← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٣٧٧ و ١٣٧٩] (٦٠٨)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٥٧٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٨٦)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥١٤)، و"الكبرى" (١٥٠١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٦٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح يكون مدركًا لها عند جمهور العلماء، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا ببطلان الصلاة إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، وإن أدرك ركعة فما فوقها، ويأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى. ٢ - (ومنها): أن من أدرك ركعة من صلاة العصر، كان مدركًا لها حكمًا، فيكمل ما بقي، وبكون ذلك أداء. ٣ - (ومنها): أن من زال عذره؛ كنائم استيقظ، وحائض طَهَرت، وصبي بلغ، وكافر أسلم، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعةً وجبت عليه تلك الصلاة. ٤ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، ويُسْرِ أمور الدين حيث وَسَّع اللَّه تعالى على من لم يتمكن من أداء الصلاة إلى هذا الوقت فأدّى، فإنه يكون مؤديًا للواجب في وقته، ذلك من فضل اللَّه ورحمته، واللَّه ذو الفضل العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من أدرك ركعة من العصر، أو الفجر قبل خروج الوقت:

стр. 7387

أجمعوا على أن من صلّى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت، لا تبطل صلاته، بل يتمها، واختلفوا فيمن صلّى ركعة من الصبح، ثم خرج الوقت؛ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّةً: يتم صلاته، وهي صحيحه، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: تبطل صلاته بطلوع الشمس، واحتَجَّ في ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس. ورُدَّ عليه بأن أحاديث النهي عامة، تشمل ذوات الأسباب المتقدمة، وغير ذوات الأسباب من النوافل والفرائض، وحديثُ أبي هريرة ﵁ هذا خاص؛ ليس فيه إلا ذكر صلاة ذات سبب متقدم، فتحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل؛ جمعًا بين الحديثين. قال النوويّ ﵀: قال أبو حنيفة ﵀: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس؛ لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس، ففَرَّقَ بين فجر اليوم، وعصره، والحديث حجةٌ عليه. قال القاري بعد ذكر كلام النوويّ هذا ما نصه: وجوابه ما ذكره صدر الشريعة في "شرح الوقاية": أن المذكور في كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة، وآخر وقت العصر وقت ناقص؛ إذ هو وقت عبادة الشممس، فوجب ناقصًا، فإذا أداه أداه، كما وجب، فإذا اعتَرَضَ الفساد بالغروب لا تفسد، والفجر كل وقته وقت كامل؛ لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها، فوجب كاملًا، فإذا اعتَرَض الفساد بالطلوع تفسد؛ لأنه لم يؤده كما وجب. [فإن قيل]: هذا تعليل في معرض النصّ، قلنا: لَمّا وقع التعارض بين هذا الحديث، وبين النهي الوارد عن الصلاة في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس، كما هو حكم التعارض، والقياس رجَّحَ هذا الحديث في صلاة العصر، وحديث النهي في صلاة الفجر، وأما سائر الصلوات، فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة؛ لحديث النهي الوارد؛ إذ لا معارض لحديث النهي فيها. قال صاحب "مرعاة المفاتيح": قلت: قد رَدَّ هذا التقرير المزخرف الشيخُ عبد الحيّ اللكنويّ، وهو من الحنفية في "حاشيته على شرح الوقاية"، حيث

стр. 7388

قال: فيه بحثٌ، وهو أن المصير إلى القياس عند تعارض النصين إنما هو إذا لم يمكن الجمع بينهما، وأما إذا أمكن يلزم الجمع بينهما، وها هنا العمل بكليهما ممكن بأن يُخَصّ صلاة العصر والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهي، ويُعْمَل بعمومه في غيرهما، وبحديث الجواز فيهما، إلا أن يقال: حديث الجواز خاصّ، وحديث النهي عامّ، وكلاهما قطعيان عند الحنفية، متساويان في الدرجة والقوّة، فلا يَخُصّ أحدهما الآخر، وفيه أن قطعية العام كالخاص ليس متفقًا عليه بين الحنفية، فإن كثيرًا منهم وافقوا الشافعية في كون العام ظنيًّا، كما هو مبسوط في "شرح المنتخب" الحسامي وغيرها. انتهى. وقال صاحب "الكوكب الدريّ" -بعد ذكر وجه الفرق بين الفجر والعصر بنحو ما ذكره صدر الشريعة- ما لفظه: هذا ما قالوا، وأنت تعلم ما فيه من الاختلال، وتزويق المقال، فإن قولهم: النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها، ينادي بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما، وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس، فادّعاء المعارضة بينهما باطل، وإن قطع النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر، والجواز في العصر، فإن الوقت شرط لكلتيهما، فإذا غربت الشمس بأداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي، فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة؟، إذ ليس ذلك إلا قولًا بعدم اشتراط الوقت، فعلى هذا يلزم عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة، وثوبه نجس بقدر الدرهم، أو دونه، ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئًا نجسًا ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمها، أو من أخذ في الصلاة، وهو يدافعه الأخبثان، فلما قضى ركعة أو ركعتين، بال أو تغوّط، أو ليس نظير ما قالوا؟ فإنه أدّى صلاته بعد الحدث على نحو مما التزمه. . . إلى آخر ما قال؟ وأطال في الردّ عليهم. قال صاحب "المرعاة": قلت: ويلزمهم أيضًا أن يقولوا بفساد صلاة العصر إذا شرع فيها في الجزء الصحيح الكامل، أي قبل الاصفرار، ومدّها إلى أن غربت، مع أنها لا تكره عندهم فضلًا عن أن تفسد، وما اعتذروا عنه بعذر الخشوع والخضوع لا ينفع، كما أقر به صاحب "فيض الباري"، فإن الاحتراز

стр. 7389

عن المد إلى غروب الشمس ليس مما يتعذر، كما لا يخفى على المنصف غير المتعسف، واختار صاحب "الكوكب" في معنى الحديث ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز الصلاتين؛ العصر والصبح، وفراغ الذمة لمن صلّى في هذين الوقتين، وإن لم يخل فعله ذلك من الكراهة. واعلم أن الحنفية قد عجزوا عن دفع إلزام العمل ببعض هذا الحديث، وترك بعضه مع أن النقص قارن العصر ابتداء، والفجر بقاء، ولذلك ذهب الطحاويّ إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر، خلافًا لمذهب الحنفية، قال صاحب "الفيض": إن الحديث لا يفرق بين الفجر والعصر، وظاهره موافقٌ لما ذهب إليه الجمهور، وتفريق الحنفية باشتمال العصر على الوقت الناقص دون الفجر عمل بإحدى القطعتين، وترك الأخرى بنحو من القياس. وذا لا يَرِدُ على الطحاويّ، فإنه ذهب إلى النسخ بالكلية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، إلا أن المعروف من مذهب الحنفية خلافه، فإنهم قائلون في العصر بصحتها، كما في الحديث، قال: فلم أر جوابًا شافيًا عنه في أحد من كتب الحنفية بعدُ. ثم حَمَل هو هذا الحديث على المسبوق، وقال: إن المراد بالإدراك إدراك الجماعة، لا إدراك الوقت، وإن الصلاة كلها في الوقت قبل الطلوع في الفجر، وقبل الغروب في العصر، ومعنى الحديث: من أدرك ركعة من الصبح مع الإمام، وركعة أخرى بعد انصرافه، وكلتاهما في الوقت قبل الطلوع، وكذا في العصر أدرك ركعة مع الإمام، وثلاث ركعات بعد سلامه، لكن الصلاة كلها وقعت في الوقت قبل الغروب. قال صاحب "المرعاة": وهذا تحريف للحديث، وإبطال لمؤدّاه، لا توجيه له مع أنه يبطل شرحه، ويَهْدِمه -كما اعترف هو- ما تقدّم من رواية البيهقي بلفظ: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة". هذا وقد أطال الكلام في الجواب عن هذه الرواية، وتقرير ما رامه من تحريف الحديث، وأتى بكلام كله تكلفات، ودعاوى محضة، ونسبة الوهم،

