رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
وقوله: (الْمُرَادِيُّ) بضم الميم: نسبة إلى مُراد، واسمه يحابر بن مالك بن أُدَد بن زيد بن يشجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، ومالك بن أُدد هو مَذْحِج، ويُنسب إلى مُراد خلق كثير من الجاهليّة، والصحابة، ومن بعدهم، قاله في "اللباب" (١).
٢ - (يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٨) وقد قارب (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (مُوسَى بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ) هو: موسى بن سعد بن زيد بن ثابت الأنصاريّ المدنيّ، ويقال: ابن سعيد، صدوقٌ (٢) [٤].
رَوَى عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، وحفص بن عبد اللَّه بن أنس، وحبيب بن عبد اللَّه بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسالم بن عبد اللَّه، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وناجية بن عبد اللَّه بن عتبة.
ورَوَى عنه يزيد بن أبي حَبِيب، وعمر بن محمد زيد العُمَريّ، وسعيد بن أبي هلال، وعطاء بن خالد.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر أنه رَوَى عن زيد بن ثابت، وكذا ذكر البخاريّ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
стр. 7562
٤ - (حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن أنس بن مالك، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن جدّه، وجابر، وابن عمر، وأبي هريرة.
ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن أبي كثير، وابن إسحاق، وموسى بن ربيعة، وموسى بن سعد ابنا زيد بن ثابت، وعلقمة بن مَرْثَد، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جدّه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: هو أحب إليّ من حفص بن عمر، ولا ندري أسمع من جابر وأبي هريرة أم لا؟.
وقال البخاريّ: وقال بعضهم: عبيد اللَّه بن حفص، ولا يصح عبيد اللَّه. انتهى.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٢٤)، وحديث (٨٩٧): "اللهم أغثنا، اللَّه أغثنا. . . ".
والباقون تقدّموا قبل باب، و"أنس" ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى يزيد، والباقون مدنيّون.
٣ - (ومنها): أن قوله: (قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) فيه بيان اختلاف ألفاظ شيوخه، فعمرو سمعه من وهب بقراءة غيره عليه، ولذا قال: "أخبرنا"، ومحمد بن سلمة، وأحمد بن عيسى سمعاه من لفظه مع جماعة، ولذا قالا: "حدّثنا".
فقوله: "ابْنُ وَهْبٍ" مرفوع على الفاعليّة، تنازعه كل من "أخبرنا" و"حدّثنا"، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: يزيد، عن موسى، عن حفص.
стр. 7563
٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره المائة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا) أي لأجلنا، أو اللام بمعنى الباء (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ) أي صلاتها (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلّم من صلاته (أَتَاهُ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه، كما قال في "التنبيه" (١). (مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بفتح السين المهملة، وكسر اللام: بطن من الأنصار، وهو: سَلِمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج، والنسبة إليه سَلَميّ بفتح اللام، كذلك ينسبه النحويون، والمحدّثون يكسرونها، قاله في "اللباب" (٢)، وإلى هذا أشرت بقولي:
وَالسَّلَمِيُّ نِسْبَةٌ لِسَلِمَهْ … بَطْنٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَهْلِ الْمَكْرَمَهْ
وَهْيَ بِكَسْرِ اللَّامِ لَكِنِ النَّسَبْ … فَتَحَهُ النُّحَاةُ وَفْقًا لِلْعَرَبْ
وَالْفَتْحُ لِلْمُحَدّثِينَ نُسِبَا … فَإِنْ يَصِحَّ فَالصَّوَابَ جَانَبَا
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ) من باب نَفَعَ (جَزُورًا لَنَا) بفتح الجيم من الإبل خاصّةً، يقع على الذكر والأنثى، والجمع جُزُر بضمّتين، مثلُ رَسُول ورُسُل، ويُجمع أيضًا على جُزُرات، ثم على جَزَائر، ولفظ الْجَزور أُنثى، يقال: رَعَتِ الْجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصّغَانيّ: وقيل: الجَزُور: الناقة التي تُنْحَرُ، أفاده في "المصباح" (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: الْجَزُور من الإبل، والْجَزْرَة من غيرها، وهو ما يُعدّ من ذلك للْجَزْر، وهو الشقّ والقطعُ. انتهى (٤).
وقال في "القاموس": الْجَزُورُ: البعيرُ، أو خاصّ بالناقة المجزورة، جمعه جَزَار، وجُزُرٌ -بضمّتين- وجُزُراتٌ، وما يُذبح من الشاة، واحدتها جَزْرَةٌ. انتهى (٥).
стр. 7564
(وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا) الظاهر أنه أراد حضور أكل لحمها (قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ") -بفتحتين-: حرف جواب، وهي هنا للْعِدَة، أي أنه ﷺ وَعَدَهم بأن يأتيهم، قال الفيّوميّ ﵀: وقولهم في الجواب: نَعَم معناها: التصديق إن وقعت بعد الماضي، نحو: هل قام زيدٌ؟، والْوَعْدُ إن وقعت بعد المستقبل، نحو: هل تقوم؟. انتهى (١)، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى.
(فَانْطَلَقَ) أي ذهب ﷺ إلى بيوتهم (وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ) أي حال كوننا مصاحبين له ﷺ (فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قُطِّعَتْ، ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا) ببناء الأفعال الأربعة للمفعول (ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ) وفي نسخة: "قبل مغيب الشمس"، وفي حديث رافع بن خَدِيج ﵁ التالي: "فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس".
وقوله: (وَقَالَ الْمُرَادِيُّ) هو محمد بن سلمة شيخه الثاني (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ) بفتح اللام، وكسر الهاء، هو: عبد اللَّه بن لهيعة (وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ) وفي بعض النسخ: "بهذا الحديث".
وغرض المصنّف بهذا بيان اختلاف شيوخه في إسناد هذا الحديث، فعمرو بن سوّاد، وأحمد بن عيسى، روياه عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث. . . إلخ، وأما محمد بن سلمة المراديّ، فرواه عن ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، وعمرو بن الحارث. . . إلخ.
و (ابن لَهيعة) هو: عبد اللَّه بن لهيعة بن عُقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان الحضرميّ الأعدوليّ، ويقال: الغافقيّ، أبو عبد الرحمن المصريّ الفقيه القاضي، صدوقٌ خلط بعد احتراق كتبه [٧].
رَوى عَن الأعرج، وأبي الزبير، ويزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن دينار، وكعب بن علقمة، وأبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، وابن المنكدر، وأبي يونس مولى أبي هريرة، وجماعة.
ورَوَى عنه ابن ابنه أحمد بن عيسى، وابن أخيه لَهِيعة بن عيسى بن
стр. 7565
لَهِيعة، والثوريّ، وشعبة، والأوزاعيّ، وعمرو بن الحارث، وماتوا قبله، والليث بن سعد، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وربما نسبه إلى جده، وابن وهب، والوليد بن مسلم، وعبد اللَّه بن يزيد المقرئ، وأسد بن موسى، وأشهب بن عبد العزيز، وجماعة.
قال رَوح بن صلاح: لَقِي ابنُ لهيعة اثنين وسبعين تابعيًّا، وقال البخاريّ، عن الحميديّ: كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا، وقال ابن المدينيّ، عن ابن مهديّ: لا أحمل عنه قليلًا ولا كثيرًا، ثم قال عبد الرحمن: كتب إلي ابن لهيعة كتابًا فيه حديث عمرو بن شعيب، قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرجه إلي ابن المبارك من كتابه، عن ابن لهيعة، قال: أخبرني إسحاق بن أبي فَرْوَة، عن عمرو بن شعيب، وقال الميمونيّ، عن أحمد، عن إسحاق بن عيسى: احتَرَقَت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين ومائة - ومات سنة ثلاث أو أربع وسبعين ومائة، وقال البخاريّ، عن يحيى بن بكير: احتَرَقَت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومائة، وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح السهميّ عن أبيه، ولكنه قال: لم تحترق بجميعها، إنما احترق بعض ما كان يُقرأ عليه، وما كتبت كتاب عمارة بن غَزِيّة إلا من أصله، وقال أبو داود: قال ابن أبي مريم: لم تحترق.
وقال البخاريّ: تركه يحيى بن سعيد، وقال ابن مهديّ: لا أحمل عنه شيئًا، وقال ابن خزيمة في "صحيحه": وابن لهيعة لست ممن أخرج حديثه في هذا الكتاب إذا انفرد، وإنما أخرجته لأن معه جابر بن إسماعيل، وقال عبد الغني بن سعيد الأزديّ: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة، فهو صحيح: ابن المبارك، وابن وهب، والمقرئ، وذكر الساجيّ وغيره مثله، وقال يحيى بن حسان: رأيت مع قوم جزءًا سمعوه من ابن لهيعة، فنظرت، فإذا ليس هو من حديثه، فجئت إليه، فقال: ما أصنع؟ يجيئوني بكتاب، فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم، وقال ابن قتيبة: كان يقرأ عليه ما ليس من حديثه، يعني فضُعِّف بسبب ذلك، وحَكَى الساجيّ عن أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة من الثقات، إلا أنه إذا لُقِّن شيئًا حدث به، وقال ابن خِرَاش: كان يكتب حديثه، احترَقَت كتبه، فكان من جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وَضَع أحد حديثًا وجاء
стр. 7566
به إليه قرأه عليه، قال الخطيب: فمن ثَمّ كثرت المناكير في روايته لتساهله، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن الإفريقيّ وابن لهيعة، أيهما أحبّ إليك؟ فقال: جميعًا ضعيفان، وابن لهيعة أمره مضطرب، يُكتب حديثه على الاعتبار، قال عبد الرحمن: قلت لأبي: إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك، فابن لهيعة يُحتجّ به؟ قال: لا، قال أبو زرعة: كان لا يضبط.
وقال ابن حبان: سَبَرتُ أخباره، فرأيته يدلِّس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دُفِع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن، فوجب التنكُّب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه؛ لما فيها من الأخبار المدلَّسة عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه؛ لما فيها مما ليس من حديثه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن حبّان: تحقيقٌ دقيقٌ ينبغي اعتماده؛ لأنه حكم صدر بعد تتبع أخباره، فتأمل.
وقال يحيى بن بكير وغيره: وُلِد سنة ست وتسعين، وقال ابن يونس، وابن سعد: سنة سبعين، وقالا: ومات يوم الأحد نصف ربيع الأول سنة أربع وسبعين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد، وقال هشام بن عمار: مات سنة سبعين ومائة، ولم يوافقه أحد على هذا.
أخرج له المصنّف مقرونًا، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، مقرونًا بعمرو بن الحارث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٤١٦] (٦٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٣٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"
стр. 7567
(١٥١٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٥٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العصر.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: هذا تصريح بالمبالغة في التبكير بالعصر.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من محبّتهم للنبيّ ﷺ ، حيث يطلبون حضوره إلى بيوتهم؛ ليُكرموه بالطعام.
٤ - (ومنها): مشروعيّة إجابة الدعوة.
٥ - (ومنها): بيان أن الدعوة للطعام مستحبّة في كل وقت، سواء كان أول النهار أو آخره.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: هذا الحديث وما قبله يدلّ على فساد مذهب أبي حنيفة، إذ قال: إن أول وقت العصر إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه؛ إذ لا يتّسع الوقت على رأيه لمثل هذا الفعل، ولا لأن يأتوا العوالي، والشمس مرتفعةٌ، بل يُتمكّن من مثل كلّه إذا صُلِّيت في أول المثل الثاني، وكان النهار طويلًا. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٧] (٦٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ، فَتُقْسَمُ عَشَرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ).
стр. 7568
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ إمامٌ [٧] (١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (أَبُو النَّجَاشِيِّ) -بنون وجيم خفيفة، بعد الألف معجمة- هو: عطاء بن صُهَيب الأنصاريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن مولاه رافع بن خديج، وروى عنه الأوزاعيّ، ويحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عَمّار، وأيوب بن عُتْبة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان صَحِبَ رافع بن خَدِيج ست سنين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٢٥) و (٦٣٧) و (١٥٤٨) و (٢٣٦٢).
٥ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ) بن رافع بن عَدِيّ الحارثي الأوسيّ الأنصاري الصحابي الجليل، أول مشاهده أُحُد، ثم الخندق، مات ﵁ سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤٨٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والبخاريّ، وأبو داود، وأبي النجاشيّ، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ.
стр. 7569
٣ - (ومنها): أنه ما بين مدنيين، وهما رافع، وأبو النجاشيّ، وشاميين، وهما الأوزاعيّ، والوليد، ورازيّ، وهو شيخه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ) عطاء بن صُهيب، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، آخره جيم ﵁ (يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ) فعلٌ ونائب فاعله، وتقدّم بيان معنى الجزور في الحديث الماضي (فَتُقْسَمُ) بالبناء للمفعول، أي تجزّأ تلك الجزور (عَشَرَ قِسَمٍ) بكسر القاف، وفتح السين المهملة: جمع قِسْمة -بكسر، فسكون-: أي أجزاء (ثُمَّ تُطْبَخُ) بالبناء للمفعول أيضًا، يقال: طَبَختُ اللحمَ طَبْخًا، من باب نصر: إذا أنضجته بمرق، قاله الأزهريّ، ومن هنا قال بعضهم: لا يُسمّى طَبِيخًا إلا إذا كان بمرق، ويكون الطّبْخُ في غير اللحم، يقال: خُبْزَةٌ جيِّدةُ الطبخ، وآجُرّةٌ جيِّدةُ الطبخ، قاله في "المصباح" (١).
(فَنَأْكُلُ) بالبناء للفاعل (لَحْمًا نَضِيجًا) -بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة-: فَعِيلٌ بمعنى مفعول، قال الفيّوميّ ﵀: نَضِجَ اللحمُ والفاكهةُ نَضَجًا، من تَعِبَ: طاب أكله، والاسم: النُّضْجُ بضمّ النون، وفتحها لغةٌ، والفاعل ناضجٌ، ونَضِيجٌ، وأنضجته بالطبخ، فهو مُنْضَجٌ، ونَضِيجٌ أيضًا. انتهى (٢).
(قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ) أي غروبها، و"المغيب": -بفتح الميم، وكسر الغين المعجمة- مصدر غاب، يقال: غاب الشيءُ يَغِيبُ غَيْبًا، وغَيْبةً، وغِيَابًا -بالكسر- وغُيُوبًا -بالضمّ- ومَغِيبًا: إذا بَعُد (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 7570
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث رافع بن خديج ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٤١٧ و ١٤١٨] (٦٢٥)، و (البخاريّ) في "الشرِكة" (٢٤٨٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٨٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٤٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب المبادرة في أداء صلاة العصر في أول الوقت، وفيه الردّ على من زعم أن أول وقت العصر مصير ظلّ كلّ شيء مثليه.
٢ - (ومنها): جواز الشَّرِكَة في الأشياء.
٣ - (ومنها): مشروعيّة جمع الحظوظ ثم اقتسامها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَنْحَرُ الْجَزُورَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
стр. 7571
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن راشد الدِّمَشقيّ الأمويّ، مولى رَملة بنت عثمان، أصله من البصرة، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، وأبي حنيفة، وتَمذهب له، وابن جريج، والأوزاعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعبيد اللَّه بن عُمَر، وهشام بن عروة، والثوريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الصمد بن شعيب، وداود بن رُشيد، والحكم بن موسى، وأبو النضر الفَرَاديسي، وعَمرو بن عون، وإبراهيم بن موسى الرازيّ، وإسحاق ابن راهويه، وسُويد بن سعيد، وأبو كريب محمد بن العلاء، وهشام بن عمار، وغيرهم، وحدّث عنه الليث بن سعد، وهو في عداد شيوخه.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، ما أصح حديثه وأوثقه. وقال أبو داود: ثقة، وهو مرجئ، سمعت أحمد يقول: سمع من سعيد بن أبي عروبة بآخر رَمَقٍ. وقال هشام بن عمار عن شعيب: سمعت من سعيد سنة (١٤٤). وقال ابن معين، ودحيم، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يقربه ويدنيه. ونقل أبو الوليد الباجيّ عن أبي حاتم قال: شعيب بن إسحاق ثقة مأمون.
قال دُحيم: وُلد سنة (١٨)، ومات سنة (٨٩). وفيها أرّخه ابن حبان في "الثقات"، وكذا أرّخه ابن مُصَفَّى، وزاد: في رجب، وفيها أرّخه غير واحد، ووقع في "الكمال" سنة (٩٨) وهو وَهَم.
أخرج له البخاري، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
стр. 7572
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بحديث الأوزاعيّ الماضي، وهو: عن أبي النجاشيّ، عن رافع بن خَدِيج.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لإسحاق بن إبراهيم.
[تنبيه]: رواية عيسى وشعيب هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٥) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤١٩] (٦٢٦) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الَّذِي تَفُوتُهُ (٢) صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه ﵄ العدويّ، أبو عبد الرحمن، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصغِر يوم أحد، وهو ابن (١٤) سنةً، ومات (٧٣) (ع) تقدم في "الايمان" ١/ ١٠٢.
стр. 7573
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٨٦) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد مطلقًا، على ما نُقل عن البخاريّ ﵀.
٤ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الَّذِي) مبتدأ خبره قوله: "كأنما. . . إلخ"، وفي نسخة: "إن الذي" (تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ) قيل: فيه جواز قول الشخص فاتتنا الصلاة، خلافًا لمن كرهه، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن الكلام سيق مساق الذمّ، فكيف يستفاد منه هذا؟.
[تنبيه]: اختُلِف في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن وهب وغيره: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقال سحنون، والأصيلي، وابن عبد البر: هو أن تفوته بغروب الشمس، وقيل: هو تفويتها إلى أن تصفرّ الشمس، وقد ورد مُفَسَّرًا من رواية الأوزاعيّ في هذا الحديث، قال فيه: "وفواتها أن تدخل الشمس صفرة".
قال العراقيّ ﵀: كذا ذكر القاضي عياض، وتبعه النوويّ، وظاهر إيراد أبي داود في "سننه" أن هذا من كلام الأوزاعيّ، قاله من عند نفسه، لا أنه من الحديث، فإنه رُوي بإسناد منفرد عن الحديث عن الأوزاعيّ أنه قال: وذلك أن تَرَى ما على الأرض من الشمس صفراء.
стр. 7574
وفي "العلل" لابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد عن الأوزاعيّ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من فاتته صلاة العصر؛ وفواتها أن تدخل الشمس صفرة، فكأنما وتر أهله، وماله"، قال أبي: التفسير من قول نافع. انتهى.
وكلام القاضي أبي بكر ابن العربيّ يقتضي أنه من كلام ابن عمر، فإنه قال: وقد اختُلِف عن ابن عمر فيه، فروى الوليد، عن الأوزاعيّ، عن نافع، عن ابن عمر: "من فاتته صلاة العصر، وفواتها أن تدخل الشمس صفرة"، وابن جريج يروي عنه: "إن فواتها غروب الشمس". انتهى.
وكيفما كان فليس هذا الكلام مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ ، فلا حجة فيه.
وقال ابن عبد البرّ ﵀ في هذا القول: إنه ليس بشيء.
وقال ابن بطال ﵀: إنما أراد فواتها في الجماعة، لا فواتها باصفرار الشمس، أو مغيبها؛ لما يفوته من صلاتها في الجماعة من حضور الملائكة فيها، فصار ما يفوته من هذا المشهد العظيم الذي يجتمع فيه ملائكة الليل، وملائكة النهار أعظم من ذهاب أهله وماله، ولو كان المراد فوات وقتها كله باصفرار، أو غيبوبة لبطل الاختصاص؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة. بهذا المعنى فسره ابن وهب، وابن نافع، وذكره ابن حبيب عن مالك، وابن سحنون عن أبيه، قال ابن حبيب: وهو مثل حديث يحيى بن سعيد: "إن الرجل ليصلي الصلاة، وما فاتته، ولما فاته من وقتها أكثر من أهله وماله"، يريد أن الرجل ليصلي الصلاة في الوقت المفضول، ولما فاته من وقتها الفاضل الذي مضى عليه اختيار النبيّ ﷺ وأبي بكر، وكُتُبُ عمر إلى عماله أفضل من أهله وماله، وليس في الإسلام حديث يقوم مقام هذا الحديث؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غيره. انتهى.
ورَوَى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من ترك العصر حتى تغيب الشمس
стр. 7575
من غير عذر، فكأنما وتر أهله وماله". انتهى كلام العراقيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ") قال الحافظ ابن رجب ﵀: قوله: "وُتر أهله وماله" قيل: معناه: خَرِبَ أهله وماله، وسُلِبهما، من وَتَرْتُ فلانًا: إذا قتلتَ حَمِيمه، والْوِترُ: الْحْقد، بكسر الواو، ولا يجوز فتحها، وذلك أبلغ من ذهاب الأهل والمال على غير هذا الوجه؛ لأن الموتور يهمّ بذهاب ما ذهب منه، ويطلُب ثأره حتى يأخذ به.
وقيل: معناه: أُفرد عن أهله وماله، من الوتر بكسر الواو وفتحها، وهو الفرد، أي صار هو فردًا عن أهله وماله، وعلى هذا والذي قبله، فالمعنى ذهاب جميع أهله وماله.
وقيل: معناه قُلِّل ونُقِصَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
و"أهلَهُ ومالَه" روايتهما بنصب اللام على أنه مفعول ثانٍ لـ "وُتِرَ"؛ لأن وَتَرَ وَنَقَصَ يتعدّيان إلى مفعولين، ولو رُوي بضمّ اللام على المفعول الأول لم يكن لحنًا، غير أن المحفوظ في الرواية الأول، قاله الحافظ أبو موسى المدينيّ.
وقال أبو الفرج ابن الجوزيّ في "كشف المشكل": في إعراب الأهل والمال قولان:
أحدهما: نصبهما، وهو الذي سَمِعناه، وضبَطناه على أشياخنا في كتاب أبي عُبيد وغيره، ويكون المعنى: فكأنما وُتِرَ في أهله وماله، فلَمّا حُذف الخافض انتصب.
والثاني: رفعهما على ما لم يُسمَّ فاعله، والمعنى: نُقصا، وكأنه يشير إلى أن النصب والرفع ينبني على الاختلاف في معنى "وُتِرَ"، هل هو بمعنى سُلِبَ، أو بمعنى نقص؟ واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (٢).
وقال الحافظ العراقيّ ﵀: يُرْوَى بنصب "أهله، وماله"، ورفعهما، والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، كما قال النوويّ، وقال
стр. 7576
القاضي عياض: وهو الذي ضبطناه عن جماعة شيوخنا، ووجهه أنه مفعول ثان، أي وُتِرَ هو أهلَهُ ومالَهُ، وقيل: إنه منصوب على نزع الخافض، أي وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب، قال القاضي عياض والنوويّ: ومن رفع فعلى ما لم يسم فاعله، قال العراقيّ: وفيما قالاه نظر؛ إذ الفعل لم يُسَمَّ فاعله، وهو مبني للمفعول على كل حال، فرواية النصب على أن التارك هو المنقوص، فأقام ضميره مقام الفاعل، فانتصب أهله وماله؛ لأنه مفعول ثان، ورواية الرفع على أن أهله، وماله هم المنقوصون، فأقامه مقام الفاعل، فرفعه.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: إن رفعت فعلى البدل من الضمير في "وُتِرَ". انتهى.
فأما على رواية النصب، فاختلفوا في معناه، فقال الخطابيّ وغيره: معناه نُقِص هو أهله وماله، وسُلِبهم، فبقي وِترًا فردًا بلا أهل ولا مال، فليحذر من تفويتها، كحذره من ذهاب أهله وماله، جزم به الخطابيّ في "المعالم"، وقال في "أعلام الجامع الصحيح": "وُتِرَ": أي نقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقيل: سُلِب أهله وماله، فبقي وترًا، لا أهل له ولا مال. انتهى.
فجعلهما قولين متغايرين، تفسيره بنُقِصَ، وتفسيره بسُلِبَ.
قال العراقيّ: وهذا يخالف ما حكيته عنه أوّلًا، وكذا غاير بينهما غيره، قال ابن بطال: قال "صاحب العين": الوِتْرُ، والتِّرَةُ: الظلم في الدم، يقال منه: وتر الرجل وِترًا، وتِرَةً، فمعنى وتر أهله وماله: سلب ذلك، وحُرِمه، فهو أشدّ لغمه وحزنه؛ لأنه لو مات أهله، وذهب ماله من غير سلب، لم تكن مصيبته في ذلك عنده بمنزلة السلب؛ لأنه يجتمع عليه في ذلك غمان، غم ذهابهم، وغم الطلب بوترهم، وإنما مثّله ﷺ فيما يفوته من عظيم الثواب، ثم قال: وقد يَحْتَمِل أن يكون عنى بقوله: "فكأنما وُتِرَ أهله وماله" أي نُقِص ذلك، وأُفرِد منه، من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، أي لن يَنقُصَكم، والقول الأول أشبه بمعنى الحديث. انتهى.
стр. 7577
وقال ابن عبد البرّ ﵀ (١): معناه عند أهل اللغة، والفقه: أنه يصاب بأهله وماله إصابةً يطلب بها وترًا، والوترُ: الجناية التي يُطْلَب ثأرها، فيجتمع عليه غمان، غم المصيبة بذهاب ماله، وغم مقاساة طلب الثأر.
يقول: فالذي تفوته صلاة العصر لو وُفِّق لرشده، وعَرَف قدر ما فاته من الخير والفضل كان كالذي أصيب بأهله وماله على ما ذكرنا.
قال: وأصل الكلمة من اللغة فإنها مأخوذة من الوتر والتِرة، وهو أن يَجْني الرجلُ على الآخر جناية في دم أو مال، فيطلبه به حتى يأخذ منه ذلك المال أو مثله، ومثل ذلك الدم، وقَلّما يكون ذلك إلا أكثر من الجناية الأولى، فيذهب المال، ويُجْحِف به وبالأهل، وقد يسمى كل واحد منهما موتورًا؛ لذهاب ماله وأهله، قال الأعشى:
عَلْقَمُ مَا أَنْتَ إِلَى عَامِرٍ … النَّاقِضِ الأَوْتَارِ وَالْوَاتِرِ
وقال أعرابيّ:
كَأَنَّمَا الذِّئْبُ إِذْ يَعْدُو عَلَى غَنَمِي … فِي الصُّبْحِ طَالِبَ وَتْرٍ كَانَ فَاتَّأَرَا
وقال منقذ الهلاليّ:
وَكَذَاَك يَفْعَلُ فِي تَصَرُّفِهِ … وَالدَّهْرُ لَيْسَ يَنَالُهُ وَتْرُ
وهذا عندنا أن تفوته صلاة العصر بغير عذر حتى تغيب الشمس ولا يدرك منها ركعة قبل الغروب، ومن قال: إن ذلك أن يؤخرها حتى تصفرّ الشمس فليس بشيء، والدليل على ذلك أن مالكًا قال في "الموطأ" في رواية ابن القاسم في هذا الموضع: "ووقت صلاة الظهر والعصر إلى غروب الشمس".
وقد يَحْتَمِل أن يكون خروج قوله ﵇ في هذا الحديث على جواب سؤال السائل، كأنه قال: يا رسول اللَّه، ما مَثَلُ الذي تفوته صلاة العصر، فقال: هو كمن وتر أهله وماله، فإن كان هذا هكذا فيدخل في معنى العصر حينئذ الصبح والعشاء بطلوع الشمس وطلوع الفجر. انتهى (٢).
وقال الداوديّ من المالكية: معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على مَن فَقَد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم، والأسف بتفويت الصلاة، وقيل:
стр. 7578
معناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف عليه كما يَلحق من ذهب أهله وماله.
وقال الباجي: يَحْتَمل أن يريد وُتِرَ دون ثوابٍ يُدَّخَر له، فيكون ما فات من ثواب الصلاة، كما فات هذا الموتور. انتهى.
وأما رواية الرفع، فمعناه: انتُزِعَ منه أهله وماله، وهذا تفسير مالك بن أنس ﵀.
قال الحافظ العراقيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يقال: إنما خَصَّ الأهل والمال بالذكر؛ لأن الاشتغال في وقت العصر إنما هو بالسعي على الأهل، والشغل بالمال، فذكر ﷺ أن تفويت هذه الصلاة نازل منزلة فقد الأهل والمال، فلا معنى لتفويتها بالاشتغال بهما، مع كون تفويتها كفواتهما أصلًا ورأسًا. انتهى كلام العراقيّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٤١٩ و ١٤٢٠ و ١٤٢١] (٦٢٦)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٥٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤١٤)، و (الترمذيّ) فيها (١٦٥)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥١٢)، وفي "الكبرى" (١٤٩٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٨٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١١ - ١٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨٠٣ و ١٨٠٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٧٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٤٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣ و ٢٧ و ٤٨ و ٥٤ و ٧٥ و ٧٦ و ١٠٢ و ١٢٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٣٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٦٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣١٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٤٢ و ١٠٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩٤ و ١٣٩٥ و ١٣٩٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٤ و ٤٤٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧١)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7579
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التشديد في تفويت صلاة العصر.
٢ - (ومنها): بيان عِظَم قدر صلاة العصر عند اللَّه ، وموقعها من الدين، وأن الذي تفوته قد فُجِع بدينه بما ذهب منه كما يُفجَع من ذهب أهله وماله، قاله ابن رجب ﵀ (١).
٣ - (ومنها): بيان تعظيم فعل الصلاة في وقتها، وهي خير أعمالنا، كما قال ﷺ : "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة"، أخرجه أحمد، وابن ماجه بإسناد صحيح، وقد سئل النبيّ ﷺ : أيُّ الأعمال أحب إلى اللَّه؟ فقال: "الصلاة على وقتها"، متّفقٌ عليه، ورُوي: "في أول وقتها".
٤ - (ومنها): بيان تحقير الدنيا وأن قليل عمل البر خير من كثير من الدنيا، فالعاقل العالم بمقدار هذا الخطاب يَحْزَن على فوات صلاة العصر إن لم يدرك منها ركعة قبل غروب الشمس، أو قبل اصفرارها فوق حزنه على ذهاب أهله وماله، قاله ابن عبد البرّ ﵀ (٢).
٥ - (ومنها): أنه قد احتَجَّ بهذا الحديث من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهو القول الراجح، كما سيأتي في الباب التالي -إن شاء اللَّه تعالى- فقال: خَصّها رسول اللَّه ﷺ بالذكر من أجل أن اللَّه خَصّها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فجمعها في قوله: ﴿الصَّلَوَاتِ﴾، ثم خَصّها بالذكر تعظيمًا لها، كما قال : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧]، فعَمّ النبيين، ثم قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فخَصّ هؤلاء تعظيمًا لهم، وهم أولو العزم من الرسل، وقد اختَلَفَ العلماء من الصحابة والتابعين، وسائر علماء المسلمين في الصلاة الوسطى (٣)، وسيأتي بيان أقوالهم في الباب التالي -إن شاء اللَّه تعالى-.
٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب ﵀: وقد زعم بعض العلماء أن هذا لا يختصّ بفوات العصر، وأن سائر الصلوات فواتها كفوات العصر في
стр. 7580
ذلك، وأن تخصيص العصر بالذكر إنما كان بسؤال سائل سأل عنه، فأُجيب، ورجحه ابن عبد البرّ (١)، وفيه نظرٌ. وقد يُستدلّ له بما أخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث عمرو بن شُعيب، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "مَن ترك الصلاة سُكْرًا مرة واحدة، فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فسُلِبها. . . " الحديث (٢).
واستدلّ من قال: إن جميع الصلوات كصلاة العصر في ذلك بما رَوَى ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن نوفل بن معاوية الديليّ، أن النبيّ ﷺ قال: "من فاتته الصلاة، فكأنما وتر أهله وماله"، قال: وهذا يعمّ جميع الصلوات، فإن الاسم المعرَّف بالألف واللام يعمّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
قال: وهذا ليس بمتعيّن؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد، كما قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] على تأويل من فسّرها بصلاة العصر. انتهى كلام ابن رجب ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد كتب الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ بحثًا نفيسًا في حديث ابن عمر ﵄ هذا، أحببت إيراده هنا؛ لنفاستة، وغزارة فوائده، قال ﵀:
هذا حديث صحيح بإسناده هذا، لم يُخْتَلف فيه على مالك، وكذلك رواه أيوب، وعبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
قال: وهو عند ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، رواه عن ابن شهاب جماعة من أصحابه، منهم ابن عيينة، ومحمد بن أبي عتيق، وإبراهيم بن سعد.
стр. 7581
قال: ورواه سعد بن إبراهيم، عن الزهريّ، عن ابن عمر مرفوعًا بغير اللفظ، ثم أخرجه بسنده، عن سعد بن إبراهيم، عن الزهريّ، عن ابن عمر، أن النبيّ ﷺ قال: "إن الرجل ليُدْرك الصلاة، وما فاته منها خير من أهله وماله".
قال: وعند ابن شهاب أيضًا في هذا الحديث إسناد آخر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية الدئليّ، رواه عنه مالك وغيره، إلا أنه محفوظ من ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، وغير محفوظ عن مالك، إلا من حديث خَلَف بن سالم، عن مَعْن، عن مالك، قال أبو عبد الرحمن النسائيّ: أخاف أن لا يكون محفوظًا من حديث مالك، ولعله أن يكون مَعْنٌ، عن ابن أبي ذئب.
قال: فأما حديث مالك، عن ابن شهاب في ذلك، فقرأته على أحمد بن فتح بن عبد اللَّه، أن حمزة بن محمد حدثهم، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، قال: حدّثنا خلف بن سالم المخزوميّ، قال: حدّثنا مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، عن نوفل بن معاوية الدئليّ، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من فاتته صلاة العصر، فكأنما وُتِرَ أهله وماله".
وخالفه ابن أبي ذئب في هذا الإسناد، فجعله عن الزهريّ، عن أبي سلمة، فيما رَوَينا من حديث أسد، حدّثناه خلف بن القاسم، قراءةً مني عليه، قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن الْمِسْوَر، قال: حدّثنا مِقْدام بن داود، قال: حدّثنا أسد بن موسى، قال: حدّثنا ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فاتته صلاةٌ فكأنما وُتِرَ أهله وماله"، هكذا قال: "صلاة"، فيما كتبنا عنه، وقرأنا عليه.
وذِكْرُ أبي سلمة بن عبد الرحمن في هذا الحديث خطأ من قائله، وإنما هو أبو بكر بن عبد الرحمن، وليس ذلك من ابن أبي ذئب، وإنما الخطأ فيه من أسد، أو ممن دون أسد، وأما من ابن أبي ذئب فلا.
ثم أخرجه بسنده عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن
стр. 7582
عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية الدُّئَليّ، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فاتته الصلاة، فكأنما وُتِرَ أهله وماله"، قلت: ما هذه الصلاة؟ قال: صلاة العصر، قال: وسمعت ابن عمر يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وُتِر أهله وماله".
هكذا في هذا الحديث بهذا الإسناد: "وسمعت ابن عمر"، فإن صَحّ هذا، فالحديث لابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية، وابن عمر جميعًا، عن النبيّ ﷺ ، وعن سالم أيضًا، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ .
ومما يُصَحِّح ذلك أن محمد بن إسحاق، رَوَى هذا الحديث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عِرَاك بن مالك الغِفَاريّ، قال: سمعت نوفل بن معاوية الدئليّ، وهو جالس مع عبد اللَّه بن عمر بسوق المدينة، يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "صلاةٌ من فاتته، فكأنما وُتر أهله وماله"، فقال عبد اللَّه بن عمر: قال رسول اللَّه ﷺ : هي العصر، ذكره الطحاوي في "فوائده" عن علي بن معبد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق.
ثم ساقه بسنده، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فاتته صلاة العصر، فكأنما وُتِر أهله وماله".
وهذا يدلك على أن قوله في حديث نوفل الدئليّ: "من فاتته الصلاة" أراد صلاة العصر، فيكون معناه، ومعنى حديث ابن عمر سواءً، وتكون صلاة العصر مخصوصة بالذكر في ذلك غيرها بالمعنى (١).
وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى أن حديث نوفل بن معاوية أعمّ، وأولى بصحيح المعنى، من حديث ابن عمر، وقالوا فيه: قوله: "من فاتته الصلاة" -وقد فاتته صلاةٌ- يريد كلَّ صلاة؛ لأن حرمة الصلوات كلها سواءٌ، قال: وتخصيص ابن عمر لصلاة العصر، هو كلام خرج على جواب السائل، كأنه سمع رسول اللَّه ﷺ قد أجاب من سأله عن صلاة العصر بأن قال له: "الذي
стр. 7583
تفوته صلاة العصر، فكأنما وُتر أهله وماله"، ولو سئل عن الصبح وغيرها كان كذلك جوابه أيضًا -واللَّه أعلم- بدليل حديث نوفل بن معاوية: "الذي تفوته الصلاة، أو تفوته صلاةٌ، فكأنما وُتر أهله وماله". انتهى ملخّص كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٢٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَفَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة المشهور، أبو محمد المكيّ، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (سَالِم) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، ثقةٌ ثبت عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَفَعَهُ) أشار به إلى اختلاف شيخيه في صيغ الأداء، فقال عمرو الناقد: "يبلغ به"، والفاعل ضمير ابن عمر ﵄، وضمير "به" للحديث.
والمعنى: أن ابن عمر ﵄ رفع الحديث إلى النبيّ ﷺ .
стр. 7584
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: "رَفَعَه" أي بصيغة الماضي، أي رفع ابن عمر ﵄ الحديث إلى النبيّ ﷺ .
وهذا الذي اختلف فيه شيخا المصنّف لا اختلاف فيه من حيث المعنى، وإنما ذكره المصنّف ﵀ من باب المحافظة على ألفاظ الشيوخ، قال النوويّ ﵀: هما بمعنًى، لكن عادة مسلم ﵀: المحافظة على اللفظ، وإن اتّفق المعنى، وهي عادة جميلة، واللَّه أعلم. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، فقد ساقها في "مصنّفها (١/ ٣٠١) فقال:
(٣٤٤٢) حدّثنا أبو بكر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه رفعه، قال: "إن الذي تفوته العصر، فكأنما وُتِرَ أهله وماله". انتهى.
وأما رواية عمرو الناقد، عن سفيان، فلم أجدها، إلا أن البيهقيّ: ساقها في "الكبرى" (١/ ٤٤٤) من طريق آخر، فقال:
(١٩٣٢) وأخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أنبأ حاجب بن أحمد الطوسيّ، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه يبلغ به النبيّ ﷺ في الذي تفوته صلاة العصر: "كأنما وتر أهله وماله". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ").
стр. 7585
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه الحافظ الفقيه المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) الحافظ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ) يعني أن هذا اللفظ لهارون بن سعيد، وأما أبو بكر، وعمرو الناقد، فروياه بمعناه، وعادة صنيع المصنّف ﵀ في مثل هذا أن يكتب لفظ (ح)، كما سيأتي نظيره في الباب التالي، ويَحْتَمل أن يكون سقطت من النسّاخ، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) تقدّم شرحه مستوفًى في الحديث الماضي، ونذكر هنا فائدة نحويّة مهمّةً، وهي: أن الفاء في قوله "فكأنما وتر. . . إلخ"، إنما دخلت في خبر المبتدأ؛ لما فيه من معنى العموم، فأشبه الشرط الذي يربط جوابه بها.
قال الْخُضَرِيّ في "حاشيته على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك":
[فائدة]: لا يقترن الخبر بالفاء إلا إذا كان المبتدأ يشبه الشرط في العموم، والاستقبال، وترتب ما بعده عليه، وذلك لكونه موصلًا بفعل صالح للشرطية بان يخلو من عَلَم الاستقبال، كالسين، وأداة الشرط، ومن "قد"، و"ما" النافية، أو بظرف، أو مجرور، كالذي يأتيني، أو هو هنا، أو في الدار، فله درهم، أو نكرة موصوفة بذلك، كرجل يأتيني، أو هنا، أو في الدار، فله درهم، أو مضافًا إلى الموصول والموصوف المذكورين بشرط كونه لفظ "كل" في الثاني، كما قاله السيد البليديّ، كلُّ الذي يأتيني، أو كل رجل يأتيني. . . إلخ، أو موصوفًا بالموصول المذكور، كالرجل الذي يأتيني. . . إلخ، وكذا المضاف لذلك، فيما يظهر، كغلام الرجل الذي يأتيني. . . إلخ، فتلك ثماني عشرة صورة يكثر اقتران خبرها بالفاء، لتنص على مراد المتكلم من ترتب الدرهم على الإتيان مثلًا، فلو عُدِم العموم، كالسعيُ الذي تسعاه في الخير
стр. 7586
ستلقاه، أو الاستقبالُ، كالذي زارني أمس له كذا، أو اقترن الفعل بشيء مما مرّ، كالذي سيأتيني، أو إن يأتيني أكرمه، أو قد أتاني، أو ما أتاني له كذا، امْتَنَعَت الفاء؛ لفوات الشَّبَه بالشرط، وكذا لو كانت الصفة، أو الصلة غير ما ذُكِر، كالذي أبوه محسن مكرَم، والقائم زيد، ولا يجوز: فمكرم، ولا فزيد، خلافًا لابن مالك في الثاني، وأما آية السرقة، والزنا، فخبرهما محذوف، أي مما يتلى عليكم حكم السارق، والزاني. . . إلخ، وقوله ﴿فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، و ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] بيان للحكم.
وتدخل الفاء بقلّة في خبر "كل" إذا أضيف لغير ما مرّ، بأن أضيف لغير موصوف أصلًا، ككلّ نعمة فمن اللَّه، أو لموصوف بغير ما ذكر، كقوله [من الخفيف]:
كُلُّ أَمْرٍ مُبَاعِدٍ أَوْ مُدَانٍ … فَمَنُوطٌ بِحِكْمَةِ الْمُتَعَالِي
ومنه حديث: "كل أمر ذي بال. . . إلخ" (١) بناءً على أن العبرة الصفةُ الأولى، فإن اعْتُبِرت الثانية، وهي "لا يبدأ" كان من الكثير؛ لصلوحه للشرط، كما في "حاشية الصبان"، والظاهر أن مثل ذلك إضافتها لموصول بغير ما مرّ، ككلُّ الذي أبوه قائم، فله درهم.
فجملة ما تدخل الفاء في خبره إحدى وعشرون صورة، ما لم يدخلها ناسخٌ، فيمنع الفاء، بإجماع المحققين، إلا "إنَّ"، و"أَنّ" و"لكنّ" على الصحيح، كآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠] الآية، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، وذلك كثير. انتهى ما كتبه الْخُضَريّ ﵀ في "حاشيته" (٢)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إنما كتبت هذه المسألة وإن كان فيها طولٌ؛ لكثرة دورانها في الأحاديث، فينبغي معرفتها تمام المعرفة، وقد قدّمت في أوائل هذا الشرح أن المقصود الأساسيّ في وضع الشرح هو إيضاح الكتاب
стр. 7587
المشروح بما يتطلبه من الفوائد الإسنادية، والمتنية، والمصطلحات الحديثية، والمعاني اللغوية، والنحوية، والفقهية، وغير ذلك من أنواع العلوم التي يَحتاج إليها طالب العلم، فإيّاك أن تلومني بما جمعت له من هذه الفوائد، واللَّه يتولاني وإياك بما تولّى به عباده الصالحين، إنه رؤوف رحيم آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٦) - (بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٢٢] (٦٢٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا حَبَسُونَا، وَشَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن سلمة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٣ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (مُحَمَّد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
стр. 7588
٥ - (عَبِيدَةُ) بن عَمْرو السلمانيّ المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيه مخضرمٌ، فاضلٌ [٢] مات قبل (٧٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٩/ ٤٦٨.
٦ - (عَلِيّ) بن أبي طالب الهاشميّ الخليفة الراشد ﵁، استُشهد سنة (٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون إلا هشامًا وابن سيرين، فبصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: محمد، عن عَبيدة.
٥ - (ومنها): أن عليًا ﵁ أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيٍّ) ﵁ أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ) "كان" هنا تامّةٌ بمعنى جاء، فلا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريريّ في "مُلحته":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويومُ الأحزاب هو: يوم الخندق، وكان في شوال سنة أربع من الهجرة، كما قال موسى بن عُقْبَةَ، واختاره البخاريّ، وقيل: سنة خمس، وعليه كثيرون.
وسميت الْغَزْوَةُ بالأحزاب؛ لاجتماع طَوَائِفَ من المشركين: قريشٍ، وغَطَفَانَ، وبني أسد، وبني سُلَيم، وبني سعد، واليهود على حرب المسلمين، وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرين ألفًا.
وسُمِّيَت بالخندق؛ لأجل الخندق الذي حُفِرَ بأمره ﷺ حولَ المدينة لَمَّا أشار به سلمانُ الفارسيُّ ﵁، فإنه من مكائد الفُرْس دون العرب، وعمِلَ فيه النبيُّ ﷺ بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فإنهم قَاسَوا في حَفْرِهِ شدائدَ، منها شدةُ الجوع والبرد، وكثرةُ الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو
стр. 7589
خمسة عشر يومًا، أو أربعًا وعشرين، أو أشهرًا، على أقوال (١).
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَلَأَ اللَّهُ) دعاء عليهم، وأخرجه في صورة الخبر تأكيدًا، وإشعارًا بأنه من الدعوات المجابة سريعًا، وملأَ بالماضي ثقةً بالاستجابة، فكأنه أُجيب سؤاله، فأخبر عن حصول إجابته ووقوعها (٢). (قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا) قال الأشرف ﵀: خصّهما بالذكر لأن أحدهما مسكن الأحياء، والآخر مضجع الأموات، أي جَعَلَ النار ملازمة لهم، لا تنفك عنهم، لا في حياتهم، ولا في مماتهم.
وقال الطيبيّ ﵀: دعا عليهم بعذاب الدارين، من خراب بيوتهم في الدنيا بنهب أموالهم، وسَبْي ذراريّهم، وهَدْم دُورهم، ومن عقاب الآخرة باشتعال قبورهم نارًا، ووقوع الزجر والنكال في جهنم خالدًا، فالأسلوب إما من المشاكلة؛ لذكره النار في البيوت، أو من الاستعارة، استعيرت النار للفتنة، وعلى الثاني هو من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] حيث استعمل "ملأ" في الحقيقة والمجاز. انتهى (٣).
(كمَا حَبَسُونَا) من باب ضرب: أي منعونا (وَشَغَلُونَا) أي منعونا، فهو مؤكّد لمعنى "حبسونا"، يقال: شَغَلَهُ الأمر شَغْلًا، من باب نَفَعَ، فالأمر شاغلٌ، وهو مشغولٌ، والاسم: الشُّغْل، بضمّ الشين، وتُضمّ الغين، وتسكّن للتخفيف، وقد تقدّم أن أشغل بالهمزة لا تثبت، وجعلها بعضهم لغة رديئة، فمن الأخطاء الشائعة ما اشتهر على الألسنة من قولهم في الدعاء: اللهم أشغله بنفسه، فتنبّه لذلك، وقوله: (عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى) تنازعه الفعلان قبله، وهو بتعريف "الصلاة"، و"الوُسطى" صفة لها.
والوُسْطى: فُعْلَى، مؤنثة الأوسط، وهي من الوسَطَ الذي هو الخِيَارُ، وليست من الوَسَط الذي معناه متوسط بين شيئين؛ لأن فُعْلى معناها التفضيل، ولا يُبْنَى للتفضيل إلا ما يَقْبَلُ الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار
стр. 7590
يقبلهما بخلاف التوسط بين الشيئين، فإنه لا يقبلهما، فلا يبنى منه أفعل للتفضيل (١).
وأشار الشيخ زاده في حاشيته على البيضاويّ إلى جواز كونه من الوسط بمعنى المتوسط بين شيئين؛ فقال: ثم إن الأوسط قد يكون من الوسط بين الشيئين، وقد يكون اسم تفضيل من الوسط بمعنى العدل والخيار، فالوسط بهذا المعنى يقبل الزيادة والنقصان، فَيُبْنَى منه أفعل التفضيل، بخلاف الوسط بمعنى المتوسط بين الشيئين، فإنه لا يقبلهما، ولا يبنى منه أفعل التفضيل، فالأوسط الذي يكون من الوسط بهذا المعنى يكون صفة كأحمر لا اسم تفضيل، فيحتمل حمل الآية على كل من المعنيين. اهـ. باختصار وتصرف ١/ ٥٥١.
وكذا ذكر الزمخشريّ، وابن العربيّ القولين على الاحتمال (٢).
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": والوُسْطَى تأنيث الأوسط، ووَسَطُ الشيءِ خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال أعرابي يمدح النبيّ ﷺ [من البسيط]:
يَا أوْسَطَ النَّاسِ طُرًّا فِي مَفَاخِرهِمْ … وأَكْرَمَ النَّاسِ أمًّا بَرّةً وَأبَا
ووَسَطَ فُلانٌ القومَ يَسِطُهُم، أي صار في وسطهم.
وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر، وقد دخلت قبلُ في عموم الصلوات؛ تشريفًا لها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]. انتهى (٣).
وقوله: (حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ") غاية "لحبسهم، وشغلهم، يعني أنهم منعوهم عن أداء صلاة العصر إلى غروب الشمس، فما صَلَّاها إلا بعده.
قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أنه ﷺ نسيها لشغله بالعدوّ، ويَحْتَمِل أن يكونوا لم يُمكّنوه منها، ولم يُفرّغوه لفعلها، ويَحْتَمِل أن يكون أخّرها قصدًا؛ لأجل شغله بالعدوّ، وعلى هذا يكون هذا التأخير لأجل القتال مشروعًا، ثم
стр. 7591
نُسِخ بصلاة الخوف، وقد ذهب مكحول والشاميّون إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يكن أداؤها معه في الوقت إلى وقت الأمن، والصحيح الذي عليه الجمهور أن يؤخّرها، ويُصلّيها على سنّتها، على ما يأتي -إن شاء اللَّه تعالى- انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣٦/ ١٤٢٢ و ١٤٢٣ و ١٤٢٤ و ١٤٢٥ و ١٤٢٦ و ١٤٢٧) (٦٢٧)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٣١)، وفي "المغازي" (٤١١١)، وفي "الدعوات" (٤٥٣٣)، وفي "التفسير" (٦٣٩٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٠٩)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٨٤)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٤٧٣)، وفي "الكبرى" في "التفسير" (١١٠٤٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٨٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٢٢ و ١٣٥ و ١٣٧ و ١٥٣ و ١٥٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٤٤ و ١٠٤٥ و ١٠٤٦ و ١٠٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٩٧ و ١٣٩٨ و ١٣٩٩ و ١٤٠٠ و ١٤٠١ و ١٤٠٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
٢ - (ومنها): بيان وجوب المحافظة على صلاة العصر.
٣ - (ومنها): بيان وقوع إيذاء الكافر للمسلم في الدنيا التي هي دار أكدار.
٤ - (ومنها): جواز حصول الأعراض البشرية التي ليس فيها نقص لأفضل المرسلين -عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم-.
стр. 7592
٥ - (ومنها): جواز الدعاء على الظالم بما يليق به.
٦ - (ومنها): بيان أن النبيّ ﷺ وأصحابه ﵃ أخَّرُوا صلاة العصر حتى خرج وقتها؛ لاشتغالهم بالعدوّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): حديث عليّ ﵁ هذا يقتضي أن الأحزاب شَغَلُوا النبيّ ﷺ عن العصر فقط، وأخرج أحمد، والنسائيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: "أنهم شَغَلُوه ﷺ عن الظهر والعصر والمغرب، وصَلَّوا بعد هُويّ من الليل، وذلك قبل أن يُنزِلَ اللَّهُ في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٩] ".
وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ من حديث ابن مسعود ﵁: "أنهم شغلوه عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه".
[فإن قيل]: كيف يُجمَعُ بين هذا الاختلاف؟.
[قلت]: يُجْمَعَ -كما قال النوويّ ﵀: بأن وَقْعَة الخَنْدَق دامت أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وذلك في بعضها الآخر.
وقوله في حديث ابن مسعود: "عن أربع صلوات"، فيه تجوّز؛ لأن العشاء ما خرج وقتها، أو يُحْمَل على تأخيرها عن وقتها المعتاد، ويدل عليه قوله: "حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه".
ثم إن هذا التأخير لهذه الصلوات كان عن عمد، لاشتغاله بالعدو فكان عذرًا، ويَحْتَمِل أن يكون نسيانًا، والأول هو الظاهر؛ لقوله في حديث أبي سعيد: "قبل أن يُنزل اللَّه في صلاة الخوف"، وأما بعد نزول صلاة الخوف فلا يجوز هذا التأخير، بل يصلون صلاة الخوف على حسب الحال، رجالًا أو ركبانًا، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى الصلاة الوسطى:
(اعلم): أنه قد اختَلَف السلف في المراد بالصلاة الوسطى على أقوال:
[الأول]: أنها الصبح، وبه قال أبو أمامة، وأنس، وجابر، وأبو العالية، وعُبَيد بن عُمَير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم، نقله عنهم ابن أبي
стр. 7593
حاتم، وهو أحد قولي ابن عمر، وابن عباس، نقله مالك والترمذيّ عنهما، ونقله مالك بلاغًا عن عليّ، والمعروف عنه خلافه.
ورَوَى ابنُ جرير من طريق عوف الأعرابي، عن أبي رَجَاء العُطَارديّ، قال: "صليت خلف ابن عباس الصبح، فقَنَتَ فيها، ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمِرْنَا أن نقوم فيها قانتين". وأخرجه أيضًا من وجه آخر عنه، وعن ابن عمر، ومن طريق أبي العالية: "صليت خلف عبد اللَّه بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة الغداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هي هذه الصلاة".
وهو قول مالك، والشافعيّ فيما نص عليه في الأمِّ، واحتجّوا له بأن فيها القنوت، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبأنها لا تقصر في السفر، وبأنها بين صلاتي جهر، وصلاتي سرّ.
وأجيب بأن ما استدلّوا به لا يصلح لمعارضة ما ثبت من الأحاديث الصحيحة الصريحة بأنها العصر؛ ولذا قال النووي في "شرح المهذَّب": الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار، وقال صاحب "الحاوي": نصَّ الشافعيّ: أنها الصبح، وصحّت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتّباع الحديث، فصار مذهبه أنها العصر، ولا يكون في المسألة قولان، كما وَهِمَ بعض أصحابنا. انتهى.
[القول الثاني]: أنها الظهر، وبه قال زيد بن ثابت، أخرجه أبو داود من حديثه، قال: "كان النبيّ ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحاب رسول اللَّه ﷺ منها، فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية".
وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول بأنها الظهر، أخرجه ابن المنذر، وغيره، ورَوَى مالًا في "الموطأ" عن زيد بن ثابت الجزم بأنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية، ورَوَى الطيالسيّ من طريق زُهْرَةَ بن مَعْبَد، قال: "كنا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي الظهر".
ورواه أحمد من وجه آخر، وزاد: "كان النبيّ ﷺ يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت".
стр. 7594
[القول الثالث]: أنها العصر، وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، فقد رَوَى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق زِرّ بن حُبَيش، قال: قلنا لعبيدة: سَلْ عَلِيًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله؟ فقال: كنا نُرَى أنها الصبح، حتى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر". انتهى.
قال الحافظ ﵀: وهذه الرواية تَدْفَعُ دَعْوَى من زَعَمَ أن قوله: "صلاة العصر"، مُدْرَجٌ من تفسير بعض الرواة، وهي نصّ في أن كونها العصر من كلام النبيّ ﷺ ، وأن شُبْهَة من قال: إنها الصبح قويّة، لكن كونها العصر هو المعتمد.
وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية؛ لصحة الحديث فيه، قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة ﵃، وقال الماورديّ: هو قول جمهور التابعين، وقال ابن عبد البرّ: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية: ابنُ حبيب، وابن العربيّ، وابن عَطِيَّة، ويؤيّده أيضًا ما رواه مسلم عن البراء بن عازب ﵄: "نزلت حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نُسِخت، فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت".
[القول الرابع]: أنها المغرب، نقله ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس، قال: "صلاة الوسطى هي المغرب"، وبه قال قَبِيصَةُ بن ذُؤَيب، أخرجه ابن جرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات، وأنها لا تُقْصَر في الأسفار، وأن العمل مَضى على المُبَادَرَةِ إليها، والتعجيل لها في أول ما تغرب الشمس، وأن قبلها صلاتي سر، وبعدها صلاتي جهر.
[القول الخامس]: أنها جميع الصلوات، وهو آخر ما صحّحه ابن أبي حاتم، أخرجه أيضًا بإسناد حسن عن نافع، قال: "سُئِلَ ابنُ عمر؟ فقال: هي كلهن، فحافظوا عليهن"، وبه قال معاذ بن جبل، واحتج له بأن قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يتناول الفرائض، والنوافل، فعطف عليه الوسطى، وأريد بها كلّ الفرائض تأكيدًا لها، واختار هذا القول ابن عبد البرّ.
стр. 7595
[القول السادس]: أنها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكية، واحتَجَّ بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، وصححه القاضي حسين في صلاة الخوف من تعليقه، ورجّحه أبو شامة.
[القول السابع]: أنها الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة.
[القول الثامن]: العشاء؛ نقله ابن التين، والقرطبيّ، واحتج له بأنها بين صلاتين، لا تُقْصَرَانِ، ولأنها تقع عند النوم، فلذلك أمِرَ بالمحافظة عليها، واختاره الواحديّ.
[القول التاسع]: الصبح، والعشاء؛ للحديث الصحيح في أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وبه قال الأبهريّ من المالكية.
[القول العاشر]: الصبح والعصر؛ لقوة الأدلة في أن كلًا منهما قيل: إنها الوسطى، فظاهر القرآن الصبح، ونص السنّة العصر.
[القول الحادي عشر]: صلاة الجماعة.
[القول الثاني عشر]: الوتر، وصنّف فيه عَلَمُ الدين السخاويّ جزءًا، ورجّحه القاضي تقيّ الدين الأخنائيّ، واحتجَّ له في جزء، قال الحافظ: رأيته بخطه.
[القول الثالث عشر]: صلاة الخوف.
[القول الرابع عشر]: صلاة عيد الأضحى.
[القول الخامس عشر]: صلاة عيد الفطر.
[القول السادس عشر]: صلاة الضحى.
[القول السابع عشر]: واحدة من الخمس غير معينة، قاله الربيع بن خُثَيْم، وسعيد بن جبير، وشُرَيح القاضي، وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعيّة، ذكره في "النهاية"؛ قال: كما أُخفيت ليلة القدر.
[القول الثامن عشر]: أنها الصبح، أو العصر على الترديد، وهو غير القول المتقدم الجازم بأن كلًّا منهما يقال له: الصلاة الوسطى.
[القول التاسع عشر]: التوقّف، فقد رَوَى ابنُ جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه.
стр. 7596
[القول العشرون]: صلاة الليل، قال الحافظ: وجدته عندي، وذَهِلْت الآن عن معرفة قائله.
وقال النوويّ ﵀ بعد ذكر الأقوال ما نصّه: والصحيح من هذه الأقوال قولان: العصر والصبح، وأصحهما العصر؛ للأحاديث الصحيحة، ومن قال: هي الصبح يتأول الأحاديث على أن العصر تُسَمَّى وسطًا، ويقول: إنها غير الوسطى المذكورة في القرآن، وهذا تأويل ضعيف.
ومن قال: إنها الصبح يَحتجّ بأنها تأتي في وقت مشقة، بسبب بَرْد الشتاء، وطيب النوم في الصيف، والنعاس، وفتور الأعضاء، وغفلة الناس، فخُصَّت بالمحافظة؛ لكونها مُعَرَّضةً للضَّيَاع، بخلاف غيرها.
ومن قال: هي العصر يقول: إنها تأتي في وقت اشتغال الناس بمعايشهم وأعمالهم.
وأما من قال: هي الجمعة، فمذهب ضعيف جدًّا؛ لأن المفهوم من الإيصاء بالمحافظة عليها، إنما كان لأنها مُعَرَّضةٌ للضَّيَاع، وهذا لا يليق بالجمعة، فإن الناس يحافظون عليها في العادة أكثر من غيرها؛ لأنها تأتي في الأسبوع مرةً بخلاف غيرها.
ومن قال: هي جميع الخمس فضعيفٌ، أو غلطٌ؛ لأن العرب لا تَذكُر الشيء مُفَصَّلًا، ثم تُجْمِلُهُ، وإنما تذكره مُجْمَلًا ثم تُفَصِّله، أو تُفَصِّل بعضه؛ تنبيهًا على فضيلته. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر الأقوال أيضًا ما نصّه: وأضعف الأقوال من قال: هي الصلوات كلّها؛ لأن ذلك يؤدّي إلى خلاف عادة الفصحاء من أوجه:
(أحدها): أن الفصحاء لا يذكرون شيئًا مُفَصَّلًا مُبيّنًا، ثم يذكُرونه مُجْمَلًا، وإنما عادتهم أن يُشيروا إلى مجمل، أو كلّيّ، ثم يفصِّلوه، كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والصلوات مبيَّنٌ، والصلاة الوسطى مُجمَلٌ.
