٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٥ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٦ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٨ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهير، عَمِي فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٩ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
١٠ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ) الصنعانيّ الأَبناويّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأبي هريرة، ووهب بن مُنَبِّه، وعبد اللَّه بن سعد بن خيثمة الأنصاريّ، وعمر بن عبد العزيز، وطاووس، وصفية بنت شيبة، وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق.
ورَوَى عنه مجاهد، وهو أكبر منه، ونافع مولى ابن عمر، وهو من أقرانه، وعمرو بن شعيب، وبُدَيل بن ميسرة، وصدقة بن يسار، وجرير بن حازم، وابن جريج، وأبو الْعُمَيس، وإبراهيم بن عمر بن كيسان الصنعانيّ، وآخرون.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، والعجلي. وقال الدُّورِيُّ: هو الذي روى عنه ابن جريج، وجرير بن حازم، ليس مغيرة غيره.
وقال عُبَيد بن عمير، عن نافع: سألني عمر بن عبد العزيز عن زكاة
стр. 7702
العسل؟ فقلت: أخبرني المغيرة بن حكيم أنه ليس فيه زكاة، فقال: عَدْلٌ مَرْضِيٌّ، فكتب إلى الناس بذلك.
وقال الآجريّ عن أبي داود: المغيرة بن حكيم: أحد الآخذين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج البخاريّ في التعاليق، والمصنّف هذا الحديث فقط، والترمذيّ، والنسائيّ، وله حديثان، حديث الباب، وحديث: "لا يُقطَعُ الوادي إلا شَدًّا".
١١ - (أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، أمها حبيبة بنت خارجة، وتُوُفّي أبوها، وهي حَمْلٌ، ثقة [٢] (بخ م س ق) تقدمت في "الحيض" ٢١/ ٧٩٢.
[فائدة]: وقع السؤال عن "أم كلثوم" هل يُمْنَع عجزه من الصرف؛ للعلمية والتأنيث المعنويّ، كما منع في "أبي هريرة"، و"أبي بكرة" للتأنيث اللفظيّ؟.
فأجاب الشيخ محمد الدمياطيّ الخُضَريّ في "حاشيته" على "ألفية ابن مالك" بالفرق بينهما بأن العلة الثانية، وهي التأنيث في "هريرة" تامة مستقلّة به قبل التركيب وبعده، فانضمّت لجزء العلمية الحاصلة بعد التركيب، ومنعته، بخلاف "كلثوم"، فإن فيه جزء كل من العلمية والتأنيث المعنويّ؛ لأنه مدلولٌ لمجموع الجزأين، لا للعجز وحده، فالظاهر أن لا يُمْنَعَ، وهو الجاري على ألسنة المحدثين كما في الدمامينيّ على "المغني"؛ لِتَجَزُّئِ كل من العلتين فيه. انتهى (١).
١٢ - (عَائِشَةُ) ﵂ ذُكرت قبله.
وقوله: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي أخّر العشاء الأخيرة إلى عَتَمة الليل، وهي ظلمته.
وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي.
وقوله: (حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ) قال النوويّ: أي كثير منه، وليس المراد أكثره، ولا بدّ من هذا التأويل، لقوله ﷺ : "إنه لوقتها"، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل؛ لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. انتهى (٢).
стр. 7703
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأدلة الصحيحة قاضيةٌ بأنَّ ما بعد النصف ليس وقتًا لها، فلا بدّ من التأويل المذكور؛ جمعًا بين الأدلة، فتبصر، واللَّه أعلم.
وقوله: ("إِنَّهُ لَوَقْتُهَا) قال القرطبيّ ﵀: يعني الأفضل، ولهذا وشبهه قال مالك: إن تأخير العشاء أفضل، وقيل عنه: تعجلها أفضل أخذًا بالتخفيف، ولأن التعجيل كان غالب أحوال رسول اللَّه ﷺ ، وقد اختار بعض أصحابنا تقديمها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطئوا؛ أخذًا بحديث جابر ﵁ الآتي. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله هذا البعض هو الحقّ؛ لقوّة دليله، وسيأتي تحقيق ذلك -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقوله: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي") قال النوويّ ﵀: معناه إنه لوقتها المختار، أو الأفضل، ففيه تفضيل تأخيرها، وأن الغالب كان تقديمها، وإنما قدَّمها للمشقة في تأخيرها، ومن قال بتفضيل التقديم، قال: لو كان التأخير أفضل لواظب عليه، ولو كان فيه مشقة، ومن قال بالتأخير قال: قد نَبَّه على تفضيل التأخير بهذا اللفظ، وصَرَّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، ومعناه -واللَّه أعلم- أنه خَشِي أن يواظبوا عليه، فيفرض عليهم، ويتوهموا إيجابه، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح، وعَلَّل تركها بخشية افتراضها، والعجز عنها، وأجمع العلماء على استحبابها؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء، قال الخطابيّ وغيره: إنما يستحب تأخيرها؛ لتطول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاة. انتهى (١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٧] (٦٣٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ،
стр. 7704
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ، نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا (١) حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: "إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي، لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ"، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ذُكر في السند الماضي.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتَمِر بن عبد اللَّه السَّلَمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتَيبَةَ، أبو محمد الكِنْدِي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] (ت ١١٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، مات (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنه اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن زهيرًا نسائيّ، ثم بغداديّ، وإسحاق مروزيّ، ثم نيسابوريّ، وجريرًا كوفيّ، ثم رازيّ، ومنصورًا والحكم كوفيان، ونافعًا وابن عمر مدنيان.
стр. 7705
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ أنه (قَالَ: مَكَثْنَا) -بفتح الكاف، وضمها- قال في "المصباح": مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَلَ: أقام، ولَبِثَ، فهو ماكِثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثل قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريبٌ، لغة، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتَمَكَّث في أمره، إذا لم يَعْجَل فيه. انتهى: أي لَبِثنا في المسجد (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي (نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) جملة فعليّةٌ في محلّ نصب على الحال من فاعل "مَكَثَ".
(لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) أي لأجل صلاة العشاء الآخرة، قال النوويّ ﵀: فيه دليل على جواز وصف العشاء بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه؛ خلافًا لما حُكِيَ عن الأصمعيّ من كراهة هذا، وقد سبق بيان المسألة. انتهى (١).
(فَخَرَجَ إِلَيْنَا) وفي نسخة: "فخرج علينا"، أي من الحجرة الشريفة (حِينَ ذَهَبَ) أي مضى (ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ) للشك من الراوي (بَعْدَهُ) أي بعد الثلث (فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ) أي لا نعلم سبب تأخّره إلى ذلك الوقت، هل شيء يتعلّق بأهله؟، كمرض، أو نحو ذلك.
لكن بيّن سببه الإمام أحمد في روايته، فقد أخرج الحديث من رواية أفلح، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول اللَّه ﷺ أخَّر ليلةً العشاء، حتى رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، وإنما حبسنا لوفد جاءه، ثم خرج، فذكر الحديث (٢).
فتبيّن بهذا أن سبب تأخّره هو اشتغاله بالوفد.
وأخرج الإمام أحمد أيضًا من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن
стр. 7706
جابر ﵁ قال: جهّز رسول اللَّه ﷺ جيشًا ليلةً حتى ذهب نصف الليل، أو بلغ ذلك، ثم خرج، فقال: "قد صَلَّى الناس، ورقدوا، وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها" (١).
(أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟) كأن ينزل عليه وحي (فَقَالَ) ﷺ (حِينَ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد ("إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا) نافية (يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ) بالرفع على البدل لـ "أهلُ"، وبالنصب على الاستثناء، والأول المختار، قاله القاري ﵀، قال في "الخلاصة":
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِغَيْرٍ مُعْرَبَا … بِمَا لِمُسْتَثْنًى بِإلا نُسِبَا
وقد بَيَّن قبله حكم المستثنى بـ "إلا" بقوله:
مَا اسْتَثْنَتِ "إلَّا" مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ
إتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ … وَعَنْ تَمِيمٍ فِيه إبدَالٌ وَقَعْ
يعني أن انتظار هذه الصلاة من بين سائر الأمم من خصوصياتكم التي اختصكم اللَّه بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل، مع أن الوقت يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة، قاله القاري ﵀.
