وأصحاب الرأي في منعهم إيقاع شيء من الصلوات فرضها ونفلها عند الطلوع، وقد غَلَوا في هذا حتى قالوا: لو طلعت الشمس، وقد صلّى ركعة من الصبح بطلت صلاته، وهذا خلاف ما عليه كافّة أهل العلم، فإنهم يرون أن الفرض لا يتناوله هذا العموم بنصّ قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها"، متّفقٌ عليه، وفي رواية للبخاريّ: "وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته"، ولفظ أحمد: "من صلّى ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس، فليتم صلاته".
فانظر أيها العاقل، فهل يوجد أصرح من هذه النصوص؟، فالعجب كلّ العجب ممن يحاول في ردّ هذه النصوص الصريحة بتأويلات فاسدة، وتحويلات كاسدة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون.
وقوله: (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ") وفي نسخة: "بين قرني الشيطان"، قيل: المراد بقرنه أمته وشيعته، وقيل: قرنه جانب رأسه، وهذا ظاهر الحديث، فهو أولي، ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذا الوقت؛ ليكون الساجدون للشمس من الكفار في هذا الوقت كالساجدين له، وحينئذ يكون له ولشيعته تسلُّط وتمكّن من أن يَلْبِسوا على المصلى صلاته، فكُرهت الصلاة في هذا الوقت لهذا المعني، كما كرهت في مأوى الشيطان، قاله النوويّ ﵀ (١).
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (٢) أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ، حَدَّثَنَا (٣) إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ- عَنِ الْحَجَّاجِ -وَهُوَ ابْنُ حَجَّاجٍ (٤) - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ؟ (٥) فَقَالَ: "وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَا
стр. 7457
لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ المَاءِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَيَسْقُطْ قَرْنُهَا الْأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنة تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٠.
٢ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِين) بن محمد بن بُرْد السَّلَميّ، أبو العبّاس النيسابوريّ، صدوق، له غرائب [٩].
رَوَى عن أخيه مبشر بن عبد اللَّه، وإبراهيم بن طهمان، وسفيان بن حسين، وأبي إسحاق، وبكير بن معروف، وأبي الأشهب جعفر بن الحارث الواسطيّ.
ورَوى عنه أحمد بن يوسف السَّلَميّ، وأبو الأزهر، وإسحاق بن عبد اللَّه السليماني، وأيوب بن الحسن الزاهد، والحسين بن منصور بن جعفر السلمي، وسهل بن عمار الْعَتَكيّ، ومسعود بن قتيبة النيسابوريون.
قال الحاكم: خطتهم أشهر خطة بنيسابور، سمع من ابن إسحاق، وذكر غيره بنيسابور، قال: ولم يرحل، وقال سهل بن عمار: لم يكن بخراسان أنبل منه، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: رَوَى عن سفيان بن حسين الغرائب.
وقال السّرّاج: سمعت الحسن بن عبد الصمد يقول: مات عمي عمر بن عبد اللَّه بن رزين سنة ثلاث ومائتين.
انفرد به المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، وعند أبي داود حديثٌ في ترجمة سعيد بن حكيم.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنَ طَهْمَانَ) بن شعبة الخراسانيّ، أبو سعيد، وُلد بِهَراة، وسكن نيسابور، وقَدِم بغداد، ثم سكن مكة إلى أن مات، ثقةٌ يُغرب، وتُكُلِّم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧].
стр. 7458
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ وعبد العزيز بن صهيب، وأبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وأبي الزبير، والأعمش، وشعبة، وسفيان، والحجاج بن الحجاج الباهليّ، وجماعة.
ورَوَى عنه حفص بن عبد اللَّه السلميّ، وخالد بن نِزَار، وابن المبارك، وأبو عامر الْعَقَديّ، ومحمد بن سنان الْعَوفيّ، ومحمد بن سابق البغداديّ، وغيرهم، ورَوَى عنه صفوان بن سُليم، وهو من شيوخه.
قال ابن المبارك: صحيح الحديث، وقال أحمد، وأبو حاتم، وأبو داود: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صدوقٌ، حسن الحديث، وقال ابن معين، والعجليّ: لا بأس به، وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: كان ثقةً في الحديث، لَمْ يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه، ويُوَثِّقونه، وقال صالح بن محمد: ثقةٌ حسن الحديث، يميل شيئًا إلى الإرجاء في الإيمان، حبّب اللَّه حديثه إلى الناس، جَيِّد الرواية، وقال إسحاق ابن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثًا منه، وهو ثقةٌ، وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبل من حَدَّث بخراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم وأوسعهم علمًا.
وقال الحسين بن إدريس: سمعت محمد بن عبد اللَّه بن عمار الموصليّ يقول: فيه ضعْفٌ، مضطرب الحديث، قال: فذكرته لصالح -يعني جَزَرَة- فقال: ابن عمار من أين يعرف حديث إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة، يعني الحديث الذي رواه ابن عمار عن المعافى بن عمران، عن إبراهيم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة: "أولُ جمعةٍ جُمِّعَت بِجُوَاثَا"، قال صالح: والغلط فيه من غير إبراهيم؛ لأن جماعة رووه عنه، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، وكذا هو في تصنيفه، وهو الصواب، وتفرد المعافى بذكر محمد بن زياد، فعُلِم أن الغلط منه، لا من إبراهيم، وقال السليمانيّ: أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير، عن جابر، في رفع اليدين، وحديثه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: "رُفِعت لي سدرة المنتهي، فإذا أربعة أنهار. . . ". انتهى.
قال الحافظ: فأما حديث أنس فعلَّقه البخاريّ في "الصحيح" لإبراهيم، ووصله أبو عوانة في "صحيحه"، وأما حديث جابر، فرواه ابن ماجه، من
стр. 7459
طريق أبي حذيفة عنه، وقال أحمد: كان يرى الإرجاء، وكان شديدًا على الجهمية، وقال أبو زرعة: ذُكِر عند أحمد، وكان متكئًا، فاستوى جالسًا، وقال: لا ينبغي أن يُذْكَر الصالحون، فنتكئ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، إنما تكلموا فيه للإرجاء، وقال البخاريّ في "التاريخ": حدثنا رجلٌ حدّثني عليّ بن الحسن بن شقيق، سمعت ابن المبارك يقول: أبو حمزة السُّكَّريّ، وإبراهيم بن طَهْمان صحيحا العلم والحديث، قال البخاريّ: وسمعت محمد بن أحمد يقول: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل عن إبراهيم؟ فقال: صدوقُ اللَّهجة، وقال ابن حبان في "الثقات": قد رَوَى أحاديث مستقيمةً، تُشْبِه أحاديث الأثبات، وقد تفرد عن الثقات بأشياء معضلات.
قال الحافظ: الحقّ فيه أنه ثقةٌ صحيح الحديث، إذا روى عنه ثقةٌ، ولم يثبت غُلُوُّه في الإرجاء، ولا كان داعية إليه، بل ذَكَرَ الحاكم أنه رجع عنه، واللَّه أعلم، وأورد الحاكم في "المستدرك" من حديثه عن الحكم حديثًا، وتعقبه الذهبيّ في "مختصره" بأنه لَمْ يدركه.
وأسند الخطيب عن يحيى الذُّهْليّ أنه مات سنة (١٦٣)، وقال مالك بن سليمان: مات سنة (١٦٨) بمكة، ولم يخلف مثله (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦١٢) و (٩٥٤) و (١١٤٢) و (٢٢٧٧).
٤ - (الْحَجَّاجُ بْنُ الْحَجَّاجِ) الباهليّ البصريّ الأحول، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أنس بن سيرين، وقتادة، ويونس بن عبيد، وأبي الزبير، وأبي قَزَعَة، وغيرهم.
ورَوَى عنه إبراهيم بن طهمان نسخةً كبيرةً، ويزيد بن زريع، وقَزَعَةُ بن سُوَيد بن حُجَير، وروى عنه ابن أبي عروبة، ومحمد بن جُحادة، وهما من أقرانه.
قال أحمد: ليس به بأسٌ، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقةٌ من الثقات، صدوقٌ، أروى الناس عنه إبراهيم بن طهمان، وقال ابن خزيمة: هو
стр. 7460
أحد أصحاب قتادة، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وزَعَم عبد الغني بن سعيد: هو حجاج الأسود زِقُّ العسل الْقَسْمَليّ، وفَرَّق بينهما ابن أبي حاتم وغيره، وهو الصواب (١).
قال يزيد بن زُريع: مات في الطاعون، وقال غيره: كان الطاعون بالبصرة سنة (١٣١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ؟) وفي نسخة: "عن وقت الصلاة".
وقوله: (قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ) أي طرفها الأعلي، وهو أول ما يبدو منها في الطلوع، وأول ما يسقط منها في الغروب.
وقوله: (مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ) أي يغِبِ الشفق من الأفق.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّمت مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام المشهور، تقدّم في الباب.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميّ، صدوقٌ [٨].
