤذن: "اللَّه أكبر" وجب القيام، وإذا قال: "حيّ على الصلاة" عُدِّلت الصفوف، وإذا قال: "لا إله إلا اللَّه" كبَّر الإمام.
وعن أبي جحيفة: يقومون إذا قال: "حيّ على الفلاح"، فإذا قال: "قد قامت الصلاة" كبَّر الإمام.
وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذكر على التفصيل المذكور، قال الحافظ ﵀: وحديث الباب حجة عليهم. انتهى.
وأخرج الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا قيل: "قد قامت الصلاة" وثب فقام، ونحوه عن حسين بن عليّ ﵄.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القرظيّ، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وأبو قلابة، وعراك بن مالك، والزهريّ، وسليمان بن حبيب المحاربيّ يقومون إلى الصلاة في أول بدء الإقامة. وبه قال عطاء، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، إذا كان الإمام في المسجد، وكان مالك لا يُوَقّت به وقتًا، يقول: ذلك على قدر طاقة الناس، فيهم القوي، والضعيف.
وقال النعمان، ومحمد: يجب أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن: "حيّ على الفلاح"، فإذا قال: "قد قامت الصلاة" كبَّر الإمام، وكبَّر القوم معه،
стр. 7356
وأما إذا لم يكن الإمام معهم، فإني أكره لهم أن يقوموا في الصفوف، والإمام غائب عنهم.
وقال يعقوب: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة.
قال ابن المنذر ﵀: إذا كان الإمام معهم في المسجد قاموا إذا قام، وإذا كانوا ينتظرون خروجه، ومجيئه قاموا إذا رأوه، ولا يقوموا حتى يروه؛ لحديث أبي قتادة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت". انتهى مُلَخَّص كلام ابن المنذر ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر ﵀ وهو أنه إن كان الإمام معهم قاموا إذا قام، وإن لم يكن معهم، فلا يقوموا حتى يروه، هو الحقّ عندي؛ لوضوح حجّته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ حَدِيثَ مَعْمَرٍ، وَشَيْبَانَ: "حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
стр. 7357
٦ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٨ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الدمشقيّ، تقدّم قبل بابين.
٩ - (شَيْبَانُ) بن عبدالرحمن النحويّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) يعني ابن أبي شيبة.
وقوله: (وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) كقول "قال أبو بكر"، فهو معطوفٌ على "حدّثنا سفيان"، والمعنى أن أبا بكر بن أبي شيبة روى هذا الحديث بسندين، الأول: سفيان بن عيينة، عن معمر، والثاني: إسماعيل ابن عُليّة، عن حجّاج بن أبي عثمان.
وقوله: (قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) فاعل "قال" ضمير المصنّف، والظاهر أنه ملحقٌ من الراوي عنه.
وقوله: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ) يقدّر قبل قوله: "عن معمر" لفظ "كلاهما"، أي كلا عيسى، وعبد الرزّاق.
وقوله: (وَقَالَ إِسْحَاقُ. . . إلخ) هو: ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، والظاهر أن هذا ليس تعليقًا، بل هو مما سمعه المصنّف من إسحاق، كما يظهر من عبارة الحافظ المزّيّ في "تحفته" (١)، فتنبّه.
وحاصل المعنى أن إسحاق بن إبراهيم، روى هذا الحديث بسندين: أحدهما: عيسى بن يونس، وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر، والثاني: الوليد بن مسلم، عن شيبان بن عبد الرحمن.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. . . إلخ) أي كلُّ هؤلاء الثلاثة: معمر، وحجّاج بن أبي عثمان، وهو حجّاج الصوّاف المذكور في السند الماضي، وشيبان النحويّ، رووا عن يحيى بن أبي كثير. . . إلخ.
وقوله: (وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ حَدِيثَ مَعْمَرٍ، وَشَيْبَانَ: "حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ
стр. 7358
خَرَجْتُ") يعني أن زيادة قوله: "حتى تروني قد خرجت" إنما رواها إسحاق من حديث معمر، وشيبان.
ثم إن الزيادة هي قوله: "قد خرجت"، وأما "حتى تروني"، فمذكور عند الجميع، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٠] (٦٠٥) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقُمْنَا، فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ، فَانْصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ"، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، وَقَدِ أَغْتَسَلَ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ، فَصَلَّى بِنَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) عن (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ذُكر قبل حديث.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
стр. 7359
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول انفرد هو به، والبخاريّ، وأبو داود، والثاني انفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم بغداديّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أنه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) المراد من الإقامة ذكر الألفاظ المخصوصة المشهورة الْمُشْعِرة بالشروع في الصلاة، وهي أخت الأذان، كذا قاله الكرمانيّ، وقال العينيّ: معناه إذا نادى المؤذن بالإقامة، فأقيم المسبب مقام السبب. انتهى (١).
(فَقُمْنَا، فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ) أي سوّيناها، وتعديلُ الشيء: تقويمه، يقال: عدّلته، فاعتدل: أي قوّمته، فاستقام (قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) "قبل" ظرف تنازعه "قُمنا"، و"فعدّلنا".
وفي رواية البخاريّ: "أن رسول اللَّه ﷺ خرج، وقد أقيمت الصلاة"، فقال في "الفتح": قوله: "خرج، وقد أقيمت الصلاة" يَحْتَمِل أن يكون المعنى خرج في حال الإقامة، ويَحْتَمِل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر قوله: "فسَوَّى الناس صفوفهم، فخرج. . . " لتعقيب الإقامة بالتسوية، وتعقيب التسوية بخروجه بالفاء.
стр. 7360
ويحتمل أن يُجْمَع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتا حالًا، أي خرج، والحال أن الصلاة أقيمت، والصفوف عدلت.
وقال الكرمانيّ: لفظ "قد" تُقَرِّب الماضي من الحال، وكأنه خرج في حالة الإقامة، وفي حال التعديل، ويَحْتَمِل أن يكونوا إنما شرعوا في ذلك بإذن منه، أو قرينة تدلّ عليه. انتهى (١).
(فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي إلى مصلّاه؛ ليصلّي بالناس (حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) -بضم الميم- أي موضع صلاته (قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ) هذا صريح في أنه ﷺ لم يكن كبر، ودخل في الصلاة، ومثله في رواية البخاريّ: "وانتظرنا تكبيره"، وفي رواية له: "حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، انصرف. . . ".
[فإن قيل]: يعارض هذا ما أخرجه أبو داود، وابن حبان، عن أبي بكرة ﵁: "أن النبيّ ﷺ دخل في صلاة الفجر، فكبر، فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلّى بهم".
وأخرج مالك عن عطاء بن يسار مرسلًا: "أنه ﷺ كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب، ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء".
[أجيب]: -كما قال في "الفتح"- بإمكان الجمع بينهما بحمل قوله: "كبر" على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، كما أبداه عياض، والقرطبيّ احتمالًا، وقال النوويّ: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبّان كعادته، فإن ثبت، وإلا فما في الصحيح أصح، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ادَّعَى ابن بطال أن الشافعيّ احتَجّ بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام، قال: فناقض أصله، فاحتَجَّ بالمرسل.