وفيه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يَظُنُّ أنه يشقّ عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا، أو كان لي عذر، أو نحو هذا، قاله النوويّ ﵀ (٢).
(وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي) "يَثْقُلَ": بالياء، وهكذا عند المصنّف، والنسائيّ، والضمير يعود إلى التأخير، أو الفعل، أي لولا أن يثقل التأخير، أو هذا الفعلُ، وعند أبي داود: "تثقل" بالتاء، أي الصلاة في هذه الساعة (لَصَلَّيْتُ بِهِمْ) أي دائمًا (هَذِهِ السَّاعَةَ") قال الطيبيّ ﵀: أي لَزِمت على صلاتها في مثل هذه الساعة.
وفيه تصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقّة، والثقل على الأمة، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في الأفضل من التقديم والتأخير، وترجيح القول بأفضلية تأخير العشاء إذا لم تكن مشقة، قريبًا فراجعه.
стр. 7707
(ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) الظاهر أن الأذان تقدّم قبل خروجه، وهو الذي يدلّ عليه قول عمر ﵁: "الصلاة"، في حديث عائشة ﵂ المتقدّم، ويَحْتَمِل أن يكون تقدير الكلام، فأمر المؤذن بالأذان، فأذّن، ثم بالإقامة، فأقام (وَصَلَّى) أي العشاء، ولفظ النسائيّ: "ثم صلّى"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٤٧ و ١٤٤٨] (٦٣٩)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٧٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٢٠)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٣٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١١٦)، (وابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٨ و ١٢٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٣ و ٣٤٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٩٩ و ١٥٣٦)، و (البزّار) في "مسنده" (٣٧٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٨٣ و ١٠٨٤ و ١٠٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢١ و ١٤٢٢)، وفوائد الحديث، تعرف مما سبق، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استحباب تعجيل العشاء وتأخيرها:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في ذلك، فقالت طائفة: تأخيرها أفضل، كان ابن عباس يرى أن تأخيرها أفضل، ويقرأ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، ورَوَينا عن ابن مسعود أنه كان يؤخر العشاء، وقال مالك: أما العشاء فتؤخر بعد غيبوبة الشفق أحبّ إليّ.
وكان الشافعيّ يقول: وأُحِبّ أن يؤخرها الإمام ساعةً لا يبلغ فيها المشقة على الناس.
وقال أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يؤخرها ما بينه وبين ثلث الليل.
وقال أبو ثور كنحو قول الشافعي.
стр. 7708
ومن حجة من يقول بهذا القول الأخبار الثابتة عن النبيّ ﷺ ، فمن ذلك حديث جابر بن سمرة ﵁ الآتي: "كان رسول اللَّه ﷺ يؤخر العشاء الآخرة".
وحديث أبي بَرْزَة الأسلميّ ﵁ مرفوعًا: "وكان يَستحبّ أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة"، متفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ.
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك لكل صلاة"، رواه أحمد، وأصحاب السنن بإسناد صحيح.
وقال آخرون: تعجيلها أفضل، وقال قائل ذلك بعد أن يغيب البياض؛ لأنهم مجمعون على دخول الوقت إذا غاب البياض.
واحتَجّ من رأى تعجيل العشاء بعد دخول الوقت أفضل بالأخبار التي وردت في تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها، وبحديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ لما سئل عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ، فذكر العشاء، قال: "كان إذا كثر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر"، متّفق عليه.
وقال: إن الأخبار التي رُويت عن رسول اللَّه ﷺ في تأخير العشاء دالّة على أنه إنما فَعَل ذلك ليلة واحدة؛ لعارض عَرَض له، شَغَله ذلك عنه، فأخّر العشاء في تلك الليلة، وذكر أخبارًا تدل على ما قال، فمنها حديث ابن عمر ﵄ المذكور هنا: "أن النبيّ ﷺ شُغِل عنها ليلة، فأخّرها، حتى رقدنا. . . " الحديث (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي أن التأخير هو الأفضل إلا لأجل المشقة، بأن كان إمام جماعة يشُقّ عليهم التأخير، فيكون في حقه التقديم أفضل، وهو الذي كان عليه النبيّ ﷺ ، حيث إنه بيّن أن تأخيرها هو الأولى، فقال في حديث عائشة ﵂: "إنه لوقتها لولا أن أشُقّ على أمتي"، رواه مسلم، وقال في حديث جابر بن سمرة ﵁: "كان رسول اللَّه ﷺ يؤخر العشاء الآخرة"، رواه مسلم، وفي حديث أبي برزة ﵁: "وكان يَستحبّ أن يؤخر العشاء"، متّفقٌ عليه، وقال: "لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء"
стр. 7709
الحديث، وهو حديث صحيح رواه أحمد، وأصحاب السنن، وفي حديث ابن عبّاس ﵄ الآتي: "لولا أن يشقّ على أمتي لأمرتهم أن يصلّوها هكذا"، متّفقٌ عليه.
فهذه الأحاديث الصحيحة، نصوص صريحة، بيّنة المبنى، واضحة المعنى، لا تقبل التأويل، تدلّ دلالةً واضحة كالشمس في رابعة النهار على أن تأخير العشاء لمن لا يشقّ عليه هو الأفضل.
وبهذا تجتمع الأدلة بدون إهمال لبعضها، وأما ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم، فأحاديث الباب خاصّة، فتقدم عليه، كما بيّنه العلامة الشوكانيّ ﵀ (١).
والحاصل أن التأخير لمن لا يشُقّ عليه هو الأفضل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا، حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اللَّيْلَةَ، يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلّهم تقدّموا في السند الماضي، والذي قبله.
وقوله: (شُغِلَ) بالبناء للمفعول، قال الجوهريّ: يقال: شُغِلتُ عنك بكذا، على ما لم يُسمّ فاعله.
وقوله: (عَنْهَا لَيْلَةً) الضمير للعشاء، أي عن أدائها في أول وقتها.
وقوله: (حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا) وفي رواية عائشة ﵂ المتقدّم: "نام أهل المسجد".
стр. 7710
قال القرطبيّ ﵀: يعني به نوم الجالس المحتبي، وخطرات السنات، لا نوم المستغرق، كما قال في الحديث الآخر: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ينامون حتى تَخفق رؤوسهم، ثم يصلّون، ولا يتوضّؤون"، رواه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: هذا محمول على نوم لا ينقض الوضوء، وهو نوم الجالس ممكِّنًا مقعده، وفيه دليل على أن نوم مثل هذا لا ينقض، وبه قال الأكثرون، وهو الصحيح في مذهبنا، وقد سبق إيضاح هذه المسألة في آخر "كتاب الطهارة". انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٩] (٦٤٠) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنَسًا عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ كَادَ يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ، مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ"، قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ مِنْ فِضَّةٍ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ) أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد (٢٠٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت
стр. 7711
الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أنس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والترمذيّ، والنسائيّ، وحمّاد علّق له البخاريّ، بل قيل: أخرج له حديثًا واحدًا في "الرقاق".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن حمّادًا أثبت الناس في ثابت، وثابتٌ ألزم الناس لأنس ﵁، لزمه أربعين سنة.
٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ خدم النبيّ ﷺ عشر سنين، ودعا له بطول العمر، والأموال والأولاد، فاستجيب له، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَابِتٍ) الْبُنَانيّ (أَنَّهُمْ) أي التابعون الذين حضروا مجلس أنس ﵁ (سَأَلُوا أَنَسًا) ﵁ (عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "سئل أنس: هل اتّخذ النبيّ ﷺ خاتمًا؟ قال: نعم"، وعند ابن حبّان: "قالوا لأنس بن مالك: هل كان لرسول اللَّه ﷺ خاتم؟ "، وعند أبي عوانة: "أنهم سألوا أنس بن مالك عن خاتم رسول اللَّه ﷺ : هل كان لرسول اللَّه ﷺ خاتم؟ قال: نعم".
و"الخاتم": حَلْيٌ للأصبع، كما في "القاموس"، وفي "المصباح": حلقة ذات فَصٍّ من غيرها، فإن لم يكن لها فَصّ، فهي فَتَخَةٌ، بفاء وتاء مثناة من فوق، وخاء معجمة، وزان قَصَبَة. انتهى.