стр. 7390

وسوء الفهم، والاختصار إلى الرواة من غير دليل وبرهان. انتهى كلام صاحب "المرعاة" (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما حقّقه صاحب "المرعاة" تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وبهذا ظهر لك تعصب هؤلاء، وانحرافهم عن قبول ما صحّ من الحديث إذا خالف مذهبهم، ومنهم العينيّ في شرحه على البخاريّ، فقد أتى هناك بما لا يتناسب مع خدمته للبخاريّ، وقيامه في حلّ عويصات الكتاب اللغوية والنحوية قيامًا حسنًا، ولكن قاتل اللَّه التعصب الذي يُعْمِي عن رؤية الحق حقًّا، ويُصِمّ عن سماعه صدقًا. اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. والحاصل أن المذهب الصحيح هو مذهب الجمهور القائلين بأن من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصبح، فيتم ما بقي، كما أن الكل اتفقوا على أن من أدرك ركعة من العصر، فقد أدرك العصر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٨] (٦٠٩) - (وَحَدَّثَنَا (٢) حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَالسِّيَاقُ لِحَرْمَلَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ (٣)، فَقَدْ أَدْرَكَهَا"، وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ).

стр. 7391

رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجليّ، أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ﵄، تقدّمت قريبًا أيضًا. والباقون تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ) هذا تفسير مدرج من بعض الرُّواة، ويَحْتَمِل أن يكون من الزهريّ؛ لأنه كثيرًا ما يُدرج تفسيره في الحديث، كما في حديث "بدء الوحي"، ويَحْتَمِل أن يكون من غيره، واللَّه تعالى أعلم. قال الخطّابيّ ﵀: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسُمّيت على هذا المعنى سجدةً. انتهى (١). وقال البغويّ ﵀: أراد بالسجود ركعةً بركوعها وسجودها، والصلاة تُسمّى سجودًا كما تُسمّى ركوعًا، قال اللَّه : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ [الإنسان: ٢٦]، أي صلّ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي المصلّين، سمَّى الركعة سجدةً؛ لأن تمامها بها. انتهى (٢). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٣٧٨] (٦٠٩)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٥١)، و"الكبرى" (١٥٣٣)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٧٠٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٧٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٥٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٥٦)، و (ابن

стр. 7392

حبّان) في "صحيحه" (١٥٨٤)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ١٥١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٧٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا وقع في النسخ تأخير هذا الإسناد عن حديث عائشة ﵂، وكان الأولى تقديمه عليه؛ لأنه تبع لحديث أبي هريرة ﵁، ولعله من تصرّف النسّاخ، فليُتنبّه. ورجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ) بن نصر الكسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر الحميريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخره، فتغيّر [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. والباقون ذُكِروا في هذا الباب. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. . . إلخ) يعني أن معمرًا حدّث عن الزهريّ بمثل ما حدّث به مالك، عن زيد بن أسلم. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٠٥) فقال: (١٣٥٧) أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق، عن معمر (ح) وحدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عبد الأعلى، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة،

стр. 7393

عن أبي هريرة، أن النبيّ ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاة الفجر، قبل أن تطلع الشمسى، فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر، قبل أن تغيب الشمس فقد أدركها". لفظهما واحدٌ إلا أن عبد الرزاق قَدَّم العصر على الصبح، وقال: "الصبح"، ولم يقل: الفجر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٠] (٦٠٨) - (وَحَدَّثَنَا (١) حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ) اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الفارسيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه الحبر البحر ﵄، تقدّم تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. والباقون ذُكروا قبل حديث، وشرح الحديث تقدّم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ من هذا الوجه من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ١٣٨٠ و ١٣٨١] (٦٠٨)، و (أبو داود) في

стр. 7394

"الصلاة" (٤١٢)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥١٤)، و"الكبرى" (١٥٠١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٢٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٨٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٠١ و ١١٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٥٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٦٨٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّاد) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣٧) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١. ٢ - (مُعْتَمِر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. والباقي ذُكِر قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد معمر السابق، وهو: عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن أبي هريرة. [تنبيه]: رواية معتمر هذه ساقها النسائيّ ﵀، فقال: (٥١٥) أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر، قال: سمعت معمرًا، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس، أو أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس، فقد أدرك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 7395

(٣١) - (بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٢] (٦١٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ (١) قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ"، يَحْسُب بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (هـ) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ رُمْحِ) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ المدنيّ، قيل: إن له رؤيةٌ [٢]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وهلال بن جبر، ويونس بن ميسرة بن حَلْبَس.

стр. 7396

قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في "الثقات" في التابعين، وكذا البخاريّ، ومسلم، وأبو حاتم الرازيّ. ورَوَى ابن منده من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ابن حَلْبَس قال: قال بشير بن أبي مسعود، وكان من الصحابة، قال ابن منده: ورَوَى أبو معاوية، عن مِسْعَر، عن ثابت بن عُبيد، قال: رأيت بشير بن أبي مسعود، وكانت له صحبة. قال الحافظ: وقرأت بخط مغلطاي أن ابن خلفون ذَكَر في "الثقات" أن بشيرًا وُلد بعد وفاة النبيّ ﷺ بقليل، كذا قال، ولفظه: وُلد في حياة النبيّ ﷺ ، أو بعده بيسير. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٧ - (أَبُوهُ) عقبة بن عمرو بن الأنصاريّ، أبو مسعود البدريّ الصحابيّ الجليل، مات ﵁ قبل الأربعين، وقيل: بعدها، (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسناد بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه، وبشير بن أبي مسعود، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، ومن عداهم مصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بأنه بدريّ، فقيل: لأنه شهد غزوة بدر، وبه قال البخاريّ، ومسلم، وقيل: لم يشهدها، وإنما قيل له: بدريّ؛ لسكناه بدرًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ، أمير المؤمنين، المتوفّى سنة (١٠١) تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٦/ ٤٦. (أَخَّرَ الْعَصْرَ) أي صلاة العصر (شَيْئًا) أي تأخيرًا قليلًا، فهو مفعول مطلق على

стр. 7397

النيابة، وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "شيئًا" صفة مصدر محذوف، أي تأخيرًا يسيرًا، يعني أنه أخّر صلاة العصر حتى غَبَر شيءٌ من وقتها. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "شيئًا" يدلّ على أن تأخيرها إنما كان عن أول وقت الاختيار، وإنما أنكر عليه لعدوله عن الأفضل، وهو ممن يُقتدَى به، فيؤدّي تأخيره لها إلى أن يُعتقَدَ أن تأخير العصر سنّة. ويَحْتَمِل أنه أخّرها إلى آخر وقت أدائها، وهو وقت الضرورة عندنا، معتقِدًا أن الوقت كلّه وقتُ اختيار، كما هو مذهب إسحاق وداود، والأول أشبه بفضله وعلمه، وأظهر من اللفظ. انتهى (٢). (فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ) بن الزبير (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، قال ابن مالك: هي حرف استفتاح بمنزلة "ألا"، ويكون أيضًا بمعنى حقًّا، ذكر ذلك سيبويه، ولا تشاركها "ألا" في ذلك. أنتهى. (إِنَّ جِبْرِيلَ) ﵇، بكسرة همزة "إنّ "؛ لوقوعها بعد "أداة الاستفتاح"، وفي نسخة: "أما عَلِمتَ أن جبرائيل"، وجبريل ﵇ هو الملك الموكّل بالوحي، وقد ذكرت ترجمته في "شرح النسائيّ" في هذا الموضع، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (قَدْ نَزَلَ) أي من السماء صبيحة ليلة الإسراء (فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بكسر الهمزة، كما بيّنه قوله الآتي: "نزل جبريل، فأمّني، فصلّيتُ معه. . . "، قاله النوويّ ﵀ (٣)، وقال في "الفتح": بفتح الهمزة من "أمام"، وحَكَى ابن مالك أنه رُوي بالكسر، واستشكله؛ لأن "إمام" معرفة، والموضع موضع الحال، فوجب جعله نكرةً بالتأويل. انتهى (٤). وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "إمام" ضُبط في "شرح مسلم" بكسر الهمزة، وفي "جامع الأصول" مقيّد بالكسر والفتح، فبالفتح ظرفٌ، وبالكسر إما أن يكون منصوبًا بفعل مضمر، أي أعني إِمَامَ رسول اللَّه ﷺ أو "كان" المحذوفة، قال: وقال ابن مالك: هو من المعارف الواقعة أحوالًا، كقوله [من الوافر]:

стр. 7398

فَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا … وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ أي معتركةً، أي مزدحمةً (١). ومقصود عروة بذلك: أن أمر الأوقات عظيمٌ، قد نزل لتحديدها جبريل ﵇، فعلّمها النبيّ ﷺ بالفعل، فلا ينبغي التقصير في مثل هذا (٢)، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ لَهُ) أي لعروة (عُمَرُ) بن عبد العزيز (اعْلَمْ) بصيغة الأمر، من عَلِم ثلاثيًّا، وقال السنديّ ﵀: بصيغة الأمر من العلم، أي كن حافظًا ضابطًا له، ولا تقل عن غفلة، أو من الإعلام، أي بيّن لي حاله، وإسنادك فيه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "أو من الإعلام" فيه نظرٌ، إذ يَحتاج إلى ثبوته رواية، ولم يذكُر ذلك أحد فيما علمت، واللَّه تعالى أعلم. (مَا) موصولة مفعول "اعلم"، وهي بمعنى "اعرِفْ"، فتتعدّى لمفعول واحد، كما قال في "الخلاصة": لِعِلْم عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ … تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ (تَقُولُ يَا عُرْوَةُ) هذا تنبيه من عمر بن عبد العزيز لعروة على إنكاره عليه. قال الطيبيّ ﵀: قوله: "اعلم ما تقول. . . إلخ" تنبيه منه على إنكاره عليه، ثم تصديره بـ "أما" التي هي من طلائع القسم، أي تأمّل ما تقول، وعلام تَحلِف وتُنكر؟، ومعنى إيراد عروة الحديث: أي كيف لا أدري ما أقول؟ وأنا صَحِبتُ، وسمعت ممن صحِبَ رسولَ اللَّه ﷺ ، وسمع منه هذا الحديث، فعرفتُ كيفيّة الصلاة وأوقاتها وأركانها. انتهى (٣). وقال في "المرعاة": الظاهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبريل بدون الإسناد، فكأنه أغلظ عليه بذلك مع عظيم جلالته؛ إشارةً إلى مزيد الاحتياط في الرواية؛ لئلا يقع في محظور الكذب على رسول اللَّه ﷺ ، وإن لم يتعمّده. انتهى (٤).

стр. 7399

(فَقَالَ) عروة (سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ) أي من السماء، وذلك صبيحة الليلة التي فُرِضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، كما بيّنه ابن إسحاق (فَأَمَّنِي) أي تقدّم أمامي ليُصلّي بي، يقال: أمّه، وأمّ به: صلّى به إمامًا، قاله الفيّوميّ (فَصَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة الظهر، وفيه أن صلاة النبيّ ﷺ كانت مع صلاة جبريل ﵇. (ثمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة العصر (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة المغرب (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة العشاء (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة الصبح (يَحْسُبُ) بضمّ السين المهملة، مبنيًّا للفاعل، أي يَعُدّ، والظاهر أن فاعله ضمير النبيّ ﷺ ، أي يقول ذلك حال كونه يَحْسُبُ تلك المرّات بعقد أصابعه. قال الفيّوميّ ﵀: حَسَبتُ المال حَسْبًا، من باب قَتَل: أحصيته عدَدًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبَةً بالكسر، وحُسْبَانًا بالضمّ، وأما حَسِبتُ زيدًا قائمًا أَحْسَبُهُ، فهو من باب تَعِبَ عند جميع العرب، إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع، مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس، حِسْبانًا، بمعنى ظَنَنْتُ. انتهى (١). (بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب "خمسَ" مفعولًا لـ "يَحسُبُ"، أو لـ "صَلَّيتُ". قال الطيبيّ ﵀: وهذا مما يشهد بإتقانه، وضبطه أحوال رسول اللَّه ﷺ . وقال القرطبيّ ﵀: ليس فيه حجة واضحة على عمر؛ إذ لم يُعيِّن له الأوقات التي صلَّى فيها، وغاية ما يُتوهّم عليه أنه نبّهه، وذَكَّره بما كان يُعرَف من تفاصيل الأوقات المعروفة من حديث جبريل، كما قد روى ذلك النسائيّ (٢)،

стр. 7400

وأبو داود (١). قال: ويظهر لي أن هذا التأويل فيه بُعْدٌ؛ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة حيث قال له: اعلم ما تُحدّث به يا عروة، أَوَ إنّ جبريل هو الذي أقام لرسول اللَّه ﷺ وقت الصلاة، وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده خبرٌ من

стр. 7401

حديث إمامة جبريل (١)، إما لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، وكلُّ ذلك جائز عليه، والأولى عندي أن حجة عروة عليه إنما هي فيما رواه عن عائشة، من أن النبيّ ﷺ كان يصلي العصر، والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تَظْهَرَ، وذَكَر له حديث جبريل موطِّئًا له، ومعلِّمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل للنبيّ ﷺ عليها، وتعيينها له، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تأتي في الذي بعده -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٣] (. . .) - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ، فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتَ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ (٣) يَا عُرْوَةُ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ هُوَ أَقَامَ (٤) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) (٥).

стр. 7402

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا) تقدّم في رواية الليث، عن ابن شهاب، الماضية بيان تلك الصلاة، حيث قال: "أخّر العصر شيئًا"، قال ابن عبد البرّ ﵀: ظاهر سياقه أنَّه فَعَل ذلك يومًا ما؛ لا أن ذلك كان عادةً له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك. انتهى. وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب: "أَخَّر الصلاة مرةً، يعني العصر"، وللطبرانيّ من طريق أبي بكر بن حزم، أن عروة حَدَّث عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمان يؤخرون فيه الصلاة، يعني بني أمية. وفي رواية أبي داود: "وكان قاعدًا على المنبر، فأخّر العصر شيئًا"، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "أنَّه كان قاعدًا على المنبر في إمرته على المدينة، ومعه عروة بن الزبير، فأخّر عمر العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل. . ." الحديث. فتبيّن بهذا سبب تأخيره، وهو اشتغاله بأمور المسلمين، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن عبد البرّ ﵀: المراد أنَّه أخَّرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنَّه أخّرها حتى غربت الشمس. انتهى. قال في "الفتح": ويؤيده سياق رواية الليث المتقدمة. وأما ما رواه الطبرانيّ من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد الليثيّ، عن ابن شهاب، في هذا الحديث، قال: "دعا المؤذّن لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها"، فمحمول على أنَّه قارب المساء، لا أنَّه دخل فيه، وقد رجع عمر بن عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعيّ، عن

