استووا في القدر المعتبر من القراءة؛ إما في حسنها، أو في كثرتها وقلتها على القولين.
(فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) أي فيؤم أكثرهم علمًا بالسنَّة، قال السنديّ ﵀: حملوها على أحكام الصلاة. انتهى.
وقال الشوكانيّ ﵀: فيه أن مزية العلم مقدَّمةٌ على غيرها من المزايا الدينية.
وقال الطيبيّ ﵀: أراد بها الأحاديث، فالأعلم بها كان أفقه في عهد الصحابة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "في عهد الصحابة" فيه نظرٌ؛ إذ الأعلم بالأحاديث هو الأفقه على الإطلاق في عهدهم وبعد عهدهم، فإن الفقه هو فهم الأحكام الشرعية التي أنزلها اللَّه تعالى في كتابه، والأحاديثُ هي الْمُبَيِّنة لمعاني الكتاب، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأهل الحديث هم الأفقهون، ولا التفات إلى ما يُهَوِّش به أعداء السنّة من تهوين أمر الحديث، وتخذيلهم الأغبياء عن الاهتمام بالحديث، وكأن الحديث عندهم ليس مصدرًا للفقه ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
(فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقدَمُهُمْ هِجْرَةً) عطف على "أعلمهم بالسنّة"، والفاء للترتيب، أي يؤم القوم أقدمهم في الهجرة، يعني أن الأسبق في الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، يكون أولى بالإمامة ممن تأخر في ذلك.
وإنما قُدِّمَ؛ إما لأن القِدَم في الهجرة شرفٌ يقتضي التقديم، أو لأن من تقدمت هجرته لا يخلو غالبًا عن كثرة العلم بالنسبة إلى من تأخر، قاله السنديّ.
ثم إن الهجرة المقدَّم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره ﷺ ، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور، وأما حديث: "لا هجرة بعد الفتح"، متّفقٌ عليه، فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وهذا لا بُدّ منه للجمع بين الأحاديث، قاله الشوكانيّ ﵀.
وقال النوويّ ﵀: قال أصحابنا -يعني الشافعية-: يدخل فيه طائفتان:
стр. 8052
[أحدهما]: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا، وعند جمهور العلماء، وقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح"؛ أي لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح.
[الطائفة الثانية]: أولاد المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ ، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قدم الأول. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وفي الاستدلال بحديث الباب على الطائفة الثانية بُعْد لا يخفى، فتأمّله بإنصاف.
وقال بعضهم: المعتبر اليوم الهجرة المعنوية، وهي هجرة المعاصي، فيكون الأورع أولى. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تخصيصه باليوم فيه نظرٌ، بل الظاهر حمل الحديث على ما يعم الهجرتين مطلقًا، في أيّ زمن كان؛ لأن هجرة المعاصي هي الهجرة الحقيقية؛ لحديث عبد اللَّه بن عمرو بالمتفق عليه مرفوعًا: "والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه".
فيكون المعنى أنه يُقَدَّم في الإمامة من كان أسبق للَّهجرة، أي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو أسبق لهجران المعاصي على من تأخر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: في رواية مسلم هنا تقديم الأعلم بالسنّة على الأقدم في الهجرة، وقد ساقه من رواية أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، ثم من رواية أبي معاوية، وجرير، وابن فضيل، وسفيان كلهم عن الأعمش، وهكذا عند أبي داود، والترمذيّ، وأحمد في "مسنده"، وابن خزيمة في "صحيحه".
وقع عند النسائيّ ﵀: في "المجتبى" (٣/ ٧٨٠)، وفي "الكبرى" (٣/ ٨٥٥) من رواية فضيل بن عياض، عن الأعمش، تقديم الأقدم في الهجرة على الأعلم بالسنّة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن ما وقع عند النسائيّ خطأ، والصواب ما عند هؤلاء، لاتفاق هؤلاء الحفاظ عليه، ومخالفة فضيل لهم،
стр. 8053
وقد حقّقت ذلك في "شرح النسائيّ" فراجعه (١) تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا) -بكسر السين المهملة، وسكون اللام- أي إسلامًا، وهذا لفضيلة السبق إلى الإسلام، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وفي رواية الأشجّ: "سِنًّا" مكان "سِلْمًا"، يعني أنه إن استوى القوم في الهجرة، فيؤمهم أقدمهم إسلامًا، أو أكبرهم سِنًّا.
قال في "النيل": أي يقدَّم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن تلك فضيلة يُرَجَّح بها، وجعل البَغَويّ أولاد من تقدّم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل عليه. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: وقد روي عن الزهريّ في هذا الحديث: "فإن استووا في القراءة، فأفقههم في دين اللَّه، فإن كانوا في الفقه سواءً، فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا في السنّ سواءً، فأصبحهم وجهًا، فإن كانوا في الصباحة والحسن سواءً، فأكثرهم حسبًا". انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي روي عن الزهريّ مما لا دليل عليه، فإن التقديم بحسن الوجه وشرف الحسب، مما لم يرد في النصّ أصلًا، ومما يُتعجّب منه أن في كتب الفقهاء قد يوردون في هذا الترتيب أشياء لم يُنزل اللَّه تعالى بها من سلطان.
فعلى سبيل المثال استمع إلى ما كتبه صاحب "الدرّ المختار" وهو من أشهر كتب الفقه الحنفيّ، حيث قال بعد ذكر الأعلم، والأحسن تلاوة، والأورع: ثم الأحسنُ خُلُقًا، ثم الأحسن وجهًا، ثم الأشرف نسبًا، ثم الأحسن صوتًا، ثم الأحسن زوجةً، ثم الأكثر مالًا، ثم الأكثر جاهًا، ثم الأنظف ثوبًا، ثم الأكبر رأسًا، والأصغر عضوًا (٤)، يعني ذَكرًا، إلى آخر كلامه.
стр. 8054
انظر إلى ماذا وصل بهم الجهل بالسنّة، والبعد عن اتباعها، ودراسة كتبها، أو التجاهل بها، أو التقليد الأعمى لكلّ ذي هوى، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه، فهل يصدر من أيّ عاقل فضلًا عن أهل العلم أن يسأل الحاضرين مَن أصغر منكم ذكرًا؟، حتى يؤمّنا، أو يقول لشخص إنك أكبر ذكرًا من الحاضرين فلا تؤمهم، إن هذه لهي الْوَقَاحة، بل هو ذهاب الحياء والمروءة بالكليّة، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين.
(وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ) "لا" ناهية، والفعل مبنيّ؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو مبنيّ للفاعل، و"الرجل" الأول مرفوع على الفاعليّة، والثاني منصوب على المفعولية، وفي رواية شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الآتية: "ولا تؤمَّنَّ الرجل في أهله، ولا في لسُلطانه"، وفي رواية الترمذيّ، والنسائيّ رحمهما اللَّه: من طريق شعبة، عن إسماعيل أيضًا: "ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلَسُ على تكرمته"، بالبناء للمفعول (فِي سُلْطَانِهِ) قال التوربشتيّ ﵀: السلاطة: التمكّن من القهر، وهو من التسلّط، ومنه السلطان، والسلطان يقال في السلاطة، ولذي السلاطة، والمراد الأول، والمعنى: لا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في محلّ ولايته، ومظهر سلطانه، أو فيما يملكه، أو في محل يكون في حكمه، وَيعْضِد هذا التأويل الرواية الأخرى: "في أهله"، وفي رواية أبي داود: "في بيته، ولا في سلطانه"، ولذا كان ابن عمر ﵄ يصلي خلف الحجاج، وصحّ عن ابن عمر أن إمام المسجد مقدم على غير السلطان.
وتحريره أن الجماعة شُرِعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتآلفهم، وتوادّهم، فإذا أمَّ الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع رِبْقَة الطاعة، وكذلك إذا أمّه في قومه وأهله أدّى ذلك إلى التباغض، والتقاطع، وظهور الخلاف الذي شُرع لدفعه الاجتماع، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة، لا سيما في الأعياد والجمعات، ولا على إمام الحيّ، ورب البيت إلا بالإذن. انتهى (١).
стр. 8055
وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه": معناه ما ذكره أصحابنا -يعني الشافعية- وغيرُهم؛ أن صاحب البيت، والمجلس، هامام المسجد، أحقّ من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه، وأقرأ، وأورع، وأفضل منه، وصاحب المكان أحقُّ، فإن شاء تقدم، وإن شاء قدَّم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدِّمه مفضولًا بالنسبة إلى باقي الحاضرين؛ لأنه سلطانه، فيتصرف فيه كيف شاء.
قال أصحابنا: فإن حضر السلطان، أو نائبه، قُدِّم على صاحب البيت، وإمام المسجد، وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامّة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن من هو أفضل منه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
(وَلَا يَقْعُدْ) "لا" ناهية أيضًا، والفعل مجزوم بها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو الظاهر، وذكر في "المرعاة" أنه قيل: بالرفع، فإن صحّ روايةً فـ "لا" تكون نافية، والمراد بالنفي هو النهيُ، وإلا فالوجه هو الأول، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ) نهي للرجل أيضًا عن القعود على ما يُكرَمُ به الرجل في بيته من فراش أو نحوه، إلا بإذنه.