стр. 7461
رَوَى عن أبيه، وجعفر بن محمد بن عليّ، ورَوى عنه زيد بن الحباب، وعبد العزيز الأُويسيّ، ويحيى بن بسطام، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، ومحمد بن سلمان لُوَين، ومسدد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقةٌ لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، قال البخاريّ: أثنى عليه مسددٌ، لقيه باليمامة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عبد اللَّه بن جعفر بن أعين: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا عبد اللَّه بن يحيى بن أبي كثير، وكان من خيار الناس، وأهل الورع والدين، ما رأيت باليمامة خيرًا منه، وقال ابن عديّ: لَمْ أجد للمتقدمين فيه كلامًا، ولا أَعرف له ما أُنكِره إلَّا حديث النهي عن أكل أُذُني القلب، ورواه عن أبيه، عن رجل من الأنصار مرفوعًا، وأرجو أنه لا بأس به.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦١٢) و (٢٢٦٣).
٣ - (أَبُوهُ) يحيى بن أبي كثير الطائيّ، تقدّم قبل بابين.
شرح الأثر:
(لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يتيسّر، ولا يسهل حصوله، قال في "القاموس": واستَطَاعَ: أطاق، ويقال: اسْطَاعَ، ويَحذفون التاء؛ استثقالًا لها مع الطاء، ويَكرهون إدغام التاء فيها، فتُحرّك السين، وهي لا تُحرّك أبدًا، وقرأ حمزة غير خلّاد: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ بالإدغام، فجمع بين الساكنين، وبعض العرب يقول: استاع يَسْتِيع، وبعضٌ يقول: أَسْطاع يُسطِيعُ بقطع الهمزة، بمعنى أطاع يُطيع. انتهى (١).
وقوله: (بِرَاحَةِ الْجِسْمِ) متعلّق بـ "يُستطاع"، والمعنى: أن العلم لا يوجد بالراحة والدَّعَةِ، وإنما يوجد بإتعاب الجسم، وإرهاق النفس، كما قال القائل [من الوافر]:
تَرُومُ الْعِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلًا … يَغُوصُ الْبَحْرَ مَنْ طَلَبَ اللَّئَالِي
стр. 7462
فَمَنْ رَامَ الْعُلُوَّ بِغَيْرِ كَدٍّ … أَضَاعَ الْعُمْرَ فِي طَلَبِ الْمُحَالِ
وقال آخر [من الكامل]:
الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى الْمُتَعَالِي … كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي
وقال آخر: [من الطويل]:
تُرِيدِينَ إِدْرَاكَ الْمَعَالِي رَخِيصَةً .. وَلَا بُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِنْ إِبَرِ النَّحْلِ
وقال آخر [من البسيط]:
دَبَبْتَ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا … حَدَّ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا دُونَهُ الأُزُرَا
وَكَابَدُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ … وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ وَافَى وَمَنْ صَبَرَا
لَا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ … لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: جَرَت عادة الفضلاء بالسؤال عن إدخال مسلم هذه الحكاية عن يحيى، مع أنه لا يذكر في كتابه إلَّا أحاديث النبيّ ﷺ محضةً، مع أن هذه الحكاية لا تتعلق بأحاديث مواقيت الصلاة، فكيف أدخلها بينها؟ وحَكَى القاضي عياض ﵀ عن بعض الأئمة أنه قال: سببه أن مسلمًا: أعجبه حسن سياق هذه الطرق التي ذكرها لحديث عبد اللَّه بن عمر، وكثرة فوائدها، وتلخيص مقاصدها، وما اشتملت عليه من الفوائد في الإحكام وغيرها، ولا نعلم أحدًا شاركه فيها، فلما رأى ذلك أراد أن يُنَبِّه مَن رَغِبَ في تحصيل الرتبة التي يُنَالُ بها معرفة مثل هذا، فقال: طريقه أن يُكثر اشتغاله وإتعابه جسمه في الاعتناء بتحصيل العلم، هذا شرح ما حكاه القاضي ﵀. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٩٣] (٦١٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَزْرَقِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلهُ
стр. 7463
عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ لَهُ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ" -يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ- فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي (١) أَمَرَهُ، فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ، فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيد) أبو قُدامة السرخسيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ) المخزوميّ الواسطيّ، ثقة [٩] (ت ١٩٥) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩١.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الحُصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) عن (٩٠) سنة (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٧ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصَيب أبو عبد اللَّه، وقيل غير ذلك، الصحابيّ، مات ﵁ سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣.
стр. 7464
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلَّا شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني انفرد به هو، والبخاريّ، والنسائيّ، وسليمان، ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، واللَّه -تعالى- أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحصيب ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا) لَمْ يُسمّ (سَأَلهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟) أريد به جنس الصلاة، أي الصلوات الخمس، وفي رواية شعبة التالية: "فسأله عن مواقيت الصلاة" (فَقَالَ لَهُ) النبيّ ﷺ ("صَلِّ مَعَنَا) وفي رواية شعبة: "اشهد معنا الصلاة" (هَذَيْنِ" -يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ) هكذا في رواية المصنّف، وفي رواية النسائيّ: "صلّ معنا هذين اليومين"، بدون "يعني"، أي إذا أردت أن تتعلم أوقات الصلاة، أوائلها، وأواخرها، صلّ معنا في هذين اليومين الآتيين؛ إذ المشاهدةُ أقوى من السمع (فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ) ﷺ (بِلَالًا) ﵁، أي بالأذان، فحُذف مفعوله؛ اختصارًا؛ للعلم به (فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ) أي بالإقامة (فَأَقَامَ الظُّهْرَ) أي لأجل صلاة الظهر، وفي رواية شعبة: "ثمّ أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء" (ثُمَّ أَمَرَهُ) أي بلالًا ﵁ بالإقامة (فَأَقَامَ) أي بعد الأذان (الْعَصْرَ) لأجل صلاتها (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو (بَيْضَاءُ) أي لم تخالطها صفرة (نَقِيَّةٌ) أي صافيةٌ، والمراد أنه أول وقت العصر (ثُمَّ أَمَرَهُ) أي بالإقامة (فَأَقَامَ) أي بعد الأذان (الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ) وفي رواية شعبة: "حين وجبت الشمس"، وفي رواية النسائيّ: "ثم أمره حين وقع حاجب الشمس"، أي حين غاب وسقط حاجب الشمس، أي طرفها الأعلى الذي بغيبته تغيب الشمس كلها.
وقال في "زَهْر الرُّبَى": قيل هو طرف قرص الشمس الذي يبدو عند
стр. 7465
الطلوع، ويغيب عند الغروب، وقيل: النَّيَازِك التي تبدو إذا كان طلوعها، وفي "الصحاح": حواجب الشمس: نواحيها. انتهى.
و"النَّيَازِك": جمع نَيْزَك بفتح فسكون: الرمح القصير.
(ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ) فيه أنه صلاها في أول وقتها (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ) بفتح الهمزة، وسكون النون زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾، وسقطت من بعض النسخ (كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ) أي أمر النبيّ ﷺ بلالًا ﵁، والمفعول الثاني محذوف، أي بالإبراد (فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ) أي أدخلها في البرد، يقال: أبرد بالظهر: إذا أدخل صلاة الظهر في البرد، وهو سكون شدّة الحر، فالباء للتعدية (١).
وقال الخطابيّ ﵀: الإبراد: أن يَتَفَيَّأ الأفْياء، ويَنكَسِر وَهَجُ الحرّ، فهو بَرْدٌ بالإضافة إلى حرّ الظهيرة. انتهى.
(فَأَبْرَدَ بِهَا) هكذا في رواية المصنّف، والظاهر أنه كرّره للتأكيد، وفي رواية النسائيّ: "ثم أبرد بالظهر، وأنعم أن يُبرد" (فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا) أي أطال الإبراد، وأخّر الصلاة، ومنه قولهم: أنعم النظر في الشيء: إذا أطال التفكر فيه، قاله ابن الأثير ﵀ (٢).
والمعنى أنه أخّر الظهر، وبالغ في التأخير، وفي حديث أبي موسى الآتي بعده: "ثم أخّر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس"، فتبيّن به أن المراد تأخيره إلى قبيل صيرورة الظل مثليه.
(وَصَلَّى الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ) أي في اليوم الأول، يعني أنه أخّر العصر تأخيرًا زائدًا على الوقت الذي صلاها فيه في اليوم الأول (وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) يعني أنه صلاها في آخر الوقت، وفيه حجة على الشافعيّ ومالك القائِلَينِ بأن للمغرب وقتًا واحدًا، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفًى في شرح حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا) أي دخل بها في وقت الإسفار، يقال: سَفَرَ الصبحُ يَسْفِرُ، من باب ضرب: أضاء،
стр. 7466
وأشرق، كأسفر، أفاده في "القاموس" (١).