وتُعُقِّب بأن الشافعيّ ﵀ لا يرد المراسيل مطلقًا، بل يحتجّ منها بما يَعْتَضِد، والأمر هنا كذلك؛ لحديث أبي بكرة ﵁ المذكور، قاله في "الفتح" (٢).
стр. 7361
وقوله: (ذَكرَ) حذف مفعوله في هذه الرواية، وقد ذُكر في رواية البخاريّ، ولفظه: "فلما قام في مصلّاه ذكر أنه جُنُبٌ".
[تنبيه]: "ذَكَرَ" من باب نصر، مبنيًّا للفاعل: ضدّ نَسِيَ، قال الفيّوميّ: ذَكَرته بلساني، وبقلبي ذِكْرَى بالتأنيث، وكسر الذال، والاسم: ذُكْرٌ بالضمّ والكسر، نصّ عليه جماعة، منهم أبو عُبيدة، وابن قُتيبة، وأنكر الفرّاء الكسر في القلب، وقال: اجعلني على ذُكر منك بالضمّ لا غير، ولهذا اقتصر جماعة عليه، ويتعدّى بالألف والتضعيف، فيقال: أذكرته، وذَكَّرته ما كان، فتذكّر. انتهى (١).
(فَانْصَرَفَ) أي رجع إلى حجرته (وَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ") بالنصب: اسم فعل، فسّره النحويون بـ "اثبتوا"، فيتحمل ضميرًا، ومنه قول الشاعر:
وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ … مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي
أي اثبتي، ويدلّ على ذلك جزم جوابه، وهو "تُحْمَدي".
وفسره الزمخشري بـ "الزموا"، واعترض عليه أبو حيان بأنه ليس بجيّد؛ إذ لو كان كذلك لتعدى كما يتعدى ما ناب هذا عنه، فإن اسم الفعل يعامَلُ معاملة مسماه.
وقال الحوفيّ: "مكانكم" نُصِب بإضمار فعل، أي الزموا مكانكم، أو اثبتوا.
وقال السمين الحلبيّ: إن مَن فسر بذلك قصد تفسير المعنى (٢).
ثم إن الظاهر أنه قال لهم: "مكانكم" نُطْقًا، ويَحْتَمِل أنه أشار إليهم بذلك، كما صرح به في حديث أبي بكرة ﵁ المذكور، ففيه إطلاق القول على الإشارة، ويَحْتَمِل أنه جمع بين القول والإشارة، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا) جمع قائم كتِجَار بكسر التاء، جمع تاجر، ويجوز أن
стр. 7362
يكون مصدرًا جاريًا على حقيقته، وقال الكرمانيّ: فهو تمييزٌ، أو محمول على اسم الفاعل، فهو حال.
وقال في "العمدة": إذا كان لفظ قيامًا مصدرًا يكون منصوبًا على التمييز؛ لأن في قوله: "فَعَدَّلنا الصفوفَ" فيه إبهام، فيفسِّره قوله: "قِيامًا"، أي من حيث القيام، وإذا كان جمعًا لـ "قائم" يكون انتصابه على الحالية، وذو الحال محذوف تقديره: وعدّلنا الصفوفَ حال كوننا قائمين. انتهى بتصرّف (١).
[فإن قيل]: إن حديث الباب يدلّ على أنهم انتظروه قيامًا، وحديث أبي قتادة ﵁ المذكور قبل هذا: "إذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت"، يدلّ على النهي عن انتظاره قيامًا، فكيف يوفق بينهما؟.
[قلت]: تقدّم الجواب عن هذا بأن حديث أبي هريرة ﵁ وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم هذا كان سببًا لنهيه ﷺ لهم في حديث أبي قتادة ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
(نَنْتَظِرُهُ) أي ننتظر مجيئه (حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، وَقَدِ أَغْتَسَلَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً) -بكسر الطاء، وضمها- لغتان مشهورتان: أي يقطُر، وفي رواية للبخاريّ من طريق محمد بن يوسف، عن الأوزاعي: "ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم". وعند الدارقطنيّ من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، فقال: "إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل".
(فَكَبَّرَ، فَصَلَّى بِنَا) قال النوويّ ﵀: وظاهر هذه الأحاديث أنه لَمّا اغتسل وخرج لم يجددوا إقامة الصلاة، وهذا محمول على قرب الزمان، فإن طال فلا بدّ من إعادة الإقامة، ويدلّ على قرب الزمان في هذا الحديث قوله ﷺ : "مكانكم"، وقوله: "خرج إلينا، ورأسه ينطف ماء". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في قوله: "فإن طال، فلا بد من إعادة الإقامة" نظر؛ إذ لا دليل على ذلك، بل يردّه أنهم انتظروه طويلًا حين كان يناجي رجلًا بعد الإقامة للصلاة، ثم صلى، ولم تُعَدِ الإقامة (٣)، كما تقدم
стр. 7363
تحقيقه (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٣٧٠ و ١٣٧١ و ١٣٧٢] (٦٠٥)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٧٥) و"الأذان" (٦٣٩ و ٦٤٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٣٥)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٧٩٢ و ٨٠٩)، و"الكبرى" (٨٦٧ و ٨٨٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٥٩، ٢٨٣، ٤٤٨، ٥١٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٣٦)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٤٢ و ١٣٤٣ و ١٣٤٤ و ١٣٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٤٣ و ١٣٤٤ و ١٣٤٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الإمام إذا تذكر بعد القيام للصلاة أنه على غير طهارة يُنتَظَر حتى يتطهر، ويرجع.
٢ - (ومنها): بيان جواز النسيان على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في أمر العبادة؛ لأجل التشريع.
٣ - (ومنها): بيان طهارة الماء المستعمل.
٤ - (ومنها): جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ إذ قوله: "فصلى" ظاهر في أن الإقامة لم تعد.
٥ - (ومنها): أنه لا حياء في أمر الدين.
٦ - (ومنها): جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا عند الضرورة،
стр. 7364
وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة ﵁، كما أسلفنا وجه التوفيق بينهما.
٧ - (ومنها): بيان أنه لا يجب على من احتلم في المسجد، فأراد الخروج منه أن يتيمم، خلافًا لمن قال ذلك.
٨ - (ومنها): جواز الكلام بين الإقامة والصلاة.
٩ - (ومنها): جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.
١٠ - (ومنها): العناية بإقامة الصفوف.
١١ - (ومنها): شدة عناية الصحابة ﵃ بامتثال أمره ﷺ ، حيث انتظروه قيامًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس، وهو جنب:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختلفوا في الإمام يصلي بالناس وهو جنب؛ فقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأعاد الصلاة، ولم يُعِد من خلفه صلاتهم.
وروي هذا القول عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عمر ﵃.
أخرج ابن المنذر بسنده عن الشريد الثقفي: أن عمر بن الخطاب ﵁ صلّى بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الْجُرُف، فذهب يَغتسل، فرأى في فخذيه احتلامًا، فقال: ما أراني إلا قد صلّيت بالناس وأنا جنب، فاغتسل، ثم أعاد الصلاة.
