← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

فترونه كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ فـ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [ق: ٣٩]، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. وأما رواية أبي أسامة، فساقها أبو داود في "سننه" مقرونًا بجرير بن عبد الحميد، ووكيع، فقال: (٤٧٢٩) حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، ووكيع، وأبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه، قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ جلوسًا، فنظر إلى القمر ليلة البدر ليلة أربع عشرة، فقال: "إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ هذه الآية فـ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. انتهى. وأما رواية ابن نمير، فساقها ابن ماجه ﵀، مقرونًا بوكيع، وأبي معاوية، فقال: (١٧٧) حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبي، ووكيع (ح) وَحدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا خالي يعلى، ووكيع، وأبو معاوية، قالوا: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه، قال: كنّا جلوسًا عند رسول اللَّه ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٣٧] (٦٣٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابنِ

стр. 7667

أَبِي خَالِدٍ، وَمِسْعَرٍ، وَالْبَخْتَرِيِّ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعُوهُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا"، يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مِسْعَر) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٤ - (الْبَخْتَرِيِّ بْنِ الْمُخْتَارِ) هو: البَخْتَريّ بن أبي البَخْتَريّ -بفتح الموحّدة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح المثنّاة، وكسر الراء- واسم أبيه المختار بن رُوَيح العبديّ البصريّ، صدوق [٦]. رَوَى عن أبي بكر، وأبي بُردة ابني أبي موسى الأشعريّ، وأبي بكر بن عُمارة، وغيرهم. ورَوى عنه شعبة، وعيسى بن يونس، ووكيع، وابن أخيه محمد بن بِشر بن الفُرَافِصَة بن المختار العبديّ، وغيرهم. قال شعبة: كان كخير الرجال، وقال وكيع: كان ثقةً، وقال ابن المديني: ثقةٌ، وقال البخاري: يُخَالِف في بعض حديثه، وقال ابن عديّ: ليس له كثير رواية، ولا أعلم له حديثًا منكرًا. قال عمرو بن عليّ: مات سنة (١٤٨). قال الحافظ الْمِزّيّ ﵀: فَرَّق في الأصل -يعني صاحب الكمال- بين البختريّ بن أبي البختريّ، والبختريّ بن المُخْتَار، وهما واحد، والحديث الذي أخرجاه -يعني مسلمًا والنسائي- وهو من رواية وكيع عنه، عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة. قال الحافظ ﵀: قد سبقه إلى التفرقة بينهما البخاريّ وابن حبان في

стр. 7668

"الثقات"، فذكر ابن أبي البختريّ في التابعين، ثم قال في أتباع التابعين: البختريّ بن المختار؛ كان يُخطئ، وأَرَّخ وفاته كما قال عمرو بن عليّ. اهـ. أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وله عندهما هذا الحديث فقط. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ) -براء وموحّدة مصغّرًا- الثقفيّ الكوفيّ، ثقةٌ (١) [٣]. رَوَى عن أبيه، وعنه مِسْعَر بن كِدَام، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وغيرهم. وثقه ابن حبان، وقال الذهبيّ في "الكاشف": ثقةٌ (٢). أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عندهم هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٦ - (أَبُوهُ) عُمارة بن رُؤَيبة الثقفيّ، أبو زُهَير، صحابيّ نزل الكوفة، وتأخّر إلى ما بعد الستين. وفي "تهذيب التهذيب" (٧/ ٤١٦): رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عليّ ﵁، ورَوى عنه ابنه أبو بكر بن عُمارة، وأبو إسحاق السَّبِيعِيّ، وعبد الملك بن عُمَير، وحُصَين بن عبد الرحمن. قال الحافظ ﵀: الراوي عن عليّ آخَرُ غيره؛ وبيان ذلك أن ابن أبي حاتم ذكر في "الجرح والتعديل": عُمَارَةَ بن رُويبة رَوَى عن عليّ بن أبي طالب أنه خَيَّره بين أبيه وأمه، وهو صغير، فاختار أمَّه، رَوَى عنه يونس الْجَرميّ، فتبيّن أنه غيره، الصحابيّ، ثقفيّ، والراوي عن عليّ جَرْميّ، ولأن الذي رَوَى عن عليّ كان صغيرًا في زمن عليّ، فليس بصحابيّ. واللَّه أعلم. انتهى. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله عندهم حديثان فقط (٣)، هذا الحديث عند المصنّف، برقم (٦٣٤) وأعاده بعده، وعند أبي داود برقم (٤٢٧) وعند النسائيّ برقم (٤٧١ و ٤٨٧)، وحديث: "رأيت رسول اللَّه ﷺ

стр. 7669

ما يزيد على أن يقول بيده. . . " عند المصنّف برقم (٨٧٤) وعند أبي داود برقم (١١٠٤) وعند النسائيّ برقم (١٤١٢). والباقون تقدّموا قبله، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلا شيخه إسحاق، فمروزيّ، والبَخْتَريّ فبصريّ. ٣ - ومنها: أن صحابيّه ﵁ من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديثان فقط، كما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم (ابْنِ رُؤَيْبَةَ) بضم الراء، بعدها همزة، وتُبدل واوًا (عَنْ أَبِيهِ) عُمارة بن رُؤيبة ﵁ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى) وفي الرواية التالية: "لا يلج النار من صلّى" (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا"، يَعْنِي) أي يقصد بهذا (الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ) أي داوم على أداء صلاتهما، قال القرطبي ﵀: أي لن يدخل النار من عاهد وحافظ على هاتين الصلاتين ببركة المداومة عليهما. انتهى (١). وقال في "المنهل": المراد أنه لا يدخلها أصلًا للتعذيب، بل يدخلها أو يَمُرُّ عليها تَحِلَّةَ القسمِ، وهذا إذا وُفِّقَ لِبَقِيَّةِ الأعمال، أو لا يدخلها على وجه التأبيد، وهذا لا ينافي أنه قد يُعَذَّبُ؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتدرون من المفلس؟ "، قالوا: المفلس فينا من لا درهمَ له، ولا مَتَاعَ، فقال: "إن المفلس من أمتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فَيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت

стр. 7670

حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه أخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار"، رواه مسلم (١). انتهى (٢). وإنما خَصَّ هاتين الصلاتين بالذكر؛ لأن وقتَ الصبح وقتُ لَذَّةِ النوم، والقيامُ فيه أشقّ على النفس من القيام في غيره، ووقتُ العصر وقتُ قوَّةِ الاشتغال بالتجارة أو غيرها، فلا يَتَفَرَّغُ للصلاة فيه إلا مَن كان قَوِيَّ الإيمان، كما قال اللَّه تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ الآية [النور: ٣٧]. فالمسلم إذا حافَظَ على هاتين الصلاتين مع ما فيه من التثاقل والتشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشَدَّ، ولأن الوقتين مشهودان، تشهدهما ملائكة الليل، وملائكة النهار، وتُرْفَعُ فيهما الأعمال إلى اللَّه تعالى، فبالحَرِيِّ أن من داوم عليهما لا يدخل النار أصلًا، ويدخل الجنة؛ لصيرورة ذلك مكفرًا لذنوبه، وإن كان هذا ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص كفارة الصلاة بالصغائر، ولكن فضل اللَّه واسع. وقيل: خُصَّتَا بالذكر؛ لأن أكرم أهل الجنة على اللَّه من ينظر إلى وجهه غَدْوَةً، وعَشِيَّةً، كما في حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد، والترمذيّ (٣). (فَقَالَ لَهُ) أي لعُمارة بن رؤيبه ﵁ (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) اسمه إسماعيل، كما بيّنه في "الإصابة"، ونصّه: (١٤٠) إسماعيلُ رجل من الصحابة، نزل البصرة، رَوَى مسلم من طريق وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، ومِسْعَر بن كِدام، والْبَخْتريّ بن المختار، والنسائيّ من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، ومسلم أيضًا من طريق عبد الملك بن عُمير، كلهم عن أبي بكر بن عُمارة بن رُويبة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يلج النار رجل صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".