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ ") أي عن أوقاتها، وفيه بيان لاهتمامه ﷺ بأمر السائل (فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) ﷺ ("وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ") مبتدأ وخبره، فـ "وقت" مبتدأ مضاف إلى "صلاتكم"، و"بين" منصوب على الظرفية متعلق بخبر المبتدأ، وهو مضاف إلى "ما" الموصولة، وجملة "رأيتم" صلة "ما"، والتقدير: وقت صلاتكم كائنٌ بين الوقت الذي رأيتموه، وفي رواية النسائيّ: "وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم".
والمعنى: أن الوقت المختار للصلوات الخمس، بين الوقت الذي صليناها فيه في اليوم الأول، والوقت الذي صليناها فيه في اليوم الثاني، أي مع إدخال الوقت الذي صلّى فيه في اليومين، فيكون بيانًا بالفعل والقول.
وإنما قلنا: الوقت المختار؛ لأنه يجوز تأخير الصلوات بعد ذلك؛ لأدلة أخرى؛ كتأخير العصر ما لم تغرب الشمس، وتأخير العشاء إلى نصف الليل على الراجح، أو إلى الفجر على رأي الجمهور، وتأخير صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس.
وقال النوويّ ﵀: هذا خطاب للسائل وغيره، وتقديره: وقت صلاتكم في الطرفين اللذين صليت فيهما، وفيما بينهما، وترك ذكر الطرفين بحصول علمهما بالفعل، أو يكون المراد ما بين الإحرام بالأولى والسلام من الثانية. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٣٩٣ و ١٣٩٤] (٦١٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٥٢)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥١٩)، وفي "الكبرى"
стр. 7467
(١٥١٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٤٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٥١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٢٣ و ٣٢٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٠٨ و ١١٠٩ و ١١١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٦٩ و ١٣٧٠)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٤٨)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٧١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أوقات الصلوات الخمس حيث بيّن ﷺ للسائل بصلاته في اليومين.
٢ - (ومنها): وجوب الاهتمام بتعلم أحكام الدين، ولا سيما ما يتعلق بالصلاة.
٣ - (ومنها): بيان أن للصلاة وقت فضيلة، ووقت اختيار.
٤ - (ومنها): أن وقت صلاة المغرب يمتدّ إلى غيبوبة الشفق.
٥ - (ومنها): استحباب البيان بالفعل؛ لأنه أبلغ في الإيضاح، والفعل تعم فائدته السائل وغيره.
٦ - (ومنها): جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون، قال المازريّ ﵀: قد انفُصِل عن هذا بأن البيان الذي وقع فيه الخلاف إنما هو أول بيان يكون، ولعله ﷺ إنما أخّر إخباره هذا؛ لأنه قد تقدّم بيانه لغيره وإشاعة هذا الحكم.
قال: وإنما يكون هذا انفصالًا إذا علمنا أنه ﷺ لم يُلزَم البيان إلَّا أوّل مرّة، ولم يتحقّق عندي الآن ما كُلِّف به ﷺ من هذا؛ لأنه يجوز أن يُتعبَّد بالبيان لكلّ من سأله. انتهى.
قال القاضي عياض ﵀ بعد نقل كلام المازريّ هذا: قول النبيّ ﷺ : "صلّ معنا هذين اليومين" رَفَعَ الإشكال في تأخيره، وفَسَّرَ ما أجمله في غيره من الحديث في سكوته ﷺ عن الجواب، كما جاء في حديث أبي موسى ﵁ الآتي، وأن معنى سكوته هناك سكوته عن الجواب إن كان الحديث واحدًا، وأنه رأى البيان له بالفعل أبلغ وأشمل له ولغيره ممن يصلّي معه من المسلمين؛
стр. 7468
إذ القول لا يبلغ مبلغ الفعل؛ إذ القول يسمعه البعض، والفعل يعلمه كلُّ من صلّى معه ﷺ .
وقال الباجيّ ﵀: ليس هذا من تأخير البيان الذي تكلّم شيوخنا في جواز تأخيره عن وقت الخطاب بالعبادة إلى وقت الحاجة، وهو مذهب الباقلّانيّ والجمهور، ومنعه الأبهريّ وغيره؛ لأن الخطاب هنا بالصلاة، وبيان أحكامها، وقد تقدّم قبل هذا للسائل، فلم يسأل إلَّا عما ثبت بيانه، وعُرف حكمه، ولا خلاف أن للنبيّ ﷺ أن يؤخّر جواب السائل له عن وقت سؤاله، وأن لا يُجيبه أصلًا، وقد فَعَل ذلك في مسائل كثيرة، ولا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل.
وتكلَّم الشيوخ في وجه تأخيره ﷺ مع جواز موته قبل التعليم، فقيل: يَحْتَمِل أنه أوحي إليه بأن ذلك لا يكون، وقيل؛ هدا لا يلزم؛ لأن العادةَ غالبًا في مثل هذا، وظاهرَ الأمر حياته هذين اليومين، واستصحاب حال السلامة.
وقد يقال: إن هذا سؤال لا يلزم في حقّ السائل؛ لأنه إن اختُرِم قبل علمه ما سأل عنه من دينه فلم يضرّه جهله به؛ إذ لَمْ تأت عليه عبادة يَحتاج إليها فيه؛ لموته قبلها. انتهى (١).
٧ - (ومنها): جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها، وترك فضيلة أول الوقت؛ لمصلحة راجحة، قاله النوويّ ﵀ (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٩٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (٣) إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَن رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ (٤): "اشْهَدْ مَعَنَا
стр. 7469
الصَّلَاةَ"، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ الْغَدَ فَنَوَّرَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ، وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، لَمْ تُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ عِنْدَ ذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْضِهِ -شَكَّ حَرَمِيٌّ- فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟، مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتَ وَقْتٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ) هو: إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة -بفتح العينين المهملتين، وإسكان الراء بينهما- ابن الْبرِند بن النعمان بن علجة الساميّ (١)، أبو إسحاق البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ [١٠].
رَوَى عن جرير بن عمارة، وابن مهديّ، وجعفر بن سليمان، وجدّه عَرْعَرة، وعبد الرزاق، ويحيى القطان، وغندر، ومعاذ بن هشام، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والصنعانيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي خيثمة، وإبراهيم الحربيّ، وأبو يعلى الموصليّ، وجماعة.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تحفظ عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس ﵄: "أن النبيّ ﷺ كان يزور البيت كلّ ليلة"؟، فقال: كتبوه من كتب معاذ بن هشام لم يسمعوه، قلت: ها هنا إنسان يزعم أنه سمعه من معاذ، فأنكر ذلك، قال: من هو؟ قلت: إبراهيم بن عرعرة، فتغير وجهه، ونفض يده، وقال: كَذِبٌ وزُورٌ، ما سمعوه منه، قال فلان: كتبناه من كتابه، سبحان اللَّه، واستعظم ذلك، قال الخطيب: وقد أخبرنا بالحديث المذكور عثمان بن محمد بن يوسف العلاف، ثنا أبو بكر الشافعيّ، ثنا إسماعيل القاضي، ثنا عليّ ابن المدينيّ، قال: رَوَى قتادة حديثًا غريبًا لا يحفظ عن أحد من أصحاب قتادة، إلَّا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن
стр. 7470
هشام، وهو حاضر، لم أسمعه منه، عن قتادة، وقال لي معاذ: هاته حتى أقرأه، قلت: دَعْهُ اليوم، قال: حدثنا أبو حسان، عن ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ كان يزور البيت كلّ ليلة، ما أقام بمنى"، قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه، قال عليّ ابن المدينيّ: هكذا هو في الكتاب، قال الخطيب: وما الذي يمنع أن يكون إبراهيم بن محمد بن عرعرة سمع هذا الحديث من معاذ، مع سماعه منه غيره، وقد قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": سئل أبي عن إبراهيم بن عرعرة؟، فقال: صدوق، وقال ابن معين: ثقة معروف بالحديث، مشهور بالطلب، كَيِّس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه يدخل في كلّ شيء، وقال عثمان بن خُرّزاد: أحفظ من رأيت أربعة، فذكر فيهم إبراهيم، وقال صالح جَزَرة: ما رأيت أعلم بحديث أهل البصرة من القَوَاريريّ، وعليّ ابن المدينيّ، وإبراهيم بن عرعرة، وقال الحاكم: هو إمام من حفاظ الحديث، وقال الخليليّ: حافظ كبير ثقة مُتَّفَقٌ عليه، وقال ابن قانع: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البغويّ، وموسى بن هارون، ومطين: مات سنة (٢٣١)، زاد البغويّ، وموسى: في رمضان.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (٦١٣) و (٩٥٥) و (١٠٥٩) و (١٣٦٩) و (٢٢٩٨) و (٢٤٧٤) و (٢٩٥٧).
٢ - (حَرَمِّيُ بْنُ عُمَارَةَ) بن أبي حفصة نابت -بنون، وموحّدة، ثم مثنّاة- ويقال: ثابت -بالثاء المثلّثة- كالجادّة الْعَتَكِيّ مولاهم، أبو رَوْح البصريّ، صدوقٌ يَهِمُ [٩].
رَوَى عن أبي خَلْدة، وقُرّة بن خالد، وأبي طلحة الراسبيّ، وعَزْرَة بن ثابت، وغيرهم.
وروى عنه عبد اللَّه بن محمد المسنَديّ، وعلي ابن المديني، وبندار، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، ومحمد بن عمرو بن جَبَلة، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صدوقٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ليس هو في عداد القطان، وابن مهديّ، وغُندر، هو مع وهب بن جرير، وعبد الصمد، وأمثالهما، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وحَكَى عن الأثرم، عن أحمد ﵀ ما معناه: إنه صدوق، كانت فيه غفلة، وأنكر عليه أحمد
стр. 7471
حديثين من حديثه، عن شعبة: أحدهما: حديث حارثة بن وهب، وقد صححه الشيخان، والآخر حديث أنس: "مَن كَذَب عليّ".
قيل: إنه مات سنة إحدى ومائتين، هكذا أرّخه ابن قانع.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٦١٣) و (١٣٩٣) و (٢٢٩٨) و (٢٤٨٤) و (٢٧٦٧).
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: ("اشْهَدْ مَعَنَا") أي احضر.
وقوله: (فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلام آخر الليل (١).
ثم إن هذه الرواية مخالفة للرواية السابقة؛ لأنه هنا بدأ بالفجر، وهناك بدأ بالظهر، والظاهر أن الاختلاف من تصرّف الرواة، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ) أي عند أول طلوعه.
وقوله: (حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ) أي غابت ودخلت في مغربها.
وقوله: (حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ) أي غاب.
وقوله: (ثُمَّ أَمَرَهُ الْغَدَ) منصوب على الظرفيّة، أي في اليوم الثاني.
وقوله: (فَنَوَّرَ بِالصُّبْحِ) أي أسفر، وهو من النور، وهو الإضاءة.
وقوله: (وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ) جملة في محل النصب على الحال.
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الشَّفَقُ) أي يغيب.
وقوله: ("مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتَ وَقْتٌ") "ما" الأولى موصولة مبتدأ، و"بين" منصوب على الظرفية، متعلّق بصلتها، وهو مضاف إلى "ما" الثانية، وهي أيضًا موصولة، و"رأيت" صلتها، والعائد محذوفٌ، أي رأيته، وقوله: "وقتٌ" خبر المبتدأ.
والتقدير: الوقت الذي استقرّ بين الوقتين الذين رأيتني صلّيت فيهما في هذين اليومين وقتٌ للصلوات الخمس الذي سألت عنه.
стр. 7472
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٩٥] (٦١٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ (١)، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَقَامَ الْفَجْرَ (٢) حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ (٣)، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ (٤) حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ، فَقَالَ: "الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ) الأُمويّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أبي بكر بن أبي موسى، وعكرمة، والشعبيّ، والْعَيْزار بن حُريث، وغيرهم.
стр. 7473
وروى عنه ابن نُمير، وعبد اللَّه بن داود الْخُريبيّ، وأبو داود الْحَفَريّ، ووكيع، وأبو نُعيم، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال العجليّ، والدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو العباس بن سُريج في "كتاب الردّ على ابن أبي داود": بدر بن عثمان ليس بالمشهور.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه في "التفسير"، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث فقط.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ الكوفيّ، واسمه عَمْرو، أو عامر، ثقة [٣] (ت ١٥٦) وكان أسنّ من أخيه أبي بُرْدة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٦/ ٤٥٥.
٥ - (أَبُوهُ) أبو موسى الأشعريّ عبد اللَّه بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار الصحابي الجليل، مات ﵁ (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بدر بن عثمان، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وبالتحديث أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ) لَمْ يُعرف اسمه (يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ) وفي نسخة: "عن مواقيت الصلوات"، وجملة "يسأله. . . إلخ" صفة لـ "سائلٌ" (فَلَمْ يَرُدَّ) النبيّ ﷺ (عَلَيْهِ) أي على ذلك السائل (شَيْئًا) أي من الجواب، وقال النوويّ ﵀: معناه: أنه ﷺ لَمْ يردّ عليه جوابًا ببيان الأوقات باللفظ بل قال له: "صلِّ معنا" لتعرف ذلك، ويحصل لك البيان بالفعل، وإنما تأولناه لنجمع بينه وبين حديث بريدة ﵁، حيث قال له: "صلِّ معنا هذين اليومين"، ولأن من المعلوم من أحواله ﷺ أنه كان يجيب إذا
стр. 7474
سئل عما يحتاج إليه. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فلم يرُدّ عليه شيئًا" يعني على السائل، أي لَمْ يرُدّ عليه ما يَحصُلُ له به بيان ما سأل عنه، وإلا فقد قال له: "صلّ معنا هذين اليومين"، كما جاء في الرواية الأخرى، وفي هذا جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وجاز للنبيّ ﷺ أن يؤخّر بيان ما سأله عنه، وإن جاز على السائل أن يُختَرَم قبل ذلك؛ لأن الأصل استصحاب السلامة والبقاءُ إلى مثل هذه المدّة، أو أوحي إليه أن يبقى إلى هذه المدّة. انتهى (٢).
(قَالَ) أبو موسى ﵁ (فَأَقَامَ الْفَجْرَ) معطوف على محذوف، أي فأمر بلالًا أن يؤذّن، فأذّن، فأقام الفجر، وفي نسخة: "فأقام بالفجر"، أي بسبب حضور صلاة الفجر، أو الباء بمعنى اللام، أي لأجل صلاة الفجر (حِينَ انْشَقَّ) أي طلع (الْفَجْرُ) يقال: شق الفجر، وانشق: إذا طلع، كأنه شَقَّ محلّ طلوعه، وخرج منه (وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أراد به أنه صلّى أول طلوع الفجر (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ) أي بطن السماء (وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ) أي ويشكّ الآخر في ذلك، ويوضّح هذا المعنى رواية النسائيّ بالاستفهام، ولفظه: "أنتصف النهار؟ "، قال الشيخ وليّ الدين ﵀: قوله: "أنتصف" بفتح الهمزة على سبيل الاستفهام، وهمزة الوصل محذوفة، كقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات: ١٥٣]. وقال السنديّ ﵀: يَحْتَمِل أن تكون بكسرها على أن حرف الاستفهام مقدَّر، كما في قول القائل: طلعت الشمس؟. انتهى.
والجملة في محل نصب على الحال، والتقدير: أمره ﷺ بالإقامة للظهر حين زالت الشمس، والحال أن القائل يقول -من شدة تبكيره-: هل انتصف الآن النهار؟.
(وَهُوَ) ﷺ (كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ) والجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "أمره"، أي والحال أنه ﷺ أعلم بانتصاف النهار، ودخولِ وقت الظهر، وإنما خفي على غيره، ولذلك استفهم (ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ) أي بعد الأذان،
стр. 7475
وفي نسخة: "فأقام العصر" (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) أي في أول وقتها، كما قال في حديث بريدة ﵁: "بيضاء نقية" (ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ) وفي نسخة: "فأقام المغرب" (حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ) أي غربت، والمراد أول وقتها (ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ) والمراد به الأحمر، كما سبق تحقيقه (ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا) أي من صلاة الفجر (وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "انصرف"، أي سلّم منها، والحال أن القائل يقول: قد طلعت الشمس، والمراد أنه أخّر صلاة الفجر في اليوم الثاني حتى إنه حين انصرافه من الصلاة يتخيل بعض من رأى أن الشمس قد طلعت، وهي لم تطلع (أَوْ كَادَتْ) أي قاربت الطلوع (ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ) يعني أنه أخّر صلاة الظهر حتى اقترب وقت العصر في اليوم الأول (ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ) أي من شدّة تأخيره (ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ) اسمها ضمير يعود إلى الوقت، أي حتى كان الوقت، وخبرها قوله: (عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ) أي غروبه، والمراد قربه من الغروب؛ يدل عليه رواية وكيع التالية: "فصلى المغرب قبل أن يَغِيبَ الشفق في اليوم الثاني".
(ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ) وفي رواية النسائيّ: "ثمّ أخّر العشاء إلى ثلث الليل"، وفي حديث بريدة ﵁ الماضي: "وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل"، وفي لفظ: "عند ذهاب ثلث الليل، أو بعضه" والمعنى متقارب، يعني أنه صلّى العشاء في اليوم الثاني في وقت الثلث، بحيث انتهى منها بعد الثلث.
(ثُمَّ أَصْبَحَ) أي دخل النبيّ ﷺ وفي وقت الصباح (فَدَعَا السَّائِلَ، فَقَالَ: "الْوَقْتُ بَيْنَ هَذيْنِ") وفي رواية النسائيّ: "الوقت فيما بين هذين"، فقوله: "الوقت" مبتدأ، خبره قوله: "بين هذين"، أي الوقتُ المقتصد الذي لا إفراط فيه تعجيلًا، ولا تفريط فيه تأخيرًا، بين هذين الوقتين، فقد بيَّنْتُ لك بما فعلتُ أولَ الوقت، وآخره، والصلاة جائزة في جميعه، أوّلهِ، وأوسطه، وآخره.
والمراد بالآخر هنا آخر الوقت المختار، لا الجواز؛ إذ يجوز تأخير
стр. 7476
الظهر ما لم يدخل وقت العصر، وتأخير العصر ما لم تغرب الشمس، والعشاء إلى نصف الليل، كما تقدّم تحقيق ذلك كلّه.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "الوقت بين هذين"، وقوله: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم"، وكذلك في حديث جبريل ﵇: "الوقت بين هذين"، هي كلّها حجة لمالك وأصجابه على قولهم: إن الوقت الموسّع كلّه للوجوب من أوله إلى آخره، وأن المكلّف مخئرٌ بين تقديم الصلاة وتأخيرها إلى آخر الوقت، فأيُّ وقت صلّى فيه المكلّف، فقد أدَّى ما عليه، وقد تخبّط كثير من الناس في هذا المعنى، وطال فيه نزاعهم، وما ذكرناه واضحٌ موافقٌ لظاهر الحديث.
وقد ذهب بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعيّ إلى أن وقت الوجوب وقت واحد غير معيّن، وإنما يُعيِّنه المكلّف بفعله.
وذهب الشافعيّ إلى أن أول الوقت هو الواجب، وإنما ضرب آخره فصلًا بين القضاء والأداء، وهذا باطلٌ بما أنه لو تعيَّن ذلك الوقت للوجوب لأثِمَ من أخّر الصلاة عنه إلى غيره، والإجماع أنه لا يأثم.
وذهب الحنفيّة إلى أن وقت الوجوب آخر الوقت، وهذا أيضًا باطلٌ؛ إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يوقع الصلاة قبل آخر الوقت، وقد جاز بالإجماع ذلك، ثم الحديث الذي ذكرناه يرُدّ على هذه الفرق كلّها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٣٩٥ و ١٣٩٦] (٦١٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٣٩٥)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٢٣)، و"الكبرى" (١٤٩٩)،
стр. 7477
و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٧١ و ١٣٧٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٧٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٤٨)، واللَّه تعالى أعلم.
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٩٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، سَمِعَهُ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ سَائِلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلّهم تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن وكيعًا حدّث عن بدر بن عثمان بمثل ما حدّث به عبد اللَّه بن نمير عنه.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن بدر بن عثمان هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢١١) فقال:
(١٣٧٢) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا عبدان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن بدر بن عثمان، عن أبي بكر بن أبي موسى، سمعه من أبيه، أن سائلًا أتى النبيّ ﷺ ، فسأله عن مواقيت الصلاة؟ فلم يرُدّ عليه شيءً (١) فأمر بلالًا، فأقام حين انشق الفجر فصلاها، ثم أمره فأقام الظهر،
стр. 7478
والقائل يقول: قد زالت الشمس أم لم تزل، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس، وأمره فأقام العشاء عند سقوط الشفق، ثم صلّى الفجر من الغد، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو لم تطلع، وهو كان أعلم منهم، فصلى الظهر قريبًا من وقت العصر بالأمس، وصلى العصر، والقائل يقول: قد احمرّت الشمس، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، فصلى العشاء ثلث الليل الأول، ثم قال: "أين السائل عن الوقت؟، ما بين هذين الوقتين وقتٌ". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) (١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٩٧] (٦١٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدوا بِالصَّلَاةِ (٢)، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (محَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
стр. 7479
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٥ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ حجة، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين: ابن شهاب عن ابن المسيب، وأبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن ابن المسيِّب، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، على خلاف في أبي سلمة.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ مَن رَوَى الحديث في عصره؛ روى (٥٣٧٤) حديثا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بكسر همزة "إن" لوقوعها مقولًا لـ "قال"، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ … حَالٍ كَـ "جِئْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ"
(قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ) من الاشتداد، من باب الافتعال، وأصله "اشتدد"
стр. 7480
أدغمت الدال الأولى في الثانية (الْحَرُّ) بالرفع فاعل "اشتد"، وهو: ضدُّ البرد، جمعه: حُرُور، وأحارر، كما في "القاموس"، ومفهومه أن الحرّ إذا لَمْ يشتد لَمْ يُشْرَع الإبراد، وكذا لا يُشْرَع في البرد من باب أولى، قاله في "الفتح".
(فَأَبْرِدُوا) -بفتح الهمزة، وكسر الراء- أمر من الإبراد، أي أخِّروا إلى أن يبرُد الوقتُ، يقال: أبرد: إذالمدخل في البرد، كأظهر: إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان أنجد: إذا دخل نجدًا، وأتهم: إذا دخل تهامة، قاله في "الفتح" (١).
وقال الزمخشري في "الفائق": حقيقة الإبراد الدخول في البرد، والمعنى: إدخال الصلاة في البرد، ويقال: معناه: افعلوها في وقت البرد، وهو الزمان الذي يتبين فيه شدّة انكسار الحر؛ لأن شدّته تُذْهِب الخشوع.
وقال السفاقسيّ: أبردوا: أي ادْخُلُوا في وقت الإبراد، مثل أظلم: إذا دخل في الظلام، وأمسى: إذا دخل في المساء.
وقال الخطابيّ ﵀: الإبراد: انكسار شدّة حرّ الظهيرة، وذلك أن فتور حرّها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد، وليس ذلك بأن يؤخَّر إلى آخر برد النهار، وهو برد العشي، إذ فيه الخروج عن قول الأئمة، ذكره في "العمدة" (٢).
(بِالصَّلَاةِ) وفي نسخة: "فأبردوا الصلاةَ"، وفي الرواية الآتية: "فأبردوا عن الصلاة"، وقال في "الفتح": قوله: "بالصلاة" كذا للأكثر، والباء للتعدية، وقيل: زائدة، ومعنى "أبردوا" أخِّروا على سبيل التضمين، أي أخِّروا الصلاة، وفي رواية الكشميهني: "عن الصلاة"، فقيل: "عن" زائدة أيضًا، أو هي بمعنى الباء، أو للمجاوزة، أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدّة الحرّ. انتهى (٣).
وقال الحافظ وفي الدين العراقيّ ﵀: تَحْتَمِل "عن" أوجهًا:
[أحدهما]: أن تكون بمعنى الباء، كما أن الباء تكون بمعنى "عن"، فمن الأول فيما قيل، قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣]، أي
стр. 7481
بالهوي، ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وتسمى هذه باء المجاوزة.
[ثانيها]: أن تكون زائدة، أىِ أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل كذا: إذا فعله في برد النهار، ذكره القاضي عياض، وغيره، وفيه نظر؛ لأن من جعل "عن" زائدة قيَّد ذلك بأن تزاد للتعويض من أخرى محذوفة، ومثّلوه بقول الشاعر [من الطويل]:
أَتَجْزَعُ إِنْ نَفْسىٌ أَتَاهَا حِمَامُهَا … فَهَلَّا الَّتِي عَنْ بَيْنِ جَنْبَيْكَ تَدْفَعُ
قال أبو الفتح: أراد تدفع عن التي بين جنبيك، فحذفت "عن" من أول الموصول، وزيدت بعده.
[ثالثها]: تضمين "أبردوا" معنى أَخِّروا، وحذف مفعوله، تقديره: أَخِّروا أنفسكم عن الصلاة.
قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: معنى قوله "أبردوا" أخروا إلى زمان البرد، ولا ينتظم ذلك مع قوله: "عن"؛ فإن صورته أخِّروا عن الصلاة إلَّا بإضمار، وتقديره: أخروا أنفسكم عن الصلاة، وهو قريب من قول الخطابيّ ﵀: معنى قوله: "أبردوا عن الصلاة": تأخروا عنها مبردين، أي داخلين في وقت البرد. انتهى. وهو مثل كلام ابن العربي إلَّا أنه ضمّن "أبردوا" معنى فعل قاصر، لا يحتاج إلى تقدير مفعول، وهو "تأخروا". انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
ثم إن المراد بـ "الصلاة" هنا: الظهر؛ لأنها الصلاة التي يشتدّ الحر غالبًا في أول وقتها، وقد جاء صريحًا في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أبردوا بالظهر، فإن شدّة الحرّ من فيح جهنم"، رواه البخاري.
وقد حَمَلَ بعضهم الصلاة على عمومها بناءً على أن المفرد المعرف يعمّ، فقال به أشهب في العصر، وقال به أحمد في رواية عنه في العشاء؛ حيث قال: تُؤخر في الصيف دون الشتاء، ولم يقل أحد به في المغرب، ولا في الصبح؛ لضيق وقتهما، أفاده في "الفتح" (٢).
стр. 7482
وسيأتي مزيد بسط للبحث في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ) الفاء فيه للتعليل، أراد به أن علة الأمر بالإبراد هي شدة الحر.
واختُلِف في حكمة هذا التأخير؛ فقيل: دفع المشقّة؛ لكون شدة الحر مما يذهب الخشوع. قال الحافظ ﵀: وهذا أظهر، وقيل: لأنه وقت تُسْجَر فيه جهنم، ويؤيِّده حديث عمرو بن عبسة ﵁ عند مسلم، حيث قال ﷺ له: "أَقْصِرْ عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم" (١).
وقد استُشْكِل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مظنة لطرد العذاب، فكيف أمر بتركها؟.
وأجاب أبو الفتح اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله، وإن لَمْ يُفْهَم معناه.
واستَنْبَط له الزين ابن الْمُنَيِّر معنى يناسبه، فقال: وقت ظهور أثر الغضب، لا يَنْجَع فيه الطلب، إلَّا ممن أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا، ودعاءً، فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستَدَلَّ بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بأن اللَّه غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا ﷺ ، فلم يَعْتَذِر، بل طلب؛ لكونه أُذِن له في ذلك.
ويمكن أن يقال: سَجْرُ جهنم سبب فَيْحِها، وفَيْحُها سبب وجود الحرّ، وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يصَلَّى فيها، لكن يرد عليه أن سجرها مستمرّ في جميع السنة، والإبراد مختص بشدة الحرّ، فهما متغايران، فحكمة الإبراد المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها؛ لكونه وقت ظهور أثر الغضب، واللَّه أعلم. قاله في "الفتح" (٢).
(مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ") أي من سعة انتشارها، وتنفسها، ومنه: مكان أفيح: أي متسع، قاله في "الفتح".
стр. 7483
وقال العراقيّ ﵀: فَيْحُ جهنم وفَوْحُها، بالياء والواو، مع فتح الأول فيهما، وبالحاء المهملة: سُطُوع حرّها، وانتشاره، يقال: فاحت القِدْر، تفيح، وتفوح: إذا غلت. انتهى (١).
و"جهنم": اسم من أسماء النار نعوذ باللَّه منها، قال الأزهريّ: في جهنم قولان: قال يونس بن حبيب، وأكثر النحويين: جهنم اسم النار التي يعذب اللَّه بها في الآخرة، وهي أعجمية، لا تُجَرُّ للتعريف والعجمة.
وقال آخرون: جهنم عربي، سميت نار الآخرة بها؛ لبعد قعرها، وإنما لَمْ تُجَرَّ؛ لثقل التعريف، وثقل التأنيث، وقيل: هو تعريب كهنام بالعبرانية، وقال ابن خالويه: بئر جِهِنّام، للبعيدة القعر، ومنه سميت جهنم، أفاده في "اللسان" (٢)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: اختَلَف العلماء في معنى قوله: "فإن شدة الحرّ من فيح جهنم" هل هو حقيقة، أو مجاز؟.
فحمله الجمهور على الحقيقة، وقالوا: إن وَهَجَ الحرّ من فيح جهنم، ويؤيِّده حديث أبي هريرة ﵁ الآتي في هذا الباب: "اشتكت النار إلى ربها، فأذن لها بنفسين. . . " الحديث.
وقيل: إنه كلام خرج مخرج التشبيه، أي كأنه نار جهنم في الحرّ، فاجتنبوا ضرره.
قال القاضي عياض ﵀: وكلا الوجهين ظاهرٌ، وحمله على الحقيقة أولى.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: القول الأول يَعْضِده عموم الخطاب، وظاهر الكتاب، وهو أولى بالصواب. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حمل الحديث على الحقيقة هو الصواب، فلا ينبغي العدول عنه؛ إذ لا داعي إلى ذلك.
وخلاصة القول أنه إذا أمكن حمل النصّ على ظاهره لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل يدلّ على الخروج عن ظاهره، وما هنا لا يوجد دليل على ذلك،
стр. 7484
بل ظواهر نصوص الكتاب والسنّة مؤيّدة وعاضدة للحمل على حقيقته، كما أشار إليه ابن عبد البرّ ﵀ في كلامه المذكور آنفًا، فتبصر.
وعليه فيستفاد منه أن النار مخلوقة الآن موجودة، وهذا إجماع ممن يعتدّ به، وخالفت في ذلك المعتزلة، فقالوا: إنها إنما تخلق يوم القيامة، قال العراقيّ ﵀: والأدلة السمعية متوافرة على خلاف ذلك. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٣٩٧ و ١٣٩٨ و ١٣٩٩ و ١٤٠٠ و ١٤٠١] (٦١٥)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٣٣ و ٥٣٤ و ٥٣٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٠٢)، و (الترمذيّ) فيها (١٥٧)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٠٠)، وفي "الكبرى" (١٤٨٧ و ١٤٨٨ و ١٤٨٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٧٧ و ٦٧٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٤٩)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٤٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٤٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣٠٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٢٤ و ٣٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٢٩ و ٢٥٦ و ٢٦٦ و ٢٨٥ و ٣٤٨ و ٣٩٣ و ٤٦٢ و ٥٠١ و ٥٠٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٠٦ و ١٥٠٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٨٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠١٤ و ١٠١٥ و ١٠١٦ و ١٠١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٧٣ و ١٣٧٤ و ١٣٧٥ و ١٣٧٦ و ١٣٧٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٣٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٦١ و ٣٦٢)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "التلخيص الحبير": حديث: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأبي
стр. 7485
ذرّ، وأخرجه البخاري من حديث ابن عمر، ولفظ ابن ماجه فيه: "أبردوا بالظهر".
وفي الباب عن أبي موسى، وعائشة، والمغيرة، وأبي سعيد، وعمرو بن عَبَسَة، وصفوان والد القاسم، وأنس، وابن عباس، وعبد الرحمن بن علقمة، وعبد الرحمن بن جارية، وصحابي لَمْ يُسَمَّ، ورواه مالك من رواية عطاء بن يسار مرسلًا، وروي عن عمر موقوفًا.
فحديث أبي موسى رواه النسائي بلفظ: "أبردوا بالظهر؛ فإن الذي تجدونه في الحر من فيح جهنم".
وحديث عائشة رواه ابن خزيمة بلفظ: "أبردوا بالظهر في الحر"، وحديث المغيرة رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وتفرد به إسحاق الأزرق، عن شريك، عن طارق، عن قيس، عنه. وفي رواية للخلال: وكان آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ الإبراد.
وسئل عنه البخاريّ، فعدّه محفوظًا، وذكر الميمونيّ عن أحمد أنه رجح صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح.
وأعلّه ابن معين بما روى أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفًا، وقال: لو كان عند قيس عن المغيرة مرفوعًا لَمْ يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفًا، وقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك، واللَّه أعلم.
وحديث أبي سعيد رواه البخاريّ بلفظ: "أبردوا بالظهر".
وحديث عمرو بن عَبَسَة رواه الطبراني، وحديث صفوان رواه ابن أبي شيبة، والحاكم والبغوي، من طريق القاسم بن صفوان، عن أبيه، بلفظ: "أبردوا بصلاة الظهر. . . " الحديث.
وحديث أنس (١)، وحديث ابن عباس رواه البزار بلفظ: "كان رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك يؤخر الظهر حتى يبرد، ثم يصلي الظهر، والعصر. . . " الحديث، وفيه عمر بن صُهْبان، وهو ضعيف.
стр. 7486
وحديث عبد الرحمن بن جارية رواه الطبرانيّ، وحديث عبد الرحمن بن علقمة رواه أبو نعيم.
وحديث الصحابيّ المبهم رواه الطبراني. وحديث عُمَر تقدم مع المغيرة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعية الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحرّ، وسيأتي حكم الإبراد، واختلاف العلماء فيه، في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): بيان حكمة الأمر بالإبراد، وهو كون شدة الحر من فيح الحر.
٣ - (ومنها): بيان كون النار، وكذا الجنة مخلوقة الآن وهو مذهب أهل السنة والجماعة، كما مرَّ قريبًا.
٤ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، حيث سَهَّلت في تأخير الصلاة، مع أن المبادرة إلى الطاعة هو المطلوب، دفعًا للحرج، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الإبراد بالصلاة:
(اعلم): أنه اختَلَف القائلون بمشروعية الإبراد في الأمر الوارد في هذا الحديث، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟.
فقال الجمهور: إنه للاستحباب، وحَكَى القاضي عياض وغيره: أن بعضهم ذهب إلى الوجوب، قال الحافظ: وغفل الكرماني، فنقل الإجماع على عدم الوجوب، وقال البدر العينيّ: [فإن قلتَ]: ما القرينة الصارفة عن الوجوب، وظاهر الكلام يقتضيه؟.
[قلت]: لما كانت العلة فيه دفع المشقة عن المصلي لشدة الحرّ، وكان ذلك للشفقة عليه، فصار من باب النفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه، ويعود الأمر على موضوعه بالنقض. انتهى (٢).
стр. 7487
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ضعف هذا التعليل؛ إذ الحقّ أن الأمر بالإبراد معلّل في الحديث بأن شدّة الحرّ من فيح جهنّم، لا دفع المشقّة فقط، ولو سلّمنا فلا ملازمة بين دفع المشقّة وإيجاد الإبراد؛ إذ المشقّة التي اعتبرها الشرع عند الأمر بالإبراد تناسب الإيجاب، ولا تعارضه، ولا نقض فيها، فافهم، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن حزم ﵀: وإنما لم نحمل الأمر على الوجوب؛ لحديث خباب ﵁ قال: "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ شدة الرمضاء، فلم يشكنا" (١)، قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر في تعجيلها؟ قال: نعم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفيما قاله ابن حزم نظر؛ لأن الراجح أن حديث خبّاب منسوخ بأحاديث الأمر بالإبراد، كما سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-، فلا يكون صارفًا للوجوب.
والحاصل أن قول من قال بإيجاب الإبراد هو الأرجح؛ لقوّة حجّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل الإبراد في شدة الحر مطلقٌ، أم مقيّد بمن يصلّي جماعة، أو غير ذلك من القيود؟:
قال الحافظ وفي الدين العراقيّ ﵀: في هذا الحديث استحباب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحرّ، وهو تأخيرها إلى أن يبرد الوقت، وينكسر وَهَجُ الحر، وبه قال الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء من السلف والخلف، لكن أكثر المالكية على اختصاص الإبراد بالجماعة، فأما المنفرد، فتقديم الصلاة في حقّه أفضل، وكذا قال ابن حزم الظاهرىِّ؛ أنه يختص الإبراد بالجماعة.
وحَكَى ابن القاسم عن مالك أن الظهر تصلى إذا فاء الفيء ذراعًا في الشتاء والصيف للجماعة والمنفرد، على ما كتب به عمر بن الخطاب ﵁ إلى عماله.
وقال ابن عبد الحكم، وغيره: معنى كتاب عمر مساجد الجماعة، فأما المنفرد، فأول الوقت أولى به. قال ابن عبد البر: وإلى هذا مال فقهاء المالكية من البغداديين، ولم يلتفتوا إلى رواية ابن القاسم. انتهى.
стр. 7488
وقال الشافعي: إنما يستحب الإبراد في شدة الحرّ بشروط:
الأول: أن يكون في بلد حار، وقال الشيخ أبو محمد الجويني وغيره: يستحب في البلاد المعتدلة والباردة أيضًا إذا اشتد الحرّ.
الثاني: أن تصلى في جماعة، فلو صلّى منفردًا، فتقديم الصلاة له أفضل.
الثالث: أن يقصد الناس الجماعة من بُعْد، فلو كانوا مجتمعين في موضع صَلَّوا في أول الوقت.
الرابع: أن لا يجدوا كِنًّا يمشون تحته، يقيهم الحرّ، فإن اختل شرط من الشروط، فالتقديم أفضل.
وقال الشيخ موفق الدين ابن قدامة في "المغني": ظاهر كلام أحمد استحباب الإبراد بها على كلّ حال، قال الأثرم: وهذا على مذهب أبي عبد اللَّه سواء، يستحب تعجيلها في الشتاء، والإبراد بها في الحر، وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لظاهر قوله: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة"، وهذا عامّ.
وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاث شرائط:
شدّة الحر، وأن يكون في البلدان الحارّة، ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته، أو في مسجد بفناء بيته فالأفضل تعجيلها، وقال القاضي في "الجامع": لا فرق بين البلدان الحارّة، وغيرها، ولا بين كون المسجد ينتابه الناس، أو لا؛ فإن أحمد كان يؤخِّرها في مسجده، ولم يكن بهذه الصفة، والأخذ بظاهر الخبر أولى. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي ترجيح هذا القول إن شاء اللَّه تعالى.
وذهبت طائفة إلى عدم استحباب الإبراد مطلقًا، وحكاه ابن المنذر عن عمر، وابن مسعود، وجابر ﵃، وحكاه ابن بطال عنهم، وعن أبي بكر، وعليّ، وحكاه ابن عبد البر عن الليث بن سعد، والمشهور عنه موافقة الجمهور.
стр. 7489
احتجّ الجمهور القائلون باستحباب الإبراد في شدَّة الحر مطلقًا بأحاديث الباب، وغيرها، فإنه ليس فيها سوى ذلك.
قال الحافظ العراقيّ ﵀: واستنبط الشافعيّ ﵀ هذه الشروط التي اعتبرها من الحديث، وجعله تخصيصًا للنص بالمعنى، فحُكي عنه أنه قال: إن أمر رسول اللَّه ﷺ بالإبراد كان بالمدينة لشدة حرّ الحجاز، ولأنه لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده يومئذ، وكان يُنتاب من البعد، فيتأذون بشدة الحرّ، فأمرهم بالإبراد؛ لما في الوقت من السعة، حكاه ابن عبد البر.
واستَدَلَّ الترمذيّ في "جامعه" بحديث أبي ذرّ ﵁ الثابت في "الصحيحين": "أذن مؤذِّن رسول اللَّه ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : "أبرد، أبرد"، أو قال: "انتظر، انتظر"، وقال: "شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحرّ، فأبردوا عن الصلاة"، حتى رأينا فيء التلول.
وفي رواية للبخاريّ أن ذلك كان في سفر، على خلاف ما ذهب إليه الشافعيّ، وقال: لو كان على ما ذهب إليه لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعده انتهى.
وأجاب الشافعية عما قاله الترمذيّ بأن اجتماعهم في السفر قد يكون أكثر مشقة منه في الحضر، فإنه يكون كلّ واحد منهم في خبائه، أو مستقرًّا في ظل شجرة، أو صخرة، ويؤذيه حرّ الرمضاء إذا خرج من موضعه، وليس هناك ظل يمشون فيه، وأيضًا فليس هناك خباء كبير يجمعهم، فيحتاجون إلى أن يصلوا في الشمس، والظاهر أيضًا أن أخبيتهم كانت قصيرة، لا يتمكنون من القيام فيها.
وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ : "كان يأمر مناديه، في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر أن يقول: ألا صلوا في الرحال"، فلما كان وجود البرد الشديد، أو المطر في السفر مرخِّصًا في ترك الجماعة، كذلك وجود الحر الشديد في السفر مُقْتَضٍ للإبراد بالظهر.
وقال ابن المنذر ﵀: ثبت أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا اشتد الحر،
стр. 7490
فأبردوا بالظهر"، وبخبر رسول اللَّه ﷺ نقول، وهو على العموم، لا سبيل يستثنى من ذلك البعض. انتهى.
قال العراقيّ ﵀: وقد عرفت أن التخصيص إنما هو بالمعنى، والصحيح في الأصول أنه يجوز أن يُستَنْبَط من النصّ معنى يُخَصِّصه.
لكن قد يقال: لا يتعين أن تكون العلة ما أشار إليه الشافعيّ من تأذيهم بالحر في طريقهم، فقد تكون العلة ما يجدونه من حرّ الرمضاء في جباههم في حالة السجود، وقد ثبت في الصحيح عن أنس ﵁، قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ بالظهائر جلسنا على ثيابنا اتقاء الحر"، ورواه أبو عوانة في "صحيحه" بلفظ: "سجدنا" بدل: "جلسنا".
وفي "سنن أبي داود" وغيره: "كنت أصلي الظهر مع رسول اللَّه ﷺ ، فآخذ قبضة من الحصى؛ لتبرد في كفي، أضعها لجبهتي، أسجد عليه، لشدة الحر".
وفي حديث أنس ﵁ في الصحيح: "فإذا لَمْ يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه"، فهذا هو المنقول عن الصحابة ﵃، ولم نجد عنهم أنهم شَكَوا مشقة المسافة، ولا بُعْد الطريق.
ويمكن أن تكون العلة في ذلك أنه وقت يفوح فيه حرّ جهنم، ولهيبها، وهو ظاهر قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم"، وكونها ساعة يفوح فيها لهب جهنم وحرها، يقتضي الكفّ عن الصلاة، كما في حديث عمرو بن عَبَسَة ﵁: "فإذا اعتدل النهار، فأقصِرْ"، يعني عن الصلاة، فإنها ساعة تُسجَر فيها جهنّم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه العلة هي أوضح ما يُعَلَّل به الأمر "بالإبراد"؛ لكون الحديث نصًّا فيها، فلا معنى للتعليل بغيرها، فحينئذ يستوي في الحكم الجماعة، والمنفرد، والحضري، والمسافر، فالقول بالعموم هو الحقّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
واحتجّ القائلون بعدم استحباب الإبراد مطلقًا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبحديث خباب ﵁: "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ الرمضاء، فلم يشكنا" الآتي في الباب التالي.
وأجابوا عن حديث الباب، وغيره من الأحاديث الدالة على الإبراد بأن معناها: صَلُّوها في أول وقتها، أخذًا من بَرْد النهار، وهو أوله.
стр. 7491
ورُدّ عليهم بأن هذا تأويل بعيد، يبطله قوله: "فإن شدة الحرّ من فيح جهنم"؛ لأن أول وقت الظهر أشدّ حرًّا من آخره، وحديث أبي ذرّ المتقدم صريح في أن المراد بالإبراد التأخير إلى وقت البرد.