وأخرج أيضًا عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب بين مكة والمدينة، فصلّى بنا، ثم انصرف، فرأى في ثوبه احتلامًا، فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد صلاته، ولم نُعِد صلاتنا.
وأخرج أيضًا عن محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق أن عثمان ﵁ صلّى بالناس صلاة الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: كَبِرت، واللَّه كَبِرت، واللَّه أجنبت، ولا أعلم، فاغتسل، وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا.
стр. 7365
وأخرج أيضًا عن الحارث الأعور، عن عليّ ﵁، قال: إذا صلّى الجنب بالقوم، فأتمّ بهم الصلاة آمره أن يغتسل، ويعيد، ولا آمرهم أن يعيدوا.
وأخرج أيضًا عن سالم بن عبد اللَّه: أن ابن عمر ﵁ صلّى بأصحابه صلاة العصر، وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد أصحابه.
وهو قول النخعيّ، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وبه قال مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، والمزنيّ، وحُكي ذلك عن عبيد اللَّه بن الحسن.
وقالت طائفة: يعيد ويعيدون، وممن روي عنه هذا القول علي بن أبي طالب ﵁ خلاف الرواية الأولى، وبالروايتين جميعًا مقال (١)، وهو قول ابن سيرين، والشعبيّ، وحماد بن أبي سليمان، وقال الثوريّ: أحب إلينا أن يعيد، ويعيدون، وقال النعمان، وأصحابه: يعيد ويعيدون.
وفيه قول ثالث، قاله عطاء: إن صلّى إمام قوم غير متوضئ، فذكر حين فرغ، قال: يعيد ويعيدون، فإن لم يذكر حتى فاتت الصلاة فإنه يعيد هو، ولا يعيدون، قيل له: فصلّى بهم جنبًا، فلم يعلموا، ولم يعلم حتى فاتت تلك الصلاة، قال: فليعيدوا، فليست الجنابة كالوضوء.
واختُلِف على مالك، والشافعيّ في الإمام تعمد أن يصلي بهم، وهو جنب، فكان مالك يقول: صلاة القوم فاسدة، وكان الشافعيّ يقول: عَمْدُ الإمام ونسيانه سواء، ولا إعادة على القوم، إلا أن الإمام يأثم بالعمد، ولا يأثم بالنسيان.
قال ابن المنذر ﵀: ومن حجة بعض من رأى أن لا إعادة على من صلّى خلف جنب خبر أبي هريرة، وخبر أبي بكرة ﵄، قال: وفي خبر أبي بكرة أن رسول اللَّه ﷺ دخل في صلاة الفجر، وفي ذلك دليلٌ على أن لا إعادة على المأموم؛ لأن حكم القليل من الصلاة كحكم الكثير فيمن صلّى خلف
стр. 7366
جنب، قال: ولو لم يكن في ذلك عن النبيّ ﷺ حديث لكان فيما روي عن الخلفاء الراشدين ﵃ في هذا الباب كفاية، وقد ثبتٌ عن ابن عمر مثل قولهم، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبيّ ﷺ خلافَ قولهم.
فأما ما حَدَث عن عليّ ﵁ ففي الإسنادين جميعًا مقال، فكأن عليًا لم ياتنا عنه في هذا الباب شيء؛ لضعف الروايتين، وتضادهما، واللازم لمن يرى اتباع أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن لا يخالف ما رويناه عن عمر، وعثمان، وابن عمر ﵃ في هذا الباب، والنظر مع ذلك دالّ على ذلك؛ لأن القوم لما صَلَّوا كما أُمِروا، وأدَّوا فرضهم، ثم اختُلِف في وجوب الإعادة عليهم لم يجز أن يُلْزَموا إعادةَ ما صَلَّوا على ظاهر ما أمروا به بغير حجة. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ببعض تصرف (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن المنذر ﵀ من ترجيح مذهب من يقول: إنّ من صلى خلف جنب أو نحوه لا إعادة عليه، هو الصواب عندي؛ لقوة دليله، كما تقدّم تحقيقه في كلامه ﵀.
وقد ذكرت البحث بأطول وأتمّ مما هنا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ مَقَامَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ، أَنْ مَكَانَكُمْ، فَخَرَجَ، وَقَدِ اغْتَسَلَ، وَرَأْسُهُ يَنْطُفُ الْمَاءَ، فَصَلَّى بِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 7367
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدّم قبل حديث.
٣ - (أَبُو عَمْرِو الْأَوْزَّاعِيَّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو الفقيه، ثقةٌ إمام جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ) "صَفّ" يُستَعمَل لازمًا، ومتعديًا، يقال: صففتُ القومَ، فاصطفوا، وصَفَفتهم، فصَفُّوا هم، والمراد هنا أنهم عَدَّلوا صفوفهم، وفي رواية البخاريّ: "فسوّى الناس صفوفهم".
(وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ مَقَامَهُ) وفي رواية البخاريّ: "فخرج" بالفاء.
وقوله: (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ) أي أشار إليهم.
وقوله: (أَنْ مَكَانَكُمْ) "أن" تفسيريّة، أي الزموا مكانكم.
وقوله: (فَخَرَجَ) عطف على محذوف، كما تبيّنه الروايات الأخرى، أي فرجع إلى بيته، فخرج منه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَامَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يُلقّب بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] مات بعد (٢٢٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢١.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَامَهُ) قال الحافظ ابن رجب ﵀: هذه الرواية تصرّح بأن الصفوف كانت تُعدّل قبل أن يبلغ
стр. 7368
النبيّ ﷺ إلى مصلّاه، ولكنّه قد خرج من بيته، ورآه من كان بقرب بيته.
قال: وقد ذكر الدارقطنيّ وغير واحد من الحفّاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد بن مسلم من الحديث الذي قبله، فأتى به بهذا اللفظ. انتهى (١).
[تنبيه]: هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار ﵀ في "علله"، ودونك نصّه:
(١١) - ووجدت فيه (٢) عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: "كانت الصلاة تُقام لرسول اللَّه ﷺ ، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النبيّ ﷺ مقامه".
قال أبو الفضل: وهذا اختصار عندنا من الوليد بن مسلم، اختصر الحديث، والحديث حديث الزُّبيديّ، ومعمر، ويونس، والأوزاعيّ، وأصحاب الزهريّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أقيمت الصلاة، وصُفّت الصفوف، ثم خرج رسول اللَّه ﷺ ، فلما أخذ مقامه، أشار إليهم أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر"، فالحديث هو الذي رواه الزهريّ. انتهى كلام أبي الفضل ﵀ (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي عزاه أبو الفضل إلى "صحيح مسلم" من رواية داود بن رُشيد، لم نجده في النسخ الموجودة عندنا، وإنما رواه مسلم عن إبراهيم بن موسى، عن الوليد، لا عن داود بن رُشيد، ولعلّه وجد نسخة فيها روايته عن داود.