و"التكرمة": -بفتح التاء، وكسر الراء- هي في الأصل مصدر على تَفْعِلَة من كَرَّمَ المضعَّف، على قلة؛ لأن قياس مصدر فَعَّل المضاعف إذا كان صحيح اللام على تَفْعِيلٍ، ككلّم تكليمًا، وسلّم تسليمًا، وندر مجيئه على تَفْعِلَةٍ، كَكَرَّمَ تَكْرِمَةً، وجَرّب تَجْرِبَةً، وإذا كان معتلّ اللام جاء على تفعِلَة، كزكَّى تزكية، وولّى تولية، وندر مجيئه على تفعيل، كقوله [من الرجز]:
بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا … تَنْزِيَّا كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا
وإلى هذا أشار ابن مالك في "لامية الأفعال"، حيث قال [من البسيط]:
لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالًا أَوْ مُفَاعَلَةً … وَفَعَّلَ اجْعَلْ لَهُ التَّفْعِيلَ حَيْثُ خَلَا
مِنْ لَامٍ اعْتَلَّ لِلْحَاوِيهِ تَفْعِلَةً … الْزَمْ وَللْعَارِ مِنْهُ رُبَّمَا بُذِلَا
أُطْلِق هنا مجازًا على ما يُعَدُّ للرجل إكرامًا له في منزله.
стр. 8056
وفي "صحيح ابن حبان": قال شعبة: فقلت لإسماعيل بن رَجَاء: ما تكرمته؟ قال: فراشه. انتهى.
وقال في "اللسان": التَّكْرِمة: الموضع الخاصّ لجلوس الرجل، من فراش، أو سرير، مما يُعَدُّ لإكرامه، وهي تَفْعِلَة من الكَرامة. انتهى (١).
وقال النوويّ، وابن رِسْلان: التكرمة: الفراش، ونحوه، مما يُبْسَط لصاحب المنزل، ويَختَصُّ به، دون أهله، وقيل: هي الوسادة، وفي معناها السرير ونحوه.
وقال التوربشتيّ: "تكرمته" هي ما يُعدّ للرجل إكرامًا له في منزله، من فراش، وسجّادة، ونحوهما، وقيل: "تكرمته" مائدته، ولا إسناد لهذا، ولا مأخذ يُعتدّ به، قال البيضاويّ: على هذا هو في الأصل مصدر كرّم تكريمًا أُطلق على ما يُكْرَم به مجازًا. انتهى (٢).
وإنما نُهِي عن القعود على تكرمة الرجل؛ لأن المكان الذي يجلس فيه صاحب الدار عادةً، ويَخُصّ به نفسه، يكون محلًا لأشياء لا يحب أن يَطَّلِع عليها غيره، أو يكون مشرفًا على داره كلها، أو على ما يريده هو، فيرى منه أحوال أهل بيته، ويبلغهم ما يريد، فإذا أذن لغيره بالجلوس، عُلِم أن المكان آمن من ذلك كله، واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا بِإِذْنِهِ") قيل: الاستثناء متعلِّق بكلا الفعلين، فيجوز أن يؤم الزائر صاحب البيت، ويجلس على تكرمته بإذنه، وقيل: متعلق بالثاني فقط، والراجح الأول.
قال الإمام أبو عيسى الترمذيِّ ﵀: والعمل على هذا -يعني حديث أبي مسعود المذكور في الباب- عند أهل العلم، قالوا: أحقُّ الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب اللَّه، وأعلمهم بالسنّة، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة، وقال بعضهم: إذا أَذِن صاحب المنزل لغيره، فلا بأس أن يصلي بهم، وكرهه بعضهم، وقالوا: السنّة أن يصلي صاحب البيت.
قال أحمد بن حنبل: وقول النبيّ ﷺ : "لا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا
стр. 8057
يُجْلَس في بيته على تكرمته، إلا بإذنه"، فإذا أذن، فأرجو أن الإذن في الكلّ، ولم ير به بأسًا إذا أذن له أن يصلي به. انتهى كلام الترمذيّ ﵀ (١).
وقوله: (قَالَ الْأَشَجُّ فِي رِوَايَتِهِ مَكَانَ سِلْمًا: "سِنًّا") أشار به إلى الاختلاف بين شيخيه لفظة، وهو أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة قال في روايته: "فأقدمهم سِلْمًا" باللام والميم، وقال شيخه أبو سعيد الأشجّ: "فأقدمهم سنًّا" بالنون المشدّدة، والمعنى متقارب، قال النوويّ ﵀: معناه: إذا استويا في الفقه، والقراءة، والهجرة، ورَجَحَ أحدهما بتقدُّم إسلامه، أو بكَبر سنه قُدِّم؛ لأنها فضيلة يُرَجَّح بها. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ١٥٣٣ و ١٥٣٤ و ١٥٣٥] (٦٧٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٨٤)، و (الترمذيّ) فيها (٢٣٥) وفي "الأدب" (٢٧٧٢)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٧٨٠ و ٧٨٣)، و"الكبرى" (٨٥٥ و ٨٥٨)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٨٠٨ و ٣٨٠٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٠٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٢٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٠٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٦٠٠ و ٦٠١ و ٦٠٢ و ٦٠٣ و ٦٠٤ و ٦٠٥ و ٦٠٦ و ٦٠٧ و ٦٠٨ و ٦٠٩ و ٦١٠ و ٦١٢)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٢٤٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٥ و ٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٠٤ و ١٥٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"
стр. 8058
(٣/ ٩٠ و ١١٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٣٢)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ: في "الفتح": مدار هذا الحديث على إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَج، وليسا جميعًا من شرط البخاريّ، وقد نَقَلَ ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث، ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاريّ، وقد عَلَّق منه طرفًا بصيغة الجزم، واستعمله هنا في الترجمة -أي حيث قال البخاريّ ﵀: "بابٌ إذا استووا في القراءة، فليؤمّهم أكبرهم". انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مَن هو أحق الناس بالإمامة، فيقدم الأقرأ لكتاب اللَّه، فإن استووا قدم الأعلم بالسنّة، فإن استووا قدم الأقدم في الهجرة، فإن استووا قُدِّم الأكبر في السن، أو في الإسلام.
٢ - (ومنها): أن إقامة الصلاة من مهمات الأمور الدينية، فلذا أمر الشارع أن يقدَّم لها الأكمل، فالأكمل.
٣ - (ومنها): أن السلطان، وصاحب البيت لا يجوز أن يتقدم عليهما غيرهما، إلا بإذنهما، فإذا أذنا جاز؛ على خلاف سنذكره في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): أن المفضول يجوز أن يتقدم على الفاضل إذا أذن له.
٥ - (ومنها): أنه لا يجوز لنشخص أن يجلس على تَكْرِمة غيره إلا بإذنه.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" بعد روايته حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ السابق ما نصه: في هذا الخبر، وخبر قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وخبر أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود، دلالةٌ على أن العبيد إذا كانوا أقرأ من الأحرار، كانوا أحقَّ بالإمامة؛ إذ النبيّ ﷺ لم يستثن في الخبر حُرًّا دون مملوك. انتهى. وسيأتي الكلام على إمامة العبد في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 8059
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ترتيب الأحق بالإمامة:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: هذه مسألة اخْتَلَف فيها السلف:
فقال مالك: يؤم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة، وللسنّ حقٌّ، قيل له: فأكثرهم قرآنًا؟ قال: لا، قد يقرأ من لا يكون فيه خير.
وقال الثوريّ: يؤمهم أقرؤهم، فإن كانوا سواءً، فأعلمهم بالسنّة، فإن استووا، فأسنّهم.
وقال الأوزاعيّ: يؤمهم أفقههم في دين اللَّه.
وقال أبو حنيفة: يؤمهم أقرؤهم لكتاب اللَّه، وأعلمهم للسنّة، فإن استووا في القراءة والعلم بالسنّة، فأكبرهم سنًّا، فإن استووا في القراءة، والفقه، والسن فأورعهم، قال محمد بن الحسن، وغيره: إنما قيل في الحديث: "أقرؤهم" لأنهم أسلموا رجالًا، فتفقهوا فيما عَلِمُوا من الكتاب والسنّة، أما اليوم فيتعلمون القرآن، وهم صبيان، لا فقه لهم.
وقال الليث: يؤمهم أفضلهم، وخيرهم، ثم أقرأهم، ثم أسنهم إذا استووا.
وقال الشافعيّ: يؤمهم أقرؤهم، وأفقههم، فإن لم يجتمع ذلك، قُدِّم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكتفى به في صلاته، وإن قُدِّم أقرؤهم، وعَلِمَ ما يلزمه في الصلاة فحسن.
وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: رجلان أحدهما أفضل من صاحبه، والآخر أقرأ منه؟ فقال: حديث أبي مسعود: "يؤم القوم أقرؤهم"، قال: ألا ترى أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع خيار أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، منهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكان يؤمهم؛ لأنه جمع القرآن، وحديث عمرو بن سَلِمَة: "أفهم للقرآن"، فقلت له: حديث رسول اللَّه ﷺ : "مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس" أليس هو خلاف حديث أبي مسعود عن النبيّ ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم"؟، فقال: إنما قوله لأبي بكر: "يصلي بالناس" إنما أراد الخلافة، وكان لأبي بكر فضل بَيِّن على غيره، وإنما الأمر في الإمامة إلى القراءة، وأما قصة أبي بكر فإنما أراد الخلافة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١).
стр. 8060
وقال الحافظ ﵀: وقوله في حديث أبي مسعود: "أقرؤهم" قيل: المراد به الأفقه، وقيل: هو على ظاهره، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء، قال النووي: قال أصحابنا: الأفقه مقدم على الأقرأ، فإن الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يُحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، فقد يعرض في الصلاة أمر، لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه، ولهذا قَدَّم النبيّ ﷺ أبا بكر في الصلاة على الباقين، مع أنه ﷺ نَصَّ على أن غيره أقرأ منه، كأنه عنى حديث: "أقرؤكم أُبَيّ"، قال: وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه.
قال الحافظ: وهذا الجواب يلزم منه أن مَن نَصَّ النبيّ ﷺ على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه.
ثم قال النوويّ بعد ذلك: إن قوله في حديث أبي مسعود: "فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأقدمهم في الهجرة" يدلُّ على تقديم الأقرأ مطلقًا. انتهى.
قال الحافظ: وهو واضح للمغايرة، قال: ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلًا بذلك، فلا يقدَّم اتفاقًا، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم، بل القارئ كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاءوا بعدهم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
وقال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀ بعد ذكر الأقوال المتقدِّمة ما نَصُّهُ: القول بظاهر خبر أبي مسعود ﵁ يجب، فيُقَدِّم الناسُ على سبيل الوجوب ما قدَّمه رسول اللَّه ﷺ ، لا يجاوَزُ ذلك، ولو قُدِّم إمام غير هذا المثال كانت الصلاة مجزية، ويكره خلافُ السنّة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر هو الرأي الصواب عَمَلًا بظاهر النصّ.
стр. 8061
وحاصله أن الأئمة يُرَتَّبون كما رتبهم رسول اللَّه ﷺ في حديث أبي مسعود ﵁ المذكور في الباب، فيقدم الأقرأ، فإن استووا، فالأعلم بالسنّة، فإن استووا، فالأقدم في الهجرة، فإن استووا فالأكبر سنًا.
فإن خالفوا ذلك جازت الصلاة مع الكراهة، وإنما قلنا بجوازها؛ لأن الأمر في قوله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم" ليس للوجوب، بدليل أنه ﷺ صلى خلف أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، وإنما قلنا بكراهتها؛ لمخالفة السنّة.
ثم إن تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنّة محله -كما سبق في كلام الحافظ- إذا كان عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، وأما إذا كان جاهلًا بذلك فلا يجوز تقديمه بلا خلاف بين أهل العلم، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في إمامة غير البالغ:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختلف الناس في إمامة غير البالغ؛ فقالت طائفة بظاهر حديث عمرو بن سلمة (١)، ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الأشعث قَدَّم غلامًا، فقيل له؟، فقال: إنما أقدم
стр. 8062
القرآن، وأخرج أيضًا عن عكرمة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من الكُتّاب، فنقدمهم يصلّون لنا شهر رمضان، ونعمل لهم القلية (١)، والخشكنان (٢).
قال: وممن كان يرى ذلك جائزًا، الحسن البصري، وإسحاق، وأبو ثور، وقال الزهري: إن اضطرُّوا إليه أمّهم.
وكَرِهَت طائفة إمامة من لم يبلغ، كَرِه ذلك عطاء، والشعبيّ، ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وذُكر لأحمد حديث عمرو بن سَلِمَة؟ فقال: دَعْهُ، ليس هو شيء بَيِّنٌ، حيث أنْ نقول فيه شيئًا، وقال الأوزاعي: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم، إلا أن يكونوا قومًا ليس معهم من القرآن شيء، فإنه يؤمهم الغلام المراهق.
وقد رَوَينا عن ابن عباس أنه قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم.
وفيه قول ثالث، وهو أن لا تجزئ الجمعة خلف الإمام الذي لم يحتلم، ويؤم في سائر الصلوات، هذا قول الشافعي آخر قوله، وكان يقول إذ هو بالعراق: ومن أجزأت إمامته في المكتوبة أجزأت إمامته في الْجُمَع، والأعياد، غير أني أكره في الْجُمَع والأعياد إمامة غير الوالي.
قال ابن المنذر ﵀: إمامة غير البالغ جائزة إذا عَقَل الصلاة، وقام بها، لدخوله في جملة قول النبيّ ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم. . . "، لم يذكر بالغًا، ولا غير بالغ، والأخبار على العموم، لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، أو إجماع، لا أعلم شيئًا يوجب بدفع حديث عمرو بن سَلِمة، ويدخل في قول النبيّ ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه. . . " تقديم الابن على الأب إذا كان أقرأ منه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٣).
стр. 8063
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر ﵀ من جواز إمامة الصبيّ المميز إذا كان عالمًا بأحكام الصلاة هو المختار؛ لقوة دليله، وإمامة عمرو بن سَلِمة أوضح دليل عليه.
وأما ما قيل: إنه ليس فيه اطلاع النبيّ ﷺ ، فأجيب بأن إمامته بهم كانت في حال نزول الوحي، ولا يقع في حاله التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ، ولذا استدلّ أبو سعيد الخدريّ، وجابر ﵄ على جواز العزل بمثل ذلك، فقالا: "كنا نعزل، والقرآن ينزل".
قال العلامة الشوكانيّ ﵀: وقد قيل: إن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة.
وردّ بأن قوله: "صلوا صلاة كذا في حين كذا"، يدل على أن ذلك كان في فريضة، وأيضًا قوله: "فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم"، لا يَحْتَمِل غير الفريضة؛ لأن النافلة لا يُشْرَع لها الأذان.
ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور ما رُوي عن أحمد بن حنبل أنه كان يُضَعِّف أمر عمرو بن سَلِمة، رَوَى ذلك عنه الخطابي في "المعالم"، ورُدّ بأن عمرو بن سلمة صحابيّ مشهور، قال في "التقريب": صحابيّ صغير نزل البصرة، وقد رُوي ما يدل على أنه وفد على النبيّ ﷺ .
وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة، وهو لا يجوز، فهو من الغرائب، وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا. زاد أبو داود: "من ضيق الأزر". انتهى.
والحاصل أن المذهب الراجح هو جواز إمامة الغلام المميز؛ لوضوح حجّته، كما سبق تقريره آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في إمامة الأعمى:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في إمامة الأعمى، فقال كثير منهم: يؤم الأعمى.
فممن كان يؤم، وهو أعمى: ابن عباس، وعتبان بن مالك، وقتادة.
стр. 8064
ثم أخرج بسنده حديثَ محمود بن الربيع، أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وقد تقدّم. وأخرج عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه أمّهم في ثوب واحد، وهو أعمى على بساط قد طبق البيت.
وأخرج عن الزهري، أنه قال: كان رجال من أهل بدر أصيبت أبصارهم يؤمُّون.
وهو قول القاسم بن محمد، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وهو قول مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وقد رَوَينا عن ابن عباس خلاف القول الأول، فأخرج عن سعيد بن جبير، أنه قال: قال ابن عباس ﵄: كيف أؤمهم، وهم يعدلوني إلى القبلة؟ - حين عمي.
وأخرج عن زياد النميري، أنه أتى أنس بن مالك قال: قلت: ما تقول في الرجل الضرير يؤم أصحابه؟ قال: وما حاجتهم إليه؟.
قال ابن المنذر ﵀: إمامة الأعمى كإمامة البصير، لا فرق بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبيّ ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه"، فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة.
وقد رَوَينا عن النبيّ ﷺ فيه حديثًا، ثم أخرج بسنده عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة، يصلي بالناس.
قال: وإباحة إمامة الأعمى كالإجماع من أهل العلم، وقد روينا عن ابن عباس ﵄ أنه أمّهم، وهو أعمى، وليس قول أنس بن مالك: وما حاجتهم إليه؟ نهيًا عن إمامة الأعمى، فيكون اختلافًا. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
ونقل العلامة الشوكانيّ: أنه قد صرح أبو إسحاق المروزيّ، والغزاليّ بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير؛ لأنه أكثر خشوعًا من البصير، لما في البصير من شغل القلب بالمبصرات، ورجّح بعضهم كون إمامة البصير أولى؛ لأنه أشدّ توقيًا للنجاسة، والذي فهمه المارديني من نص الشافعيّ: أن
стр. 8065
إمامة الأعمى والبصير سواء في عدم الكراهة؛ لأن في كل منهما فضيلة، غير أن إمامة البصير أفضل؛ لأن أكثر من جعله النبيّ ﷺ إمامًا البصراء.