وفيه لغات: الخاتَم بفتح التاء، وكسرها، والخَاتَام، والْخِيْتَامُ بفتح
стр. 7712
الخاء، وكسرها، والخَتَمُ مُحَرَّكَةً، والخَاتِيَام، وجمعه خَوَاتِم، وخَوَاتِيم، قاله المجد.
وقد نظم الحافظ العراقيّ ﵀ لغاته، بقوله [من البسيط]:
خُذْ عَدَّ نَظْمِ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ … ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نَظَّامُ
خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِتَا … مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتُومٌ وَخَيْتَامُ
وَهَمْزُ مَفْتُوحِ تَاءٍ تَاسِعٌ وَإِذَا … سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأْتَامُ
قال المرتضى ﵀: ولم يذكر الناظم خَتَمًا محركة، وقد ذكره صاحب "القاموس" وابن سيده، وابن هشام في "شرح الكعبية". انتهى (١).
أي فتصير اللغات مع ما قاله الناظم إحدى عشرة لغةً (٢).
وقد بَيَّن سبب اتخاذه ﷺ الخاتم فيما أخرجه الشيخان من طريق قتادة، عن أنس ﵁ قال: "كتب النبيّ ﷺ كتابًا -أو أراد أن يكتب- فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، نقشه محمد رسول اللَّه، كأني أنظر إلى بياضه في يده".
(فَقَالَ) أنس ﵁ (أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) جملة مستأنفة، أتى بها أنس ﵁ لبيان كونه شاهد النبيّ ﷺ لابسًا خاتمًا في تلك الليلة.
(الْعِشَاءَ) ولفظ النسائيّ: "صلاة العشاء الآخرة" (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلة من الليالي (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي نصفه (أَوْ كَادَ) من باب تَعِبَ: أي قارب (يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ) كون خبر "كاد" بدون "أن" هو الغالب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقد يقترن بها بقلّة، كقوله [من الخفيف]:
كَادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيْهِ … إِذْ فَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وَبُرُودِ
وهذا بعكس "عسى"، فإن الغالب فيها اقتران خبرها بـ "أن"، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ "عَسَى" … نَزْرٌ وَ"كَادَ" الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
قال القرطبيّ ﵀: وهذا كقوله في حديث ابن عمرو: "ووقتُ العشاء إلى
стр. 7713
نصف الليل"، فكلاهما حجة لِمَا صار إليه ابن حبيب من أن آخر وقت العشاء الآخرة نصف الليل. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن أرجح المذاهب أن آخر وقت العشاء هو نصف الليل، لا وقت لها بعده؛ لظاهر النصوص، وقد تقدّم القائلون بهذا القول، وهو أيضًا مذهب الإمام البخاريّ ﵀، فقد ترجم في "صحيحه" بقوله: "باب وقتُ العشاء إلى نصف الليل".
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد ذكر قول من قال بامتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر ما نصّه: والأحاديث كلّها تدلّ على ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبيّ ﷺ عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: "الوقت ما بين هذين".
ومثلُ حديث بُريدة ﵁ الذي فيه أن سائلًا سأل النبيّ ﷺ عن وقت الصلاة، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرّة العشاء لَمّا غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: "ما بين هذين وقتٌ"، وقد أخرجه مسلم، وأخرج نحوه من حديث أبي موسى ﵁.
وأخرج أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: "وقتُ العشاء إلى نصف الليل".
قال: وهذا كلّه يدلّ على أن ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد أنه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة، وذهب الإصطخريّ من أصحاب الشافعيّ إلى أن الوقت بالكليّة يخرُج بنصف الليل، أو ثلثه، ويبقى قضاءً، وقد قال الشافعيّ: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلا فائتةً، وحمله عامّة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصّةً. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره ابن رجب بعد ذكر الأدلة أن ما بعد النص ليس بوقت تحقيق نفيس، وأما قوله بعده ﵀: "والمراد أنه ليس بوقت اختيار. . . إلخ"، فمحلّ نظر؛ لأنه نقض لما بناه أوّلًا.
стр. 7714
فالحقّ أن ما بعد النص ليس وقتًا أصلًا، وإنما هو قضاء، وقد مرّ البحث مستوفًى، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ جَاءَ) أي النبيّ ﷺ من بيته إلى المسجد (فَقَالَ) أي بعد أن صلّى، ففي رواية النسائيّ: "فلما أن صلى أقبل النبيّ ﷺ علينا بوجهه، ثم قال: إنكم لن تزالوا في صلاة. . . " ("إِنَّ النَّاسَ) أي الذين لم يحضروا المسجد (قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ) أي في ثوابها وأجرها المستمرّ (مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ") "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة انتظاركم الصلاة (قَالَ أَنَسٌ) ﵁ (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ) "الوبيص" بفتح الواو، وكسر الموحّدة، آخره صاد مهملة: البَرِيق واللَّمَعَانُ (مِنْ فِضَّةٍ) فيه جواز لبس خاتم الفضّة، وهو إجماع المسلمين، قاله النوويّ (١). (وَرَفَعَ) أي أنس ﵁، ولفظ ابن حبّان: "ورفع أنس يده اليسرى"، ومثلة لأبي نعيم في "مستخرجه" (إِصْبَعَهُ) فيه عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الباء، فيكون تسعة، والعاشرة أصبُوع، وأفصحهنّ كسر الهمزة، وفتح الموحّدة (الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول "بالخنصر"، وفيه محذوف، تقديره: مشيرًا بالخنصر، أي أن الخاتم كان في خنصر اليد اليسرى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٤٩ و ١٤٥٠ و ١٤٥١] (٦٤٠)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٧٢ و ٦٠٠)، و"الأذان" (٦٦١ و ٨٤٧)، و"اللباس" (٥٨٦٩)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٢٩)، و"الكبرى" (١٥١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨٢ و ١٨٩ و ٢٠٠ و ٢٦٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٠ و ١٠٧١)، و (أبو
стр. 7715
نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢٣ و ١٤٢٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٣٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب تأخير صلاة العشاء إلى قريب نصف الليل وقد تقدم تمام البحث فيه قريبًا.
٢ - (ومنها): بيان جواز اتخاذ الخاتم من الفضة للرجال، قال القاضي عياض ﵀: أجمع العلماء على جواز اتخاذ الخواتم من الورق -وهي الفضة- للرجال، إلا ما رُوي عن بعض أهل الشام من كراهة لبسه إلا لذي سلطان، وهو شاذ مردود، وأجمعوا على تحريم خاتم الذهب على الرجال، إلا ما رُوي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من إباحته، ورُوي عن بعضهم كراهته، قال النوويّ ﵀: هذان النقلان باطلان.
وحَكَى الخطابيّ: أنه يكره للنساء التختم بالفضة؛ لأنه من زِيِّ الرجال، ورُدَّ عليه ذلك، قال النوويّ: الصواب أنه لا يكره لها ذلك، وقول الخطابيّ ضعيف، أو باطل، لا أصل له.
٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة لبس الخاتم في اليد اليسرى، قال القرطبيّ ﵀: وهو الأفضل، والأحسن عند مالك، وسيأتي الكلام على ذلك. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أن في قوله: "فاتخذ خاتمًا من فضة، نقشه: محمد رسول اللَّه" جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم اللَّه -تعالى- فيه؛ بل فيه: كونه مندوبًا، وهو قول مالك، وابن المسيّب، وغيرهما، وكرهه ابن سيرين، وأما نهيه ﷺ أن ينقش أحد على نقش خاتمه، فلأنه إنما نَقَشَ فيه ذلك ليختم به كُتُبَهُ إلى الملوك، فلو نُقِش على نقشه لدخلت المفسدة، وحصل الخلل، قاله في "العمدة" (٢).
٥ - (ومنها): استحباب انتظار الصلاة بعد الصلاة، وفيه فضل عظيم، وسماه النبيّ ﷺ الرّباط.
стр. 7716
٦ - (ومنها): بيان مشروعية إقبال الإمام على المأمومين عند إرشادهم، أو بيان فضل العبادة لهم؛ ليكون صوته مسموعًا للجميع، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ، سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ (٢) مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَلَّى، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ فِي يَدِهِ مِنْ فِضَّةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم في الباب.
٢ - (أَبُو زْيدٍ، سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) العامريّ الْحَرَشيّ الْهَرَويّ البصريّ، كان يبيع الثياب الهروية، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت ٢١١) وهو أقدم شيخ للبخاريّ وفاةً.
رَوَى عن شعبة، وقُرّة بن خالد، وهشام الدستوائيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعلي بن المبارك، وعبد القدوس بن حبيب الشاميّ.
ورَوَى عنه البخاريّ، ورَوَى له هو ومسلم، والترمذيّ بواسطة محمد بن عبد الرحيم البزار، وحجاج بن الشاعر، وبندار، وعبد بن حُميد، وعبد اللَّه بن إسحاق الجوهريّ، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأحمد بن سفيان النسائيّ، وإبراهيم الجوزجاني، وزيد بن أخرم الطائي، وأبو داود الحرانيّ، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقةٌ، لم أسمع منه شيئًا، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البخاريّ وغيره: مات سنة إحدى عشرة ومائتين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
стр. 7717
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٤٠) وحديث (١٠١٨): "أمرنا بالصدقة، قال: كنا نحامل. . . ".
٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، رأس [٤] (١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) تقدم.
وقوله: (نَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي انتظرناه، يقال: نظرته، وانتظرته بمعنى واحد.
وقوله: (حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في بعض الأصول "قريبٌ" بالرفع، وفي بعضها "قريبًا"، وكلاهما صحيح، وتقدير المنصوب: حتى كان الزمانُ قريبًا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ ﵀ أن "قريبٌ" رُوي بالرفع والنصب، ووجه الرفع أن "كان" تامّة، أي إلى أن جاء قريبٌ من نصف الليل، ووجه النصب أنها ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الزمان المفهوم من السياق.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ (١) الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ").
стр. 7718
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) بن عبد اللَّه الهاشميّ العطار البصريّ الْمِرْبدِيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن معتمر بن سليمان، ومحبوب بن الحسن، ويزيد بن هارون، وبَدَل بن الْمُحَبَّر، وسعد بن عامر الضبعيّ، وأبي قتيبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد العزيز العميّ، وعبيد اللَّه بن عبد المجيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي الدنيا، وأبو بكر البزار، وابن خزيمة، وابن أبي عاصم، ويحيى بن محمد بن صاعد، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة خمسين ومائتين، وقال السراج: مات سنة (٢٥١)، وقال ابن حبان: مات سنة خمس وخمسين ومائتين.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط (١).
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ) أبو عليّ الحنفيّ البصريّ، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن عكرمة بن عمار، وإسرائيل، وإسماعيل بن مسلم، ورَباح بن أبي معروف، وسَلْم بن زَرِير، وسَلِيم بن حيان، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، وقرة بن خالد، وابن أبي ذئب، ومالك بن مِغْوَل، ومالك بن أنس، وهمام، وغيرهم.
ورَوَى عنه علي ابن المدينيّ، وأبو خيثمة، وأبو موسى، وبندار، وعمرو بن عليّ، وإسحاق بن منصور، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وعبد اللَّه بن الصباح العطار، وحجاج بن الشاعر، وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، والذُّهْليّ، وآخرون.
стр. 7719
وقال الدارميّ، عن ابن معين، وأبو حاتم: ليس به بأسٌ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجليّ، والدارقطنيّ، وابن قانع، وضعفه العُقَيليّ، ورَوَى عن ابن معين أنه قال: ليس بشيء، ولم يثبت هذا عن ابن معين.
وقال ابن حبّان، والْكُدَيميّ: مات سنة تسع ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٦٤٠) و (٦٨٢) و (٧٠٦) وأعاده في "كتاب الفضائل"، و (١١٨٠) و (١٢٢٦) و (١٥٣٦) وأعاده بعده، و (١٨٠٧).
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قرّة بن خالد السابق، وهو: عن قتادة، عن أنس بن مالك.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلخ) الفاعل ضمير عبيد اللَّه بن عبد المجيد.
[تنبيه]: رواية عبيد اللَّه بن عبد المجيد هذه ساقها أبو نعيم، في "مستخرجه" (٢/ ٢٣٦) فقال:
(١٤٢٤) حدّثنا محمد بن علي بن حُبيش، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا الحسن بن يونس، ومحمد بن حسان الأزرق، قالا: ثنا عمرو بن الهيثم، عن قُرّة بن خالد (ح) قال: وحدّثنا القاسم بن زكريا، ثنا يزيد بن عمرو بن البراء، ثنا عبيد اللَّه بن عبد المجيد (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدّثنا عبد اللَّه بن الصباح، ثنا عبيد اللَّه بن عبد المجيد، ثنا قُرّة بن خالد، عن قتادة، عن أنس، قال: "انتظرنا النبيّ ﷺ حتى كان قريبًا من نصف الليل، فجاء النبيّ ﷺ ، فصلى لنا، وكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه، حلقة فضة".
قال: لفظ عبيد اللَّه بن عبد المجيد، عن ابن حبيش. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٢] (٦٤١) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا
стр. 7720
وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلُّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ، حَتَّى أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ، حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ، أُعْلِمُكُمْ، وَأَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ (١) غَيْرُكُمْ"، أَوْ قَالَ: "مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ"، لَا نَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَرِحِينَ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ) عبد اللَّه بن برّاد بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٤ - (بُرَيْد) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ يُخطئ قليلًا [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل: غير ذلك، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
стр. 7721
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي عامر، فانفرد به هو، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب، أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، سوى بُريد، وكنيته أبو بردة، كجدّه.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، بريد، عن أبي بُردة، عن أبي موسى ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ ﵁ أنه (قَالَ: كُنْتُ أَنَا) أكّد الضمير المتّصل بالمنفصل؛ ليعطف عليه ما بعده، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ) كان قدومهم عند فتح خيبر لَمّا قَدِم جعفر بن أبي طالب من الحبشة، وقيل: إن أبا موسى قدم على النبيّ ﷺ ، وهو بمكة قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قَدِمَ الثانية صحبةَ جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر، ثم قَدِموا صحبته، وذلك سنة سبع من الهجرة، عند فتح خيبر، أفاده في "الفتح" (١).
(نُزُولًا) جمع نازل، كشُهُود جمع شاهد (فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ) "البقيع" -بفتح الباء الموحّدة، وكسر القاف، وسكون الياء، آخر الحروف، وبالعين المهملة- وهو من الأرض: المكانُ الْمُتَّسِع، ولا يسمى بقيعًا إلا وفيه شجرٌ، أو أصولها.
و"بُطحان" -بضم الباء الموحّدة، وسكون الطاء المهملة، وبالحاء المهملة- غير منصرف، أحد أودية المدينة المشهورة، وهي ثلاثة: بطحان، والعقيق، وقَنَاة (٢)، وقال ابن قرقول: "بطحان" بضم الباء، يرويه المحدثون
стр. 7722
أجمعون، وحَكَى أهل اللغة فيه بَطِحان -بفتح الباء، وكسر الطاء- ولذلك قَيَّده أبو المعالي في "تاريخه"، وأبو حاتم، وقال البكريّ: بفتح أوله، وكسر ثانيه، على وزن فَعِلان لا يجوز غيره، قاله في "العمدة" (١).
وقال في "النهاية": "بَطْحان" بفتح الباء: اسم وادي المدينة، والبطحانيّون منسوبون إليه، وأكثرهم يضمّون الباء، ولعله الأصحّ. انتهى (٢).
(وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من "نزولًا"، والرابط الواو (فَكَانَ يَتَنَاوَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بنصب "رسولَ" على المفعوليّة، مقدّمًا على الفاعل، وهو "نفرٌ" (عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) ظرف متعلّق بـ "يتناوب"، وكذا قوله: (كُلَّ لَيْلَةٍ) وقوله: (نَفَرٌ) بالرفع فاعل "يتناوب"، و"النفر" بفتحتين: جماعةُ الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ (٣). (مِنْهُمْ) أي من أصحابه الذين قَدِموا معه (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ ﵁ (فَوَافَقْنَا) بلفظ المتكلّم، فقوله: (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) منصوب على المفعوليّة، وقوله: (أَنَا وَأَصْحَابِي) توكيد للفاعل، وهو لفظ "نا" (وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ) جملة حاليّة من "رسولَ اللَّه ﷺ " وجاء تفسير بعض الشغل المذكور فيما رواه الطبرانيّ في "معجمه" من وجه صحيح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أنه كان في تجهيز جيش، أفاده في "الفتح" (٤).
(حَتَّى أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ) أي أَخَّرها عن أول وقتها، وفيه دلالةٌ على أن تأخير النبيّ ﷺ إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا، ومثله قوله في حديث ابن عمر ﵄ الماضي: "شُغِلَ عنها ليلةً"، وكذا قوله في حديث عائشة ﵂ الماضي أيضًا: "أعتم النبيّ ﷺ بالصلاة ذات ليلةٍ" كلُّ ذلك يدلّ على أن ذلك لم يكن من شأنه، والفيصل في هذا حديث جابر-﵁: "كانوا إذا اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا أبطئوا أَخَّرَ"، متّفقٌ عليه (٥).
стр. 7723
(حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) -بتشديد الراء-، على وزن افعالّ، كاحمارّ، ومعناه: انتصف، وعن سيبويه: كثرت ظلمته، وابْهَارَّ القمرُ: كثر ضوؤه، ذكره في "الموعب"، وفي "المحكم": ابهارَّ الليلُ: إذا تراكمت ظلمته، وقيل: إذا ذهبت عامّته، وفي "كتاب الواعي": ابْهِيرَارُ الليلِ: طلوعُ نجومه، وفي "الصحاح": ابهارّ الليلُ ابهيرارًا: إذا ذهب معظمه وأكثره، وابهارّ علينا الليل: أي طال، قاله في "العمدة" (١).
وقال في "الفتح": قوله: "حتى ابهارّ الليل" -بالموحّدة، وتشديد الراء-: أي طلعت نجومه، واشتَبَكَت، والباهر الممتلئ نورًا، قاله أبو سعيد الضرير، وعن سيبويه: ابهارّ الليل: كَثُرَت ظلمته، وابهارّ القمرُ: كثر ضوؤه، وقال الأصمعيّ: ابهارّ: انتصف، مأخوذ من بُهْرَة الشيء: وهو وسطه، ويؤيِّده أن في بعض الروايات: "حتى إذا كان قريبًا من نصف الليل"، كما سبق في حديث أنس ﵁، وفي "الصحاح": ابهارّ الليل: ذهب معظمه وأكثره، وعند مسلم من رواية أم كلثوم، عن عائشة ﵂: "حتى ذهب عامة الليل". انتهى ببعض تصرّف (٢).
وقال ابن رجب ﵀: وقيل: معنى ابهارّ: استنار الليل باستهام طلوع نجومه بعد أن يذهب فَحمة الليل وظلمته بساعة، وهذا بعيدٌ. انتهى (٣).
(ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي من حجرته إلى المسجد (فَصَلَّى بِهِمْ) أي صلّى العشاء إمامًا لهم (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي انتهى منها، وسلم (قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ) -بكسر الراء وفتحها، لغتان، والكسر أفصح-: أي تأنَّوْا (أُعْلِمُكُمْ) بضمّ الهمزة، وكسر اللام المخفّفة، من الإعلام، أو بتشديد اللام، من التعليم، ثُمّ يَحْتَمل أن يكون مجزومًا على أنه جواب الأمر، ويَحْتَمل أن يكون مرفوعًا، على أنه جملة مستأنفة، ذكرت تعليلًا لأمره بالتأني (وَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة، ووصلها، أمرٌ من بَشَرَ، أو من أبشر إبشارًا: يقال: بَشَرتُ الرجل، من باب نصر، وأبشرته، وبَشَّرته بالتشديد، ثلاث لغات،
стр. 7724
بمعنى، ويقال: بَشَرته بمولود، فأبشر إبشارًا: أَيْ سُرّ، أفاده في "العمدة" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى أن المناسب هنا هو المعنى اللازم؛ لأن المراد به حصول السرور لهم، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) بفتح همزة "أنّ"؛ لوقوعها في موضع المفعول، وقد تنازعه كل من "أُعلمكم"، على أنه مفعول ثان له، و"أبشروا" على أنه مفعوله أيضًا بحذف الخافض، أي أبشروا بأن من نعمة اللَّه. . . إلخ، وقوله: (أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ) بفتح همزة "أنه"؛ لوقوعها في موضع اسم "أن" الأولى، وخبرها قوله: "من نعمة اللَّه".
ولفظ البخاري: "أبشروا إن من نعمة اللَّه عليكم أنه ليس أحدٌ. . . إلخ"، فقال في "الفتح": بكسر همزة "إن"، ووهِمَ من ضبطه بالفتح، وأما قوله: "أنه ليس أحد" فهو بفتح "أنّه" للتعليل". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ووهِمَ. . . إلخ" إن أراد أن الرواية بالكسر، فمسلّم، وإن أراد غير ذلك، فلا وهم، كما ذكرت وجهه آنفًا.
وأيضًا قوله: "بفتح أنه للتعليل"، غير صحيح؛ لأنه اسم "أن" الأولى مؤخّرًا من خبرها، كما أسلفته آنفًا، وقد تعقّبه العينيّ في هذا، وأصاب.
وقد ذكر العينيّ وجهًا آخر، فقال: قوله: "إن من نعمة اللَّه" كلمة "من" للتبعيض، وهو اسم "إنّ"، وقوله: "أنه" بالفتح؛ لأنه خبره. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الوجه الذي أسلفته أولى مما قاله العينيّ؛ لأن ما سُبك من "أنّ" و"أَنْ" أحقّ بكونه مسندًا إليه؛ لكونه بمنزلة الضمير، كما هو معروف في محلّه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ) منصوب على الظرفيّة، وفي نسخة: "هذه الصلاةَ الساعة" (غَيْرُكُمْ").
قال ابن رجب ﵀: يَحْتَمل أنه أراد به أهل الأديان، أو أراد به المسلمين. انتهى (٤).
стр. 7725
(أَوْ) للشكّ من الراوي، والظاهر أنه أبو موسى ﵁ (قَالَ) ﷺ ("مَا) نافيةٌ (صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ"، لَا) نافية (نَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ) الظاهر أن الفاعل ضمير النبيّ ﷺ (قَالَ أَبُو مُوسَى) ﵁ (فَرَجَعْنَا) أي من عند النبيّ ﷺ إلى رحالنا (فَرِحِينَ) منصوب على الحال (بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الجارّ الأول متعلّق بـ "فرحين"، و"ما" موصولة، والعائد محذوف، أي بالذي سمعناه، والثاني بـ "سمعنا".
[تنبيه]: وقع في "صحيح البخاريّ" لغير الكشميهني بلفظ "فَرْحَى"، على وزن فَعْلَى، قال الكرمانيّ: إما جمع فَرِيح على غير قياس، وإما مؤنث الأَفْرَح، وهو نحوُ: الرجالُ فَعَلَت، قال العينيّ: بل هو جمع فَرْحَان، كعَطْشان يُجْمَع على عَطْشَى، وسَكْران على سَكْرى، ويُرْوَى: "فرجعنا فَرَحًا" بفتح الراء، مصدرًا، بمعنى الفَرِحين، وهو نحوُ: الرجالُ فَعَلُوا، وعلى الوجهين أعني فَرْحَى وفَرَحًا نُصِب على الحال من الضمير الذي في "رجعنا".
[فإن قلت]: المطابقة بين الحال وذي الحال شرط في الواحد، والتثنية، والجمع، والتذكير، والتأنيث، وفي رواية " فَرَحًا" غير موجود.
[قلت]: الفَرَح مصدر في الأصل، ويستوي فيه هذه الأشياء. انتهى (١).
وسبب فَرحهم علمهم باختصاصهم بهذه العبادة التي هي نعمة عُظْمَى مستلزمة للمثوبة الحسنى، مع ما انضاف إلى ذلك من تجمُّعهم فيها خلف رسول اللَّه ﷺ ، قاله في "الفتح" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٢] (٦٤١)، و (البخاريّ) (٥٦٧)، و (أبو
стр. 7726
يعلى) في "مسنده" (٧٣٠٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه استُدِلّ بذلك على فضل تأخير صلاة العشاء، ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت؛ لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصلح ذلك الآن للأئمة؛ لأنه ﷺ أمر بالتخفيف، وقال: "إن فيهم الضعيفَ، وذا الحاجة"، فتَرْكُ التطويل عليهم في الانتظار أولى.
وقد رَوَى أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهم، من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: صلَّينا مع رسول اللَّه ﷺ صلاة العتمة، فلم يَخْرُج حتى مضى نحوٌ من شطر الليل، فقال: "إن الناس قد صَلَّوا، وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضُعْفُ الضَّعِيف، وسُقْمُ السَّقِيم، وحاجة ذي الحاجة، لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل"، وسيأتي في حديث ابن عباس ﵄ التالي: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك"، وللترمذيّ، وصححه، من حديث أبي هريرة ﵁: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه".
قال الحافظ ﵀: فعلى هذا مَن وجد به قُوّةً على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يَشُقَّ على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقه أفضل.
وقد قَرَّر النوويّ ذلك في "شرح مسلم"، وهو اختيار كثير من أهل الحديث، من الشافعية وغيرهم، واللَّه أعلم.
ونقل ابن المنذر، عن الليث، وإسحاق: أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث، وقال الطحاويّ: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في "الإملاء"، وصححه النوويّ، وجماعة، وقالوا: إنه مما يُفْتَى به على القديم.
وتُعُقِّب بأنه ذكره في "الإملاء"، وهو من كتبه الجديدة، والمختار من
стр. 7727
حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل، واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الأرجح استحباب التأخير لمن لا يشقّ عليه، وأما إذا شقّ عليه، أو على المأمومين، فالتقديم أفضل، وبهذا تجتمع الأدلةُ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): جواز الحديث بعد صلاة العشاء، إذا كان في خير، وإنما نُهي عن الكلام في غير الخير.
٣ - (ومنها): أن التأني في الأمور مطلوب.
٤ - (ومنها): أن التبشير لأحد بما يَسُرّه محبوب؛ لأن فيه إدخال السرور في قلب المؤمن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀: المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٣] (٦٤٢) - (وَحَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ: الْعَتَمَةَ، إِمَامًا وَخِلْوًا؟، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ (٣)، قَالَ: حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ، وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا، وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ، فَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ -كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ، قَالَ (٤): "لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَذَلِكَ"، قَالَ: فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً، كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ؟ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثُمَّ صَبَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الْأُذُنِ، مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغِ، وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ، وَلَا يَبْطِشُ بِشَيْءٍ، إِلَّا كَذَلِكَ،
стр. 7728
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ عَطَاءٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَهَا إِمَامًا وَخِلْوًا مُؤَخَّرَةً، كَمَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ، فَإِنْ شَقَّ (١) عَلَيْكَ ذَلِكَ خِلْوًا، أَوْ عَلَى النَّاسِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ، فَصَلِّهَا وَسَطًا، لَا مُعَجَّلَةً، وَلَا مُؤَخَّرَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب أيضًا.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب أيضًا.
٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄، تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعبد الرزّاق، فصنعانيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٥ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وبحر الأمة، وحبرها ﵁، وآخر من مات من الصحابة بالطائف، مات سنة (٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7729
شرح الحديث:
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي ابن أبي رباح (أَيُّ حِينِ أَحَبُّ إِلَيْكَ) "أَيُّ" اسم استفهام مبتدأ، مضاف إلى "حين"، وخبره قوله: "أحب إليك" (أَنْ أُصَلِّيَ الْعِشَاءَ) "أن" بفتح الهمزة مصدريّة، و"أصلي" صلتها، ومتعلقه محذوف، تقديره "فيه"، و"أن" وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف جر مقدَّر، أي لصلاتي، وتقدير الكلام: أيُّ وقت أحبُّ إليك لصلاتي العتمةَ فيه.
(الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ: الْعَتَمَةَ) أي يسمّونها بها، وهي بفتحات، والمراد بها هنا العشاء، وتقدم الخلاف في معناها. (إِمَامًا) حال من فاعل "أصلي"، وهو المُقْتَدَى به في الصلاة.
قال الفيوميّ ﵀: الإمام: الخليفة، والعالِمُ المقتدَى به، ومن يُؤْتَمّ به في الصلاة، ويُطْلَق على الذكر، والأنثى، قال بعضهم: وربما أنث إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة، وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛ لأن الإمام اسم لا صفة. انتهى (١).
(وَخِلْوًا؟) وفي رواية النسائيّ: "أو خِلْوًا" بـ "أو"، وهو بكسر الخاء وسكون اللام: أي منفردًا (قَالَ) عطاء (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَعْتَمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ) أي أبطأ، وتأخر (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي، فـ "ذات" مقحمةً (الْعِشَاءَ) بالعشاء (قَالَ: حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ) أي ناموا، ويقال: رَقَدَ، رَقْدًا، ورُقَادًا، بالضم: نام، ليلًا كان، أو نهارًا، وبعضهم يخُصّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]. قاله في "المصباح".
والمراد بالناس: هم الحاضرون في المسجد.
(وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا، وَاسْتَيْقَظُوا) يعني أن النوم والاستيقاظ تكرّر منهم؛ لطول الانتظار (فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (فَقَالَ: الصَّلَاةَ) منصوب بفعل مقدّر، أي صلّ الصلاة، وفي رواية النسائيّ: "الصلاةَ الصلاةَ" بالتكرار،
стр. 7730
والتكرار للتأكيد، ويَحْتمل أن يكون منصوبًا على الإغراء، وعامله محذوفٌ وجوبًا؛ لكون المُغْرَى به مكرَّرًا، كما قال في "الخلاصة":
وَكَمُحَذَّرٍ بِلا "إيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا
بعد بيان حكم المحذَّر بقوله:
إيِّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإيَّا انْسُبْ وَمَا … سِوَاه سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إلا مَعَ الْعَطْفِ أوِ التَّكْرَار … كَالضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي
أي الزم الصلاة، وزاد في رواية البخاريّ: "نام النساء، والصبيان".
(فَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ) أي من حجرته إلى المسجد (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآنَ) أي كأني أشاهده في الوقت الذي أحدثكم فيه، وهذا قاله ابن عباس ﵄ تأكيدًا لكلامه، وأنه ما نَسِيَ الواقعة، بل استحضرها في ذهنه، حتى كأنها مشاهَدَةٌ له حين التحديث بها.
و"الآن" منصوب على الظرفية، متعلق بـ "أنظر"، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه ويلزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز للمشترِكات، وليس لهذا ما يَشْرَكُهُ في معناه.
قال ابن السَّرَّاج: ليس هو آنَ، وآنّ، حتى يدخل عليه الألف، واللام للتعريف، بل وُضِعَ مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل "الثُّرَيَّا"، "والذي"، ونحوِ ذلك، قاله في "المصباح".
والجملة في محل نصب حال من محذوف، أي أخبركم به حال كوني مُشَبِّهًا نفسي ناظرةً إليه في الوقت الحاضر.
(يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) وكأنه اغتسل قبيل خروجه، والجملة حال من الضمير في "إليه"، ويَحْتَمِل أن تكون حالًا من "نبي اللَّه"، و"ماءً" تمييز محوَّل عن الفاعل.
(وَاضِعًا يَدَهُ) حال أيضًا، إما مترادف، أو متداخل (عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ) أي على جانب رأسه، وإنما وضع يده عليه ليعصر ما فيه من الماء (قَالَ) وفي نسخة: "فقال"، أي قال ﷺ حين خرج إليهم، مبيِّنًا استحباب تأخير العشاء ("لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي) "لولا" حرف امتناع لوجود، و"أن يشُقّ" في تأويل
стр. 7731
المصدر مبتدأ خبره محذوف وجوبًا، لقيام جواب "لولا" مقامه، وهو قوله: (لَأَمَرْتُهُمْ) أي لولا خوف المشقة على أمتي في تأخير صلاة العشاء إلى هذا الوقت لأمرتهم (أَنْ يُصَلُّوهَا) في تأويل المصدر مجرور بباء مقدرة قياسًا، أي بصلاتها (كَذَلِكَ") أي في حالٍ مشابهٍ لهذا، وهو كونها مؤخَّرة إلى هذا الوقت، ولفظ البخاريّ: "أن يصلّوها هكذا"، وفي رواية النسائيّ: "أن لا يصلّوها إلا هكذا"، وفي رواية له: "إنه الوقت، لولا أن أشق على أمتي"، واللَّه أعلم.
[فائدة]: وقع في رواية الطبرانيّ من طريق طاوس في هذا الحديث بمعناه، قال: وذهب الناس إلا عثمان بن مظعون في ستة عشر رجلًا، فخرج النبيّ ﷺ ، فقال: "ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم"، قاله في "الفتح" (١).
(قَالَ) ابن جريج (فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً) أي طلبت منه التثبيت، يقال: اسْتَثْبَتَ في أمره: إذا شاور، وفحص عنه، قاله في "اللسان" (كيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ؟ كَمَا أَنْبَأَهُ) أي أخبره (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ) أي فَرَّق، من التبديد، وهو التفريق (بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ) أي تفريقًا قليلًا (ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ) أي جانبه (ثُمَّ صَبَّهَا) بالصاد المهملة، ثم الموحّدة المشدّدة، وللبخاريّ: "ثم ضمّها" بالضاد المعجمة، والميم، وصوّب القاضي عياض الأول، قال: لأنه يصف عصر الماء من الشعر باليد، وقال الحافظ: ورواية البخاري، أيضًا مُوَجَّهة، بأنّ ضم الأصابع صفة للعاصر، فلا اختلاف بين المعنيين.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ثم صبّها"، هكذا هو في أصول روايتنا، قال القاضي: وضبطه بعضهم: "قَلَبَها"، وفي البخاريّ: "ضمّها"، والأول هو الصواب بدليل لفظ الحديث. انتهى (٢).
(يُمِرُّهَا) بضم أوله، من الإمرار رباعيًّا، وللنسائيّ: "يَمُرّ بها" من المرور ثلاثيًّا، والجملة حال من "أطراف الأصابع"، وقوله: (كَذَلِكَ) أي على مثل تلك الحال من الصبّ، والجارّ والمجرور: متعلِّق بحال مقدر، أي حال كون
стр. 7732
الإمرار كائنًا كذلك (عَلَى الرَّأْسِ) متعلّقٌ بـ "يُمِرّ" (حَتى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الْأُذُنِ) "إبهامه" مرفوع على الفاعلية، و"طَرَفَ الأذن" منصوب على المفعولية (مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغِ) بضم، فسكون: ما بين لَحْظِ العين إلى أصل الأذن، والجمع: أَصْداغ، مثل: قُفْل، وأقْفَال، ويُسَمَّى الشعر الذي تَدَلَّى على ذلك الموضع صُدْغًا، قاله في "المصباح" (وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ) أي جانب اللحية، وفي رواية النسائيّ: "وناحية الجَبِين": و"الجبينُ": ناحية الجبهة من مُحَاذَاة النَّزَعَةِ إلى الصُّدْغ، وهما جبينان، عن يمين الجبهة، وشمالها، قاله الأزهريّ، وابن فارس، وغيرهما؛ فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جُبُن، بضمتين، مثل بَرِيد، وبُرُد، وأجْبِنَةٌ، مثل أسْلِحَةٍ، قاله في "المصباح".
(لَا يُقَصِّرُ) من التقصير بالقاف؛ أي لا يبطئ. قال في "الفتح": ووقع عند الكشميهنيّ: "لا يَعُصُر" بالعين، والأولى أصوب. انتهى. (وَلَا يَبْطِشُ) من بابي نصر، وضرب، أي لا يستعجل.
وقال النوويّ: قوله: "ولا يقصّر، ولا يبطِش" هكذا هو في "صحيح مسلم"، وفي بعض نسخ البخاريّ، وفي بعضها: "ولا يعصر"، بالعين، وكلّه صحيح. انتهى (١).
وقوله: (بِشَيْءٍ) متعلّق بـ "يقصّر"، و"يبطِش" على سبيل التنازع، وللنسائيّ: "شيئًا" بالنصب (إِلَّا كَذَلِكَ) أي إلا مثل ما وصفه ابنُ عباس لعطاء، وعطاءٌ لابن جريج.
قال ابن جريج: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ؟) أي ليلة إذ أعتم النبيّ ﷺ بالعشاء (قَالَ) عطاء (لَا أَدْرِي) هكذا قال عطاء، وقد تقدّم في حديث عائشة ﵂: "حتى ذهب عامّة الليل"، وفي حديث ابن عمر ﵄: "حين ذهب ثلث الليل، أو بعده"، وفي حديث أنس ﵁: "إلى شطر، أو كاد يذهب شطر الليل".
(قَالَ عَطَاءٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ) بصيغة اسم التفضيل، وهو خبر مقدّم لقوله: (أَنْ أُصَلِّيَهَا) و"أن" مصدريّة (إِمَامًا وَخِلْوًا مُؤَخَّرَةً) حال كـ "إمامًا"، فهما حالان
стр. 7733
مترادفان، أو متداخلان (كَمَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ) أي ليلة إذ أعتم بالعشاء (فَإِنْ شَقَّ) وفي نسخة: "قال: فإن شقّ" (عَلَيْكَ ذَلِكَ) أي صلاتها مؤخّرةً (خِلْوًا، أَوْ) شقّ ذلك (عَلَى النَّاسِ) الذين يريدون أن يصلّوها (فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ) حال من الناس (فَصَلِّهَا وَسَطًا) أي بين التعجيل والتأخير، كما بيّنه بقوله (لَا مُعَجَّلَةً، وَلَا مُؤَخَّرَةً) فيه أن عطاءً يرى استحباب تاخير العشاء إذا لم يشقّ على الناس، وهذا هو الأرجح من أقوال العلماء، كما تقدّم البحث فيه مستوفًى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٤] (٦٤٢)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٧١)، و"التمنّي" (٧٢٣٩)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٣١ و ٥٣٢)، وفي "الكبرى" أيضًا (١٥٣١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١١٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٩٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٧٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٣٢ و ١٥٣٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١٤٢٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التأخير بصلاة العشاء، وقد مرّ تفصيل مذاهب العلماء في ذلك قريبًا.
٢ - (ومنها): بيان حرص السلف -رحمهم اللَّه تعالى- في طلب الأوْلَى والأفضل من الأوقات لإيقاع أفضل الطاعات بعد الشهادتين، وهي الصلاة فيه.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي لمن استُفْتِيَ أن يذكر الجواب مقرونًا بدليله.
стр. 7734
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للسائل أن يتثبت في نقل العلم، ويُشَدِّد في الأخذ؛ ليكون على بصيرة.
٥ - (ومنها): أن النوم لا ينقض الوضوء، وهذا محمول على نوم الممكِّن مقعدته على الأرض؛ توفيقًا بين هذا وبين النصوص الدالة على أن النوم ينقض الوضوء، كما تقدم البحث عنه مُسْتَوْفًى في "كتاب الطهارة".
٦ - (ومنها): بيان فضيلة صلاة العشاء، حيث إنها خُصّت بها هذه الأمة، كما سبق آنفًا في حديث الطبرانيّ: "ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٤] (٦٤٣) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٥ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، إلا في عكرمة، فمضطرب فيه، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف لسماك بن حرب في الأصول، وقد وُصف بالتغيّر؟.
стр. 7735
[قلت]: إن صاحبي "الصحيحين" يُخرجان للمختلطين ما تأكّدا أنهم حفظوه، ولم يختلطوا فيه، وذلك يُعرف بأحد أمرين:
[الأول]: أن يكون الراوي عنهم ممن روى قبل اختلاطهم.
[والثانى]: أن يوافقهم غيرهم فيه، بأن تابعهم عليه، أو يروى بمعنى ما رووا، وما هنا من هذا الصنف؛ لأن حديث سماك عن جابر قد أخرج له المصنّف وغيره في الباب أحاديث بمعناه، فأحاديث الباب كلها تشهد له.
والحاصل أن حديث جابر بن سمُرة ﵄ من رواية سماك عنه محفوظ، لم يؤثّر فيه تغيّره.
وقد ذكرت ضابط أحاديث المختلطين التي تُقبل منهم في منظومتي "عمدة المحتاط في معرفة من رُمي بالاختلاط" مع بيان معنى الاختلاط، فقلت:
الاخْتِلَاطُ لُغَةً قَدْ فُسِّرَا … بِأَنَّهُ فَسَادُ عَقْلٍ قَدْ عَرَا
وَفِي اصْطِلَاحِهِمْ فَسَادُ عَقْلِ … وَفَقْدُ ضَبْطِ قَوْلِهِ وَالْفِعْلِ
بِسَبَبٍ كَمَوْتِ حِبٍّ أَوْ مَرَضْ … أَوْ خَرَفٍ أَوْ فَقْدِ مَالٍ قَدْ عَرَضْ
وَحُكْمُهُ رَدُّ رِوَايَتِهِ إِنْ … بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ أَتَتْ إِنْ لَمْ تَبِنْ
مِمَّنْ رَوَى قَبْلُ وَهَكَذَا ذَكَرْ … ابْنُ الصَّلَاحِ وَاقْتَفَاهُ مَنْ أَثَرْ
وَالْحَقُّ مَا الْبُسْتِيُّ قَالَهُ لَدَى … كِتَابِهِ الصَّحِيحِ حَيْثُ أَرْشَدَا
بِأَنَّ مَا أُخِذَ عَنْهُمْ قَبْلُ أَوْ … قَدْ وَافَقُوا الثِّقَاتِ فِيهِ إِذْ رَوَوْا
يُقْبَلُ إِذْ هُمُ عُدُولٌ فَوَجَبْ … قَبُولُهُمْ وَغَيْرُ هَذَا يُجْتَنَبْ
وَذَا هُوَ الْحَقُّ لِمَنْ أَمْعَنَ فِي … نَظَرِهِ وَالسَّبْرِ لِلْمُؤَلَّفِ
سَلَكَهُ الشَّيْخَانِ فِيمَا صَنَعَا … لَدَى الصَّحِيْحَيْنِ وَنِعْمَ مَصْنَعَا
قَدْ أَخْرَجَا لِبَعْضِ مَنْ خَلَطَ عَنْ … طَرِيقِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ فِي الْوَهَنْ
إِذْ وَافَقُوا الثِّقَاتِ فِيمَا نَقَلُوا … فَرَاجِعِ الْكُتْبَ تَجِدْ مَا مَثَّلُوا
٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
стр. 7736
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالسند التالي، وهو (٨٨) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، و"سماك" علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي بكر بن أبي شيبة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الصلوات نَحْوًا من صلاتكم، وكان يؤخِّر العتمة بعد صلاتكم شيئًا"، فدلّ على أن المراد بإطلاق التأخير هنا هو التأخير قليلًا، وذلك إلى ثلث الليل، كما بيّن في الروايات الآخرى، ففي حديث أبي برزة الأسلميّ ﵁ الآتي: "كان رسول اللَّه ﷺ يؤخّر العشاء إلى ثلث الليل"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٤ و ١٤٥٥] (٦٤٣)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٣٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٩ و ٩٣ و ٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٧ و ١٥٣٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩٥٩ و ١٩٧٤ و ٢٠١٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7737
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٥] (. . .) (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ: يُخَفِّفُ).
هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (٨٩) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ) أي مشابهًا لما تصلّونه من حيث الوقت.
وقوله: (وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا) أي تأخيرًا قليلًا من الوقت الذي تصلّون فيه.
وقوله: (وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ) بضم حرف المضارعة، وكسر الخاء المعجمة، وتشديد الفاء بمعنى يُخفّف بفاءين في الرواية الأخرى، قال في "اللسان": وأخفّ الرجل، فهو مُخِفُّ، وخَفِيفٌ وخِفٌّ: أي خفّت حاله، ورَقّت، وإذا كان قليل الثِّقَل. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٦] (٦٤٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،
стр. 7738
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) -بفتح اللام- مولى الأخنس بن شَرِيق، أبو المغيرة المَدني، نزيل الكوفة، ثقة، رُمِي بالقدر [٦].
رَوَى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والمطّلب بن عبد اللَّه بن حنطب، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وعبد اللَّه بن سُليمان بن يسار.
وروى عنه ابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، ومحمد بن عمرو بن علقمة، والسفيانان، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: مَدَنِيٌّ قَدِمَ الكوفة، ما أعلم به بأسًا، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الحميديّ عن سفيان: وكان من عباد أهل المدينة.
وقال الدَّرَاوَرْدِيّ: كان يُرْمَى بالقدر، فلم يُصَلِّ عليه صفوان بن سُلَيم، وقال ابن عديّ: أما في الروايات، فلا بأس به، وقال ابن سعد: كان من العباد المنقطعين، وكان يقول بالقدر، وكان قليل الحديث، وقال العجليّ: ثقة، وقال الساجيّ: كان صدوقًا، غير أنه اتُّهِمَ بالقدر، وقال العقيليّ: يخالف في بعض حديثه، وكان من المجتهدين في العبادة، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال الواقدي: مات في خلافة أبي جعفر سنة بضع وثلاثين ومائة.
стр. 7739
أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث برقم (٦٤٤) وأعاده بعده، وحديث (٧٣٨): "كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة"، و (١١٥٦): "يصوم حتى نقول: قد صام. . . ".
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى زهير وابن أبي لبيد فما أخرج لهما الترمذيّ، وابن أبي عمر فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ﵄ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا) ناهيةٌ (تَغْلِبَنَّكُمُ) فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، يقال: غَلَبَهُ على كذا: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا، قاله الطيبيّ ﵀.
(الْأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، واحده أعرابيّ، بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَةٍ، وارتِيَادٍ لِلْكَلِأ، قال الأزهريّ: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بِظَعْنهم، فهم: أعْرَاب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المُدُن، والقُرَى العربية، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فُصَحَاء.
ويقال: سُمُّوا عَرَبًا؛ لأن البلاد التي سَكَنُوهَا تسمى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وهي لغات الحجاز، وما والاها، قاله في "المصباح".
(عَلَى اسْمِ صَلَاِتِكُمْ) وفي رواية النسائيّ: "على اسم صلاتكم هذه"،
стр. 7740
فاسم الإشارة نحتٌ، أو بدلٌ من "صلاتكم"، والإشارة إلى العشاء (أَلا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة (الْعِشَاءُ) أي سمّاها اللَّه تعالى في كتابه بهذا الاسم، فلا تتعرضوا لما هو من عادتهم، من تسميتها بالعَتَمة، فتَغْصِبَ منكم اسمَ العشاء التي سماها اللَّه تعالى به.
والمعنى: أنه لا ينبغي العدول عما في كتاب اللَّه تعالى من تسميتها عشاء، إلى ما ألِفَهُ الأعراب من تسميتها عَتَمَةً، ولعل حكمةَ العدول عنه قُبْحُ لفظه؟ إذ العتمة شدة الظلام، والصلاة هي النور الأعظم، فلا يليق أن يوضع لها لفظ يدل على نقيضها، قاله القاري ﵀ (١).
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: المعنى فيه: أن العادة أن العُظَماء، إذا سَمَّوا شيئًا باسم، فلا يليق العدول عنه إلى غيره؛ لأن ذلك تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق، واللَّه سماها في كتابه العشاء، في قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فيَقْبُح بعد تسمية ذي الجلال والإكرام العدولُ إلى غيره. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: قال الأزهريّ: أرباب النَّعَم في البادية يُريحون الإبل، ثم يُنيخونها في مراحها حتى يُعْتِموا، أي يدخلوا في عَتَمَة الليل، وهي ظلمته، وكانت الأعراب يُسمُّون صلاة العشاء صلاة العَتَمة؛ تسميةً بالوقت، فنهاهم عن الاقتداء بهم، واستَحَبّ لهم التمسّك بالاسم الناطق به لسان الشريعة. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": ونَقَل القرطبيّ عن غيره إنما نُهِي عن ذلك؛ تنزيهًا لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُطْلَق عليها ما هو اسم لفِعْلة دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العتمة.
وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يَعتمدونها في زمان الْجَدْب؛