وأما رواية داود، عن الوليد فهي عند أبي داود في "سننه"، ودونك نصّه:
(٥٤١) حدّثنا محمود بن خالد، حدّثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو (ح) وحدّثنا داود بن رُشيد، حدّثنا الوليد، وهذا لفظه، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن الصلاة كانت تقام لرسول اللَّه ﷺ
стр. 7369
فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النبيّ ﷺ مقامه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٣] (٦٠٦) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ، فَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكّة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و (٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ، أبو عليّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٣ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الْجَزِيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) الذُّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربةٌ، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ بِلَال) بن رَبَاح، أبو عبد اللَّه، مؤذّن النبيّ ﷺ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ بالشام سنة (١٧) أو (١٨) أو (٢٠) تقدّمت ترجمته في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. (يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ) -بفتح الدال، والحاء، والضاد المعجمة-: أي زالت الشمس، يقال: دَحَضَت الحجة دَحْضًا، من باب نَفَعَ: بطلت، وأدحضها اللَّه في التعدّي، ودَحَضَ الرجلُ: زَلِقَ، قاله في "المصباح" (١).
стр. 7370
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إذا دَحَضَت" أي زالت عن كَبِد السماء، وأصل الدحض: الزَّلَقُ، وهذا كما قال في الحديث الآخر: "كان النبيّ ﷺ يصلّي الظهر إذا دَحَضَت الشمس"، أي زالت، وقال الهرويّ في الحديث الأول: إذا انحطّت للغروب؛ لأن الشمس حينئذ يتبيّن زَلَقُها بالكلّيّة، والأول أولى انتهى (١).
[تنبيه]: قوله: "دَحَضَت" هكذا وقع عند المصنّف بحذف الفاعل؛ للعلم به، فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ وأي الروح، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي الشمس، وقد صُرّح به عند أبي نعيم في "مستخرجه"، ولفظ: "كان بلالٌ يؤذّن إذا دحَضَت الشمس. . . ".
(فَلَا يُقِيمُ) بضم أوله، من الإقامة (حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي من حجرته (فَإِذَا خَرَجَ) ﷺ من حجرته ذاهبًا إلى المسجد (أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ) أي وقت رؤية بلال النبيّ ﷺ .
وفي رواية لأبي عوانة في "مسنده" من طريق إسرائيل، عن سماك: "كان بلال يؤذِّن، ثم يُمْهِلُ، فإذا رأى النبيّ ﷺ قد خرج أقام الصلاة" (٢).
وفي رواية أحمد في "مسنده": "كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس، لا يَخْرِمُ، ثم لا يقيم حتى يخرج النبيّ ﷺ ، قال: فإذا خرج أقام حين يراه".
قال القاضي عياض ﵀: يُجْمَع بين مُختَلِف هذه الأحاديث (٣) بأن بلالًا ﵀ كان يراقب خروج النبيّ ﷺ من حيث لا يراه غيره، أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقوم الناس حتى يروه، ثم لا يقوم مقامه حتى يُعَدِّلوا الصفوف.
وقوله في رواية أبي هريرة ﵁: "فيأخذ الناس مصافّهم قبل خروجه" لعله كان مرّةً أو مرتين ونحوهما؛ لبيان الجواز، أو لعذر، ولعل قوله ﷺ :
стр. 7371
"فلا تقوموا حتى تروني" كان بعد ذلك (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٣٧٣] (٦٠٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٣٧)، و (الترمذيّ) فيها (٢٠٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١/ ٤٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٦ و ٩١ و ١٠٥ و ١٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٢٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٤٩ و ١٣٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٤٦ و ١٣٤٧ و ١٣٤٨) و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٠) - (بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٤] (٦٠٧) - (وَحَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
стр. 7372
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الفقيه المجتهد الثقة الثبت الحجة [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، -واللَّه تعالى أعلم-.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ) "من" شرطية، و"ركعةً" منصوب على المفعولية، و"من الصلاة" بيان لـ "ركعة".
ثم إن الظاهر أن هذا أعمّ مما يأتي من حديث أبي هريرة ﵁: "من أدرك ركعة من الصبح. . . " الحديث.
قال في "الفتح": ويَحتمل أن تكون اللام عهدية، فيتحدان، ويؤيِّده أن كلًّا منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة (١)، وهذا مطلق، وذاك مقيد، فيحمل المطلق على المقيد. اهـ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر، ولهذا عقد البخاريّ والنسائيّ لكل من المطلق والمقيد بابًا خاصًّا إشارةً إلى أن كلًّا منهما مقصود، ولا في اعي لحمل المطلق على المقيد، فمن أدرك ركعة من الصلاة، أيَّ صلاة كانت، فقد أدركها.
стр. 7373
قال الكرمانيّ ﵀: وفي الحديث، أن من دخل في الصلاة فصَلَّى ركعة، وخرج الوقت، كان مدركًا لجميعها، وتكون كلها أداء، وهو الصحيح. انتهى.
وقال التيميّ: معناه من أدرك مع الإمام ركعةً، فقد أدرك فضل الجماعة، وقيل: المراد بالصلاة الجمعة، وقيل غير ذلك (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لفظ الحديث عامّ يَشْمَل كل المعاني فالحمل على العموم أولى، -واللَّه تعالى أعلم-.
وقوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ") جواب "من"، قال في "الفتح": الإدراك الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يُكْتَفى بذلك، وليس ذلك مرادًا بالإجماع، فقيل: يُحْمَل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلّى ركعة أخرى، فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراورديّ، عن زيد بن أسلم، أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة"، وأصرح منه رواية أبي غَسّان، محمد بن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، وهو ابن يسار، عن أبي هريرة، بلفظ: "من صلّى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلّى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر"، وقال مثل ذلك في الصبح.
وفي رواية للبخاريّ، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أدرك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته".
وللنسائي من وجه آخر: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته".
وللبيهقي من وجه آخر: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليُصَلِّ إليها أخرى".
ويؤخذ من هذا الرد على الطحاويّ حيث خَصَّ الإدراك باحتلام الصبيّ،
стр. 7374
وطُهر الحائض، وإسلام الكافر، ونحوها، وأراد بذلك نُصْرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته؛ لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة، وهو مبني على أن الكراهة تتناول الفرض والنفل، وهي خلافية مشهورة.
قال الترمذيّ: وبهذا يقول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وخالف أبو حنيفة، فقال: من طلعت عليه الشمس، وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتَجّ لذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس.
وادَّعَى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل، فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تُحْمَل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادِّعاء النسخ.
ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركًا للوقت، وللفقهاء في ذلك تفاصيل بين أصحاب الأعذار وغيرهم، وبين مدرك الجماعة ومدرك الوقت، وكذا مدرك الجمعة، ومقدارُ هذه الركعة قدر ما يكبِّر للإحرام، ويقرأ أم القرآن، ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين بشروط كل ذلك.