وأما استنابته ﷺ لابن أم مكتوم ﵁ في غزاته؛ فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور، فلعله لم يكن في البصراء المتخلفين من يقوم مقامه، أو لم يتفرغ لذلك، أو استخلفه لبيان الجواز.
وأما إمامة عتبان بن مالك ﵁ لقومه فلعله أيضًا لم يكن في قومه من هو في مثل حاله من البصراء. انتهى (١).
وقال في "المنهل": وإلى أولوية البصير بالإمامة ذهبت الحنفية، والحنابلة، والمالكية؛ قالوا: لأنه أقدر على اجتناب النجاسة، واستقبال القبلة باجتهاده، وهذا هو الأرجح.
أما استنابته ﷺ لابن أم مكتوم، فلعدم وجود من يصلح للإمامة بالمدينة غيره إذ ذاك.
ولا يرد وجود عليّ ﵁ في المدينة حين استخلف النبيّ ﷺ ابن أم مكتوم؛ لأن عليًا ﵁ كان مشغولًا بالقيام بحفظ من جعله ﷺ حافظًا لهم، من الأهل، حذرًا من أن ينالهم عدو بمكروه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح قولُ مَن قال: إن إمامة الأعمى والبصير سواء، وإنما يرجح أحدهما على الآخر بالمرجِّح الذي تقدم في قول رسول اللَّه ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن استووا فأعلمهم بالسنّة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأقدمهم سنًّا"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٣) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
стр. 8066
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
٥ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ فاضلٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٦ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٧ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
و"الأشجّ"، وهو عبهد اللَّه بن سعيد، و"الأعمش" ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لأبي معاوية، وجرير بن عبد الحميد، ومحمد بن فُضيل، وابن عيينة.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعج، عن أبي مسعود ﵁.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي الحديث الماضي الذي رواه أبو خالد الأحمر، عن الأعمش.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش هذه، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٦٦٤٨) حدّثنا أبو معاوية، قال: حدّثنا الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَج، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه تعالى، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأكبرهم سنًّا، ولا يُؤَمَّنَّ رجلٌ في سلطانه، ولا يُجْلَسُ على تَكْرِمته إلا أن يأذن". انتهى.
وأما رواية جرير بن عبد الحميد، فساقها ابن الجارود ﵀ في "المنتقى" (١/ ٨٥) فقال:
стр. 8067
(٣٠٨) حدّثنا يوسف بن موسى القطان، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَج، عن أبي مسعود الأنصاريّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سنّا، ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُقْعَدُ في بيته على تكرمته إلا بإذنه". انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، فساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٣/ ١١٩) فقال:
(٥٠٦٨) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأ أبو بكر بن إسحاق، أنبأ بشر بن موسى، ثنا الْحُمَيديّ، ثنا سفيان، قال: حفظناه من الأعمش، ولم نجده ههنا بمكة، قال: سمعت إسماعيل بن رجاء، يحدِّث عن أوس بن ضمعج الحضرميّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأكبرهم سنًّا، ولا يُؤَمُّ رجلٌ في سلطانه، ولا يُجْلَسُ على تكرمته في بيته إلا بإذنه". انتهى.
وأما رواية محمد بن فُضيل، فساقها الطبرانيّ ﵀ مقرونًا بأبي خالد الأحمر في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢٢٢) فقال:
(٦١١) حدّثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، ومحمد بن فُضيل، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَج، عن أبي مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواءً، فأقدمهم سنًّا، ولا تَؤُمَّنَّ أحدًا في سلطانه، ولا تَجْلِسْ على تكرمته في بيته، إلا أن يأذن لك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8068
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀: المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٣٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلَا تَؤُمَنَّ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا تَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَكَ (١)، أَوْ بِإِذْنِهِ").
رجال هذا الإسناد:
سبعة، والباقون كلّهم ذُكِروا في الباب، "مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ" غندر تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً) أي أسبقهم قراءةً؛ لأنه يكون أجود حفظًا، وأحسن تجويدًا.
وقوله: (أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) أسقط في هذه الرواية قبل هذا الأعلم بالسنّة، وليس في رواية شعبة عن الأعمش ذكر للأعلم بالسنّة، وقد سبقها من رواية الجماعة الحفّاظ عن الأعمش، فالاعتماد على روايتهم، فتنبّه.
وزاد في رواية أبي داود، من طريق أبي الوليد الطيالسيّ، "قال شعبة: فقلت لإسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشه". انتهى.
وقوله: (أَوْ بِإِذْنِهِ) "أو" للشكّ من الراوي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8069
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٣٦] (٦٧٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذَنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حجة [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصريّ ﵀ ثقةٌ ثبتٌ كثير الإرسال، فيه نصب يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٥ - (مَالِكُ بْنُ الحُويرِثِ) أبو سليمان الليثيّ، صحابيٌّ نزل البصرة، ومات سنة (٧٤) (ع) تقدم في "الصلاة" ٩/ ٨٧٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل البصرة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن أبي قلابة، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8070
شرح الحديث:
(عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُويرِثِ) ﵁ أنه (قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي وافدين عليه سنة الوفود، وأراد بقوله: "أتينا" نفسه وقومه، وهم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وكان قدوم وفد بني ليث فيما ذكره ابن سعد بأسانيد متعددة أن واثلة الليثيّ قدم على رسول اللَّه ﷺ ، وهو يتجهز لتبوك، قاله في "الفتح" (١)، وقال في موضع آخر: وقد ذكر ابن سعد ما يدلّ على أن وفادة بني ليث، رهطِ مالك بن الحويرث المذكور، كانت قبل غزوة تبوك، وكانت تبوك في شهر رجب سنة تسع (وَنَحْنُ شَبَبَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، و"الشَّبَبَةُ" -بمعجمة، وموحدتين، وفتحات-: جمع شابّ، وهو مَن كان دون الكهولة، وفي الرواية التالية: "أتيت رسول اللَّه ﷺ في ناس"، وفي رواية للبخاريّ: "أتيت النبيّ ﷺ في نفر من قومي"، والنفر عدد لا واحد له من لفظه وهو من ثلاثة إلى عشرة، وفي رواية خالد الحذّاء الآتية: "أتيت النبيّ ﷺ أنا وصاحب لي"، وجمع القرطبي باحتمال تعدد الوفادة، قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأن مخرج الحديثين واحد، والأصل عدم التعدد، والأولى في الجمع أنهم حين أَذِنَ لهم في السفر كانوا جميعًا، فلعل مالكًا ورفيقه عادا إلى توديعه، فأعاد عليهما بعض ما أوصاهم به؛ تأكيدًا وأفاد ذلك زيادة بيان أقل ما تنعقد به الجماعة. انتهى.
(مُتَقَارِبُونَ) أي في السنّ، بل في أعمّ منه، ففي رواية حفص بن غياث الآتية، قال الحذّاء: "وكانا متقاربين في القراءة"، وعند أبي داود، من طريق مسلمة بن محمد، عن خالد الحذّاء: "وكنّا يومئذ متقاربين في العلم"، ومن هذه الزيادة يؤخذ الجواب عن كونه قَدَّمَ الأسنّ، فليس المراد تقديمه على الأقرأ، بل في حال الاستواء في القراءة، قال في "الفتح": ولم يستحضر الكرمانيّ هذه الزيادة، فقال: يؤخذ استواؤهم في القراءة من القِصّة؛ لأنهم أسلموا، وهاجروا معًا، وصَحِبُوا، ولازموا عشرين ليلةً، فاستووا في الأخذ، وتُعُقّب بأن ذلك لا يستلزم الاستواء في العلم؛ للتفاوت في الفهم؛ إذ لا تنصيص على الاستواء. انتهى.
стр. 8071
(فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً) أي بأيّامها، ففي رواية البخاريّ: "فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلةً" (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا) بقافين، من الرّقّة، أي رقيق القلب، قال النوويّ ﵀: هو بالقافين ضبطناه في مسلم، وضبطناه في البخاريّ بوجهين: أحدهما هذا، والثاني "رفيقًا" بالفاء والقاف، وكلاهما ظاهرٌ. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "رقيقًا" بقافين، وبفاء ثم قاف، ثبت ذلك عند رُواة البخاريّ على الوجهين، وعند رواة مسلم بقافين فقط، وهما متقاربان في المعنى المقصود هنا. انتهى.
(فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا) بالإفراد، وفي رواية للبخاريّ: "اشتهينا أهلنا"، في رواية الكشميهنيّ: "أهلينا" بكسر اللام، وزيادة ياء، وهو جمع أهل، ويجمع مُكَسَّرًا على أَهَالٍ -بفتح الهمزة مخففًا- وفي رواية: "فلما رأى شوقنا إلى أهلنا"، والمراد بأهلِ كلٍّ منهم زوجته، أو أعمُّ من ذلك.
