← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

منه ﷺ ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. شرح الحديث: مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١٤٩٠ و ١٤٩١] (٦٥٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٣٦)، و (الترمذيّ) فيها (٢٠٤)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٨٣ و ٦٨٤)، و"الكبرى" (١٦٤٧ و ١٦٤٨)، و (ابن ماجه) فيها (٧٣٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٥٨٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١٠ و ٤١٦ و ٤٧١ و ٥٠٦ و ٥٣٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٦٤ و ١٢٦٥ و ١٢٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٦٣ و ١٤٦٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن الخروج من مسجد قد أُذِّن فيه قبل أداء الصلاة. ٢ - (ومنها): أن هذا التحريم مقيّد بمن لا عذر له؛ لقوله: "إلا لعذر، أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع"، وهو من مرسل ابن المسيّب، وهي صحيحة، كما يأتي قريبًا. ٣ - (ومنها): أن ظاهر الحديث يدل على تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان؛ لأنه -وإن كان موقوفًا- لكنه في حكم المرفوع؛ إذ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي. بل قد جاء ما يدلُّ على رفعه صريحًا، فقد أخرج الحديث أحمد من طريق المسعوديّ وشريك، كلاهما عن أشعث، عن أبي الشعثاء بنحوه، وزاد في حديث شريك: ثم قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ : "إذا كنتم في المسجد،

стр. 7877

فنودي بالصلاة، فلا يخرج أحدكم حتى يصلي"، وكذا ورد التصريح عند الطبرانيّ في "الأوسط" من رواية سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يسمع النداء في مسجدي هذا، ثم يخرج منه لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق"، قال الهيثميّ ﵀: رجاله رجال الصحيح، وقال المنذريّ: رواته محتجٌّ بهم في الصحيح. وقوله: "مسجدي هذا" ليس للاحتراز عن غيره، كما يدلّ عليه ما أخرجه ابن ماجه بسنده إلى عثمان ﵁، أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق". وفي سنده عبد الجبار بن عمر الأيلي الأمويّ ضعيف، وإسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة متروك، لكن يشهد له ما تقدّم من حديث الطبراني، ويشهد له أيضًا ما رَوَى أبو داود في "مراسيله"، والبيهقيّ في "الكبرى" (١) عن سعيد بن المسيّب: أن النبيّ ﷺ قال: "لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء، إلا منافق، إلا لعذر، أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع". ومراسيل سعيد بن المسيب قال أحمد: صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته، وقال الشافعيّ: إرسال ابن المسيّب عندنا حسن. أفاده في "المرعاة" (٢). وقد صحح الشيخ الألبانيّ ﵀ حديث عثمان ﵁ (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن قول أبي هريرة ﵁: "فقد عصى أبا القاسم ﷺ " قد ثبت كونه مرفوعًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في الخروج من المسجد بعد الأذان:

стр. 7878

قال الإمام الترمذيّ ﵀ بعد ذكر الحديث ما نصُّهُ: وعلى هذا العمل عند أهل العلم، من الصحابة، ومن بعدهم أن لا يخرج أحدٌ من المسجد إلا من عذر، أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بدّ منه، ويُرْوَى عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه. انتهى. وعن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: يقال: لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه، إلا منافق. قال الحافظ أبو عمر ﵀ في "التمهيد": وهذا لا يقال مثله من جهة الرأي، ولا يمكن إلا توقيفًا، وقد رُوي معناه مسندًا عن النبيّ ﷺ ، فلذلك أدخلناه. ثم أخرج بأسانيده حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، ثم قال: قال أبو عمر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يُصَلِّ، وكان على طهارة، وكذلك إذا كان قد صلى وحده، إلا لما لا يعاد من الصلوات، فإذا كان ما ذكرنا فلا يحلّ له الخروج من المسجد بإجماع إلا أن يخرج للوضوء، وينوي الرجوع. واختلفوا فيمن صلى في جماعة، ثم أذن المؤذن وهو في المسجد لتلك الصلاة. وقد كره جماعة من العلماء خروج الرجل من المسجد بعد الأذان، إلا للوضوء لتلك الصلاة بنيّة الرجوع إليها، وسواء صلى وحده، أو في جماعة، أو جماعات، وكذلك كرهوا قعوده في المسجد، والناس يصلون؛ لئلا يتشبه بمن ليس على دين الإسلام، وسواء صلى أو لم يصلّ. والذي عليه مذهب مالك: أنه لا بأس بخروجه من المسجد إذا كان قد صلى تلك الصلاة في جماعة، وعلى ذلك أكثر القائلين بقوله، إلا أنهم يكرهون قعوده مع المصلين بلا صلاة، ويستحبون له الخروج والبعد عنهم. قال مالك: دخل أعرابيّ المسجد، وأذن المؤذن، فقام يَحُلّ عِقَال ناقته ليخرج، فنهاه سعيد بن المسيِّب، فلم ينته، فما سارت به غير يسير حتى وقعت به، فأصيب في جسده، فقال سعيد: قد بلغنا أنه من خرج بين الأذان والإقامة

стр. 7879

لغير وضوء، فإنه يصاب. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أنه يحرم الخروج بعد الأذان حتى يصلي تلك الصلاة؛ للأدلة الصحيحة المذكورة، وأما أصحاب الأعذار، وكذا من أراد الرجوع فلا يحرم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]؛ ولما تقدّم من الأحاديث التي فيها استثناء أصحاب الأعذار، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (٢)، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَرَأَى رَجُلًا يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ، خَارِجًا بَعْدَ الْأَذَانِ، فَقَالَ: أمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف "المسند"، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (عُمَرَ بْنِ سَعِيد) بن مسروق الثوريّ، أخو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. ورَوَى عن أبيه، والأعمش، وعَمّار الدُّهْنيّ، وأشعث بن أبي الشعثاء، وزياد بن فَيّاض، وغيرهم. وَروَى عنه أخوه مبارك بن سعيد، وابنه حفص بن عمر، وابن عيينة، وعمرو بن أبي قيس، وإبراهيم بن طهمان، وأبو بكر بن عياش.

стр. 7880

قال النسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ووَثَّقه الدارقطنيّ. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٦٥٥)، وحديث (١٠٦٠): "أعطى رسول اللَّه ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أميّة. . ."، و (١٩٦٨): "أعجل، أو أَرْني، ما أنهر الدم. . ." الحديث. ٤ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (وَرَأَى رَجُلًا) جملة حاليّة من المفعول، بتقدير "قد" عند البصريين. وقوله: (يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ) أىِ يمرّ به، والجملة في محلّ نصب صفة لـ "رجلًا". وقوله: (خَارِجًا بَعْدَ الْأَذَانِ) منصوب على الحال من فاعل "يجتاز"، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٧) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٢] (٦٥٦) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (١)، فَقَعَدَ وَحْدَهُ، فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 7881

يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٤ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عَبّاد بن حُنيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات قبل (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) الأنصاريّ النجاريّ، واسم أبي عمرة عمرو بن مِحْصَن، وقيل: ثعلبة بن عمرو بن مِحْصَن، وقيل: أُسَيد بن مالك، وقيل: يُسَير بن عمرو بن مِحْصن بن عَتِيك بن عمرو بن مبذول بن مالك بن النجّار، ثقةٌ، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وعبادة بن الصامت، وزيد بن خالد، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي هزيرة، وجدّته كبشة بنت ثابت أخت حسان. ورَوَى عنه ابنه عبد اللَّه، وخارجة بن زيد بن ثابت، وخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد، وشريك بن أبي نَمِر، وعبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، ومحمد بن يحيى بن حبان، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وهلال بن أبي ميمونة، ومجاهد بن جبر، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي "صحيح مسلم" (١) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة أن عبد الرحمن هذا كان قاصًّا بالمدينة، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": ليست له صحبة. انتهى.

стр. 7882

قال الحافظ ﵀: وهو يُفْهِم أنه روى عن النبيّ ﷺ شيئًا، وقد ذكره مُطَيَّن في "الصحابة"، وأورد له حديثًا، وأورد له ابن السكن آخر، وذكره ابن سعد فيمن وُلد على عهد النبيّ ﷺ . انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٥٦) و (١٠٣٩) و (١٧١٩) و (٢٧٥٨) و (٢٩٦٤). ٦ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، ذو النورين، استُشهد ﵁ في ذي الحجة سنة (٣٥) وعمره (٨٠)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من عثمان بن حكيم، وشيخه مروزيّ، والباقيان بصريّان. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ذو مناقب جمّة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة ﵁. شرح الحديث: عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، أنه (قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) ﵁ (الْمَسْجِدَ) أي النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد (بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) وفي نسخة: "بعدما صلّى المغرب" (فَقَعَدَ وَحْدَهُ) وفي رواية مالك في "الموطّأ" من طريق محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، أنه قال: جاء عثمان بن عفان إلى صلاة العشاء، فرأى أهل المسجد قليلًا، فاضطجع في مؤخَّر المسجد، ينتظر الناس أن يكثروا، فأتاه ابن أبي عمرة، فجلس إليه، فسأله من هو؟ فأخبره، فقال له: ما معك من القرآن؟ فأخبره، فقال عثمان:

стр. 7883

"من شَهِد العشاء، فكأنما قام نصف ليلة، ومن شَهِد الصبح، فكأنما قام ليلة". انتهى (١). ولا تعارض بين هذا الموقوف، وبين المرفوع في رواية المصنّف؛ لأن عند من رفع زيادةَ علم، وزيادة الثقة الحافظ مقبولة، على أن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ) أي إلى عثمان ﵁ (فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي) أراد به أخوّة الإسلام، لا أخوّة النسب؛ لأنه قرشيّ، وعبد الرحمن أنصاريّ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ) أي مع صلاته العشاء في جماعة أيضًا، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى- (فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ") قال القرطبيّ ﵀: معناه أنه قام نصفَ ليلة، أو ليلةً لم يُصَلِّ فيها العشاء والصبح في جماعة؛ إذ لو صلى ذلك في جماعة، لَحَصَل له فضلها، وفضل القيام. وقال البيضاويّ ﵀: نَزَّل صلاة كلٍّ من طرفي الليل منزلة نوافل نصفه، ولا يلزم منه أن يبلغ ثوابه من قام الليل كله؛ لأن هذا تشبيه مطلق مقدار الثواب، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه، ولو كان قدر الثواب سواءً، لم يكن لمصلي العشاء والصبح جماعةً منفعةٌ في قيام الليل غير التَّعَبِ. انتهى (٢). وقال الحافظ المنذريّ ﵀ في "الترغيب والترهيب": قال ابن خزيمة في "صحيحه": "باب فضل صلاة العشاء والفجر، وبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضِعْفَا فضل العشاء في الجماعة"، ثم ذكر حديث عثمان ﵁ هذا بنحو لفظ مسلم، قال المنذريّ: ولفظ أبي داود، والترمذيّ أي بلفظ: "ومن صلى العشاء والفجر في جماعة، كان له كقيام ليلة"، يدفع ما ذهب إليه. انتهى.

стр. 7884

قال المباركفوريّ ﵀: الأمر كما قال المنذريّ ﵀. انتهى، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ١٤٩٢ و ١٤٩٣] (٦٥٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٥)، و (الترمذيّ) فيها (٢٢١)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٣٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٠٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٨ و ٦٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٧٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٥٨ و ٢٠٥٩ و ٢٠٦٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٥٤ و ١٢٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٦٥ و ١٤٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦٤ و ٣/ ٦٠ - ٦١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة. ٢ - (ومنها): بيان عظيم فضل اللَّه تعالى، وواسع رحمته على هذه الأمة، حيث جعل صلاة العشاء والفجر في جماعة تقوم مقام قيام ليلة كاملة، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. ٣ - (ومنها): أنه قد وفّق العلماء بين رواية مسلم هذه التي تقتضي بظاهرها أن من صلى العشاء والفجر في جماعة كان له قيام ليلة ونصف، وبين رواية أبي داود، والترمذيّ التي تدُلّ على أن له قيام ليلة، فقالوا: إن المراد بقوله: "ومن صلى الصبح في جماعة" في رواية مسلم، أي منضمًّا لصلاة العشاء جماعةً، قاله المناويّ، وقال القاري في "المرقاة" في شرح قوله: "فكأنما صلى الليل كله" أي بانضمام ذلك النصف، فكأنه أحيى نصف الليل

стр. 7885

الأخير. انتهى، وهذا هو المتعين؛ جمعًا بين الروايتين (١). وقال في "عون المعبود": جعل بعضهم حديث مسلم على ظاهره، وأن جماعة العَتَمة توازي في فضيلتها قيام نصف ليلة، وصلاة الصبح في جماعة توازي في فضيلتها قيام ليلة، واللفظ الذي خرّجه أبو داود يفسِّره، ويُبَيِّن أن المراد بقوله: "ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله"، يعني ومن صلى الصبح والعشاء. وطُرُق هذا الحديث مصرِّحة بأنّ كل واحد منهما يقوم مقام نصف ليلة، وأن اجتماعهما يقوم مقام ليلة. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجمع الذي ذُكر من أن المراد برواية المصنّف: "ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كلّه" أي مع صلاته العشاء جماعة، فالمجموع يكون كقيام ليلة، ومما يبيّن هذا التأويل، ما أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" بإسناد صحيح، بلفظ: "من صلّى العشاء والغداة في جماعة، فكأنما قام الليل"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ، عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عُمَر بن درهم، أبو أحمد الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في

стр. 7886

حديث الثوريّ (١) [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. و"أبو سهل" هو: عثمان بن حكيم المذكور في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عثمان بن حكيم الماضي، وهو: عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان ﵁. وقوله: (مِثْلَهُ) يعني أن سفيان الثوريّ حدّث عن عثمان بن حكيم، مثل حديث عبد الواحد بن زياد، عنه. [تنبيه]: رواية سفيان هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٥٢) فقال: (١٤٦٦) أخبرنا سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن الثوريّ (ح) وحدّثنا أبو عليّ الصوّاف، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، وعبد الرزاق، قالا: سفيان (٢)، عن عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان، قال: قال النبيّ ﷺ : "من صلى صلاة العشاء والصبح في جماعة، فهو كقيام ليلة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٤] (٦٥٧) - (وَحَدَّثَنِي (٣) نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ،

стр. 7887

يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ (١)، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَيُدْرِكَهُ، فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِي الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّل) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٣ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان الحذّاءُ، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤. ٤ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو عبد اللَّه البصريّ، أخو محمد بن سيرين، وُلِد لسنة، أو لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ودخل على زيد بن ثابت، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن مولاه، وابن عباس، وابن عمر، وجُندَب البجليّ، وأبي زيد بن أخطب، وشُرَيح القاضي، وأبي مِجْلَز، وجماعة. ورَوَى عنه شعبة، والحمادان، وابن عون، وخالد الحذّاء، وهشام بن حسان، وهمام بن يحيى، ويونس بن عبيد، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال محمد بن عيسى بن السكن الواسطيّ، عن ابن معين: أولَادُ سيرين ستة (٢): أثبتهم محمد، وأنس دونه، ولا بأس به، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. قال خليفة: مات سنة (١١٨)، وقال أحمد: مات سنة (١٢٠)، وقال ابن سعد: تُوُفّي بعد أخيه محمد، وكان ثقةً، قليلَ الحديث.

стр. 7888

وحكى أبو الوليد الباجيّ في "كتاب رجال البخاريّ" عن عليّ ابن المدينيّ أنه سئل عن حديثٍ رواه شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: "رأيت القاسم يتطوع في السفر"، فقال: ليس هذا بشيء، لم يرو أنس، عن القاسم شيئًا. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، برقم (٦٥٧) وأعاده بعده، و (٦٧٧) و (٧٠٢) و (٧٤٩) و (١٤٣٨) و (١٤٧١) وأعاده بعده. ٥ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن سفيان البجَليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد اللَّه الصحابيّ ﵁، مات بعد الستّين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وجُندب ﵁ كان بالكوفة، ثم خرج إلى البصرة، ثم خرج منها، قاله البخاريّ ﵀ (١). ٥ - (ومنها): رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالد الحذّاء، عن أنس بن سيرين. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) ﵁، وفي الرواية الثالثة: "عن جندب بن سفيان"، وهو جندب بن عبد اللَّه بن سفيان، نسب هنا لأبيه، وهناك لجدّه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ) شرطيّة، جوابها جملة: "فهو. . . إلخ" (صَلَّى الصُّبْحَ) قيل: معناه صلّاها في جماعة، والظاهر العموم، واللَّه تعالى أعلم. (فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ) أي في عهده، أو ضمانه، أو أمانه في الدنيا والآخرة،

стр. 7889

وهذا غير الأمان الذي ثبت له بكلمة التوحيد (فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ) أي لا يؤاخذكم، وهو من باب: "لا أرينّك ههنا"، والمراد نهيهم عن أذيّته، والتعرّض لما يوجب مطالبة اللَّه إياهم (١). (مِنْ ذِمَّتِهِ) "من" بمعنى "لأجل"، والضمير في "ذمّته" إما للَّه تعالى، وإما لـ "مَنْ" وفيه مضاف محذوف، أي لأجل ترك ذمّته، أو "من" بيانيّة، والجارّ والمجرور حالٌ عن "شيء"؛ لأنه في الأصل نعت له، فلما قُدّم عليه أعرب حالًا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم عليها يُعرب حالًا، كما في قول الشاعر: لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ (بِشَيْءٍ) أي يسير، وفي "المصابيح": "بشيء من ذمّته": قيل: أي بنقض عهده، والتعرّض لمن له ذمّة بالأذى، أو المراد بالذّمّة الصلاة الموجبة للأمان، أي لا تتركوا صلاة الصبح، فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربّكم، فيطلبكم به (٢). وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "لا يطلبنّكم اللَّه" من باب: "لا أرينّك ها هنا" وقع النهي على مطالبة اللَّه تعالى إياهم عن نقض العهد، والمراد نهيهم عن التعرّض لما يوجب مطالبة اللَّه إياهم، وفيه مبالغات؛ لأن الأصل: لا تُخْفِروا ذمّته، فجيء بالنهي كما ترى، وصرّح بضمير اللَّه، ووضع المنهيّ الذي هو مسبَّبٌ موضعَ التعرّض الذي هو سبب فيه، ثم أعاد المطلب، وكرّر الذمّة، ورتَّبَ عليه الوعيد. والمعنى: من صلّى صلاة الصبح، فهو في ذمّة اللَّه تعالى، فلا تتعرّضوا له بشيء يسير، فإنكم إن تعرّضتم له يُدرككم اللَّه تعالى، ولن تفوتوه، فيُحيط بكم من جوانبكم، كما يُحيط المحيط بالمحاط، ويكبّكم في النار. قال: والضمير في "ذمّته" يجوز أن يعود إلى اللَّه تعالى، وإلى "مَنْ". وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المراد بالذمّة الصلاة المقتضية للأمان، فيكون المعنى: لا تتركوا صلاة الصبح، فينتقض العهد الذي بينكم، وبين ربّكم، فيطلُبكم به.

стр. 7890

وإنما خصّ صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيها من الْكُلْفَة والمشقّة، وأداؤها مظنّة خلوص الرجل، ومَئِنّة إيمانه، ومن كان مؤمنًا خالصًا، فهو في ذمّة اللَّه تعالى وعهده. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم. (فَيُدْرِكَهُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإدراك، وهو منصوب؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ والضمير المنصوب لـ "شيء" (فَيَكُبَّهُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، أي يقلبه على وجهه، يقال: كَبَبتُ الإناء كَبًّا، من باب نصر: قَلَبتُهُ على رأسه، وكَبَبتُ زيدًا كَبًّا أيضًا: ألقيته على وجهه، فأكبّ هو بالألف، وهو من الأفعال النوادر التي يتعدّى ثلاثيّها، ويلزم رباعيّها، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، أفاده الفيّوميّ (٢). والضمير المنصوب لـ "شيء" أيضًا على حذف مضاف، أي صاحبه، وقوله: (فِي نَارِ جَهَنَّمَ") متعلّق بـ "يكبّه"، وفي الرواية التالية: "فلا يطلبنّكم اللَّه من ذمّته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمّته بشيء يُدْركه، ثم يكُبّه على وجهه في نار جهنّم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد اللَّه ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٤٧/ ١٤٩٤ و ١٤٩٥ و ١٤٩٦] (٦٥٧)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٢٢)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٤٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٣٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٦٨٣ و ١٦٨٤)،

стр. 7891

و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٧٦ و ١٢٧٧ و ١٢٧٨ و ١٢٧٩ و ١٢٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٦٧ و ١٤٦٨) وفي "الحلية" (٣/ ٩٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل صلاة الصبح. ٢ - (ومنها): بيان أن العبد إذا صلّى الصبح دخل في ذمة اللَّه ، وفي جواره، قد استجار باللَّه تعالى، واللَّه تعالى قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرّض له بضرّ، أو أذى، فمن فعل ذلك، فاللَّه يطلُب بحقّه، ومن يطلبه اللَّه تعالى لم يجد مَفَرًّا، ولا مَلْجَأً، وهذا وعيدٌ شديدٌ لمن يتعرّض للمصلّين. ٣ - (ومنها): بيان انتقام اللَّه تعالى ممن يتعرّض لعباده الصالحين، فهو بمعنى الحديث الذي أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قال: من عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يَكْرَه الموت، وأنا أكره مُساءته". انتهى. ٤ - (ومنها): بيان أن اللَّه تعالى لن يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولن يفوته أحد أراد الانتقام منه، فهو كقوله : ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ (١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا

стр. 7892

إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْقَسْرِيَّ (١) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عليّة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"خالد" هو الحذّاء. وقوله: (جُنْدَبًا الْقَسْرِيَّ) وفي نسخة: "جندب بن عبد اللَّه القسريّ"، قال النوويّ ﵀: قوله: "القَسْريّ" هو بفتح القاف، وإسكان السين المهملة، وقد توقّف بعضهم في صحة قولهم: "القسريّ"؛ لأن جندبًا ليس من بني قَسْر، وإنما هو بَجَليّ عَلَقِيّ، وعَلَقَة بطن من بَجِيلة، هكذا ذكره أهل التواريخ والأنساب والأسماء، وقَسْرٌ: هو أخو عَلَقَة. انتهى (٢). وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "جندبًا القسريّ" كذا للجلوديّ، وسقط لغيره، وهو غير معروف في نسبه، وإنما هو بجليّ عَلَقيّ، وعَلَق بطن من بَجِيلة، كذا قال البخاريّ، وقال أبو نصر الحافظ: هو علقة بن عبقر بن بَجِيلة، وقَيْر بن عبقر بن بَجِيلة، قال القاضي: ولعل لجندب حِلْفًا في بني قَسْر، أو سَكَنًا، أو جِوَارًا، فنُسب إليها لذلك، أو لعل بني عَلَقَة يُنسَبُون إلى عمهم قسر، كغير واحد من القبائل، يُنسَبون بنسبة بني عمهم؛ لكثرتهم، أو شهرتهم. انتهى (٣). وقوله: (فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ) الضمير في "فإنه" للشأن، والضمير المسكنّ في "يطلبه" للَّه، والبارز لـ "مَنْ".

стр. 7893

وقوله: (مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ) يعني من يطلبه اللَّه تعالى للمؤاخذة بما فرّط من حقّه، والقيام بعهده يُدركْهُ اللَّه تعالى؛ إذ لا يفوته هارب. وقوله: (ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي يُلقيه اللَّه تعالى على وجهه في نار جهنّم أعاذنا اللَّه تعالى منها بمنه وكرمه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ (١): "فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥. ٣ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل كثيرًا، ويُدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٦. ٥ - (جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ) هو: جندب بن عبد اللَّه بن سفيان الصحابي المذكور في السند السابق. وقوله: (بِهَذَا) أي بالحديث السابق. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلخ) وفي نسخة: "ولم يذكر فيه. . . إلخ"، وهو

стр. 7894

بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير الحسن، يعني أن الحسن لم يذكر في روايته قوله: "فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ". [تنبيه]: رواية الحسن، عن جندب ﵁ هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٥٢) فقال: (١٤٦٨) حدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن مخلد، ثنا سهل بن موسى، ثنا محمد بن بشار بندار (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبا داود بن أبي هند، عن الحسن، عن جندب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى الصبح، فهو في ذمة اللَّه، فإياك يا ابن آدم، أن يطلبك اللَّه بشيء من ذمته". انتهى، ونحوه لأبي عوانة في "مسنده" (١/ ٣٥٦). [تنبيه آخر]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف ﵀ رواية الحسن، عن جندب ﵁، وهي منقطعة، على ما روي عن ابن أبي حاتم في "المراسيل" أن الحسن لا يصحّ له سماع من جندب؟. [قلت]: إنما أخرجه المصنّف ﵀ من باب المتابعة، فقد أخرج الحديث قبل هذا متّصلًا من رواية أنس بن سيرين، عن جندب ﵁، ومن القواعد المشهورة أنه قد يُغتفر في المتابعات والشواهد ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه بهذه الدقائق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٨) - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٧] (٣٣) - (حَدَّثَنِي (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّ

стр. 7895

عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، وَإِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ، فَأُصَلِّيَ لَهُمْ، وَدِدْتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْتِي، فَتُصَلِّي في مُصَلًّى، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى (١)، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَأَفْعَلُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ "، قَالَ: فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى (٢) رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ، صَنَعْنَاهُ لَهُ (٣)، قَالَ: فَثَابَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ حَوْلَنَا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، ذَوُو عَدَدٍ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، بُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ " (٤)، قَالَ: قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتَّهِمْ، عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٢ - (ابنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ

стр. 7896

ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) وله (٧٢) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب بن عبد اللَّه بنَ الحارث بن زُهْرة بن كلاب القرشيّ الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ، من رؤوس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ) هو: محمود بن الربيع بن سُرَاقة بن عمرو الخزرجيّ، أبو نعيم، أو أبو محمد المدنيّ، صحابيّ صغير، وجلّ روايته عن الصحابة ﵃ (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٦ - (عِتْبَانُ بْنُ مَالِك) بن عمرو العَجْلانيّ الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ في خلافة معاوية ﵁، (خ م كد س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: محمود، عن عتبان ﵄. ٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، إلا في قوله: "عن ابن شهاب"، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، مكبّرًا (الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ) أي حدّث ابن شهاب (أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) الخزرجيّ السالميّ، من بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهو -بكسر

стр. 7897

العين المهملة، وبعدها تاء مثنّاة من فوقُ ساكنة، ثم باء موحدة- قال النوويّ: وهذا الذي ذكرناه من كسر العين، هو الصحيح المشهور الذي لم يَذْكُر الجمهور سواه، وقال صاحب "المطالع": وقد ضبطناه من طريق ابن سَهْل بالضم أيضًا. انتهى (١). قال الحافظ ابن رجب ﵀: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غَنْم بن سالم بن عوف، شهد بدرًا وأُحدًا -كما في هذا الحديث- ولم يذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، وكان ذهب بصره في عهد النبيّ ﷺ ، وكان يؤم قومه وهو ضرير البصر وهو شيخ كبير إلى أن توفي في زمن معاوية (٢). (وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا) -بفتح الموحّدة، وسكون الدال المهملة-: هي اسم بئر بين مكة والمدينة، كانت بها الوقعة المشهورة للنبيّ ﷺ ، والبئر نُسبت إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة (٣)، وكانت هذه الوقعة في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة (مِنَ الأَنْصَارِ) بالفتح: هم: جماعة من أهل المدينة من الصحابة ﵁، من أولاد الأوس والخزرج، قيل لهم: الأنصار؛ لنُصْرتهم رسول اللَّه ﷺ (٤). (أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية ثابت، عن أنس، عن عتبان عند مسلم (٥) أنه بعث إلى النبيّ ﷺ يطلب منه ذلك، فيَحْتَمِل أن يكون نَسَب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، ويَحْتَمِل أن يكون أتاه مرّة، وبعث إليه أخرى، إما مُتقاضِيًا، وإما مُذكِّرًا. وفي الطبرانيّ من طريق أبي أويس، عن ابن شهاب بسنده، أنه قال للنبيّ ﷺ يوم جمعة: "لو أتيتني يا رسول اللَّه، وفيه أنه أتاه يوم السبت"، وظاهره أن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقةً لا مجازًا، قاله في "الفتح" (٦).

стр. 7898

(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي) كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب، كما للمصنف من طريق يونس، وللبخاريّ من طريق إبراهيم بن سعد، ومعمر، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيْديّ، والأوزاعيّ، وله من طريق أبي أُويس: "لَمّا ساء بصري"، وللإسماعيليّ من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: "جَعَلَ بصري يَكِلُّ"، وللمصنّف من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت المتقدّمة في "الإيمان": "أصابني في بصري بعض الشيء"، وكلُّ ذلك ظاهر في أنه لم يكن بَلَغَ الْعَمَى إذ ذاك. لكن أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق مالك، عن ابن شهاب، فقال فيه: "إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول اللَّه ﷺ : إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر. . ." الحديث، وقد قيل: إن رواية مالك هذه مُعارِضة لغيره. قال الحافظ ﵀: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبيّ ﷺ ، ويبيّنه قوله في رواية يعقوب: "فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤمُّ قومه". وأما قوله: "وأنا رجل ضرير البصر" أي أصابني فيه ضرٌّ، كقوله: "أنكرت بصري". ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه، من طريق إبراهيم بن سعد أيضًا: "لَمَّا أنكرت من بصري"، وقوله في رواية مسلم الماضية: "أصابني في بصري بعض الشيء"، فإنه ظاهرٌ في أنه لم يَكْمُل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت الماضية في "كتاب الإيمان"، بلفظ: "إنه عَمِيَ، فأرسل. . .". وقد جمع ابنُ خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: "أنكرت بصري" هذا اللفظ يُطْلَق على مَن في بصره سوء، وإن كان يبصر بَصَرًا ما، وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئًا. انتهى. والأولى أن يقال: أَطلَق عليه عَمِيَ؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات

стр. 7899

بعض ما كان يَعْهَده في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم (١). (وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي) أي لأجلهم، والمراد أنه كان يؤمُّهم، وصَرَّح بذلك أبو داود الطيالسيّ، عن إبراهيم بن سعد. (وَإِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ) "كان" هنا تامّةٌ، أي نزلت، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، وخبرها محذوف، أي نازلةً (سَالَ الْوَادِي) أي سال الماء في الوادي، فهو من إطلاق المحلّ على الحالّ، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيديّ: "وإن الأمطار حين تكون يمنعني سيل الوادي". وقوله: (الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ) وفي رواية الإسماعيليّ: "يَسيل الوادي الذي بين مسكني وبين مسجد قومي، فيحول بيني وبين الصلاة معهم". (وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ، فَأُصَلِّيَ لَهُمْ) بالنصب عطفًا على "آتي" (وَدِدْتُ) -بكسر الدال الأولى-: أي تَمَنَّيتُ، وحَكَى القزّاز جواز فتح الدال في الماضي، والواو في المصدر، والمشهور في المصدر الضمّ، وحكى فيه أيضًا الفتح، فهو مثلَّثٌ، قاله في "الفتح". وفي "المصباح": وَدِدتُهُ أَوَدّه، من باب تَعِبَ وُدًّا، بفتح الواو وضمّها: أحببتُهُ، والاسم المودّة، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضًا وُدًّا، ووَدَادَةً بالفتح: تمنّيتُهُ، وفي لغة وَدَدْتُ أَوَدُّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين، وقال الزّجّاجْ لم يقل الكسائيّ إلا ما سَمِعَ، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (٢). (أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْتِي) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع المفعول به لـ "وَدِدتُ"، والتقدير: وودِدتُ إتياك، قال في "الخلاصة": وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (فَتُصَلِّي) بسكون الياء؛ لأنه مرفوع عطفٌ على "تأتي"، ويجوز النصب؛ لوقوع الفاء التي بعد التمني المستفاد من الودادة، قاله في "العمدة" (٣). (فِي

стр. 7900

مُصَلًّى) أي في مكان صلاة، وفي بعض النسخ: "في مصلّى في بيتي" (فَأَتَّخِذَهُ) بالرفع، ويجوز النصب، كما في "فتصلّي" (مُصَلًّى) أي مكان صلاة (قَالَ) عتبان ﵁ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَأَفْعَلُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ") علّقه بمشيئة اللَّه تعالى؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] قال الكرمانيّ: وليس لمجرّد التبرّك؛ إذ محلّ استعماله إنما هو فيما كان مجزومًا به. انتهى (١). قال في: "الفتح": ويجوز أن يكون للتبرك؛ لاحتمال اطلاعه ﷺ بالوحي على الجزم بأن ذلك سيقع. انتهى (٢). (قَالَ عِتْبَانُ) ﵁، قال في "الفتح": ظاهر هذا السياق أن الحديث من أوله إلى هنا من رواية محمود بن الربيع، بغير واسطة، ومن هنا إلى آخره من روايته عن عتبان، صاحب القصة، وقد يقال: القدر الأول مرسلٌ؛ لأن محمودًا يَصْغُر عن حضور ذلك، لكن وقع التصريح في أوله بالتحديث بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعيّ، عن ابن شهاب، في رواية مسلم الآتية آخر البيت، وكذا وقع تصريحه بالسماع عند البخاريّ من طريق معمر، ومن طريق إبراهيم بن سعد، فيُحْمَل قوله: قال عتبان على أن محمودًا أعاد اسم شيخه اهتمامًا بذلك؛ لطول الحديث، أفاده في "الفتح" (٣). (فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) زاد الإسماعيليّ: "بالغد"، وللطبرانيّ من طريق أبي أويس، أن السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجه إليه وقع يوم السبت (وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) ﵁ لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره، حتى إن في رواية الأوزاعيّ: "فاستأذنا، فأذنت لهما"، لكن في رواية أبي أُويس: "ومعه أبو بكر وعمر"، وتقدّم للمصنّف في "الإيمان" من طريق أنس، عن عتبان: "فأتى النبيّ ﷺ ، ومن شاء اللَّه من أصحابه"، وللطبراني من وجه آخر، عن أنس: "في نفر من أصحابه". فيَحْتَمِل الجمع بأن أبا بكر صَحِبَه وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول، أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه (حِينَ ارْتَفَعَ

стр. 7901

النَّهَارُ، فَاستَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ) قال القاضي عياض ﵀: زعم بعضهم أن قوله: "حتى دخل" غَلَط، وليس كذلك، بل المعنى: فلم يجلس في الدار ولا غيرها حتى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه، وفي رواية يعقوب عند البخاريّ، وكذا عند الطيالسيّ: "فلما دخل لم يجلس حتى قال: أين تُحِبّ"، وكذا للإسماعيليّ من وجه آخر، وهي أبين في المراد؛ لأن جلوسه إنما وقع بعد صلاته، بخلاف ما وقع منه في بيت مُليكة، حيث جلس، فأكل، ثم صلى؛ لأنه هناك دُعِي إلى الطعام، فبدأ به، وهنا دُعِي إلى الصلاة، فبدأ بها، قاله في "الفتح" (١). (ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ") قال في "الفتح": كذا للأكثر، والجمهور من رُواة الزهريّ، ووقع عند الكشميهني وحده: "في بيتك". انتهى (قَالَ) عتبان (فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ) أي جهة (مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى) وفي نسخة: فكبّر، وقمنا وراءه، فصلّى بنا" (رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ) عتبان (وَحَبَسْنَاهُ) أي منعناه من الرجوع (عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ لَهُ) (٢) وفي بعض النسخ: "على خزير صنعنا له في البيت"، وفي رواية البخاريّ: "على خزيرة صنعناها له" بهاء التأنيث، هي: -بخاء معجمة مفتوحة، بعدها زاي مكسورة، ثم ياء تحتانية، ثم راء، ثم هاء-: نوعٌ من الأطعمة، قال ابن قتيبة: تُصْنَع من لحم يُقَطَّع صغارًا، ثم يُصَبّ عليه ماءٌ كثيرٌ، فإذا نَضِجَ ذُرَّ عليه الدقيق، وإن لم يكن فيه لحم، فهو عَصِيدة، وكذا ذكر يعقوب نحوه، وزاد: "من لحم بات ليلةً"، قال: وقيل: هي حِسَاءٌ من دقيق، فيه دَسَمٌ، وحَكَى في "الْجَمْهَرة" نحوه، وحَكَى الأزهريّ، عن أبي الهيثم: أن الخزيرة من النُّخَالة، وكذا حكاه البخاريّ في "كتاب الأطعمة" عن النضر بن شُميل، قال عياض: المراد بالنخالة دقيقٌ لم يُغَرْبَل. قال الحافظ: ويؤيد هذا التفسير قوله في رواية الأوزاعيّ عند مسلم الآتية: "على جَشِيشة" بجيم ومعجمتين، قال أهل اللغة: هي أن تُطْحَن الحنطة قليلًا، ثم يُلْقَى فيها شحمٌ، أو غيره.

стр. 7902

وقال ابن رجب ﵀: "والخزيرة": مرقةٌ تُصْنَع من النخالة، وقيل: من الدقيق -أيضًا-، وقيل: إنه لا بد أن يكون معها شيء من دَسَم من شحم أو لحم، وخص بعضهم دسمها باللحم خاصة. انتهى (١). وفي "المطالع": أنها رُويت في "الصحيحين" بحاء وراءين مهملات، وحَكَى البخاريّ في "الأطعمة" عن النضر أيضًا أنها -أي التي بمهملات- تُصْنَعُ من اللبن. انتهى (٢). (قَالَ) عتبان (فَثَابَ رِجَالٌ) -بمثلثة، وبعد الألف موحدةٌ- أي جاءوا متواترين، بعضهم في إثر بعض، قاله ابن رجب (٣). وقال في "الفتح": أي اجتمعوا بعد أن تفرقوا، قال الخليل: المثابة: مُجْتَمع الناس بعد افتراقهم، ومنه قيل للبيت: مثابةٌ، وقال صاحب "المحكم": يقال: ثاب: إذا رجع، وثاب: إذا أقبل. (مِنْ أَهْلِ الدَّارِ) أي دار بني سالم بن عوف، وهم قوم عتبان، و"الدار": المحلّة، كقوله: "خير دور الأنصار دار بني النجار": أي محلتهم، والمراد أهلها، ويقال: الدار القبيلة أيضًا، وإنما جاءوا لسماعهم بقدوم النبيّ ﷺ (٤)، وقوله: (حَوْلَنَا) منصوب على الظرفيّة متعلّق بحال من "أهل الدار" (حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، ذَوُو عَدَدٍ) أي كثيرون (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يُسمّ هذا المبتدئ (أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟) -بضم الدال والشين، وسكون الخاء بينهما، وحُكِي كسر أوله- وفي رواية معمر: ""فقال رجلّ منهم: أين مالك بن الدُّخْشُن، أو ابن الدُّخيشن" -بضم الدال المهملة، وفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء التحتانية بعدها شين معجمة مكسورة، مصغّرًا-. قال في "الفتح": والشكّ فيه من الراوي، هل هو مصغرٌ أو مكبرٌ؟، وفي رواية المستملي هنا -أي في "الصلاة" عند البخاريّ- في الثانية بالميم بدل النون، وفي "المحاربين" من رواية معمر: "الدُّخْشُن" بالنون مكبرًا من غير

стр. 7903

شكّ، وكذ لمسلم من طريق يونس-يعني هذه الرواية- وله من طريق معمر -يعني الرواية التالية- بالشك. ونَقَلَ الطبرانيّ عن أحمد بن صالح أن الصواب "الدُّخْشُم" بالميم، وهي رواية الطيالسيّ، وكذا لمسلم من طريق ثابت، عن أنس، عن عتبان -يعني الماضية في "الإيمان"-، والطبرانيّ من طريق النضر بن أنس، عن أبيه. (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) قال في "الفتح": قيل: هذا القائل هو عتبان راوي الحديث، قال ابن عبد البرّ في "التمهيد": الرجل الذي سارّ النبيّ ﷺ في قتل رجل من المنافقين، هو عتبان، والمنافق المشار إليه هو مالك بن الدُّخْشُم، ثم ساق حديث عتبان المذكور في هذا الباب، وليس فيه دليلٌ على ما ادّعاه من أن الذي سارّه هو عتبان. وأغرب بعض المتأخرين، فنَقَلَ عن ابن عبد البر أن الذي قال في هذا الحديث: "ذلك منافق" هو عتبان أخذًا من كلامه هذا، وليس فيه تصريح بذلك. وقال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف في شهود مالك بدرًا، وهو الذي أَسَرَ سهيل بن عمرو، ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة، أن النبيّ ﷺ قال لمن تكلم فيه: "أليس قد شهد بدرًا؟ ". وفي "المغازي" لابن إسحاق: إن النبيّ ﷺ بعث مالكًا هذا، ومَعْن بن عديّ، فَحَرَّقا مسجد الضِّرار، فدَلَّ على أنه بريء مما اتُّهِم به من النفاق، أو كان قد أقلَعَ عن ذلك، أو النفاق الذي اتُّهِم به ليس نفاق الكفر، إنما أنكر الصحابة عليه تودُّدَه للمنافقين، ولعل له عذرًا في ذلك، كما وقع لحاطب. انتهى (١)، قاله في "الفتح". وقال ابن رجب ﵀ في "شرحه": وقد شهد مالك بن الدخشم مع النبي ﷺ بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلها، واختلفوا: هل شهد مع الأنصار بيعة العقبة، أم لا؟، وقد روي أن النبي ﷺ بعثه مع عاصم بن عديّ (٢) لتحريق مسجد الضرار وهدمه. انتهى.

стр. 7904

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ) أي القول بأنه منافقٌ (أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (تَرَاهُ قَدْ قَالَ) وللطيالسيّ: "أما يقول": (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وفي رواية أنس الماضية في "الإيمان": "أليس يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه"، وقوله: (يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ ") وفي نسخة: "يبتغي بذلك وجه اللَّه"، أراد به أنه مخلص في إيمانه، وهذا شهادة من النبيّ ﷺ للرجل بإيمانه باطنًا، وبراءته من النفاق، قاله في "العمدة" (١). وقال في "الفتح": وكأنهم فَهِمُوا من هذا الاستفهام أن لا جزم بذلك، ولولا ذلك لم يقولوا في جوابه: "إنه ليقول ذلك، وما هو في قلبه"، كما وقع عند مسلم، في "الإيمان" من طريق أنس، عن عتبان. انتهى. (قَالَ) عتبان (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أي بحقيقة ذلك، وموافقة شهادته بلسانه لما في قلبه من التصديق (قَالَ) عتبان: قالوا أيضًا (فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ) أي توجهه (وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ) وفي رواية البخاريّ: "ونصيحته إلى المنافقين" بـ "إلى" بدل اللام، فقال الكرمانيّ: فإن قلت: يقال: نصحت له، لا إليه، ثم أجاب عنه بقوله: قد ضُمِّنَ معنى الانتهاء، وقال الحافظ: كذا قال، والظاهر أن قوله: "إلى المنافقين" متعلق بقوله: "وجهه"، فهو الذي يتعدى بـ "إلى"، وأما متعلق "نصيحته" فمحذوف؛ للعلم به. انتهى. وتعقّب العينيّ كلام الكرمانيّ والحافظ المذكور بما هو راجع إلى ما قالاه (٢)، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ) عتبان (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ) المراد من التحريم هنا تحريم التخليد؛ جمعًا بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعصية فيها، وتوفيقًا بين الأدلة (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي مع "محمد رسول اللَّه"، من باب الاكتفاء، وقد تقدّم في "كتاب الإيمان" مصرّحًا به، ولفظه: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، فيدخلَ النار" (يَبْتَغِي) أي يطلب (بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ") فيه ردّ على المرجئة الغُلاة القائلين بأنه يكفي في الإيمان النطق فقط، من غير اعتقاد.

стр. 7905

وقال ابن رجب ﵀: وقد رَوَى أسد بن موسى: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بَهْدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رجلًا من الأنصار أرسل إلى رسول اللَّه ﷺ في داره، فأتاه النبي ﷺ ، واجتمع قومه، وتغيّب رجل منهم، فقال النبي ﷺ : "أين فلان؟ "، فغمزه رجل منهم، فقال: إنه، وإنه! فقال رسول اللَّه ﷺ : "أليس قد شهد بدرًا؟ " قالوا: بلى. قال: "فلعل اللَّه قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (١). (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ بالإسناد الماضي، ووَهِمَ من قال: إنه تعليق، قاله في "الفتح" (ثُمَّ سَأَلْتُ) زاد في رواية الكشميهني: "بعد ذلك" (الْحُصَيْنَ) -بضمّ الحاء المهملة، وبالصاد المهملة المفتوحة- وهكذا ضبطه جميع الرواة، إلا القابسيّ، فإنه ضبطه بالضاد المعجمة، "وغَلَّطوه في ذلك" (٢). (ابْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ) المدنيّ، من ثقات التابعين (وَهُوَ أَحَدُ بَني سَالِمٍ، وَهُوَ) أي الحصين بن محمد (مِنْ سَرَاتِهِمْ) أي من سراة بني سالم، و"السَّرَاةُ" -بفتح المهملة-: أي خيارهم، وهو جمع سَرِيّ، قال أبو عبيد: هو المرتفع القدرِ، من سَرُوَ الرجلُ يَسْرُو: إذا كان رفيع القدر، وأصله من السَّرَاة، وهو أرفع المواضع من ظهر الدابة، وقيل: هو رأسها، وهو أرفع الجسم، وفي "الصحاح": وجمع السَّرِيّ سَرَاةٌ، وهو جمع عزيز، أن يُجْمَع فَعِيل على فَعَلَة، ولا يُعرَف غيره. انتهى (٣). (عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) متعلّق بـ "سألتُ" (فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ) أي بالحديث المذكور، وهذا يَحْتَمِل أن يكون الحصين سمعه أيضًا من عتبان، ويَحْتَمِل أن يكون حمله عن صحابي آخر. [تنبيه]: ليس للحصين بن محمد هذا، ولا لعتبان بن مالك في "الصحيحين" (٤) سوى هذا الحديث، وقد سمعه من عتبان أيضًا أنس بن مالك،

стр. 7906

وقد تقدّم لمسلم في "كتاب الإيمان"، وسمعه أبو بكر بن أنس مع أبيه من عتبان، أخرجه الطبرانيّ، أفاده في "الفتح" (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث عتبان بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، في "كتاب الإيمان" (٢)، وإنما أذكر مسألتين: (المسألة الأولى): في إتمام الفوائد التي تتعلّق بهذا الحديث التي تقدّم ذكر معظمها في "كتاب الإيمان": ١ - (فمنها): أن في هذا الحديث بيان ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ من حسن الخلق، وجميل الأدب في إجابته كلَّ من دعاه إلى ما دعاه إليه، ما لم يكن إثمًا (٣). ٢ - (ومنها): أنه يُستحبّ لمن قال: سأفعل كذا أن يقول: "إن شاء اللَّه"؛ لآية: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية، ولهذا الحديث. ٣ - (ومنها): مشروعيّة الاستئذان على الرجل في منزله، وإن كان صاحبه قد تقدّم منه استدعاء. ٤ - (ومنها): أنه يُستحبّ لأهل المحلّة وجيرانهم إذا ورد رجل عالم إلى منزل بعضهم أن يجتمعوا إليه، ويحضروا مجلسه؛ لزيارته وإكرامه، والاستفادة منه. ٥ - (ومنها): بيان أنه لا يُخلَّد في النار من مات على التوحيد (٤). ٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب ﵀ في هذا الحديث: استحباب اتخاذ آثار النبيّ ﷺ ومواضع صلواته مصلى يصلى فيه، وقد ذكر ابن سعد، عن الواقديّ، أن بيت عتبان الذي صلى فيه النبيّ ﷺ يصلي فيه الناس بالمدينة إلى يومه ذاك. وبشهد لهذا المعنى -أيضًا-: قول عمر ﵁ للنبي- ﷺ : ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ فَنَزَلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].

стр. 7907

وقد نَقَل أحمد بن القاسم وسِنديّ الخواتيميّ، عن الإمام أحمد، أنه سئل عن إتيان هذه المساجد؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم (١): أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى، وعلى ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي ﷺ وأثره، فلا بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا، وأكثروا فيه. وفي رواية ابن القاسم: أن أحمد ذكر قبر الحسين، وما يفعل الناس عنده - يعني: من الأمور المكروهة المحدثة. وهذا فيه إشارة إلى أن الإفراط في تتبع مثل هذه الآثار يُخشَى منه الفتنة، كما كُره اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى وقفوا عنده، واعتقدوا أنه كافٍ لهم، واطَّرَحُوا ما لا ينجيهم غيره، وهو طاعة اللَّه تعالى ورسوله ﷺ . وقد رأى الحسن قومًا يزدحمون على حمل نعش بعض الموتى الصالحين، فقال: في عمله فتنافسوا. يشير إلى أن المقصود الأعظم متابعته في عمله، لا مجرد الازدحام على حمل نعشه. وكذلك من يبالغ في تزيين المصحف وتحسينه، وهو مُصِرّ على مخالفة أوامره وارتكاب مناهيه. وقد رُوي عن عمر ﵁ ما يدل على كراهة ذلك -أيضًا-: فرُوي عن المعرور بن سويد، قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها، فلما انصرف رأى الناسُ مسجدًا فبادروه، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ . فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، مَن عَرَضَت له فيه صلاة فليصلّ، ومن لم تعرض له صلاة فليمض. وقال نافع: كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول اللَّه ﷺ تحتها بيعة الرضوان، فيصلّون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت.

стр. 7908

وقال ابن عبد البر: كَرِه مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان؛ وذلك -واللَّه أعلم- مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى فِي مثل ذَلِكَ، ذكره فِي "الاستذكار" فِي الكلام عَلَى حَدِيْث: "اشتَدّ غضب اللَّه عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وقال: ذكر مالك بإثر هذا الحديث حديث عتبان بن مالك؛ ليبيّن لك أن معنى هذا الحديث مخالفٌ للذي قبله. قال: والتبرك والتأسي بأفعال رسول اللَّه ﷺ إيمانٌ به وتصديقٌ، وحبٌّ في اللَّه وفي رسوله ﷺ . انتهى (١). ٧ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن المطر والسيول عذر يباح له التخلف عن الصلاة في المسجد. وقد روي: أن النبي ﷺ لم يرخص له. قال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن الزهري، فسئل سفيان: عمن هو؟ قال: هو محمود -إن شاء اللَّه-، أن عتبان بن مالك كان رجلًا محجوب البصر، وإنه ذكر للنبي ﷺ التخلف عن الصلاة، فقال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. فلم يرخص له، وكذا رواه محمد بن سعد، عن سفيان، وهو يدل على أن سفيان شكّ في إسناده، ولم يحفظه. وقال الشافعي: أنبا سفيان بن عيينة: سمعت الزهري يحدث، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إني محجوب البصر، وإن السيول تحول بيني وبين المسجد، فهل لي من عذر؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. فقال له النبي ﷺ : "لا أجد لك من عذر إذا سمعت النداء"، قال سفيان: وفيه قضيّة لم أحفظها. قال الشافعي: هكذا حدثنا سفيان، وكان يتوقّاه، ويُعَرِّف أنه لم يضبطه. قال: وقد أوهم فيه -فيما نرى-، والدلالة على ذلك: ما أنبا مالك، عن ابن شهاب - ثم ذكر حديث عتبان المذكور في الباب، على ما رواه الجماعة عن الزهري.

стр. 7909

قال البيهقي: اللفظ الذي رواه ابن عيينة في هذا الإسناد إنما هو في قصّة ابن أم مكتوم الأعمى. قال ابن رجب ﵀: وقد اشتبهت القصتان على غير واحد، وقد سبق عن الإمام أحمد أنه ذكر أن ابن أم مكتوم سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى، وإنما هو عتبان بن مالك. وقد اشتبه على بعض الرواة محمود بن الربيع الراوي له عن عتبان، فسماه محمود بن لبيد، وهو -أيضًا- وَهَمٌ، وقد وقع فيه بعض الرواة للحديث عن مالك. وقال يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن محمود بن الربيع -أو الربيع بن محمود- شك يزيد. وقد روي عن ابن عيينة بإسناد آخر: أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"، من طريق عبيد اللَّه بن محمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة -إن شاء اللَّه-، عن عتبان بن مالك، أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن التخلف عن الصلاة، فقال: "أتسمع النداء؟ " قَالَ: نَعَمْ. فَلَمْ يرخص لَهُ. وهذا الإسناد غير محفوظ، ولهذا شك فيه الراوي -إما عن سفيان أو غيره-، وقال: "إن شاء اللَّه"، وإنما أراد حديث محمود بن الربيع. وأما ابن أم مكتوم، فقد خرّجه مسلم من رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، أنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسول اللَّه ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم. قال: "فأجب". وأخرج الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه" من حديث عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: أتى ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر، وأنا أسمع؟ قال: "فإن سمعت الأذان فأجب، ولو حبوًا، ولو زحفًا". وعيسى بن جارية، تُكُلِّم فيه. وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة في

стр. 7910

"صحيحه"، والحاكم، من حديث عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي رَزِين، عن ابن أم مكتوم، أنه سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "لا أجد لك رخصة". وفي إسناده اختلاف على عاصم، وروي عنه، عن أبي رزين مرسلًا، ورواه أبو سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي رزين، عن أبي هريرة، وأبو سنان، قال أحمد: ليس بالقوي. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، من حديث عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم، أنه قال: يا رسول اللَّه، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع. فقال النبي ﷺ : "تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ "، قال: نعم. قال: "فحيهلا". وأخرج الإمام أحمد من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن شداد، عن ابن أم مكتوم؛ أن رسول اللَّه ﷺ أتى المسجد فرأى في القوم رِقَّةً، فقال: "إني لأهمّ أن أجعل للناس إمامًا، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه"، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول اللَّه، إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا، ولا أقدر على قائد كلَّ ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم. قال: "فَأْتِها". وأخرجه ابن خزيمة، والحاكم من رواية أبي جعفر الرازي، عن حصين، به - بنحوه. وقد روي هذا الحديث من رواية البراء بن عازب وأبي أمامة وكعب بن عجرة. وفي أسانيدها ضعف. واللَّه أعلم. وقد أشكل وجه الجمع بين حديث ابن أم مكتوم وحديث عتبان بن مالك، حيث جعل لعتبان رخصةً، ولم يجعل لابن أم مكتوم رخصة: فمن الناس: من جمع بينهما بأن عتبان ذكر أن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه، وهذا عذر واضح؛ لأنه يتعذر معه الوصول إلى المسجد، وابن أم مكتوم لم يذكر مثل ذلك، وإنما ذكر مشقة المشي عليه، وفي هذا ضعف؛ فإن

стр. 7911

السيول لا تدوم، وقد رَخَّص له في الصلاة في بيته بكل حال، ولم يخصه بحالة وجود السيل، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وذلك يقوم مقام السيل المخوف. وقيل: إن ابن أم مكتوم كان قريبًا من المسجد، بخلاف عتبان، ولهذا ورد في بعض طرق حديث ابن أم مكتوم: أنه كان يسمع الإقامة، ولكن في بعض الروايات أنه أخبر أن منزله شاسع كما تقدم. ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان، فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد. وقد أشار الجْوُزَجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره. يعني: أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم. وقيل: إن النبي ﷺ إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصة في حصول فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد قدّمت أن هذا الوجه من الجمع هو الأقرب عندي، واللَّه تعالى أعلم. قال: واستَدَلّ بعض من نصر ذلك -وهو: البيهقي- بما خرّجه في "سننه" من طريق أبي شهاب الحناط، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن ابن أم مكتوم، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن لي قائدًا لا يلائمني في هاتين الصلاتين؟ قَالَ: "أيّ الصلاتين؟ " قلت: العشاء والصبح، فقال النبي ﷺ : "لو يعلم القاعد عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبوًا". وحديث ابن أم مكتوم يدل على أن العمى ليس بعذر في ترك الجماعة، إذا كان قادرًا على إتيانها، وهو مذهب أصحابنا. ولو لم يمكنه المجيء إلا بقائد ووجد قائدًا متبرعًا له، فهل يجب عليه حضور المسجد؟ على وجهين، ذكرهما ابن حامد من أصحابنا. وهذا بناء على قول أحمد: إن حضور المسجد للجماعة فرض عين. وقد يُستَدَلّ بحديث عتبان على أن الجماعة في البيت تكفي من حضور المسجد خصوصًا للأعذار.

стр. 7912

ويَحْتَمِل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي ﷺ من بيته مسجدًا يؤذن فيه، ويقيم، ويصلي بجماعة أهل داره ومن قرب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يُجَمَّع فيه، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفردًا، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جُمِع به بين الحديثين، واللَّه أعلم. لكن في "سنن البيهقيّ" من حديث كعب بن عجرة، أن رجلًا أعمى أتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أسمع النداء، ولعلي لا أجد قائدًا، أفأتخذ مسجدًا في داري؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "فإذا سمعت النداء فأخرج". وفي إسناده اختلاف، وقد قال أبو حاتم فيه: أنه منكر. ومع هذا؛ فلا دلالة فيه على أنه أراد أن يصلي في بيته جماعة، إنما فيه أنه أراد أن يجعل في داره مسجدًا لصلاته في نفسه. ٨ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز إمامة الأعمى، وجواز الجماعة في صلاة التطوع -أحيانًا- وجواز إمامة الزائر بإذن المزور في بيته. ٩ - (ومنها): أن قولَهُ: "وحبسناه على خزيرة صنعناها له" يَدُلّ على أن الزائر وإن كان صاحب المنزل قد استدعاه إلى بيته لحاجة له، فإنه يستحب له أن يُضِيفه، وإن حبسه لذلك في بيته بعد انقضاء حاجته لم يضرّ ذلك، بشرط ألا يكون على الزائر فيه مشقة. ١٠ - (ومنها): أن في قول النبي ﷺ : "لا تقل ذلك" نَهْيٌ أن يُرْمَى أحدٌ بالنفاق؛ لقرائن تظهر عليه، وقد كان النبيّ ﷺ يجري على المنافقين أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم، فكيف بمسلم يرمي بذلك بمجرد قرينة؟. ١١ - (ومنها): أن مَن رَمَى أحدًا بنفاق، وذَكَرَ سوء عمله، فإنه ينبغي أن تُرَدّ عليه غيبتُهُ، ويُذْكَرَ صالحُ عمله؛ ولهذا ذكر النبيّ ﷺ أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله، ولا يُلْتَفَتُ إلى قول من قال: إنما يقولها تَقِيّةً ونِفاقًا. ١٢ - (ومنها): أنه إنما لم يأمر النبيّ ﷺ بِهَجْر مالك بن الدُّخْشُن؛ لأنه

стр. 7913

لم يُعْرَف عنده بما يُخْشَى عليه من النفاق، ولم يَثُبت ذلك ببينة، وإنما رُمِي بذلك، بخلاف الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ فإنهم اعترفوا بما يُخْشَى عليهم منه النفاق؛ ولهذا عَذَرَ المعتذرين ووَكَلَهم إلى اللَّه، وكان كثيرٌ منهم كاذبًا. انتهى ملخّصًا مما كتبه ابن رجب ﵀ (١) في "شرح البخاريّ" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان الأعذار التي تُبيح التخلّف عن فرض صلاة الجماعة: (اعلم): أنه ذَكَر الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان ﵀ الأعذار التي تسقط فرض الجماعة، فقال: وأما العذر الذي يكون المتخلف عن إتيان الجماعات به معذورًا، فقد تتبعته في السنن كلها، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء، ثم ذكرها، وهاك خلاصتها، قال ﵀: (الأول): المرض الذي لا يقدر المرء معه أن يأتي الجماعات، لحديث أنس ﵁ في كونه ﷺ كشف الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁، فأراد أبو بكر أن يرتدّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف. (الثاني): حضور الطعام؛ لحديث: "إذا حَضَر العشاءُ، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء"، متّفقٌ عليه. (الثالث): النسيان الذي يَعْرِض في بعض الأحوال؛ لحديث أبي قتادة ﵁ في نومهم عن صلاة الصبح، متّفقٌ عليه. (الرابع): السِّمَنُ الْمُفْرِط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات؛ لحديث أنس ﵁، قال: قال رجل من الأنصار -وكان ضخمًا- للنبيّ ﷺ : إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيتَ منزلي، فصليت فيه، فأقتدي بك، فصنع له الرجل طعامًا، ودعاه إلى بيته، فبسط له طرف حصير لهم، فصلى عليه ركعتين (٣).

стр. 7914

(الخامس): وجود المرء حاجة الإنسان في نفسه -يعني البول والغائط- لما أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن الأرقم ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة". والمراد أن يؤذيه ذلك بحيث يشغله عن الصلاة، لا ما لا يتأذى به؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يصلِّ أحدكم، وهو يدافعه الأخبثان"، رواه ابن حبّان بإسناد قويّ. (السادس): خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبان بن مالك المذكور في الباب. (السابع): وجود البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه وجد ذات ليلة بردًا شديدًا، فأَذَّن من معه، فصَلَّوا في رحالهم، وقال: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا كان مثل هذا أمر الناس أن يصلوا في رحالهم، صححه ابن حبّان. (الثامن): وجود المطر المؤذي؛ لحديث ابن عمر أيضًا، قال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: "ألا صلوا في الرحال"، متّفقٌ عليه. (التاسع): وجود العلة التي يَخاف المرء على نفسه العثر منها؛ لحديث ابن عمر أيضًا، قال: كنا إذا كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، فكانت ليلة ظلماء، أو ليلة مطيرة، أذن مؤذن رسول اللَّه ﷺ ، أو نادى مناديه: "أن صلوا في رحالكم"، صححه ابن حبّان. (العاشر): أكل الثوم والبَصَل إلى أن يذهب ريحها؛ لحديث: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها"، متّفقٌ عليه. انتهى ما ذكره ابن حبان في "صحيحه" من أعذار سقوط فرض الجماعة حسبما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة بتصرّف، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 7915

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ (١)، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَفَرًا، فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا أَظُن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا قُلْتَ، قَالَ: فَحَلَفْتُ إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِتْبَانَ أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ، نَرَى أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ، فَلَا يَغْتَرَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْد) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ) وفي بعض النسخ: "ابن الربيع". وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير معمر. وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟) بالنون، تقدّم اختلاف الروايات فيه في شرح الحديث الماضي.
следующие страницы →