وقال الرافعيّ: المعتبر فيها أخف ما يَقْدِر عليه أحدٌ، وهذا في حق غير أصحاب الأعذار، أما أصحاب الأعذار كمن أفاق من إغماء، أو طهرت من حيض، أو غير ذلك، فإن بقي من الوقت هذا القدر، كانت الصلاة في حقهم أداءً، وقد قال قوم: يكون ما أدرك في الوقت أداءً، وبعده قضاءً، وقيل: يكون كذلك لكنه يلتحق بالأداء حكمًا، والمختار أن الكل أداء، وذلك من فضل اللَّه تعالى، ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
وقال في "الفتح" أيضًا: مفهوم التقييد بالركعة أن من أدرك دون الركعة لا يكون مدركًا لها، وهو الذي استقر عليه الاتفاق، وكان فيه شذوذ قديم، منها أن إدراك الإمام راكعًا يجزئ، ولو لم يدرك معه الركوع، وقيل: يدرك الركعة ولو رفع الإمام رأسه ما لم يرفع بقية من ائتم به رؤوسهم، ولو بقي واحد،
стр. 7375
وعن الثوري، وزفر: إذا كبّر قبل أن يرفع الإمام رأسه أدرك إن وضع يديه على ركبتيه قبل رفع الإمام، وقيل: من أدرك تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع أدرك الركعة، وعن أبي العالية: إذا أدرك السجود أكمل بقية الركعة معهم، ثم يقوم فيركع فقط، وتجزيه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بأن من أن أدرك الإمام راكعًا يجزئ، ولو لم يدرك معه الركوع، وكذا الأقوال التي بعده كلها أقوال لا أثارة عليها من علم، بل الصحيح أن من فاتته الفاتحة يلزمه قضاء تلك الركعة، وإن أدرك الركوع مع الإمام؛ لحديث: "وما فاتكم فاقضوا"، وهذا قد فاتته الفاتحة، وقد تقدّم تحقيق المسألة قبل باب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٣٧٤ و ١٣٧٥ و ١٣٧٦] (٦٥٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٥٨٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١١٧)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٢٤)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٥٣ و ٥٥٤ و ٥٥٥)، وفي "الكبرى" (١٥٣٦ و ١٥٣٧ و ١٥٣٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٢٢)، و (مالك) في "الموطأ" (١٠٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١٤٢ و ٤١٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٣٦٩ و ٣٣٧٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١ و ٢٨٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٤٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٨٥)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٣/ ١٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٢٩ و ١٥٣٠ و ١٥٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٤٩ و ١٣٥٠ و ١٣٥١ و ١٣٥٢ و ١٣٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٠٢ و ٢٠٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ٢٤٩)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7376
(المسألة الثالثة): ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ" في هذا الحديث بحثًا نفيسًا، ودونك عبارته:
روى بعضهم هذا الحديث عن مالك، وقال فيه: "من أدرك ركعةً من العصر"، وهو وَهَمٌ على مالك، وإنما حديث مالك: "من أدرك ركعةً من الصلاة".
وخرّجه مسلم (١) عن عبد بن حُميد، ثنا عبد الرزّاق، قال: ثنا معمرٌ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بمثل حديث مالك، عن زيد بن أسلم -يعني الحديث الآتي بعد حديثين-.
وذكر الدارقطنيّ في "العلل" أنه ليس بمحفوظ عنه -يعني عن معمر- وذكر أن عبد الرزّاق رواه بخلاف ذلك، قال: ورُوي أيضًا عن محمد بن أبي حفصة، وسفيان بن حسين، عن الزهريّ -يعني بذكر العصر والفجر-، والمحفوظ عن الزهريّ في حديثه: "من أدرك ركعةً من الصلاة".
وقد اختُلف في معنى ذلك، فقالت طائفةٌ: معناه: إدراك وقت الصلاة، كما في حديث عطاء بن يسار، وبُسْر بن سعيد، والأعرج، عن أبي هريرة الآتي بعد حديثين.
وقد رَوَى هذا الحديث المذكور هنا عمّار بن مطر، عن مالك، وقال فيه: "فقد أدرك الصلاة ووقتها"، قال ابن عبد البرّ: لم يقله عن مالك غير عمّار، وهو مجهول لا يُحتجّ به (٢).
وقالت طائفةٌ: معناه: إدراك الجماعة، ويشهد له الحديث التالي عند مسلم بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة".
وهؤلاء لهم في تفسير إدراك الجماعة قولان:
أحدهما: أن المراد إدراك فضل الجماعة وتضعيفها.
وروى نوح بن أبي مريم هذا الحديث، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي
стр. 7377
هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من أدرك الإمام جالسًا قبل أن يسلّم، فقد أدرك الجماعة وفضلها"، خرّجه الدارقطنيّ، وقال: نوح متروك.
وقد وَهِمَ في لفظه، وخالف جميع أصحاب الزهريّ، ووَهِمَ أيضًا في إسناده، فإنه عن أبي سلمة، لا عن سعيد بن المسيِّب، مع أنه قد روي عن مالك، والأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن سعيد، وليس بمحفوظ.
ورَوى أبو الحسن بن جَوْصَا في "مسند الأوزاعيّ": حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، ئنا أبي، عن أبيه يحيى بن حمزة، حدّثني الأوزاعيّ، أنه سأل الزهريّ، عن رجل أدرك من صلاة الجمعة ركعةً؟ فقال: حدّثني أبو سلمة أن أبا هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أدرك من صلاة ركعةً، فقد أدرك فضيلة الجماعة".
وهذا اللفظ أيضًا غير محفوظ، وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة ضعّفوه، ذكره الحاكم أبو أحمد في "كتاب الكنى".
ورَوَى أبو عليّ الحنفيّ، واسمه عبيد اللَّه بن عبد المجيد هذا الحديث عن مالك، وقال في حديثه: "فقد أدرك الفضل".
قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من الرواة قاله عن مالك غيره.
قال: ورواه نافع بن زيد، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة وفضلها".
وهذه لفظةٌ لم يقلها أحدٌ عن ابن شهاب غير عبد الوهاب هذا، وليس بحجة على من خالفه فيها من أصحاب ابن شهاب.
على أن الليث بن سعد قد رَوَى هذا الحديث عن ابن الهاد، عن ابن شهاب، لم يذكر في إسناده عبد الوهاب، ولا جاء بهذه اللفظة، أعني قوله: وفضلها.
وقد اختلف العلماء فيما يُدرك به فضل الجماعة مع الإمام:
فقالت طائفةٌ: لا يُدرك بدون إدراك ركعة تامّة؛ لظاهر الحديث.
وقد رواه قرّة بن عبد الرحمن، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي
стр. 7378
هريرة، وزاد فيه: "قبل أن يُقيم الإمام صلبه"، خرّج حديثه ابن خزيمة في "صحيحه"، والدارقطنيّ، وليس هذا اللفظ بمحفوظ عن الزهريّ أيضًا، وقرّة هذا مختلفٌ في أمره، وتفرّد بهذا الحديث عنه يحيى بن حُميد بهذه الزيادة، وقد أنكرها عليه البخاريّ، والعقيليّ، وابن عديّ، والدارقطنيّ، وغيرهم.
وحُكي هذا القول عن مالك أنه لا يُدرِك الجماعة بدون ركعة، وذكره ابن أبي موسى من الحنابلة لأحمد، ولم يَحك فيه خلافًا، وهو قول عطاء حتى قال: إذا سلّم إمامه، فإن شاء تكلّم، فلم يكن في صلاة قد فاتته الركعة، خرّجه عبد الرزّاق، عن ابن جريج عنه.
وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة"، وخرّجه الحاكم، وصحّحه، وفي إسناده من ضُعِّف.