(فَسَأَلَنَا) بفتح اللام أي سأل النبيّ ﷺ مالكًا وأصحابه (عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ) ﷺ ("ارْجِعُوا) إنما أذن لهم في الرجوع؛ لأن الهجرة كانت قد انقطعت بفتح مكة، فكانت الإقامة بالمدينة باختيار الوافد، فكان منهم من يسكنها، ومنهم من يرجع بعدَ أن يتعلم ما يَحتاج إليه (إِلَى أَهْلِيكُمْ) جمع أهل، والأهل من النوادر، حيثُ يُجمَع مكسّرًا، نحو الأهالي، ومُصحَّحًا بالواو والنون، نحو الأهلين، وبالألف والتاء، نحو الأهلات، قاله في "العمدة".
ووقع في رواية البخاريّ: "وكان ﷺ رحيمًا، فقال: لو رجعتم إلى بلادكم فعلّمتموهم"، فهذا فيه أنه ﷺ عَرَضَ الرجوع عليهم، بخلاف الأول، فإنه أمرهم به أمرًا، فقال: "ارجعوا إلى أهليكم".
ويمكن الجمع بينهما بأن يكون عَرَض ذلك عليهم على طريق الإيناس بقوله: "لو رجعتم"؛ إذ لو بدأهم بالأمر بالرجوع، لأمكن أن يكون فيه تنفير، فيَحْتَمِل أن يكونوا أجابوه بنعم، فأمرهم حينئذ بقوله: "ارجعوا"، واقتصار
стр. 8072
الصحابيّ على ذكر سبب الأمر برجوعهم بأنه الشوق إلى أهليهم، دون قصد التعليم هو لِمَا قام عنده من القرينة الدالّة على ذلك.
ويمكن أن يكون عَرَفَ ذلك بتصريح القول منه ﷺ ، وإن كان سبب تعليمهم قومَهُم أشرف في حقهم، لكنه أخبر بالواقع، ولم يتزين بما ليس فيهم، ولما كانت نيتهم صادقةً صادف شوقهم إلى أهلهم الحظَّ الكامل في الدين، وهو أهلية التعليم، كما قال الإمام أحمد: في الحرص على طلب الحديث حظّ وافَقَ حَقًّا، قاله في "الفتح" (١).
(فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ) حذف مفعوله؛ للتعميم، أي كلّ ما يحتاجون إليه من أمر دينهم (وَمُرُوهُمْ) أي بالمعروف، وهو من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن التعليم يعمّ الأمر بالمعروف.
وقال في "الفتح": قوله: "وعلِّموهم، ومروهم" بصيغة الأمر ضدِّ النهي، والمراد به أعمّ من ذلك؛ لأن النهي عن الشيء أمرٌ بفعل خلاف ما نُهِي عنه اتفاقًا، وعطف الأمر على التعليم؛ لكونه أَخَصّ منه، أو هو استئناف، كأن سائلًا قال: ماذا نعلمهم؟ فقال: مروهم بالطاعات، وكذا وكذا، ووقع في رواية حماد بن زيد عن أيوب عند البخاريّ في "الصلاة": "مروهم، فليصلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا"، فعُرِف بذلك المأمور المبهم في رواية الباب، قال: ولم أر في شيء من الطرُقِ بيان الأوقات في حديث مالك بن الحويرث، فكأنه ترك ذلك لشهرتها عندهم.
وزاد في رواية البخاريّ أيضًا: "وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها، وصلُّوا كما رأيتموني".
قال في "الفتح": قوله: "وذكر أشياء أحفظها ولا أحفظها" قائل هذا هو أبو قلابة، راوي الخبر، ووقع في رواية أخرى: "أو لا أحفظها"، وهو للتنويع، لا للشكّ.
وقوله: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، أي ومن جملة الأشياء التي يحفظها أبو قلابة عن مالك، قوله ﷺ هذا.
стр. 8073
(فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) أي دخل وقتها، وحان أداؤها (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ) هذه الرواية تبيّن معنى الرواية الآتية: "فأذّنا، وأقيما"، أي ليؤذّن واحد منكما.
وقال في "الفتح": المراد بقوله: "أَذِّنا" أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل، ولا يُعتَبَر في الأذان السنّ، بخلاف الإمامة، وهو واضح من سياق حديث الباب، حيث قال: "فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" (١).
(ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ") أي سنًّا، وليس المراد أكبركما قدرًا ومنزلةً؛ لما مرّ قريبًا أنهما كانا متقاربين في العلم.
وعند أبي داود من رواية ابن علية، قال: قال خالد -يعني الحذّاء-: قلت لأبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما متقاربان، يعني أين القرآن الذي أمر النبيّ ﷺ صاحبه أن يتقدّم على غيره في الصلاة؟ وإنما سأل عن ذلك؛ لأن ظاهر هذا الحديث يُعارض حديث: "يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه"، فإنه صريحٌ في تقديم الأقرأ، وهذا صريحٌ في تقديم الأكبر سنًّا، فأجابه بأنهما كانا متقاربين في القرآن، فبقي الفضل في السنّ، فأمر بتقديمه. انتهى.
وقال في "الفتح": ظاهره تقديم الأكبر بكثير السنّ وقليله، وأما مَن جَوَّز أن يكون مراده بالكبر ما هو أعمّ من السن أو القدر، كالتقدم في الفقه والقراءة والدين، فبعيدٌ؛ لما تقدم من فهم راوي الخبر، حيث قال للتابعيّ: "فأين القراءة؟ "، فإنه دالّ على أنه أراد كبر السنّ.
وكذا دعوى مَن زَعَمَ أن قوله: "ثم ليؤمكم أكبركم" معارَضٌ بقوله: "يؤم القوم أقرؤهم"؛ لأن الأول يقتضي تقديم الأكبر على الأقرأ، والثاني عكسه، ثم انفصل عنه بأن قصة مالك بن الحويرث واقعة عين، قابلةٌ للاحتمال، بخلاف الحديث الآخر، فإنه تقرير قاعدة تفيد التعميم، قال: فيحتمل أن يكون الأكبر منهم كان يومئذ هو الأفقه. انتهى.
معقّبٌ أن التنصيص على تقاربهم في العلم يرُدّ عليه، فالجمع الذي قدّمناه
стр. 8074
أولى، واللَّه تعالى أعلم. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث مالك بن الْحُوَيرث ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ١٥٣٦ و ١٥٣٧ و ١٥٣٨ و ١٥٣٩] (٦٧٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٢٨ و ٦٣١ و ٦٨٥ و ٨١٩) و"الأدب" (٦٠٠٨) و"أخبار الآحاد" (٧٢٤٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٨٩)، و (الترمذيّ) فيها (٢٠٥)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٣٤ و ٦٣٥ و ٦٦٩ و ٧٨١) و"الكبرى" (٨٥٦ و ١٥٩٨)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٧٩)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٢٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٣٦، ٥/ ٥٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٥٨)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٩٦ و ٢٩٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٦٦ و ٩٦٧ و ٩٦٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٠٦ و ١٥٠٧ و ١٥٠٨ و ١٥٠٩ و ١٥١٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٦٣٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٢٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأحقّ بالإمامة، وهو أنه إذا استوى الحاضرون في العلم، وغيره، يقدّم الأكبر سنًّا، قال النوويّ ﵀ في "شرحه": فيه الحثّ على الأذان، والجماعة، وتقديم الأكبر في الإمامة إذا استووا في باقي الخصال، وهؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال؛ لأنهم هاجروا جميعًا، وأسلموا جميعًا، وصحِبُوا رسول اللَّه ﷺ ، ولازموه عشرين ليلةً، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما يُقَدَّم به إلا السنّ. انتهى (١).
стр. 8075
٢ - (ومنها): مشروعيّة الأذان في السفر كالحضر، ففي رواية الترمذيّ والنسائيّ عن مالك بن الحويرث ﵄ أنه ﷺ قال له ولصاحبه: "إذا سافرتما، فأذّنا، وأقيما، وليؤمّكما أكبركما".
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": فيه أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافرين، وفيه الحثّ على المحافظة على الأذان في الحضر والسفر، وفيه أن الجماعة تصحّ بإمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين، وفيه تقديم الصلاة في أول الوقت. انتهى (١).
٣ - (ومنها): بيان وجوب الأذان والإقامة؛ لوروده بصيغة الأمر، وهي للوجوب عند الجمهور، وهو الحقّ، قال الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده": "باب إيجاب الأذان والإقامة عند حضور الصلاة، وأن يؤذّن لها مؤذّنان"، ثم أورد الحديث (٢).
٤ - (ومنها): ما قيل: فيه بيان أفضليّة الإمامة على الأذان، حيث خصّ به الأكبر، بخلاف الأذان، قال النوويّ ﵀: استَدَلّ جماعة بهذا الحديث على تفضيل الإمامة على الأذان؛ لأنه ﷺ قال: "يؤذن أحدكم"، وخَصّ الإمامة بالأكبر، ومن قال بتفضيل الأذان -وهو الصحيح المختار- قال: إنما قال: "يؤذن أحدكم"، وخص الإمامة بالأكبر؛ لأن الأذان لا يَحتاج إلى كبير علم، وإنما أعظم مقصوده الإعلام بالوقت والإسماع، بخلاف الإمام. انتهى.
٥ - (ومنها): بيان فضل الهجرة، والرحلة في طلب العلم، وفضل التعليم.
٦ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من الشفقة، والاهتمام بأحوال الصلاة وغيرها، من أمور الدين.
٧ - (ومنها): إجازة خبر الواحد، وقيام الحجة به.
٨ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد إخراجه الحديث ما نصُّهُ: قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي" لفظةُ أَمْرٍ تشتمل على كل شيء، كان يستعمله ﷺ في صلاته، فما كان من تلك الأشياء خَصّهُ
стр. 8076
الإجماع، أو الخبر بالنقل، فهو لا حرج على تاركه في صلاته، وما لم يَخُصّه الإجماع، أو الخبر بالنقل، فهو أَمْرُ حتمٍ على المخاطبين كافّةً، لا يجوز تركه بحال. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": قال ابن دقيق العيد: استَدَلّ كثير من الفقهاء في مواضع كثيرة على الوجوب بالفعل مع هذا القول، وهو: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، قال: وهذا إذا أُخِذ مُفْرَدًا عن ذكر سببه وسياقه، أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما كان يصلي، فَيَقْوَى الاستدلال به على كلّ فعل ثبت أنه فعله في الصلاة، لكن هذا الخطاب إنما وقع لمالك بن الحويرث وأصحابه بأن يوقعوا الصلاة على الوجه الذي رأوه ﷺ يصليه، نعم يشاركهم في الحكم جميع الأمة، بشرط أن يثبت استمراره ﷺ على فعل ذلك الشيء المستَدَلِّ به دائمًا، حتى يدخل تحت الأمر ويكون واجبًا، وبعض ذلك مقطوع باستمراره عليه، وأما ما لم يدل دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلَّق الأمر بإيقاع الصلاة على صفتها، فلا نحكم بتناول الأمر له. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأظهر ما قاله ابن حبّان ﵀، وخلاصته: أن كلّ ما كان النبيّ ﷺ يفعله في صلاته فهو على الوجوب دائمًا؛ للأمر في هذا الحديث، إلا ما خصّ الدليل على أنه من المستحبّات، وليس من الواجبات، وذلك بأن يأتي دليلٌ من النصّ خاصّ به يدلّ على استحبابه، أو يوجد إجماع أهل العلم على استحبابه، وما لم يوجد ذلك، فهو على الوجوب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ (ح).
стр. 8077
وَحَدَّثَنَاه (١) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ (٢): حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُويرِثِ، أَبُو سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ، وَنَحْنُ شَبَبَة مُتَقَارِبُونَ، وَاقْتَصَّا جَمِيعًا الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٣ - (حَمَّادُ) (٣) بن زيد بن درهم الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر العدنيّ، ثم المكيّ، ذُكر في الباب.
٥ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"أيوب" هو السختيانى"، و"أبو قلابة" هو: عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد أيوب الماضي، وهو: عن أبى قلابة، عن مالك بن الْحُويرث ﵁.
وقوله: (أَبُو سُلَيْمَانَ) بدل من مالك بن الحويرث، وهو كنيته.
стр. 8078
وقوله؛ (وَاقْتَصَّا جَمِيعًا الْحَدِيثَ) ببناء الفعل للفاعل، وضمير التثنية لحمّاد بن زيد، وعبد الوهّاب الثقفيّ.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) يعني أن حمادًا، وعبد الوهّاب، حدّثا كلاهما عن أيوب، بنحو حديث إسماعيل ابن عُليّة عنه.
[تنبيه]: كُتبت لفظة (ح) هنا في النسخة الهنديّة (ص ٢٣٦) وسقطت من معظم النسخ المطبوعة، والظاهر أن الصواب إثباتها، فالإسنادان واحد بالتحويل، ومما يوضّح ذلك كلام المصنّف ﵀ في آخر الحديث، حيث قال: "واهتصّا الحديث جميعًا"، يعني حمادًا، وعبد الوهّاب.
والحاصل أن هذا الإسناد يُعتبر واحدًا، ولذا لم أجعل له رقمًا خاصًّا به، فتنبّه، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه آخر]: أما رواية حماد بن زيد، عن أيوب فقد ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٦٨٥) حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: قَدِمنا على النبيّ ﷺ ، ونحن شَبَبَة، فَلَبِثنا عنده نحوًا من عشرين ليلةً، وكان النبيّ ﷺ رحيمًا، فقال: "لو رجعتم إلى بلادكم، فعلَّمتموهم، مروهم، فليصَلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، وإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم". انتهى.
وأما رواية عبد الوهّاب، عن أيوب، ساقها الطحاويّ في "السنن المأثورة" (١/ ١٥٧) فقال:
(٧٢) حدّثنا المزنيّ، قال: حدّثنا الشافعيّ ﵀، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيّ، عن أيوب السختيانيّ، قال: قال أبو قلابة الجرميّ: حدّثنا مالك بن الحويرث، أبو سليمان، قال: أتيت النبيّ ﷺ في أناس، ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، فكان رسول اللَّه ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظَنّ أنا قد اشتهينا أهلينا، واشتقنا، سألنا عمَن تركنا بَعْدَنا، فأخبرناه، فقال: "ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعَلِّموهم، وأْمروهم، وذكر أشياء أحفظها، أو لا أحفظها، وصَلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا
стр. 8079
حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم". انتهى (١).
وهذا اللفظ هو اللفظ المقارب لسياق المصنّف، وإلا فقد ساق هذه الرواية أيضًا البخاريّ ﵀، في "صحيحه"، فقال:
(٦٣١) حدّثنا محمد بن المثنى، قال: حدّثنا عبد الوهاب، قال: حدّثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: حدّثنا مالك، أتينا إلى النبيّ ﷺ ، ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول اللَّه ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظَنّ أنا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: "ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعَلِّمُوهم، ومروهم، وذكر أشياء أحفظها، أو لا أحفظها، وصَلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٣٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا الإِقْفَالَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ لنَا: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم أول الباب.
٢ - (خَالِدٌ الْحَذاءُ) هو: خالد بن مِهْرَان، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ حافظ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
والباقون ذُكروا في السند السابق.
وقوله: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي) وفي رواية النسائيّ: "أتيت النبيّ ﷺ ، أنا، وابن عمّ لي، وقال مرة أخرى: أنا وصاحب لي"، والظاهر أن
стр. 8080
هذا من قول أبي قلابة، يعني أن مالك بن الحويرث حدّث أبا قلابة مرتين، ففي المرة الأولى قال: أنا وابن عمّ لي، وفي المرة الثانية، قال: أنا وصاحب لي، ثم إن ابن عمه، أو صاحبه المذكور لم يُسَمّ في شيء من طرق هذا الحديث، كما أشار إليه الحافظ ﵀ (١).
(فَلَمَّا أَرَدْنَا الْإِقْفَالَ مِنْ عِنْدِهِ) قال النوويّ ﵀: هو بكسر الهمزة، يقال فيه: قَفَلَ الجيش: إذا رجعوا، وأقفلهم الأمير: إذا أَذِنَ لهم في الرجوع، فكأنه قال: فلما أردنا أن يُؤْذَن لنا في الرجوع. انتهى (٢).
وقوله: (فَأَذِّنَا) أي ليؤذِّن من أحب منكما أن يؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل؛ لأنهما أقاما عنده عشرين ليلة، كما تقدّم في الحديث الماضي، ولا يُعتبر في الأذان سنّ بخلاف الإمامة.
وإنما صرفنا الأمر للاثنين إلى أحدهما، ولم نجعله من الأمر لهما ليؤذِّنا مَعًا، ويكون فيه مشروعية الأذان جماعة: للرواية السابقة: "فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم"، وللطبراني من طريق حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء في هذا الحديث: "إذا كنت مع صاحبك، فأذن، وأقم، وليؤمكما أكبركما"، فتعيّن كون المراد أحدهما؛ إذ الرواية يفسر بعضها بعضًا، وهذا أولى من حمل القرطبيّ اختلاف هذه الروايات على تعدد القصّة، فإنه بعيدٌ (٣).
وقال الكرماني: قد يطلق الأمر بالتثنية وبالجمع، والمراد واحد، كقوله: يا حَرِسيّ اضربا عنقه، وقوله: قتله بنو تميم، مع أن القاتل والضارب واحد.
وقال أبو الحسن ابن القصار: أراد به -يعني قوله: فأَذِّنا- الفضل، وإلا فأذان الواحد يجزئ.
قال الحافظ ﵀: وكأنه فَهِمَ منه أمرهما أن يؤذنا جميعًا، كما هو ظاهر اللفظ، فإن أراد أنهما يؤذنان معًا فليس ذلك بمراد، وإن أراد أن كلًّا منهما يؤذن على حِدَةٍ، ففيه نظر، فإن أذان الواحد يكفى الجماعة.
نعم يُسْتَحَبّ لكل أحد إجابة المؤذن، فالأولى حمل الأمر على أن
стр. 8081
أحدهما يؤذن، والآخر يجيب. انتهى كلام الحافظ بتصرّف (١).
قال الجامع: الوجه الذي قدمناه في الجمع أولى، وهو وجه ذكره الحافظ أيضا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ ﵀: قوله: فأذِّنا، في "المجمع": أي ليؤذن أحدكما، ويجيب الآخر. انتهى، يريد أن اجتماعهما في الأذان غير مطلوب، لكن ما ذكر من التأويل يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يقال: الإسناد مجازيّ، أي ليتحقق بينكما أذان وإقامة، كما في: بنو فلان قتلوا، والمعنى يجوز لكل منكما الأذان والإقامة، أيكما فعل حصل، فلا يختص بالأكبر كالإمامة. انتهى.
وقوله: (ثمَّ أَقِيمَا) فيه حجة من قال باستحباب إجابة المؤذن، إن حُمِل الأمر على ما مضى، وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم، قاله في "الفتح".
وقوله: (وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) إنما خَصَّ الإمامة بالأكبر؛ لمساواتهما في سائر الأشياء الموجبة للتقدم، كالأقرئية، والأعلمية، بالنسبة لمساواتهما في المكث والحضور عنده ﷺ ، وذلك يستلزم المساواة في هذه الصفات عادةً، ذكره السنديّ ﵀.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: قَالَ الْحَذَّاءُ: وَكَانَا مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد اللَّه بن سعيد، ذُكر في الباب.
стр. 8082
٢ - (حَفْصُ بْنَ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٩] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد خالد السابق، وهو: عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث ﵁.
[تنبيه]: رواية حفص بن غياث، عن خالد الحذّاء هذه ساقها ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٢٠٦) فقال:
(٣٩٥) أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر، نا عبد اللَّه بن سعيد الأشجّ، نا حفص يعني بن غياث، نا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبيّ ﷺ أنا ورجل، فَوَدَّعَنَا، ثم قال: "إذا سافرتما، وحضرت الصلاة، فَأذِّنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما"، قال الحذّاء: "وكنا (١) متقاربين في القراءة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ نُزُول نَازِلَةٍ، وَالدُّعَاءِ لِلْمُعَيَّنِ، وَعَلَيْهِ) (٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٤٠] (٦٧٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ
стр. 8083
الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"، ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنْزِلَ (١): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨]).
رجال هذا الإسناد: ثماينة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه، أبو بكر المدنيّ، رأس [٤] (ت ١٢٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
стр. 8084
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار والسماع، إلا في موضع، ففيه العنعنة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٦ - (ومنها): أن ابن المسيِّب وأبا سلمة من الفقهاء السبعة.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بكسر الياء المشدّدة، أحسن من فتحها (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، وفي لغة بفتح ثالثه، قال في "القاموس": فَرَغَ منه، كَمَتَعَ، وسَمِعَ، ونَصَرَ فُرُوغًا، وفَرَاغًا، فهو فَرغٌ، وفَارغٌ: خلا ذَرْعُهُ، وله، وإليه: قَصَدَ. انتهى (١).
وقال في "المصباح": فَرَغَ من الشُّغْل فُرُوعًا، من باب قعَدَ، وفَرغَ يَفْرَغُ، من باب تَعِبَ لغةٌ لبني تميم، والاسم الفَرَاغ، وَفَرَغْتُ للشيء، وإليه: قَصَدتُ، وفَرَغَ الشيءُ: خلا، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أفرغته، وفرّغته، وأفرغ اللَّهُ عليه الصبرَ إفراغًا: أنزله عليه، وأفرغتُ الشيء: صَبَبته إذا كان يسيل، أو من جوهر ذائبٍ. انتهى (٢).
стр. 8085
(مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله (وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ) جملة حاليّة من الفاعل ("اللَّهُمَّ أَنْجِ) بقطع الهمزة، من الإنجاء رباعيًا، أي خَلِّصْه، يقال: نَجَا من الهلاك يَنْجُو نَجَاةً: خَلَصَ. والاسم النَّجاءُ بالمدّ، وقد يُقصَرُ، فهو ناجٍ، والمرأة ناجية، وبها سميت قبيلة من العرب، ويتعدى بالهمز والتضعيف، فيقال: أنجيته، ونَجَّيْتُه. قاله في "المصباح" (١).
(الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ) بنصب الوليد على المفعوليّة، وهو بفتح الواو، وكسر اللام في اللفظين، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه المخزوميّ، أخو خالد بن الوليد، وكان ممن شَهِد بدرًا مع المشركين، وأُسِرَ بها، أسره عبد اللَّه بن جَحْش، وفَدَى نفسَهُ، ثم أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل أن تفتدي، فقال: كرهت أن يُظَن بي أني أسلمت جَزَعًا، فحُبِسَ بمكة، ثم تواعد هو وسلمة، وعيّاش المذكوران معه، وهَرَبُوا من المشركين، فعلم النبيّ ﷺ بمخرجهم، فدعا لهم، أخرجه عبد الرزاق بسند مرسل، ومات الوليد المذكور لما قَدِمَ على النبيّ ﷺ .
قال الحافظ ﵀: رَوَيْنا ذلك في "فوائد الزيادات" من حديث الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوريّ بسنده عن جابر ﵁ قال: رَفَع رسول اللَّه ﷺ من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحةَ خمسة عشرة من رمضان، فقال: "اللَّهم أنج الوليد بن الوليد. . . " الحديث، وفيه: فدعا بذلك خمسة عشر يومًا، حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر، فقال: "أَوَما عَلِمْت أنهم قَدِموا؟ "، قال: بينما هو يذكرهم انفتح عليهم الطريق يسوق بهم الوليد بن الوليد، قد نُكِت إصبعه بالحرّة، وساق بهم ثلاثًا على قدميه، فنهج بين يدي النبيّ ﷺ حتى قضى، فقال النبيّ ﷺ : "هذا الشهيد، أنا على هذا شهيد"، ورَثَتْهُ أمّ سَلَمَة زوج النبيّ ﷺ بأبيات مشهورة. انتهى (٢).
(وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) بالنصب عطفًا على "الوليدَ"، أي أنج سلمة بن
стр. 8086
هشام بن المغيرة، وهو ابن عمّ الذي قبله، وهو أخو أبي جهل، وكان من السابقين إلى الإسلام، وعُذِّب في اللَّه، ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة، واستُشْهِد في خلافة أبي بكر ﵁ بالشام سنة أربع عشرة.
قال الحافظ الذهبيّ ﵀: هاجر إلى الحبشة، ثم قَدِمَ مكة، فمنعوه من الهجرة، وعَذَّبوه، ثم هاجر بعد الخندق، وشهد مُؤْتة، واستُشْهِد بمَرْج الصفرة، وقيل: بأجنادين (١).
(وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) -بفتح العين، وتشديد التحتانية، وبعد الألف شين معجمة- وأبو ربيعة اسمه: عمرو بن المغيرة، فهو عمّ الذي قبله أيضًا، وهو أخو أبي جهل أيضًا لأمه، وكان من السابقين إلى الإسلام أيضًا، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل، فرجع إلى مكة، فحبسه، ثم فرّ مع رفيقيه المذكورين، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، فمات، قيل: سنة خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك، واللَّه تعالى أعلم (٢).
وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كلُّ واحد منهم ابن عمّ الآخر (٣).
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) زاد في رواية للبخاريّ: "والمستضعفين بمكة"، أي وأنج المستضعفين من المؤمنين بمكة، الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وآذوهم، فكانوا يُعَذَّبونهم بأنواع العذاب، وهو من عطف العامّ على الخاصّ، عكس قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨].
(اللَّهُمَّ اشْدُدْ) -بضم الدال- أمر من شَدَّ الشيءَ يَشُدّه، من باب قَتَلَ: إذا أوثقه (وَطْأَتَكَ) أي بأسك، وعذابك، قال الفيوميّ: "الْوَطْأَة" مثلُ الأخْذَةِ وزنًا ومعنى (٤).
وقال السيوطيّ ﵀ في "زَهْر الرُّبى": "الوطأة" بفتح الواو، وأصلها: الدَّوْس بالقدم، سُمّي بها الإهلاك؛ لأن من يطؤ على شيء برجله، فقد استقصى في هلاكه، والمعنى: خذهم أخذًا شديدًا (٥).
стр. 8087
وقال ابن منظور: و"الوطأة" موضع القَدَم، وهي أيضا كالضَّغْطَة، و"الوَطْأَة": الأخذة الشديدة، وفي الحديث: "اللَّهم اشدد وطأتك على مضر"، أي خذهم أخذًا شديدًا، وذلك حين كَذَّبُوا النبيّ ﷺ ، فدعا عليهم، فأخذهم اللَّه بالسنين، ومنه قول الشاعر [من الكامل]:
وَوَطِأْتَنَا وَطْئًا عَلَى حَنَقٍ … وَطْءَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِ
وكان حماد بن سلمة يروي هذا الحديث: "اللهم اشدُدْ وَطْدَتَكَ على مضر"، والْوَطْدُ -أي بالدال-: الإثباتُ والغَمْزُ في الأرض. انتهى (١).
