← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٥٢٣] (٦٦٧)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٢٨)، و (الترمذيّ) في "الأمثال" (٢٨٦٨)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٦٢) و"الكبرى" (٣٢٣) (١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٦١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٤٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصلوات الخمس، وأنهنّ تُمحَى بهنّ الخطايا، قال الحافظ ابن رجب ﵀: هذا مثلٌ ضربه النبيّ ﷺ لمحو الخطايا بالصلوات الخمس، فجَعَل مَثَل ذلك مثل مَن ببابه نهرٌ يغتسل فيه كل يوم خمس مرار، كما أن درنه ووسخه يُنَقَّى بذلك حتى لا يبقى منه شيء، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء. قال: وتمثيله ﷺ بالنهر فيه مبالغة في إنقاء الدرن؛ فإن النهر الجاري يُذْهِب الدرن الذي غُسِل فيه، ولا يَبْقَى له فيه أثر، بخلاف الماء الراكد؛ فإن الدرن الذي غُسل فيه يمكث في الماء، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على

стр. 8017

طول الزمان؛ ولهذا جاء النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، كما سبق ذكره في "كتاب الطهارة". انتهى كلام ابن رجب ﵀ بتصرّف (١). ٢ - (ومنها): أن فيه بيان فضل اللَّه تعالى العظيم على هذه الأمة المرحومة، حيث يُكفّر عنها الخطايا بالصلوات الخمس، وهي أعمال سهلة هيّنة على كل مؤمن موفَّق، وإنما تكون كبيرة على ضعفاء الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. [فائدة]: قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد": وبلغني أن أبا زرعة الرازيّ قال: خَطَر ببالي تقصير الناس، وتقصيري في الأعمال من النوافل، والحجّ، والصيام، والجهاد، فَكَبُر ذلك في قلبي، فرأيت ليلةً فيما يرى النائم، كأن آتيًا أَتاني، فضرب بيده بين كتفيّ، وقال: قد أكثرت في العبادة، وأيُّ عبادة أفضل من الصلوات الخمس في جماعة؟. انتهى (٢). ٣ - (ومنها): ضرب المثل في التعليم؛ زيادةً في الإيضاح؛ إذ فيه تشبيه المعقول بالشيء المحسوس. ٤ - (ومنها): حرص النبيّ ﷺ في تعليم أمته، وشدّةُ رأفته بهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجبّ ﵀: واستَدَلّ بذلك بعض من يقول: إن الصلاة تكفّر الكبائر والصغائر، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفِّرها مجرد الصلاة بدون توبة، يقولون: هذا العموم خُصّ منه الكبائر بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر". وفيه -أيضًا-: عن عثمان ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله".

стр. 8018

وأخرج النسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄، عن النبيّ ﷺ ، قال: "والذي نفسي بيده، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتِحَت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام". وأخرج الإمام أحمد، والنسائيّ، من حديث أبي أيوب ﵁، عن النبيّ ﷺ بمعناها أيضًا. وقال ابن مسعود ﵁: "الصلوات الخمس، كفاراتٌ لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائر"، ورُوي عنه مرفوعًا، والموقوف أصح. وقال سلمان ﵁: حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح، ما لم تُصَب المقتلة. وقد حَكَى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك، وأن الكبائر لا تُكَفَّر بمجرد الصلوات الخمس، وإنما تكفّر الصلوات الخمس الصغائر خاصة. وقد ذهب طائفة من العلماء -منهم: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا- إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفّر الصلوات شيئًا من الصغائر، وحكاه ابن عطية في "تفسيره" عن جمهور أهل السنة؛ لظاهر قوله: "ما اجتنبت الكبائر". والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء، ورجَّحه ابن عطية، وحكاه عن الْحُذّاق: أن ذلك ليس بشرط، وأن الصلوات تكفّر الصغائر مطلقًا إذا لم يُصِرَّ عليها، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر. قال: وحديث عثمان ﵁ المتقدّم يدلُّ على أن كل صلاة تكفِّر ذنوب ما بينها وبين الصلاة الأخرى خاصة، وقد ورد مصرَّحًا بذلك في أحاديث كثيرة. وحينئذ؛ فمن ترك صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عذر، وجمع بينهما، فلا يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لغير عذر يكفران ما مضى من الذنوب في الوقتين معًا، وإنما يكون ذلك إن كان الجمع لعذر يبيح الجمع. انتهى كلام ابن رجب ﵀ بتصرّف (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه

стр. 8019

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٤] (٦٦٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ، عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ"، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: "وَمَا يُبْقِي ذَلِكَ مِنَ الدَّرَنِ؟ "). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدّموا قبل باب، و"أبو سفيان" هو طلحة بن نافع تقدّم قبل بابين، و"جابر بن عبد اللَّه" ﵄ ذُكر في السند الماضي. وقوله: (غَمْرٍ) بفتح الغين المعجمة، وسكون الميم: هو الماء الكثير، وأما بضمّ الغين: فهو الرجل الذي لم يُجَرِّب الأمور، وبكسرها: فهو الحقد (١). وقوله: (عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ) إشارة إلى سهولة استعماله، وقرب تناوله. وقوله: (قَالَ الْحَسَنُ) لم أجد من عيّنه، ولعلّه الحسن البصريّ ﵀، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَمَا يُبْقِي) "ما" استفهاميّة استفهامًا إنكاريًّا، و"يُبقي" بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإبقاء رباعيًّا. وقوله: (ذَلِكَ) في محلّ رفع على الفاعليّة، والإشارة إلى الاغتسال المفهوم من "يَغتَسل". وقوله: (مِنَ الدَّرَنِ) بيان لـ "ما يُبقي"، وهو الوسَخُ. والمعنى: أيَّ شيء يُبقي ذلك الاغتسال من درن ذلك المغتسل؟، يعني أنه لا يُبقِي منه شيئًا، وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي.

стр. 8020

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٥٢٤] (٦٦٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٦ و ٣/ ٣٠٥ و ٣١٧ و ٣٥٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٦٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٦٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٢٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٤٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث: (اعلم): أنهم تكلّموا في هذا الحديث، قال ابن أبي حاتم ﵀ في "علله": (٢٨٣) سألت أبي عن حديث رُوِي عن الأعمش، عن أبي سفيان، فمنهم من يقول: عن عُبَيد بن عُمير، عن النبيّ ﷺ ، ومنهم من يقول: عن جابر، عن النبيّ ﷺ قال: "ضرب النبيّ ﷺ مثل الصلوات الخمس، كمثل نهر على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات"؟. قال: الحفاظ يقولون: عن عُبيد بن عُمير، عن النبيّ ﷺ ، وهو أشبه، وكذا رواه عبد العزيز بن رُفيع، عن عُبيد بن عمير، عن النبيّ ﷺ ، وهو أشبه. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل كلام أبي حاتم: أنه يرى ترجيح يكون الحديث مرسلًا على كونه موصولًا، وقد خالفه في ذلك غيره، فمنهم المصنّف ﵀، حيث أخرجه في "صحيحه" هنا موصولًا من حديث جابر ﵁، وقد وافقه الدارقطنيّ ﵀، وعبارة "العلل": (١٤٩١) وسُئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار، على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم

стр. 8021

خمس مرات، فماذا يبقى من درنه؟ "، فقال: يرويه الأعمش، واختُلِف عنه، فرواه محمد بن عُبيد الطنافسيّ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم يتابع عليه، وخالفه يعلى بن عبيد، رواه عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، كذلك رواه أصحاب الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وهو الصحيح. انتهى (١). وهذا من الدارقطنيّ ﵀ ترجيح لوصله، فقد وافق المصنّف ﵀. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: اختُلِف عن الأعمش في هذا الحديث، فمن أهل العلم من لا يَحتَجّ بحديثه هذا، من أجل أبي سفيان طلحة بن نافع، فهو ضعيف، ومنهم من يجعلهما إسنادين، وأصح إسنادٍ في هذا -إن شاء اللَّه- ما حدّثناه عبد اللَّه بن محمد بن أسد. . . إلخ، فأورد حديث أبي هريرة ﵁ المتقدّم من طريق أبي سلمة، عنه (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي صحة حديث جابر ﵁ كما هو مذهب المصنّف، والدارقطنيّ، وأما تضعيف ابن عبد البرّ له براويه أبي سفيان طلحة بن نافع ففيه نظرٌ؛ لأن أبا سفيان وثّقه البزّار، وابن حبّان، وقال أحمد، والنسائيّ، وابن عديّ: ليس به بأس، زاد ابن عديّ: روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة، وأخرج له مسلم، وروى له البخاريّ مقرونًا بغيره. والحاصل أن إطلاق ابن عبد البرّ الضعف عليه، ليس مقبولًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٥] (٦٦٩) - (حَدَّثَنَا (٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا (٤) مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ

стр. 8022

عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ غَدَا (١) إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّف) بن داود بن مُطَرّف بن عبد اللَّه بن سارية التيميّ الليثيّ، يقال: إنه من موالي آل عمر، أبو غسّان المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٧]. أحدُ العلماء الأثبات، رَوَى عن زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، وأبي حازم سلمة بن دينار، وحسان بن عطية، ومحمد بن عجلان، وصفوان بن سُليم، وسهيل بن أبي صالح، وأبي حصين، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن أبي عَبْلة، وهو أكبر منه، والثوريّ، وهو من أقرانه، والوليد بن مسلم، وعثمان بن سعيد بن كثير، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. قال علي بن سراج: كان من أهل وادي القرى، قَدِم بغداد أيام المهديّ، وقال مجاهد بن موسى: ثنا يزيد بن هارون، ثنا أبو غَسّان محمد بن مُطَرِّف الليثيّ، وكان ثقةً، وقال أحمد، وأبو حاتم، والْجُوزَجانيّ، ويعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم أيضًا: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ذكره أحمد، فجعل يُثني عليه، وقال ابن الغلابيّ، عن ابن معين: شيخٌ ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن أبي

стр. 8023

مريم، عن ابن معين: ثقة، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: أرجو أن يكون ثقة، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأسٌ، وكذا قال أبو داود، والنسائيّ، وقال ابن المثنى: كان شيخًا صالحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغْرِب. قال في "التقريب": مات بعد الستين، أي ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم (٦٦٩) و (١٠٩١) و (١٥٠٩) و (١٧٩٠) و (٢٠٠٦) و (٢٠٠٧) و (٢١٤٩) و (٢٦٦٩) و (٢٧٥٤). ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ، مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد اللَّه، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، كان يُرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة زوج النبيّ ﷺ ، ﵂، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ واعظٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت ٩٤) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن مطرِّف، ويزيد واسطيّ، وأبو بكر كوفيّ، وزهير نسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ غَدَا) وفي نسخة: "قال: من غدا"، قال الفتح: المراد بالغدوّ: الذهاب، وبالرواح الرجوع، والأصل في

стр. 8024

الغدّو المضيّ من بُكرة النهار، والرواح بعد الزوال، ثم قد يُستعملان في كل ذهاب، ورجوع؛ توسّعًا. انتهى (١). وقال ابن رجب ﵀: "الغدُوّ": يكون من أول النهار، و"الرواح": يكون من آخره بعد الزوال، وقد يُعبّر بهما (٢) عن الخروج والمشي، سواء كان قبل الزوال، أو بعده، كما في قوله ﷺ : "من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرّب بدنة. . . " على ما حمله عليه جمهور العلماء. انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: أصل "غَدَا" خرج بغَدْوٍ، أي أتى مبكّرًا، و"راحَ" رجع بعشيّ، ثم قد يُستعملان في الخروج، والرجوع مطلقًا؛ توسّعًا، وهذا الحديث يصلح أن يُحْمَل على الأصل، وعلى التوسّع به. انتهى (٤). (إِلَى الْمَسْجِدِ) متعلّق بـ "غدا"، وقوله: (أَوْ رَاحَ) حُذف متعلّقه؛ لدلالة ما قبله عليه، أي إليه (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ) أي هيّأ له، ومنه قوله [من المتقارب]: وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا … رِمَاحًا طِوَالًا وَخَيْلًا ذُكُورَا (فِي الْجَنَّةِ) وفي رواية البخاريّ: "من الجنّة" (نُزُلًا) بضمّتين، أو بضمّ، فسكون: ما يُهيّأ للضيف من الكرامة. وفي رواية للبخاريّ: "نُزُلَه" بالإضافة، قال في "الفتح": و"النُّزُلُ" بضمّ النون والزاي: المكان الذي يُهيّأ للنزول فيه، وبسكون الزأي: ما يُهيّأ للقادم من الضيافة ونحوها، فعلى هذا "من" في قوله: "من الجنّة"، -أي رواية البخاريّ- للتبعيض على الأول، وللتبيين على الثاني، قال: ورواه مسلم، وابن خزيمة، وأحمد بلفظ: "نُزُلًا في الجنّة" وهو مُحْتَمِلٌ للمعنيين. انتهى (٥). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره في الفتح من التفرقة بين النُّزُل بضمتين، والنُّزْل بضم، فسكون محلّ نظر؛ لأن الذي ذكره أصحاب اللغة يفيد أن الساكن والمضموم بمعنى واحد، ودونك عبارة "القاموس": و"النُّزل"

стр. 8025

بضمّتين: المنزل، وما هُيّء للضيف أن يَنْزل عليه، كالنُّزْل -أي بالسكون- جمعه أَنْزَالٌ، والطعام ذو البركة، كالنزيل، والفضلُ، والعطاءُ، والبركة. انتهى باختصار (١). وقال في "المصباح": والنُّزُلُ بضمّتين: طعام النزيل الذي يُهيّأ له، وفي التنزيل: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ [الواقعة: ٥٦]. انتهى (٢). وقال في "المختار": النُّزْلُ بوزن القُفْل: ما يُهيّأ للنزيل، والجمع: أنْزَال. انتهى (٣). وقال في "اللسان": والنُّزُلُ -بضمّتين- والنُّزْلُ -بضمّ، فسكون: ما هُيّئ للضيف إذا نزل عليه، وقال أيضًا: النُّزْلُ في الأصل: قِرَى الضيف، وتُضمّ زايه. انتهى باختصار (٤). فتبيّن بما ذُكر من كلام هؤلاء اللغويين، أنه لا فرق بين النُّزُل بضمّتين، والنُّزْل بضمّ، فسكون، بل هما بمعنى واحد، وهو ما هيّئ للضيف من الضيافة ونحوها، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ") أي بكل غدوة أو روحة. والمعنى: أن اللَّه تعالى هيّأ له في الجنّة نعيمًا خاصًّا، يُستقبل به بقدر غُدوّه ورواحه إلى المسجد، وبقدر ما يَبذُلُ من خطواته، ويتحمّل من مشاق المشى إليه. وظاهر الحديث حصول الفضل لمن أتى المسجد مطلقًا، لكن المقصود منه اختصاصه بمن يأتيه للعبادة، والصلاةُ رأسها، قاله في "الفتح" (٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّقُ بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 8026

أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٥٢٥] (٦٦٩)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٦٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥٠٨ و ٥٠٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٦٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل التردّد إلى المسجد كلَّ غدوّ ورواح. ٢ - (ومنها): بيان سعة فضل اللَّه تعالى وكرمه لأهل طاعته، حيث يُكرمهم ويُعدّ لهم ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٢]، والنزل: هُوَ مَا يُعَدُّ للضيف عِنْدَ نزوله من الكرامة والتُّحْفَة. ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من خرج إلى المسجد للصلاة فإنه زائر اللَّه تعالى، واللَّه يُعِدّ لَهُ نُزُلًا من المسجد، كُلَّمَا انطلق إلى المسجد، سواء كَانَ فِي أول النهار أو فِي آخره. قَالَ الحافظ أبو موسى المديني: وزيد فِيهِ فِي غيره هذه الرواية: "كما لَوْ أن أحدكم زاره مَن يُحِبّ زيارته لاجتهد فِي إكرامه". وأخرج من طريق الطبراني بإسناده، عَن سَعِيد بْن زَرْبِي، عَن ثابت، عَن أَبِي عُثْمَان، عَن سلمان، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثُمَّ أتى المسجد، فهو زائر اللَّه، وحَقّ عَلَى المزور أن يكرم الزائر" (١). قَالَ أبو موسى: ورواه سُلَيْمَان التيميّ وداود بْن أَبِي هند وعوف، عَن أَبِي عُثْمَان، عَن سلمان، موقوفًا، لا مرفوعًا. وسعيد بن زَرْبِي، فِيهِ ضعف، بل في "التقريب": منكر الحديث (٢).

стр. 8027

وأخرج -أيضًا- من طريق الطبراني بإسناده، عَن يَحْيَى بْن الحارث، عَن الْقَاسِم، عَن أَبِي أمامة، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "الغدوُّ والرواح إلى المساجد من الجهاد فِي سبيل اللَّه" (١). وذكر مَالِك فِي "الموطأ" عَن سمي مَوْلَى أَبِي بَكْر، أن أبا بَكْر بْن عَبْد الرحمن كَانَ يَقُول: من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره؛ ليعلم خيرًا أو يتعلمه، ثُمَّ رجع إلى بيته؛ كَانَ كالمجاهد فِي سبيل اللَّه (٢). قال ابن رجب ﵀ بعد ذكره ما سبق ما نصّه: ومما يُسْتَدلّ بِهِ عَلَى أن قصد المساجد للصلاة فيها زيارة للَّه : مَا أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ فِيهِ ضعف، من حَدِيْث أَبِي الدرداء، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "إن أحسن مَا زرتم بِهِ اللَّه فِي قبوركم ومساجدكم البياض" (٣). انتهى (٤). قال الجامع عفا اللَّه عنه: لكن الحديث في سنده مروان بن سالم، متروك، بل رماه الساجيّ وغيره بالوضع، وحكم بعضهم على هذا الحديث بأنه موضوع، فما كان ينبغي لابن رجب ﵀ أن يورد مثله على وجه الاستدلال، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٣) - (بَابُ فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٦] (٦٧٠) - (حَدَّثَنَا (٥) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ،

стр. 8028

عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، كَانَ (١) لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ) (٢). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ الْيَرْبوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، أَبُو خَيْثَمَةَ المذكور في السند التالي الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) بن أوس بن خالد الذُّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٩٣) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، ويحيى، وإن كان نيسابوريًّا، إلا أنه دخل الكوفة؛ للأخذ من أهلها. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ): أنه (قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ (أَكُنْتَ

стр. 8029

تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟) أي تجلس معه (قَالَ) جابر ﵁ (نَعَمْ) أي كنتُ أجالسه، وقوله: (كَثِيرًا) نعتٌ لمصدر محذوف، أي جلوسًا كثيرًا، أو هو منصوب على الظرفيّة، والأصل وقتًا كثيرًا (كَانَ) ﷺ ، وفي بعض النسخ: "فكان" (لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ) أي من موضع صلاته (الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ) للشكّ من الراوي (الْغَدَاةَ) أي صلاة الغَدَاة، و"الْغَدَاة" بفتح الغين المعجمة، وتخفيف الدال: الْبُكْرةُ، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، كالْغُدْوة بالضمّ، والْغَدِيّة، أفاده في "القاموس" (١). وهذا لا يعارِضُ ما جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت، يا ذا الجلال والإكرام"، رواه مسلم. لإمكان الجمع بحمل هذا الحديث على أن المراد لم يقعد مستقبل القبلة، إلا المقدار المذكور، ثم يَلْتَفت يمنةً، أو يسرةً، أو يستقبل المأمومين. وقيل: المراد: أنه لم يقعد في الصلاة التي بعدها راتبة، وأما التي لا راتبة بعدها، كصلاة الصبح فكان يقعد، والأول أقرب، واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) يقال: طلعت الشمس طُلُوعًا، من باب قعَدَ، ومَطْلَعًا بفتح اللام وكسرها: ظَهَرَت، وكلّ ما بدا لك من عُلُوّ فقد طلع عليك (٢). زاد في الرواية التالية قوله: "حسنًا" أي طلوعًا حسنًا، بأن ترتفع، ويخرج وقت النهي عن الصلاة. وفيه فضل هذا الوقت، وقد أخرج الترمذيّ في "جامعه" عن أنس ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر اللَّه حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة"، قال رسول اللَّه ﷺ : "تامة تامّة تامّة"، وفي سنده أبو ظِلال القَسْملي ضعّفه الأكثرون، لكن الحديث صحيحٌ بشواهده.

стр. 8030

وأخرج أبو داود في "سننه" عن أنس ﵁ أيضًا، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحبّ إليّ من أن أُعتق أربعةً من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحبّ إليّ من أن أُعتق أربعة"، قال الحافظ العراقي ﵀: إسناده حسن. (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ) النبيّ ﷺ إلى بيته، أو محلّ حاجته. (وَكَانُوا) أي الصحابة الذين كانوا معه في ذلك الوقت (يَتَحَدَّثُونَ، فَيَأْخُذُونَ) أي يشرعون (فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) وفي رواية النسائيّ: "يذكرون حديث الجاهليّة"، أي يذكرون الأعمال التي كانوا يعملونها في أيام كونهم غير مسلمين، وإنما كانوا يذكرونها، استقباحًا لها، وشُكرًا لما هداهم اللَّه إليه من الدين الحنيف، وأبدلهم أعمالًا صالحة، تنفعهم في الدنيا والآخرة. زاد في رواية النسائيّ: "ويُنشدون الشعر" بضم الياء، من الإنشاد، وهو القراءة. و"الشعر": هو الكلام المُقَفَّى الموزون بأوزان مخصوصة قصدًا، فلا يُسَمَّى ما وقع اتفاقًا شعرًا، ولا قائله شاعرًا، كقوله ﷺ : هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَغٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ قال السنديّ ﵀: ولعله الشعر الْمُشْتَمِل على النصائح، أو غير المشتمِل على القبائح. انتهى. (فَيَضْحَكُونَ) تعجّبًا مما سلف لهم في أيام الجاهليّة، يقال: ضَحِكَ من زيد، وضَحِكَ به يضحَكُ ضَحِكًا، وضَحْكًا، مثلُ كَلِمٍ وَكَلْمٍ: إذا سَخِرَ منه، أو عَجِبَ، فهو ضاحكٌ، وضَحّاكٌ مبالغةٌ (١). (وَيَتَبَسَّمُ) وفي نسخة: "وتبسّم" بصيغة الماضي، يقال: بَسَمَ بَسْمًا، من باب ضرب: ضَحِك قليلًا من غير صوت، وابتسم، وتَبَسَّمَ كذلك، ويقال: هو دون الضَّحِك، قاله في "المصباح"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 8031

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنف هنا [٥٣/ ١٥٢٦ و ١٥٢٧ و ١٥٢٨] (٦٧٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٩٤)، و (الترمذيّ) فيها (٥٨٥)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٥٧ و ١٣٥٨) و"الكبرى" (١٢٨٠ و ١٢٨١) وفي "عمل اليوم الليلة" (١٧٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٢٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٩١ و ١٠٠ و ١٠١ و ١٠٥ و ١٠٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٥٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٢٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨٨٥ و ١٨٨٨ و ١٩١٣ و ١٩٢٧ و ١٩٦٠ و ٢٠٠٦ و ٢٠١٣ و ٢٠١٩ و ٢٠٤٥) وفي "الصغير" (١١٨٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٢١ و ١٣٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩٦ و ١٤٩٧ و ١٤٩٨ و ١٤٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٠٩ و ٧١١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب جلوس المصلّي في مصلّاه بعد الصبح، قال القرطبيّ ﵀: هذا الفعل منه ﷺ يدلّ على استحباب لزوم موضع صلاة الصبح للذكر والدعاء إلى طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت وقتٌ لا يُصلّى فيه، وهو بعد صلاةٍ مشهودةٍ، وأَشغالُ اليوم بَعْدُ لم تأتِ، فيقع الذكر والدعاء على فراغ قلبٍ وحضور فَهْمٍ، فيُرتجى فيه قبول الدعاء، وسماع الأذكار. قال: وقال بعض علمائنا: يُكره الحديث حينئذ، واعتَذَرَ عن قوله: "وكانوا يتحدّثون في أمر الجاهليّة، فيضحكون، ويتبسّم" بأن هذا فَصْلٌ آخر من سِيرة أُخرى في وقت آخر، وَصَلَهُ بالحديث الأول. قال القرطبيّ: وهذا فيه نظرٌ، بل يُمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلّمون؛ لأن الكلام فيه جائزٌ غير ممنوع؛ إذ لم يَرِدْ في ذلك منعٌ، وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر اللَّه تعالى أفضلُ وأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوب الترك في ذلك الوقت، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.

стр. 8032

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد القرطبيّ ﵀ في الرد على هذا القول، فإنه مردودٌ، وتأويل الحديث على الوجه الذي ذكره، من حمل تحدّثهم في أمر الجاهليّة على غير ذلك الوقت باطلٌ، يُبطله سياق الحديث، ولا سيّما سياق النسائيّ، ولفظه: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى الفجر، جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه، يذكرون حديث الجاهلية. . . " الحديث، فتعبيره بالفاء في قوله: "فيتحدّثون. . . إلخ" يبطل هذا التأويل فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢ - (ومنها): بيان فضل ما بعد صلاة الصبح من الوقت، حيث كان ﷺ يخصّه بذكر اللَّه تعالى. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من مكارم الأخلاق، ولين جانبه، حيث كان يجالس أصحابه، ويستمع إلى حديثهم وحكاياتهم التي كانوا يفعلونها في جاهليّتهم، ويتبسّم منها، وهذا مصداق قول : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية. ٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من امتلاء قلبه من جلال اللَّه ، والخوف منه، ولذا كان لا يستغرق في الضحك، بل كان ضحكه التبسّمَ، كما قالت عائشة ﵂، فقد أخرج الشيخان عنها أنها قالت: "ما رأيت النبيّ ﷺ مستجمعًا قطّ ضاحكًا، حتى أرى منه لَهَوَاتِهِ إنما كان يتبسم"، وفي رواية عنها: قالت: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ضاحكًا حتى أرى منه لَهَوَاته، إنما كان يتبسم، قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا، عُرِف في وجهه، قالت: يا رسول اللَّه، إن الناس إذا رأوا الغيم فَرِحُوا؛ رَجَاءَ أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرِف في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة، ما يُؤَمِّنِّي أن يكون فيه عذابٌ، عُذِّبَ قومٌ بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] ". ٥ - (ومنها): جواز الحديث، وذكر أيام الجاهلية في المسجد. ٦ - (ومنها): جواز إنشاد الشعر المباح في المسجد، وقد أخرج الشيخان، عن سعيد بن المسيِّب، قال: مَرّ عمر في المسجد، وحسان يُنْشِدُ، فقال: كنت أُنشِد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال:

стр. 8033

أنشدك باللَّه، أسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس"؟، قال: نعم. وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن يحيى بن عبد الرحمن، قال: مَرّ عمر ﵁ على حسان، وهو يُنشد الشعر في المسجد، فقال: في مسجد رسول اللَّه ﷺ تُنشد الشعر؟ قال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك. ٧ - (ومنها): جواز الضحك، والتبسّم، ولا يعارض هذا ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تكثروا الضَّحِكَ، فإن كثرة الضحك تميت القلب"؛ لأن الممنوع كثرته، لا أصله، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرِ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ، جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح تقدّم قبل باب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ إمام، من رؤوس [٧] (١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر) الْعَبْديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. ٥ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، وقيل: غيره، الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩.

стр. 8034

والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) هو أبو بكر بن أبي شيبة المذكور أول السند. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ) ضمير التثنية لسفيان الثوريّ، وزكريا بن أبي زائدة. وقوله: (حَسَنًا) أي طلوعًا حسنًا، فهو نعت لمصدر محذوف، ويعني بذلك أنه كان يستديم الذكر والْمُقام بمجلسه إلى أن يدخل الوقت الذي تجوز فيه الصلاة، قاله في "المفهم" (١)، وتمام شرح الحديث تقدّم في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُولَا: حَسَنًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥. ٣ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، أبو موسى العَنَزِيّ، تقدم قبل باب. ٤ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بن عثمان الْعَبْديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببُنْدار، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، غُندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكِرَا في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ) ضمير التثنية لأبي الأحوص، وشعبة.

стр. 8035

وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد سماك السابق، وهو: عن جابر بن سَمُرة ﵄. وقوله: (وَلَمْ يَقُولَا: حَسَنًا) ضمير التثنية لأبي الأحوص، وشعبة أيضًا. [تنبيه]: السند الأول من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٩٤) من رباعيّات الكتاب، فتنبّه. [تنبيه آخر]: رواية أبي الأحوص هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٦٣) فقال: (١٤٩٨) حدّثنا عبد اللَّه بن يحيى، ثنا عبيد اللَّه بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمُرة، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى الفجر، جلس في مجلسه، حتى تطلع الشمس". وساق أيضًا رواية شعبة، فقال: (١٤٩٩) أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود (ح)، وحدّثنا أبو علي بن الصواف، ثنا عبد اللَّه بن أحمد، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، عن سماك، أنه قال: سألت جابر بن سمرة، كيف كان يصنع رسول اللَّه ﷺ إذا صلى الصبح؟ قال: "كان يقعد في مقعده، حتى تطلع الشمس". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٤) - (بَابُ بَيَانِ أَيُّ الْبِقَاعِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٩] (٦٧١) - (وَحَدَّثَثَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي (١) ابْنُ أَبِي ذُبَابٍ، فِي رِوَايَةِ هَارُونَ، وَفِي حَدِيثِ الْأَنصَارِيِّ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ،

стр. 8036

مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: "أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) أبو عليّ الخزّاز الضرير المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) وله (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٢. ٣ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ) بن ضمرة، أبو عبد الرحمن، أو أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٤ - (الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ) هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن سعد وقيل: المغيرة بن أبي ذُبَاب -بضمّ المعجمة، وبموحّدتين- الدَّوْسيّ -بفتح الدال- المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٥]. رَوَى عن أبيه، وعن عمه، يقال: اسمه الحارث أيضًا، وذكره ابن منده في "الصحابة"، وسمّاه عياضًا، وسعيدِ بنِ المسيب، ويزيد بن هرمز، ومجاهد، وبسر بن سعيد، والأعرج، وجماعة، وأرسل عن طلحة. ورَوَى عنه ابن جريج، وإسماعيل بن أمية، وأبو ضمرة، وأبو خالد الأحمر، وصفوان بن عيسى، وغيرهم. قال ابن معين: مشهورٌ، وقال أبو حاتم: يروي عنه الدَّرَاوَرْدِيّ أحاديث منكرة، ليس بالقويّ، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال الساجيّ: حدّث عنه أهل المدينة، ولم يُحَدِّث عنه مالك، وذكر علي ابن المدينيّ في "العلل" حديثًا عن عاصم بن عبد العزيز الأشجعيّ، عن الحارث، عن سليمان بن يسار وغيره، قال عاصم: حدثنيه مالك، قال: أُخْبِرت عن سليمان بن يسار، فذكره، قال ابن المدينيّ: أُرَى مالكًا سمعه من الحارث، ولم يُسَمِّه، وما رأيت في كتب مالك عنه شيئًا. انتهى. قال الحافظ: وهذه عادة مالك فيمن لا يَعْتَمِد عليه لا يسميه، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.

стр. 8037

وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من المتقنين، مات سنة (١٤٦)، وكذا قال ابن قانع في تاريخ وفاته. أخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٦٧١) و (٩٨٥) و (٢٦٥٢) و (٢٦٧٩) و (٢٧٥١). ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِهْرَانَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) ويقال: مولى مزينة، ويقال: مولى أبي هريرة، ومولى الأزد، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ (١) [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وأبي مروان الأسلميّ، وعنه أبو محمد، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب، وسعيد المقبريّ، وسعيد الْجُرَيريّ، ونافع بن سلمان، والوليد بن كثير. قال أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو الفتح الأزديّ: مجهول، وقال الْبَرْقانيّ، عن الدارقطنيّ: شيخٌ مدنيّ، يُعْتَبَرُ به. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، له عند المصنّف هذا الحديث فقط، وعند النسائي في قول الميت إذا وُضِع على سريره. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه هارون فمروزيّ، ثم بغداديّ. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذُبَابٍ"، فِي رِوَايَةِ هَارُونَ، وَفِي حَدِيثِ الْأَنْصَارِيِّ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ" فيه بيان اختلاف شيخيه في شيخهما،

стр. 8038

فشيخه هارون قال في روايته: "حدّثني ابن أبي ذُباب"، فكناه، وأما شيخه إسحاق بن موسى، فقال في روايته: "حدّثني الحارث"، فسمّاه، وهو ابن أبي ذُباب نفسه، فتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁، سيّد الحفّاظ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) لم أجد من ذكر سبب تسميته بهذا، ولعلّه للزومه له، وقد سبق أنه يقال له: مولى مزينة، ومولى الأزد، واللَّه تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: "أَحَبُّ الْبِلَادِ) أي أحبّ بيوت البلاد، أو بقاعها (إِلَى اللَّهِ) (مَسَاجِدُهَا) أي لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى (وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا") أي لأنها محلّ الغشّ، والخِدَاع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر اللَّه تعالى، وغير ذلك مما في معناه. قال النوويّ: والحبّ والبغض من اللَّه تعالى إرادته الخير والشرّ، أو فعله ذلك بمن أسعده وأشقاه، والمساجد محلّ نزول الرحمة، والأسواق ضدّها. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق في "كتاب الإيمان" أن تفسير الحبّ والبغض في صفة اللَّه تعالى بالإرادة، ونحوه ليس تفسيرًا صحيحًا؛ لأنه تفسير باللازم، والحقّ أن الحبّ والبغض من صفات اللَّه تعالى الثابتة له بالكتاب والسنّة على ظاهرهما كما يليق بجلاله ، ولا يؤوّلان بالإرادة ولا بغير ذلك، بل نثبتهما له تعالى، كما أثبتهما لنفسه، وأثبته النبيّ ﷺ له في هذا الحديث، على ما يليق بجلاله تعالى، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: جاء بمعنى حديث أبي هريرة ﵁ هذا حديثُ جبير بن مطعم،