وخرّجه الطبرانيّ وغيره من رواية عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الأزهر، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، وإسناده جيّد، قال الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسيّ: لا أعلم له علّةً.
وقالت طائفةٌ: تدرَك فضيلة الجماعة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام، وهو قول أبي وائل، وقال قتادة: إن ابن مسعود أدرك قومًا جلوسًا في آخر صلاتهم، فقال: قد أدركتم إن شاء اللَّه، وهو مذهب الشافعيّ، والمشهور عن أحمد عند القاضي أبي يعلى وأتباعه، حتى قال بعضهم: هو إجماع من العلماء، لا نعلم فيه خلافًا، ولكن ليس بإجماع كما تقدّم.
وروى ابن عديّ من طريق محمد بن جابر، عن أبان بن طارق، عن كثير بن شِنْظِير، عن عطاء، عن جابر، عن النبيّ ﷺ قال: "من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلّم، فقد أدرك فضل الجماعة"، قال: وكنّا نتحدّث أن من أدرك قبل أن يتفرّقوا، فقد أدرك فضل الجماعة.
وهذا ليس بمحفوظ، وأبان بن طارق، ومحمد بن جابر ضعيفان، وقد رواه ابن عُليّة، عن كثير بن شِنْظير، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: إذا انتهى إلى القوم، وهم قُعُودٌ في آخر صلاتهم، فقد دخل في التضعيف، وإذا انتهى
стр. 7379
إليهم، وقد سلَّم الإمام، ولم يتفرّقوا، فقد دخل في التضعيف، قال عطاء: كان يقال: إذا خرج من بيته، وهو ينويهم، فأدركهم، أو لم يُدركهم، فقد دخل في التضعيف.
هذا الموقوف أصحّ، وكذا قال أبو سلمة: من خرج من بيته قبل أن يسلّم الإمام، فقد أدرك.
ومعنى هذا كلّه أنه يُكتب له ثواب الجماعة لَمّا نواها، وسعى إليها، وإن كانت قد فاتته، كمن نوى قيام الليل، ثم نام عنه، ومن كان له عملٌ، فعجز عنه بمرض، أو سفر، فإنه يُكتب له أجره.
ويشهد لهذا ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من توضّأ، فأحسن الوضوء، ثم راح، فوجد الناس قد صَلَّوا، أعطاه اللَّه مثل أجر من صلّاها وحضرها، لا ينقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا" (١).
وأخرج أبو داود من حديث سعيد بن المسيِّب، عن رجل من الأنصار، سمع النبيّ ﷺ يقول: "إذا توضّأ أحدكم، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، فصلّى في جماعة غُفِر له، فإن أتى المسجد، وقد صلَّوا بعضًا، وبقي بعضٌ فصلَّى ما أدرك، وأتمّ ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد، وقد صَلَّوا، فأتمّ الصلاةَ، كان كذلك" (٢).
وأخرج النسائيّ من حديث عثمان ﵁، سمعت النبيّ ﷺ يقول: "من توضّأ للصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة، فصلّاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد، غُفِر له ذنبه" (٣).
ولا خلاف عن الشافعيّ وأحمد أن الجمعة لا تُدرك بدون إدراك ركعة تامّة؛ لأن الجماعة شرطٌ لها، وهذا مما يقوّي القول بان الجماعة لا تُدرك بدون إدراك ركعة.
والقول الثاني: أن المراد بإدراك الركعة في الجماعة إدراك جميع أحكام
стр. 7380
الجماعة من الفضل، وسجود السهو، وحكم الإتمام، وهذا مذهب مالك.
فعلى هذا إذا أدرك المسافر المقيمَ في التشهّد الآخر لم يلزمه الإتمام، وإن أدرك معه ركعةً تامّةً، فأكثر لزمه الإتمام، وإذا خرج من بلده مسافرًا، وقد بقي عليه من وقت الصلاة قدر ركعة قَصَرَ الصلاة، وإن كان أقلّ من قدر ركعة أتمّها، وإذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعةً لزمه أن يسجد معه لسهوه، سواء أدركه في ذلك السهو، أو لم يُدركه، وإن لم يُدرك معه ركعةً لم يلزمه السجود له.
هذا كلّه مذهب مالك، ووافقه الليث، والأوزاعيّ في مسألة سجود السهو، ووافقه أحمد في رواية عنه في المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم أقلّ من ركعة، فدخل معه أن له أن يقصر، والمشهور عنه أنه يلزمه الإتمام، كقول الشافعيّ، وأبي حنيفة.
وقالت طائفة أخرى: قوله: "من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة"، يدخل في عمومه إدراك الوقت بالنسبة إلى أداء الصلاة، وإدراك الجماعة كما تقدّم، ويدخل فيه أيضًا إدراك قدر ركعة من وقت الوجوب إذا زال عذر المعذور في آخر وقت الصلاة، فلو طهرت من حيضها في آخر الوقت، وقد بقي منه قدر ركعة، لزمها القضاء، وإن لم يبق منه قدر ركعة فلا قضاء عليها.
وهذا قول مالك، والليث، وأحد قولي الشافعيّ، ورواية عن أحمد.
والمشهور عن الشافعيّ وأحمد أنه يُعتبر إدراك قدر تكبيرة الإحرام من الوقت إذا زال العذر، وهو قول أبي حنيفة، وحُكي عن الأوزاعيّ والثوريّ. انتهى المقصود من كلام ابن رجب ﵀ (١)، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (٢) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
стр. 7381
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ").
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم هذا السند بعينه في الباب الماضي.
وقوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) قال النوويّ ﵀ أجمع المسلمون على أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وأنه لا يكون بالركعة مدركًا لكل الصلاة، وتكفيه، وتحصل براءته من الصلاة بهذه الركعة، بل هو مُتَأَوَّل، وفيه اضمار، تقديره: فقد أدرك حكم الصلاة، أو وجوبها، أو فضلها. قال أصحابنا: يدخل فيه ثلاث مسائل:
[إحداها]: إذا أدرك من لا يجب عليه الصلاة ركعةً من وقتها لزمته تلك الصلاة، وذلك في الصبيّ يبلغ، والمجنون والْمُغْمَى عليه يفيقان، والحائض والنفساء تطهران، والكافر يُسلم، فمن أدرك من هؤلاء ركعةً قبل خروج وقت الصلاة، لزمته تلك الصلاة، وإن أدرك دون ركعة، كتكبيرة، ففيه قولان للشافعي ﵀: أحدهما: لا تلزمه؛ لمفهوم هذا الحديث، وأصحهما عند أصحابنا تلزمه؛ لأنه أدرك جزءًا منه، فاستوى قليله وكثيره، ولأنه يشترط قدر الصلاة بكمالها بالاتفاق، فينبغي أن لا يفرق بين تكبيرة وركعة، وأجابوا عن الحديث بأن التقييد بركعة خرج على الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة فلا يكاد يُحَسُّ بها، وهل يشترط مع التكبيرة، أو الركعة إمكان الطهارة؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما أنه لا يشترط.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بعدم وجوب الصلاة على من أدرك دون ركعة هو الأرجح عندي؛ لظاهر هذا الحديث، فمن أوجب ذلك عليه فليأتنا بنصّ، أو إجماع يصرف ظاهره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها، فصلى ركعةً، ثم خرج الوقت، كان مدركًا لأدائها، ويكون كلها أداءً، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يكون كلها قضاءً، وقال بعضهم: ما وقع في الوقت أداءٌ، وما بعده قضاءٌ.
وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى القصر، وصلى ركعةً في الوقت،
стр. 7382
وباقيها بعده، فإن قلنا: الجميع أداءٌ، فله قصرها، وإن قلنا: كلها قضاءٌ، أو بعضها وجب إتمامها أربعًا، إن قلنا: إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها. هذا كله، إذا أدرك ركعة في الوقت، فإن كان دون ركعة، فقال بعض أصحابنا: هو كالركعة، وقال الجمهور: يكون كلها قضاءً، واتفقوا على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت، وإن قلنا: إنها أداء، وفيه احتمال لأبي محمد الجوينيّ على قولنا: أداءٌ، وليس بشيء.
(المسألة الثالثة): إذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعةً، كان مدركًا لفضيلة الجماعة بلا خلاف، وإن لم يدرك ركعةً، بل أدركه قبل السلام، بحيث لا يحسب له ركعة، ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يكون مدركًا للجماعة؛ لمفهوم قوله ﷺ : "من أدرك ركعةً من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة"، والثاني: وهو الصحيح، وبه قال جمهور أصحابنا: يكون مدركًا لفضيلة الجماعة؛ لأنه أدرك جزءًا منه، ويجاب عن مفهوم الحديث بما سبق. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقد تقدّم البحث في هذا في الحديث الماضي، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَيُونُسَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى (٢)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ جَمِيعًا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: "مَعَ الإِمَامِ"، وَفي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: "فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا").
стр. 7383
رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الستّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نمير، تقدّم قريبًا.
٤ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد اللَّه الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٧ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون كلّهم تقدّموا في هذا الباب، والبابين قبله.
وقوله: (جَمِيعًا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) راجع إلى عبد اللَّه بن نُمير، وعبد الوهّاب الثقفيّ، يعني أن عبد اللَّه بن نمير، وعبد الوهّاب كليهما رويا هذا الحديث عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ) إشارة للستة: وهم: ابن عيينة، ومعمر، والأوزاعيّ، ومالك بن أنس، ويونس بن يزيد، وعبيد اللَّه العمريّ، يعني أن هؤلاء الستّة كلهم رووا هذا الحديث عن الزهريّ.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة عن الزهريّ ساقها ابن الجارود في "المنتقى" (١/ ٨٩)، فقال:
(٣٢٣) حدّثنا ابن المقرئ، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبيّ ﷺ ، قال: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك". انتهى.
وأما رواية ابن المبارك عن شيوخه الأربعة، فقد ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٠٤)، فقال:
(١٣٥٢) حدّثنا أبو زيد محمد بن جعفر بن علي بن بشر التميميّ بالكوفة، ثنا عبد اللَّه بن زيدان، ثنا أبو كريب، ثنا ابن المبارك، عن معمر،
стр. 7384
ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، ويونس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من أدرك من الصلاة ركعةً، فقد أدركها". انتهى.
وأما رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن الزهريّ، فساقها أيضًا أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٠٤) فقال:
(١٣٥٤) حدّثنا محمد بن نصر، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن الحسن، ثنا محمد بن بكر، ثنا عبد اللَّه بن إدريس (ح) وحدّثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو سعيد الأشجّ، ثنا ابن إدريس، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أدرك ركعةً من الصبح، فقد أدرك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٧] (٦٠٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الْأَعْرَجِ، حَدَّثُوهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٢ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت ٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢٦/ ٢١٣.
٣ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد، مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون تقدّموا في الباب.
стр. 7385
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن ثلاثة من التابعين، زيد بن أسلم، عن عطاء، وبُسر، والأعرج.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الْأَعْرَجِ، حَدَّثُوهُ) أي حدّث هؤلاء الثلاثة زيد بن أسلم (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ) أي من صلاتها (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ) بضمّ اللام، من باب قَعَدَ، يقال: طلع الكوب، والشمس طُلُوعًا ومَطْلَعًا بفتح اللام، وكسرها: إذا ظهر، كأطلع، أفاده في "القاموس" (١). (الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) أي أدرك حكم صلاة الصبح، أو وجوبها، أو فضلها على خلاف في التأويل (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ) من باب قعد أيضًا، يقال: غربت الشمس تغرُب غُرُوبًا: إذا بَعُدت، وتوارت في مَغِيبها (٢). (الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ") قال النوويّ ﵀: هذا دليلٌ صريحٌ في أن من صلّى ركعة من الصبح أو العصر، ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يُتِمّها، وهي صحيحة، وهذا مجمع عليه في العصر، وأما في الصبح، فقال به مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّةً إلا أبا حنيفة ﵀، فإنه قال: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها؛ لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة، بخلاف غروب الشمس، والحديث حجة عليه. انتهى.
وسيأتي البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه
стр. 7386
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٣٧٧ و ١٣٧٩] (٦٠٨)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٥٧٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٨٦)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥١٤)، و"الكبرى" (١٥٠١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٦٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح يكون مدركًا لها عند جمهور العلماء، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا ببطلان الصلاة إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، وإن أدرك ركعة فما فوقها، ويأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى.
٢ - (ومنها): أن من أدرك ركعة من صلاة العصر، كان مدركًا لها حكمًا، فيكمل ما بقي، وبكون ذلك أداء.
٣ - (ومنها): أن من زال عذره؛ كنائم استيقظ، وحائض طَهَرت، وصبي بلغ، وكافر أسلم، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعةً وجبت عليه تلك الصلاة.
٤ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، ويُسْرِ أمور الدين حيث وَسَّع اللَّه تعالى على من لم يتمكن من أداء الصلاة إلى هذا الوقت فأدّى، فإنه يكون مؤديًا للواجب في وقته، ذلك من فضل اللَّه ورحمته، واللَّه ذو الفضل العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من أدرك ركعة من العصر، أو الفجر قبل خروج الوقت:
стр. 7387
أجمعوا على أن من صلّى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت، لا تبطل صلاته، بل يتمها، واختلفوا فيمن صلّى ركعة من الصبح، ثم خرج الوقت؛ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّةً: يتم صلاته، وهي صحيحه، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: تبطل صلاته بطلوع الشمس، واحتَجَّ في ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس.
ورُدَّ عليه بأن أحاديث النهي عامة، تشمل ذوات الأسباب المتقدمة، وغير ذوات الأسباب من النوافل والفرائض، وحديثُ أبي هريرة ﵁ هذا خاص؛ ليس فيه إلا ذكر صلاة ذات سبب متقدم، فتحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل؛ جمعًا بين الحديثين.
قال النوويّ ﵀: قال أبو حنيفة ﵀: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس؛ لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس، ففَرَّقَ بين فجر اليوم، وعصره، والحديث حجةٌ عليه.
