← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

ومن حديث أنس ﵁: أنه ﷺ خطبهم بعد العشاء، فقال: "ألا إنّ الناس قد صَلَّوا، ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة"، متفق عليه. ومن حديث ابن عمر ﵄ قال: صَلَّى النبيّ ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه. . . "، الحديث، متفق عليه. والحاصل أن الحديث المكروه هو الحديث الذي لا فائدة فيه، وإنما كرهه لكونه يؤدي إلى ترك قيام الليل، أو للاستغراق في الحديث، ثم يستغرق في النوم، فيخرج وقت الصبح. وكان عمر رضي اللَّه تعالى عنه يضرب الناس على ذلك، ويقول: أسمرًا أول الليل، ونومًا آخره؟. قال الحافظ ﵀: وإذا تقرّر أن علة النهي ذلك، فقد يُفَرِّق فارق بين الليالي الطوال والقصار، ويمكن أن تُحْمَل الكراهة على الإطلاق حسمًا للمادّة؛ لأن الشيء إذا شُرع لكونه مظنة قد يستمرّ، فيصير مَئِنّة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حمله على الإطلاق هو المتعيِّن؛ لإطلاق النصّ، ولا بدّ أيضًا من تقييد إباحة الأمر المهمّ بما لا يؤدي إلى ما ذُكِر من التفويت لطوله، وما ثبتٌ عنه ﷺ لا يؤدي إليه؛ إذ ليس طويلا، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: وأما كراهة الحديث بعدها، فلما يؤدّي إليه من السهر، ومخافة غلبة النوم آخر الليل، فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح، قال: ويظهر لي أن كراهة ذلك إنما هو لما أن اللَّه جعل الليل سكنًا، أي يُسْكَنُ فيه، فإذا تحدّث الإنسان فيه، فقد جعله كالنهار الذي هو مُتصَرَّف المعايش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة اللَّه تعالى التي أجرى عليها وجوده.

стр. 7772

وقيل: يكره ذلك؛ لئلا نلغو في كلامنا، أو نخطئ فيه، فيُختم عملنا بعمل سيّئ، أو بقول سيّئ، والنوم أخو الموت، أو لعله يكون فيه الموت، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: كُره ذلك؛ لتُراح الْكَتَبةُ الكرام، وقد كان بعض السلف يقول لمن أراد أن يتحدّث بعد العشاء: أريحوا الكَتَبة. وهذه الكراهة تختصّ بما لا يكون من قبيل القُرَب والأذكار، وتعلّم العلم، ومسامرة أهل العلم، وتعلّم المصالح، وما شابه ذلك، فقد ورد عن النبيّ ﷺ ، وعن السلف ما يدلّ على جواز ذلك، بل على ندبيّته، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم آنفًا تقييد عدم كراهة ما ذُكر من القرب ونحوه بعدم طوله المؤدّي إلى تفويت شيء مما شُرع من التهجّد، وصلاة الوتر آخر الليل، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي سيّارًا (بَعْدُ) من الظروف المبنية على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، أي بعدما حَدَّثني بهذا الحديث على الوجه المذكور (فَسَأَلْتُهُ) أي عن صلاة الظهر، وكأن شعبة اكتفى عن سؤال وقت العشاء باللقاء الأول، وكأنه كان هو المطلوب بالسؤال في تلك الساعة، وفي اللقاء الثاني سأل عن وقت الظهر (فَقَالَ) أبو برزة (وَكَانَ) ﷺ (يُصَلِّي الظّهْرَ) أي صلاة الظهر (حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ) أي تميل عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وفيه إشارة إلى أنه كان يصلي الظهر في أول الوقت، ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد؛ لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد؛ لأنه مختصّ بشدة الحرّ، أو لبيان الجواز. وقد يَتَمَسَّك من قال: إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن تقديمه من طهارة، وسَتْر، وغيرهما قبل دخول الوقت، قال الحافظ ﵀: ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل

стр. 7773

عند في خول الوقت بغير أسباب الصلاة. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ هو التحقيق الصحيح، واللَّه تعالى أعلم. (وَالْعَصْرَ) أي يصلّي صلاة العصر (يَذْهَبُ الرَّجُلُ) أي بعد الفراغ من الصلاة، كما يدلّ عليه السياق؛ لأن الحديث مسوق لتحديد الوقت الذي يصلي فيه النبيّ ﷺ (إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي أبعد محلّ في المدينة، وجملة "يذهب" في محل نصب على الحال، أي يصلي العصر، والحال أنه يذهب الرجل الذي صلى معه إلى أبعد محل في المدينة، فيصل إليه (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "يصل"، ومعنى "حيّةٌ" أي بيضاءُ نقيّةٌ، فحياة الشمس عبارة عن بقاء حرّها لم يتغير، وبقاء لونها لم يتغير، وإنما يدخلها التغير بدنوها إلى الغروب، كأنه جعل مغيبها موتًا لها، قاله في "العمدة" (٢). وقال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: المراد بحياتها قوّة أثرها حرارةً ولونًا وشُعاعًا وإنارةً، وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشيء. انتهى. وفي "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن خيثمة أحد التابعين، قال: حياتها أن تجد حرّها. انتهى (٣). (قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ) "المغربَ" بالنصب مفعول مقدم لقوله "ذَكَرَ"، و"أَيَّ" بالنصب على الظرفية، لإضافتها إلى الظرف، متعلق بـ "ذَكَر"، أي لا أعلم في أيّ وقت ذكر صلاة المغرب، وفي رواية البخاريّ: "ونسيتُ ما قال في المغرب"، وقائل ذلك هو سيار بن سلامة، كما بيّنه أحمد في روايته، عن حجاج، عن شعبة، عنه، قاله في "الفتح". والمعنى: أن سيارًا نَسِي ما ذكره أبو برزة ﵁ في وقت صلاته ﷺ للمغرب. (قَالَ) شعبة (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي سيّارًا (بَعْدُ) أي بعد هذه المساءلة (فَسَأَلْتُهُ) عن حديث أبي برزة استثباتًا أيضًا (فَقَالَ) سيّار (وَكَانَ) ﷺ (يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ

стр. 7774

الرَّجُلُ) أي يسلم من الصلاة (فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ) فَعِيل بمعنى فاعل، أي مَن يجالسه، أي الشخص الذي بجنبه، ففي رواية الْجَوْزقيّ من طريق وهب بن جرير، عن شعبة: "فينظر الرجل إلى جليسه، إلى جنبه، فيعرف وجهه" (الَّذِي يَعْرِفُ) صفة لجليسه، وعائده محذوف، أي يعرفه (فَيَعْرِفُهُ) فيه دليلٌ على استحباب التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صَرّح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيه مُغَلّسًا. وادَّعَى الزين ابن الْمُنَيِّر أنه مخالف لحديث عائشة ﵂ المتقدّم، حيث قالت في النساء اللاتي يُصلين مع النبيّ ﷺ : "فينصرفن لا يُعْرَفْنَ من الغَلَس". وتُعُقِّب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حديث أبي برزة ﵁ متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي، فهو ممكن، وحديث عائشة ﵂ متعلق بمن هو مُتَلَفِّف مع أنه على بُعْدٍ، فهو بعيد، قاله في "الفتح" (١). (قَالَ) أبو برزة ﵁ (وَكَانَ) ﷺ (يَقْرَأُ فِيهَا) أي في صلاة الصبح (بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ) يعني من الآي، أي يقرأ بسورة بعد الفاتحة يتراوح عدد آياتها بين الستين والمائة، وقدّرها في رواية الطبراني بـ "سورة الحاقة"، ونحوها. وقد تقدّم في "باب القراءة في الصبح" رقم [٣٦/ ١٠٣٦] من طريق خالد الحذّاء، عن أبي المنهال، وهو سيّار بلفظ: "يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آيةً"، ونحوه في رواية للبخاريّ أيضًا، وأشار الكرمانيّ إلى أن القياس أن يقول: "ما بين الستين والمائة"؛ لأن لفظ "بين" يقتضي الدخول على متعدد، قال: ويَحْتَمِل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين، وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه، قاله في "الفتح"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 7775

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٦٣ و ١٤٦٤ و ١٤٦٥] (٦٤٧)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٤١ و ٥٤٧ و ٥٦٨ و ٥٩٩)، و"الأذان" (٧٧١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٣٩٨)، و (الترمذيّ) فيها (١٦٨)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٤٩٥ و ٥٢٥ و ٥٣٠ و ٩٤٨)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٧٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٢٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١٣١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٠ و ٤٢٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٦ و ٥٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٩ و ١٠٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٣٥ و ١٤٣٦)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٧٨ و ١٨٥ و ١٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٥٠ و ٤٥٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التبكير بصلاة الصبح في أول وقتها. ٢ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة الظهر، عند زوال الشمس عن وسط السماء، وهو مقيَّد بما إذا لم يشتدّ الحرّ؛ لأنه ورد الأمر بالإبراد فيه. ٣ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العصر، وهو مذهب الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة، فقال بتأخيرها، والأحاديث الصحيحة تردّ عليه، وقد مرّ تحقيق القول فيه في موضعه، ودثه الحمد والمنّة. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على معرفة عبادة رسول اللَّه ﷺ ؛ ليمكنهم الاقتداء به، فكانوا يسألون الصحابة ﵃ عن ذلك؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ٥ - (ومنها): بيان عناية المحدثين بالفحص عن سماع من حدثهم، حيث قال شعبة لشيخه: أنت سمعته؟.

стр. 7776

٦ - (ومنها): بيان استحباب تأخير العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه، والأول هو الأولى؛ لأن أكثر الروايات على الثلث، ولحديث: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط" رواه مسلم، وقد مرّ تحقيق القول فيه في موضعه، وللَّه الحمد والمنّة. ٧ - (ومنها): بيان كراهة النوم قبلها؛ لما فيه من التعرض لتفويتها، وهذا لمن ليس له موقظ أو نحوه. قال النوويّ ﵀ في "شرحه": قال العلماء: وسبب كراهة النوم قبلها أنه يُعَرِّضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضلِ، ولئلا يتساهل الناس في ذلك، فيناموا عن صلاتها جماعةً. انتهى. ٨ - (ومنها): بيان كراهة الحديث بعدها، قال النوويّ ﵀: وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل، أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو في وقتها المختار، أو الأفضل، ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات، ومصالح الدنيا. قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء، هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصا لحين، ومحادثة الضيف، والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة، ونحو ذلك، فكل هذا لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقي في معناه، وقد تقدّم كثير منها في هذه الأبواب، والباقي مشهور. ثم كراهة الحديث بعد العشاء، المراد بها بعد صلاة العشاء، لا بعد دخول وقتها، واتَّفَق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير، كما ذكرناه. وأما النوم قبلها، فكرهه عمر، وابنه، وابن عباس، وغيرهم من السلف، ومالك، وأصحابنا -رحمهم اللَّه تعالى أجمعين- ورَخَّص فيه عليّ، وابن

стр. 7777

مسعود، والكوفيون -رحمهم اللَّه تعالى أجمعين- وقال الطحاويّ: يُرَخَّص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه، ورُوي عن ابن عمر مثله. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): بيان استحباب التغليس بصلاة الصبح، ولا ينافي ذلك ما ورد من الأمر فيها بالإسفار؛ لأن المراد من الإسفار أن يمد بصلاة الفجر إلى أن يُسْفِر، ومعنى ذلك أنه يبدأ بالغلس، ثم يُطيل القراءة، حتى يُسفر، وبه يحصل الجمع بين الحديث، كما مرّ البحث فيه مستوفًى قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأَخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (٢) إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ). رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، والذي قبله. وقوله: (أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) شكّ من سيّار، هل قال أبو برزة ﵁: "إلى نصف الليل، أو ثلثه"، هكذا في رواية معاذ عن شعبة بالشكّ، وتقدّم في رواية خالد بن الحارث، عن شعبة: "إلى نصف الليل" بالجزم، وكذا يأتي في رواية حماد بن سلمة، عن أبي المنهال بلفظ: "إلى ثلث الليل" بالجزم، وكذا هو عند أحمد في "مسنده" من رواية حجاج، عن شعبة (٣).

стр. 7778

فتبيّن بهذا أن رواية الئلث أرجح، وأما رواية النصف على تقدير صحّتها فلا بدّ من تأويلها بكون المراد قرب النصف؛ لتوافق ما ثبت من تحديد آخر وقت العشاء بنصف الليل، كما في حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا سُويدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، أَبِي الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ، وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، ثقةٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن حماد بن سلمة، وزُهير بن معاوية الحمصيّ، وأنس بن حيّ، وأبي عوانة، وغيرهم. ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن نمير، وعَبْدة بن عبد اللَّه الصفّار، وسفيان بن وكيع، وعلي بن حرب الطائيّ، وجماعة. قال النسائيّ، وابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، وكان رجلًا صالحًا متعبدًا.

стр. 7779

ونقل ابن خلفون، عن العجليّ أنه قال: مات سُويد سنة ثلاث أو أربع ومائتين، قال: ولم يكن بالكوفة أروى عن زهير بن معاوية منه، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر الحافظ في "تهذيب التهذيب" كلام ابن حبّان، ولم يتعقّبه، وهذا منه عجيبٌ، إذ مفاده أن سويدًا من الوضّاعين، فإن لم يُرد ابن حبّان بهذا غير سويد المترجم هنا، فلا يُلتفت إليه، فإن سُويدًا قد وثقه من هو أعلم بشأن الرجال من ابن حبّان، ولا سيّما ابن معين، والنسائيّ، فكيف يُقبل كلامه فيه؟ فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: أخرج الإمام أحمد ﵀ رواية حماد بن سلمة هذه في "مسنده"، فقال: (١٩٣٠١) حدّثنا يونس (١)، حدّثنا حماد بن سلمة، عن سيّار بن سلامة، عن أبي برزة الأسلميّ، أن رسول اللَّه ﷺ كان يؤخر العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها، وكان يقرأ في الفجر ما بين المائة إلى الستين، وكان ينصرف حين ينصرف، وبعضنا يعرف وجه بعض. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 7780

(٤٢) - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَمَاذَا يَفْعَلُ الإِنْسَانُ إذَا أَخَّرَهَا الإِمَامُ؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦٦] (٦٤٨) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلاة عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ " قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ"، وَلَمْ يَذْكُرْ (١) خَلَفٌ: "عَنْ وَقْتِهَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب البزّار المقري البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم عليه أَحدٌ بحجة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٤ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر (٨٠) سنةً (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٥ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حَبِيب الأزديّ، أو الكِنديّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٨) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٦/ ٤٥٥.

стр. 7781

٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغِفَاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ ﵁، ثقةٌ [٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٥٢/ ١١٤٢. ٧ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة، وقيل: غيره الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل؛ للاختلاف في صيغ الأداء، حيث سمع من خلف مع الجماعة، وقال هو أيضًا: حدّثنا حماد بن زيد، فنسبه إلى أبيه، وأما الباقيان فسمع منهما وحده، وقالا أيضًا: حدّثنا حماد، ولم ينسباه. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير خلف، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ، قرية من قرى المدينة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو عمران، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن عمّه أبي ذرّ ﵁. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، تقدّم إسلامه، لكن تأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ﵁ (أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أنتَ) "كيف" اسم استفهام خبر مقدّم، و"أنت" مبتدأ مؤخّرُ (إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ) أنّث "كانت"؛ لأن الفاعل، وهو "أمراء"، جمع تكسير، يجوز معه تأنيث الفعل، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله: وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ … مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ (يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ) جملة في محلّ رفع صفة لـ "أُمراء" (عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ) للشكّ من الراوي، قال القرطبيّ ﵀: هو شكّ من أحد الرواة، وإماتتُها: إخراجها عن وقتها، حتى تكون كالميت الذي لا روح له، وهذا منه ﷺ من أعلام نبوّته؛ إذ قد أخبر بأمر غيبيّ وقع على نحو ما أخبر، وقد ظهر بعده من

стр. 7782

تأخير بني أميّة الصلاة ما قد عُرِف، وشُوهد. انتهى (١). (يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا") ظاهر هذا أنهم يخرجونها عن وقتها، وأصرح منه ما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنها ستكون عليكم بعدي أمراء، تَشْغَلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها، فصَلُّوا الصلاة لوقتها. . . " الحديث. وقال النوويّ ﵀: المراد تأخيرها عن وقتها المختار، لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخِّرها أحد منهم عن جميع وقتها، فيجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. انتهى. واعترض الحافظ ﵀ على هذا في "الفتح"، فقال في شرح حديث أنس ﵁: "لا أعرف شيئًا مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ"، ما نصُّه: قال المهلَّب: والمراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب، لا أنهم أخرجوها عن الوقت، كذا قال، وتبعه جماعة، وهو مع عدم مطابقته للترجمة -يعني ترجمة البخاريّ ﵀ بقوله: "باب تضييع الصلاة عن وقتها"- مخالف للواقع، فقد صحّ أن الحجاج، وأميره الوليد، وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة: (منها): ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت، فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر، وأنا جالس، إيماءً، وهو يخطب. وإنما فعل ذلك عطاء خوفًا على نفسه من القتل. (ومنها): ما رواه أبو نعيم شيخ البخاريّ في "كتاب الصلاة" من طريق أبي بكر بن عتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جُحيفة، فمَسَّى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة، فصلى. ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه. ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت بمنى،

стр. 7783

وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير، وعطاء يومئان إيماء، وهما قاعدان. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحافظ ﵀ هو الموافق لظواهر الأحاديث، ففيها: "يصلون الصلاة لغير وقتها"، وفيها: "يميتون الصلاة عن وقتها"، وفيها: "تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها"، وكلها تقدمت، فتأويل هذه النصوص بتأخيرها عن وقتها المستحب تكلف بارد، وتعسف كاسد. والحاصل أن الأَوْلى أن يُحْمَل الإخراج على ظاهره، فهم يخرجونها عن وقتها لاشتغالهم بأمورهم، لا جحدًا لوجوبها، فإنهم لو أخروها جحدًا وجب مقاتلتهم، وتحرم الصلاة خلفهم، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي) أي أي شيء تأمرني به، هل أصليها لنفسي، أم لا؟ (قَالَ) ﷺ ("صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) أي في وقتها المستحبّ، وفي رواية البيهقي: "فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون. . . " (فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا) أي الصلاة التي صلّيتها لنفسك (مَعَهُمْ) وقد بُيِّنَ معنى إدراكها معهم في الرواية الآتية من طريق بُدَيل، عن أبي العالية، ففيها: "صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة، وأنت في المسجد، فصلّ"، فقد أفادت هذه الرواية أن المراد بالإدراك هو أن تقام الصلاة، وهو في المسجد، فأما إذا ذهب لحاجته قبل أن تقام، فليس عليه أن يرجع. (فَصَلِّ) تلك الصلاة جماعةً؛ إحرازًا للفضيلتين، فضيلةِ المبادرة بأداء الصلاة في أول الوقت، وفضيلةِ صلاة الجماعة (فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ") أي إن تلك الصلاة التي صلّيتها معهم نافلةٌ؛ لأن الفرض سقط بالصلاة الأولى. وهذا الأمر للاستحباب، بدليل ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفيه: فقال رجل: يا رسول اللَّه، أصلي معهم؟، قال: "نعم إن شئت"، فدلّ على أنه لو ترك الصلاة معهم لا شيء عليه.

стр. 7784

والحديث صريحٌ في أن الصلاة الأولى هي الفريضة، وأن الثانية هي نافلة، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك -إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) وفي نسخة: "لم يذكر" (خَلَفٌ: "عَنْ وَقْتِهَا") يعني أن شيخه الأول، وهو خلف بن هشام لم يذكر في روايته لفظ: "عن وقتها"، وإنما ذكره أبو الربيع، وأبو كامل في روايتهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٤٢/ ١٤٦٦ و ١٤٦٧ و ١٤٦٨ و ١٤٦٩ و ١٤٧٠ و ١٤٧١ و ١٤٧٢] (٦٤٨)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١١٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٣١)، و (الترمذيّ) فيها (١٧٦)، و (ابن ماجه) فيها (١٢٥٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٤٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٧٨٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨١ و ٣٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦١ و ١٦٩ و ١٧١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧١٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٠٤ و ٢٤٠٥ و ٢٤٠٦ و ٢٤٠٧ و ٢٤٠٨ و ٢٤٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٣٧ و ١٤٣٨ و ١٤٣٩ و ١٤٤٠ و ١٤٤١ و ١٤٤٢ و ١٤٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٠١ و ٣/ ١٢٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ بالصلاة في أول وقتها، وأن من صلّى أول الوقت، ثم أُقيمت الجماعة صلّى معهم ثانيًا. ٢ - (ومنها): مشروعيّة إعادة الصلاة، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان أن الإمام إذا أخَّر الصلاة عن أول الوقت المستحبّ

стр. 7785

ينبغي للشخص أن يصليها في أول الوقت منفردًا، ثم يصليها مع الإمام إن أدركه، فيجمع بين فضيلتي أول الوقت، والجماعة. قال النوويّ ﵀: فلو أراد الاقتصار على إحداهما، فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفردًا في أول الوقت، أم الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت؟ فيه خلاف مشهور لأصحابنا -يعني الشافعية- واختلفوا في الراجح، والمختارُ استحباب الانتظار إن لم يَفْحُش التأخير. ٤ - (ومنها): الحثّ على موافقة الأمراء في غير معصية؛ لئلا تتفرق الكلمة، وتقع الفتنة، ولهذا قال أبو ذرّ ﵁ في الرواية الآتية: "إن خليلي أوصاني أن أسمع، وأطيع، وإن كان عبدًا مجدَّع الأطراف". ٥ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما سيكون بعده من تحوّل الأمراء عن طريق الحقّ، بحيث إنهم لا يبالون بتأخير الصلاة التي هي من أعظم أركان الدين، فكيف بما دونها من تغيير السنن، وإحداث البدع، وهذا من معجزاته ﷺ ، حيث وقع طبْقًا لما أخبر به، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. ٦ - (ومنها): اهتمامه ﷺ بأصحابه الذين يتأخرون بعده، ويتولى عليهم من يغيّر الأمور، فأرشدهم إلى كيفية معايشتهم، وحَثَّهم على عدم الخروج عليهم، وأمرهم بالإحسان معهم إذا أحسنوا، واجتنابهم إذا أساءوا. ٧ - (ومنها): أن العالم ينبغي له أن يبدأ بالمسألة من غير أن يُسألَ، إذا كان الناس في حاجة إليها. ٨ - (ومنها): أنه ينبغي للجاهل أن يطلب من العالم حَلَّ المسألة، وتوضيحها إذا لم يتبين له وجهها، فإن أبا ذر ﵁ قال: "فما تأمرني"، فقد سأل كيف يكون حلّ هذه المشكلة، فبيّن له ﷺ بأن يحرز بين المصلحتين: مصلحة الصلاة في وقتها، ومصلحة عدم مخالفة الجماعة. ٩ - (ومنها): بيان جواز الصلاة خلف أئمة الجور، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الصلاة خلف أئمة الجْور، ومن لا يُرضَى حاله؛ من الخوارج، وأهل البدع:

стр. 7786

ذهبت طائفة إلى جواز الصلاة خلفهم: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عُمَير بن هانئ، قال: شَهِدت ابن عمر، والحجاجُ محاصر ابنَ الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء. حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: كان الحسن بن عليّ، والحسين يصليان خلف مروان، قال: فقيل له: أما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؛ قال: فيقول: لا واللَّه، ما كانوا يزيدون على صلاة الأئمة. حدّثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يصلون خلف الأمراء، ما كانوا. حدّثنا هشيم، عن أبي حُرَّة، عن الحسن، قال: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق، ولا ينفع المنافق صلاة المؤمن خلفه. حدّثنا أبو أسامة، عن حبيب بن جزي، قال: سألت أبا جعفر عن الصلاة خلف الأمراء؟ قال: صلِّ معهم. حدّثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرقان، قال: سألت ميمونًا عن الصلاة خلف الأمراء؟ فقال: صلِّ معهم. حدّثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال: سألت ميمونًا عن رجل، فذكر أنه من الخوارج، فقال: أنت لا تصلّ له، إنما تصلِّ للَّه، قد كنا نصلي خلف الحجاج، وكان حروريًا أزرقيًا (١). حدّثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان عبد اللَّه يصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلًا، ويرى أن مَأثَم ذلك عليهم. حدّثنا وكيع عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن رجل، عن سعيد بن جبير، أنه كان يصلي مع الحجاج عند أبواب كِنْدَة، وخرج عليه. حدّثنا وكيع، ثنا بَسَّام، قال: سألت أبا جعفر عن الصلاة مع الأمراء؟ فقال: صلّ معهم، فإنا نصلي معهم، قد كان الحسن والحسين يبتدران الصلاة

стр. 7787

خلف مروان، قال: فقلت: الناس يزعمون أن ذلك تَقِيّة، قال: وكيف إن الحسن بن علي يسبُّ مروان في وجهه، وهو على المنبر حتى تولى!. حدّثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إبراهيم بن أبي حفصة، قال: قلت لعليّ بن حسين: إن أبا حمزة الثُّمالي، وكان فيه غلوّ يقول: لا نصلي خلف الأئمة، ولا نناكح إلا من يرى مثل ما رأينا، فقال علي بن حسين: بل نصلي خلفهم، ونناكحهم بالسنة. حدّثنا وكيع، ثنا سفيان، عن الأعمش، قال: كانوا يصلون خلف الأمراء، ويحتسبون بها. حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن عقبة الأسدي، عن زيد بن أبي سليمان أن أبا وائل كان يجمِّع مع المختار. حدّثنا وكيع، ثنا سفيان عن مسلم، عن أبي فَرْوة، قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأشار إلى محمد بن سعد، والحجاج يخطب أن اسكت. حدّثنا الفضل بن دُكَين، عن الأعمش، عن القاسم بن محْيمِرَة أنه كان يصلي خلف الحجاج. انتهى "مصنف ابن أبي شيبة" (١). وأخرج البيهقيّ بسنده عن مكحول، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير بَرًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان، أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم برًّا كان، أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر"، قال البيهقيّ: وهذا إسناده صحيح، إلا أن فيه إرسالًا بين مكحول وأبي هريرة (٢). وأخرج أيضًا بسنده عن عمير بن هانئ، قال: بعثني عبد الملك بن مروان بكتب إلى الحجاج، فأتيته، وقد نصب على البيت الحرام أربعين مَنْجَنِيقًا، فرأيت ابن عمر إذا حضرت الصلاة مع الحجاج صلى معه، وإذا حضر ابن الزبير صلى معه؛ فقلت له: يا أبا عبد الرحمن أتصلي مع هؤلاء، وهذه أعمالهم؛ فقال: يا أخا أهل الشام، ما أنا لهم بحامد، ولا نطيع مخلوقًا في

стр. 7788

معصية الخالق، قال: قلت: ما تقول في أهل الشام؟ قال: ما أنا لهم بحامد. قلت: فما تقول في أهل مكة؟ قال: ما أنا لهم بعاذر؛ يقتتلون على الدنيا، يتهافتون في النار تهافت الذباب في المرق، قلت: فما تقول في هذه البيعة التي أخذ علينا مروان؟ قال: قال ابن عمر: كنا إذا بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة يلقننا "فيما استطعتم". وأخرج أيضًا بسنده عن يونس بن عبيد، عن نافع، قال: كان ابن عمر يسلم على الخشبية (١)، والخوارج، وهم يقتتلون، فقال: من قال: حيّ على الصلاة أجبته، ومن قال: حيّ على الفلاح أجبته، ومن قال: حيّ على قتل أخيك المسلم، وأخذ ماله، قلت: لا. انتهى (٢). ومنعت طائفة الصلاة خلف أهل البدع، وأمر بعضهم من صلى خلفهم بالإعادة، كان سفيان الثوري يقول في الرجل يكذّب بالقدر: لا تقدموه. وقال أحمد في الجهميّ يصلى خلفه: يعيد، والقدريّ إذا كان يردّ الأحاديث، ويخاصم فليعد، والرافضيّ يصلى خلفه: يعيد. وقال أحمد: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه. وقد حُكي عن مالك أنه قال: لا يصلى خلف أهل البدع من القدرية، وغيرهم، ويصلى خلف أئمة الجور، قاله ابن المنذر ﵀ (٣). وقال العلامة العينيّ ﵀: وكان أبو حنيفة ﵀ لا يرى الصلاة خلف المبتدعة، ومثله عن أبي يوسف. انتهى (٤). وقال النوويّ ﵀ في "المجموع" ما حاصله: مَن كُفِّر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومن لا يكفر تصح؛ فمِمَّن يكفر: من يجسم تجسيمًا صريحًا، ومن ينكر العلم بالجزئيات، وأما من يقول بخلق القرآن فهو مبتدع، واختَلَف أصحابنا في تكفيره، فأطلق أبو علي الطبري في

стр. 7789

"الإفصاح"، والشيخ أبو حامد الإسفرايني، ومتابعوه، القول بأنه كافر، قال أبو حامد، ومتابعوه: المعتزلة كفار، والخوارج ليسوا بكفار، ونقل المتولي تكفير من يقول بخلق القرآن عن الشافعيّ، وقال القفال، وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع، قال صاحب "العمدة": هذا هو المذهب. قال النووي: وهذا هو الصواب، فقد قال الشافعيّ ﵀: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة، ونحوهم، ومناكحتهم، وموارثتهم، وإجراء سائر الأحكام عليهم. وتأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي، وغيره من أصحابنا المحققين ما نُقل عن الشافعي، وغيره من العلماء، من تكفير القائل بخلق القرآن على أن المراد كفران النعمة، لا كفران الخروج عن الملة، وحَمَلَهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم (١). قال الشافعيّ ﵀: ومَن صلى صلاةً مِن بالغ مسلم، يقيم الصلاة، أجزأته، ومَن خلفه صلاتُهم، وإن كان غير محمود الحال في دينه، أيّ غاية بلغ، يخالف الحمد في الدين، وقد صلى أصحاب النبيّ ﷺ خلف من لا يَحْمَدون فعاله، من السلطان وغيره. انتهى كلام الشافعيّ ﵀ (٢). وقال ابن المنذر: إن كفر ببدعته لم تجز الصلاة وراءه، وإلا فتجوز، وغيره أولى (٣). وقال الإمام المحقق أبو محمد بن حزم ﵀: ما نعلم أحدًا من الصحابة ﵃ امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد اللَّه بن زياد، والحجاج، ولا فاسق أفسق من هؤلاء، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ولا برّ أبرّ من الصلاة وجمعِها في المساجد، فمن دعا إليها ففرض

стр. 7790

إجابته، وعونه على البر والتقوى الذي دعا إليهما، ولا إثم بعد الكفر آثم من تعطيل الصلوات في المساجد، فحرام علينا أن نعين على ذلك، وكذلك الصيام، والحج، والجهاد؛ من عمل شيئًا من ذلك عملناه معه، ومن دعانا إلى إثم لم نجبه، ولم نعنه عليه. وكل هذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان -يعني داود الظاهري- رحمهم اللَّه تعالى. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١). وقال العلامة الشوكانيّ ﵀ ما ملخصه: قد ثبتٌ إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًا، ولا يبعد أن يكون قوليًا على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير، وكان الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحال أمرائهم لا يخفى. وقد أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف. وأخرج مسلم، وأهل السنن أن أبا سعيد الخدريّ ﵀ صلى خلف مروان صلاة في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، وإخراج منبر النبيّ ﷺ ، وإنكار بعض الحاضرين. وأيضًا قد ثبتٌ أنه ﷺ أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان، ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول ﷺ اللَّه، بم تأمرنا؟ فقال: "صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة"، ولا شك أن من أمات الصلاة، وفَعَلها في غير وقتها غير عدل، وقد أذن النبيّ ﷺ بالصلاة خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك. والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة، وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره. فالقائل بأن العدالة شرط، كما رُوي عن العترة، ومالك، وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل، ينقل عن ذلك الأصل.

стр. 7791

ثم إن محل النزاع إنما هو في صحة الصلاة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ باختصار (١)، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم، وأدلّتهم في المسألة أن أرجحها هو القول بجواز الصلاة خلف من صحت صلاته لنفسه من كل بالغ مسلم، وإن كانت سيرته غير محمودة؛ لأن أصحاب رسول اللَّه ﷺ كانوا يصلون خلف من لا يحمدون سيرته من السلاطين وغيرهم، كما صرح به الشافعيّ ﵀ فيما سبق، وهو الذي عليه جمهور السلف والخلف، فتصح الصلاة خلف أئمة الجَوْر، وأهل الأهواء الذين لا يكفّرون بأهوائهم، وإن كان الأولى الصلاة خلف الأئمة الصلحاء، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم مَن صلى صلاة، ثم وَجَد جماعة: ذهب جمهور الفقهاء -كما قال الحافظ أبو عمر ﵀ إلى أن من صلى في بيته وحده، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وأما من صلى جماعة، فلا يعيد، وممن قال بهذا القول مالك بن أنس، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم. واحتجُّوا بحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان. وذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وهو قول داود إلى أنه يصليها ثانية في جماعة، قال أحمد: ولا يجوز له أن يخرج إذا أقيمت الصلاة حتى يصليها، وإن كان قد صلى في جماعة واحتجّ بقول أبي هريرة ﵁ في الذي خرج عند الإقامة من المسجد: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . ورُوي عن أبي موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك،

стр. 7792

وصلة بن زفر، والشعبيّ، والنخعيّ إعادة الصلاة في جماعة لمن صلاها في جماعة، وبه قال حماد بن زيد، وسليمان بن حرب. واتفق أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه على أن معنى حديث ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ قال: "لا تصلوا صلاة في يوم واحد مرتين"، قالا: إنما ذلك أن يصلي الإنسان الفريضة، ثم يقوم، فيصليها ثانية، ينوي بها الفرض مرة أخرى، يعتقد ذلك، فأما إذا صلاها مع الإمام على أنها سنّة تطوع، فليس بإعادة للصلاة. قال أبو عمر: قد علمنا أن رسول اللَّه ﷺ إنما أمر الذي صلى في أهله وحده أن يعيد في جماعة من أجل فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ ليتلافى ما فاته من فضل الجماعة، إذا كان قد صلى منفردًا، والمصلي في جماعة قد حصل له الفرض والفضل، فلم يكن لإعادته الصلاة وجه، إلا أن يتطوع بها، وسنة التطوع أن يصلي ركعتين؛ لحديث: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، وللنهي عن القصد إلى التطوع بعد العصر والصبح. انتهى كلام أبي عمر ﵀ باختصار (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فيما قاله أبو عمر نظرٌ لا يخفى، بل الظاهر إطلاق الإعادة للجميع، سواء صلى وحده، أو مع الجماعة؛ عملًا بظاهر النصّ؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال، فإنه ﷺ ما استفصل مِحْجَنًا ﵁، لَمّا قال له: قد صليت في أهلي، هل صلى وحده، أم صلى مع الجماعة؟ بل قال له: "إذا جئت، فصل مع الناس" (٢)، وكذا ما استفصل الرجلين، هل صلّيا وحدهما، أم صلّيا مع

стр. 7793

جماعة، بل قال لهما: "فصلّيا معهم" (١). والحاصل أن الراجح قول أحمد، وإسحاق، ومن قال بقولهما من مشروعيّة إعادة من صلى إذا وجد جماعة مطلقًا، سواء صلى وحده، أو مع جماعة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم، هل تعاد جميع الصلوت، أم لا؟: قال أبو عمر ﵀: واختلف الفقهاء فيما يعاد من الصلوات مع الإمام لمن صلاها في بيته، فقال مالك ﵀: تعاد الصلوات كلها مع الإمام، إلا المغرب وحدها، فإنه لا يعيدها؛ لأنها تصير شفعًا، قال: ومن صلى في جماعة، ولو مع واحد، فإنه لا يعيد تلك الصلاة إلا أن يعيدها في مسجد النبيّ ﷺ ، أو المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، وقال: إنه لا يدري أيُّ صلاتيه فريضته، وإنما ذلك إلى اللَّه، يجعلها أيتها شاء، ولا يقول: إنها نافلة، ونقل مثل ذلك عن ابن عمر، وابن المسيب رحمهما اللَّه تعالى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن هذا مُعارِضٌ للنصوص الصحيحة الصريحة؛ حيث جعلت الثانية هي النافلة، ففي حديث الباب: "كانت لك نافلة"، وفي حديث الرجلين: "فإنها لكما نافلة"، وفي حديث ابن مسعود عند النسائيّ: "فصلوها معهم، واجعلوها سُبْحة"، فكلّها نصوص صريحة، في كون الثانية نافلةً، وتأويلهم بأن النافلة بمعنى فضيلة، وزيادة خير، وليس بمعنى التطوع، كما في قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] تأويل بعيد؛ إذ لا دليل عليه.

стр. 7794

وأما حديث: "فصلّ معهم، وإن كنت قد صلّيت، تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة"، رواه أبو داود، فضعيف (١)، لا يقاوم هذه الأحاديث الصحيحة، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال أبو حنيفة وأصحاب أبو حنيفة ﵏: لا يعيد المصلي وحده العصر مع الإمام، ولا الفجر ولا المغرب، ويصلي معه الظهر والعشاء، ويجعل صلاته مع الإمام نافلة. قال محمد بن الحسن: لأن النافلة بعد العصر والصبح لا تجوز، ولا تعاد المغرب؛ لأن النافلة لا تكون وترًا في غير الوتر. وقال الأوزاعيّ: يعيد جميع الصلوات، إلا المغرب والفجر، وهو قول عبد اللَّه بن عمر ﵄؛ لحديث: "لا وتران في ليلة"، وحديث: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس"، وأما العصر فقد ثبت جواز الصلاة بعدها ما كانت الشمس بيضاء نقية، والنهي الوارد محمول على ما بعد ذلك. وهذا مذهب جماعة من السلف، كابن عمر، وقد استوفيت البحث في هذا في "شرح النسائيّ" في [باب الرخصة في الصلاة بعد العصر] برقم (٥٧٣)، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال الشافعيّ ﵀: تعاد الصلوات كلها؛ لحديث محجن الذي تقدّمت الإشارة إليه، حيث لم يخص له ﷺ صلاةً من صلاة، بل قال له: "فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت"، قال: والأولى هي الفريضة، والثانية سنة، وهو

стр. 7795

قول داود بن علي الظاهريّ، إلا أنه يرى الإعادة في الجماعة على من صلى وحده فرضًا، ولا يحتسب عنه بما صلى وحده (١)، وأما من صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فالإعادة ههنا استحباب. واختلف عن الثوريّ ﵀، فروي عنه: يعيد الصلوات كلها، كقول الشافعيّ، وروي عنه مثل قول مالك، ولا خلاف عنه أن الثانية تطوع. وقال أبو ثور ﵀: يعيدها كلها إلا الفجر والعصر، إلا أن يكون في مسجد، فتقام الصلاة، فلا يخرج حتى يصليها، وحجته النهي عن صلاة النافلة بعد العصر، وبعد الصبح. انتهى كلام ابن عبد البر ﵀ بالاختصار. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب الإمام الشافعي، وداود رحمهما اللَّه من إعادة جميع الصلوات، من غير استثناء شيء من الصلوات؛ لقوة دليله؛ حيث عمم النبيّ ﷺ بقوله: "فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت" من غير استثناء شيء، بل حديث يزيد بن الأسود في قصّة الرجلين، نصّ صريح في أن ذلك كان بعد الصبح. وأن الصواب أيضًا كون الأولى هي الفريضة، والثانية هي النافلة؛ لما أسلفناه من الأدلة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ، يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا، كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ").