وقال الخطابيّ ﵀: ومن تأول الحديث على برد النهار، فقد خرج من جملة قول الأئمة.
وأجيب عما تمسكوا به، بأن أحاديث أول الوقت عامة، أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص؛ فهو مقدم، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر مشقة، فيكون أفضل؛ لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل، كما في قصر الصلاة في السفر، قاله في "الفتح" (١).
وأجيب عن حديث خباب ﵁ بأوجه:
أحدها: أنه إنما لم يجبهم لِمَا سألوا؛ لأنهم أرادوا أن يؤخروا الصلاة بعد الوقت الذي حدّه لهم، وأمرهم بالإبراد إليه، ويزيدوا على الوقت المرخَّص لهم فيه، ومن المعلوم أن حر الرمضاء الذي يسجد عليه، لا يزول إلَّا بعد خروج الوقت كله، ذكر المازريّ هذا الجواب، وقال: إنه الأشبه، يعني أشبه الأجوبة.
ثانيها: أن هذا الحديث ونحوه من الأحاديث الدالة على التقديم، منسوخة بأحاديث الإبراد؛ لأنها رُويت من حديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، ونحوهما ممن تأخر إسلامه، بخلاف أحاديث التعجيل، كحديث خباب، وحديث عبد اللَّه بن مسعود.
ويدل عليه ما رواه ابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا: أبردوا بالصلاة، فإن شدّة الحر من فيح جهنم"، ورواه الطحاويّ بلفظ: "ثم قال: أبردوا"، وأعله أبو حاتم بأنه رُوي عن قيس بن أبي حازم، عن عمر بن الخطاب من قوله.
وذكر الخلال عن الميمونيّ: أنهم ذاكروا أبا عبد اللَّه، يعني أحمد بن
стр. 7492
حنبل حديث المغيرة بن شعبة، فقال: أسانيدها جياد، ثم قال: خباب يقول: "شكونا إلى النبيّ ﷺ ، فلم يُشْكِنا"، والمغيرة -كما ترى- روى القصتين جميعًا، قال: وفي رواية غير الميمونيّ: وكان آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ ، الإبراد.
وقال الأثرم بعد ذكر أحاديث التعجيل والإبراد: فأما التي ذكر فيها التعجيل في غير الحر فإن الأمر عليها، وأما حديث خباب، وجابر، وما كان فيها من شدّة الحر، فإن ذلك عندنا قبل أن يأمر بالإبراد.
وقد جاء بيان ذلك في حديثين: أحدهما حديث بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة: قال: كنا نصلي مع النبيّ ﷺ بالهاجرة، فقال لنا: "أبردوا" فتبيّن لنا أن الإبراد كان بعد التهجير، والحديث الآخر أبين من هذا: خالد بن دينار أبو خلدة، قال: سمعت أنسًا، يقول: "كان النبيّ ﷺ إذا كان البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا كان الحرّ أبرد بالصلاة".
ثالثها: أن الإبراد رخصة، وتقديمه ﷺ كان أخذًا بالأشق، قال العراقيّ: وبهذا قال بعض أصحابنا، ونصّ عليه الشافعيّ في البويطيّ، وصححه أبو علي السنجي، لكن الصحيح من مذهبنا أن الإبراد هو الأفضل، فلا يمشي عليه هذا الجواب.
رابعها: أن معنى قوله: "فلم يُشْكِنا" لم يُحْوِجنا إلى شكوى، بل رَخَّص لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج المالكيّ عن ثعلب، ويرُدّه أن في بعض طرقه: "في أشكانا"، وقال: "إذا زالت الشمس فصَلُّوا"، روى هذه الزيادة أبو بكر بن المنذر، كما ذكره ابن القطان.
خامسها: أن الإبراد أفضل، وحديث خباب فيه بيان جواز التعجيل، دلّ عليه كلام ابن حزم، فإنه ذكر استحباب الإبراد، ثم قال: وإنما لم نحمل هذا الأمر على الوجوب؛ لحديث خباب، قال العراقيّ: لكن في هذا نظر؛ لأن ظاهر حديث خباب المنع من التأخير، أو أنه مرجوح بالنسبة إلى التقديم، واللَّه أعلم. انتهى كلام العراقيّ ببعض تصرف، وبعض زيادة من "الفتح" (١).
стр. 7493
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أظهر الأجوبة وأرجحها جواب من قال بنسخ حديث خباب ﵁ بحديث المغيرة ﵁ الذي استدلّ به الطحاويّ عليه، قال: "كنا نصلي مع النبيّ ﷺ الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: أبردوا بالصلاة"، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ ، كما قاله الحافظ في "الفتح" (١).
وقال في "التلخيص": وسئل البخاريّ عنه، فعدّه محفوظًا، وذكر الميمونيّ عن أحمد أنه رجح صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح، وأعله ابن معين بما رَوَى أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفًا، وقال: لو كان عند قيس، عن المغيرة مرفوعًا، لَمْ يفتقر إلى أن يُحَدِّث به عن عمر موقوفًا، وقوّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك، واللَّه أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع: فتبيّن بهذا كلِّه أن الأكثرين على تصحيحه، ويؤيِّد ذلك ما تقدّم من حديث أنس ﵁: "كان النبيّ ﷺ إذا كان البرد بكّر بالصلاة، وإذا كان الحرّ أبرد بالصلاة".
والحاصل: أن الراجح كون حديث خباب ﵁ منسوخًا، وأن أرجح المذاهب مذهب من قال بالإبراد في اشتداد الحرّ مطلقًا، سواء كان جماعةً، أو منفردًا؛ لقوة حجّته، ووضوحها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه أعلم.
وقال العلّامة الشوكانيّ ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدم-: ولو سلّمنا جهل التاريخ، وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث الإبراد أرجح؛ لأنَّها في "الصحيحين"، بل في جميع الأمهات بطرق متعددة، وحديث خباب في مسلم فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم، وكذا ما جاء بطرُقٍ. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (٣)، وهو تحقيق حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 7494
(المسألة السادسة): قيل: لفظ "الصلاة" عامّ بناء على أن المفرد المعرّف بالألف واللام للعموم، فيتناول سائر الصلوات، وذلك يقتضي تأخير كل منها في شدة الحر، وبه قال الجمهور في الظهر، كما تقدم، وقال به أشهب وحده في صلاة العصر؛ قال: تؤخر ربع القامة، وقال به أحمد بن حنبل في رواية عنه في صلاة العشاء، فرأى تأخيرها في الصيف، وتعجيلها في الشتاء، وعكس ابن حبيب من المالكية، فرأى تأخيرها في الشتاء؛ لطول الليل، وتعجيلها في الصيف؛ لقصره.
قال العراقيّ ﵀: وهو أظهر في المعنى، ولا نعلم أحدًا قال بالإبراد في المغرب، وكأن ذلك لضيق وقتها، ولا في الصبح، وكأن ذلك لأن وقتها أبرد الأوقات مطلقًا، فلا معنى للإبراد بها.
وجواب الجمهور عن ترك القول بالإبراد في العصر والعشاء: أن المراد بالصلاة هنا صلاة الظهر، كما ورد بيانه في بعض الطرق الصحيحة المتقدمة؛ ففي رواية البخاري من حديث أبي سعيد ﵁، فقال: "أبردوا بالظهر"، وهي رواية النسائيّ من حديث أبي موسى ﵁، فتكون الألف واللام في الصلاة في الرواية المطلقة للعهد.
وأيضًا فإن أول وقت العصر، وأول وقت العشاء لا يكون في الغالب أشدّ حرًّا من آخر وقت الظهر، فإذا فعلت الظهر في آخر وقتها، ففعلُ العصر في أول وقتها، والعشاء في أول وقتها، وهما أقلّ حرًّا أولى بذلك.
وأيضًا فإنه ﷺ لم ينقل عنه في خبر الإبراد، لا بالعصر، ولا بالعشاء، بل كان يأتي بكل منهما في أول وقتها صيفًا وشتاءً، وأما تأخيره العشاء في بعض الأوقات، فهو إما لاجتماع الناس، كما ورد بيانه، أو لما في تأخيرها من الفضل، وليس ذلك لأجل الإبراد، ولا فرق فيه بين الصيف والشتاء. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال في المسألة قول الجمهور، وهو أن الإبراد المأمور به إنما في الظهر، ومثله
стр. 7495
الجمعة، وأما ما عدا ذلك من الصلوات فلا يُشرع فيه الإبراد؛ لعدم نصّ يُعتمد عليه في ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٥.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ سَوَاءً) يعني أن حديث يونس عن ابن شهاب، مثل حديث الليث عنه سواء.
[تنبيه]: رواية يونس هذه ساقها الحافظ أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٢١٢) فقال:
(١٣٧٤) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يونس، أن ابن شهاب أخبره، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب أنهما سمعا أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا اشتد الحرّ، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدّة الحرّ من فيح