стр. 7671

ورَوَيناه في خبر عبد اللَّه الجابريّ (١) قال: حدّثنا ابن أبي المثنى، حدّثنا جعفر بن عون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن عُمارة بن رُويبة، قال: جاء شيخ من أهل البصرة إلى أبي، فقال: حدِّثنا ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ ، فذكره، فقال الشيخ: أنت سمعته؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقال الشيخ: وأنا سمعت رسول اللَّه ﷺ يقوله، وما علمت أحدًا وافقني عليه. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢) عن بُندار، عن يزيد بن هارون، عن إسماعيل، فقال فيه: شيخٌ من أهل البصرة، يقال له: إسماعيل، أخرجه ابن منده، عن إبراهيم بن محمد، عن ابن خزيمة. ولا نَعْرِف تسمية هذا الشيخ إلا في هذه الرواية، وهي رواية صحيحة، واللَّه أعلم. انتهى (٣). (آنْتَ) بالمدّ، أصله "أأنت" بهمزتين، أولاهما همزة الاستفهام، فأبدلت الثانية مدًّا، ويجوز تحقيقها (سَمِعْتَ هَذَا) الحديث (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ) عمارة ﵁ (نَعَمْ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "قال: نعم سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، حتّى ردّد عليه ثلاثًا"، وفي رواية أبي نعيم في "مستخرجه": "قال: نعم، أشهد لسمعته من رسول اللَّه ﷺ ، سمعته أذناي، ووعاه قلبي" (قَالَ الرَّجُلُ) البصريّ (وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، وقوله: (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) أشار إلى دفع المجاز في السماع، وذلك بأن يسمعه عن شخص سمعه منه ﷺ ، ثم يسنده إليه تجوّزًا، وقوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي) أشار به إلى أنه لم ينسه منذ أسمعه منه ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 7672

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عُمَارة بن رُؤَيْبَةَ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٤٣٧ و ١٤٣٨] (٦٣٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٢٧)، و (النسائيّ) فيها (٤٧١ و ٤٨٧)، وفي "الكبرى" (٣٥٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٦١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٣٦ و ٢٦١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣١٨ و ٣١٩ و ٣٢٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٣٨ و ١٧٤٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١١٣ و ١١١٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٣ و ١٤١٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٢ و ٣٨٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): وهو بيان فضل صلاتي العصر والفجر، والمحافظة عليهما. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من حرصهم على طلب العلم، والتثبّت في نقله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٣٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا"، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَ (٢) هَذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟، قَالَ: نَعَمْ، أَشْهَدُ بِهِ (٣) عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْهُ).

стр. 7673

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩، وهو أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرِ) واسمه نَسْر (١) الكرمانيّ كوفيّ الأصل، نزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧١. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ الفرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ) هو أبو بكر المذكور في السند الماضي. وقوله: (لَا يَلِجُ النَّارَ) "لا" هنا نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها. وقوله: (بِالْمَكَانِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْهُ) ظاهره أنه سمعه مع عمارة في مكان واحد، فعلى هذا يكون قوله: "أنت سمعته. . . إلخ" من باب التأكيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٣٩] (٦٣٥) - (وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي (٢) أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ) القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُدْبةُ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و (٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.

стр. 7674

٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٣ - (أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ) نصر بن عمران بن عِصَام البصريّ، نزيل خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٤ - (أَبُو بَكْر) بن أبي موسى الأشعريّ، اسمه عمرو، أو عامر الكوفيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٦) وكان أسنّ من أخيه أبي بُردة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٦/ ٤٥٥. [تنبيه]: اختُلف في أبي بكر هذا، هل هو ابن أبي موسى، أو هو أبو بكر بن عُمارة المذكور في الحديث الماضي؟. فصنيع الشيخين أنه الأول، فأما المصنّف فقد صرّح في الطريق التالية بأن بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم نسبا أبا بكر، فقالا: ابن أبي موسى. فهذا يدل على أن المصنّف ﵀ يرى ترجيح كون أبي بكر هنا هو أبا بكر بن أبي موسى الأشعريّ، لا أبا بكر بن عمارة. وأما البخاريّ، فقد أخرجه عن هُدْبة بن خالد بسند المصنّف، وفيه: عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، ثم قال: وقال ابن رجاء: حدّثنا همّام، عن أبي جمرة، أن أبا بكر بن عبد اللَّه بن قيس أخبره بهذا، ثم رواه من طريق حَبّان بن هلال، وفيه: عن أبي بكر بن عبد اللَّه، عن أبيه. انتهى. قال في "الفتح": أبو بكر هو ابن أبي موسى الأشعريّ، بدليل الرواية التي بعده، حيث وقع فيها أن أبا بكر بن عبد اللَّه بن قيس، وعبد اللَّه بن قيس هو أبو موسى، وقد قيل: إنه أبو بكر بن عُمارة بن رُويبة، والأول أرجح. وقال أيضًا: فاجتمعت الروايات عن همام بأن شيخ أبي جمرة هو أبو بكر بن عبد اللَّه، فهذا بخلاف مَن زَعَم أنه ابنُ عُمارة بن رُويبة، وحديث عمارة أخرجه مسلم وغيره من طُرُق عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، لكن لفظه: "لن يلج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، وهذا اللفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى، وإن كان معناهما واحدًا، فالصواب أنهما حديثان. انتهى. وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما أبو بكر فقد أشار البخاريّ إلى أنه أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ عبدِ اللَّه بن قيس، واستشهَدَ له بشيئين:

стр. 7675

[أحدهما]: رواية ابن رجاء التي ذكرها تعليقًا عنه، عن همّام، عن أبي جمرة أن أبا بكر بن عبد اللَّه بن قيس أخبره. [والثاني]: أنه أسنده من رواية حَبّان بن هلال، عن همّام، ثنا أبو جمرة، عن أبي بكر بن عبد اللَّه - وهو ابن أبي موسى، عبد اللَّه بن قيس. وأخرجه مسلم من طريق بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم قالا: ثنا همّام بهذا الإسناد، ونسبا أبا بكر، فقالا: ابنُ أبي موسى. قال: وإنما احتيج إلى هذا؛ لاختلافٍ وقع بين الحفّاظ في نسبة أبي بكر هذا. فمنهم من قال: هو أبو بكر بن أبي موسى، وتصرُّف الشيخين في "صحيحيهما" يدلّ على ذلك. ومنهم من قال: هو أبو بكر بن عُمَارة بن رؤيبة، واستدلُّوا بما أخرجه مسلم من رواية وكيع، عن ابن أبي خالد، ومشعَرٍ، والبَخْتريّ بن المختار، سمعوا من أبي بكر بن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لن يلج النار أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس. . . " الحديث. فمن هنا قال بعضهم: أبو بكر الذي روى عنه أبو جمرة هو ابن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه عُمارة بن رؤيبة؛ لأن معنى الحديثين متقارب. قال ابن أبي خيثمة في "كتابه": سألت يحيى بن معين عن أبي بكر الذي رَوَى حديث البردين من أبوه؟ قال: يَرَون أنه أبو بكر بن أبي موسى، فلذلك استغربوه، قال: فقال له أبي: يُشبه أن يكون أبا بكر بن عُمارة بن رؤيبة؛ لأنه يروي عن أبيه عُمارة: "من صلَّى قبل الغداة، وقبل غروب الشمس". وقال صالح بن محمد، عن عليّ ابن المدينيّ: هو عندي أبو بكر بن عُمارة؛ لأن معنى الحديثين واحدٌ، قيل له: إن أبا داود الطيالسيّ، وهُدبة نسباه، فقالا: عن أبي بكر بن أبي موسى؟ فقال: ليسا ممن يَضبِط هذا، حدّثناه بهزٌ وحَبّان، ولم ينسباه. قال أبو بكر الخطيب: قد نسبه جماعة عن همّام، منهم بشر بن السريّ، وعبد اللَّه بن رجاء، وعمرو بن عاصم، وللناسب فضلُ تَعَرُّفٍ وبيانٍ على من لم ينسبه، قال: وكان عفّان ينسبه كذلك حتى قال له بُلْبُلٌ، وعليّ ابن المدينيّ: إنه