قال القاري بعد ذكر كلام النوويّ هذا ما نصه: وجوابه ما ذكره صدر الشريعة في "شرح الوقاية": أن المذكور في كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة، وآخر وقت العصر وقت ناقص؛ إذ هو وقت عبادة الشممس، فوجب ناقصًا، فإذا أداه أداه، كما وجب، فإذا اعتَرَضَ الفساد بالغروب لا تفسد، والفجر كل وقته وقت كامل؛ لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها، فوجب كاملًا، فإذا اعتَرَض الفساد بالطلوع تفسد؛ لأنه لم يؤده كما وجب.
[فإن قيل]: هذا تعليل في معرض النصّ، قلنا: لَمّا وقع التعارض بين هذا الحديث، وبين النهي الوارد عن الصلاة في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس، كما هو حكم التعارض، والقياس رجَّحَ هذا الحديث في صلاة العصر، وحديث النهي في صلاة الفجر، وأما سائر الصلوات، فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة؛ لحديث النهي الوارد؛ إذ لا معارض لحديث النهي فيها.
قال صاحب "مرعاة المفاتيح": قلت: قد رَدَّ هذا التقرير المزخرف الشيخُ عبد الحيّ اللكنويّ، وهو من الحنفية في "حاشيته على شرح الوقاية"، حيث
стр. 7388
قال: فيه بحثٌ، وهو أن المصير إلى القياس عند تعارض النصين إنما هو إذا لم يمكن الجمع بينهما، وأما إذا أمكن يلزم الجمع بينهما، وها هنا العمل بكليهما ممكن بأن يُخَصّ صلاة العصر والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهي، ويُعْمَل بعمومه في غيرهما، وبحديث الجواز فيهما، إلا أن يقال: حديث الجواز خاصّ، وحديث النهي عامّ، وكلاهما قطعيان عند الحنفية، متساويان في الدرجة والقوّة، فلا يَخُصّ أحدهما الآخر، وفيه أن قطعية العام كالخاص ليس متفقًا عليه بين الحنفية، فإن كثيرًا منهم وافقوا الشافعية في كون العام ظنيًّا، كما هو مبسوط في "شرح المنتخب" الحسامي وغيرها. انتهى.
وقال صاحب "الكوكب الدريّ" -بعد ذكر وجه الفرق بين الفجر والعصر بنحو ما ذكره صدر الشريعة- ما لفظه: هذا ما قالوا، وأنت تعلم ما فيه من الاختلال، وتزويق المقال، فإن قولهم: النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها، ينادي بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما، وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس، فادّعاء المعارضة بينهما باطل، وإن قطع النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر، والجواز في العصر، فإن الوقت شرط لكلتيهما، فإذا غربت الشمس بأداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي، فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة؟، إذ ليس ذلك إلا قولًا بعدم اشتراط الوقت، فعلى هذا يلزم عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة، وثوبه نجس بقدر الدرهم، أو دونه، ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئًا نجسًا ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمها، أو من أخذ في الصلاة، وهو يدافعه الأخبثان، فلما قضى ركعة أو ركعتين، بال أو تغوّط، أو ليس نظير ما قالوا؟ فإنه أدّى صلاته بعد الحدث على نحو مما التزمه. . . إلى آخر ما قال؟ وأطال في الردّ عليهم.
قال صاحب "المرعاة": قلت: ويلزمهم أيضًا أن يقولوا بفساد صلاة العصر إذا شرع فيها في الجزء الصحيح الكامل، أي قبل الاصفرار، ومدّها إلى أن غربت، مع أنها لا تكره عندهم فضلًا عن أن تفسد، وما اعتذروا عنه بعذر الخشوع والخضوع لا ينفع، كما أقر به صاحب "فيض الباري"، فإن الاحتراز
стр. 7389
عن المد إلى غروب الشمس ليس مما يتعذر، كما لا يخفى على المنصف غير المتعسف، واختار صاحب "الكوكب" في معنى الحديث ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز الصلاتين؛ العصر والصبح، وفراغ الذمة لمن صلّى في هذين الوقتين، وإن لم يخل فعله ذلك من الكراهة.
واعلم أن الحنفية قد عجزوا عن دفع إلزام العمل ببعض هذا الحديث، وترك بعضه مع أن النقص قارن العصر ابتداء، والفجر بقاء، ولذلك ذهب الطحاويّ إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر، خلافًا لمذهب الحنفية، قال صاحب "الفيض": إن الحديث لا يفرق بين الفجر والعصر، وظاهره موافقٌ لما ذهب إليه الجمهور، وتفريق الحنفية باشتمال العصر على الوقت الناقص دون الفجر عمل بإحدى القطعتين، وترك الأخرى بنحو من القياس. وذا لا يَرِدُ على الطحاويّ، فإنه ذهب إلى النسخ بالكلية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، إلا أن المعروف من مذهب الحنفية خلافه، فإنهم قائلون في العصر بصحتها، كما في الحديث، قال: فلم أر جوابًا شافيًا عنه في أحد من كتب الحنفية بعدُ.
ثم حَمَل هو هذا الحديث على المسبوق، وقال: إن المراد بالإدراك إدراك الجماعة، لا إدراك الوقت، وإن الصلاة كلها في الوقت قبل الطلوع في الفجر، وقبل الغروب في العصر، ومعنى الحديث: من أدرك ركعة من الصبح مع الإمام، وركعة أخرى بعد انصرافه، وكلتاهما في الوقت قبل الطلوع، وكذا في العصر أدرك ركعة مع الإمام، وثلاث ركعات بعد سلامه، لكن الصلاة كلها وقعت في الوقت قبل الغروب.
قال صاحب "المرعاة": وهذا تحريف للحديث، وإبطال لمؤدّاه، لا توجيه له مع أنه يبطل شرحه، ويَهْدِمه -كما اعترف هو- ما تقدّم من رواية البيهقي بلفظ: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة".
هذا وقد أطال الكلام في الجواب عن هذه الرواية، وتقرير ما رامه من تحريف الحديث، وأتى بكلام كله تكلفات، ودعاوى محضة، ونسبة الوهم،
стр. 7390
وسوء الفهم، والاختصار إلى الرواة من غير دليل وبرهان. انتهى كلام صاحب "المرعاة" (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما حقّقه صاحب "المرعاة" تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وبهذا ظهر لك تعصب هؤلاء، وانحرافهم عن قبول ما صحّ من الحديث إذا خالف مذهبهم، ومنهم العينيّ في شرحه على البخاريّ، فقد أتى هناك بما لا يتناسب مع خدمته للبخاريّ، وقيامه في حلّ عويصات الكتاب اللغوية والنحوية قيامًا حسنًا، ولكن قاتل اللَّه التعصب الذي يُعْمِي عن رؤية الحق حقًّا، ويُصِمّ عن سماعه صدقًا.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه.
والحاصل أن المذهب الصحيح هو مذهب الجمهور القائلين بأن من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصبح، فيتم ما بقي، كما أن الكل اتفقوا على أن من أدرك ركعة من العصر، فقد أدرك العصر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٧٨] (٦٠٩) - (وَحَدَّثَنَا (٢) حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَالسِّيَاقُ لِحَرْمَلَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ (٣)، فَقَدْ أَدْرَكَهَا"، وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ).