← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٢] (٦٥١) - (وَحَدَّثَنِي (١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا (٢)، فَآمُرَ بِهِمْ، فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا"، يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ذُكر في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان مكيّ، وعمرو بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، كما نقله أبو عبد اللَّه الحاكم عن البخاري (٣). ٦ - (ومنها):

стр. 7842

٧ - (ومنها): أنه مسلسل الفقهاء. ٨ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهر كلٌّ منهما باللقب، وأحدهما لقبه بصورة الكنية، وهما الأعرج، وأبو الزناد، فأبو الزناد لَقَبٌ لُقِّب به لذكائه، وليس بكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن. ٩ - (ومنها): أنّ أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز، وفي رواية السراج من طريق شعيب، عن أبي الزناد، سمع الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لقَدَ) قال الفيّوميّ: فَقَدتُهُ فَقْدًا، من باب ضَرَبَ، وفِقْدَانًا: عَدِمتُهُ، فهو مفقودٌ، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثلُهُ، وتفقّدته: طلبته عند غيبته. انتهى (١). (نَاسًا) تقدّم أن ناسًا اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده إنسان، من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلَّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثُمَّ فسّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. انتهى (٢). (فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ) رواية المصنّف ﵀ هذه بيّنت سبب هذا الحديث، فإن قوله: "فقد ناسًا. . . إلخ" فيه إيضاح سبب قوله ﷺ : "لقد هممت. . . إلخ". قال العراقيّ ﵀: وعند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث أُبَيّ بن كعب ﵁ ما يقتضي أن الصلاة المبهمة عند مسلم هي الصبح، فقال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ يومًا الصبح، فقال: "أشاهد فلانٌ؟ "، قالوا: لا، قال: "أشاهد فلان؟ "، قالوا: لا، قال: "أشاهد فلان؟ "، قالوا: لا، قال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين". انتهى (٣).

стр. 7843

(فَقَالَ) ﷺ ("لَقَدْ هَمَمْتُ) وفي رواية البخاريّ: "والذي نفسي بيده، لقد هممت"، وهو قسم كان النبيّ ﷺ كثيرًا ما يُقْسِم به، وفيه إثبات اليد للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، وجواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهًا على عظم شأنه، وفيه الردّ على من كره الحلف باللَّه مطلقًا. فقوله: "لقد هممت" جواب القسم، أكَّده باللام، وكلمة "قد". ومعنى "هممت": أي قصدت، من الهم، وهو العزم، وقيل: دونه. (أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ) أي يؤمّ الناس في الصلاة، وفيه دليلٌ لجواز استخلاف الإمام، وانصرافه لعذر (ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أي آتيهم من خلفهم، قال الجوهريّ: خالف إلى فلان: أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أخالف المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لَمْ يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرّقها عليهم، وقيل: معناه: أذهب إليهم، وقيل: المعنى: أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، فأتركه، وأسير إليهم، أو أخالف ظنّهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، والتقييد بالرجال يُخرج النساء والصبيان، وهو منصوص عليه في رواية أحمد بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرّيّة. . . " الحديث (١). وقال في "العمدة": قوله: "ثم أخالف" من باب المفاعلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا غاب عنه، وقال الزمخشريّ: يقال: خالفني إلى كذا: إذا قصدك، وأنت مُوَلٍّ عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] الآية. والمعنى هنا: أخالف المشتغلين بالصلاة، قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرقها عليهم، ويقال: معنى أخالف إلى رجال: أذهب إليهم. انتهى (٢). (يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا) أي يتأخّرون عن حضور الصلاة، وفي رواية أبي صالح الآتية: "إلى قوم لا يشهدون الصلاة"، وفي رواية لأبي داود: "ثم آتي قومًا

стр. 7844

يصلّون في بيوتهم، ليست بهم علّة"، فتبيّن بها أن الوعيد على ترك الجماعة بغير عذر، لا على ترك الصلاة، فدلالة الحديث على وجوب الجماعة واضحة، كما أسلفنا تحقيقه، ويدلّ أيضًا على أن الأعذار تبيح التخلّف عن الجماعة، وإن كانت واجبةً (فَآمُرَ) بالمدّ، وضم الميم (بِهِمْ) أي بهؤلاء المتخلّفين (فَيُحَرِّقُوا) بالبناء للفاعل، وهو بتشديد الراء، وفيه إشعار بالتكثير والمبالغة في التحريق، ويَحْتَمل أن يكون من الإحراق. [تنبيه]: الواو في "يُحرّقوا" يعود إلى محذوف، كما بيّنته الرواية الأخرى، والأصل: ثم أخالف برجال معهم حُزم حطب، فيُحرّقوا. . . إلخ، واللَّه تعالى أعلم. (عَلَيْهِمْ) أي على المتخلّفين عن الجماعة، وهو يُشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعًا للقاطنين بها، وفي رواية أبي صالح الآتية: "فأحرق بيوتًا على من فيها"، قاله في "الفتح". (بِحُزَمِ الْحَطَبِ) متعلّق بـ "يحرّقوا"، و"الْحُزَم" بضم الحاء المهملة، وفتح الزاي: جمع حُزْمة، بضمّ، فسكون، كغُرْفة وغُرَف، قاله في "المصباح" (١)، وفي "اللسان": وحَزَمَ الشيءَ حَزْمًا -من باب ضرب-: شدّه، والْحُزْمة: ما حُزِمَ (٢). انتهى (٣). و"الحطب": كلُّ ما جَفّ من زرع، وشجر، توقد به النار، وشوكُ العِضَاه، وإضافة "حُزَم" إلى"الحطب" بمعنى: "من"، وقوله: (بُيُوتَهُمْ) منصوب على المفعوليّة لـ "يُحرّقوا". (وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ) وفي رواية البخاريّ: "والذي نفسي بيده، لو يعلم. . . إلخ" بإعادة القسم للتأكيد (أَنَّهُ يَجِدُ) أي في المسجد (عَظْمًا سَمِينًا) وفي رواية البخاريّ: "عرقًا سمينًا"، وهو بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها

стр. 7845

قاف، قال الخليل: العُرَاق: العظم بلا لحم وإن كان عليه لحم، فهو عَرْقٌ، وفي "المحكم" عن الأصمعي: العَرْق بسكون الراء: قطعة لحم، وقال الأزهري: العَرْق واحد العُرَاق، وهي العظام التي يؤخذ منها هَبْر اللحم (١)، ويبقى عليها لحم رَقِيق، فيكسر، ويطبخ، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عَرَقْتُ اللحمَ، واعترقته، وتعرقته: إذا أخذت اللحم منه نَهْشًا، وفي "المحكم": جَمْعُ العَرْق على عُراق بالضم عزيز، أي نادر، وقول الأصمعي هو اللائق هنا. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: "أو مرماتين حسنتين"، وهو: تثنية مِرْماة -بكسر الميم، وحكي فتحها- قال الخليل: هي ما بين ظِلْفي الشاة، وحكاه أبو عبيد، وقال: لا أدري ما وجهه، ونقله المستملي في روايته في "كتاب الإحكام" عن الفربريّ، قال: قال يونس، عن محمد بن سليمان، عن البخاريّ: المرماة بكسر الميم، مثل مِسناة، ومِيضاة: ما بين ظلفي الشاة من اللحم، قال عياض: فالميم على هذا أصلية. وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة، يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة، والمدحاة. قال الحافظ: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية، وحكى العربي عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف، قال: ويؤيده ما حدثني. . . ثم ساق من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ نحو الحديث، بلفظ: "لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل"، وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مُسْتَوٍ غير محدد. قال الزين ابن الْمُنَيِّر: ويدل على ذلك التثنيةُ، فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام المحددة الحربية، فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، ووجّهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين، وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين؛ لأنهما مما يُلْهَى به. انتهى.

стр. 7846

وإنما وصف العرق بالسمن، والمرماة بالحسن ليكون ثَم باعث نفساني على تحصيلهما. وقال الطيبي: "الحسنتين" بدل من المرماتين، إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران، فالحسنتان بمعنى الجيدتان صفة للمرماتين. انتهى. وفيه إشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم، أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات، ومنازل الكرامات (١). وقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد ذكر الاختلافات المذكورة ما نصّه: والذي يظهر -واللَّه أعلم- أن النَّبِيّ ﷺ أخرج هَذَا الكلام مخرج تعظيم شهود العشاء فِي جماعة، والتنويه بفضله وشرفه ونفاسته، والنفوسُ مجبولة عَلَى محبة الأشياء الحسنة الشريفة النفيسة، والميل إليها، فوبَّخَ من لَوْ طمع فِي وجود قطعة من لحم سمينة أو مرماتين حسنتين، وهما من أدنى الأشياء الدنيوية لبادر إلى الخروج إليها، وشهد العشاء لذلك، وَهُوَ يتخلف عَن شهود العشاء فِي الجماعة مَعَ فضل الجماعة عِنْدَ اللَّه، وعظم فضل الجماعة مَا يدّخره لمن شهدها عنده من جميل الجزاء وجزيل العطاء، فيكون مَا يعجل لَهُ وإن كَانَ يسيرًا من أمور الدنيا المستحسنة عنده مِمَّا يأكله أو يلهو بِهِ أهم عنده من ثواب اللَّه الموعود بِهِ. قال: ويشبه هَذَا: قَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١]، فإنه توبيخ لمن ترك الجمعة، أو اشتغل عَنْهَا بالتجارة أو باللَّهو. انتهى (٢). (لَشَهِدَهَا"، يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءَ) هكذا رواية المصنّف بزيادة لفظة "يعني"، وهي منه، أو من غيره، ممن دون أبي الزناد؛ لأنَّها ليست في روايته عند

стр. 7847

البخاريّ، ولفظه: "لشهد العشاء"، أي حضر صلاة العشاء، والمعنى أنه لو علم أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعًا دنيويًّا، وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها؛ لقصور همته على الدنيا، ولا يحضر لما لها من مثوبات العقبى ونعيمها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٤٨٢ و ١٤٨٣ و ١٤٨٤ و ١٤٨٥] (٦٥١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٤٤ و ٦٥٧) و"الخصومات" (٢٤٢٠) و"الأحكام" (٧٢٢٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٤٨ و ٥٤٩)، و (الترمذيّ) فيها (٢١٧)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٤٨) وفي "الكبرى" (٩٢١)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٩١)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٢٣ - ١٢٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٨٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٤ و ٣١٤ و ٣٦٧ و ٣٧٧ و ٤١٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٠٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٩٧ و ٢٠٩٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٥٧ و ١٢٥٨ و ١٢٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٥٢ و ١٤٥٣ و ١٤٥٤ و ١٤٥٥ و ١٤٥٦ و ١٤٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٩١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن صلاة الجماعة؛ لغير عذر. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن رجب ﵀: وهذا الحَدِيْث ظاهر فِي وجوب شهود الجماعة فِي المساجد، وإجابة المنادي بالصلاة؛ فإن النَّبِيّ ﷺ أخبر أَنَّهُ همَّ بتحريق بيوت المتخلفين عَن الجماعة، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا عَلَى ترك واجبٍ. وقد اعترض المخالفون فِي وجوب الجماعة عَلَى هَذَا الاستدلال،

стр. 7848

وأجابوا عَنْهُ بوجوهٍ، قد تقدّم تفنيدها في المسألة الخامسة من مسائل حديث أبي هريرة ﵁ الماضي، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسرّه أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتُفي به عن الأعلى من العقوبة، نَبّهَ عليه ابن دقيق العيد ﵀. ٤ - (ومنها): أن في قوله: "والذي نفسي بيده" إثبات صفة اليد للَّه على الوجه الذي يليق بجلاله، فهو كالقول في سائر الصفات، وهو منزّه عن مشابهة الخلق في كل شيء، موصوف بصفات الكمال اللائقة به . ٥ - (ومنها): جواز العقوبة بالمال، كذا استدَلّ به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. قال في "الفتح": وفيه نظر؛ لاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به؛ إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم. ٦ - (ومنها): جواز أخذ أهل الجرائم على غِرّة؛ لأنه ﷺ هَمّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يَبْغَتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدّم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الإشخاص"، وفي "كتاب الأحكام": "باب إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة"، يريد أن من طُلِب منهم بحقّ، فاختَفَى، أو امتنع في بيته لَدَدًا، ومَطْلًا أُخرِج منه بكل طريق يتوصل إليها، كما أراد ﷺ إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. ٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به ابن العربيّ وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها. ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تَعْكُر عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر، وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها، سواء قلنا: واجبة، أو مندوبة كان من تركها أصلًا رأسًا أحق بذلك، لكن لا يلزم من

стр. 7849

التهديد بالتحريق حصول القتل، لا دائمًا، ولا غالبًا؛ لأنه يمكن الفرار منه، أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والأرهاب. ٨ - (ومنها): أن في قوله في رواية أبي داود: "ليست بهم علّةٌ" دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا: إنها فرض، وكذا الجمعة، قاله في "الفتح" (١). ٩ - (ومنها): أن فيه الرخصةَ للإمام، أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بُعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذَكَرُوا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم، وأصحاب الجرائم في حقّ الإمام كالغرماء. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، إذا كان في ذلك مصلحة، قال ابن بزيزة: وفيه نظر؛ لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا لا يختلف في جوازه. ١١ - (ومنها): أنه استَدَلّ ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال، قاله في "الفتح" (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد اعترض العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز فيما علّقه على "الفتح" على جزم الحافظ بالنسخ، وقال: إنه ليس بجيِّد، والصواب عدم النسخ؛ لأدلة كثيرة معروفة في محلها، منها: حديث الباب، وإنما المنسوخ التعذيب بالنار فقط (٣)، واللَّه تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه استدُلّ بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة؛ فإنه إذا جازت عقوبة تارك الجماعة فِي ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك، فقتل من ترك الصلاة بالكلية أولى بالجواز، فلا جرم كَانَ قتله واجبًا عِنْدَ جمهور العلماء. ١٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا عَلَى أَنَّهُ إنما يعاقب تارك الصلاة، أو بعضِ واجباتها فِي حال إخلاله بِهَا، لا بعد ذَلِكَ؛ فإن النَّبِيّ ﷺ إنما أراد عقوبتهم

стр. 7850

فِي حال التخلّف، وقد كَانَ يمكنه أن يؤخر العقوبة حَتَّى يصلي وتنقضي صلاته. قال ابن رجب ﵀: وهذا يَعْضِد قَوْلَ من قَالَ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن تارك الصلاة لا يُقْتل حَتَّى يُدْعَى إلى الصلاة، ويُصِرّ عَلَى تركها حَتَّى يضيق وقت الأخرى؛ ليكون قتله عَلَى الترك المتلبِّس بِهِ فِي الحال. ١٤ - (ومنها): أن الإمام لَهُ أن يؤخِّر الصلاة عَن أول الوقت لمصلحة دينية، ولكنه يستخلف من يصلي بالناس فِي أول الوقت؛ لئلا تفوتهم فضيلة أول الوقت. ١٥ - (ومنها): أن إنكار المنكر فرض كفاية، وأنه إذا قام به بعض الناس اكتُفِي بذلك، ولا يلزم جميع النَّاس الاجتماع عَليهِ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لأخذ النَّبِيّ ﷺ مَعَهُ جميع النَّاس، ذكره ابن رجب ﵀ (١). ١٦ - (ومنها): أنه دليل على أن الجماعة لا تجب على النساء، ولا تتأكّد في حقّهنّ؛ لقوله: "ثم أخالف إلى رجال". ١٧ - (ومنها): ما قاله في "الطرح": فيه حجة لأحد القولين في أنه يُقاتَل أهل بلد، تمالئوا على ترك السنن ظاهرًا؛ بناءً على القول بأن الجماعة سنةٌ، لا فرضٌ، قال القاضي عياض: والصحيح قتالهم؛ لأن في التمالؤ عليها إماتتها. انتهى. وقد اختَلَف أصحاب الشافعيّ -رحمهم اللَّه تعالى- في قتال أهل بلد اتفقوا على ترك الجماعة؛ بناءً على القول بأنها سنة، والصحيح عندهم أنهم لا يقاتلون على ذلك، إنما يقاتلون على القول بأنها فرض كفاية. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت أن الحقّ أن صلاة الجماعة واجبة على من لا عذر له، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه اختَلَفت الروايات والعلماء في تعيين الصلاة المتوعَّد على تركها بالتخويف، هل هي العشاء، أو هي الصبح، أو الجمعة؟

стр. 7851

فظاهر رواية الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ هذه أن المراد بها العشاء لقوله: "لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء". وقد ورد التصريح به فيما رواه عبد اللَّه بن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان، مولى الْمُشْمَعِلّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو لأحرقن حول بيوتهم". وحَكَى ابن بطال هذا القول عن سعيد بن المسيب، وقيل: هي العشاء والصبح معًا، ويدل له ما رواه الشيخان في بعض طرق هذا الحديث: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت. . ."، فذكره، وقيل: هي الجمعة، وبدل له رواية البيهقيّ: "فأحرِّق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة"، ويدل له أيضًا رواية مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبيّ ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت. . ."، فذكره. وحَكَى ابن بطال هذا القول عن الحسن البصريّ، وعن ابن معين أيضًا أنه قال: إن هذا الحديث في الجمعة، لا في غيرها. انتهى. قال العراقيّ: وهذا مما يضعف قول من احتج بالحديث على أن الجماعة فرض عين؛ لأنه إذا كان المراد الجمعة، فالجماعة فيها شرط، فلا يبقى فيه دليل على الجماعة في غيرها من الصلوات. قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قاله العراقيّ نظر لا يخفى، كما يأتي قريبًا. قال ابن دقيق العيد ﵀: ويحتاج أن يُنظَر في تلك الأحاديث التي ثبتت في تلك الصلاة أنها الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، فإن كانت أحاديث مختلفة قيل بكل واحد منها، وإن كان حديثًا واحدًا اختَلَف فيه بعض الطرق، وعُدِم الترجيح وُقِف الاستدلال. هذا حاصل كلامه. قال العراقيّ: رواية البيهقيّ في كونها الجمعة، ورواية كونها العشاء والصبح حديث واحدٌ، وحديث ابن مسعود في كونها الجمعة حديث آخر مستقلّ بنفسه، فعلى هذا لا يقدح حديث ابن مسعود في حديث أبي هريرة، وبنظر في اختلاف حديث أبي هريرة، وقد رجح البيهقيّ رواية الجماعة فيه على

стр. 7852

رواية الجمعة، فقال بعد رواية الجمعة فيه: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عَبّر بالجمعة عن الجماعة. وقال النوويّ في "الخلاصة" بعد حكاية كلام البيهقي: بل هما روايتان: رواية في الجمعة، ورواية في الجماعة في سائر الصلوات، وكلاهما صحيح. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: فتبيّن بهذا أن الصواب أن الحديث ورد في الجماعة مطلقًا، وفي الجمعة خاصّة، فدعوى العراقيّ تضعيف الاستدلال على فرضيّة الجماعة بالحديث غير صحيحة؛ لأن الراجح في حديث أبي هريرة لفظ الجماعة، كما قال البيهقيّ فالاستدلال بالحديث على الفرضيّة واضح، وأما حديث ابن مسعود ﵁ فمستقلّ دالّ على الجمعة، ولا يعارض رواية الجماعة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ (١) عَلَى الْمُنَافِقِينَ، صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ، مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس

стр. 7853

لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورعٌ، إلا أنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ (١) عَلَى الْمُنَافِقِينَ، صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ) قال العراقيّ ﵀: وإنما كانت هاتان الصلاتان ثقيلتين على المنافقين؛ لأمرين: [أحدهما]: للمشقة الموجودة في حضور المساجد فيهما من الظلمة، وكون وقتهما وقت راحة، أو غلبة نوم، أو خلوة بأهاليهم، فلا يتجشم تلك المشاقّ إلا من أيقن بثواب اللَّه تعالى، والمنافق إما شاكّ في ذلك، أو لا يصدِّق، فيشقّ عليه ذلك. [والمعنى الثاني]: أن المنافقين كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهاتان الصلاتان في ليل، فربما خَفِى من غاب عنهما، واستتر حاله، بخلاف باقي الصلوات، فإنها بحيث يراه الناس، ويتفقدون غيبته، فكان رياؤه يَحُضّه على حضورها؛ ليراه الناس. والمعنى الأول أظهر؛ لقوله تعالى في أول الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، ولا مانع أن يكون الأمران المذكوران في الآية كلاهما حاملًا لهم على ترك الجماعة في الصلاتين المذكورتين. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (٢)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) "الْحَبْوُ" حبوُ الصبيّ الصغير على يديه ورجليه، ومعناه لو يعلمون ما فيهما من الفضل والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حَبْوًا لَحَبَوا إليهما، ولم يُفوِّتوا جماعتهما في المسجد، ففيه الحثّ

стр. 7854

البليغ على حضورهما، قاله النوويّ ﵀ (١). وقال في "الطرح": قوله: "لأتوهما ولو حبوًا": أي يزحفون على ألياتهم، من مرض، أو آفة، قاله صاحب "المفهم"، وفيه نظرٌ، والحبو غالبًا إنما يُطْلَق على الحبو على الرُّكَب، وإن كان قد يُطلَق أيضًا على الزحف، فالمراد هنا الزحف على الرُّكَب كما هو مصرَّح به عند أبي داود، من حديث أُبَيّ بن كعب ﵁: "ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوًا على الرُّكَب". وفيه دليلٌ على استحباب حضور الجماعة لأصحاب الأعذار، من مريض، أو نحوه، وإن لم يتأكد في حقّه، وسيأتي وعند المصنّف أن ابن مسعود ﵁ قال: "ولقد كان الرجل يُؤْتَى به بين الرجلين، يُهادَى بين الرجلين، حتى يقام في الصفّ" (٢). وقوله: (ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) فيه أن الإمام إذا عَرَضَ له شُغْل يَستَخلِف مَن يصلي بالناس، وإنما هَمّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ لأن بذلك الوقت يتحقق مخالفتهم، وتخلُّفهم، فيتوجه اللوم عليهم، وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي، أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِي بِحُزَمٍ مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ (٣) عَلَى مَنْ فِيهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب.

стр. 7855

٢ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فِتْيَانِي) -بكسر الفاء، وسكون التاء-: جمع فَتًى، قال في "المصباح": الْفَتَى: العبد، وجمعه في القلّة: فِتْيَةٌ، وفي الكثرة: فِتْيَانٌ، والأمة: فتاةٌ، وجمعها: فَتَيَات، والأصل فيه أن يقال للشابّ الحَدَث: فَتًى، ثم استُعير للعبد، وإن كان شيخًا؛ مجازًا؛ تسميةً باسم ما كان عليه. انتهى (١). وفسّره بعضهم بأن المراد أقوياء أصحابه. وقوله: (أَنْ يَسْتَعِدُّوا) أي يتهيّأوا. وقوله: (ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ) ببناء الفعل للمفعول. وقوله: (عَلَى مَنْ فِيهَا) أي وهم الذين تخلّفوا عن صلاة الجماعة، وفيه العقوبة بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة ماليّة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٢ - (وكيعِ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. ٣ - (جَعْفرُ بْنُ بُرْقَانَ) -بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف- الكلابيّ، أبو عبد اللَّه الرقّيّ، ثقة، يَهِم في حديث الزهريّ [٧] (ت ١٥٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكائيّ، أبو

стр. 7856

عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ﵂، [٣] (ت ١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (بِنَحْوِهِ) أي بنحو حديث أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. [تنبيه]: رواية يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة ﵁ هذه، ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٤٨) فقال: (١٤٥٧) حدّثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا جعفر بن بُرْقان، ثنا يزيد بن الأصم (ح) وحدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا الفريابيّ، ثنا قتيبة، ثنا وكيع، عن جعفر بن بُرْقان، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم أَخْرُج بفتيانٍ معهم حُزَمُ حطب، فأُحَرِّق على قوم بيوتهم، يسمعون النداء، ثم لا يأتون الصلاة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٦] (٦٥٢) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، سَمِعَهُ مِنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ -لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ-: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُدَيج -بالحاء المهملة، مصغّرًا- أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.

стр. 7857

٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، اختلط بآخره، ويُدلّس [٣] (ت ١٢٩) أو قبلها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٤ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة- الْجُشَميّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] مات في ولاية الحجّاج على العراق (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، وهو أيضًا من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع. [تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما روى عنه بعد اختلاطه، وأيضًا يُدلّس؟. [قلت]: إنما أخرج روايته في الشواهد، لا في الأصول، فقد أخرج حديث أبي هريرة ﵁ أصلًا، ثم أتى بحديث ابن مسعود؛ استشهادًا، وتقويةً، فمثل هذا يُغتفر، كما هو معروف لدى المحدّثين. وأما تدليسه، فقد صرّح بسماعه من أبي الأحوص، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ -لِقَوْمِ) أي عن شأن قوم، فاللام هنا كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ الآية [الأحقاف: ١١]، وقوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ الآية [الأعراف: ٣٨]، وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ الآية [هود: ٣١]، وهي عند ابن الحاجب بمعنى "عن"، وقال ابن مالك

стр. 7858

وغيره: هي لام التعليل، وقيل: لام التبليغ، ومن قول الشاعر [من الكامل]: كضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا … حَسَدًا وَبُغْضًا إِنَّهُ لَدَمِيمُ (١) (يَتَخَلَّفُونَ) أي يتأخّرون (عَنِ الْجُمُعَةِ) أي عن أداء صلاة الجمعة في المسجد (لَقَدْ هَمَمْتُ) أي قصدت (أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ) أي إمامًا لهم (ثُمَّ أُحَرِّقَ) بتشديد الراء، من التحريق، ويَحْتَمل أن يكون من الإحراق (عَلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ") بالنصب على المفعوليّة لـ "أُحرّق"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٤٨٦] (٦٥٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٩٤ و ٤٠٢ و ٤٢٢ و ٤٤٩ و ٤٦١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٥٣ و ١٨٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٥٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن صلاة الجمعة. ٢ - (ومنها): بيان أن حضور صلاة الجمعة فرض عين، إلا لأصحاب الأعذار الشرعية. ٣ - (ومنها): بيان أن هذه الصلاة التي هدّد النبيّ ﷺ بتحريق المتخلّفين عنها هي صلاة الجمعة، وقد سبق في حديث أبي هريرة ﵁ أنها العشاء، وورد أيضًا أنها الصبح، وورد أيضًا يتخلّفون عن الصلاة مطلقًا، قال النوويّ ﵀: وكلّه صحيح، ولا منافاة بين ذلك. انتهى (٢).

стр. 7859

٤ - (ومنها): ما قاله في "الطرح": في هذا الحديث حجة على أبي حنيفة في أنه جَعَلَ المكلَّف مخيرًا بين الجمعة والظهر بغير عذر؛ إذ لو كانوا مخيرين لَمَا هَمّ بتحريقهم. ٥ - (ومنها): ما قاله في "الطرح" أيضًا: [إن قال قائل]: إذا كان المراد بهذا ترك الجمعة كما هو نصّ حديث ابن مسعود ﵁ هذا، فهل يجوز للإمام أو نائبه ترك صلاة الجمعة؛ لأجل أخذ مَن في البيوت، لا يصلي الجمعة، أو يرتكب ما يجب إزالته، أو يكون هذا خاصًّا بالنبيّ ﷺ ، وليس لأحد فعل هذا اليوم؛ لأنه يؤدي إلى ترك الجمعة، وهي لا تعاد؟. [فالجواب]: أن أصحابنا -يعني الشافعيّة- ذكروا من الأعذار في الجمعة والجماعة من له غريم يَخاف فوته، والظاهر أن أرباب الجرائم في حقّ الإمام ونائبه كالغرماء، حتى إذا خَشِي أن يفوتوه إن شهد الجماعة أو الجمعة كان له ذلك. انتهى، وهو تحقيق حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٤) - (بَابُ وُجُوبِ إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٧] (٦٥٣) - (وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ (٢)، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ (٣)، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ

стр. 7860

لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَأَجِبْ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (سُويدُ بْنُ سَعِيد) بن سهل الْهَرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، أبو محمد، صدوقٌ، عَمِيَ، فتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله (١٠٠) سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧. ٣ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٤ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: ابن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ) هو: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ العامريّ صدوقٌ (١) [٦] تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن شيخه يعقوب الدورقيّ أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، عبيد اللَّه عن يزيد بن الأصمّ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7861

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى) قال النوويّ ﵀: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم، جاء مفسَّرًا في "سنن أبي داود" وغيره. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ويَحْتَمِل أن يكون غيره، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (لَيْسَ لِي قَائِدٌ) اسم فاعل من قال، يقال: قال الرجلُ الفرسَ يقودها قَوْدًا، من باب قال، وقِيَادًا بالكسر، وقيادةً، قال الخليل: القود أن يكون الرجل أمام الدابّة آخذًا بقيادها، والسَّوق أن يكون خلفها، فإن قادها لنفسه قيل: اقتادها، قاله في "المصباح" (١). وفي "المرعاة": القائد هو الذي يُمسك يد الأعمى، ويأخذه، ويذهب به حيث شاء، ويجُرّه، من الْقَوْد، وهو ضدّ السَّوق، فهو من أمام، وذاك من خلف. انتهى (٢). (يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ) إن كان الأعمى هو ابن أم مكتوم ﵁، فالمراد قائد يلائمه ويرفُقُ به، ففي رواية لأبي داود: "ولي قائد لا يلائمني"، وإن كان غيره، فيَحْتَمِل أنه لا يجد من يقوده أصلًا (فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ) أي يُسَهِّل عليه في التأخر عن الصلاة جماعةً في المسجد (فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ) إما جماعةً أو منفردًا (فَرَخَّصَ لَهُ) في ذلك، وفي رواية النسائيّ: "فأَذِنَ له" (فَلَمَّا وَلَّى) أي أدبر ذلك الأعمى عن مجلس رسول اللَّه ﷺ فَرِحًا بترخيصه له فيما طلب (دَعَاهُ) أي ناداه النبيّ ﷺ (فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ ") أي التأذين، وفي حديث ابن أم مكتوم عند النسائيّ: "هل تسمع حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح؟ " (قَالَ) الأعمى (نَعَمْ) أي أسمع ذلك (قَالَ) ﷺ ("فَأَجِبْ") أمر من الإجابة، وعند النسائيّ في "الكبرى": "فأجبه"، والفاء فصيحية، أي فإذا كنت تسمع النداء بالصلاة، فأجب بالفعل، وفي حديث ابن أمّ مكتوم المذكور: "فحي هلا"، أي فأقبل إلى الصلاة.

стр. 7862

قال السنديّ ﵀: ظاهره وجوب الجماعة؛ لا بمعنى أنها واجبة في الصلاة حتى تبطل بدونها، بل بمعنى أنها واجبة على المصلي، يأثم بتركها. انتهى. وقال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث دلالة لمن قال: الجماعة فرض عين. وأجاب الجمهور عنه بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته، وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره؟ (١)، فقيل: لا. ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة: حديث عتبان بن مالك ﵁ الآتي بعد ثلاثة أبواب. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول من قال: إنها فرض عين لمن لا عذر له، هو الحقّ، كما أسلفنا تحقيقه، وأما تأويل الجمهور المذكور فبعيدٌ، وتأييده بحديث عتبان ﵁ المذكور ليس كما ينبغي؛ إذ حديثه نصّ في تحقّق عذره، فقد ثبت أنه قال للنبيّ ﷺ : "يا رسول اللَّه؛ إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي"، فهذا عذر قائم، وأما الأعمى المذكور فعذره هو العَمَى، ومعلوم أن كثيرًا من العميان لا يَشُقّ عليهم المشي إلى المساجد، كما هو مشاهد، وهذا الأعمى منهم، بدليل أنه ﷺ لم يرخص له، مع كونه رَخَّصَ لكثير من أصحاب الأعذار، كعتبان، وكمن حضر لديه طعام، وكمن يدافعه الأخبثان، وفي حالة وجود الأمطار، كما ثبت كلُّ ذلك في "الصحيحين"، وغيرهما. والحاصل أن حديث الباب دليلٌ واضحٌ على فرضية الجماعة لمن لا عذر له، وأن مجرد العمى ليس عذرًا يُسْقِط الجماعة، واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀ أيضًا: وأما ترخيص النبيّ ﷺ له، ثم ردُّه، وقوله:

стр. 7863

"فأجب" فيَحْتَمِل أنه بوحي نزل في الحال، ويَحْتَمِل أنه تغير اجتهاده ﷺ ، إذا قلنا بالصحيح، وقولِ الأكثر: إنه يجوز له الاجتهاد، ويَحْتَمِل أنه رَخّص له أوّلًا، وأراد أنه لا يجب عليك الحضور، إما لعذر، وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل لك، والأعظم لأجرك أن تجيب، وتحضر، فأجب. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مسألة اختلاف في اجتهاد النبيّ ﷺ ، قد حقّقتها في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، ورجّحت قول الجمهور بجوازه، فراجعه تستفد. وأما قوله: "وأراد أنه لا يجب عليك الحضور. . . إلخ"، فغير صحيح؛ لأنه يردُّه ظاهر الأمر في قوله: "فأَجِبْ" مع الأدلة الأخرى الدالّة على وجوب صلاة الجماعة، وقد تقدّم بيانها، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٤٨٧] (٦٥٣)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٥٠) وفي "الكبرى" (٩٢٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٧ و ٦٦)، و (إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (٣١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٥٩ و ١٤٦٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على الصلوات في المساجد. ٢ - (ومنها): أن العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة، وإن لم يجد قائدًا، والظاهر أن هذا فيما إذا كان يَعرِف طريق المسجد، ولا يُخاف عليه من الهلاك.

стр. 7864

٣ - (ومنها): أن من سمع النداء لا يجوز له أن يتخلف عن صلاة الجماعة إلا بعذر. ٤ - (ومنها): وجوب إجابة المؤذن بالفعل، كما يجب بالقول، لحديث: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن"، متفق عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٥) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٨] (٦٥٤) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ، قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ، إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ، حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. ٢ - (زكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدَانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يُدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الكوفيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.

стр. 7865

والباقون تقدّموا قبل باب. قال الجامع عفا اللَّه عنه: شرح الحديث، ومسائله تأتي في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا. وقوله: (إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ) "إن" مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، أي إنه كان. . . إلخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ، حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُويكُمْ، كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ (٢)، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) اسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير، أبو نعيم التيميّ مولاهم الأحول الْمُلائيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩١. ٢ - (أَبُو الْعُمَيْسِ) عُتبة بن عبد اللَّه بن عُتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْأَقْمَرِ) بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن عمرو بن الحارث بن ربيعة بن عبد اللَّه بن وَدَاعة الْهَمْدانيّ -بسكون الميم، وبالدال

стр. 7866

المهملة- الوادعيّ أبو الوازع الكوفيّ، قيل: إنه أخو كلثوم بن الأقمر، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأم عطية الأنصارية فيما قيل، وأبي جُحيفة، وأسامة بن شريك، ومعاوية، وقيل: إنه وفد عليه، وشُريح القاضي، وأبي الأحوص الْجُشَميّ، وغيرهم. ورَوَى عنه الأعمش، ومنصور، والثوريّ، وشعبة، والمسعوديّ، والحسن بن حيّ، وأبو العُمَيس، ومِسْعَر، وشريك، وغيرهم. قال ابن معين، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان، والنسائيّ، وابن خِرَاش، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم بينه وبين كلثوم بن الأقمر قرابةً. قال الحافظ: وجزم ابن حبّان، وعمران بن محمد بن عمران الْهَمْدانيّ، في "طبقات رجال هَمْدان" أنه أخو كلثوم بن الأقمر، وتبع في ذلك ابنَ سعد، وكذلك ذكر في الطبقة الثالثة، ووقع في "التهذيب" أنه ذكره في الرابعة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الستّة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٥٤)، وحديث (٢٩٤٩): "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس". والباقون ذُكروا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه راوية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن

стр. 7867

مسعود ﵁ أنه (قَالَ: مَنْ سَرَّهُ) "من" شرطية، و"سره" بمعنى أفرحه، يقال: سَرّه، يَسُرّه سُرورًا -بالضم-، والاسم السَّرُور بالفتح: إذا أفرحه، قاله الفيوميّ (أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا) أي يوم القيامة (مُسْلِمًا) أراد به كمال الإسلام المتضمِّن لانقياد الباطن والظاهر، لا مجرد الاستسلام الظاهريّ، فهو بمعنى قوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩]، وجواب الشرط قوله: (فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ) أي فليؤدّها مستوفيةَ الشروط، والأركان، والآداب (حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ) أي في المكان الذي يؤذَّن فيه لهنّ، وهو المسجد، وأراد به أداءهنّ مع الجماعة (فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ ) وللنسائيّ: "فإن اللَّه شَرَع لنبيّه ﷺ " (سُنَنَ الْهُدَى) رُوي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى والصوابِ، قاله النوويّ ﵀. و"الْهُدَى" -بضمّ الهاء، وفتح الدال، مقصورًا: الرَّشَادُ والدلالة، قاله في "القاموس" (١)، وقال "المصباح": الْهُدَى: البيان. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لم يرد بالسنن السنن المتعارفة في عرف الفقهاء التي هي قسيم الواجب وغيره من أقسام الأحكام الخمسة، بل أراد ما يشمل جميع ما أتى به رسول اللَّه ﷺ من أمور الدين، فيدخل فيه الواجب، والمستحبّ، وغيرهما، فلا يُستدلّ بقوله: "وإنهنّ من سُنن الهدى" على عدم صلاة الجماعة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) أي الصلواتُ الخمسُ من جملة طُرُق الهدى التي أوجب اللَّه تعالى سلوكها، دون ما سواها من الطرائق، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣]، فينبغي أداؤهنّ على الوجه المطلوب. والإضافة في: "سنن الهدى" للبيان، أي سنن هي الهدى. (وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) أي ولو بالجماعة. وفي رواية النسائيّ: "وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يُصلّي فيه في بيته، فلو صلّيتم في بيوتكم، وتركتم مساجدكم لتركتم سنّة نبيّكم".

стр. 7868

وأراد بالمسجد الموضع الذي يصلي فيه الرجل التطوع، حيث إنه مأمور بالتطوع في بيته، فقد أخرج الشيخان، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا". وعن زيد بن ثابت ﵁: أن النبيّ اتخذ حُجْرة في المسجد من حصير، فصلى رسول اللَّه ﷺ فيها ليالي، وفيه: "فصلّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"، متّفقٌ عليه. ومعنى قوله: "ولو أنكم صلّيتم في بيوتكم": أي لو أديتم الصلوات المكتوبات في مساجد بيوتكم (كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ) أي المتأخّر (فِي بَيْتِهِ) تاركًا الصلاةَ جماعةً في المساجد العامّة. قال الطيبيّ ﵀: في تعبيره باسم الإشارة إشارة إلى تحقيره، وتبعيده عن مظانّ الزُّلْفَى، كما أن اسم الإشارة في قوله: "هذه المساجد" مُلَوِّحٌ إلى تعظيمها، وبُعد مرتبتها في الرفعة. انتهى (١). (لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ) ﷺ حيث إنه كان يصلي المكتوبات في المساجد بأصحابه جماعةً، ولا يصليها في بيته، إلا من عذر (وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ) ﷺ (لَضَلَلْتُمْ) قال الفيّوميّ ﵀: ضَلّ الرجل الطريقَ، وضلّ عنه يَضِلّ، من باب ضرب ضلالًا، وضلالةً: زَلَّ عنه، فلم يَهتد إليه، فهو ضالٌّ، هذه لغة نجد، وهي الفُصحَى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ: ٥٠] الآية، وفي لغة لأهل العالية من باب تَعِبَ. انتهى (٢). قال الطيبيّ ﵀: قوله: "لضللتم" يدلّ على أن المراد بالسنّة العزيمة. انتهى. وفي رواية أبي داود: "لكفرتم"، قال الخطابيّ ﵀: معناه أنه يؤدي بكم إلى الكفر بأن تتركوا عُرَى الإسلام شيئًا، فشيئًا، حتى تخرجوا من الملة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا دليل واضح في كون صلاة الجماعة فرضًا على الأعيان، وأما تأويله بأنه محمول على التغليظ والتهديد في ترك صلاة

стр. 7869

الجماعة، أو أنه محمول على الترك تهاونًا وقِلَّةَ مبالاة بها، كما زعمه بعضهم، فغير صحيح، واللَّه تعالى أعلم. وقال الكمال ابن الهمام ﵀: وتسميتها سنّةً على ما في حديث ابن مسعود ﵁ لا حجة فيه للقائلين بالسنّيِّة؛ إذ لا تنافي الوجوب في خصوص ذلك الإطلاق؛ لأن سنن الهدى أعمّ من الواجب لغةً، كصلاة العيد. انتهى. وقد يقال لهذا الواجب سنةٌ؛ لكونه ثبت بالسنّة، أي بالحديث، قاله في "المرعاة" (١). [تنبيه]: قال الشوكانيّ ﵀: والأثر استُدلّ به على وجوب صلاة الجماعة، وفيه أنه قوله صحابيّ، ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة، وعدم التخلّف عنها، ولا يُستدلّ بمثل ذلك على الوجوب. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولا يُستدلّ. . . إلخ" فيه أنه لا يُستبعد الاستدلال به؛ لأن مثل هذا الأسلوب من مثل ابن مسعود ﵁ من فقهاء الصحابة دالّ على أنه فهم من الأدلّة الوجوب، على أن الاستدلال بمثل هذا إنما هو تأكيد للأدلّة الأخرى المرفوعة الدالّة على الوجوب، وقد تقدّم بيانها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ) وفي رواية النسائيّ: "وما من عبد مسلم يتوضّأ" (فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ) بضمّ الطاء المهملة بمعنى الطهارة، وأما بفتحها، فاسم لما يُتطهّر به، ولا يناسب هنا، لكن أثبت بعض اللغة أن المفتوح أيضًا يكون بمعنى الطهارة، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أول "كتاب الطهارة"، فارجع إليه تزدد علمًا، وباللَّه تعالى التوفيق. ومعنى إحسان الطُّهُور: أن يأتي بواجباته، ومستحباته. (ثُمَّ يَعْمِدُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، أي يقصد، ويتوجّه، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْدًا، من باب ضرب، وعَمَد إليه: قصدتُ، وتعمّدتُهُ: قصدت إليه أيضًا (٢). (إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ)، أي مساجد المسلمين، وفي رواية النسائيّ: "ثم يمشي إلى صلاة" (إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا) "الْخَطْوَةُ"

стр. 7870

بفتح الخاء وضمها: واحدة الْخُطْو، قال الفيّوميّ ﵀: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوًا: مشيتُ، الواحدة خَطْوَة، مثل ضَرْب وضَرْبة، والْخُطْوة بالضم: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثل شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطَى، وخُطُوَات، مثل غُرْفَةٍ وغُرُفَات في وجوهها. انتهى. وجملة "يخطوها" في محل جر صفة "خُطْوة"، وقوله: (حَسَنَةً) منصوب على المفعوليّة لـ "كَتَبَ". (وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً) منصوب على أنه مفعول ثان (وَيَحُطُّ) بفتح أوّله، وضمّ ثانيه، أي يَضَعُ، ويمحو، يقال: حَطَطتُ الرَّحْلَ وغيره حَطًّا، من باب قَتَلَ: أنزلته من عُلو إلى سُفل، وحَطَطت من الدين أسقطت، قاله الفيّوميّ (١)، أي أزال (عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً) وفي رواية النسائيّ: "أو يرفع له بها درجةً، أو يكفّر عنه بها خطيئةً"، بـ "أو"، والظاهر أن "أو" فيه بمعنى الواو، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. وزاد في رواية النسائيّ أيضًا قوله: "ولقد رأيتنا نقارب بين الخطأ"، وهو: جمع خطوة بالضم، وهو مسافة ما بين الرِّجلين، أي نقارب المسافة التي بين الرِّجلين في حالة المشي إلى المساجد تكثيرًا لها، ليكثر الأجر والثواب، قال السندي في "شرحه": وينبغي أن يكون اختيار أبعد الطرق مثله، لكن لا يخفى أن فضل الْخُطَا لأجل الحضور في المسجد، والصلاة فيه، والانتظار لها فيه، فينبغي أن يكون نفس الحضور خيرًا منه، فليتأمل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). (وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) معاشر الصحابة ﵃، أو جماعة المسلمين، وقال في "اللمعات": الرؤية ها هنا بمعنى العلم، ولذا اتّحد ضمير الفاعل والمفعول، وإن كانا مختلفين بالإفراد والجمع، وقوله: (وَمَا يَتَخَلَّفُ) سادّ مسدّ المفعول الثاني، والضمير الراجع إلى المفعول الأول محذوف. انتهى (٣).

стр. 7871

وقال الطيبيّ ﵀: قد تقرّر أن اتّحاد الفاعل والمفعول إنما يسوغ في أفعال القلوب، وأنها من الدواخل على المبتدأ والخبر، والمفعول الثاني الذي هو بمنزلة الخبر هنا محذوف، وسدّ قوله: "وما يتخلّف عنها" وهو حالٌ مسدّه. وفي الرواية الماضية من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص: "قال عبد اللَّه: لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الصلاة إلا منافقٌ، قد عُلِم نفاقه، أو مريضٌ، إن كان المريض ليمشي بين رجلين، حتى يأتي الصلاة". قال الطيبيّ ﵀: وقوله: "إن كان" استئناف، والتنكير في "مَرِيضٌ" للتفخيم، أي ما يتخلّف إلا منافقٌ، أو مريضٌ بَيِّنُ المرض عاجز، فتوجّه لسائل أن يقول: فما بال المريض الذي ليس كذلك؟ فأُجيب: "إن كان المريض. . . إلخ". وفيه من التشديد والتأكيد ما لا يخفى، من الإتيان بـ "إن" المخفّفة، واللام المؤكّدة الفارقة، والإبهام بإضمار ضمير الشأن، وخصوصيّة التهادي المنبئ عن كمال اعتنائه بشأن الجماعة، كلُّ ذلك تشديد وتأكيدٌ لترك التخلّف عن الجماعة. انتهى (١). (عَنْهَا) أي عن صلاة الجماعة في المسجد (إِلَّا مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ) ولأبي داود: "بَيِّنُ النفاق" أي ظاهر نفاقه (وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ) المراد به الرجل المريض (يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى) بالبناء للمفعول (بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) وفي نسخة: "بين رجلين" بالتنكير، والمعنى: أنه يمشي بينهما، يمسكانه من جانبيه بعضديه، يَعْتَمِد عليهما، من ضعفه وتمايله؛ لشدة المرض، وهو من تهادت المرأة: إذا تمايلت (حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ) أي حتى يقيمه الرجلان في الصفّ، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتَحَمُّل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريضَ ونحوَهُ التوصل إليها ينبغي أن يحضرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 7872

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١٤٨٨ و ١٤٨٩] (٦٥٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٠)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٤٩) وفي "الكبرى" (٩٢٢)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٧٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٣١٣)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (١٩٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٤ و ٤١٩ و ٤٥٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٨٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٠٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٦٢ و ١٢٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٦١ و ١٤٦٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٨٥٩٦ و ٨٥٩٧ و ٨٥٩٨ و ٨٥٩٩ و ٨٦٠٠ و ٨٦٠١ و ٨٦٠٢ و ٨٦٠٣ و ٨٦٠٤ و ٨٦٠٥ و ٨٦٠٦ و ٨٦٠٧ و ٨٦٠٨ و ٨٦٠٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٨ و ٥٩)، واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على الصلوات الخمس حيث ينادى بهنّ. ٢ - (ومنها): أنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عن صلاة الجماعة في المساجد إلا لعذر؛ لأنها من سنن الهدى التي جاء بها رسول اللَّه ﷺ ، وقام بها حقّ القيام، وحثّ عليها أمته. ٣ - (ومنها): أن من ترك الصلاة في الجماعة بدون عذر ضَلّ سعيه وخاب، وخَسِر. ٤ - (ومنها): فضل إكمال الوضوء، والمشي إلى المساجد، وأن كل خطوة يخطوها إليها تستوجب حسنةً، وترفع درجةً، وتكفر خطيئةً. ٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃، من حرصهم على استكثار الخيرات، بحيث يقاربون بين الخطأ في المشي إلى المساجد، كما دلّت عليه الزيادة في رواية النسائيّ: "ولقد رأيتنا نقارب بين الخطأ". ٦ - (ومنها): بيان شدّة حرصهم على ملازمة صلاة الجماعة حتى في حالة شدّة المرض، فيخرجون إليها معتمدين على أيدي الرجال. ٧ - (ومنها): أن التخلُّف عن صلاة الجماعة من علامات النفاق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 7873

(٤٦) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٠] (٦٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ) بن جابر البجليّ الكوفيّ، صدوقٌ، ليّن الحفظ [٥] تقدم في "الحيض" ١٢/ ٧٥٦. ٤ - (أَبُو الشَّعْثَاءِ) سُليم بن الأسود بن حنظلة المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٩/ ٦٢٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وإبراهيم بن مهاجر، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ ﵁، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.

стр. 7874

[تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف: لإبراهيم بن مهاجر، مع أن الأكثرين على تضعيفه؟. [قلت]: إنما أخرج له لأنه لم ينفرد به، فقد رواه أشعث، عن أبيه، وهو ثقةٌ بلا خلاف، فتكون رواية إبراهيم من باب المتابعة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: صنيع المصنّف ﵀ هذا مما يبطل زعم بعضهم أن مسلمًا يقدّم دائمًا في أول الباب أحاديث الثقات، وقد تقدّم نظائر هذا، فتنبّه لهذا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) سُلَيم بن الأسود بن حنظلة المحاربيّ، أنه قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَع أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (١). (فَقَامَ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه" أيضًا: لا أعرفه، وفي رواية أبي داود: "فخرج رجل حين أذن المؤذن بالعصر" (مِنَ الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه المسجد النبويّ، واللَّه تعالى أعلم (يَمْشِي) وفي رواية "أشعث"، عن أبيه التالية: "سمعت أبا هريرة، ورأى رجلًا يجتاز المسجد خارجًا بعد الأذان"، وفي رواية النسائيّ: "رأيت أبا هريرة، ومرّ رجل في المسجد بعد النداء، حتى قطعه" (فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ) أي جعله تابعًا له، يقال: أتبعتُ زيدًا عمرًا بالألف: إذا جعلته تابعًا له (٢). (حَتَّى خَرَجَ) الرجل (مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ) هذا الكلام مقابل لمحذوف؛ لأن "أما" هذه كما قال الطيبيّ للتفصيل، فتقتضي شيئين أو أكثر، فيكون التقدير: أما مَن ثبت في المسجد حتى صلى، فقد أطاع أبا القاسم ﷺ ، وأما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تأتي "أما" لغير تفصيل أصلًا، فلا تحتاج

стр. 7875

إلى تقدير، كما بيّنه ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في "مغنيه" (١) وعلى هذا فلا حاجة هنا لتقدير شيء، فتنبّه. والظاهر أن أبا هريرة ﵁ عَلِم أن الرجل خرج بدون ضرورة مبيحة للخروج، كحاجة الوضوء مثلا، فلذا جزم بعصيانه. قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: أُمِر في هذا الخبر شيئان: أحدهما: وقد أذّن المؤذّن، وهو متوضئ، والثاني: وهو غير مؤدّ لفرضه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد ابن حبّان ﵀ بهذا الكلام أن قول أبي هريرة ﵁ للرجل: "أما هذا فقد عصى. . . إلخ" مقيّد بقيدين: أحدهما أن ذلك الرجل كان متوضّئًا، ولعل أبا هريرة ﵁ كان يعرف منه ذلك، والثاني أنه لم يصلّ الصلاة التي أُذّن من أجلها، فلا يتناول التهديد هذا من كان غير متوضئ، وخرج للوضوء، وكذلك لا يتناول من خرج من المسجد الذي أُذّن فيه من أدّى الفرض، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قول أبي هريرة ﵁ هذا محمول على أنه حديث مرفوعٌ إلى رسول اللَّه ﷺ بدليل ظاهر نسبته إليه في معرِض الاحتجاج به، وما كان يليق بواحد منهم للذي عُلِم من دينهم، وأمانتهم، وضبطهم، وبُعدهم عن التدليس، ومواقع الإيهام، وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، فأطلق لفظ المعصية، فإذا ثبت هذا استثمر منه أن من دخل المسجد لصلاة فرض، فأذَّن مؤذّن ذلك الوقت حَرُم عليه أن يَخرُج منه لغير ضرورة حتى يصلّي فيه تلك الصلاة؛ لأن ذلك المسجد تعيَّنَ لتلك الصلاة، أو لأنه إذا خرج قد يمنعه مانعٌ من الرجوع إليه أو إلى غيره، فتفوته الصلاة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ ﵀ استنباطًا من أن أبا هريرة ﵁ سمعه من النبيّ ﷺ ، سيأتي في المسألة الثالثة نصًّا أنه سمعه

стр. 7876

منه ﷺ ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. شرح الحديث: مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١٤٩٠ و ١٤٩١] (٦٥٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٣٦)، و (الترمذيّ) فيها (٢٠٤)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٨٣ و ٦٨٤)، و"الكبرى" (١٦٤٧ و ١٦٤٨)، و (ابن ماجه) فيها (٧٣٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٥٨٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١٠ و ٤١٦ و ٤٧١ و ٥٠٦ و ٥٣٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٦٤ و ١٢٦٥ و ١٢٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٦٣ و ١٤٦٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن الخروج من مسجد قد أُذِّن فيه قبل أداء الصلاة. ٢ - (ومنها): أن هذا التحريم مقيّد بمن لا عذر له؛ لقوله: "إلا لعذر، أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع"، وهو من مرسل ابن المسيّب، وهي صحيحة، كما يأتي قريبًا. ٣ - (ومنها): أن ظاهر الحديث يدل على تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان؛ لأنه -وإن كان موقوفًا- لكنه في حكم المرفوع؛ إذ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي. بل قد جاء ما يدلُّ على رفعه صريحًا، فقد أخرج الحديث أحمد من طريق المسعوديّ وشريك، كلاهما عن أشعث، عن أبي الشعثاء بنحوه، وزاد في حديث شريك: ثم قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ : "إذا كنتم في المسجد،

стр. 7877

فنودي بالصلاة، فلا يخرج أحدكم حتى يصلي"، وكذا ورد التصريح عند الطبرانيّ في "الأوسط" من رواية سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يسمع النداء في مسجدي هذا، ثم يخرج منه لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق"، قال الهيثميّ ﵀: رجاله رجال الصحيح، وقال المنذريّ: رواته محتجٌّ بهم في الصحيح. وقوله: "مسجدي هذا" ليس للاحتراز عن غيره، كما يدلّ عليه ما أخرجه ابن ماجه بسنده إلى عثمان ﵁، أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق". وفي سنده عبد الجبار بن عمر الأيلي الأمويّ ضعيف، وإسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة متروك، لكن يشهد له ما تقدّم من حديث الطبراني، ويشهد له أيضًا ما رَوَى أبو داود في "مراسيله"، والبيهقيّ في "الكبرى" (١) عن سعيد بن المسيّب: أن النبيّ ﷺ قال: "لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء، إلا منافق، إلا لعذر، أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع". ومراسيل سعيد بن المسيب قال أحمد: صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته، وقال الشافعيّ: إرسال ابن المسيّب عندنا حسن. أفاده في "المرعاة" (٢). وقد صحح الشيخ الألبانيّ ﵀ حديث عثمان ﵁ (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن قول أبي هريرة ﵁: "فقد عصى أبا القاسم ﷺ " قد ثبت كونه مرفوعًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في الخروج من المسجد بعد الأذان:

стр. 7878

قال الإمام الترمذيّ ﵀ بعد ذكر الحديث ما نصُّهُ: وعلى هذا العمل عند أهل العلم، من الصحابة، ومن بعدهم أن لا يخرج أحدٌ من المسجد إلا من عذر، أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بدّ منه، ويُرْوَى عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه. انتهى. وعن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: يقال: لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه، إلا منافق. قال الحافظ أبو عمر ﵀ في "التمهيد": وهذا لا يقال مثله من جهة الرأي، ولا يمكن إلا توقيفًا، وقد رُوي معناه مسندًا عن النبيّ ﷺ ، فلذلك أدخلناه. ثم أخرج بأسانيده حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، ثم قال: قال أبو عمر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يُصَلِّ، وكان على طهارة، وكذلك إذا كان قد صلى وحده، إلا لما لا يعاد من الصلوات، فإذا كان ما ذكرنا فلا يحلّ له الخروج من المسجد بإجماع إلا أن يخرج للوضوء، وينوي الرجوع. واختلفوا فيمن صلى في جماعة، ثم أذن المؤذن وهو في المسجد لتلك الصلاة. وقد كره جماعة من العلماء خروج الرجل من المسجد بعد الأذان، إلا للوضوء لتلك الصلاة بنيّة الرجوع إليها، وسواء صلى وحده، أو في جماعة، أو جماعات، وكذلك كرهوا قعوده في المسجد، والناس يصلون؛ لئلا يتشبه بمن ليس على دين الإسلام، وسواء صلى أو لم يصلّ. والذي عليه مذهب مالك: أنه لا بأس بخروجه من المسجد إذا كان قد صلى تلك الصلاة في جماعة، وعلى ذلك أكثر القائلين بقوله، إلا أنهم يكرهون قعوده مع المصلين بلا صلاة، ويستحبون له الخروج والبعد عنهم. قال مالك: دخل أعرابيّ المسجد، وأذن المؤذن، فقام يَحُلّ عِقَال ناقته ليخرج، فنهاه سعيد بن المسيِّب، فلم ينته، فما سارت به غير يسير حتى وقعت به، فأصيب في جسده، فقال سعيد: قد بلغنا أنه من خرج بين الأذان والإقامة

стр. 7879

لغير وضوء، فإنه يصاب. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أنه يحرم الخروج بعد الأذان حتى يصلي تلك الصلاة؛ للأدلة الصحيحة المذكورة، وأما أصحاب الأعذار، وكذا من أراد الرجوع فلا يحرم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]؛ ولما تقدّم من الأحاديث التي فيها استثناء أصحاب الأعذار، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (٢)، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَرَأَى رَجُلًا يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ، خَارِجًا بَعْدَ الْأَذَانِ، فَقَالَ: أمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف "المسند"، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (عُمَرَ بْنِ سَعِيد) بن مسروق الثوريّ، أخو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. ورَوَى عن أبيه، والأعمش، وعَمّار الدُّهْنيّ، وأشعث بن أبي الشعثاء، وزياد بن فَيّاض، وغيرهم. وَروَى عنه أخوه مبارك بن سعيد، وابنه حفص بن عمر، وابن عيينة، وعمرو بن أبي قيس، وإبراهيم بن طهمان، وأبو بكر بن عياش.

стр. 7880

قال النسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ووَثَّقه الدارقطنيّ. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٦٥٥)، وحديث (١٠٦٠): "أعطى رسول اللَّه ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أميّة. . ."، و (١٩٦٨): "أعجل، أو أَرْني، ما أنهر الدم. . ." الحديث. ٤ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (وَرَأَى رَجُلًا) جملة حاليّة من المفعول، بتقدير "قد" عند البصريين. وقوله: (يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ) أىِ يمرّ به، والجملة في محلّ نصب صفة لـ "رجلًا". وقوله: (خَارِجًا بَعْدَ الْأَذَانِ) منصوب على الحال من فاعل "يجتاز"، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٧) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٢] (٦٥٦) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (١)، فَقَعَدَ وَحْدَهُ، فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
следующие страницы →