стр. 7676

أبو بكر بن عُمارة، فترك نسبته، وقال: عن أبي بكر، عن أبيه (١). ونَقَل الْبَرْقَانيّ، عن الدارقطنيّ أنه كان يقول: هو أبو بكر بن عُمارة بن رؤيبة. وعن الإسماعيليّ، عن مطيَّن مثله. وقال أبو الحسن الْعَقِيليّ (٢): اختُلف فيه، فالأقوى أنه أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه، ويقال: هو أبو بكر بن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه، وكذلك قال مطيَّنٌ، وإليه يميل شيخنا أبو الحسن -يعني الدارقطنيّ ﵀. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن أبا بكر هنا هو ابن أبي موسى الأشعريّ؛ لأمور: [أحدها]: اتفاق الشيخين على ترجيح هذا. [الثاني]: أن الذين نسبوه ثقات حفّاظ، يُعتمد على زيادتهم، وهم: حَبّان بن هلال، وعبد اللَّه بن رجاء، عند البخاريّ، وبشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم عند المصنّف، فزيادة هؤلاء مقبولة، ولا يضرّهم من لم ينسبه؛ فمن حفظ حجة على من لم يحفظ. [الثالث]: أن الذين رجّحوا كونه ابن عُمارة حجتهم كون الحديث هذا بمعنى حديث ابن عمارة الماضي، وهذا لا يكفي حجةً، فكم من أحاديث تتشابه بمعناها، وتكون أسانيدها مختلفة.

стр. 7677

والحاصل أن كونه ابن أبي موسى هو الأرجح، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (أَبُوهُ) أبو موسى الأشعريّ، عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى أبي بكر، وهو وأبوه كوفيّان. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي جمرة، عن أبى بكر، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، سوى همّام، وهدّاب. ٥ - (ومنها): أن هدّابًا يقال له هُدْبة -بضمّ، فسكون- واختلف في أيهما الاسم، وأيهما اللقب؟. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، أمّره عمر، ثم عثمان ﵁، وهو أحد الحَكَمين بصفّين، وكان حسن الصوت بالقرآن، فقد أخرج الشيخان أنّ النبيّ ﷺ قال له لَمّا سمع قراءته: "يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود"، وفي رواية لمسلم قال رسول اللَّه ﷺ لأبي موسى: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود"، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) تقدّم الخلاف في اسمه قريبًا (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ) تثنية بَرْد -بفتح الباء الموحّدة، وسكون الراء- والمراد بهما: صلاة الفجر والعصر. قال القرطبي: قال كثير من العلماء: البردان: الفجر والعصر، وسمّيا بذلك؛ لأنهما يفعلان في وقت البرد. وقال الخطابيّ: لأنهما يصليان في بردي النهار، وهما طرفاه، حين يطيب الهواء، وتذهب سَوْرَة الْحَرّ.

стр. 7678

وقال السفاقسيّ ﵀ عن أبي عبيدة: المراد الصبح والعصر والمغرب، وفيه نظر؛ لأن المذكور تثنية، ومع هذا لم يتبعه على هذا أحد. وقال في "الفتح": المراد صلاة الفجر والعصر، ويدلّ على ذلك قوله في حديث جرير ﵁: "صلاةٌ قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها"، زاد في رواية لمسلم: "يعني العصر والفجر"، قال الخطابيّ: سمّيتا بردين؛ لأنهما تصليان في بردي النهار، وهما طرفاه، حين يطيب الهواء، وتذهب سَوْرة الحرّ. ونقل عن أبي عبيد أن صلاة المغرب تدخل في ذلك أيضًا، وقال القزّاز في توجيه اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنة دون غيرهما من الصلوات ما مُحَصَّله: إن "مَن" موصولة، لا شرطية، والمراد الذين صَلَّوهما أولَ ما فُرِضت الصلاة، ثم ماتوا قبل فرض الصلوات الخمس؛ لأنها فُرِضت أوّلًا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشيّ، ثم فُرضت الصلوات الخمس، فهو خبر عن ناس مخصوصين، لا عموم فيه. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، والأوجه أن "مَن" في الحديث شرطية، وقوله: "دَخَلَ الجنّةَ" جواب الشرط، وعَدَلَ عن الأصل، وهو فعل المضارع، كأن يقول: يدخل الجنة؛ إرادةً للتأكيد في وقوعه، بجعل ما سيقع كالواقع، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٤]. انتهى (١). وعبارة "العمدة": وزَعَم القَزّاز أنه اجتهد في تمييز هذين الوقتين؛ لعظم فائدتهما، فقال: إن اللَّه تعالى أدخل الجنة كلَّ مَن صلّى تلك الصلاة، ممن آمن به في أول دعوته، وبَشَّر بهذا الخبر أن مَن صلاهما معه في أول فرضه إلى أن نُسِخ ليلة الإسراء أدخلهم اللَّه الجنة، كما بادروا إليه من الإيمان؛ تفضلًا منه تعالى. انتهى. قال العينيّ ﵀: كلامه يؤدّي إلى أن هذا مخصوص لأناس معينين، ولا عموم فيه، وأنه منسوخ، وليس كذلك من وجوه:

стр. 7679

(الأول): أن راويه أبا موسى سمعه في آواخر الإسلام، وأنه فَهِمَ العموم، وكذا غيره فَهِم ذلك؛ لأنه خير فضل لمحمد ﷺ ولأمته. الثاني: أن الفضائل لا تُنْسَخ. الثالث: أن كلمة "مَن" شرطية، وقوله: (دَخَلَ الْجَنَّةَ) جواب الشرط، فكلُّ من أتى بالشرط، فقد استحقّ المشروط؛ لعموم كلمة الشرط. ولا يقال: إن مفهومه يقتضي أن مَن لم يصلها لم يدخل الجنة؛ لأنا نقول: المفهوم ليس بحجة (١). وأيضًا فإن قوله: "دخل الجنة" خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن مَن صلاهما، وراعاهما انتَهَى عما ينافيهما، من فحشاء ومنكر؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أو يكون آخر أمره دخول الجنة. وأما وجه التخصيص بهما، فهو لزيادة شرفهما، وترغيبًا في حفظهما؛ لشهود الملائكة فيهما. انتهى (٢). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: والبردان: صلاة الصبح والعصر؛ لأنهما تُصلّيان في برد النهار من أوله، وأما الظهر فتُسمّى الْهَجِير، كما في حديث أبي بردة؛ لأنها تُصلّى بالهاجرة، ويقال للعصر والفجر: العصران، كذلك رُوي عن النبيّ ﷺ من حديث فضالة الليثيّ، وأنه أوصاه بالمحافظة عليهما، أخرجه أحمد، وأبو داود. وصلاة الصبح من صلاها فهو في ذمة اللَّه، كما في حديث جندب بن عبد اللَّه يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلّى الصبح، فهو في ذمة اللَّه، فلا تُخفروا اللَّه في ذمته"، رواه مسلم، وفي رواية له: "فلا يطلبنكم اللَّه من ذمته بشيء، فيدركه، فيَكُبّه في نار جهنم". وقد رُوي مثله في صلاة العصر أيضًا أخرجه نعيم بن حماد في "كتاب الفتن" عن عبد العزيز الدراورديّ، عن زيد بن أسلم، عمن حدّثه أن

стр. 7680

رسول اللَّه ﷺ قال: "من صلّى الصبح كان في جوار اللَّه حتى يُمسي، ومن صلى العصر كان في جوار اللَّه حتى يُصبح، فلا تُخفروا اللَّه في جِواره، فإنه من أخفر اللَّه في جواره طلبه اللَّه، ثم أدركه، ثم كبّه على منخره"، أي في جهنّم. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٨/ ١٤٣٩ و ١٤٤٠] (٦٣٥)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٧٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٣٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ٢٢٨)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَنَسَبَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَا: ابْنُ أَبِي مُوسَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأفوه البصريّ، سكن مكة، وكان

стр. 7681

واعظًا، ثقةٌ متقن، طُعن فيه برأي جهم،، ثم اعتَذَر وتاب [٩] (ت ٥ أو ١٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (ابْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ت) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٨٠. ٤ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِم) بن عبيد اللَّه الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، في حفظه شيءٌ من صغار [٩] (ت ٢١٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦. و"همّام" ذُكر قبله. وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) ضمير التثنية فيه، وفي "نَسَبَا" لبشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد همّام السابق، وهو: عن أبي جمرة، عن أبي بكر، عن أبيه. [تنبيه]: رواية بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم، عن همّام هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٣٣) فقال: (١٤١٥) حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، من أصل كتابه، ثنا أبو شعيب الحرّانيّ، ثنا عفان، ثنا همام، عن أبي جمرة، وعبد اللَّه بن محمد بن حيان، قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا هدبة بن خالد، ثنا همام، ثنا أبو جمرة (ح) وحدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن أحمد الخزاعيّ، ثنا محمد بن أبي عمر، ثنا بشر بن السريّ، ثنا همّام (١)، عن أبي جمرة الضبعيّ، وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا حمزة، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا همام، ثنا أبو جمرة الضبعيّ، عن أبي بكر، عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من صلّى البردين دخل الجنة"، لفظهم واحد. قال عمرو بن عاصم: "عن أبي بكر بن أبي موسى"، وسمّاه، ونسبه إلى أبيه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا أفرد أبو نعيم عمرو بن عاصم بقوله: "عن أبي بكر بن أبي موسى"، وهو مخالف لما قاله المصنّف، حيث جعل معه

стр. 7682

بشر بن السريّ، ولعله وقع المصنّف له عنهما جميعًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٩) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَاستِحْبَابِ التَّعْجِيلِ بِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤١] (٦٣٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠. ٤ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ المشهور، شهد بيعة الرضوان، ومات ﵁ سنة (٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٤/ ٢٨٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٨٧) من رباعيّات الكتاب، وهو من ثلاثيّات البخاريّ ﵀، فإنه رواه عن شيخه المكيّ بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة ﵁.

стр. 7683

٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة أيضًا. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، كان شجاعًا، راميًا، وكان يَسبق الفرس شَدًّا على قدميه، فلما قُتل عثمان ﵁ خرج من المدينة، فسكن الرَّبَذَة، وتزوّج بها امرأةً، فولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة، فمات بها، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي ساعة تغرُب، وهذا يدلّ على تأهّبه لها قبل وقتها، ومُراقبة وقتها، قاله القرطبيّ ﵀ (١). (وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أي استترت بما يحجبها عن الأبصار، يعني به غيبوبة جِرْم الشمس، قاله القرطبيّ ﵀ (٢). ولفظ أبي عوانة من طريق صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عُبيد: "كان يصلي المغرب ساعة غربت الشمس، حين يغيب حاجبها". وقال النوويّ ﵀: قوله: "إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب" اللفظان بمعنًى، وأحدهما تفسيرٌ للآخر، وفي هذين الحديثين (٣) أن المغرب تُعَجّل عقب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وقد حُكِي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه، ولا أصل له، وأما الأحاديث السابقة في تأخير المغرب إلى قريب سقوط الشفق، فكانت لبيان جواز التأخير، كما سبق إيضاحه، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت، وهذان الحديثان إخبار عن عادة رسول اللَّه ﷺ المتكررة التي واظب عليها، إلا لعذر، فالاعتماد عليها، واللَّه أعلم. انتهى (٤). ومما يدلّ على استحباب تعجيل صلاة المغرب، ما أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، عن مَرْثَد بن عبد اللَّه الْيَزنيّ، قال: لَمّا قَدِم علينا أبو

стр. 7684

أيوب غازيًا، وعقبة بن عامر يومئذ على مِصْرَ، فأخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب، فقال له: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ فقال: سغِلنا، قال: أما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تزال أمتي بخير، أو قال: على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب، إلى أن تشتبك النجوم"؟ (١). [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ بلفظ: "كنّا نصلّي مع النبيّ ﷺ المغرب إذا توارت بالحجاب"، قال في "الفتح": قوله: "إذا توارت بالحجاب": أي استترت، والمراد الشمس، قال الخطابيّ: لم يذكرها اعتمادًا على أفهام السامعين، وهو كقوله في القرآن: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. انتهى. وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، بلفظ: "إذا غربت السْمس، وتوارت بالحجاب"، فدلّ على أن الاختصار في المتن من شيخ البخاريّ، وقد صرَّح بذلك الإسماعيليّ، ورواه عبد بن حميد، عن صفوان بن عيسى، وأبو عوانة، والإسماعيليّ، من طريق صفوان أيضًا عن يزيد بن أبي عبيد، بلفظ: "كان يصلي المغرب ساعةَ تَغْرُب الشمس، حين يغيب حاجبها"، والمراد حاجبها الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها، والرواية التي فيها "توارت" أصرح في المراد. قال: واستُدِلّ بهذه الأحاديث على ضعف (٢) حديث أبي بَصْرَة -بالموحدة، ثم المهملة- رفعه في أثناء حديث: "ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد، والشاهد النجم". انتهى (٣). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: قوله: "توارت" الضمير يعود إلى غير مذكور، وهو الشمس، وقرينة صلاة المغرب يدلّ عليه، وهو كقوله تعالى في قصّة سليمان ﵇: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص: ٣١ - ٣٢]، فحذف ذكر الشمس؛ لدلالة العشيّ عليها.

стр. 7685

والمعنى بتواريها بالحجاب تواري قُرصها عن أعين الناظرين بما حجبها عنها من الأرض. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ١٤٤١] (٦٣٦)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٦١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤١٧)، و (الترمذيّ) فيها (١٦٤)، و (ابن ماجه) فيها (٦٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٦٢ و ١٠٦٣ و ١٠٦٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ ابن رجب ﵀ ما حاصله: هذا الحديث، ومثله حديث جابر ﵁ يعني الآتي لمسلم (٦٤٦): "والمغرب إذا وجبت"، أي يصلي المغرب إذا غربت الشمس يدلان على أن مجرّد غيبوبة القرص يدخل به وقت صلاة المغرب، كما يُفطر به الصائم، وهذا إجماع من أهل العلم، حكاه ابن المنذر وغيره. قال العلماء: ولا عبرة ببقاء الحمرة الشديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس، وغيبوبته عن الأبصار، ومنهم من حكى رواية عن أحمد باعتبار غيبوبة هذه الحمرة، وبه قال الماورديّ من الشافعيّة، ولا يصحّ ذلك. وأما إن بقي شيء من شُعاعها على الجدران، أو الجبال، فلا بدّ من ذهابه، وحكى الطحاويّ عن قوم أنهم اعتبروا مع مغيب الشمس طلوع النجم،

стр. 7686

ولم يسمّهم، والظاهر أنه قول طائفة من أهل البدع، كالروافض، ونحوهم، ولم يقل ذلك أحدٌ من العلماء المعتدّ بهم. ورَوَى أبو نعيم الفضل بن دُكين: ثنا إسرائيل، عن طارق، عن سعيد بن الْمُسيّب، قال: كَتَبَ عمر إلى أمراء الأمصار: لا تصلّوا المغرب حتى تشتبك النجوم، وهذا إنما يدلّ على استحباب ذلك، وقد رُوي عن عمر خلاف ذلك موافقةً لجمهور الصحابة ﵃. والأحاديث، والآثار في كراهة التأخير حتى يطلع النجم كثيرة جدًّا، ومن أجودها ما روى محمد بن إسحاق، حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثد بن عبد اللَّه، قال: لَمّا قَدِم علينا أبو أيوب غازيًا، وعقبة بن عامر يومئذ على مصر، فأَخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب، فقال له: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ فقال: شُغِلنا، قال: أما سمعت رسول اللَّه ﷺ قول: "لا تزال أمتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم"، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم وصحّحه. وقد خولف ابن إسحاق في إسناده، فرواه حيوة بن شُريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، عن أبي أيوب، قال: "كنّا نصلي المغرب حين تجب الشمس" (١)، ورواه ابن لَهِيعة، عن يزيد، ورفعه إلى النبيّ ﷺ ، وقال أبو زرعة: حديث حيوة أصحّ. وأخرج الإمام أحمد معناه من حديث السائب بن يزيد، عن النبيّ ﷺ ، وأخرجه ابن ماجه من حديث العباس بن عبد المطّلب، عن النبيّ ﷺ . وقد رُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخّر ليلة المغرب حتى طلع نجمان، فأعتق رقبتين كفّارةً لتأخيره، ذكر هذا كله الحافظ ابن رجب ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن تعجيل صلاة المغرب هو المستحبّ، وقد تقدّم أن هذا مجمع عليه، ولا اعتداد بمن خالف في ذلك، وسيأتي -إن شاء اللَّه تعالى- الكلام على حديث: "ولا صلاة بعدها

стр. 7687

حتى يطلُع الشاهد"، في "باب الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها"، فإن للعلماء أقوالًا في تأويله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٣] (٦٣٧) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا (٢) الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ، قَالَ: سَمِعتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْن مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢. ٢ - (الْوَلِيدُ بْن مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٤ - (أَبُو النَّجَاشِيِّ) -بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبالشين المعجمة- عطاء بن صُهيب -بضم الصاد المهملة- الأنصاريّ، ثقةٌ [٤] (خ م س ق) تقدم في "المساجد" ٣٤/ ١٤١٧. ٥ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيج) -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، وبالجيم- ابن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، أول مشاهده أحُدٌ، ثم الخندق، مات ﵁ سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.

стр. 7688

٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع إلى آخره. ٣ - (ومنها): أنه مما اتّفق عليه الشيخان، فإن البخاريّ ﵀ رواه أيضًا عن محمد بن مهران شيخ المصنّف بسنده. ٤ - (ومنها): أنه ما بين رازيّ، وهو شيخه، وشاميينِ، وهما: الوليد، والأوزاعيّ، ومدنيينِ، وهما أبو النجاشيّ، ورافع ﵃ أجمعين، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أبي النجاشيّ، عطاء بن صُهيب أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) ﵁ (يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا) أي يسلّم من الصلاة، ويرجع إلى أهله (وَإِنَّهُ) الواو للحال (لَيُبْصِرُ) بضمّ أوله، مبنيًّا للفاعل، من الإبصار، واللام للتأكيد، والجملة حال من "أحدُنا" وقوله: (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) منصوب على المفعوليّة لـ "يُبْصِرُ"، وهو جمع موقع، وهو موضع الوقوع، و"النَّبْلُ" -بفتح النون، وسكون الموحّدة، آخره لام-: السهام العربيّة، وهي مؤنّثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سَهْمٌ، فهي مفردة اللفظ مجموعة المعنى (١). وقال في "الفتح": قوله: "وإنه لَيُبْصِر مواقع نبله": أي المواضع التي تَصِلُ إليها سهامه إذا رَمَى بها، و"النبل" -بفتح النون، وسكون الموحّدة-: هي السهام العربية، وهي مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سِيدَهْ، وقيل: واحدها نَبْلةٌ، مثل تَمْرٍ وتَمْرة. ورَوَى أحمد في "مسنده" من طريق عليّ بن بلال، عن ناس من الأنصار، قالوا: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ المغرب، ثم نرجع فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا"، وإسناده حسن. ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باقٍ. انتهى (٢).

стр. 7689

وقال النوويّ ﵀: معناه أنه يُبَكِّر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس، حتى ننصرف، ويرمى أحدنا النبل عن قوسه، ويبصر موقعه؛ لبقاء الضوء. وقال في "العمدة": معنى الحديث أنه يُبَكِّر بالمغرب في أول وقتها بمجرد غروب الشمس، حتى ينصرف أحدنا، ويرمي النبل عن قوسه، ويبصر موقعه لبقاء الضوء. قال: ودلّ الحديث المذكور على أنه ﷺ صلى المغرب عند غروب الشمس، وبادر بها بحيث إنه لَمّا فَرَغ منها كان الضوء باقيًا. وهو مذهب الجمهور، وذهب طاووس، وعطاء، ووهب بن منبه إلى أن أول وقت المغرب حين طلوع النجم، واحتجُّوا في ذلك بحديث أبي بَصْرَة (١) الغفاريّ ﵁ قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ العصر بالْمَحْمَض (٢)، فقال: "إن هذه الصلاة عُرِضت على من كان قبلكم، فَضَيَّعوها، فمن حافظٌ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يَطْلُع الشاهد"، والشاهد النجم، أخرجه مسلم، والنسائيّ، والطحاويّ. وأجاب الطحاويّ عنه بأن قوله: "ولا صلاة بعدها حين يرى الشاهد"، يَحْتَمِل أن يكون هو آخر قول النبيّ ﷺ كما ذكره الليث، ولكن الذي رواه غيره تأوَّل أن الشاهد هو النجم، فقال ذلك برأيه، لا عن النبيّ ﷺ على أن الآثار قد تواترت عن النبيّ ﷺ أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب. انتهى (٣).

стр. 7690

قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي الكلام على حديث أبي بَصْرة الغفاريّ ﵁، في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-. [تنبيه]: حديث رافع بن خديج ﵁ هذا قد تقدّم للمصنّف في "باب استحباب التبكير بالعصر" بسياق آخر، ونصّه: (٦٢٥) حدّثنا محمد بن مِهْران الرازيّ، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعيّ، عن أبي النجاشيّ، قال: سمعت رافع بن خديج يقول: "كنا نصلي العصر مع رسول اللَّه ﷺ ثم تنحر الجزور، فتقسم عشر قِسَم، ثم تطبخ، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس". حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، وشعيب بن إسحاق الدمشقيّ قالا: حدّثنا الأوزاعيّ، بهذا الإسناد، غير أنه قال: "كنا ننحر الجزور على عهد رسول اللَّه ﷺ ، بعد العصر"، ولم يقل: كنا نصلي معه. انتهى، ولتُراجع شرحه، ومسائله هناك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث رافع بن خَدِيج ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٩/ ١٤٤٢ و ١٤٤٣] (٦٣٧)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٥٩)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٤٢٢)، وفوائد الحديث تقدّمت. (المسألة الثالثة): في ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث، واختلاف رواته: (اعلم): أنه رُوي معنى هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة ﵃ في صلاتهم مع النبيّ ﷺ المغرب، إلا أنه لم يخرّج في "الصحيحين" من غير هذه الطريق، قاله ابن رجب ﵀ (١).

стр. 7691

أخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك، قال: "كنا نصلي المغرب مع النبيّ ﷺ ، ثم نرمي، فيرى أحدنا موضع نبله". وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح أيضًا عن حسان بن بلال، عن رجل من أسلم، من أصحاب النبيّ ﷺ : "أنهم كانوا يصلون مع نبيّ اللَّه ﷺ المغرب، ثم يرجعون إلى أهاليهم إلى أقصى المدينة، يرمون، ويُبصرون مواقع سهامهم". وروى الإمام أحمد، عن هشيم، عن أبي بشر، عن عليّ بن بلال، عن ناس من الأنصار، قالوا: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ المغرب، ثم ننصرف، فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا". ورواه عن أبي عوانة، قال: حدثنا أبو بشر، عن علي بن بلال الليثيّ، قال: صليت مع نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فحدثوني أنهم: "كانوا يصلون المغرب، مع رسول اللَّه ﷺ ، ثم ينطلقون يترامون، لا يخفى عليهم مواقع سهامهم، حتى يأتون ديارهم في أقصى المدينة". وأخرج أحمد، وابن خزيمة في "صحيحه" من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ المغرب، ثم نأتي بني سَلِمَة، ونحن نبصر مواقع النبل". وأخرجه أحمد من رواية عبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: "كنا نصلي مع النبيّ ﷺ المغرب، ثم نرجع إلى منازلنا، وهي ميل، وأنا أبصر مواقع النبل". وعند الطبراني في "المعجم الكبير" من حديث زيد بن خالد ﵁ قال: "كنا نصلي مع النبيّ ﷺ المغرب، ثم ننصرف، حتى نأتي السوق، وإنَّا لنرى مواضع النبل". وعن كعب بن مالك ﵁: "كان النبيّ ﷺ يصلي المغرب، ثم يرجع الناس إلى أهليهم ببني سَلِمة، وهم يُبصِرون مواقع النبل حين يرمى بها"، قال أبو حاتم: صحيح مرسلٌ. قال ابن رجب ﵀: وهذا كلّه يدلّ على شدّة تعجيل النبيّ ﷺ لصلاة المغرب، ولهذا كانت تُسمّى صلاة البصر، كما أخرجه الإمام أحمد، من رواية أبي طَرِيف الهذليّ ﵁ قال: كنت مع النبيّ ﷺ حين جاء خبر أهل الطائف،

стр. 7692

فكان يصلي بنا صلاة البصر، حتى لو أن رجلًا رَمَى لرأى موقع نبله (١). قال أحمد بن حنبل: صلاة البصر المغرب (٢). وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان نحوه، ذكره أبو عليّ الطوسيّ في "الأحكام". قال في "العمدة": فإن قلت: وردت أحاديث تدلّ على تأخيره إلى قرب سقوط الشفق، قلت: هذه لبيان جواز التأخير. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٤) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا (٥) شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي (٦) أَبُو النَّجَاشِيِّ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ، بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ) ابن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن راشد الدّمَشقيّ الأمويّ مولى رَمِلة بنت عثمان، أصله من البصرة، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٨٩) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد" ٣٤/ ١٤١٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن شُعيب بن إسحاق حدّث عن الأوزاعي، بنحو حديث الوليد، عنه المتقدّم. [تنبيه]: شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ هذه لم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 7693

(٤٠) - (بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٤] (٦٣٨) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ"، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ فِي النَّاسِ، زَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ (٢) "، وَذَاكَ (٣) حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران التُّجِيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.

стр. 7694

٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ فقيه حجة، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والقول. ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة. ٧ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ الصدّيقة بنت الصدّيق حبيبة رسول اللَّه ﷺ ، بنت حبيبه ﵄، أفقه نساء الأمة، ومن الفقهاء السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ) ﵂ (قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي أخّرها حتى اشتدّت عَتَمَةُ الليل، وهي ظلمته، قاله النوويّ ﵀ (١)، وقال في "المصباح": أَعْتَمَ: إذا دخل في العَتَمَة، مثل أصبح: إذا دخل في الصباح. انتهى.

стр. 7695

و"العَتَمَةُ" محرَّكَةً: ثلثُ الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: عبارة عن وقت صلاة العشاء الآخرة، وقيل: هي بقية الليل، أفاده في "العمدة" (١). (لَيْلَةً) منصوبٌ على الظرفيّة متعلّق بـ "أعتم" (مِنَ اللَّيَالِي) متعلّق بصفة لـ "ليلةً" (بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ) متعلق بـ "أَعتم"، أي دَخَلَ بصلاة العشاء العَتَمَةَ، أي أخّر أداءها. قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن غالب أحواله ﷺ تقديمها؛ رفقًا بهم؛ لئلا يشقّ عليهم، كما بيّنه في آخر الحديث. وقال الخطّابيّ ﵀: إنما أخّرهم ليقلّ حظّ النوم، وتطول مدّة الصلاة، فيكثر أجرهم؛ لأنهم في صلاة ما داموا ينتظرونها. وقال بعض الحكماء: النوم المحمود مقدار ثمان ساعات. انتهى (٢). وقوله: (وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى) بالبناء للمفعول، أي يسمّيها الناس (الْعَتَمَةَ) فيه إشارة إلى أن هذا الاسم مشهور بينهم، وفي "المصنّف": حدّثنا وكيع، حدّثنا شريكٌ، عن أبي فزارة، عن ميمون بن مِهْرَان، قال: قلت لابن عمر: من أول من سمّاها العتمة؟ قال: الشيطان، أفاده في "العمدة" (٣). وسيأتي حديث النهي عن تسمية العشاء بالعتمة آخر الباب -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي من حجرته إلى المسجد (حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (نَامَ النِّسَاءُ) بالكسر، ومثله النِسْوَة، بكسر النون أيضًا، أفصح من النُّسوة بضمها، اسمان لجماعة إناث الأناسيّ، الواحدة امرأة من غير لفظ الجمع، أفاده في "المصباح". (وَالصِّبْيَانُ) بكسر الصاد، وتضم: جمع صَبِيّ، وهو من لدن يُولد إلى أن يُفْطَم، قاله في "اللسان"، وقال في "القاموس": الصَّبِيّ مَن لم يُفْطَم بعد، جمعه أصْبِيَةٌ، وَأصْبٍ، وَصِبْوَة -بالكسر- وصَبْيَة، بالفتح، وصِبْيَةٌ، وصُبْوانٌ، وصُبْيَانٌ بكسر الثلاثة، وتضم. انتهى بإيضاح.

стр. 7696

وأراد عمر ﵁ النساء والصبيان الحاضرين في المسجد، لا النائمين في بيوتهم، وإنما خَصّ هؤلاء بالذكر؛ لأنهم مَظِنّة قلة الصبر على النوم، ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال. قال النوويّ ﵀: قوله: "نام النساء والصبيان": أي مَن ينتظر الصلاة منهم في المسجد، وإنما قال عمر ﵁: "نام النساء والصبيان"؛ لأنه ظنَّ أن النبيّ ﷺ إنما تأخر عن الصلاة ناسيًا لها، أو لوقتها. انتهى (١). (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي من حجرته إلى المسجد (فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: "مَا) نافيةٌ (يَنْتَظِرُهَا) أي صلاة العشاء في هذه الساعة (أَحَدٌ) بالرفع على الفاعليّة (مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ") أي غير أهل المدينة، فقوله: "غيركم" بالرفع صفة لـ "أحدٌ"، ووقع صفة لنكرة؛ لأنه لا يتعرف بالإضافة إلى المعرفة، لِتَوغّلِهِ في الإبهام، اللهم إلا إذا أضيف إلى المشتهر بالمغايرة، ويجوز أن يكون بدلًا من لفظ "أحد"، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء، قاله في "العمدة" (٢). ثم بيّن سبب عدم انتظار غير أهل المدينة لهذه الصلاة بقوله: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ فِي النَّاسِ) وفي رواية للبخاريّ: "قال: ولا تُصلَّى يومئذ إلا بالمدينة"، ولفظ النسائيّ: "ولم يكن يومئذ أحذ يصلي غيرُ أهل المدينة". والمراد به أنها لا تُصَلَّى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة إلا بالمدينة، وبه صرَّح الداوديّ؛ لأن مَنْ كَانَ بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سِرًّا، وأما غير مكة والمدينة من البلاد، فلم يكن الإسلام دخلها، قاله في "الفتح" (٣). زاد في رواية البخاريّ: "وكانوا يصلّون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول"، قال في "الفتح": قوله: "وكانوا" أي النبيّ ﷺ وأصحابه، وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء؛ لما يشعر به السياق من المواظبة على ذلك، وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائيّ، من رواية

стр. 7697

إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن الزهريّ، ولفظه: "ثم قال: صَلُّوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل"، وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنس: "إنه أخّر الصلاة إلى نصف الليل"، معارضة؛ لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته ﷺ . انتهى (١). (زَادَ حَرْمَلَةُ) بن يحيى (فِي رِوَايَتِهِ)، وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) مفعول به لـ "زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: (وَذُكِرَ لِي) بالبناء للمفعول مقولُ "قال" (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا) هو بتاء مثناة من فوقُ مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم زاء مضمومة، ثم راء: أي تُلِحُّوا عليه، ونقل القاضي عن بعض الرواة أنه ضبطه "تُبْرِزُوا" -بضم التاء، وبعدها باء موحدة، ثم راء مكسورة، ثم زاي- من الإبراز، وهو الإخراج، والرواية الأولى هي الصحيحة المشهورة التي عليها الجمهور. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أن تُبْرِزوا" رواه الرازيّ بالباء، وتقديم الراء، وضمّ التاء، وكسر الراء، من الإبراز، وهو الإخراج، ورواه سائر الرواة: "تَنْزُرُوا" بفتح التاء، وبالنون، وتقديم الزاي، وضمّها، وهو الصحيح، ومعناه الإلحاح عليه في الخروج، وهذا إنما قاله ﷺ مؤدّبًا لهم، ومعلِّمًا لَمّا صاح عمر ﵁: "نام النساء والصبيان"، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بالنصب على المفعوليّة لـ "تنزُروا" (عَلَى الصَّلَاةِ") وفي نسخة: "للصلاة" (وَذَاكَ) وفي نسخة: "وذلك" أي قول النبيّ ﷺ : "وما كان لكم أن تنزُروا. . . إلخ" (حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أي بقوله: "نام النساء والصبيان". [تنبيه]: قول ابن شهاب ﵀: "وذُكر لي. . . إلخ"، مرسلٌ؛ لم يذكر من ذكره له، قال الحافظ الرشيد العطّار ﵀: هكذا هو في كتاب مسلم، وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، والنسائيّ في "سننه"، فلم يذكرا هذه الزيادة التي في آخره من قول الزهريّ، ولا أعلم الآن من أسندها من الرواة، واللَّه

стр. 7698

أعلم. انتهى كلام العطّار (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٤٤ و ١٤٤٥ و ١٤٤٦] (٦٣٨)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٦٦ و ٥٦٩)، وفي "الأذان" (٨٦٢) وفي (٨٦٤)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٨٢)، وفي "المواقيت" (٥٣٥ و ٥٣٦)، وفي "الكبرى" (٣٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٩٩ و ٢١٥ و ٢٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٣٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٥ و ١٠٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٨ و ١٤١٩ و ١٤٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٧٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تأخير صلاة العشاء. ٢ - (ومنها): مشروعية الإعلام للإمام؛ ليخرج إلى الصلاة. ٣ - (ومنها): مشروعيّة تنبيه الصغير للكبير إذا ظنّ أنه غفل عن الصلاة. ٤ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء. قال في "الفتح": ولا دلالة فيه؛ لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان قاعدًا متمكنًا، أو لاحتمال أن يكون مضطجعًا لكنه توضأ، وإن لم ينقل، اكتفاءً بما عُرِف من أنهم لا يصلون على غير وضوء. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من اهتمامهم بصلاة الجماعة؛ حتى يحضر النساء والصبيان.

стр. 7699

٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: إن التأخير المذكور في هذا الحديث وما بعده كلُّه تأخير لم يَخرُج به عن وقت الاختيار، وهو نصف الليل، أو ثلث الليل على الخلاف المشهور الذي قدّمنا بيانه في أول المواقيت. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد قدّمنا أن الراجح أن نصف الليل هو آخر وقت العشاءء، فلا وقت لها بعده، وإن قال به الجمهور؛ لحديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄، مرفوعًا: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٥] (. . .) -وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ: وَذُكِرَ لِي، وَمَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شُعيب بن الليث بن سعد الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصرىّ، ثقةٌ فقيهٌ نَبِيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْل) -بالضمّ- ابن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأيليّ أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثمّ الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد ابن شهاد الماضي، وهو: عن عروة، عن عائشة ﵂.

стр. 7700

وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث يونس، يعني أن الليث بن سعد حدّث عن ابن شهاب، مثل حديث يونس عنه، لكنه لم يذكر كلام الزهريّ الأخير. [تنبيه]: رواية الليث هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٥٦٦) حدّثنا يحيى بن بكير، قال: حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة أخبرته، قالت: أعتم رسول اللَّه ﷺ ليلةً بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان، فخرج، فقال لأهل المسجد: "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالُوا جَمِيعًا: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ: أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ (١) أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: "لَوْلَا أَنَّ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (ح د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.

стр. 7701

٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ٥ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤. ٦ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٨ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهير، عَمِي فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٩ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ١٠ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ) الصنعانيّ الأَبناويّ، ثقة [٤]. رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأبي هريرة، ووهب بن مُنَبِّه، وعبد اللَّه بن سعد بن خيثمة الأنصاريّ، وعمر بن عبد العزيز، وطاووس، وصفية بنت شيبة، وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. ورَوَى عنه مجاهد، وهو أكبر منه، ونافع مولى ابن عمر، وهو من أقرانه، وعمرو بن شعيب، وبُدَيل بن ميسرة، وصدقة بن يسار، وجرير بن حازم، وابن جريج، وأبو الْعُمَيس، وإبراهيم بن عمر بن كيسان الصنعانيّ، وآخرون. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، والعجلي. وقال الدُّورِيُّ: هو الذي روى عنه ابن جريج، وجرير بن حازم، ليس مغيرة غيره. وقال عُبَيد بن عمير، عن نافع: سألني عمر بن عبد العزيز عن زكاة

стр. 7702

العسل؟ فقلت: أخبرني المغيرة بن حكيم أنه ليس فيه زكاة، فقال: عَدْلٌ مَرْضِيٌّ، فكتب إلى الناس بذلك. وقال الآجريّ عن أبي داود: المغيرة بن حكيم: أحد الآخذين، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج البخاريّ في التعاليق، والمصنّف هذا الحديث فقط، والترمذيّ، والنسائيّ، وله حديثان، حديث الباب، وحديث: "لا يُقطَعُ الوادي إلا شَدًّا". ١١ - (أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، أمها حبيبة بنت خارجة، وتُوُفّي أبوها، وهي حَمْلٌ، ثقة [٢] (بخ م س ق) تقدمت في "الحيض" ٢١/ ٧٩٢. [فائدة]: وقع السؤال عن "أم كلثوم" هل يُمْنَع عجزه من الصرف؛ للعلمية والتأنيث المعنويّ، كما منع في "أبي هريرة"، و"أبي بكرة" للتأنيث اللفظيّ؟. فأجاب الشيخ محمد الدمياطيّ الخُضَريّ في "حاشيته" على "ألفية ابن مالك" بالفرق بينهما بأن العلة الثانية، وهي التأنيث في "هريرة" تامة مستقلّة به قبل التركيب وبعده، فانضمّت لجزء العلمية الحاصلة بعد التركيب، ومنعته، بخلاف "كلثوم"، فإن فيه جزء كل من العلمية والتأنيث المعنويّ؛ لأنه مدلولٌ لمجموع الجزأين، لا للعجز وحده، فالظاهر أن لا يُمْنَعَ، وهو الجاري على ألسنة المحدثين كما في الدمامينيّ على "المغني"؛ لِتَجَزُّئِ كل من العلتين فيه. انتهى (١). ١٢ - (عَائِشَةُ) ﵂ ذُكرت قبله. وقوله: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي أخّر العشاء الأخيرة إلى عَتَمة الليل، وهي ظلمته. وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي. وقوله: (حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ) قال النوويّ: أي كثير منه، وليس المراد أكثره، ولا بدّ من هذا التأويل، لقوله ﷺ : "إنه لوقتها"، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل؛ لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. انتهى (٢).

стр. 7703

قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأدلة الصحيحة قاضيةٌ بأنَّ ما بعد النصف ليس وقتًا لها، فلا بدّ من التأويل المذكور؛ جمعًا بين الأدلة، فتبصر، واللَّه أعلم. وقوله: ("إِنَّهُ لَوَقْتُهَا) قال القرطبيّ ﵀: يعني الأفضل، ولهذا وشبهه قال مالك: إن تأخير العشاء أفضل، وقيل عنه: تعجلها أفضل أخذًا بالتخفيف، ولأن التعجيل كان غالب أحوال رسول اللَّه ﷺ ، وقد اختار بعض أصحابنا تقديمها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطئوا؛ أخذًا بحديث جابر ﵁ الآتي. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله هذا البعض هو الحقّ؛ لقوّة دليله، وسيأتي تحقيق ذلك -إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي") قال النوويّ ﵀: معناه إنه لوقتها المختار، أو الأفضل، ففيه تفضيل تأخيرها، وأن الغالب كان تقديمها، وإنما قدَّمها للمشقة في تأخيرها، ومن قال بتفضيل التقديم، قال: لو كان التأخير أفضل لواظب عليه، ولو كان فيه مشقة، ومن قال بالتأخير قال: قد نَبَّه على تفضيل التأخير بهذا اللفظ، وصَرَّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، ومعناه -واللَّه أعلم- أنه خَشِي أن يواظبوا عليه، فيفرض عليهم، ويتوهموا إيجابه، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح، وعَلَّل تركها بخشية افتراضها، والعجز عنها، وأجمع العلماء على استحبابها؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء، قال الخطابيّ وغيره: إنما يستحب تأخيرها؛ لتطول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاة. انتهى (١). وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٧] (٦٣٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ،

стр. 7704

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ، نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا (١) حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: "إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي، لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ"، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ذُكر في السند الماضي. ٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتَمِر بن عبد اللَّه السَّلَمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦. ٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتَيبَةَ، أبو محمد الكِنْدِي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] (ت ١١٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، مات (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنه اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن زهيرًا نسائيّ، ثم بغداديّ، وإسحاق مروزيّ، ثم نيسابوريّ، وجريرًا كوفيّ، ثم رازيّ، ومنصورًا والحكم كوفيان، ونافعًا وابن عمر مدنيان.

стр. 7705

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ أنه (قَالَ: مَكَثْنَا) -بفتح الكاف، وضمها- قال في "المصباح": مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَلَ: أقام، ولَبِثَ، فهو ماكِثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثل قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريبٌ، لغة، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتَمَكَّث في أمره، إذا لم يَعْجَل فيه. انتهى: أي لَبِثنا في المسجد (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي (نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) جملة فعليّةٌ في محلّ نصب على الحال من فاعل "مَكَثَ". (لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) أي لأجل صلاة العشاء الآخرة، قال النوويّ ﵀: فيه دليل على جواز وصف العشاء بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه؛ خلافًا لما حُكِيَ عن الأصمعيّ من كراهة هذا، وقد سبق بيان المسألة. انتهى (١). (فَخَرَجَ إِلَيْنَا) وفي نسخة: "فخرج علينا"، أي من الحجرة الشريفة (حِينَ ذَهَبَ) أي مضى (ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ) للشك من الراوي (بَعْدَهُ) أي بعد الثلث (فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ) أي لا نعلم سبب تأخّره إلى ذلك الوقت، هل شيء يتعلّق بأهله؟، كمرض، أو نحو ذلك. لكن بيّن سببه الإمام أحمد في روايته، فقد أخرج الحديث من رواية أفلح، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول اللَّه ﷺ أخَّر ليلةً العشاء، حتى رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، وإنما حبسنا لوفد جاءه، ثم خرج، فذكر الحديث (٢). فتبيّن بهذا أن سبب تأخّره هو اشتغاله بالوفد. وأخرج الإمام أحمد أيضًا من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن
следующие страницы →