لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالسند التالي، وهو (٨٨) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، و"سماك" علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي بكر بن أبي شيبة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الصلوات نَحْوًا من صلاتكم، وكان يؤخِّر العتمة بعد صلاتكم شيئًا"، فدلّ على أن المراد بإطلاق التأخير هنا هو التأخير قليلًا، وذلك إلى ثلث الليل، كما بيّن في الروايات الآخرى، ففي حديث أبي برزة الأسلميّ ﵁ الآتي: "كان رسول اللَّه ﷺ يؤخّر العشاء إلى ثلث الليل"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٤ و ١٤٥٥] (٦٤٣)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٣٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٩ و ٩٣ و ٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٧ و ١٥٣٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩٥٩ و ١٩٧٤ و ٢٠١٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7737
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٥] (. . .) (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ: يُخَفِّفُ).
هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (٨٩) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ) أي مشابهًا لما تصلّونه من حيث الوقت.
وقوله: (وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا) أي تأخيرًا قليلًا من الوقت الذي تصلّون فيه.
وقوله: (وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ) بضم حرف المضارعة، وكسر الخاء المعجمة، وتشديد الفاء بمعنى يُخفّف بفاءين في الرواية الأخرى، قال في "اللسان": وأخفّ الرجل، فهو مُخِفُّ، وخَفِيفٌ وخِفٌّ: أي خفّت حاله، ورَقّت، وإذا كان قليل الثِّقَل. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٦] (٦٤٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،
стр. 7738
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) -بفتح اللام- مولى الأخنس بن شَرِيق، أبو المغيرة المَدني، نزيل الكوفة، ثقة، رُمِي بالقدر [٦].
رَوَى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والمطّلب بن عبد اللَّه بن حنطب، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وعبد اللَّه بن سُليمان بن يسار.
وروى عنه ابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، ومحمد بن عمرو بن علقمة، والسفيانان، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: مَدَنِيٌّ قَدِمَ الكوفة، ما أعلم به بأسًا، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الحميديّ عن سفيان: وكان من عباد أهل المدينة.
وقال الدَّرَاوَرْدِيّ: كان يُرْمَى بالقدر، فلم يُصَلِّ عليه صفوان بن سُلَيم، وقال ابن عديّ: أما في الروايات، فلا بأس به، وقال ابن سعد: كان من العباد المنقطعين، وكان يقول بالقدر، وكان قليل الحديث، وقال العجليّ: ثقة، وقال الساجيّ: كان صدوقًا، غير أنه اتُّهِمَ بالقدر، وقال العقيليّ: يخالف في بعض حديثه، وكان من المجتهدين في العبادة، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال الواقدي: مات في خلافة أبي جعفر سنة بضع وثلاثين ومائة.
стр. 7739
أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث برقم (٦٤٤) وأعاده بعده، وحديث (٧٣٨): "كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة"، و (١١٥٦): "يصوم حتى نقول: قد صام. . . ".
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى زهير وابن أبي لبيد فما أخرج لهما الترمذيّ، وابن أبي عمر فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ﵄ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا) ناهيةٌ (تَغْلِبَنَّكُمُ) فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، يقال: غَلَبَهُ على كذا: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا، قاله الطيبيّ ﵀.
(الْأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، واحده أعرابيّ، بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَةٍ، وارتِيَادٍ لِلْكَلِأ، قال الأزهريّ: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بِظَعْنهم، فهم: أعْرَاب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المُدُن، والقُرَى العربية، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فُصَحَاء.
ويقال: سُمُّوا عَرَبًا؛ لأن البلاد التي سَكَنُوهَا تسمى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وهي لغات الحجاز، وما والاها، قاله في "المصباح".
(عَلَى اسْمِ صَلَاِتِكُمْ) وفي رواية النسائيّ: "على اسم صلاتكم هذه"،
стр. 7740
فاسم الإشارة نحتٌ، أو بدلٌ من "صلاتكم"، والإشارة إلى العشاء (أَلا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة (الْعِشَاءُ) أي سمّاها اللَّه تعالى في كتابه بهذا الاسم، فلا تتعرضوا لما هو من عادتهم، من تسميتها بالعَتَمة، فتَغْصِبَ منكم اسمَ العشاء التي سماها اللَّه تعالى به.
والمعنى: أنه لا ينبغي العدول عما في كتاب اللَّه تعالى من تسميتها عشاء، إلى ما ألِفَهُ الأعراب من تسميتها عَتَمَةً، ولعل حكمةَ العدول عنه قُبْحُ لفظه؟ إذ العتمة شدة الظلام، والصلاة هي النور الأعظم، فلا يليق أن يوضع لها لفظ يدل على نقيضها، قاله القاري ﵀ (١).
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: المعنى فيه: أن العادة أن العُظَماء، إذا سَمَّوا شيئًا باسم، فلا يليق العدول عنه إلى غيره؛ لأن ذلك تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق، واللَّه سماها في كتابه العشاء، في قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فيَقْبُح بعد تسمية ذي الجلال والإكرام العدولُ إلى غيره. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: قال الأزهريّ: أرباب النَّعَم في البادية يُريحون الإبل، ثم يُنيخونها في مراحها حتى يُعْتِموا، أي يدخلوا في عَتَمَة الليل، وهي ظلمته، وكانت الأعراب يُسمُّون صلاة العشاء صلاة العَتَمة؛ تسميةً بالوقت، فنهاهم عن الاقتداء بهم، واستَحَبّ لهم التمسّك بالاسم الناطق به لسان الشريعة. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": ونَقَل القرطبيّ عن غيره إنما نُهِي عن ذلك؛ تنزيهًا لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُطْلَق عليها ما هو اسم لفِعْلة دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العتمة.
وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يَعتمدونها في زمان الْجَدْب؛
стр. 7741
خوفًا من السُّؤَّال والصعاليك، فعلى هذا فهى فِعْلة دنيوية مكروهة، لا تُطْلَق على فِعْلة دينية محبوبة.
ومعنى الْعَتْم في الأصل تأخير مخصوص، وقال الطبريّ: الْعَتَمة بقية اللبن، تُغْبَق (١) بها الناقة بعد هويّ من الليل، فسُمِّيت الصلاة بذلك؛ لأنهم كانوا يصلونها في تلك الساعة.
وروى ابن أبي شيبة، من طريق ميمون بن مهران، قال: قلت لابن عمر: مَن أول مَن سَمَّى صلاة العشاء العتمة؟ قال: الشيطان. انتهى (٢).
وقال السنديّ ﵀ ما حاصله: الاسمُ الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه لهذه الصلاة اسمُ العشاء، والأعراب يسمونها العتمةَ، فلا تُكثِروا استعمالَ ذلك الاسم؛ لما فيه من غلبة الأعراب عليكم، بل أكثروا استعمال اسم العشاء؛ موافقة للقرآن، فالمراد النهي عن إكثار اسم العتمة، لا عن استعماله أصلًا، فاندفع ما يتوهم من التنافي بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي سبقت في الباب، وغيرها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره العلامة السنديّ ﵀ من الجمع بين الأحاديث بحمل النهي على إكثار الاستعمال، حسنٌ جدًا، وهو الذي يدلّ عليه تعبيره بقوله: "لا تغلبنكم"، فإن الغلبة تكون بإكثار الاستعمال، لا بالاستعمال أحيانًا للحاجة، مثل أن يُعرّفها لمن لا يعرف إلا اسم العَتَمَة، كما سبق في قوله: "التي تسمّونها العتمة"، واللَّه تعالى أعلم.
(وَهُمْ) أي الأعراب، ولفظ النسائيّ: "فإنهم" بالفاء التعليليّة (يُعْتِمُونَ) من الإعتام رباعيًّا، يقال: أعْتَمَ الرجل: إذا دخل في العَتَمَة وهي الظلمة، كأصبح: إذا دخل في الصباح، أفاده في "المصباح".
(بِالإِبِلِ") بحلب الإبل، وللنسائيّ: "على الإبل"، فـ "على" بمعنى اللام،
стр. 7742
للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي يؤخرون الوقت لأجل حِلاب الإبل، في الظلام.
وقال السنديّ ﵀: أي يؤخرون الصلاة، ويدخلون في ظلمة الليل بسبب الإبل، وحلبها. انتهى.
وقيل: كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة، وشممون ذلك الوقتَ العَتَمَةَ، فهو من باب تسمية الشيء باسم وقته، أي لا تُطلقوا هذا الاسم على العشاء؛ لئلا يغلب مصطلَحُهُم على ما جاء في كتاب اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ" بعد ذكر حديث ابن عمر ﵄ هذا من رواية مسلم ﵀ ما نصّه: كذا رواه ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، وابنُ أبي لبيد كان يُتّهم بالقدر، وقال العقيليّ: كان يُخالف في بعض حديثه، وتابعه عليه ابنُ أبي ليلى، عن أبي سلمة، وابنُ أبي ليلى ليس بالحافظ، ورواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي سلمة، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وقيل: عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة مرفوعًا، وأخرجه ابن ماجه، وليس بمحفوظ، وفيه أيضًا: عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبيّ ﷺ ، وفي إسناده جهالة. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: رواية المصنّف لا طعن فيها، وابن أبي لبيد وثقه جماعة، وإنما تكلموا فيه للقدر، ولم يتكلموا في روايته، وأما قول العقيليّ، فلم يتابعه عليه غيره، وأما المخالفة المذكورة في الروايات المذكورة فلا يُلتفت إليها؛ لأن أسانيدها ضعيفة.
والحاصل أن رواية المصنّف ﵀ صحيحة دون شكّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7743
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٦ و ١٤٥٧] (٦٤٤)، و (أبو داود) في "الأدب" (٤٩٨٤)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٤١ و ٥٤٢)، و"السنن الكبرى" (١٥٢٢ و ١٥٢٣)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٠٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١٥١ و ٢١٥٢)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٥٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٠ و ١٩ و ٤٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٤١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٨٨ و ١٠٨٩ و ١٠٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢٩ و ١٤٣٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٧٢)، و (البغوي) في "شرح السنّة" (٣٧٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن تسمية العشاء بالعتمة؛ حملًا على كثرة الاستعمال، أو حملًا على التنزيه، وتقدم أنه محمول على كثرة استعماله حتى يغلب على الاسم الشرعيّ، أو محمول على التنزيه.
٢ - (ومنها): أن الاسم الذي سماها اللَّه تعالى به في كتابه هو العشاء، حيث قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
٣ - (ومنها): أن الأسماء الشرعية إذا خالفت الأسماء العرفية ينبغي أن تقدم عليها.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن لا يُقَلِّد الجاهلية حتى في الأسماء، بل يتبع الشرع في جميع أموره، فإن للشارع حكمةً في اختيار الأسماء وغيرها، فلا ينبغي العدول عنه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كراهة تسمية العشاء بالعتمة:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب ذكر العشاء، والْعَتَمَة، ومن رآه واسعًا".
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرحه": مراده أن العشاء الآخرة تُسمّى العشاء، وتُسمّى الْعَتَمة، وأنه يجوز تسميتها بالعتمة من غير كراهة، وإن كان تسميتها بالعشاء أفضل؟ اتّباعًا لقول اللَّه : ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:
стр. 7744
٥٨]، وهذا قول كثير من العلماء، أو أكثرهم، وهو ظاهر كلام أحمد، وقول أكثر أصحابه، وكذا قال الشافعيّ في "الأمّ": أحبُّ إليّ أن لا تُسمّى العشاء الآخرة عتمةً، وهو قول كثير من أصحابه، أو أكثرهم.
ومنهم من قال: يكره أن تسمّى عتمةً، وهو وجه ضعيفٌ لأصحابنا، وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن عمر، وكان يكرهه كراهة شديدةً، ويقول: أول من سقاها بذلك الشيطان، وكرهه أيضًا ابنه سالم، وابن سيرين.
قال: وقد حمله -يعني حديث: "لا تغلبنّكم الأعراب. . . إلخ"- بعض أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة، وحمله بعضهم على كراهة هجران اسم العشاء، وغلبة اسم العتمة عليها كفعل الأعراب، وتسميتها في كتاب اللَّه بالعشاء، لا يدلّ علىكراهة تسميتها بغيره، كما أن اللَّه تعالى سمّى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يُكره تسميتها صلاة الصبح. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١).
وقال في "الفتح": واختَلَف السلف في ذلك، فمنهم من كرهه، كابن عمر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وكذلك نقله ابن المنذر، عن مالك، والشافعيّ، واختاره.
وقال أيضًا بعد ذكره أنه ورد تسميتها بالعتَمَة في حديث ابن عمر، وأبي برزة، وعائشة ﵃ ما نصّه: وفي كل ذلك إشعار بغلبة استعمالهم لها بهذا الاسم، فصار مَن عَرَفَ النهي عن ذلك يَحتاج إلى ذكره؛ لقصد التعريف.
قال النوويّ وغيره: يُجْمَع بين النهي عن تسميتها عَتَمَةً وبين ما جاء من تسميتها عتمة بأمرين:
[أحدهما]: أنه استَعْمَل ذلك لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، لا للتحريم.
[والثاني]: بأنه خاطب بالعَتَمَة مَن لا يعرف العشاء؛ لكونه أشهر عندهم من العشاء، فهو لقصد التعريف، لا لقصد التسمية.
стр. 7745
ويَحْتَمِل أنه استَعْمل لفظ العتمة في العشاء؛ لأنه كان مشتهرًا عندهم استعمال لفظ العشاء للمغرب، فلو قال: "لو يعلمون ما في الصبح والعشاء" لتوهموا أنها المغرب.
قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه قد ثبت في نفس هذا الحديث: "لو يعلمون ما في الصبح والعشاء"، فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة، وبالعتمة تارةً من تصرف الرواة.
وقيل: إن النهي عن تسمية العشاء عَتَمَةً نسخ الجواز.
وتُعُقّب بأن نزول الآية كان قبل الحديث المذكور، وفي كل من القولين نظر؛ للاحتياج في مثل ذلك إلى التاريخ، ولا بُعْد في أن ذلك كان جائزًا، فلما كَثُر إطلاقهم له نُهُوا عنه؛ لئلا تغلب ألسنة الجاهلية على السنّة الإسلامية (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم، وأدلّتها أن الأرجح أنه يجوز إطلاق اسم العتمة على العشاء؛ لصحّة الأحاديث بذلك، كحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا"، متّفقٌ عليه، وغير ذلك، وأيضًا فان الصحابة الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة، فدلّ على جواز ذلك، لكن الأولى اجتنابه؛ لحديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب، وبهذا تجتمع الأدلّة دون تخالف وتعارض، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه ورد النهي أيضًا عن تسمية المغرب بالعشاء:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب من كِره أن يقال للمغرب: العشاء".
قال الزين ابن الْمُنِّير ﵀: عَدَلَ البخاريّ ﵀ عن الجزم كأن يقول: باب كراهية كذا؛ لأن لفظ الخبر لا يقتضي نهيًا مطلقًا، لكن فيه النهي عن غلبة الأعراب على ذلك، فكأن المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحيانًا، بل يجوز أن يُطلَق على وجه لا يُتْرَك له التسمية
стр. 7746
الأخرى، كما ترك ذلك الأعراب وقوفًا مع عادتهم، قال: وإنما شُرع لها التسمية بالمغرب؛ لأنه اسم يُشعِر بمسماها، أو بابتداء وقتها، وكَرِه إطلاق اسم العشاء عليها؛ لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، وعلى هذا لا يكره أيضًا أن تسمى العشاء بقيد، كأن يقول: العشاء الأولى، ويؤيِّده قولهم: العشاء الآخرة، كما ثبت في الصحيح.
ونَقَلَ ابن بطال عن غيره أنه لا يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويَحتاج إلى دليل خاصّ، أما من حديث الباب فلا حجة له، قاله في "الفتح".
ثمّ أخرج البخاريّ بسنده عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "لا تغلبنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب"، قال: "وتقول الأعراب: هي العشاء"، وأخرجه أحمد، وابن خزيمة.
قال الطيبيّ ﵀: يقال: غلبه على: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا، والمعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء، والعشاء بالعتمة، فيَغْصِبَ منكم الأعراب اسمَ العشاء التي سماها اللَّه بها، قال: فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم.
وقال غيره: معنى الغلبة أنكم تسمونها اسمًا، وهم يسمونها اسمًا، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه: صار كأنه انقطع له حتى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غصب، ولا أخذ.
وقال التوربشتيّ ﵀: المعنى: لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيَغْلِبَ مصطلحُهم على الاسم الذي شرعته لكم. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: قد استدلّ بحديث ابن مغفّل ﵁ هذا من كره تسمية المغرب العشاء، وهو قول أصحاب الشافعيّ وغيرهم، وقال أصحابنا -يعني الحنابلة-: لا يُكره ذلك، واستدلُّوا بأن العشاء تسمّى العشاء الآخرة، كما قال النبيّ ﷺ : "أيّما امرأة أصابت بَخُورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة"، رواه مسلم، فهذا يدلّ على أن المغرب العشاء الأولى.
стр. 7747
وأجاب بعضهم بأن وصف العشاء بالآخرة؛ لأنها آخر الصلوات، لا لأن قبلها عشاء أخرى.
وقد حُكي عن الأصمعيّ أنه أنكر تسميتها العشاء الآخرة، ولا يُلتَفت إليه.
وفي "صحيح مسلم" عن عليّ ﵁ أن النبيّ ﷺ العصر يوم الأحزاب بين العشاءين: المغرب والعشاء.
قال أصحابنا -يعني الحنابلة-: وحديث ابن مُغفَّل ﵁ يدلّ على أن تسميتها بالمغرب أفضل، ونحن نقول بذلك، ومن متأخّريهم من قال: حديث ابن مغفَّل إنما يدلّ على النهي عن أن يغلب اسم العشاء على المغرب، حتى يُهجَر اسم المغرب، أو يقِلّ تسميتها بذلك، كما هي عادة الأعراب، فأما إذا لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يتوجّه النهي حينئذ إليه.
وقد تقدّم أنها تُسمّى صلاة البصر أيضًا، فإذا سُمّيت بذلك من غير أن يُهجر تسميتها بالمغرب، ويَغلب تسميتها بذلك جاز. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر الأقوال وأدلّتها أن الأرجح جواز تسمية المغرب بالعشاء؛ لصحّة الأحاديث بذلك، لكن الأولى تسميتها بالمغرب؛ لحديث عبد اللَّه بن مغفّل ﵁، كما سبق القول في تسمية العشاء بالعتمة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا في كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ").
стр. 7748
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ إمامٌ، رأس [٤] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ) أي إن الأعراب تؤخّر حلب إبلها إلى شدّة الظلام، فمن ثمّ يسمّون العشاءَ العتمة، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤١) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَيَانِ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٨] (٦٤٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو (١): حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ، مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
стр. 7749
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمامٌ، رأس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ﵄، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ، وسفيان مكيّ، وأبو بكر كوفيّ، والباقيان بغداديّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ) قال النوويّ ﵀: صورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه، واختُلِف في تأويله وتقديره، فقيل: تقديره: نساء
стр. 7750
الأنفس المؤمنات، وقيل: نساء الجماعات المؤمنات، وقيل: إن "نساء" هنا بمعنى الفاضلات، أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم: أي فضلاؤهم، ومقدموهم. انتهى (١). (كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ، مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي الرواية التالية: "لقد كان نساء المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول اللَّه ﷺ (ثُمَّ يَرْجِعْنَ) أي إلى بيوتهنّ (مُتَلَفِّعَاتٍ) بالعين المهملة بعد الفاء: أي متجلّلات، ومتلفّفات، وهو منصوب على الحال من "نساء المؤمنات"، اسم فاعل من التَّلَفُّع -بالفاء والعين المهملة- أي ملتحفات، ورُويَ بالفاء المكررة، بدل العين، والأكثرون على خلافه.
قال الأصمعي: التلفع بالثوب أن يَشتمل به حتى يُجَلِّل به جسده، وهو اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانبًا منه، فيكون فيه فُرْجَة، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد، وعن يعقوب: اللِّفَاعُ: الثوبُ، تَلْتَفِعُ به المرأة، أي تلتحف به، فيُغَيِّبُهَا، وعن كُرَاع: وهو المِلْفَع أيضًا.
وعن ابن دُرَيدٍ: اللِّفَاع الْمِلْحَفَةُ، أو الكِسَاء، وقال أبو عمرو: وهو الكساء، وعن صاحب "العين": تَلَفَّعَ بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل بالشيب: كأنه غطى سواد رأسه، ولحيته.
وفي "شرح الموطأ": التلفع أن يُلْقِيَ الثوب على رأسه، ثم يلتف به، لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفُّف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه.
وفي "المحكم": الملْفَعَة ما يُلْفَعُ به من رِدَاء، أو لِحَافٍ، أو قِنَاعٍ، وفي "المُغِيث": وقيل: اللِّفَاع: النطع، وقيل: الكساء الغليظ. وفي "الصحاح": لَفَّعَ رأسه تَلْفِيعًا: أي غطاه، قاله في "العمدة" (٢).
(بِمُرُوطِهِنَّ) أي بأكسيتهنّ، وهو: جمع مِرْط -بكسر الميم- قال القزاز: المِرْط: مِلْحَفَة يُتَّزَرُ بها، والجمع أمْرَاط، ومُرُوط، وقيل: يكون المِرْطُ كِساءً من خَزٍّ، أو صوف، أو كَتَّان، وفي "المحكم": وقيل: هو الثوب الأخضر،
стр. 7751
وفي "مجمع الغرائب": أكسية من شعر أسود، وعن الخليل: هي أكسية معلمة، وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر بن شميل: لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خَزّ أخضر، ولا يسمى إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء، وقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": هو كساء صوف رقيق، خفيف، مربع، كُنّ النساء في ذلك الزمان يتزرن به، ويتلفعن، أفاده في "العمدة".
(لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) أي من شدّة الغَلَس، قال في "الفتح": قال الداوديّ: لا يُعْرَفن أنساء هنّ أم رجال؟، فلا يظهرن للرائي، إلا أشخاصًا خاصة.
وقيل: لا يُعْرَف أعيانهن، فلا يفرق بين خديجة، وزينب، وضعّفه النوويّ؛ لأن المتلفعة في النهار، لا تُعْرَف عينها، فلا تبقى في الكلام فائدة.
قال الحافظ: يريد لا تبقى فائدة للتقييد بمتلفعات، وهذا بناء على أن عدم معرفتهنّ لأجل التلفع، وليس كذلك، بل عدم المعرفة للغلس، وإلا لم يكن الحديث حجة على التغليس، وإنما ذكرت عائشة التلفع بيانًا للواقع.
قال: وتعقب -يعني كلام النوويّ- بأن المعرفة إنما تعلق بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر؛ لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغَطّى.
وقال الباجيّ: هذا يدل على أنهن كنّ سافرات؛ إذ لو كن متغطيات لمنع تغطية الوجه معرفتهن، لا التغليس، وفيه ما فيه؛ لأنه مبني على الاشتباه الذي أشار إليه النووي، وأما إذا كان لكل واحدة منهن هيئة غالبًا ففيه ما سلف. انتهى (١).
قال الصنعانيّ: نعم قد يسلم للحافظ مُدّعاه فيمن تطول مصاحبته من الأهل ونحوهم، فيعرف الهيئة والمشي المعين، كما قال عمر لسودة: قد عرفناك يا سودة، مع أنها كانت متلفعة، ولكن الكلام في أعم من ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قال الصنعانيّ ﵀ في سودة: "مع أنها
стр. 7752
كانت متلفعة" نظر؛ لأن القصة كانت قبل الأمر بالحجاب فلا يُعْلَم كونها متلفعة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٥٨ و ١٤٥٩ و ١٤٦٠] (٦٤٥)، (والبخاريّ) في "الصلاة" (٣٧٢)، و"المواقيت" (٥٧٨)، و"الأذان" (٨٦٧ و ٨٧٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٢٣)، و (الترمذيّ) فيها (١٥٣)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٤٥)، وفي "الكبرى" (١٥٢٨)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٦٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٥٠)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٥٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٧٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٧٨ و ١٧٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٥٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٩٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٧٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٩١ و ١٠٩٢ و ١٠٩٣ و ١٠٩٤ و ١٠٩٥ و ١٠٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٣١ و ١٤٣٢ و ١٤٣٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٥٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التغليس بصلاة الصبح، وفيه خلاف العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): بيان جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة بالليل مع الرجال، وليس في الحديث ما يدلّ على كونهن عُجُزًا، أو شوابّ، وكَرِهَ بعضهم الخروج للشوابّ، وهو رأي ابن عمر، وجماعة من السلف، قال الصنعاني: ويحسن حمله على خشية الفتنة عليهن، أو بهن، فإنها مفسدة تربو
стр. 7753
على مصلحة حضور الجماعة، ودفع المفاسد أهمّ من جلب المصالح. انتهى (١).
وقال الحافظ ﵀: ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى؛ لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يُخشَ عليهن، أو بهن فتنة. انتهى.
قال الصنعانيّ ﵀: ويقال: الفتنة بالنهار أكثر؛ لظهور محاسنهن، ولذا كان نساؤه ﷺ لا يخرجن لقضاء حاجتهن إلا ليلًا، كما أفاده حديث عائشة في قصة الإفك. انتهى، وستأتي المسألةُ في بابها -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة.
وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف، قاله في "الفتح".
قال الصنعانيّ ﵀: رواية البخاريّ التي ذكرناها أولًا، ورواية مسلم -يعني قوله: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن"- يدل لما قاله ذلك البعض؛ لأنه جعل متلفعات حالًا من فاعل شهود الصلاة، والحال قيد في عاملها، أي شهدنها حال كونهن متلفعات فهو صريح في صلاتهن متلفعات، أي يحضرنها معه على تلك الحال، نعم إحدى الروايات ليست على اللفظ -يعني رواية النسائي- إلا أنه قد يقال: من أين يلزم منه تغطية الأنف والفم؟ إلا أن يكون عرف ذلك العصر كذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أصرح الروايات في ذلك رواية النسائيّ بلفظ: "كُنَّ النساءُ يصلين مع رسول اللَّه ﷺ الصبح متلفعات بمروطهنّ"، فهذه رواية صريحة في كون الصلاة مع التلفع، فالظاهر جواز صلاتها مختمرةً؛ لظاهر هذا النصّ، مع أنه ليس في المنع دليل مرفوع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في التغليس بصلاة الصبح:
стр. 7754
ذهب أكثرهم إلى أن الأفضل فيها التغليس، وهو مذهب عمر، وعثمان، وابن الزبير، وأنس، وأبي موسى، وأبي هريرة ﵁، ونقله الحازميّ عن بقية الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأهل الحجاز، وبه قال الأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وجمهور العلماء.
وذهب بعضهم إلى أن الإسفار أفضل من التغليس، وهو مذهب النخعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حَيٍّ، وأكثر العراقيين، وهو مرويّ عن عليّ، وابن مسعود ﵄.
قال النوويّ: احتَجّ هؤلاء بحديث رافع بن خَدِيج ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر"، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح وهذا لفظ الترمذي، وفي رواية أبي داود: "أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر".
وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "ما رأيت رسنول اللَّه ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها، إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمع -يعني بالمزدلفة- وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها"، رواه البخاريّ، ومسلم، قالوا: ومعلوم أنه لم يصلها قبل طلوع الفجر، وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسًا بها، فدل على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم مسفرًا بها، قالوا: ولأن الإسفار يفيد كثرة الجماعة، واتصال الصفوف، ولأن الإسفار يتسع به وقت التنفل قبلها، وما أفاد كثرة النافلة كان أفضل.
واحتَجَّ الأولون القائلون بأفضلية التغليس بقول اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت؛ لأنه إذا أخرها عَرَّضَهَا للفوات، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والصلاة تُحَصّل ذلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨].
وبحديث عائشة ﵂ هذا، وهو مُتَّفقٌ عليه، وبحديث أبي برزة ﵁ المذكور في هذا الباب، وفيه: "وكان يصلي الصبح، فينصرف الرجل إلى وجه جليسه الذي يعرف، فيعرفه، قال: وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة"، مُتّفق عليه.
стр. 7755
وبحديث جابر ﵁ الآتي بعد هذا قال: "والصبح كان النبيّ ﷺ يصليها بغلس"، مُتَّفق عليه.
وبحديث أنس ﵁ قال: "تسحّر نبيّ اللَّه ﷺ ، وزيد بن ثابت، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي اللَّه ﷺ ، فصلى، قال قتادة: قلت لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما، ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية"، رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعناه.
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: "كنت أتسحَّر في أهلي، ثم يكون سُرْعَةٌ بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول اللَّه ﷺ "، رواه البخاريّ.
وعن أبي مسعود البدريّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، حتى مات لم يَعُدْ إلى أن يسفر"، رواه أبو داود بإسناد حسن، قال الخطابيّ: هو صحيح الإسناد.
وعن مغيث بن سُمَيّ، قال: "صليت مع ابن الزبير صلاة الفجر، فصلى بغلس، وكان يُسْفِرُ بها، فلما سلّم قلت لابن عمر: ما هذه الصلاة؟ وهو إلى جانبي، فقال: هذه صلاة رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلما قُتل عمر أسفر بها عثمان ﵁"، قال الترمذيّ في "كتاب العلل": قال البخاريّ: هذا حديث حسن.
وأما الجواب عن حديث رافع بن خديج ﵁، فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد بالإسفار طلوع الفجر، وهو ظهوره، يقال: سَفَرت المرأة، أي كشفت وجهها، فإن قيل: لا يصح هذا التأويل، لقوله ﷺ : "فإنه أعظم للأجر"؛ لأن هذا يدل على صحة الصلاة قبل الإسفار، لكن الأجر فيها أقل، فالجواب أن المراد أنه إذا غلب على الظن دخول الوقت، ولم يتيقنه جازت الصلاة، ولكن التأخير إلى إسفار الفجر، وهو ظهوره الذي يتيقن به طلوعه أفضل، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة، فإنه لا يتيقن فيها القجر إلا باستظهار في الإسفار.
والثاني: ذكره الخطابيّ أنه يَحْتَمِل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين
стр. 7756
الفجر الأول، والثاني طلبًا للثواب، فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم.
فإن قيل: لو صلَّوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر، فالجواب أنهم يؤجرون على نيتهم، وإن لم تصح صلاتهم، لقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم، فأخطأ فله أجر".
وأما الجواب عن حديث ابن مسعود ﵁ فمعناه أن النبيّ ﷺ صلى الفجر في هذا اليوم قبل عادته في باقي الأيام، وصلى في هذا اليوم أول طلوع الفجر، ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم كان يؤخر عن طلوع الفجر قدر ما يتوضأ الْمُحْدِث، ويغتسل الجنب، ونحوه، فقوله قبل ميقاتها معناه قبل ميقاتها المعتاد بشيء يسير، والجواب عن قولهم: الإسفار يفيد كثرة الجماعة، ويتسع به وقت النافلة: إن هذه الفائدة لا تلحق بفائدة فضيلة أول الوقت، ولهذا كان رسول اللَّه ﷺ يُغَلِّس بالفجر، ذكر هذا كلّه النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في بعض هذه الأجوبة تعسُّفٌ ظاهر، وأحسن الأجوبة عندي، وأولاها في الجمع بين الأحاديث جواب من أجاب بأن حديث الإسفار معناه مَدّ القراءة إلى الإسفار، فيكون الدخول في القراءة في الغلس، والخروج في الإسفار.
قال العلامة ابن القيّم ﵀ بعد ذكر حديث رافع بن خَدِيج ﵁ ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دوامًا، لا ابتداءً، فيدخل فيها مُغَلِّسًا، ويخرج مُسْفِرًا؛ كما كان يفعله ﷺ ، فقوله موافق لفعله، لا مناقضٌ له، وكيف يُظَنُّ به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟!. انتهى.
وهذا هو الذي اختاره الطحاويّ في "شرح معاني الآثار"، وقد بسط الكلام فيه، وقال في آخره: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول اللَّه ﷺ ،
стр. 7757
وأصحابه ﵃، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن (١). انتهى.
وأصرح حديث يدلّ على هذا الجمع: ما أخرجه النسائيّ من حديث أنس ﵁، وفيه". . . . ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر"، ولفظ أحمد في "مسنده" (٢): ". . . والصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر"، ففيه دلالة على أنه كان يدخل في الغلس، ويمدّ القراءة إلى أن يُسْفِرَ، واللَّه تعالى أعلم.
والحاصل أن أرجح المذهبين في هذه المسألة مذهب الجمهور، وهو أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس؛ لقوة أدلّته، ولأنه واظب عليه النبيّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر بعده، ولأن فيه العمل بالحديثين جميعًا، حيث يُحمل حديث الإسفار على مدّ القراءة حتى يسفر الصبح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ، وَمَا يُعْرَفْنَ مِنْ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللَّهِ بِالصَّلَاةِ).
قد تقدّم هذا الإسناد بعينه في أول الباب الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7758
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، وقَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: مُتَلَفِّفَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (إِسْحَاق بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٢.
٣ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى القزّاز المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦٣.
٤ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ٢٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٦ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ، أكثرت عن عائشة ﵂[٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٧ - (عَائِشَةَ) ﵂ تقدمت في الباب.
وقوله: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) "إن" مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، أي إنه كان. . . إلخ.
وقوله: (مُتَلَفِّعَاتٍ) بالفاء والعين المهملة، من التلفّع، وهو تغطية الرأس والجسد.
وقوله: (بِمُرُوطِهِنَّ) جمع: مِرْط بكسر الميم: وهو الكساء.
وقوله: (مَما يُعْرَفْنَ) بالبناء للمفعول.
стр. 7759
وقوله: (مِنَ الْغَلَسِ) أي من اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، قال الأزهريّ: الغَلَسُ: بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، وفي "القاموس" و"الصحاح": الغَلَس محركةً: ظلمةُ آخر الليل (١).
فمن ابتدائية، أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا، وبين حديث أبي برزة الأسلمي السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه؛ لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعات على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس. قاله في "الفتح" (٢/ ٦٧).
وقوله: (وقَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ) هو إسحاق بن موسى، شيخه الثاني.
(مُتَلَفِّفَاتٍ) بفاءين: ومعناه: متغطّيات، والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦١] (٦٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (٢)، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ (٣) الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا، أَوْ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
стр. 7760
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشار بُنْدَار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدَر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام البصريّ واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمام عابدٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٦ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، قاضي المدينة، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب، الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، أمه رَمْلَة بنت عَقِيل بن أبي طالب، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن عمّة أبيه زينب بنت علي، وابن عباس، وجابر.
وروى عنه سعد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة، وأبو الْجَحّاف داود بن أبي عوف، وعبد اللَّه بن ميمون.
قال أبو زرعة، والنسائيّ، وابن خراش: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عند جميعهم حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث: "ليس من البرّ الصوم في السفر" (١).
٨ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
стр. 7761
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلافهم في صيغ الأداء، فالأول قال: "حدّثنا غندرٌ، عن شعبة"، فذكر شيخه بلقبه، وعنعن في سبعة، والأخيران قالا: "حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة"، ذكرا شيخهما باسمه، وصرّحا بالتحديث في شعبة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومحمد بن عمرو، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن نصف السند الأول مسلسلٌ بالبصريين، سوى أبي بكر، فكوفيّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٥ - (ومنها): أن فيه: روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: سعد عن محمد، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ) بن أبي طالب، وفي رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة التالية، عن سعد، سمع محمد بن عمرو بن الحسن (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ) جواب "لَمّا" محذوف، تقديره: أخّر الصلوات، وفي الرواية التالية: "كان الحجّاج يؤخّر الصلوات"، وفي نسخة: "قال: قَدِم الحجّاج" بإسقاط "لَمّا".
و"الْحَجّاج -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم، آخره جيم- هو: ابن يوسف الثقفيّ، قال الحافظ ﵀: وزعم الكرمانيّ أن الرواية بضم أوله، قال: وهو جمع حاجّ. انتهى. وهو تحريف بلا خلاف، فقد وقع في رواية أبي عوانة في "صحيحه" من طريق أبي النضر، عن شعبة: "سألنا جابر بن عبد اللَّه في زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة"، وفي رواية مسلم من طريق معاذ، عن شعبة: "كان الحجّاج يؤخر الصلوات".
стр. 7762
(الْمَدِينَةَ) أي النبويّة، وكان قدوم الحجاج إليها أميرًا عليها من قِبَلِ عبد الملك بن مروان سنة (٧٤) وذلك عَقِبَ قتل ابن الزبير، فَأمَّرَهُ عبد الملك على الحَرَمَينِ، وما معهما، ثم نقله بعد هذا إلى العراق، قاله في "الفتح" (١).
(فَسَأَلْنَا) عطف على جواب "لَمّا" المقدّر (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) لم يُبَيَّن المسؤول عنه ما هو؟ وهو معلوم من الجواب، والأصل: سألناه عن مواقيت الصلاة، وكيف كان النبيّ ﷺ يصلي فيها؟، وقد جاء مفسرًا في رواية أبي عوانة المتقدمة، حيث قال: "سألنا جابر بن عبد اللَّه في زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة" (فَقَالَ) جابر ﵁ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بالْهَاجِرَةِ) هي شدّة الحرّ، والمراد بها نصف النهار بعد الزوال، سميت بها؛ لأَن الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرّف حينئذ لشدّة الحرّ؛ لأجل القيلولة وغيرها، قاله في "العمدة" (٢).
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ ما حاصله: هذا يدلّ على تقديمها في أول الوقت، فإنه قد قيل في الهاجرة والهَجِيرِ: إنهما شدّة الحرّ وقُوَّتُهُ، ويعارضه ظاهر قوله ﷺ : "إذا اشتدّ الحرّ، فأبردوا".
ويمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقًا، فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على الوقت مطلقًا بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حرّ شديد، وفيه بُعْد، وقد يقرب بما نُقِل عن صاحب "العين"، أن الْهَجِير والهاجرة نصف النهار، فإذا أخذ بظاهر هذا الكلام كان مطلقًا على الوقت. انتهى (٣).
والذي ارتضاه العلامة الصنعانيّ ﵀ في "حاشيته" أن يقال: إن أحاديث التهجير منسوخة كما قال أحمد، ودلّ له حديث المغيرة ﵁، وأنه كان أول الأمر صلاته بالهاجرة، ثم نسخه بالإبراد، وهو خاصّ بأيام شدة الحرّ.
وقد يقال: إن الصحابيّ إذا عبَّر بعبارة تدلّ على أن هِجّيرَاهُ وعادته كان
стр. 7763
التهجيرَ بالصلاة، فمراده الأغلبُ ذلك؛ إذ أيام شدّة الحرّ قليلة بالنسبة إلى خلافها في المدينة. انتهى كلام الصنعانيّ ﵀ (١)، وهو جمع حسن، واللَّه تعالى أعلم.
(وَ) كان يصلي (الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ) وفي رواية النسائيّ: "والشمس بيضاءُ نقيّةٌ"، والجملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو، ومعنى نَقِيَّةٌ: خالصةٌ صافيةٌ، لم يدخلها بَعْدُ صفرةٌ، ولا تغيرٌ.
(وَ) كان يصلي (الْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) أي غابت الشمس، وأصل الوجوب السقوط، كما سبق، وحُذف ذكر الشمس؛ للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال ابن رجب ﵀: وجوبها سقوطها، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، والمعنى: إذا سقط قُرص الشمس، وذهب في الأرض، وغاب عن أعين الناس. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": المراد سقوط قرص الشمس، وفيه دليلٌ على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محلّه ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربةً، وبين الرائي حائل. انتهى (٤).
(وَالْعِشَاءَ) مفعول مقدّم لـ "يؤخّرها"، وقوله: (أَحْيَانًا) ظرف له، وهو بفتح الهمزة: جمع حِينٍ، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان، على المشهور، وهو المراد هنا، وإن كان جاء بمعنى أربعين سنة، وبمعنى ستة أشهر، قاله في "العمدة" (٥).
(يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ) بحذف المفعول، أي يعجّلها، والمعنى: أنه ﷺ كان يصلي العشاء في أوقات مختلفة، يقدِّم في بعضها، ويؤخِّر في بعضها، ثم بيّن معنى قوله: "أحيانًا يعجّل" بقوله: (كَانَ إِذَا رَآهُمْ) أي رأى الصحابة ﵃ (قَدِ اجْتَمَعُوا) في المسجد لصلاتها (عَجَّلَ) صلاة العشاء.
стр. 7764
والمعنى: أنه إذا رأى الجماعة اجتمعوا عجّل بصلاة العشاء؛ لأن في تأخيرها تنفيرًا لهم.
وبيّن معنى قوله: "أحيانًا يؤخّرها" بقوله: (وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا) من الإبطاء رباعيًّا، أي تأخروا عن الحضور (أَخَّرَ) صلاة العشاء، والمعنى: أنه إذا رأى الجماعة تأخّروا أخّر صلاة العشاء؛ ليحرزوا فضيلة الجماعة، وفي رواية للبخاريّ: "إذا كثر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر"، ونحوه لأبي عوانة في روايةٍ.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: إذا تعارض في شخص أمران: أحدهما أن يُقَدِّم الصلاة في أول الوقت منفردًا، أو يؤخِّرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ الأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلّ عليه؛ لقوله: "وإذا رآهم أبطئوا أخَّر"، فيؤخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم.
قال الحافظ ﵀: ورواية: "إذا كَثُر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر"، تدلّ على أخصّ من ذلك، وهو أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم، ولا يخفى أن محلّ ذلك ما إذا لم يفحُش التأخير، ولم يَشُقّ على الحاضرين. انتهى (١).
(وَالصُّبْحَ) منصوب على الاشتغال، أي وكان يصلّي الصبح (كَانُوا) خبرها محذوف؛ لدلالة ما بعده عليه، أي كانوا يصلّونها، وقوله: (أَوْ قَالَ) "أو" للشكّ من الراوي، أي أو قال الراوي: (كَانَ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلمة آخر الليل.
ولفظ البخاريّ: "والصبحَ كانوا، أو كان النبيّ ﷺ يصلّيها بغلس"، قال الكرمانيّ: الشك من الراوي عن جابر ﵁، ومعناهما متلازمان؛ لأن أيّهما كان يَدْخُل فيه الآخر، إن أراد النبيّ ﷺ ، فالصحابة في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصحابة فالنبيّ ﷺ كان إمامهم، أي كان شأنه التعجيل لها دائمًا لا كما كان يصنع في العشاء، من تعجيلها، أو تأخيرها.
وخبر "كانوا" محذوفٌ يدلّ عليه قوله: "يصليها"، أي كانوا يصلون.
وقال ابن بطال: ظاهره أن الصبح كان يصلّيها بغلس اجتَمَعوا، أو لم
стр. 7765
يجتمعوا، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وهذا من أفصح الكلام، وفيه حذفان: حذف خبر "كانوا"، وهو جائزٌ، كحذف خبر المبتدأ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: أي فعدتهن مثل ذلك، ثلاثة أشهر، والحذف الثاني حذف الجملة التي هي الخبر؛ لدلالة ما تقدّم عليه، وحذف الجملة التي بعد "أو" مع كونها مقتضيةً لها.
وقال السفاقسيّ: تقديره: "أو لم يكونوا مجتمعين"، ويصحّ أن تكون "كان" تامّةً، غير ناقصة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما بعد "أو" خاصّةً.
وقال ابن الْمُنَيِّر: يَحْتَمِل أن يكون شكًّا من الراوي، هل قال: كان النبيّ ﷺ ، أو كانوا، ويَحْتَمِل أن يكون تقديره: والصبح كانوا مجتمعين مع النبيّ، أو كان النبيّ ﷺ وحده يصليها بغلس.
قال العينيّ بعد ذكر هذا كلّه: الأوجه ما قاله الكرمانيّ، وقول كلّ واحد من الثلاثة لا يخلو عن تعسّف، لا يخفى ذلك على المتأمّل. انتهى (١).
وقال الحافظ بعد ذكر نحو ما تقدّم: والتقدير المتقدِّم (٢) أولى، والحقّ أنه شكّ من الراوي، فقد وقع في رواية مسلم: "والصبح كانوا، أو قال: كان النبيّ ﷺ "، وفيه حذف واحد، تقديره: والصبح كانوا يصلونها، أو كان النبيّ ﷺ يصليها بغلس، فقوله: "بغلس" يتعلق بأيّ اللفظين كان هو الواقع، ولا يلزم من قوله: "كانوا يصلونها" أن النبيّ ﷺ لم يكن معهم، ولا من قوله: "كان النبيّ ﷺ " أنه كان وحده، بل المراد بقوله: "كانوا يصلونها"، أي النبيّ ﷺ بأصحابه، وهكذا قوله: "كان النبيّ ﷺ يصليها"، أي بأصحابه. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا مُتّفقٌ عليه.
стр. 7766
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٦١ و ١٤٦٢] (٦٤٦)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٦٠ و ٥٦٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٣٩٧)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٢٧)، وفي "الكبرى" (١٥٠٥)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٢٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٣ و ٣/ ٣٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أوقات الصلوات الخمس.
٢ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العشاء، وهو مقيَّد بما إذا اجتمع الناس؛ كما هو المنصوص عليه في الحديث وإلا فالتأخير أولى، كما تقدم بيانه.
٣ - (ومنها): بيان التعجيل بصلاة الظهر، وهذا محمول أيضًا على غير شدة الحرّ، أو محمول على أول الأمر، ثم جاء الأمر بالإبراد، وهذا هو الأولى.
٤ - (ومنها): استحباب التعجيل بصلاة العصر في أول وقتها، وهو قول الجمهور، وهو الحقّ، خلافًا للحنفية، وقد سبق تحقيق ذلك مفصّلًا.
٥ - (ومنها): استحباب التعجيل بصلاة المغرب دائمًا.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من اهتمامهم بسؤال أهل العلم عما يُشكل عليهم، ولا سيّما الأمور المهمّة، كأوقات الصلوات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصَّلَوَاتِ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ).
стр. 7767
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ) يعني أن معاذ بن معاذ حدّث عن شعبة بمثل ما حدّث به غندر عنه.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٣] (٦٤٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَل أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ: كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا، قَالَ: يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ؛ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ، قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ، فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ، قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) هو: يحيى بن حبيب بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
стр. 7768
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج المذكور في السند الماضي.
٤ - (سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ) الرِّيَاحيّ، أبو الْمِنهال البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٦.
٥ - (أَبُو بَرْزَةَ) نَضْلة بن عُبيد الأسلميّ الصحابيّ المشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ مشهور بكنيته، وليس في الكتب الستّة من يشاركه في هذه الكنية، ولا في اسمه نَضْلَة بن عُبيد، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ الرياحيّ: أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أي: سلامة -بتخفيف اللام-، قال الحافظ ﵀: وسلامة والد سَيّار حَكَى عنه ولده هنا، ولم أجد من ترجمه، وقد وقعت لابنه عنه رواية في "معجم الطبرانيّ الكبير" في ذكر الحوض، وفي رواية البخاريّ من طريق عوف الأعرابيّ، عن سيّار، قال: "دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلميّ، فقال له أبي. . . "، وزاد الإسماعيليّ: "زَمَنَ أُخرج ابن زياد من البصرة"، قال الحافظ ﵀: وكان ذلك سنة (٦٤). انتهى (١).
стр. 7769
وقال في "العمدة": وقال الإسماعيليّ: "لما كان زمنَ أُخرِج ابن زياد، ووَثَبَ مروان بالشام، قال أبو المنهال: انطلَقَ أبي إلى أبي بَرْزة، وانطلقت معه، فإذا هو قاعد في ظلّ عِلوٍ له من قصب في يوم شديد الحر. . . " فذكر الحديث. انتهى (١).
(يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ) ببناء الفعل للفاعل، "وأبا" مفعول به، والجملة في محل نصب على الحال من "أبي"، على رأي الجمهور، أو مفعول ثان على رأي من يقول إن "سَمع" تعمل عمل "ظَنّ"، على ما هو مقرر في محله.
(عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي المكتوبة، ففي رواية البخاريّ: "فقال له أبي: كيف كان رسول اللَّه ﷺ يصلي المكتوبة؟ ".
والمراد: عن الأوقات التي كان يصلي فيها المكتوبة، ويداوم عليها.
(قَالَ) شعبة (قُلْتُ) لسيّار (آنْتَ سَمِعْتَهُ؟) بمدّ الهمزة، أصله أأنت سمعته؟ بهمزة الاستفهام، يعني أن شعبة قال لسيّار مستوثقًا سماعه من أبيه: أأنت سمعت أباك يسأل أبا برزة ﵁؟.
(قَالَ) شعبة (فَقَالَ) سيّار (كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ) أي سمعته يسأله كسماعي لكلامك في هذه الساعة، وفي رواية النسائيّ: "كما أسمعك الساعة"، وعليه فـ "ما" على الأول كافّة لـ "كأنّ"، وعلى الثاني مصدرية، والفعل في تأويل المصدر مجرور بالكاف، و"الساعة" منصوب على الظرفية متعلق بـ "أسمع"، هذا على جعل "سمع" ثلاثيًّا من السماع.
ويَحْتَمِل أن يكون من الإسماع رباعيًّا، وعليه يكون المعنى: كما أُسْمِعك كلامي، والأول أظهر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) سيّار (سَمِعْتُ أَبِي) سلامةَ (يَسْأَلُهُ) أي أبا برزة ﵁ (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الظاهر أن جملة "قال: سمعت أبي. . . إلخ" تأكيد للأولى (فَقَالَ) أبو برزة ﵁ (كَانَ) ﷺ (لَا يُبَالِي) أي لا يهتم، ولا يَكْتَرِث، يقال: لا أُباليه، ولا أُبالي به: أي لا أهتم به، ولا أَكْتَرِث له، ولم أُبَالِ، ولم أُبَلْ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: "لا أُبَالِيهِ بَالَةً"، والأصل
стр. 7770
بَالِيَةً، مثل عافاه مُعافاة، وعافية، قالوا: ولا تستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى "لا أبالي": لا أبادر، إهمالا له، وقال أبو زيد: ما باليت مُبالاةً، والاسم البِلاءُ، وزانُ كِتَاب، وهو الهم الذي تُحَدِّث به نفسك، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
(بَعْضَ تَأْخِيرِهَا) بالنصب، مفعولًا لـ "يبالي"، وأصل الكلام: كان لا يبالي بتأخير العشاء بعض التأخير (قَالَ: يَعْنِي الْعِشَاءَ) أي يَقْصِد أبو برزة بالضمير في "تأخيرها" العشاء، والعناية من بعض الرواة؛ سَيّارٍ، أو غيرِهِ (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه ﷺ لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء نصف الليل -ثم قال-: أو ثلث الليل" وفي لفظ: "يؤخّر العشاء إلى ثلث الليل"، فتبيّن بهذا أنه لا يصل إلى نصف الليل حقيقةً، وإنما هو قبله، فلا يصحّ الاستدلال به على امتداد وقت العشاء بعد نصف الليل، فتنبّه (وَلَا) نافية، ولذا رفع قوله: (يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا) أي لما فيه من التعرّض لتفويتها، وهذا لمن لا يجد موقظًا، أو يستغرقه النوم حتى يفوت العشاء، وإلا فلا بأس بالنوم قبلها؛ لحديث ابن عمر ﵄ المتقدّم: "أن رسول اللَّه ﷺ شُغِل عنها ليلةً، فأخرها، حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا. . . " الحديث متفق عليه.
وقال القرطبيّ ﵀: أما كراهة النوم قبلها فلما يُخاف من غلبة النوم، فيفوت وقتها، أو أفضل وقتها المستحسن، وقال بهذا جماعة، منهم ابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، وهو مذهب مالك، ورخَّص فيه بعضهم، منهم عليّ، وأبو موسى، وغيرهم، وهو مذهب الكوفيين، واشترط بعضهم أن يَجعل معه من يوقظه للصلاة، ورُوي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاويّ. انتهى (٢).
(وَلَا) يُحبّ أيضًا (الْحَدِيثَ بَعْدَهَا) أي حديث الناس، أي المحادثَةَ، وهذا إذا لم يكن الحديث في أمر مهمّ، وإلا فقد ثبتٌ من حديث عمر ﵁: "أن النبيّ ﷺ كان يسمر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين، وأنا معهما". حَسّنه الترمذيّ.
стр. 7771
ومن حديث أنس ﵁: أنه ﷺ خطبهم بعد العشاء، فقال: "ألا إنّ الناس قد صَلَّوا، ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة"، متفق عليه.
ومن حديث ابن عمر ﵄ قال: صَلَّى النبيّ ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه. . . "، الحديث، متفق عليه.
والحاصل أن الحديث المكروه هو الحديث الذي لا فائدة فيه، وإنما كرهه لكونه يؤدي إلى ترك قيام الليل، أو للاستغراق في الحديث، ثم يستغرق في النوم، فيخرج وقت الصبح.
وكان عمر رضي اللَّه تعالى عنه يضرب الناس على ذلك، ويقول: أسمرًا أول الليل، ونومًا آخره؟.
قال الحافظ ﵀: وإذا تقرّر أن علة النهي ذلك، فقد يُفَرِّق فارق بين الليالي الطوال والقصار، ويمكن أن تُحْمَل الكراهة على الإطلاق حسمًا للمادّة؛ لأن الشيء إذا شُرع لكونه مظنة قد يستمرّ، فيصير مَئِنّة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حمله على الإطلاق هو المتعيِّن؛ لإطلاق النصّ، ولا بدّ أيضًا من تقييد إباحة الأمر المهمّ بما لا يؤدي إلى ما ذُكِر من التفويت لطوله، وما ثبتٌ عنه ﷺ لا يؤدي إليه؛ إذ ليس طويلا، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: وأما كراهة الحديث بعدها، فلما يؤدّي إليه من السهر، ومخافة غلبة النوم آخر الليل، فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح، قال: ويظهر لي أن كراهة ذلك إنما هو لما أن اللَّه جعل الليل سكنًا، أي يُسْكَنُ فيه، فإذا تحدّث الإنسان فيه، فقد جعله كالنهار الذي هو مُتصَرَّف المعايش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة اللَّه تعالى التي أجرى عليها وجوده.
стр. 7772
وقيل: يكره ذلك؛ لئلا نلغو في كلامنا، أو نخطئ فيه، فيُختم عملنا بعمل سيّئ، أو بقول سيّئ، والنوم أخو الموت، أو لعله يكون فيه الموت، واللَّه تعالى أعلم.
وقيل: كُره ذلك؛ لتُراح الْكَتَبةُ الكرام، وقد كان بعض السلف يقول لمن أراد أن يتحدّث بعد العشاء: أريحوا الكَتَبة.
وهذه الكراهة تختصّ بما لا يكون من قبيل القُرَب والأذكار، وتعلّم العلم، ومسامرة أهل العلم، وتعلّم المصالح، وما شابه ذلك، فقد ورد عن النبيّ ﷺ ، وعن السلف ما يدلّ على جواز ذلك، بل على ندبيّته، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم آنفًا تقييد عدم كراهة ما ذُكر من القرب ونحوه بعدم طوله المؤدّي إلى تفويت شيء مما شُرع من التهجّد، وصلاة الوتر آخر الليل، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي سيّارًا (بَعْدُ) من الظروف المبنية على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، أي بعدما حَدَّثني بهذا الحديث على الوجه المذكور (فَسَأَلْتُهُ) أي عن صلاة الظهر، وكأن شعبة اكتفى عن سؤال وقت العشاء باللقاء الأول، وكأنه كان هو المطلوب بالسؤال في تلك الساعة، وفي اللقاء الثاني سأل عن وقت الظهر (فَقَالَ) أبو برزة (وَكَانَ) ﷺ (يُصَلِّي الظّهْرَ) أي صلاة الظهر (حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ) أي تميل عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وفيه إشارة إلى أنه كان يصلي الظهر في أول الوقت، ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد؛ لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد؛ لأنه مختصّ بشدة الحرّ، أو لبيان الجواز.
وقد يَتَمَسَّك من قال: إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن تقديمه من طهارة، وسَتْر، وغيرهما قبل دخول الوقت، قال الحافظ ﵀: ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل
стр. 7773
عند في خول الوقت بغير أسباب الصلاة. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ هو التحقيق الصحيح، واللَّه تعالى أعلم.
(وَالْعَصْرَ) أي يصلّي صلاة العصر (يَذْهَبُ الرَّجُلُ) أي بعد الفراغ من الصلاة، كما يدلّ عليه السياق؛ لأن الحديث مسوق لتحديد الوقت الذي يصلي فيه النبيّ ﷺ (إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي أبعد محلّ في المدينة، وجملة "يذهب" في محل نصب على الحال، أي يصلي العصر، والحال أنه يذهب الرجل الذي صلى معه إلى أبعد محل في المدينة، فيصل إليه (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "يصل"، ومعنى "حيّةٌ" أي بيضاءُ نقيّةٌ، فحياة الشمس عبارة عن بقاء حرّها لم يتغير، وبقاء لونها لم يتغير، وإنما يدخلها التغير بدنوها إلى الغروب، كأنه جعل مغيبها موتًا لها، قاله في "العمدة" (٢).
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: المراد بحياتها قوّة أثرها حرارةً ولونًا وشُعاعًا وإنارةً، وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشيء. انتهى.
وفي "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن خيثمة أحد التابعين، قال: حياتها أن تجد حرّها. انتهى (٣).
(قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ) "المغربَ" بالنصب مفعول مقدم لقوله "ذَكَرَ"، و"أَيَّ" بالنصب على الظرفية، لإضافتها إلى الظرف، متعلق بـ "ذَكَر"، أي لا أعلم في أيّ وقت ذكر صلاة المغرب، وفي رواية البخاريّ: "ونسيتُ ما قال في المغرب"، وقائل ذلك هو سيار بن سلامة، كما بيّنه أحمد في روايته، عن حجاج، عن شعبة، عنه، قاله في "الفتح".
والمعنى: أن سيارًا نَسِي ما ذكره أبو برزة ﵁ في وقت صلاته ﷺ للمغرب.
(قَالَ) شعبة (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي سيّارًا (بَعْدُ) أي بعد هذه المساءلة (فَسَأَلْتُهُ) عن حديث أبي برزة استثباتًا أيضًا (فَقَالَ) سيّار (وَكَانَ) ﷺ (يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ
стр. 7774
الرَّجُلُ) أي يسلم من الصلاة (فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ) فَعِيل بمعنى فاعل، أي مَن يجالسه، أي الشخص الذي بجنبه، ففي رواية الْجَوْزقيّ من طريق وهب بن جرير، عن شعبة: "فينظر الرجل إلى جليسه، إلى جنبه، فيعرف وجهه" (الَّذِي يَعْرِفُ) صفة لجليسه، وعائده محذوف، أي يعرفه (فَيَعْرِفُهُ) فيه دليلٌ على استحباب التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صَرّح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيه مُغَلّسًا.
وادَّعَى الزين ابن الْمُنَيِّر أنه مخالف لحديث عائشة ﵂ المتقدّم، حيث قالت في النساء اللاتي يُصلين مع النبيّ ﷺ : "فينصرفن لا يُعْرَفْنَ من الغَلَس".
وتُعُقِّب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حديث أبي برزة ﵁ متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي، فهو ممكن، وحديث عائشة ﵂ متعلق بمن هو مُتَلَفِّف مع أنه على بُعْدٍ، فهو بعيد، قاله في "الفتح" (١).
(قَالَ) أبو برزة ﵁ (وَكَانَ) ﷺ (يَقْرَأُ فِيهَا) أي في صلاة الصبح (بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ) يعني من الآي، أي يقرأ بسورة بعد الفاتحة يتراوح عدد آياتها بين الستين والمائة، وقدّرها في رواية الطبراني بـ "سورة الحاقة"، ونحوها.
وقد تقدّم في "باب القراءة في الصبح" رقم [٣٦/ ١٠٣٦] من طريق خالد الحذّاء، عن أبي المنهال، وهو سيّار بلفظ: "يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آيةً"، ونحوه في رواية للبخاريّ أيضًا، وأشار الكرمانيّ إلى أن القياس أن يقول: "ما بين الستين والمائة"؛ لأن لفظ "بين" يقتضي الدخول على متعدد، قال: ويَحْتَمِل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين، وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه، قاله في "الفتح"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 7775
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٦٣ و ١٤٦٤ و ١٤٦٥] (٦٤٧)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٤١ و ٥٤٧ و ٥٦٨ و ٥٩٩)، و"الأذان" (٧٧١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٣٩٨)، و (الترمذيّ) فيها (١٦٨)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٤٩٥ و ٥٢٥ و ٥٣٠ و ٩٤٨)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٧٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٢٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١٣١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٠ و ٤٢٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٦ و ٥٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٩ و ١٠٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٣٥ و ١٤٣٦)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٧٨ و ١٨٥ و ١٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٥٠ و ٤٥٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التبكير بصلاة الصبح في أول وقتها.
٢ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة الظهر، عند زوال الشمس عن وسط السماء، وهو مقيَّد بما إذا لم يشتدّ الحرّ؛ لأنه ورد الأمر بالإبراد فيه.
٣ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العصر، وهو مذهب الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة، فقال بتأخيرها، والأحاديث الصحيحة تردّ عليه، وقد مرّ تحقيق القول فيه في موضعه، ودثه الحمد والمنّة.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على معرفة عبادة رسول اللَّه ﷺ ؛ ليمكنهم الاقتداء به، فكانوا يسألون الصحابة ﵃ عن ذلك؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
٥ - (ومنها): بيان عناية المحدثين بالفحص عن سماع من حدثهم، حيث قال شعبة لشيخه: أنت سمعته؟.