стр. 7403

عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز يعني في خلافته، كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة، والعصر في الساعة العاشرة حين تدخل. (فَدَخَلَ عَلَيْهِ) أي عمر بن عبد العزيز (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، توفي ﵁ سنة (٥٠) على الصحيح، وتقدّمت ترجمته في "المقدمة" ١/ ١. (أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا) بَيَّنَ عبدُ الرزاق في روايته، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أن الصلاة المذكورة العصر أيضًا، ولفظه: أمسى المغيرة بن شعبة بصلاة العصر (وَهُوَ بِالْكُوفَةِ) وفي رواية البخاريّ: "وهو بالعراق"، ولا تنافي بينهما؛ لأنَّ الكوفة من جملة العراق، فالتعبير بها أخصّ من التعبير بالعراق، وكان المغيرة ﵁ إذ ذاك أميرًا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان ﵄ (فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو البدريّ ﵁ (فَقَالَ: مَا هَذَا) أي التأخير (يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ) كذا الرواية، وهو استعمال صحيح، لكن الأكثر في الاستعمال في مخاطبة الحاضر: "ألستَ"، وفي مخاطبة الغائب: "أليس" (قَدْ عَلِمْتَ) قال القاضي عياض ﵀: هذا يدلّ ظاهره على علم المغيرة ﵁ بذلك، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على سبيل الظنّ من أبي مسعود ﵁؛ لعلمه بصحبة المغيرة، قال الحافظ ﵀: ويؤيِّد الأوّل رواية شعيب، عن ابن شهاب، عند البخاريّ في "غزوة بدر"، بلفظ: "فقال: لقد علمتَ" بغير أداة استفهام، ونحوه لعبد الرزاق، عن معمر وابن جريج جميعًا. انتهى (١). (أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ) بَيَّنَ ابن إسحاق في "المغازي" أن ذلك كان صبيحةَ الليلة التي فُرِضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، قال ابن إسحاق: حدّثني عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير، وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قال نافع بن جبير وغيره: لَمّا أصبح النبيّ ﷺ من الليلة التي أُسري به لم يَرُعْهُ إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سُمِّيت الأولى، أي صلاة الظهر، فأَمَرَ، فَصِيح بأصحابه: "الصلاة جامعة"، فاجتمعوا، فصلى به جبريل، وصلَّى النبيّ ﷺ بالناس، فذكر الحديث، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحقّ

стр. 7404

أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبيّ ﷺ ، قاله في "الفتح" (١). (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قال القاضي عياض ﵀: ظاهر أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره أن جبريل أمَّ النبيّ ﷺ ، فيحمل قوله: "صلَّى فصلى" على أن جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصلاة، تابعه النبيّ ﷺ بفعله. انتهى. وبهذا جزم النوويّ. وقال غيره: الفاء بمعنى الواو، واعتُرِض بأنّه يلزم أن يكون النبيّ ﷺ كان يتقدَّم في بعض الأركان على جبريل، على ما يقتضيه مطلق الجمع، وأجيب بمراعاة الحيثية، وهي التبيين، فكان لأجل ذلك يتراخى عنه. وقيل: الفاء للسببية، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. وفي رواية الليث الماضية: "نَزَل جبريل، فأَمَّني، فصليت معه. . ."، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر: "نَزَل، فصلى فصلى رسول اللَّه ﷺ ، فصلى الناس معه"، وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة. وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله: "الصلاة جامعة"؛ لأنَّ الأذان لم يكن شُرع حينئذ (٢). (ثُمَّ قَالَ) أي جبريل ﵇ (بِهَذَا أُمِرْتَ) -بفتح المثناة- على المشهور، والمعنى: هذا الذي أُمِرتَ به أن تصليه كل يوم وليلة، ورُويَ بالضم: أي هذا الذي أمرتُ بتبليغه لك. (فَقَالَ عُمَرُ) بن عبد العزيز (لِعُرْوَةَ) بن الزبير (انْظُرْ) بصيغة الأمر، وتقدّم في رواية الليث بلفظ: "اعْلَمْ" (مَا) موصولة مفعول "انظر"، أي الذي (تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةُ) ببناء الفعل للفاعل، وفيه حذف العائد، أي تُحدّث به، وهو موجود في بعض النسخ، والمعنى: تأكّد، وتَثَبّت الشيء الذي تُحدّث به، وإنما قال عمر هذا؛ لكونه لم يبلغه الحديث، فأراد التأكّد منه. (أَوَ) -بفتح الهمزة- وهي للاستفهام، والواو هي العاطفة، والعطف على

стр. 7405

شيء مقدَّر، والتقدير: أصلّى جبريل بالرسول ﷺ ، و (إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇) بكسر همزة "إنَّ"، ويجوز فتحها (هُوَ أَقَامَ) وفي نسخة: "هو الذي أقام"، أي حدّد، وبيّن (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ؟) هكذا الرواية هنا بإفراد "وقت" والإضافة للجنس، ووقع عند البخاريّ من رواية المستملي: "وقُوت الصلاة" بصيغة الجمع (فَقَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) هو "بَشِير" -بفتح الموحدة، بعدها معجمة، بوزن فَعِيل، وهو تابعيّ جليلٌ، ذُكِر في الصحابة؛ لكونه ولد في عهد النبيّ ﷺ ، ورآه، قاله في "الفتح". (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁، والمعنى: نعم هكذا سمعته من بشير بن أَبي مسعود، عن أبيه ﵁. قال ابن عبد البرّ ﵀: هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأنَّ ابن شهاب لم يَقُل: حضرت مراجعة عروة لعمر، وعروةُ لم يقل: حدَّثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة، لا بالصيغ. انتهى. وقال الكرمانيّ ﵀: اعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس متصلَ الإسناد؛ إذ لم يقل أبو مسعود: شاهدت رسول اللَّه ﷺ ، ولا قال: قال رسول اللَّه ﷺ . قال الحافظ: هذا لا يُسَمَّى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسل صحابيّ؛ لأنه لم يُدرِك القصة، فاحتَمَلَ أن يكون سمع ذلك من النبيّ ﷺ ، أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه، كصحابيّ آخر. على أن رواية الليث عند الشيخين تزيل الإشكال كلّه، ولفظه: "فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود، يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول"، فذكر الحديث، وكذا سياق ابن شهاب، وليس فيه التصريح بسماعه له من عروة، وابن شهاب قد جُرِّب عليه التدليس، لكن وقع في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شعيب، عن الزهريّ: سمعت عروة يحدِّث عمر بن عبد العزيز، الحديث. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للحافظ ﵀ أن لا يذكر قوله: "فاحتمل. . . إلخ"، بل يكتفي بذكر رواية الليث التي أزالت الإشكال فقط؛

стр. 7406

لأنه لا يجيء الاحتمال مع ورود التصريح بالسماع في هذه الرواية، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. قال القرطبيّ ﵀: قولُ عروة: "إن جبريل نزل" ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز؛ إذ لم يعيّن له الأوقات، قال: وغاية ما يُتَوَهَّم عليه أنَّه نَبَّهه، وذَكَّره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بُعْدٌ؛ لإنكار عمر على عروة، حيث قال له: اعْلَمْ ما تُحَدِّث يا عروة، قال: وظاهر هذا الإنكار أنَّه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل. وتعقّبه الحافظ بأنّه لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها، أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة، من جهة العمل المستمرّ، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنه كان يَرَى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يُحْمَل عمل المغيرة وغيره من الصحابة. قال: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود ﵄، والظاهر أنَّه رجع إليه، واللَّه أعلم. وأما ما زاده عبد الرزاق في "مصنَّفه" عن معمر، عن الزهريّ، في هذه القصة، قال: "فلم يَزَل عمر يُعَلِّم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا"، ورواه أبو الشيخ في "كتاب المواقيت" له، من طريق الوليد، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، قال: ما زال عمر بن عبد العزيز يتعلم مواقيت الصلاة حتى مات، ومن طريق إسماعيل بن حكيم، أن عمر بن عبد العزيز جَعَل ساعات ينقضين مع غروب الشمس، زاد من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ: فما أخرها حتى مات، فكلُّه يدلّ على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثيرَ احتياط، إلا بعد أن حدّثه عروة بالحديث المذكور. انتهى (١). [تنبيه]: ورد في هذه القصّة من وجه آخر، عن الزهريّ بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يَرْفَع الإشكال، ويوضِّح توجيه احتجاج عروة به، فروى أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره، من طريق ابن وهب، والطبرانيّ!