стр. 7597
(وثانيها): أن الفصحاء لا يُطلقون لفظ الجمع، ويَعطفون عليه أحدَ مفرداته، ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع؛ فإن ذلك في غاية الْعِيّ والإلباس.
(وثالثها): أنه لو أريد بالصلاة الوسطى الصلوات لكان كأنه قال: حافظوا على الصلوات والصلوات، ويريد بالثاني الأولَ، ولو كان كذلك لما كان فَصِيحًا في لفظه، ولا صحيحًا في معناه؛ إذ لا يحصل باللفظ الثاني تأكيد للأوّل؛ لأنه معطوف، ولا يفيد معنى آخر، فيكون حشوًا، وحَمْلُ كلام اللَّه تعالى على شيء من هذه الثلاثة عير مُسَوَّغٍ ولا جائزٍ.
قال: وسبب اختلاف العلماء القائلين بالتعيين صلاحية "الوسطى" لأن يراد بها التوسّط في العدد، أو في الزمان.
فإن راعينا أعداد الركعات أدَّى إلى أنها المغرب؛ لأن أكثر أعداد الصلوات أربع ركعات، وأقلّها ركعتان، وأوسطها ثلاثٌ، وهي المغرب.
وإن راعينا أعداد الصلوات أنفسها، فما من صلاة إلا وهي متوسّطة بين شفعين؛ إذ الصلوات خمسٌ.
وإن راعينا الأوسط من الزمان كان الأبين أنها الصبح؛ لأنها بين صلاتي نهار مُحَقَّق، وهما: الظهر والعصر، وبين صلاتي ليلٍ مُحَقَّق، وهما: المغرب والعشاء، فأما وقت الصبح فوقتٌ متردّدٌ بين النهار والليل.
قال القرطبيّ ﵀: قلت -واللَّه أعلم-: لا يصلح هذا الذي ذُكر أن يكون سببًا في الخلاف فيها؛ إذ لا مناسبة لما ذُكر؛ لكون هذه الصلاة أفضل، أو أوكد من غيرها، أما أعداد الركعات فالمناسب هو أن تكون الرباعيّة أفضل؛ لأنها أكثر ركعات، وأكثر عملًا، والقاعدة أن ما كثُر عمله كثُر ثوابه.
وأما مراعاة أعداد الصلوات، فيلزم منه أن تكون كلُّ صلاة هي الوسطى، وهذا الذي أبطلناه، وأيضًا فلا مناسبة بين ذلك وبين أكثريّة الثواب.
وأما اعتبارها من حيث الأزمانُ، فغير مناسب أيضًا؛ لأن نسبة الصلوات إلى الأزمان كلّها من حيث الزمانيّة واحدةٌ، فإن فُرِض شيء يكون في بعض الأزمان فذلك لأمر خارج عن الزمان.
قال: والذي يظهر لي أن السبب في اختلافهم فيها اختلافهم في مفهوم
стр. 7598
الكتاب والسنّة في ذلك المعنى، ونحن نتكلّم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساق الكلام، وصحيح الأحاديث -إن شاء اللَّه تعالى- فنقول: إن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هو من باب قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فخصَّ الرمان والنخل، وجبريل وميكال بالذكر، وإن كانوا قد دخلوا فيما قبلُ بحكم العموم تشريفًا وتكريمًا، وإذا كان ذلك كذلك، فلهذه الصلاة المعبّر عنها بالوسطى شرفيّةٌ وفضيلةٌ ليست لغيرها، غير أن هذه الصلاة الشريفة لم يُعيِّنها اللَّه تعالى في القرآن، فوجب أن يُبحَثَ عن تعيينها في السنّة، فبحثنا عن ذلك، فوجدنا ما يُعيّنها، وأصحّ ما في ذلك أنها العصر على ما في حديث عليّ ﵁، وأنصّ ذلك ما ذكره الترمذيّ، وصحّحه، وهو قوله ﷺ : "الصلاة الوسطى صلاة العصر" (١)، وهذا نصّ في الغرض، غير أنه قد جاء ما يشعّث التعويل عليه، وهو ما ذكره البراء بن عازب ﵄ وذلك أنه قال: "نزلت هذه الآية: "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر"، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فلزم من هذا أنها بعد أن عُيِّنت نُسخ تعيينها، وأُبهمت، فارتفع التعيين، ولم يُمكنا أن نتمسّك بالأحاديث المتقدّمة، فلما أُبهم أمر تعيينها، أخذ العلماء يستدلّون على تعيينها بما ظهر لكلّ واحد منهم بما يناسب الأفضليّة، فذهب مالك وأهل المدينة إلى أن الصبح أولى بذلك؛ لكونها تأتي في وقت نوم وركون إلى الراحة، واستصعاب الطهارة، فتكثر المشقّة في المحافظة عليها أكثر من غيرها، فتكون هي الأحقّ بكونها أفضل، وأيضًا فإنه وقتٌ يتمكّن الإنسان فيه من إحضار فهمه وتفرّغه للصلاة؛ لأن علاقات الليل قد انقطعت بالنوم، وأَشْغال النهار بعدُ لم يأت، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي يحضره القارئ بفراغ ذهنه على أحد التأويلات، وهو أحسنها، وبنحو من هذا يُستدلّ لسائرها من الصلوات، إلا أن الصبح أدخل في هذا المعنى.
стр. 7599
وعلى الجملة فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثًا لكلّ من المختلفين على تعيين ما عيّنه من الصلوات بحسب ما غَلَب على ظنّه من أرجحيّة ما عيّن.
قال: والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين أن القول قول من قال: إن اللَّه تعالى أخفاها في جملة الصلوات؛ ليُحافَظَ على الكلّ، كما فَعَل في ليلة القدر، وساعة الجمعة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تحقيق القرطبيّ ﵀ حسن إلا أن ترجيحه عدم تعيينها فيه نظر لا يخفى، بل الراجح أنها معيّنة، وأنها صلاة العصر، كما يأتي تحقيقه بعد هذا، فتأمّل.
قال الحافظ ﵀: وأقوى شُبْهَة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديثُ البراء الذي تقدّم لمسلم، فإنه يُشعر بأنها أبهمت بعدما عُيِّنَت، كذا قاله القرطبيّ، قال: وصار إلى أنها أُبهمت جماعة من العلماء المتأخرين، قال: وهو الصحيح؛ لتعارض الأدلة، وعسر الترجيح.
قال الحافظ ﵀: وفي دعوى أنها أُبهمت، ثم عُيِّنت من حديث البراء نظر؛ بل فيه أنها عُيِّنت، ثم وصفت، ولهذا قال الرجل: فهي إذن العصرُ، ولم ينكر عليه البراء، نعم جواب البراء يُشْعِر بالتوقّف؛ لما نظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث عليّ. ومن حجتهم أيضًا حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، ففيه: "وصلاة العصر" بالعطف، ورَوَى مالكٌ عن عَمْرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة، فقالت: إذا بلغتَ هذه الآية، فآذِنِّي، فَأمْلَتْ عليَّ: "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر"، وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع.
ورَوَى ابن المنذر من طريق عبيد اللَّه بن رافع: "أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفًا" فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواءً، ومن طريق سالم بن عبد اللَّه بن عمر أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا نحوه، ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا، فذكر مثله، وزاد: "كما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقولها"، قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو.
стр. 7600
فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة، فتكون صلاة العصر غير صلاة الوسطى. وأجيب بأن حديث عليّ، ومن وافقه أصح إسنادًا، وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها: "وهي العصر"، فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيدة بإسناد صحيح عن أُبَيّ بن كعب أنه كان يقرؤها: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو، أو هي عاطفة، لكن عطف صفة، لا عطف ذات، وبأن قوله: "والصلاة الوسطى والعصر" لم يقرأ بها أحدٌ، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولًا: "والعصر"، ثم نزلت ثانيًا بدلها: "والصلاة الوسطى" فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدَّمًا على النصّ الصريح بأنها صلاة العصر؟. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في الردّ على من زعم أن العطف يقتضي المغايرة ما نصّه: وتقرير المعارضة أنه عطف "صلاة العصر" على "الصلاة الوسطى" بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدلّ ذلك على أنها غيرها.
وأجيب عن ذلك بوجوه:
[أحدها]: أن هذا إن رُوي على أنه خبر، فحديث عليّ أصحّ، وأصرح منه، وهذا يَحْتَمِل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام: ٥٥]، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥]، أو تكون لعطف الصفات، لا لعطف الذوات، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وأشباه ذلك كثيرة، وقال الشاعر:
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ … وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ
وقال أبو داود الإياديّ:
سُلِّطَ الْمَوْتُ وَالْمَنُونُ عَلَيْهِمْ … فَلَهُمْ فِي صَدَى الْمَقَابِرِ هَامُ
والموت هو المنون، وقال عديّ بن زيد العتاديّ:
فَقَدَّدَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْهِ … فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
والكذب هو الْمَيْنُ، وقد نَصَّ سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، واللَّه أعلم. انتهى