стр. 7796

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ) فيه دليلٌ من دلائل النبوّة، وقد وقع في زمن بني أميّة (١). وقوله: (فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) قال القرطبيّ ﵀ يعني وقتها الأفضل، بدليل قوله: "فإن أدركتها معهم"، أي في الوقت، وبدليل قوله: "فإن صُلِّيَتْ لوقتها كانت لك نافلةً"، أي زيادة في العمل والثواب. انتهى (٢). وقوله: (فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا) بالبناء للمفعول، أي صلى الأمراء الصلاة في وقتها بعد صلاتك وحدك، فصلّها، فإنها تكون نافلة. وقوله: (كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ) قال القرطبيّ ﵀: أي قد فعلتها في وقتها، وعلى ما يجب أداؤها، وفيه جواز فعل الصلاة مرّتين، ويُحمَل النهي عن إعادة الصلاة على إعادتها من غير سبب. انتهى. وقال النوويّ ﵀: معناه: إذا علمت من حالهم تأخيرها عن وقتها المختار، فصلّها لأول وقتها، ثم إن صَلَّوها لوقتها المختار فصلّها أيضًا معهم، وتكون صلاتك معهم نافلةً، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك بفعلك في أول الوقت، أي حَصَّلتها، وصُنْتَها، واحتَطْتَ لها. انتهى. وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ:

стр. 7797

"إِنَّ خلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّع الْأَطْرَافِ، وَأَنْ أُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ، وَقَدْ صَلَّوْا، كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ، وَإِلَّا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً"). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا والباقون ذكروا قبله. وقوله: (إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) أي مُقَطَّع الاطراف، والْجَدْعُ -بالدال المهملة-: القطع، والْمُجَدَّع أردأ العبيد؛ لخسته، وقلة قيمته ومنفعته، ونفرة الناس منه، وفي هذا الحثّ على طاعة ولاة الأمور ما لم تكن معصيةً. [فإن قيل]: كيف يكون العبد إمامًا، وشرط الإمام أن يكون حُرًّا قرشيًّا، سَلِيم الأطراف؟. [فالجواب]: من وجهين: [أحدهما]: إن هذه الشروط وغيرها إنما تُشْتَرط فيمن تُعقَد له الإمامة باختيار أهل الحلّ والعقد، وأما مَن قَهَر الناس؛ لشوكته، وقوة بأسه وأعوانه، واستولى عليهم، وانتصب إمامًا، فإن أحكامه تنفُذُ، وتجب طاعته، وتحرم مخالفته في غير معصية، عبدًا كان أو حُرًّا، أو فاسقًا بشرط أن يكون مسلمًا. [الجواب الثاني]: أنه ليس في الحديث أنه يكون إمامًا، بل هو محمول على من يُفَوِّض إليه الإمام أمرًا من الأمور، أو استيفاء حقّ، أو نحو ذلك، قاله النوويّ ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 7798

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَرَبَ فَخِذِي: "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ " قَالَ: قَالَ مَا تَأْمُرُ؟ (١) قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ، فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلِّ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (بُدَيْل) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ، ثقة [٥] (ت ١٢٥) أو (١٣٠) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٧/ ١١١٥. ٥ - (أَبُو الْعَالِيَةِ) الْبَرّاء -بتشديد الراء- البصريّ، مولى قريش، كان يَبْري النَّبْل، قيل: اسمه زياد بن فَيْروز، وقيل: زياد بن أُذَينة، وقيل: أذينة، وقيل: إن أذينة لَقَبٌ، واسمه كلثوم، ثقة [٤]، مات يوم الاثنين في شوّال سنة تسعين. رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأنس، وطلق بن حبيب، وعبد اللَّه بن الصامت، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب، وبُديل بن ميسرة، ومطر الوراق، والحسن بن أبي الحسناء، ويونس بن عبيد، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال ابن عبد البر: زياد بن فيروز أكثر ما قيل فيه، وهو عندهم ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ﵀:

стр. 7799

أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (٦٤٨) وكرّره ثلاث مرّات، و (١٢٤٠) حديث: "من شاء أن يجعلها عمرة. . . "، وكرّره ثلاثًا أيضًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستة من يسمّى ببديل إلَّا المذكور في هذا السند، وأن أبا العالية يقال له البرّاء بتشديد الراء؛ لأنه كان يبري النبل. وقوله: (مَا تَأْمُرُ؟) وفي نسخة: "فما تأمر؟ " و"ما" استفهاميّة، أي بأيّ شيء تأمرني إذ أدركت ذلك؟. وقوله: (صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ. . . إلخ) معناه: صلّ في أول الوقت، وتصرّف في شغلك، فإن صادفتهم بعد ذلك لَمْ يصلّوا فصلِّ معهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، قَالَ: أَخَّرَ ابْنُ زِيَادٍ الصَّلَاةَ، فَجَاءَنِي عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الصَّامِتِ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ كُرْسِيًّا، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ، فَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ، وَضَرَبَ (١) فَخِذِي، وَقَالَ (٢): إِنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ، كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ (٣) فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، فَلَا أُصَلِّي"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.

стр. 7800

٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةُ ثبتٌ حجة فقيهٌ، من كبار [٥] (ت ١٣١) عن (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. والباقون تقدّموا قبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ) بتشديد الراء، نسبة إلى بَرْي النَّبْل، أنه (قَالَ: أَخَّرَ ابْنُ زِيَادٍ الصَّلَاةَ) وصرح في رواية أحمد باسمه، فقال: "عبيد اللَّه بن زياد". والظاهر أنه عبيد اللَّه بن زياد بن أبيه المتوفّى سنة (٦٧ هـ) كان واليًا فاتحًا من الشجعان جبارًا خطيبًا ولد بالبصرة سنة (٢٨ هـ)، ويحتمل أن يكون عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان البكري المتوفى سنة (٧٥ هـ) كان فاتحًا من الشجعان، وكان مقربًا من عبد الملك بن مروان. [تنبيه]: وقع في رواية النسائيّ "زياد" بدل "ابن زياد"، وهو غلطٌ، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فَجَاءَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ (فَأَلْقَيْتُ لَهُ كُرْسِيًا) فيه إكرام الضيف، والاهتمام به. و"الكرسي": بضم الكاف أشهر من كسرها، والجمع مثقل وقد يخفف. قال ابن السِّكِّيت في باب ما يشدد: وكل ما كان واحده مشددًا، شدّدت جمعه، وإن شئت خففت. (فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ، فَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ) قال في "المصباح": عَضِضتُ اللُّقمة، وبها، وعليها، عَضًّا: أمسكتُها بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكن، ومن باب نَفَعَ لغة قليلة، وفي أفعال ابن القطان: من باب قتل. انتهى. وإنما عَضّ عبد اللَّه بن الصامت على شفتيه إظهارًا للكراهة لفعله.