стр. 7407

من طريق يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أسامة بن زيد، عن الزهريّ، هذا الحديث بإسناده، وزاد في آخره: "قال أبو مسعود: فرأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي الظهر حين تزول الشمس. . ." فذكر الحديث، وذكر أبو داود، أن أسامة بن زيد تفرَّد بتفسير الأوقات فيه، وأن أصحاب الزهريّ لم يذكروا ذلك، قال: وكذا رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق، عن عروة، لم يذكرا تفسيرًا. انتهى. ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور، في "سننه"، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة، في "مسنده". قال الحافظ ﵀: وقد وجدت ما يَعْضِد رواية أسامة، ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل ﵇، وذلك فيما رواه الباغنديّ في "مسند عمر بن عبد العزيز"، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن أبي بكر بن حزم، أنَّه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي بكر، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلًا، وأن في رواية مالك، ومن تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البرّ، وليس في رواية مالك ومن تابعه، ما ينفي الزيادة المذكورة، فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: رواية الطبرانيّ ذكرها أبو بكر الهيثميّ ﵀ في "المجمع" وقال بعد إيرادها: في "الصحيح" أصله من غير بيان لأول الوقت وآخره، وفي رواية الطبرانيّ هذه أيوب بن عتبة، ضعّفه ابن المدينيّ ومسلم، وجماعة، ووثّقه عمرو بن عليّ في رواية، وكذلك يحيى بن معين في رواية، وضعّفه في روايات، والأكثر على تضعيفه. انتهى (٢). فتبيّن بهذا أن قول الحافظ: ووضح أن له أصلًا. . . إلخ محلّ نظر، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزبير: مستدلًّا على ما قاله لعمر بن عبد العزيز في تأخيره العصر بدليل آخر.

стр. 7408

قال الكرمانيّ: هو إما مقول ابن شهاب، أو تعليقٌ. وتُعُقِّب بأن احتمال التعليق غير صحيح؛ لأنه سيأتي مسندًا عن ابن شهاب، بلفظ: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ ﷺ أخبرته: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء في حجرتها"، متّفقٌ عليه. فتبيّن بهذا أنَّه مقول ابن شهاب، وليس بتعليق، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) ﵂، وقوله: (زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ) برفع "زوجُ" على البدليّة من "عائشة" (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) أي تعلو وترتفع، وفي نسخة: "قبل أن يظهر الفيء"، وسيأتي شرح حديث عائشة ﵂ هذا في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٣٨٢ و ١٣٨٣] (٦١٠)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٢١)، و"بدء الخلق" (٣٢٢١)، و"المغازي" (٤٠٠٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٣٩٤)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٤٩٤)، و (ابن ماجه) (٦٦٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣)، وهو أولّ حديث وقع فيه، و (عبد الرزّاق) في "مصنَّفه" (٢٠٤٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنَّفه" (١/ ٣١٩)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٠ و ١٢١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٥٢)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (١٤٤٨ و ١٤٤٩ و ١٤٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٩٧ و ٩٩٨ و ١٠٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٥٩ و ١٣٦٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٧١١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٥٠ و ٢٥١)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٦٣ و ٤٤١)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7409

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنَّه يدلّ على أن مواقيت الصلوات الخمس بيّنها جبريل ﵇ للنبيّ ﷺ بفعله، فكان ينزل، فيُصلي به كلّ صلاة في وقتها إلى أن بيّن له مواقيتها كلّها، وكان ذلك في أول ما افتُرِضت الصلوات الخمس (١). ٢ - (ومنها): بيان أن الصلوات الخمس لها أوقات محدّدة من قبل الشَّارع الحكيم. ٣ - (ومنها): أن تحديد تلك الأوقات كان ببيان جبريل ﵇. ٤ - (ومنها): أنَّه يدلّ على أن أوقات الصلاة من جملة فرائضها، وأنها لا تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا شيءٌ روي عن أبي موسى الأشعريّ ﵁، وعن بعض التابعين. قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلم نَرَ لذكره وجهًا؛ لأنه لا يصح عندي عنهم، وقد صَحّ عن أبي موسى ﵁ خلافه بما يوافق الجماعة، فصار اتفاقًا صحيحًا. انتهى (٢). ٥ - (ومنها): استحباب المبادرة بالصلاة في أول وقتها، ولا ينافي ذلك ما ورد من الإبراد بالظهر في شدة الحرّ؛ لأنَّ المبادرة تكون بما يناسب ذلك الإبراد، فيبادر أول ما يحصل الإبراد المطلوب. ٦ - (ومنها): أن فيه دخول العلماء على الأمراء، وإنكارهم عليهم إذا خالفوا السنّة. ٧ - (ومنها): جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع إلى السنّة. ٨ - (ومنها): أنَّه استَدَلّ به من يَرَى جواز الائتمام بمن يأتم بغيره. قال في "الفتح": ويجاب عنه بما يجاب به عن قصّة أبي بكر في صلاته خلف النبيّ ﷺ ، وصلاة الناس خلفه، فإنَّه محمول على أنَّه كان مُبَلِّغًا فقط. ٩ - (ومنها): أنَّه استَدّل به بعضهم على جواز صلاة المفترض خلف

стр. 7410

المتنفل، من جهة أن الملائكة ليسوا مكلَّفين بمثل ما كلّف به الإنس، قاله ابن العربيّ، وغيره، وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة كانت واجبة على النبيّ ﷺ حينئذ. وتُعُقِّب بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة، وأجاب باحتمال أن الوجوب عليه كان معَلَّقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، قال: وأيضًا لا نُسَلِّم أن جبريل ﵇ كان متنفلًا، بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه؛ لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترض. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ أن اقتداء المفترض بالمتنفل جائز؛ لحديث إمامة معاذ ﵁ لقومه بعد الصلاة معه ﷺ ، كما سبق تحقيقه، وأما الاستدلال بهذا الحديث فغير واضح، واللَّه تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر ﵀: قد يتعلق به من يُجَوِّز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر، كذا قال. قال الحافظ ﵀: وهو مسلَّم له في صورة المؤدّاة مثلًا خلف المقضيّة، لا في الظهر خلف العصر مثلًا. انتهى (٢). ١١ - (ومنها): أن فيه بيان فضيلةَ عمر بن عبد العزيز رحمه اللَّه تعالى. ١٢ - (ومنها): جواز قبول خبر الواحد المثبت. ١٣ - (ومنها): أنَّه استَدَلَّ به ابن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل دون المنقطع؛ لأنَّ عروة أجاب عن استفهام عمر له، لَمّا أن أرسل الحديث بذكر من حدّثه به، فرجع إليه، فكأن عمر قال له: تأمل ما تقول، فلعله بلغك عن غير ثبت، فكأن عروة قال له: بل قد سمعته ممن قد سمع صاحب رسول اللَّه ﷺ ، والصاحب قد سمعه من النبيّ ﷺ . انتهى (٣). ١٤ - (ومنها): أنَّه استَدَلّ به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة، كصنيع عروة حين احتجّ على عمر، قال: وإنما راجعه عمر، لتثبته فيه، لا

стр. 7411

لكونه لم يرض به مرسلًا، كذا قال. قال الحافظ: وظاهر السياق يشهد لما قال ابن بطّال. ١٥ - (ومنها): أن ابن بطال قال: في هذا الحديث دليل على ضعف الحديث الوارد في أن جبريل أم النبيّ ﷺ في يومين لوقتين مختلفين لكل صلاة، قال: لأنه لو كان صحيحًا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجًّا بصلاة جبريل، مع أن جبريل قد صلّى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: "الوقت ما بين هذين". وأجيب باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظل الشيء مثليه، لا عن وقت الجواز، وهو مغيب الشمس، فيتجه إنكار عروة، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو يكون عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبيّ ﷺ ، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا. وقد رَوَى سعيد بن منصور من طريق طلق بن حبيب مرسلًا، قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة، وما فاتته، ولما فاتته من وقتها خير له من أهله وماله"، ورواه أيضًا عن ابن عمر من قوله. ويؤيِّد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة ﵂ حيث قال: ولقد حدثتني عائشة "أن النبيّ ﷺ كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر"، وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها، وبذلك تظهر مناسبة ذكره لحديث عائشة ﵂ بعد حديث أبي مسعود ﵁؛ لأن حديث عائشة ﵂ يشعر بمواظبته ﷺ على صلاة العصر في أول الوقت، وحديث أبي مسعود ﵁ يشعر بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل ﵇، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٤] (٦١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي

стр. 7412

الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي، لَمْ يَفِئِ (١) الْفَيْءُ بَعْدُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، و"سفيان": هو ابن عيينة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها قالت: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ) هذه الرواية صريحة في كون هذا الفعل عادة له ﷺ ، وقوله: (وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ) أي ظاهر ضوؤها (فِي حُجْرَتِي) مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي" والرابط الواو، والضمير، كما قال ابن مالك: وجملة الحال سوى ما قدما … بواو أو بمضمر أو بهما والمعنى: أن الشمس ظاهرة في حجرتي، لم يُغطّها الظلّ تغطيةً كاملةً، وفي الرواية الآتية: "والشمس واقعة في حُجرتي"، والمعنى أن ضوء الشمس باق في حجرتها، فهو على تقدير مضاف. و"الْحُجْرة" -بضم الحاء المهملة، وإسكان الجيم-: البيت، وكل موضع حُجِر عليه بالحجارة فهو حُجْرة، قاله في "المشارق"، وأصله كما ذكر في "الصحاح": حَظِيرة للإبل، وفي رواية للبيهقي: "والشمس في قعر حجرتها". قال العراقي: وفي هذه الرواية زيادة؛ فإنَّه لا يلزم من كون الشمس في الحجرة أن تكون في قعرها. انتهى (٢). (لَمْ يَفِئِ) وفي نسخة: "ولم يفئ" بالواو (الْفَيْءُ) أي لم يرجع الظلّ إلى موضع ضوء الشمس. [تنبيه]: قال الفيّوميّ ﵀: يقال: فاء الظلّ يَفِيء فَيئًا: رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، و"الفيء": الظلّ، والجمع فُيُوءٌ، وأفياء، مثلُ بيت وبُيُوت وأبيات. انتهى.

стр. 7413

وقال في مادّة "ظلّ": "الظلُّ"، قال ابن قتيبة: يذهب الناس إلى أن الظلّ والفيء بمعنى واحد، وليس كذلك، بل الظلّ يكون غُدْوةً وعَشيّةً، والفيءُ لا يكون إلا بعد الزوال، فلا يقال لما قبل الزوال: فَيءٌ، وإنما سُمّي بعد الزوال فيئًا؛ لأنه ظلٌّ فاءَ من جانب المغرب إلى جانب المشرق، والفيءُ: الرجوع، وقال ابن السّكِّيت: الظلّ من الطلوع إلى الزوال، والفيء من الزوال إلى الغروب، وقال ثعلب: الظلّ للشجرة وغيرها بالغداة، والْفَيءُ بالعشيّ، وقال رؤبة بن الْعَجّاج: كلُّ ما كانت عليه الشمسُ، فزالت عنه، فهو ظلٌّ وفَيْءٌ، وما لم تكن عليه الشمس، فهو ظلٌّ، ومن هنا قيل: الشمس تنسخ الظلّ، والفيءُ ينسخ الشمس. انتهى (١). وقوله: (بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة ونيّة معناها، أي بعد ظهور الشمس عليه، وقوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة، شيخه الأوّل (لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ) أشار به إلى اختلاف شيخيه: أبي بكر، وعمرو الناقد في لفظ الحديث، فقال عمرو: "لم يفئ الفيء بعدُ"، وقال أبو بكر: "لم يظهر الفيء بعدُ"، أي لم يظهر الظلّ في داخل حجرتها بعد ظهور الشمس فيه. وفي الرواية الماضية: "والشمس في حُجرتها قبل أن تظهر"، أي قبل أن يرتفع ضوءها من داخل الحجرة، وينبسط فيه الظل، فالظهور هنا كما قال الخطابيّ بمعنى الصعود والعلوّ، يقال: ظهرتُ على الشيء: إذا عَلَوته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. وقال في "الفتح": وقوله في رواية الزهريّ: "والشمس في حُجرتها" أي باقية، وقوله: "لم يظهر الفيء" أي في الموضع الذي كانت الشمس فيه، وقد تقدم في أول المواقيت من طريق مالك، عن الزهري بلفظ: "والشمس في حجرتها قبل أن تظهر" أي ترتفع، فهذا الظهور غير ذلك الظهور، ومحصله أن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف؛ لأنَّ انبساط الفيء لا يكون إلا بعد

стр. 7414

خروج الشمس. انتهى (١). وقال ابن عبد البرّ ﵀: معنى قوله: "قبل أن تظهر" قبل أن يظهر الظلّ على الجدار، أي قبل أن يرتفع ظلّ حجرتها على جُدُرها، وكلُّ شيء على شيئًا فقد ظهر عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي يعلوا عليه، وقال النابغة الجعديّ [من الطويل]: بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودُنَا … وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا أي مُرْتَقًى وعَلُوًّا. وقيل: معناه: أن يَخرُج الظلّ من قاعة حُجْرتها، وكلُّ شيء خرج أيضًا فقد ظهر. و"الْحُجْرة": الدار، وكلُّ ما أحاط به حائط، فهو حجرة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (٢). والحديث يدلّ على استحباب تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة ﵂، وكذا الراوي عنها عروة، واحتَجَّ به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر، وشَذَّ الطحاويّ، فقال: لا دلالة فيه على التعجيل؛ لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدلّ على التأخير، لا على التعجيل. وتُعُقِّب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يُتَصَوَّر مع اتساع الحجرة، وقد عُرِف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبيّ ﷺ لم تكن متسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمةً مرتفعةً، وإلا متى مالت جدًّا ارتفع ضوءها عن قاع الحجرة، ولو كانت الجدر قصيرة. قال النوويّ ﵀: كانت الحجرة ضَيِّقة العرصة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله كانت الشمس بعد في أواخر العرصة. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 7415

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٣٨٤ و ١٣٨٥ و ١٣٨٦] (٦١١)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٤٥ و ٥٤٦ و ٥٥٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٠٧)، و (الترمذيّ) فيها (١٥٩)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٠٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٨٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١/ ٥٤٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٧٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٧ و ٨٥ و ٢٠٤) (٦٨٣)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (١٥٢١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٦١ و ١٣٦٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العصر، وهو مذهب جمهور أهل العلم، كما يأتي قريبًا، قال الشافعيّ ﵀: وهذا من أبين ما رُوي في أول الوقت؛ لأنَّ حُجَر أزواج النبيّ ﷺ في موضع منخفض من المدينة، وليست بالواسعة، وذلك أقرب لها من أن ترتفع الشمس منها في أول وقت العصر، وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): ما ذكره ابن عبد البرّ ﵀، قال: فيه دليل على قِصَر بنيانهم وحيطانهم؛ لأنَّ الحديث إنما قُصِد به تعجيل العصر، وذلك إنما يكون مع قِصَر الحيطان، ثمَّ ذَكَر عن الحسن البصريّ، أنَّه قال: كنت أدخل بيوت النبيّ ﷺ ، وأنا محتلم، فأنال سقفها بيدي، وذلك في خلافة عثمان ﵁ (١). ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الزهد، والتقلّل في متاع الدنيا بحيث يصبر على بيت ضيّق المرافق؛ لأنَّ الدنيا متاع قليلٌ، سريعة الزوال، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] الآية، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 7416

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ فِي حُجْرَتِهَا). رجال هذا الإسناد: ستّة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) على حذف مضاف، أي وضوء الشمس في حجرتها. وقوله: (لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ فِي حُجْرَتِهَا) أي لم يظهر الظلّ في داخل حُجْرة عائشة ﵂، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ وَاقِعَةٌ فِي حُجْرَتِي). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمَّد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. والباقون تقدّموا قبله. وقولها: (وَالشَّمْسُ وَاقِعَةٌ فِي حُجْرَتِي) هو على حذف مضاف، أي ضوء

стр. 7417

الشمس ظاهر في حجرتي، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٧] (٦١٢) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ، ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وسكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٦ - (أَبُو أَيُّوبَ) الْمَرَاغيّ الأزديّ الْعَتَكِيّ البصريّ، اسمه يحيى، ويقال: حبيب بن مالك، يقال: إن الْمَرَاغَ: قبيلة من الأزد، ويقال: موضع بناحية عُمَان، ثقةٌ [٣].

стр. 7418

رَوَى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وسَمُرة بن جُنْدب، وأبي هريرة، وابن عباس، وجُويرية بنت الحارث. ورَوَى عنه ثابت البنانيّ، وقتادة، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وأسلم العجليّ، وأبو الواصل عبد الحميد بن واصل. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان ثقةً مأمونًا. وقال أبو حاتم: مات في ولاية الحجاج على العراق، وقال خليفة: مات بعد الثمانين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦١٢) وكرره في هذا الباب أربع مرّات، و (٢٦١٢): "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه. . ."، وكررّه ثلاث مرّات. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمَّد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة ليالي الحرّة بالطائف على الأصحّ (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنَّه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي غسّان، فانفرد به هو وأبو داود، وأبي أيوب الأزديّ، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنَّه مسلسل بالبصريين. ٤ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن أبي أيوب الأزديّ. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة المذكورين في قول السيوطيّ في "ألفية الحديث": وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي

стр. 7419

دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَال لَهْ شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص ﵄ (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ) أي صلاة الفجر (فَإِنَّهُ) أي ذلك الوقت (وَقْتٌ) أي وقت صالح للصلاة فيه، ولا تُمنع فيه الصلاة. قال الأبيّ ﵀: ليس في الحديث بيان لأول أوقات هذه الصلوات المذكورة، وإنما فيه بيان أواخرها، فأول وقت الصبح طلوع الفجر، وهو البياض المنتشر في الأُفُق من القبلة إلى الشمال، لا المنتشر من المشرق إلى المغرب؛ لأنَّ ذلك هو الفجر الكاذب. [فإن قلت]: القياس أن يكون هو المعتبر؛ لأنَّ الفجر هو البياض السابق بين يدي طلوع الشمس، وهي إنما تطلع من المشرق صاعدةً إلى المغرب، فقياس فجرها أن يكون كذلك. [قلت]: الفجر الصادق هو البياض السابق بين يدي طلوعها، وهو أيضًا إنما يطلع من المشرق صاعدًا إلى المغرب، لكن لاتّساع دائرته يُتوهَّم أنَّه من القبلة إلى الشمال، وقلنا: لاتّساع دائرته؛ لأنَّ الدوائر ثلاثةٌ: دائرة قُرْص الشمس، ودائرة الحمرة المحيطة بها، ودائرة البياض المحدق بالحمرة المذكورة، وهو السابق بين يدي طلوع الشمس المسمّى بالفجر. انتهى (١). (إِلَى أَنْ يَطْلُعَ) بضمّ اللام، من باب قعد (قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ) أي قوسها الأعلى، وقال الأبّيّ ﵀: ما بعد "إلى" هنا غير داخل؛ للقرينة، قال: وقرن الشمس الأولُ: هو أول ما يبدو منها، واحترز به عما يلي الأرض، وهو حجة على الإصطخريّ في قوله: آخر وقتها الإسفار البَيِّن (٢). وقال النوويّ: معنى قوله: "فإنَّه وقتٌ": أي وقتٌ لأداء الصبح، فإذا طلعت الشمس فقد خرج وقت الأداء، وصارت قضاءً، ويجوز قضاؤها في كل وقت.

стр. 7420

وفي هذا الحديث دليل للجمهور أن وقت الأداء يمتدّ إلى طلوع الشمس، قال أبو سعيد الإصطخريّ من أصحابنا: إذا أسفر الفجر صارت قضاءً بعده؛ لأنَّ جبريل ﵇ صلّى في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: الوقت ما بين هذين. ودليل الجمهور هذا الحديث، قالوا: وحديث جبريل ﵇ لبيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الجواز؛ للجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة في امتداد الوقت إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، إلا الصبح، وهذا التأويل أولى من قول من يقول: إن هذه الأحاديث ناسخة لحديث جبريل ﵇؛ لأنَّ النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل، ولم نَعْجِز في هذه المسألة، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). (ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ) أي صلاته (فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ) أي يدخل وقت صلاة العصر. قال النوويّ ﵀: معنى قوله: "فإنَّه وقتٌ": أي وقت لأداء الظهر، وفيه دليل للشافعيّ ﵀ وللأكثرين أنَّه لا اشتراك بين وقت الظهر ووقت العصر، بل متى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون عند الزوال دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر. وقال مالك ﵀، وطائفة من العلماء: إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر، بل يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالح للظهر والعصر أداءً، واحتجُّوا بقوله ﷺ في حديث جبريل ﵇: "صلّى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلّى بي العصر في اليوم الأوّل حين صار ظل كل شيء مثله"، فظاهره اشتراكهما في قدر أربع ركعات. واحتجّ الشافعيّ، والأكثرون بظاهر الحديث الذي نحن فيه، وأجابوا عن حديث جبريل ﵇ بأن معناه: فرغ من الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وشرع في العصر في اليوم الأوّل حين صار ظل كل شيء مثله، فلا اشتراك بينهما، فهذا التأويل متعين؛ للجمع بين الأحاديث، وأنه إذا حُمِل على

стр. 7421

الاشتراك يكون آخر وقت الظهر مجهولًا؛ لأنه إذا ابتدأ بها حين صار ظل كل شيء مثله، لم يعلم متى فرغ منها، وحينئذ يكون آخر وقت الظهر مجهولًا، ولا يحصل بيان حدود الأوقات، وإذا حمل على ما تأولناه حصل معرفة آخر الوقت، وانتظمت الأحاديث على اتفاق، وباللَّه التوفيق. انتهى. (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ) أي صلاته (فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ) أي تتغيّر (الشَّمْسُ) قال النوويّ ﵀: معناه: فإنَّه وقت لأدائها بلا كراهة، فإذا اصفرّت صار وقت كراهة، وتكون أيضًا أداءً حتى تغرب الشمس؛ للحديث السابق: "ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر". وفي هذا الحديث ردٌّ على أبي سعيد الإصطخريّ في قوله: إذا صار ظل الشيء مثليه صارت العصر قضاءً، وقد تقدم قريبًا الاستدلال عليه. قال أصحابنا -رحمهم اللَّه تعالى-: للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، واختيار، وجواز بلا كراهة، وجواز مع كراهة، ووقت عذر، فأما وقت الفضيلة فأول وقتها، ووقت الاختيار يمتدّ إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حالة الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر وهو وقت الظهر في حقّ من يَجْمَع بين الظهر والعصر لسفر أو مطر، ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداءً، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاءً، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ. (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ) أي يغيب من الأفق، والمراد بالشفق هو الأحمر على الأصحّ، وسيأتي تمام البحث في اختلاف العلماء في معنى الشفق في المسألة الحادية عشرة -إن شاء اللَّه تعالى-. قال النوويّ ﵀: هذا الحديث وما بعده من الأحاديث صرائح في أن وقت المغرب يمتدّ إلى غروب الشفق، وهذا أحد القولين في مذهبنا، وهو ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا، وقالوا: الصحيح أنَّه ليس لها إلا وقت واحدٌ، وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذِّن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم، وصارت قضاءً. وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن

стр. 7422

أول الوقت، وهذا هو الصحيح، أو الصواب الذي لا يجوز غيره. والجواب عن حديث جبريل ﵇ حين صلّى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه: [أحدها]: أنَّه اقتصر على بيان وقت الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جارٍ في كل الصلوات سوى الظهر. [والثاني]: أنَّه متقدِّم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها. [والثالث]: أن هذه الأحاديث أصح إسنادًا من حديث بيان جبريل ﵇، فوجب تقديمها، فهذا مختصر ما يتعلق بوقت المغرب. قال: وقد بسطت في "شرح المهذب" دلائله، والجواب عن ما يوهم خلاف الصحيح، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀. (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) قال النوويّ ﵀: معناه: وقت لأدائها اختيارًا أما وقت الجواز فيمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني؛ لحديث أبي قتادة ﵁ الذي ذكره مسلم بعد هذا في "باب من نسي صلاةً، أو نام عنها": "أنه ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى". وقال الإصطخريّ ﵀: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاءً، ودليل الجمهور حديث أبي قتادة ﵁. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الإصطخريّ: هو الحقّ، وسيأتي البحث فيه مستوفًى قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٣٨٧ و ١٣٨٨ و ١٣٨٩ و ١٣٩٠ و ١٣٩١

стр. 7423

و ١٣٩٢] (٦١٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٣٩٦)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٢٢)، و"الكبرى" (١٥٠٠)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٢٤٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢١٠ و ٢١٣ و ٢٢٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٢٦)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (١٤٧٣)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ١٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٢٥ و ١٠٢٦ و ١٠٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٦٣ و ١٣٦٤ و ١٣٦٥ و ١٣٦٦ و ١٣٦٧ و ١٣٦٨)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٦٥ و ٣٦٦ و ٣٦٧ و ٣٧١ و ٣٧٤ و ٣٧٨)، و (ابن حزم) في "المحلَّى" (٣/ ١٦٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان آخر وقت صلاة الفجر، وهو طلوع قرن الشمس الأوّل، وهذا بالإجماع، إلا قولًا لا يعتدّ به، كما يأتي في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان آخر وقت الظهر، وأنه لا فصل بين الظهر والعصر، ولا اشتراك بينهما على الراجح، كما سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان آخر وقت العصر، وهو اصفرار الشمس، وهذا هو وقت الاختيار، على الراجح، كما سيأتي تحقيقه أيضًا. ٤ - (ومنها): بيان آخر وقت المغرب، وهو غروب الشفق الأحمر، وهذا هو القول الصحيح، كما سيأتي تحقيقه أيضًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ٥ - (ومنها): بيان آخر وقت العشاء، وهو نصف الليل، على القول الصحيح، وخالف في ذلك الجمهور، وسيأتي تحقيقه أيضًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في وقت صلاة الفجر: قال النوويّ ﵀: صلاة الصبح من صلوات النهار، وأول النهار طلوع الفجر الثاني، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافّة، إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه عن قوم أنهم قالوا: ما بين طلوع الشمس والفجر، لا من الليل ولا

стр. 7424

من النهار، بل زمن مستقل، فاصل بينهما، قالوا: وصلاة الصبح لا في الليل، ولا في النهار. وحَكَى الشيخ أبو حامد أيضًا عن حذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأبي مِجْلَزٍ، والأعمش أنهم قالوا: آخر الليل طلوع الشمس، وهو أول النهار، قالوا: وصلاة الصبح من صلوات الليل، قالوا: وللصائم أن يأكل حتى تطلع الشمس، هكذا نقله أبو حامد عن هؤلاء، ولا أظنه يصح عنهم. وقال القاضي أبو الطيب، وصاحب "الشامل": وحُكي عن الأعمش أنَّه قال: هي من صلوات الليل، وإن ما قبل طلوع الشمس من الليل؛ يحل فيه الأكل للصائم، قالا: وهذه الحكاية بعيد صحتها مع ظهور تحريم الأكل بطلوع الفجر في كل عصر مع ظاهر القرآن، فإن احتُجَّ له بقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] وآية النهار هي الشمس، فيكون النهار من طلوعها، وبقول أمية بن أبي الصلت [من الكامل]: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ … حَمْرَاءَ تُبْصَرُ لَوْنُهَا تَتَوَقَّدُ فالجواب: أنَّه يثبت كونه من النهار بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وبإجماع أهل الأعصار على تحريم الطعام والشراب بطلوع الفجر. وثبت في حديث جبريل ﵇ أن النبيّ ﷺ قال: "ثمَّ صلّى الفجر حين برق الفجر، وحَرُمَ الطعامُ على الصائم"، وهو حديث صحيح، كما سبق. وفي "الصحيحين" أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن بلالًا يُؤَذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، والليل لا يصح الصوم فيه بإجماع المسلمين. وأما الجواب عن الآية التي احتج له بها، فليس فيها دليل؛ لأنَّ اللَّه تعالى أخبر أن الشمس آية للنهار، ولم يَنْفِ كون غيرها آية، فإذا قامت الدلائل على أن هذا الوقت من النهار وجب العمل بها، ولأن الآية العلامة، ولا يلزم أن يقارن جميع الشيء، كما أن القمر آية الليل، ولا يلزم مقارنته لجميع الليل. وأما الشِّعْر، فقد نقل الخليل بن أحمد إمام اللغة أن النهار هو الضياء

стр. 7425

الذي بين طلوع الفجر، وغروب الشمس، وحينئذ يحمل قول الشاعر أنَّه أراد قريب آخر كل ليلة، لا آخرها حقيقة. [فإن قيل]: فقد رُويَ عن النبيّ ﷺ : "صلاة النهار عَجْمَاءُ". [قلنا]: قال الدارقطني، وغيره من الحفاظ: هذا ليس من كلام النبيّ ﷺ ، ولم يُرْوَ عنه، وإنما هو قول بعض الفقهاء، قال الشيخ أبو حامد: وسألت عنه أبا الحسن الدارقطنيّ، فقال: لا أعرفه عن النبيّ ﷺ صحيحًا، ولا فاسدًا، مع أن المراد معظم صلوات النهار، ولهذا يُجْهَر في الجمعة والعيد، واللَّه أعلم. واحتج الأصحاب على من قال: إن ما بين الفجر والشمس، لا من الليل ولا من النهار، بقول اللَّه تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣]، فَدَلَّ على أنَّه لا فاصل بينهما، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الإمام النوويّ ﵀: قال أصحابنا -يعني الشافعية-: الفجر فجران: أحدهما: يُسَمَّى الفجر الأوّل، والفجر الكاذب، والآخر يسمى الفجر الثاني، والفجر الصادق؛ فالفجر الأوّل يَطْلُع مستطيلًا نحو السماء، كذَنَب السِّرْحَان -وهو الذئب- ثمَّ يغيب ذلك ساعةً، ثمَّ يطلع الفجر الثاني الصادق مستطيرًا -بالراء- أي منتشرًا عرضًا في الأفق. قال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثاني؛ فيه يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام، والشراب على الصائم، وبه ينقضي الليل، ويدخل النهار، ولا يتعلق بالفجر الأوّل شيء من الأحكام بإجماع المسلمين، قال صاحب "الشامل": سمي الأوّل كاذبًا؛ لأنه يضيء ثمَّ يَسْوَدُّ ويذهب، وسمي الثاني صادقًا؛ لأنه صَدَقَ عن الصبح، وبَيَّنَهُ. ومما يُسْتَدَلُّ به من الحديث للفجرين حديث ابن مسعود ﵁، عن
следующие страницы →