(عَلَى مُضَرَ) -بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة-: اسم قبيلة، سُميت باسم مضر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان، وهو غير منصرف للعلمية والعدل، كما قال في "الخلاصة":
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ إِنْ عُدِلَا … كَفُعَلِ التَّوْكِيدِ أَوْ كَثُعَلَا
وقال في "العمدة": وهو شَعْبٌ عظيم، فيه قبائل كثيرة، كقريش، وهذيل، وأسد، وتميم، وضَبَّةَ، ومُزَينة، والضباب، وغيرهم، ومضر شعب رسول اللَّه ﷺ ، واشتقاقه من اللبَنِ الْمَضِير، وهو الحامض، قاله ابن دريد. انتهى (٢).
وقال في "اللسان": قال ابن سِيدَهْ: مُضَرُ اسم رجل، قيل: سُمِّي به؛ لأنه كان مُولَعًا بشرب اللبن المَاضِرِ -وهو الحامض الشديد الْحُمُوضَة- وقيل: سمي به لبياض لونه، من مَضِيرَة الطَّبِيخ، وهي مُرَيقَة، تُطْبَخُ بِلَبَنٍ وأشياء. انتهى (٣).
(وَاجْعَلْهَا) قال الطيبيّ ﵀: الضمير لـ "الوطأة"، أو للأيّام، وإن لم يَجْرِ لها ذكر؛ لما دل عليه المفعول الثاني الذي هو "سنين" جمع السنة التي هي بمعنى القحط، وهي من الأسماء الغالبة، كالبيت، والكتاب (عَلَيْهِمْ) أي على قبيلة مضر (كَسِنِي يُوسُفَ) ﵇، وفي رواية البخاريّ: "واجعلها عليهم سنين كسني يوسف"، و"سنين": جمع سنة، وهي الجَدْبُ، يقال: أخذتهم السنة: إذا أَجْدَبُوا، وأُقْحِطُوا.
стр. 8088
والمعنى: اجعلها عليهم كالسنين السبع الشداد التي كانت في زمن يوسف ﵇ التي ذكرها اللَّه في قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٤٨].
ووجه الشبه امتداد زمان المحنة، والبلاء، والبلوغ غاية الشدة، والضرّاء.
[فائدة]: جمع السنة بالواو والنون شاذّ، من جهة أنه ليس لذوي العقول، ومن جهة تغيير مفرده بكسر أوله، وهذا الاستعمال مع شذوذه هو الغالب في اللغة، فهو مُلْحَقٌ بجمع المذكر السالم في الإعراب بالواو والياء، وسقوط النون عند الإضافة، وقد يُجرَى مجرَى "حين" في لزوم الياء، والإعراب على النون، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ لسِنِينَهُ … لَعِبْنَ بنَا شِيبًا وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَا
وإلى قواعد جمع المذكر السالم، وملحقاته أَشار ابن مالك في "خلاصته" بقوله:
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبِ … سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبِ
وَشِبْهِ ذَيْنِ وَبِهِ عِشْرُونَا … وَبَابُهُ أُلْحِقَ وَالأَهْلُونَا
أُلُو وَعَالَمُونَ عِلِّيُّونَا … وَأَرَضُونَ شَذَّ وَالسِّنُونَا
وَبَابُهُ وَمِثْلَ حِينٍ قَدْ يَرِدْ … ذَا الْبَابُ وَهْوَ عِنْدَ قَوْمٍ يَطَّرِدْ
[تنبيه آخر]: قال القرطبيّ ﵀ في "المفهم": قوله: "واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" يعني المذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ﴾ الآية [يوسف: ٤٨]، فاستجيب له ﷺ فيهم، فأَجْدَبُوا سبعًا، أكلوا فيها كل شيء، حتى أكلوا الميتة والعظام، وكان الواحد منهم يرى بينه وبين السماء دخانًا من شدّة الجوع والضعف، حتى جاء أبو سفيان، فكلم النبيّ ﷺ ، فدعا لهم، فسُقُوا، على ما ذكرناه عن ابن مسعود في "كتاب التفسير". انتهى كلام القرطبي (١).
تعقّبه الحافظ وليّ الدين ﵀، فقال: قد أوّل صاحب "المفهم" هذا الدعاء -يعني المذكور في حديث أبي هريرة ﵁ في هذا الباب- بحديث ابن
стр. 8089
مسعود ﵁، وهو وَهَمٌ، فقوله: "فأجدبوا سبعًا" ليس ذلك في واحد من "الصحيحين"، وليس بصحيح أيضًا، فإنه كُشِف عنهم قبل بدر، وكانت في السنة الثانية من الهجرة، وأيضًا فأبو هريرة ﵁ راوي الحديث شَهِدَ قنوت النبيّ ﷺ ، ودعاءه عليهم بذلك، وإنما أسلم أبو هريرة بعد خيبر، فلا يصح حمله على دعائه على قريش قبل وقعة بدر، وحديث ابن مسعود الذي أشار إليه في "الصحيحين" أن رسول اللَّه ﷺ لما رأى قريشًا استَعصَوا عليه، فقال: "اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف"، فأخذتهم السنة حتى حَصَّت كلَّ شيء، حتى أكلوا العظام، والجلود، وفي رواية: "الميتة" بدل "العظام"، وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: أي محمدُ إن قومك هلكوا، فادع اللَّه أن يكشف عنهم، فدعا، وفي رواية: فدعا ربه، فكُشف عنهم، فعادوا، فانتقم اللَّه منهم يوم بدر.
ففي هذا الحديث أن دعاءه على قريش قبل وقعة بدر، وهذا لم يشهده أبو هريرة. والذي أوقع القرطبيّ في ذلك أن حديث ابن مسعود في بعض طرقه في "الصحيحين" ذكر مضر، فذكر أول الحديث إلى قوله: وحتى أكلوا العظام، فأتى النبيّ ﷺ رجل، فقال: يا رسول اللَّه، استسق لمضر، فإنهم قد هلكوا، فقال: "لمضر؟، إنك لَجَرِيء"، قال: فدعا لهم، فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ [الدخان: ١٥]، فذكر الحديث، فظَنّ صاحب "المفهم" أنها قصة واحدة، وليس كذلك، فقصة الدعاء على قريش كانت قبل بدر، ولم ينقل فيها قنوت، ولم يشهدها أبو هريرة ﵁، وقريش هي من مضر، وقصة القنوت كانت بعد خيبر، بعد إسلام أبي هريرة، وكان دعاؤه فيها على مضر، وهو اسم جامع لقريش وغيرها، وكان سبب القنوت قصة بئر معونة التي قتل فيها السبعون من القراء، فقنت النبيّ ﷺ شهرًا يدعو عليهم، وعمم الدعاء على مضر، وليس بدعائه عليهم قبل بدر، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام ولي الدين ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين ﵀ تعقّب
стр. 8090
وَجِيهٌ، وحاصله أن قصّه أبي هريرة ﵁ غير قصّة ابن مسعود ﵁، وهو ظاهرٌ، فليُتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى أعلم.
(اللَّهُمَّ الْعَنْ) فعل دعاء من لَعَنَ يَلْعَنُ، من باب نَفَعَ، أي اطرُدهم، وأبعدهم عن رحمتك.
الِحْيَانَ) -بكسر اللام، وقيل: بفتحها، وسكون الحاء المهملة- أبو قبيلة، وهو لحيان بن هُذَيل بن مُدركة بن إلياس بن مُضر (١)، وزعم الهمدانيّ النسّابة أن أصل بني لحيان من بقايا جُرْهُم دخلوا في هُذيل، فنُسِبوا إليهم، قاله في "الفتح" (٢). (وَرِعْلًا) -بكسر الراء، وسكون العين المهملة- حيّ من سُليم، وهو رِعْل بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم (٣). (وَذَكْوَانَ) -بفتح الذال المعجمة، وسكون الكاف-: بطن كبير من سُليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، وهو ذكوان بن ثعلبة بن بهثة -بضمّ الموحّدة، وسكون الهاء، بعدها مثلّثةٌ- بن سُليم (٤). (وَعُصَيَّةَ) -بضمّ العين المهملة، مصغّرًا- هم بطن من بني سُليم يُنسبون إلى عصيّة بن خُفَاف -بضم المعجمة، وفاء مخفَّفة، وآخره فاءٌ أيضًا- ابن امرئ القيس بن بُهْثَةَ بن سُليم (٥).
وقوله: (عَصَتِ اللَّهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ") ﷺ ، وذلك لأنهم عاهدوا، فغدروا، وقَتَلوا أصحاب بئر معونة، وقد وقع في هذا الحديث، وكذا في حديث ابن عمر ﵄ الآتي في "الجهاد": "غفار غَفَر اللَّه لها، وأسلم، سالمها أللَّه، وعُصَيّةُ عصت اللَّه ورسوله" من استعمال جناس الاشتقاق ما يلذّ على السمع؛ لسهولته، وانسجامه، وهو من الاتّفاقات اللطيفة، قاله في "الفتح" (٦).