стр. 7801

(وَضَرَبَ) وفي نسخة: "فضرب" بالفاء في المواضع الثلاثة (فَخِذِي) "الفَخِذ" -ككتف-: ما بين الساق والوَرِك، مؤنث، كالفَخْذِ - بفتح الفاء، وتكسر، مع سكون الخاء فيهما، ويجوز فيه فِخِذ - بكسرتين (١). وإنما ضرب فخذه للتنبيه، وجمع الذهن، على ما يقوله له (٢). (وَقَالَ) وفي نسخة: "ثم قال" (إِنِّي سَأَلْتُ أَبا ذَرٍّ) ﵁ (كمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ) ﷺ (فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ) هذا هو النوع المسمى في مصطلح المحدثين بالمسلسل قولًا، وفعلًا، حيث تسلسل بقول كل من عبد اللَّه بن الصامت، وأبي ذرّ ﵁: "سألت، كما سألتني، وضرب فخذي، كما ضربت فخذك". (وَقَالَ) ﷺ ("صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) أي في وقتها المأمور أداؤها فيه، جمعًا بين المصلحتين، مصلحةِ أداء الصلاة في الوقت المشروع، ومصلحة عدم شق العصا بإظهار المخالفة. (فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ) بالرفع على الفاعليّة، وفي رواية النسائيّ: "فإن أدركت الصلاة" بتاء المخاطب، و"الصلاة" منصوب على المفعوليّة (مَعَهُمْ) وفي نسخة: "فإن أدركتك معهم". (فَصَلِّ) تلك الصلاة جماعةً؛ إحرازًا للفضيلتين: فضيلة أول الوقت،

стр. 7802

وفضيلة الجماعة (وَلَا تَقُلْ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ) أي في أول الوقت (فَلَا أُصَلِّي") معهم ثانيًا. ومسائل الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ (١)، أَوْ قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ إِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلِّ مَعَهمْ، فَمنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) الأحول، أبو عمر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في "المساجد" ٢٦/ ١٣٥٠. ٢ - (أَبُو نَعَامَةَ) السعديّ البصريّ، قال ابن معين: اسمه عبد ربه، وقال ابن حبّان ﵀: قيل: اسمه عَمْرو، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبي عثمان النَّهْديّ، وعبد اللَّه بن الصامت، وأبي نضرة العبديّ، ومُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير، وشهر بن حَوْشب. ورَوَى عنه أيوب، وأبو عامر الخزاز، ومرحوم بن عبد العزيز العطار، ومبارك بن فَضَالة، وشعبة، وحماد بن سلمة. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: بصريّ صالح، ولَمّا أخرج الترمذيّ حديثه عن أبي عثمان، عن أبي سعيد، عن معاوية في فضل مجالس الذكر، قال: حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وأبو نعامة عمرو بن

стр. 7803

عيسي، تَعَقَّبه المزيّ في "الأطراف"، فقال: كذا قال، وأبو نعامة عمرو بن عيسي، شيخ آخر، وهو العدوي، وأما هذا فهو السعديّ، واسمه عبد ربه، فجزم بذلك مع أنه حَكَى عن ابن حبان ما يقتضي أنه اختُلِف فيه، قاله في "تهذيب التهذيب" (١). أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٤٨)، وحديث (٢٧٠١): "أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم. . . ". والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ) أي إن هذه الصلاة الثانية خير زائد على الخير السابق، وهو أداء الصلاة في أول وقتها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ (٢)، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ: نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ (٣)، فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ؟، قَالَ: فَضَرَبَ فَخِذِي ضَرْبَةً أَوْجَعَتْنِي، وَقَالَ: سَأَلْتُ؟ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَضَرَبَ فَخِذِي، وَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً"، قَالَ: وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذُكِرَ لِي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ فَخِذَ أَبِي ذَرٍّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربما وهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.

стр. 7804

٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (مَطَر) بن طهمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوق، كثير الخطأ [٦] (١٢٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (قَالَ: وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ) فاعل "قال" الأول ضمير أبي العالية. وقوله: (ذُكِرَ لِي أَنِّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ فَخِذَ أَبِي ذَرٍّ) ببناء "ذُكِرَ" للمفعول. [تنبيه]: ظاهر قوله: "ذُكر لي" أن عبد اللَّه بن الصامت لم يسمع هذا من أبي ذرّ ﵁، وإنما سمعه من غيره، لكن تقدّم في رواية أيوب السختيانيّ، عن أبي العالية أنه سمعه من أبي ذرّ ﵁، ولفظه: "وقال: إني سألت أبا ذرّ كما سألتني، فضرب فخذي، كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول اللَّه ﷺ كما سألتني، فضرب فخذي، كما ضربت فخذك. . . " الحديث، وأيوب أوثق وأحفظ من مطر الورّاق، فتقدّم روايته عليه، ويؤيّدها أيضًا ظاهر رواية بُديل، عن أبي العالية السابقة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٣) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالتَّشْدِيدِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا، وَأَنَّهَا فَرِيضَةٌ) قال الجامع عفا اللَّه عنه: (اعلم): أن لفظ الجماعة يَحْتَمِل أن يُراد به عموم المجتمعين في الصلاة، ويَحْتَمِل أن يُراد به الاجتماع نفسه، ويكون المعنى صلاة الاجتماع، فعلى الأول تكون الجماعة صفة موصوف محذوف، أي القوم، ونحو ذلك، وعلى الثاني لا حذف؛ لوقوعه على المعنى الذي هو الاجتماع. والحكمة في مشروعيّة الجماعة وُجوه ذكرها ابن القسطلانيّ في "مقاصد الصلاة":

стр. 7805

[أحدها]: قيام نظام الأُلفة بين المصلّين، ولهذه العلّة شُرعت المساجد في المحالّ؛ ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران. [ثانيها]: حصر النفس أن تستقلّ بهذه العبادة وحدها، فإنها ربما لم تَفِ بالقيام بها وحدها، فإذا علمت انتظار جماعة لها حرّكها ذلك إلى المبادرة لفعلها، فإن النفوس تُحبّ البطالة، وتركن إليها، فإذا وجدت محرّكًا من خارج أذعنت وأجابت. [ثالثها]: أن الناس بين عالم بأفعال الصلاة وأحكامها، وجاهل بها، فإذا حصل إقامتها في الجماعة تعلّم الجاهل من العالم، فزال جهله. [رابعها]: أن الدرجات والمثوبات متفاوتة في العمال؛ لأجل قبول الأعمال، فإذا كانت الجماعة حصل فيها الكامل والناقص بحسب الحضور والغفلة، فيعود من بركة الكامل على الناقص، فتكمل صلاته. انتهي، ذكر هذا كله ابن الملقّن ﵀ (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وذكر الشيخ شاه وليّ اللَّه الدهلويّ ﵀ كلامًا حسنًا يتعلّق بأسرار تشريع صلاة الجماعة أيضًا، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طولٌ، إلَّا أنه مفيد، قال ﵀: (اعلم) أنه لا شيء أنفع من غائلة الرسوم من أن يُجعَل شيء من الطاعات رسمًا فاشيًا، يؤدَّى على رؤوس الخامل والنبيه، ويستوي فيه الحاضر والباد، ويجري فيه التفاخر والتباهي، حتى تدخل في الارتفاقات الضرورية التي لا يمكن لهم أن يتركوها، ولا أن يُهملوها؛ لتصير مؤيِّدًا لعبادة اللَّه، والسنةُ تدعو إلى الحقّ، ويكون الذي يُخاف منه الضرر هو الذي يَجلُبُهم إلى الحقّ، ولا شيءَ من الطاعات أتمّ شأنًا، ولا أعظم برهانًا من الصلاة، فوجب إشاعتها فيما بينهم، والاجتماع لها، وموافقة الناس فيها. وأيضًا فالملة تجمع ناسًا علماء يُقتَدَى بهم، وناسًا يحتاجون في تحصل إحسانهم إلى دعوة حثيثة، وناسًا ضعفاء الْبِنْية، ولو لَمْ يكلفوا أن يؤدوا على أعين الناس تهاونوا فيها، فلا أنفع، ولا أوفق بالمصلحة في حقّ هؤلاء جميعًا

стр. 7806

أن يكلفوا أن يطيعوا اللَّه على أعين الناس، ليتميز فاعلها من تاركها، وراغبها من الزاهد فيها، ويُقتَدَى بعالمها، ويُعَلَّم جاهلها، وتكون طاعة اللَّه فيهم، كسبيكة تُعْرَض على طائف الناس ينكر منها المنكر، ويعرف منها المعروف، ويرى غِشّها وخالصها. وأيضًا فلاجتماع المسلمين راغبين في اللَّه، راجين راهبين منه، مسلمين وجوههم إليه خاصيةٌ عجيبةٌ في نزول البركات، وتدلي الرحمة، كما بيّنا في الاستسقاء والحج. وأيضًا فمراد اللَّه من نصب هذه الأمة، أن تكون كلمة اللَّه هي العليا، وألا يكون في الأرض دين أعلى من الإسلام، ولا يُتَصَوَّر ذلك إلَّا بأن يكون سنتهم أن يجتمع خاصتهم وعامتهم، وحاضرهم وباديهم، وصغيرهم وكبيرهم، لِمَا هو أعظم شعائره، وأشهر طاعاته، فلهذه المعاني انصرفت العناية التشريعية إلى شرع الجمعة والجماعات، والترغيب فيها، وتغليظ النهي عن تركها. والإشاعة إشاعتان: إشاعة في الحيّ، وإشاعة في المدينة، والإشاعة في الحيّ تتيسر في كل وقت صلاة، والإشاعة في المدينة لا تتيسر إلَّا غِبّ طائفة من الزمان، كالأسبوع، أما الأولى فهي الجماعة، وفيها قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة"، وفي رواية: "بخمس وعشرين درجةً"، وقد صرح النبيّ ﷺ ، أو لَوَّح أن من المرجحات أنه إذا توضأ، فأحسن وضوءه، ثم توجه إلى المسجد، لا ينهضه إلَّا الصلاة، كان مشيه في حكم الصلاة، وخطواته مكفرات لذنوبه، وأن دعوة المسلمين تحيط بهم من ورائهم، وأن في انتظار الصلوات معنى الرباط والاعتكاف، إلى غير ذلك، ثم ما نَوَّه بأحد العددين المذكورين إلَّا لنكتة بليغة، تمثلت عنده ﷺ ، وقد ذكرناها من قبلُ فراجع، وليس في الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه جِزَافٌ بوجه من الوجوه. وفيها قوله ﷺ : "ما من ثلاثة في قرية أو بَدْوٍ، لا تقام فيهم الصلاة، إلَّا قد استحوذ عليهم الشيطان". أقول: هو إشارة إلى أن تركها يفتح باب التهاون.

стр. 7807

وقوله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لقد هَمَمت أن آمر بحطب، فيُحْطَب. . . " الحديث. أقول: الجماعة سنة مؤكدة (١)، تقام اللائمة على تركها؛ لأنَّها من شعائر الدين، لكنه ﷺ رأى من بعضِ مَن هنالك تأخّرًا واستبطاءً، وعَرَف أن سببه ضعف النية في الإسلام، فشدد النكير عليهم، وأخاف قلوبهم. ثم لَمّا كان في شهود الجماعة حرج للضعيف والسقيم، وذي الحاجة، اقتضت الحكمة أن يُرَخَّص في تركها عند ذلك، ليتحقق العدل بين الإفراط والتفريط. فمن أنواع الحرج: ليلة ذاتُ بَرْد ومطر، ويستحب عند ذلك قول المؤذن: "إلا صَلُّوا في الرحال". ومنها: حاجة يَعْسُر التربص بها، كالعَشَاء إذا حضر، فإنه ربما تتشوف نفس إليه، وربما يضيع الطعام، وكمدافعة الأخبثين، فإنه بمعزل عن فائدة الصلاة، مع ما به من اشتغال النفس. ولا اختلاف بين حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام"، وحديث: "لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره" (٢)؛ إذ يمكن تنزيل كل واحد على صورة أو معنى، إذ المراد نفي وجوب الحضور سدًّا لباب التعمُّق، وعدم التأخير هو الوظيفة لمن أَمِن شر التعمق، وذلك كتنزيل فطر الصائم وعدمه على الحالين، أو التأخير إذا كان تشوفٌ إلى الطعام، أو خوف ضياع، وعدمه إذا لَمْ يكن، وذلك مأخوذ من حالة العلة. ومنها: ما إذا كان خوف فتنةٍ، كامرأة أصابت بَخُورًا، ولا اختلاف بين قوله ﷺ : "إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد، فلا يمنعها"، وبين ما حكم به جمهور الصحابة من منعهنّ؛ إذ المنهي الغيرة التي تنبعث من الأنَفَة دون خوف الفتنة، والجائز ما فيه خوف الفتنة، وذلك قوله ﷺ : "الغيرة غيرتان. . . "

стр. 7808

الحديث (١)، وحديث عائشة: "إن النساء أحدثن. . . " الحديث (٢). ومنها: الخوف والمرض، والأمر فيهما ظاهرٌ، ومعنى قوله ﷺ للأعمى: "أتسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال: "فأجب" أن سؤاله كان في العزيمة، فلم يُرَخِّص له. ثم وقعت الحاجة إلى بيان الأحقّ بالإمامة، وكيفية الاجتماع، ووصية الإمام أن يُخفِّف بالقوم، والمأمومين أن يحافظوا على اتباعه، وقصة معاذ ﵁ في الإطالة مشهورة، فبيَّن هذه المعاني بأوكد وجه، وهو قوله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنًّا، ولا يؤمّنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه"، رواه مسلم. انتهى كلام الشيخ وليّ اللَّه الدهلويّ ﵀ (٣)، وهو بحثٌ حسنٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: اختُلف في بدء مشروعيّة صلاة الجماعة، فجزم ابن حجر الهيتميّ الفقيه الشافعيّ في "تحفة المحتاج شرح المنهاج" أنها شُرعت بالمدينة، وفي "روضة المحتاجين" للشيخ رضوان العدل أن أصل مشروعيّتها بمكة، بدليل صلاة جبريل بالنبيّ ﷺ ، وبالصحابة صبيحة ليلة الإسراء، وصلاة النبيّ ﷺ أيضًا بخديجة، وبعليّ ﵄، لكنها لم تظهر، ولم يواظب عليها إلَّا بالمدينة، ولذا قيل: إنها شُرعت بها، وكان الصحابة ﵃ بمكة يصلّون في بيوتهم لتسلّط المشركين عليهم، وقهرهم لهم، ذكره في "المرعاة" (٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 7809

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٣] (٦٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ، بِخَمْسَةٍ (١) وَعِشْرِينَ جُزْءًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب، والباقون يأتون في الحديث الآتي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَفْضُلُ صَلَاةٌ فِي الْجَمِيعِ (٣) عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، قَالَ: وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.

стр. 7810

٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (الزُّهْرِيُّ)، تقدّم قبل باب. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من الزهريّ، وشيخه كوفيّ، وعبد الأعلى بصريّ، ومعمر بصريّ، ثم يمنيّ. ٤ - (ومنها): ما قيل: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁: الزهريّ، عن سعيد، عنه. ٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة ﵁ أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "تَفْضُلُ) بفتح أوله، ضمّ الضاد، وفتحها، قال في "القاموس": الفضل: ضدّ النقص، جمعه فُضُولٌ، وقد فَضَلَ، كنصَرَ، وعَلِمَ، وأما فَضِلَ كعَلِمَ يفضُلُ كينصُرُ، فمركّبة منهما. انتهى (١). وقال الفيّوميّ: فَضَلَ فَضْلًا، من باب قَتَلَ: بَقِيَ، وفي لغة فَضِلَ يَفْضَلُ، من باب تَعِبَ، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ لغةٌ ليست بالأصل، ولكنها على تداخل اللغتين، قال: وفَضَلَ فضْلًا، من باب قتل أيضًا: زاد. انتهى (٢).
следующие страницы →