← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

[القول العشرون]: صلاة الليل، قال الحافظ: وجدته عندي، وذَهِلْت الآن عن معرفة قائله. وقال النوويّ ﵀ بعد ذكر الأقوال ما نصّه: والصحيح من هذه الأقوال قولان: العصر والصبح، وأصحهما العصر؛ للأحاديث الصحيحة، ومن قال: هي الصبح يتأول الأحاديث على أن العصر تُسَمَّى وسطًا، ويقول: إنها غير الوسطى المذكورة في القرآن، وهذا تأويل ضعيف. ومن قال: إنها الصبح يَحتجّ بأنها تأتي في وقت مشقة، بسبب بَرْد الشتاء، وطيب النوم في الصيف، والنعاس، وفتور الأعضاء، وغفلة الناس، فخُصَّت بالمحافظة؛ لكونها مُعَرَّضةً للضَّيَاع، بخلاف غيرها. ومن قال: هي العصر يقول: إنها تأتي في وقت اشتغال الناس بمعايشهم وأعمالهم. وأما من قال: هي الجمعة، فمذهب ضعيف جدًّا؛ لأن المفهوم من الإيصاء بالمحافظة عليها، إنما كان لأنها مُعَرَّضةٌ للضَّيَاع، وهذا لا يليق بالجمعة، فإن الناس يحافظون عليها في العادة أكثر من غيرها؛ لأنها تأتي في الأسبوع مرةً بخلاف غيرها. ومن قال: هي جميع الخمس فضعيفٌ، أو غلطٌ؛ لأن العرب لا تَذكُر الشيء مُفَصَّلًا، ثم تُجْمِلُهُ، وإنما تذكره مُجْمَلًا ثم تُفَصِّله، أو تُفَصِّل بعضه؛ تنبيهًا على فضيلته. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر الأقوال أيضًا ما نصّه: وأضعف الأقوال من قال: هي الصلوات كلّها؛ لأن ذلك يؤدّي إلى خلاف عادة الفصحاء من أوجه: (أحدها): أن الفصحاء لا يذكرون شيئًا مُفَصَّلًا مُبيّنًا، ثم يذكُرونه مُجْمَلًا، وإنما عادتهم أن يُشيروا إلى مجمل، أو كلّيّ، ثم يفصِّلوه، كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والصلوات مبيَّنٌ، والصلاة الوسطى مُجمَلٌ.

стр. 7597

(وثانيها): أن الفصحاء لا يُطلقون لفظ الجمع، ويَعطفون عليه أحدَ مفرداته، ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع؛ فإن ذلك في غاية الْعِيّ والإلباس. (وثالثها): أنه لو أريد بالصلاة الوسطى الصلوات لكان كأنه قال: حافظوا على الصلوات والصلوات، ويريد بالثاني الأولَ، ولو كان كذلك لما كان فَصِيحًا في لفظه، ولا صحيحًا في معناه؛ إذ لا يحصل باللفظ الثاني تأكيد للأوّل؛ لأنه معطوف، ولا يفيد معنى آخر، فيكون حشوًا، وحَمْلُ كلام اللَّه تعالى على شيء من هذه الثلاثة عير مُسَوَّغٍ ولا جائزٍ. قال: وسبب اختلاف العلماء القائلين بالتعيين صلاحية "الوسطى" لأن يراد بها التوسّط في العدد، أو في الزمان. فإن راعينا أعداد الركعات أدَّى إلى أنها المغرب؛ لأن أكثر أعداد الصلوات أربع ركعات، وأقلّها ركعتان، وأوسطها ثلاثٌ، وهي المغرب. وإن راعينا أعداد الصلوات أنفسها، فما من صلاة إلا وهي متوسّطة بين شفعين؛ إذ الصلوات خمسٌ. وإن راعينا الأوسط من الزمان كان الأبين أنها الصبح؛ لأنها بين صلاتي نهار مُحَقَّق، وهما: الظهر والعصر، وبين صلاتي ليلٍ مُحَقَّق، وهما: المغرب والعشاء، فأما وقت الصبح فوقتٌ متردّدٌ بين النهار والليل. قال القرطبيّ ﵀: قلت -واللَّه أعلم-: لا يصلح هذا الذي ذُكر أن يكون سببًا في الخلاف فيها؛ إذ لا مناسبة لما ذُكر؛ لكون هذه الصلاة أفضل، أو أوكد من غيرها، أما أعداد الركعات فالمناسب هو أن تكون الرباعيّة أفضل؛ لأنها أكثر ركعات، وأكثر عملًا، والقاعدة أن ما كثُر عمله كثُر ثوابه. وأما مراعاة أعداد الصلوات، فيلزم منه أن تكون كلُّ صلاة هي الوسطى، وهذا الذي أبطلناه، وأيضًا فلا مناسبة بين ذلك وبين أكثريّة الثواب. وأما اعتبارها من حيث الأزمانُ، فغير مناسب أيضًا؛ لأن نسبة الصلوات إلى الأزمان كلّها من حيث الزمانيّة واحدةٌ، فإن فُرِض شيء يكون في بعض الأزمان فذلك لأمر خارج عن الزمان. قال: والذي يظهر لي أن السبب في اختلافهم فيها اختلافهم في مفهوم

стр. 7598

الكتاب والسنّة في ذلك المعنى، ونحن نتكلّم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساق الكلام، وصحيح الأحاديث -إن شاء اللَّه تعالى- فنقول: إن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هو من باب قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فخصَّ الرمان والنخل، وجبريل وميكال بالذكر، وإن كانوا قد دخلوا فيما قبلُ بحكم العموم تشريفًا وتكريمًا، وإذا كان ذلك كذلك، فلهذه الصلاة المعبّر عنها بالوسطى شرفيّةٌ وفضيلةٌ ليست لغيرها، غير أن هذه الصلاة الشريفة لم يُعيِّنها اللَّه تعالى في القرآن، فوجب أن يُبحَثَ عن تعيينها في السنّة، فبحثنا عن ذلك، فوجدنا ما يُعيّنها، وأصحّ ما في ذلك أنها العصر على ما في حديث عليّ ﵁، وأنصّ ذلك ما ذكره الترمذيّ، وصحّحه، وهو قوله ﷺ : "الصلاة الوسطى صلاة العصر" (١)، وهذا نصّ في الغرض، غير أنه قد جاء ما يشعّث التعويل عليه، وهو ما ذكره البراء بن عازب ﵄ وذلك أنه قال: "نزلت هذه الآية: "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر"، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فلزم من هذا أنها بعد أن عُيِّنت نُسخ تعيينها، وأُبهمت، فارتفع التعيين، ولم يُمكنا أن نتمسّك بالأحاديث المتقدّمة، فلما أُبهم أمر تعيينها، أخذ العلماء يستدلّون على تعيينها بما ظهر لكلّ واحد منهم بما يناسب الأفضليّة، فذهب مالك وأهل المدينة إلى أن الصبح أولى بذلك؛ لكونها تأتي في وقت نوم وركون إلى الراحة، واستصعاب الطهارة، فتكثر المشقّة في المحافظة عليها أكثر من غيرها، فتكون هي الأحقّ بكونها أفضل، وأيضًا فإنه وقتٌ يتمكّن الإنسان فيه من إحضار فهمه وتفرّغه للصلاة؛ لأن علاقات الليل قد انقطعت بالنوم، وأَشْغال النهار بعدُ لم يأت، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي يحضره القارئ بفراغ ذهنه على أحد التأويلات، وهو أحسنها، وبنحو من هذا يُستدلّ لسائرها من الصلوات، إلا أن الصبح أدخل في هذا المعنى.

стр. 7599

وعلى الجملة فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثًا لكلّ من المختلفين على تعيين ما عيّنه من الصلوات بحسب ما غَلَب على ظنّه من أرجحيّة ما عيّن. قال: والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين أن القول قول من قال: إن اللَّه تعالى أخفاها في جملة الصلوات؛ ليُحافَظَ على الكلّ، كما فَعَل في ليلة القدر، وساعة الجمعة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: تحقيق القرطبيّ ﵀ حسن إلا أن ترجيحه عدم تعيينها فيه نظر لا يخفى، بل الراجح أنها معيّنة، وأنها صلاة العصر، كما يأتي تحقيقه بعد هذا، فتأمّل. قال الحافظ ﵀: وأقوى شُبْهَة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديثُ البراء الذي تقدّم لمسلم، فإنه يُشعر بأنها أبهمت بعدما عُيِّنَت، كذا قاله القرطبيّ، قال: وصار إلى أنها أُبهمت جماعة من العلماء المتأخرين، قال: وهو الصحيح؛ لتعارض الأدلة، وعسر الترجيح. قال الحافظ ﵀: وفي دعوى أنها أُبهمت، ثم عُيِّنت من حديث البراء نظر؛ بل فيه أنها عُيِّنت، ثم وصفت، ولهذا قال الرجل: فهي إذن العصرُ، ولم ينكر عليه البراء، نعم جواب البراء يُشْعِر بالتوقّف؛ لما نظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث عليّ. ومن حجتهم أيضًا حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، ففيه: "وصلاة العصر" بالعطف، ورَوَى مالكٌ عن عَمْرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة، فقالت: إذا بلغتَ هذه الآية، فآذِنِّي، فَأمْلَتْ عليَّ: "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر"، وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع. ورَوَى ابن المنذر من طريق عبيد اللَّه بن رافع: "أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفًا" فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواءً، ومن طريق سالم بن عبد اللَّه بن عمر أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا نحوه، ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا، فذكر مثله، وزاد: "كما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقولها"، قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو.

стр. 7600

فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة، فتكون صلاة العصر غير صلاة الوسطى. وأجيب بأن حديث عليّ، ومن وافقه أصح إسنادًا، وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها: "وهي العصر"، فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيدة بإسناد صحيح عن أُبَيّ بن كعب أنه كان يقرؤها: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو، أو هي عاطفة، لكن عطف صفة، لا عطف ذات، وبأن قوله: "والصلاة الوسطى والعصر" لم يقرأ بها أحدٌ، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولًا: "والعصر"، ثم نزلت ثانيًا بدلها: "والصلاة الوسطى" فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدَّمًا على النصّ الصريح بأنها صلاة العصر؟. انتهى. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في الردّ على من زعم أن العطف يقتضي المغايرة ما نصّه: وتقرير المعارضة أنه عطف "صلاة العصر" على "الصلاة الوسطى" بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدلّ ذلك على أنها غيرها. وأجيب عن ذلك بوجوه: [أحدها]: أن هذا إن رُوي على أنه خبر، فحديث عليّ أصحّ، وأصرح منه، وهذا يَحْتَمِل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام: ٥٥]، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥]، أو تكون لعطف الصفات، لا لعطف الذوات، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وأشباه ذلك كثيرة، وقال الشاعر: إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ … وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ وقال أبو داود الإياديّ: سُلِّطَ الْمَوْتُ وَالْمَنُونُ عَلَيْهِمْ … فَلَهُمْ فِي صَدَى الْمَقَابِرِ هَامُ والموت هو المنون، وقال عديّ بن زيد العتاديّ: فَقَدَّدَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْهِ … فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا والكذب هو الْمَيْنُ، وقد نَصَّ سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، واللَّه أعلم. انتهى

стр. 7601

كلام ابن كثير ﵀ (١). وقال الحافظ صلاح الدين العلائيّ ﵀: حاصل أدلة من قال: إنها غير صلاة العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع: (أحدها): تنصيص بعض الصحابة، وهو معارض بمثله ممن قال منهم: إنها العصر، ويترجح قول العصر بالنصّ الصريح المرفوع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره، فتبقى حجة المرفوع قائمة. (ثانيها): معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحثّ على المواظبة على الصبح والعشاء، وهو معارَض بما هو أقوى منه، وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر. (ثالثها): ما جاء عن عائشة، وحفصة من قراءة: "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر" فإن العطف يقتضي المغايرة، وهذا يَرِدُ عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد، وهو ممتنع، وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلَفٌ فيه، سلّمنا لكن لا يصلح معارضًا للمنصوص صريحًا، وأيضًا فليس العطف صريحًا في اقتضاء المغايرة؛ لوروده في نسق الصفات، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]. انتهى كلام العلائيّ ﵀ ملخصًا (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن لك بما سبق من التحقيقات أن أرجح الأقوال، قول من قال: إنها العصر؛ لقوّة حجّته، ووضوحه؛ فإن حديث عليّ ﵁ المذكور في الباب نصّ صريحٌ لا خفاء فيه، وكلُّ ما ذكروه مما يُعارضه فليس في قوّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).

стр. 7602

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُ) هو: محمد بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم، أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين. ٤ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. وهشام، وهو ابن حسّان المذكور في السند السابق. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَاد) يعني أن يحيى بن سعيد، والمعتمر بن سليمان كليهما رويا هذا الحديث عن هشام بن حسّان بالسند الماضي، وهو: عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة، عن عليّ ﵃. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٢٧) فقال: (١٣٩٧) حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد، ثنا عبد اللَّه بن أحمد، حدّثني أبي، ثنا يزيد، أنبا هشام (ح) وحدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عبد اللَّه بن محمد، ثنا أبو أسامة، عن هشام (ح) وحدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا يحيى بن سعيد، عن هشام (ح) وحدّثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد اللَّه بن محمد شيرويه، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا المعتمر بن سليمان، عن هشام، قالوا: عن محمد، عن عَبِيدة، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ أنه قال -يوم الخندق-: "شغلونا عن صلاة الوسطى، حتى غربت الشمس، ملأ اللَّه قبورهم وأجوافهم نارًا". ثمّ قال: لفظ يحيى بن سعيد. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد بهذا بيان أن اللفظ الذي ساقه هو لفظ يحيى بن سعيد القطّان، ولهذا أورده هنا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وأما رواية المعتمر، فساقها ابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ٢٨٩) فقال:

стр. 7603

(١٣٣٥) أنا أبو طاهر، نا أبو بكر، نا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، نا المعتمر، قال: سمعت هشامًا، نا محمد، عن عَبِيدة، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ أنه قال -يوم الأحزاب-: "ما لهم؟ ملأ اللَّه قبورهم وبيوتهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت الشمس". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: "شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى آبَتِ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ نَارًا، أَوْ بُيُوتَهُمْ، أَوْ بُطُونَهُمْ"، شَكَّ شُعْبَةُ فِي الْبُيُوتِ وَالْبُطُونِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ) غندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٦ - (أَبُو حَسَّانَ) الأعرج الأجْرَدُ البصريّ، مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبد اللَّه، صدوق رُمي برأي الخوارج [٤]. رَوَى عن عليّ، وابن عبّاس، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عَمْرو، وناجية بن كعب، والأشتر، والأسود بن يزيد، وعَبِيدة السلمانيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه قتادة، وعاصم الأحول، قال أبو حاتم: زعموا أن ابن سيرين كان يروي عنه. قال الأثرم عن أحمد: مستقيم الحديث، أو مقارب الحديث، وقال

стр. 7604

إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: من رَوَى عن أبي حسان غير قتادة؟ قال: لا أعلم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الآجري عن أبي داود: سُمِّي الأجرد؛ لأنه كان يمشي على عَقِبِه، خَرَجَ مع الخوارج، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة، ويقال: إنه كان يَرَى رأي الخوارج. وقال ابن عبد البر: الأجردُ الذي يمشي على ظهر قدميه وقدماه مُلْتَوِيَتَانِ، وهو عندهم ثقة في حديثه، إلا أنه رُوِي عن قتادة، قال: سمعت أبا حسان الأعرج، وكان حَرُورِيًا، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء اللَّه تعالى. قُتِلَ يوم الحَرَّة سنة (١٣٠). رَوَى له البخاريّ تعليقًا، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٢٧) و (١٢٤٣) و (١٢٤٤) وأعاده بعده و (٢٦٣٥). والباقيان ذُكرا قبل حديث. وقوله: (عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى) بتنكير "صلاة" وإضافتها إلى "الوُسطى"، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ، وأصول السماع: "صلاة الوسطى"، وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وفيه المذهبان المعروفان؛ مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه، ويُقَدِّرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا: عن صلاةِ الصلاةِ الوسطى، أي عن فِعْل الصلاةِ الوسطى. انتهى (١). وقوله: (حَتَّى آبَتِ الشَّمْسُ) قال الحربيّ: معناه رجعت إلى مكانها بالليل، أي غربت، من قولهم: آب: إذا رجع، وقال غيره: معناه: سارت للغروب، والتأويب: سَيْرُ النهار (٢). وقوله: (شَكَّ شُعْبَةُ فِي الْبُيُوتِ وَالْبُطُونِ) يعني أن شعبة شكّ في أيّ اللفظين ذُكر مع "قبورهم"، هل هو "بيوتهم"، أم هو "بطونهم"؟ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٥] (. . .) - (وحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ

стр. 7605

سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "بُيُوتَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ"، وَلَمْ يَشُكَّ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عَمْرو البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٢ - (سَعِيد) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة السابق، وهو: عن أبي حسّان، عن عَبِيدة، عن عليّ ﵁. وقوله: (وَلَمْ يَشُكَّ) الفاعل ضمير سعيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَاه (١) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى، سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فُرْضَةٍ مِنْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ، أَوْ قَالَ: قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ نَارًا"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.

стр. 7606

٣ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (يَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ) -بالجيم، والزاي، وآخره راء- الْعُرَنيّ -بضمّ العين المهملة، وفتح الراء، ثم نون- الكوفيّ، قيل: اسم أبيه زَبّان -بزاي، وموحّدة- وقيل: بل لقبه، صدوقٌ، رُمي بالغلوّ في التشيّع [٣] (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٦ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ) وقال في الطريق الثاني: (عَنْ يَحْيَى، سَمَعَ عَلِيًّا) قال النوويّ ﵀: إنما أعاده مسلم؛ للاختلاف في "عن"، و"سَمِعَ". انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ ﵀: في كلامه هذا أن المصنّف إنما أعاد سند هذا الحديث؛ لبيان الاختلاف الواقع في صيغتي الأداء، حيث وقع في رواية وكيع، عن شعبة بلفظ "عن"، ووقع في رواية معاذ، عن شعبة بلفظ "سَمِعَ"، ومعلوم أن سمع صريحٍ في الاتصال، بخلاف "عن"، ففيها خلاف مشهور، قد سبق البحث فيه مستوفى في "شرح المقدّمة" حيث ذكره المصنّف، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (عَلَى فُرْضَةٍ مِنْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ) بضمّ الفاء، وإسكان الراء، وبالضاد المعجمة، وهي المدخل من مداخله، والمنفذ، وأصلها المشارع إلى المياه (١). وقال الفيّوميّ ﵀: فُرْضَةُ القوس: موضع حَزِّها للوَتَر، والجمع فُرَضٌ، وفِرَاضٌ، مثلُ بُرْمَةٍ وبُرَمٍ، وبِرَامٍ، والْفُرْضةُ في الحائط ونحوه: كالْفُرْجة، وجمعها فُرَضٌ، وفُرْضةُ النهر: الثُّلْمَةُ التي يَنحَدر منها الماء، وتَصعَدُ منه السُّفُنُ، وفَرَضْتُ الخشبةَ فَرْضًا، من باب ضَرَبَ: حَزَزتها. انتهى (٢).

стр. 7607

وقوله: (مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ، أَوْ قَالَ: قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ نَارًا) قال بعضهم: ذكر القبور في جميع الروايات، والبيوت في أكثرها، والبطون والأجواف في بعضها، فقد يكون النبيّ ﷺ ذكر الجميع، فاقتصر بعض الرواة على بعضها، أو ذكر بعضها، وشكّ الراوي فيما ذَكَر، والمقصود بالدعاء عليهم بملء القبور نارًا تعذيبهم في قبورهم، وبملء البيوت نارًا احتراقهم في الدنيا، أو اشتعال الفِتَن في بيوتهم، وبملء البطون والأحشاء نارًا كثرة مصائبهم، واحتراق قلوبهم بالكوارث والبلوى في أموالهم وأبدانهم، وأولادهم، ونحو ذلك (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: "شَغَلُوَنَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا"، ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٧. ٤ - (مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ) -بالتصغير- الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحَى الكوفيّ العطّار، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥.

стр. 7608

٥ - (شُتَيْرُ -بشين معجمة، فمثنّاة فوقيّة، مصغّرًا- ابْنُ شَكَلٍ) -بفتح المعجمة، والكاف- ابن حُميد الْعَبسيّ، أبو عيسى الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأمه، وعليّ، وابن مسعود، وحفصة، وأم حبيبة، إن كان محفوظًا، وغيرهم. ورَوَى عنه بلال بن يحيى، وأبو الضُّحَى، والشعبيّ، وعبد اللَّه بن قيس. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ولاية ابن الزبير، وقال ابن سعد: توُفّي زمن مصعب، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ من أصحاب عبد اللَّه، وقال أبو موسى في "ذيل الصحابة": يقال: إنه أدرك الجاهلية. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٢٧)، و (١١٠٧): "كان رسول اللَّه ﷺ يقبّل، وهو صائم". والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (صَلَاةِ الْعَصْرِ) بالجرّ بدلًا عن "الصلاة الوسطى"، أو عطف بيان لها، والحديث نصّ في أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذا هو القول الراجح، كما سبق تحقيقه. وقوله: (ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) "بين" بدل من "بين" الأول. قال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا أنه صلّى العصر المتروكة بعد أن صلّى المغرب، وليس بصحيح، بدليل ما جاء في حديث جابر ﵁ قال: "فصلى رسول اللَّه ﷺ العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلّى بعدها المغرب" (١). وهذا نصّ، وإنما أراد بقوله: "بين العشاءين" بين وقتي العشاءين، فإن التأخير كان منه إلى أن غربت الشمس، ثم توضّأ، ثم أوقعها بعد الغروب قبل أن يصلي المغرب. وقد روى الترمذيّ عن أبي عُبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه: "أن

стр. 7609

المشركين شَغَلُوا رسول اللَّه ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه، فأمر بلالًا، فأذّن، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ثم أقام فصلّى المغرب، ثم أقام فصلّى العشاء" (١). قال: وبهذه الأحاديث استدَلَّ جميع العلماء على أن من فاتته صلوات قضاها مرتَّبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد، واختلفوا إذا ذَكَر صلاةً فائتةً في ضيق وقت حاضرة، هل يبدأ بالفائتة، وإن خرج وقت الحاضرة، أو يبدأ بالحاضر، أو يتخيّر، فيقدَّم أيتها شاء؟، ثلاثة أقوال، وبالأول قال مالك، والليث، والزهريّ، وبالثاني قال الحسن، وابن المسيِّب، وفقهاء أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، والشافعيّ، وابن وهب من المالكيّة، وبالثالث قال أشهب من المالكيّة. وهذا ما لم تكثُر الصلوات، فلا خلاف عند جميعهم على ما حكاه القاضي عياضٌ أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة، واختلفوا في مقدار اليسير، فعن مالك قال: إن الخمس فدونها من اليسير، وقيل: الأربع فدونها، ولم يختلف المذهب أن الستّ كثير. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٨] (٦٢٨) - (وَحَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلّامٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَامِيُّ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا، أَوْ قَالَ: حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ (٣) الْكُوفِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.

стр. 7610

٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَامِيُّ) الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٧] (ت ١٧٧) (خ م د ت عس ق) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨. ٣ - (زُبَيْد) بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨. ٤ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو إسماعيل الكوفيّ، يقال له: مرّة الطيب، ثقةٌ عابدٌ [٢] (٧٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، وشيخ شيخه، فما أخرج له النسائيّ إلا في "مسند عليّ ﵁". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ جمّ المناقب، فهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد فقهاء الصحابة، وأقرؤهم، فقد أثنى النبيّ ﷺ على قراءته، وأمر أن يقرأ بها، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن أبا بكر وعمر بشّراه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا، كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". وأخرج أحمد أيضًا بإسناد حسن عن عبد اللَّه، أن النبيّ ﷺ أتاه بين أبي بكر وعمر، وعبد اللَّه يصلي، فافتتح النساء، فسَحَلَها، فقال النبيّ ﷺ : "من أحبّ أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، ثم تقدّم يسأل، فجعل النبيّ ﷺ يقول: "سَلْ تعطه، سل تعطه، سل تعطه"، فقال فيما سأل: "اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتدّ، ونعيمًا لا يَنْفَد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنة الخلد"، قال: فأتى عمر ﵁ عبد اللَّه ليبشّره، فوجد أبا بكر ﵁ قد سبقه، فقال: إن فعلتَ لقد كنت سَبّاقًا بالخير (١).

стр. 7611

وفي رواية: عن ابن مسعود قال: دخل رسول اللَّه ﷺ المسجد، وهو بين أبي بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلي، وإذا هو يقرأ "النساء"، فانتهى إلى رأس المائة، فجعل ابن مسعود يدعو، وهو قائم يصلي، فقال النبيّ ﷺ : "اسأل تعطه، اسأل تعطه"، ثم قال: "مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أُنزل، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد"، فلما أصبح غدا إليه أبو بكر ﵁ ليبشّره، وقال له: ما سألت اللَّه البارحة؟ قال: قلت: "اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتدّ، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة محمد في أعلى جنة الخلد"، ثم جاء عمر ﵁، فقيل له: إن أبا بكر قد سبقك، قال: يرحم اللَّه أبا بكر، ما سبقته إلى خير قط، إلا سبقني إليه (١)، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: حَبَسَ) من باب ضرب، أي منع (الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ) أي عن أدائها في وقتها (حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ) ظاهر أن وقتها لم يخرج، وهو مخالف لما سبق من الأحاديث الصريحة بأن الشمس غربت، ويمكن أن يُجمع بحمل هذا على بعض الأيام؛ لأن الخندف كان أيامًا، واللَّه تعالى أعلم (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى) أي منعونا عن أدائها في وقتها المستحبّ، وقوله: (صَلَاةِ الْعَصْرِ) بالجرّ بدل، أو عطف بيان لـ "الصلاة الوسطى"، كما سبق بيانه (مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ) بفتح الهمزة: جمع جوف، وهو بمعنى الرواية الأخرى: "بطونهم" (وَقُبُورَهُمْ نَارًا، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: حَشَا) هو بمعنى "ملأ"، يقال: حشوت الوسادة وغيرها بالقطن أحشوه حَشْوًا، من باب نصر: إذا ملأته (اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا") قال الحافظ ﵀: قد استُشكل هذا الحديث بأنه تضمّن دعاء صدر من النبيّ ﷺ على من يستحقّه، وهو من مات منهم مشركًا، ولم يقع أحد الشقّين، وهو البيوت، أما القبور فوقع في حقّ من مات منهم مشركًا لا محالة. ويُجاب بأن يُحمل على سكّانها، وبه يتبيّن رجحان الرواية بلفظ: "قلوبهم، أو أجوافهم" أي بدل بيوتهم. انتهى.

стр. 7612

وفي هذا الحديث بيان أن الصلاة التي فاتت كانت العصر، وظاهره أنه لم يفُت غيرها، وفي "الموطّأ" أنها الظهر والعصر، وفي غيره أنه أخّر أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء حتى ذهب هويّ من الليل. وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أيّامًا، فكان هذا في بعض تلك الأيام (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٤٢٨] (٦٢٨)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٨١)، و"التفسير" (٢٩٨٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٨٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٣٦٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٩٢ و ٤٠٣ و ٤٠٤ و ٤٥٦)، و (الحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٧٤)، و (الطبري) في "تفسيره" (٥٤٢٠ و ٥٤٢١ و ٥٤٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦١)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٢٩] (٦٢٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى عَائِشَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ، فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا (٢) آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ

стр. 7613

عَلَيَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى -وَصَلَاةِ الْعَصْرِ- وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر بن الخطاب، أبو عبد اللَّه، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، كان يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيم) الكِنَانيّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٤. ٥ - (أَبُو يُونُسَ) مولى عائشة زوج النبيّ ﷺ ، ثقةٌ [٣]. روى عن عائشة ﵂، وعنه زيد بن أسلم، وأبو طُوالة الأنصاريّ، والقعقاع بن حكيم، ومحمد بن أبي عَتِيق. ذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب والسنن حديثان فقط، هذا برقم (٦٢٩)، وحديث (١١١٠): "إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه. . . "، وأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد" حديثًا آخر. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير القعقاع؛ فأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبي يونس؛ فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح"، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: زيد بن أسلم، عن القَعْقَاع، عن أبي يونس.

стр. 7614

٥ - (ومنها): أن أبا يونس، هذا الباب أول محلّ ذكره من الكتاب، وهو من المُقِلِّين، فليس له عند المصنّف، وأصحاب السنن إلا حديثان فقط، كما أسلفته آنفًا. ٦ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي يُونُسَ) لا يُعرف اسمه (مَوْلَى عَائِشَةَ) بنت الصدّيق ﵂ (أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا) قال في "القاموس": المصحف -مثلثة الميم، من أُصْحِفَ بالضم- أي جُعِلَت فيه الصُّحُفُ. انتهى (١). وذكر في "المصباح": أنه بضم الميم أشهر من كسرها. انتهى (٢). وقال في (اللسان: والمُصْحَف -أي بالضم- والمِصْحَفُ -أي بالكسر-: الجامع للصُّحُفِ المكتوبة بين الدَّفَّتَيْنِ، كأنه أصْحِفَ، وكذا يقال: مُطْرَفٌ ومِطْرَفٌ، من أُطرف، إذا جُعِل في طرفيه الْعَلَمان، استُثقلت الضمّة، فكسرت الميم، فأصلها الضمّ، فمن ضمّ جاء به على أصله، ومن كسر فلاستثقال الضمّة. انتهى باختصار (٣). (وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ) الآتي ذكرها (فَآذِنِّي) بالمدّ، وتشديد النون بإدغام نون الكلمة في نون الوقاية، من الإيذان، وهو الإعلام، أي أعلمني ببلوغك إيّاها، وإنما أمرته بذلك لتُمِليَ عليه ما ظنّته من الآية، ثم ذكرت الآية المشار إليها بقولها: (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾) أَمَر اللَّه تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات بأدائها في أوقاتها، وحفظ حدودها وآدابها، وقال القرطبيّ ﵀: هو خطاب لجميع الأمة، والآية أَمْرٌ بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها، والمحافظة هي المداومة على الشيءِ، والمواظبة عليه. (﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) بالجرّ عطفًا على ﴿الصَّلَوَاتِ﴾، أي وحافظوا على أداء الصلاة الوُسْطَى، وقرأ أبو جعفر الواسطيّ: "والصلاةَ الوُسْطَى" بالنصب

стр. 7615

على الإغراء، أي الزموا الصلاة الوُسْطى، وكذلك قرأ الحلواني، وقرأ قالون عن نافع: "الوُصْطَى" بالصاد لمجاورة الطاء لها؛ لأنهما من حَيِّز واحد، وهما لغتان كالصراط ونحوه. انتهى. قال أبو يونس (فَلَمَّا بَلَغْتُهَا) أي الآية المذكورة (آذَنْتُهَا) أي أعلمتها ببلوغي إياها (فَأَمْلَتْ عَلَىَّ) من الإملاء، ولأبي داود: "فأملّت" بتشديد اللام، أي ألقت عليّ لأكتب، وهما لغتان فصيحتان. قال الفَيُّوميُّ ﵀: وأَمْلَلْتُ الكتابَ على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمْلَيْتُ عليه إملاء، والأولى لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس، وجاء بهما الكتاب العزيز ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الذي عليه الحق، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. انتهى (١). (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ -صَلَاةِ الْعَصْرِ) هكذا الرواية بواو العطف، واستَدَلّ به بعضهم على أن صلاة العصر ليست هي صلاة الوسطى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وَرُدَّ عليه بأن العطف للتفسير، بدليل الأحاديث الصحيحة المرفوعة، كحديث عليّ ﵁ الماضي. وقال النوويّ ﵀: واستَدَلّ به بعض أصحابنا على أن الوُسْطَى ليست العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، لكن مذهبنا أن القراءة الشاذّة لا يُحْتَجُّ بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآنًا لا يثبت خبرًا، والمسألة مقررة في الأصول، وفيها خلاف بيننا وبين أبي حنيفة ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأقوال في هذه المسألة قول من قال: إن ما قُرئ في الشواذّ يكون حجةً، كسائر أخبار الآحاد، كما أوضحت ذلك في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت: وَكُلُّ مَا تَوَاتَرًا لَمْ يَنَلِ … عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ شَاذًا (٢) يَنْجَلِي وَاتَّفَقُوا أَنْ لَيْسَ قُرْآنًا تُلِي … وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِثْلُهُ فِي الْعَمَلِ

стр. 7616

وَكَوْنُهُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي … وَجُوبِ الاحْتِجَاجِ رَاجِحًا يَفِي وإن أردت مزيد إيضاح فراجع شرحها "المنحة الرضيّة" تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال السنديّ ﵀: والظاهر أن هذا كان من النبيّ ﷺ قاله تفسيرًا للآية، فَزَعَمَت عائشة أنه جزء من الآية، أو كان جزءًا فنُسِخ، وزعمت عائشة بقاءه، واللَّه أعلم. انتهى. وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في كتابه "المحلَّى": [فإن قيل]: فكيف تصنعون أنتم في هذه الروايات التي أُوردت عن حفصة، وعائشة، وأم سلمة، وأُبَيّ، وابن عباس التي فيها "وصلاة العصر" -أي بواو- والتي فيها "صلاة العصر" عنهم بلا واو حاشا حفصة؟، وكيف تقولون في القراءة بهذه الزيادة، وهي لا تحلّ القراءة بها اليوم؟. [فجوابنا]: -وباللَّه تعالى التوفيق- أن الذي يظن من اختلاف الرواية في ذلك، فليس اختلافًا، بل المعنى في ذلك مع الواو ومع إسقاطها سواءٌ، وهو أنها تعطف الصفة على الصفة، لا يجوز غير ذلك، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، فرسول اللَّه ﷺ هو خاتم النبيين، وكما تقول: أَكْرِم إخوانك، وأبا زيد الكريم والحسيب، أخا محمد، فأبو زيد هو الحسيب، وهو أخو محمد. فقوله: "وصلاة العصر" بيان للصلاة الوسطى، فهي الوسطى، وهي صلاة العصر. وأما قوله ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر"، فلا يَحْتَمِل تأويلًا أصلًا، فوجب بذلك حمل قوله ﷺ : "والصلاة الوسطى، وصلاة العصر" على أنها عطف صفة على صفة، ولا بُدَّ. ويُبَيِّن أيضًا صحة هذا التأويل عنهم ما قد أوردناه عنهم أنفسهم، من قولهم: "والصلاة الوسطى، صلاة العصر". وصحت الرواية عن عائشة بأنها العصر، وهي التي رَوَت نزول الآية، وفيها: "وصلاة العصر"، فصح أنها عَرَفَت أنها صفة لصلاة العصر، وهي سمعت النبيّ ﷺ يتلوها كذلك، وبهذا ارتفع الاضطراب عنهم، وتتفق أقوالهم، ويصح كلُّ ما روي عن رسول اللَّه ﷺ في ذلك، وينتفي عنه الاختلاف،

стр. 7617

وحاشا للَّه أن يأتي اضطراب عن رسول اللَّه ﷺ . انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾) أي خاشعين ذليلين، مستكينين بين يديه، قاله ابن كثير ﵀ (٢)، وقال القرطبيّ ﵀: اختُلِف في معنى ﴿قَانِتِينَ﴾ على أقوال: [الأول]: أن معناه ساكتين، وبه قال السُّدّيّ. [الثاني]: طائعين، وبه قال الشعبيّ، وجابرُ بنُ زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن، فإنما يُعْنَى به الطاعة. [الثالث]: خاشعين، وبه قال مجاهد، قال: والقنوت طول الركوع، والخشوع، وغَضّ البصر، وخفض الجَنَاح. [الرابع]: القنوت طول القيام، وبه قال ابن عمر، وقرأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾، وأخرج مسلم في "صحيحه": "أفضلُ الصلاةِ طولُ القنوت"، وقال الشاعر [من الرَّمَل]: قَانِتًا للَّهِ يَدْعُو رَبَّهُ … وَعَلَى عَمْدٍ مِنَ النَّاسِ اعْتَزَالْ [الخامس]: معناه داعين، لما في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁: "قَنَتَ رسولُ اللَّه ﷺ شهرًا. . . " الحديث. أي دعا، وقال قوم: معناه طَوَّلَ قيامه. قال الجامع: أرجح هذه الأقوال عندي أولها؛ لما في "الصحيحين" من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: "كنا نتكلم في الصلاة يُكَلِّمُ الرجلُ منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام". فهذا نصّ واضحٌ في كون معنى القنوت في الآية هو السكوتَ، فتبصر، واللَّه أعلم. وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء، ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يُسَمَّى مديمُ الطاعة قانتًا، وكذلك من أطَالَ القيامَ، والقراءةَ والدعاءَ في الصلاة، أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت (٣).

стр. 7618

(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (سَمِعْتُهَا) أي الآية على هذه القراءة (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) هذا الكلامُ من عائشة ﵂ يَحْتَمِل وجهين: [أحدهما]: أن تكون هذه اللفظة الزائدة من القرآن، ثم نُسِخَت كما أخرجه مسلم عن البراء بن عازب ﵄ الآتي بهذا، فلعل عائشة ﵂ لم تعلم بنسخها، فأرادت إثباتها في المصحف، أو اعتقدت أنها مما نُسِخَ حكمها، وبَقِيَ تلاوتها، فأرادت إثباتها. [الثاني]: أن تكون عائشة سمعت اللفظة من النبيّ ﷺ ذَكَرَهَا على أنها من القرآن لتأكيد فضيلة العصر مع الصلاة الوسطى، كما ثبت في حديث جرير بن عبد اللَّه البَجَلِيّ ﵁ قال: كنَّا جلوسًا عند رسول اللَّه ﷺ إذ نَظَرَ إلى القمر ليلةَ البدر، فقال: "أمَا إنكم سَتَرَوْنَ ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضَامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها -يعني العصرَ والفجرَ- ثم قرأ جرير ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ " [ق: ٣٩]. أخرجه الجماعة، فأكَّد فضيلتها، فأرادت عائشة أن تثبتها في المصحف؛ لما ظنت أنها من القرآن، أو لأنها اعتقدت جواز إثبات غير القرآن مع القرآن، كما رُوِيَ عن أُبَيِّ بن كعب، وغيره من الصحابة ﵃ أنهم جَوَّزُوا إثبات القنوت، وبعض التفسير في المصحف، وإن لم يعتقدوه قرآنًا، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعانُ، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٤٢٩] (٦٢٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤١٠)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٨٢)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٧٢)، وفي "الكبرى" (٣٦٦)، وفي "الكبرى" أيضًا في "التفسير" (١١٠٤٦)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٣٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٩٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٠٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 7619

١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على صلاة العصر؛ لأنها الصلاة الوسطى، وأن العطف فيه للتفسير، كما مرّ تحقيقه. ٢ - (ومنها): كون الصحابة ﵃ يعتنون بكتابة المصحف. ٣ - (ومنها): أن من عرف شيئًا خفي على غيره ينبغي له التنبيه عليه. ٤ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال إن الوسطى غير العصر؛ لأن العطف للمغايرة، وقد عرفت الردّ عليه، فتنبّه، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٣٠] (٦٣٠) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هِيَ (١) إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ) الأغرّ -بالغين المعجمة، والراء- الرَّقَاشيّ، ويقال: الرُّؤَاسيّ، مولى بني عَنَزَة، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعديّ بن ثابت، وعطية الْعَوْفيّ، والأعمش، وميسرة بن حبيب، وشقيق بن عقبة، وغيرهم. ورَوَى عنه زهير بن معاوية، ووكيع، وعبد الغفار بن الحكم، وحسين بن

стр. 7620

عليّ الْجُعْفيّ، وأبو أسامة، والفضل بن مُوفَّق، ويحيى بن آدم، ويحيى بن أبي بكير، وغيرهم. قال معاذ بن معاذ: سألت الثوريّ عنه؟ فقال: ثقةٌ، وقال الحسن بن عليّ الحلوانيّ: سمعت الشافعيّ يقول: سمعت ابن عيينة يقول: فضيل بن مرزوق ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: صالح الحديث، إلا أنه شديد التشيع، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًا، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، صدوقٌ، يَهِمُ كثيرًا، يُكتب حديثه، قلت: يُحتَجُّ به؟ قال: لا، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال الحسين بن الحسن المروزيّ: سمعت الهيثم بن جَمِيل يقول: جاء فضيل بن مرزوق، وكان من أئمة الهدى زهدًا وفضلًا إلى الحسن بن صالح بن حيّ، فذكر قصة، وقال مسعود، عن الحاكم: ليس هو من شرط الصحيح، وقد عيب على مسلم إخراجه لحديثه، قال ابن حبان في "الثقات": يخطئ، وقال في "الضعفاء": كان يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات، وقال ابن شاهين في "الثقات": اختَلَفَ قول ابن معين فيه، وقال في "الضعفاء": قال أحمد بن صالح: حديث فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، حديث: "اللَّه الذي خلقكم من ضعف. . . " ليس له عندي أصل، ولا هو بصحيح، وقال ابن رشدين (١): لا أدري من أراد أحمد بن صالح بالتضعيف، أعطية، أم فضيل بن مرزوق؟ وقال العجليّ: جائز الحديث صدوقٌ، وكان فيه تشيع، وقال أحمد: لا يكاد يُحَدِّث عن غير عطية. أخرج له البخاريّ في "جزء رفع اليدين"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٣٠)، وحديث (١٠١٥): "إن اللَّه طيّبٌ، لا يقبل إلا طيّبًا. . . "، وله عند النسائيّ حديثُ عبد اللَّه بن عمر: "إياكم والشُّحّ". ٤ - (شَقِيقُ بْنُ عُقْبَةَ) الْعَبْديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن البراء، وقُرّة بن الحارث، وعنه الأسود بن قيس، وفضيل بن مرزوق، ومِسْعَرٌ.

стр. 7621

قال أبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف هذا الحديث فقط، وأخرج له أبو داود في "الناسخ والمنسوخ". [تنبيه]: ذكر في "التهذيب": أن لشقيق بن عُقبة في "صحيح مسلم" حديثًا واحدًا في الصلاة الوسطى، قال: وهو مُعَلَّق، قال مسلم: رَوَى الأشجعيّ، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء، وقد سمعناه متصلًا في الخامس من حديث المزكي. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا من أغرب الغرائب، فإن مسلمًا رواه أوّلًا متّصلًا، ثم قال: ورواه الأشجعيّ، فكيف ترك المتّصل الذي أورده مسلم أوّلًا، وذكر المعلّق الذي أورده بعده متابعةً، ثم ذكر أنه سمعه متّصلًا في الخامس من حديث المزكي؟ وهذا الجزء غريب، والحديث أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم في "مستخرجيهما" على "صحيح مسلم" متّصلًا من طريق الأشجعيّ، كما سأذكره قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- فكان العزو إليهما أحقّ من العزو إلى هذا الجزء الغريب، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄ أنه (قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) وقوله: (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾) بدل من اسم الإشارة محكيّ؛ لقصد لفظه (وَصَلَاةِ الْعَصْرِ) بالجرّ عطفًا على "الصلوات"، من عطف الخاصّ على العامّ؛ تشريفًا وتكريمًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ الآية (فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ) ولفظ "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة مشيئة اللَّه تعالى، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": فقرأناها على رسول اللَّه ﷺ

стр. 7622

ما شاء اللَّه أن نقرأها" (ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ) ، أي رفع حكم كونها قرآنًا (فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) فقوله: ﴿حَافِظُوا﴾. . . إلخ مرفوع على الفاعليّة بـ "نزلت"، محكيّ؛ لقصد لفظه (فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ) أي ابن عقبة، وهذا الرجل اسمه زاهر، سمّاه أبو عوانة في "مسنده"، ولفظه: "فقال زاهر، وكان مع شقيق: أفهي صلاة العصر؟ "، وكذا هو عند أبي نعيم في "مستخرجه"، ولفظه: "فقال له زاهر، رجلٌ كان مع شقيق: أفهي العصر؟ "، وقيل: اسمه أزهر، سمّاه به الإمام أحمد في "مسنده"، ولفظه: "فقال له رجل، كان مع شقيق، يقال له: أزهر"، وقوله: (لَهُ) متعلّق بـ "قال"، أي قال للبراء ﵁ (هِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؟) أي إذا كان الأمر كما ذكرت من أن الآية نزلت أوّلًا بلفظ: "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر"، ثم نُسِخت إلى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فتكون الصلاة الوسطى هي العصر؛ لأنها نزلت بدلها، وظاهر هذا أن نسخها إنما هو في اللفظ، لا في المعنى، فهي مما نسخ لفظه، وبقي حكمه، كآية الرجم، أفاده ابن حزم ﵀ (١). (فَقَالَ الْبَرَاءُ) لأنَّه (قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) قال القرطبيّ ﵀: قول البراء للسائل: "قد أخبرتك. . . إلخ" يظهر منه تردّد، لكن فيما ذا؟ هل نُسخ تعيينها، وبقيت هي الوسطى، أو نُسخ كونها وُسطى؟ في هذا تردّدٌ -واللَّه تعالى أعلم- وإلا فقد أخبر بوقوع النسخ. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الترديد الذي ذكره القرطبيّ إنما هو مبنيّ على نسخته، فإن نصّ نسخته هكذا: "نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. . . إلخ"، فقد ذكر فيها: "والصلاة الوسطى" في الآية الأولى كالثانية، والظاهر أن النسخة غلطٌ، فإن جميع نسخ "صحيح مسلم" التي بين أيدينا، سوى نسخته نصّها: "عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. . . إلخ".

стр. 7623

وهكذا وقع عند كل من أخرج الحديث، فقد أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم في "مستخرجيهما"، والإمام أحمد في "مسنده"، ونصّ أبي عوانة ﵀ (١/ ٢٩٥): (١٠٤٠) حدّثنا الصائغ بمكة، والصغاني قالا: ثنا يحيى بن أبي بكير (ح) وحدّثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم (ح) وحدّثنا ابن ثور القيسرانيّ، قال: ثنا الفريابيّ، قالوا: ثنا فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر"، فقرأناها على رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن نقرأها، ثم نسخها اللَّه ﷺ : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قال الصائغ، عن يحيى بن أبي بكير: قال: فقال زاهر، وكان زاهر، مع شقيق: أفهي صلاة العصر؟ فقال: قد حَدَّثتك كيف نزلت، وكيف نسخها اللَّه، واللَّه أعلم. انتهى. ونصّ أبي نعيم ﵀ (٢/ ٢٣٥): (١٤٠٧) حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا عبد اللَّه بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا يحيى بن آدم (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا أبو يحيى الرازيّ، ثنا سهل بن عثمان، ثنا ابن فضيل، قالا: ثنا فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: "حافظوا على الصلوات والصلاة العصر"، فقرأناها على رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فقال له زاهرٌ، رجلٌ كان مع شقيق: أفهي العصر؟ قال: حدّثتك كيف نزلت، وكيف نسخها، واللَّه أعلم. انتهى. ونصّ الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٣٠/ ٦١٣ - ٦١٤): (١٨١٩٨) حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا فُضيل -يعني ابن مرزوق- عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: "حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر"، فقرأناها على عهد رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن نقرأها، لم ينسخها اللَّه (١)، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له رجل كان مع شقيق يقال له أزهر: وهي صلاة العصر؟ قال: قد أخبرتك، كيف

стр. 7624

نزلت، وكيف نسخها اللَّه تعالى، واللَّه أعلم. انتهى (١). فتبيّن بما ذُكر أن ما وقع في نسخة القرطبيّ من زيادة قوله: "والصلاة الوسطى" قبل "وصلاة العصر" غلط، والصواب ما وقع في هذه الروايات من قوله: "نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر. . . إلخ"، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وعلى هذا فيكون عدم جزم البراء بأنها الوسطى هي صلاة العصر؛ لاحتمال أن تكون غيرها، ومما يدلّ على ذلك عدم إنكاره على السائل قوله: "هي إذن صلاة العصر". والحاصل أن تردّد البراء ﵁ لا يمنع أن نجزم بأنها صلاة العصر بالأدلّة الأخرى التي لا تردّد فيها كحديث عليّ ﵁ المتقدّم وغيره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ١٤٣٠] (٦٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٠١)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٥٤٣٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٧٣)، و"مشكل الآثار" (٢٠٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٠٧)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٢٨١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٥٩)، و (ابن حزم) في "المحلَّى" (٤/ ٢٥٨)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: (قَالَ مُسْلِم: وَرَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَرَأْنَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ زَمَانًا، بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ).

стр. 7625

قال الجامع عفا اللَّه عنه: غرض المصنّف بإيراد هذا المعلَّق هنا تقوية رواية فُضيل بن مرزوق المتقدّمة، حيث إنه مختلف فيه، حتى عابه بعضهم بإخراج حديثه، كما تقدّم في ترجمته، فأراد بيان أنه لم ينفرد بروايته عن شقيق بن عُقبة، بل تابعه فيه الأسود بن قيس المتّفق على توثيقه. [فإن قلت]: لماذا أورد المصنّف رواية الأسود بن قيس تعليقًا مع أنها أصحّ بلا خلاف، ولم يوردها أصلًا، ثم يذكر رواية فضيل متابعةً؟. [قلت]: إنما فعل ذلك لكون رواية الأسود لم يقع له سماعها، وإنما سمع رواية فضيل، فأورد الحديث كما سمع، ثم أزال ما يُطعن فيه من تضعيف بعضهم رواية فضيل بن مرزوق بإيراد رواية الأسود، هذا ما ظهر لي، واللَّه تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْأَشْجَعِيُّ) عبيد اللَّه بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، من أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار [٩] (ت ١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦. ٢ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ عابدٌ حجة، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٣ - (الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الْعَبديّ، ويقال: البجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وثعلبة بن عباد، وجندب بن عبد اللَّه البجليّ، وسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وشقيق بن عُقبة، ونُبَيح الْعَنَزيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وشريك، والحسن بن صالح، وزهير بن معاوية، وأبو عوانة، وابن عيينة، وجماعة. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ حسن الحديث، وقال الْفَسَويّ في "تاريخه": كوفيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال شريك بن عبد اللَّه النخعيّ: أما واللَّه إن كان لصدوق الحديث، عظيم الأمانة، مُكْرِمًا للضيف. وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: رَوَى عن عشرة مجهولين لا يعرفون. قال الحافظ: سَمَّى مسلم منهم في "الوُحْدان" أربعةً، وذكره ابن حبان في

стр. 7626

"الثقات"، فجعله اثنين، فالذي يروي عن جندب ذكره في التابعين، والذي يروي عن نُبَيح ذكره في أتباع التابعين. قال الحافظ: كذا قال، والظاهر أنه وَهَمٌ. أخرج له الستّة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٣٠) و (١٠٨٠) و (١٧٩٦) و (١٧٩٧) وأعاده بعده، و (١٩٦٠) وكرّره ثلاث مرّات. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ) يعني أن حديث الأسود بن قيس، عن شقيق بن عُقبة مثل حديث فضيل بن مرزوق، عنه. [تنبيه]: رواية الأشجعيّ هذه، ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٢٩٥)، فقال: (١٠٤١) حدّثنا موسى بن سعيد الطرسوسيّ، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا الأشجعيّ، عن سفيان -يعني الثوريّ- عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأنا بها مع رسول اللَّه ﷺ زمانا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، ولا أدري أهي هيه أم لا؟. انتهى. وساقها أيضًا أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٣٠)، فقال: (١٤٠٨) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا أبو بكر بن معدان، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأنا مع النبيّ ﷺ زمانًا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلا أدري هي هي أم لا؟. ثم قال: رواه مسلم بلا سماع، قال: رواه الأشجعيّ، عن سفيان. انتهى. وقد سبق كلام الحافظ رشيد الدين العطّار في مقدّمة "قرّة عين المحتاج" على هذا الحديث (١)، وأخرجه بسنده من طريق ابن المزكي كما مرّ عن الحافظ، وإنما عدلت هنا إلى "مسند أبي عوانة"، و"مستخرج أبي نعيم"؛ لأنهما ألصق بكتاب مسلم، ولأنهما أشهر من ابن المزكي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 7627

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الثالث عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" ﵀، بعد صلاة الجمعة يوم الجمعة المبارك (٢٧/ ١٢/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧ يناير - كانون الثاني ٢٠٠٦ م). أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الرابع عشر مفتتحًا بـ (٣٧) - (بَابٌ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ، أَوْ أَكْثَرُ كَيْفَ يَقْضِيهَا؟) رقم الحديث [١٤٣١] (٦٣١). "سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". * * *

стр. 7628

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة المغرب ١/ ١/ ١٤٢٧ هـ أول الجزء الرابع عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى. (٣٧) - (بَابٌ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ، أَوْ أَكْثَرُ كَيْفَ يَقْضِيهَا؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٣١] (٦٣١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَصْرَ، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَوَاللَّهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا"، فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَانَ (٣)، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَوَضَّأْنَا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.

стр. 7629

٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب. ٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربما وهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي غسّان، فانفرد به هو وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيان. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة مشهور بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٥ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللَّه صحابيّ ابن صحابيّ ﵄، ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ (أَن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁ (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) ظرف متعلّق بـ "جَعَلَ"، وأراد به غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب، وكانت سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في شرح حديث عليّ ﵁ المتقدّم في الباب (جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) "جعل" هي

стр. 7630

من أفعال الشروع التي ترفع المبتدأ، وتنصب الخبر، واسمها ضمير عمر، وخبرها جملة "يَسُبّ". وإنما سبّهم لأنهم كانوا السببَ في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار، كما وقع لعمر ﵁، وإما مطلقًا، كما وقع لغيره. (وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَصْرَ) لفظة "كاد" من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كان زيد يقوم فُهم منه أنه قارب القيام، ولم يقم، والغالب فيها أن لا يقترن خبرها بـ "أن"، بخلاف "عسى"، فإن الغالب فيها أن يقترن بها، كما قال في "الخلاصة": كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذيْنِ خَبَرْ وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ عَسَى … نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقد وقع خبرها في رواية المصنف مقترنًا بها هنا، وفي قوله: "أن تغرب"، وكذا هو في رواية البخاريّ في "غزوة الأحزاب". قال في "الفتح" هو من تصرّف الرواة، وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا، أو لا؟ الظاهر الجواز؛ لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر، كيف وقعت، لا الإخبار عن عمر هل تكلّم بالراجحة، أو المرجوحة؟. وإذا تقرر أن معنى "كاد" المقاربة، فقول عمر ﵁: "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب": معناه أنه صلى العصر قُرْب غروب الشمس؛ لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصّل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب، قاله اليعمريّ ﵀. وقال الكرمانيّ ﵀: لا يلزم من هذا السياق وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة؛ لأنه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها، قال: وحاصله عُرفًا: ما صليت حتى غربت الشمس. انتهى. قال الحافظ ﵀: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادّعاه من العرف ممنوع، وكذا العندية، للفرق الذي أوضحه اليعمري من الإثبات والنفي؛ لأن "كاد" إذا أثبتت نَفَت، وإذا نَفَت أثبتت، كما قال فيها الْمَعَرِّيُّ مُلغزًا: إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ … وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ

стр. 7631

هذا إلى ما في تعبيره بلفظ "كيدودة" من الثقل، واللَّه الهادي إلى الصواب. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من ترجيح قول اليعمريّ، والردّ على الكرمانيّ بناء على القول المرجوح عند النحاة، فما قاله الكرمانيّ هو الموافق للقول الراجح عندهم، وهو أن "كاد" كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، ودونك عبارة السمين الحلبي في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. [واعلم]: أن خبرها إذا كانت هي منفية منفيّ في المعنى؛ لأنها للمقاربة، فإذا قلت: كان زيد يفعل كان معناه قارب الفعل، إلا أنه لم يفعل، فإذا نفيت انتفى خبرها بطريق الأولى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] أبلغ من أن لو قيل: لم يرها؛ لأنه لم يقارب الرؤية، فكيف له بها؟. وزعم جماعة، منهم ابن جنّي، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي، حتى ألغز أبو العلاء المعَرّيّ فيها، فقال: أَنَحْوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ … جَرَتْ فِي لِسَانَي جُرْهُمٍ وَثَمُودِ إِذَا نُفِيَتْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَثْبَتَتْ … وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ انتهى (١). فتبيّن بما ذُكر أن الصحيح في معناها أن إثباتها إثبات، ونفيها نفي، كسائر الأفعال، فعلى هذا فما قاله الكرمانيّ هو الراجح، فظاهر الحديث أن عمر ﵁ لم يصل العصر، مثل النبيّ ﷺ ، وبقية "الصحابة" ﵃. فقول الحافظ ﵀: فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبيّ ﷺ ، فكيف اختصّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس، بخلاف بقية الصحابة، والنبيّ ﷺ معهم؟. فالجواب أنه يَحْتَمِل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر، فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى

стр. 7632

النبيّ ﷺ ، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبيّ ﷺ فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء. مبنيّ على القول المرجوح أيضًا. وقد اختُلف في سبب تأخير النبيّ ﷺ الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستُبعد أن يقع ذلك من الجميع. قال الحافظ: ويمكن أن يُستدَلّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: أن رسول اللَّه ﷺ صلى المغرب يوم الأحزاب، فلمّا سلّم قال: "هل علم رجل منكم أني صلّيت العصر؟ "، قالوا: لا يا رسول اللَّه، فصلى العصر، ثم صلى المغرب. انتهى. وفي صحّة هذا الخبر نظر؛ لأنه مخالف لما في "الصحيحين" من قوله ﷺ لعمر: "واللَّه ما صليتها"، ويمكن الجمع بينهما بتكلّف. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أسخف هذا الجمع! كيف يتكلّف للجمع بين ما هو في "الصحيحين" من قول رسول اللَّه ﷺ : "فواللَّه إن صلّيتها" يعني العصر، وبين ما لا يصحّ مما أورد من "مسند أحمد" من سؤاله هل صلاها أم لا؟ هذا شيء عجيب!!!. وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه، فلم يمكّنوه من ذلك، وهو أقرب، لا سيما، وقد وقع عند أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد ﵁، أن ذلك كان قبل أن يُنزل اللَّه في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقد اختُلف في هذا الحكم، هل نُسخ أو لا؟، كما سيأتي في "كتاب صلاة الخوف"، إن شاء اللَّه تعالى. انتهى (١). (حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ) وفي نسخة: "حتى كادت تغرب الشمس" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَوَاللَّهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا") "إن" نافية، أي لم أصلّها، قال النوويّ ﵀: وإنما حَلَف النبيّ ﷺ تطييبًا لقلب عمر ﵁، فإنه شَقّ عليه تأخير العصر إلى قريب من المغرب، فأخبره النبيّ ﷺ أنه لم يصلّها بعدُ؛ ليكون لعمر به أسوة، ولا يشق عليه ما جرى، وتَطِيب نفسُهُ، وأكد ذلك الخبر

стр. 7633

باليمين، وفيه دليل على جواز اليمين من غير استحلاف، وهي مستحبة إذا كان فيه مصلحة، من توكيد الأمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهم نسيان، أو غير ذلك، من المقاصد السائغة، وقدأكثرت في الأحاديث، وهكذا القسم من اللَّه تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، ﴿وَالتِّينِ﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾، ونظائرها كل ذلك لتفخيم المقسَم عليه وتوكيده، واللَّه أعلم. انتهى (١). (فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَانَ) وفي نسخة: "فنزلنا بُطحان"، قال النوويّ ﵀: هو بضم الباء الموحّدة، وإسكان الطاء، وبالحاء المهملتين، هكذا هو عند المحدّثين في رواياتهم، وفي ضبطهم وتقييدهم، وقال أهل اللغة: هو بفتح الباء، وكسر الطاء، ولم يُجيزوا غير هذا، وكذا نقله صاحب "البارع" أبو عُبيد البكريّ، وهو وَادٍ بالمدينة. انتهى. وقال القرطبي ﵀: قوله: "فواللَّه إن صفيتها" يُقَوِّي قول من قال: إنه كان ناسيًا. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاستنباط محلّ نظرٌ، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم. (فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَوَضَّأْنَا) يعني الصحابة ﵃ (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي صلاها بهم جماعةً، كما وقع التصريح بذلك في رواية الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زُريع، عن هشام، بلفظ: "فصلَّى بنا العصر". وهذا يقتضي أن الذي فاتهم من الصلاة العصرُ. لكن وقع في "الموطأ" من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد ﵁ أنه الظهر والعصر، والمغرب، وأنهم صلَّوا بعد هُويّ من الليل، وفي حديث ابن مسعود ﵁: "أن المشركين شغلوا رسول اللَّه ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه"، وفي قوله: "أربع" تجوّز؛ لأن العشاء لم تكن فاتت.

стр. 7634

قال اليعمريّ ﵀: من الناس مَن رجّح ما في "الصحيحين"، وصرّح بذلك ابن العربيّ ﵀، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شُغل عنها واحدة، وهي العصر. قال الحافظ ﵀: ويؤيِّده حديث عليّ في مسلم: "شغلونا عن الصلاة الوُسطَى صلاة العصر". ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال اليعمري: وهذا أولى. قال الحافظ: ويقرّبه أن روايتي أبي سعيد، وابن مسعود ﵄ ليس فيهما تعرّض لقصّة عمر ﵁، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما رواية حديث الباب، ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما رجحه اليعمريّ ﵀ هو الأرجح عندي. وحاصله أنه ﷺ شُغِل في أيام عن صلوات مختلفة، ففي يوم عن صلاة العصر فقط، وفي يوم عن العصر والمغرب، وفي يوم عن أربع صلوات، فبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في الباب، والجمع مهما أمكن أولى من إهمال بعض الروايات الصحيحة، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ صَلّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) قال النوويّ ﵀: هذا ظاهره أنه صلاهما في جماعة، فيكون فيه دليل لجواز صلاة الفريضة الفائتة جماعةً، وبه قال العلماء كافّةً إلا ما حكاه القاضي عياض عن الليث بن سعد أنه منع ذلك، وهذا إن صحّ عن الليث مردود بهذا الحديث، والأحاديث الصحيحة الصريحة، أن رسول اللَّه ﷺ صلى الصبح بأصحابه جماعةً حين ناموا عنها، كما ذكره مسلم بعد هذا بقليل. وفي هذا الحديث دليل على أن من فاتته صلاةٌ، وذكرها في وقتِ أُخرى ينبغي له أن يبدأ بقضاء الفائتة، ثم يصلي الحاضرة، وهذا مجمع عليه، لكنه عند الشافعيّ وطائفة على الاستحباب، فلو صلى الحاضرة ثم الفائتة جاز، وعند مالك، وأبي حنيفة، وآخرين على الإيجاب، فلو قَدَّم الحاضرة لم يصح. وقد يَحْتجّ به من يقول: إن وقت المغرب متسعٌ إلى غروب الشفق؛ لأنه

стр. 7635

قَدَّم العصر عليها، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب لئلا يفوت وقتها أيضًا، ولكن لا دلالة فيه لهذا القائل؛ لأن هذا كان بعد غروب الشمس بزمن بحيث خرج وقت المغرب عند من يقول: إنه ضيقٌ فلا يكون في هذا الحديث دلالة لهذا، وإن كان المختار أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق كما سبق إيضاحه بدلائله، والجواب عن معارضها. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ١٤٣١] (٦٣١)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٩٦ و ٥٩٨)، و"الأذان" (٦٤١)، و"الخوف" (٩٤٥)، و"المغازي" (٤١١٢)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٨٠)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٦٦)، وفي "الكبرى" (١٢٨٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٨٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٥١ و ١٠٥٢ و ١٠٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٠٥ و ١٤٠٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعية قضاء الفوائت في الجماعة؛ لما تقدّم من رواية الإسماعيلي، وبه قال أكثر أهل العلم، إلا الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة، إذا فاتت. ٢ - (ومنها): جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضت مصلحة ذلك، من زيادة طمأنينة، أو نفي توهّم. ٣ - (ومنها): أنه إذا سئل الإنسان، هل صلّيتَ؟ جاز أن يقول: ما
следующие страницы →