стр. 8039

فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أن رجلًا أتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، أيُّ البلدان شرّ؟ قال: فقال: "لا أدري"، فلما أتاه جبريل ﵇ قال: "يا جبريل، أيُّ البلدان شرّ؟ " قال: لا أدري حتى أسأل ربي ، فانطلق جبريل ﵇، ثم مَكَثَ ما شاء اللَّه أن يمكث، ثم جاء، فقال: يا محمد، إنك سألتني أيُّ البلدان شرّ؟ فقلت: لا أدري، وإني سألت ربي أيُّ البلدان شرّ؟ فقال: أسواقها (١). وفي سنده (٢) عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، متكلَّم في حفظه، لكن الحديث التالي وحديث الباب يشهدان له فيتقوّى بذلك، فتنبّه. وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" من حديث ابن عمر ﵄، ولفظه: أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ أيُّ البقاع شرّ؟ قال: "لا أدري حتى أسأل جبريل"، فسأل جبريل، فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء، فقال: "خير البقاع المساجد، وشرّها الأسواق" (٣). وفي سنده عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخره، والراوي عنه جرير بن عبد الحميد سمع منه بعد اختلاطه، لكن الحديث حسنٌ، بشواهده كما قال بعضهم، فقد يشهد له حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١٥٢٩] (٦٧١)، و (البزّار) في "مسنده"

стр. 8040

(٤٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٠٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٦٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أحبّ البلاد إلى اللَّه تعالى، وهي المساجد، وأبغضها، وهي الأسواق، قال القرطبيّ ﵀: إنما كانت المساجد أحبّ البلاد إلى اللَّه؛ لما خُصّت به من العبادات والأذكار، واجتماع المؤمنين، وظهور شعائر الدين، وحضور الملائكة، وإنما كانت الأسواق أبغض البلاد إلى اللَّه تعالى؛ لأنها مخصوصة بطلب الديْن، ومطالبِ العباد، والإعراض عن ذكر اللَّه، ولأنها مكان الأيمان الفاجرة، وهي معركة الشيطان، وبها يَرْكُز رايته. انتهى (١). ٢ - (ومنها): أن فيه تنبيهًا على تفاوت البقاع في الخير والشرّ، فبعضها يكون مجلبةً للخير، ومعينًا عليه، كالمساجد، وبعضها يكون مجلبة للشرّ، وداعيًا إليه، كالأسواق، وعلى ذلك يدلّ قصّة الرجل الذي قَتَل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل راهبًا هل من توبة؟ فقال: لا، فقتله، وكَمَّل به المائة، ثم سأل عالمًا هل له من توبة؟، فقال له: نعم، ائت قرية كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون اللَّه، فاعبد معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء. . . الحديث، وهو في "الصحيحين" وغيرهما، فقد أرشد هذا العالمُ الرجلَ على أن أرضه أرض سوء تدعوه إلى الشرّ، فلا بدّ من مفارقتها إلى أرض فيها قوم صالحون حتى تكمل توبته، ويكون صالحًا مثلهم. قال في "الفتح" معلّقًا على هذا الحديث: فيه فضلُ التحوّل من الأرض التي يُصيب الإنسان فيها المعصية؛ لِمَا يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما لتذكّره لأفعاله الصادرة قبل ذلك، والفتنة بها، وإما لوجود من كان يُعينه على ذلك، ويحضّه عليه. وقال ﵀ أيضًا: وفيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي

стр. 8041

اعتادها في زمن المعصية، والتحوّل منها كلّها، والاشتغال بغيرها (١)، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على لزوم المساجد، وكثرة التردّد إليها؛ طلبًا لمحبّة اللَّه تعالى ومرضاته، وعلى تقليل التردّد إلى الأسواق، إلا للحاجة؛ بُعدًا عن بغض اللَّه ، وتجنّبًا عن الوقوع في أسباب المقت والعذاب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٥) - (بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٣٠] (٦٧٢) - (حَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السُّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقة [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ

стр. 8042

الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وأبو نضرة علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين بغلانيّ، وهو قتيبة، وواسطيّ، وهو أبو عوانة، وبصريين، وهما قتادة، وأبو نضرة، ومدنيّ، وهو الصحابيّ ﵁. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن أبي نضرة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك ﵄ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانُوا) أي الناس المجتمعون في مكان واحد (ثَلَاثَةً) وفي رواية ابن حبّان من طريق شعبة وهشام الدستوائيّ، عن قتادة: "إذا كنتم ثلاثة في سفر". قال القرطبيّ ﵀: قوله: "ثلاثة" ليس له مفهوم خطاب؛ لأنه إذا كانا اثنين أَمَّهما أحدهما، كما يأتي في حديث مالك بن الحويرث ﵁ الآتي حيث قال النبيّ ﷺ له ولصاحبه: "إذا حضرت الصلاة، فأذّنا، وأقيما، وليؤمّكما أكبركما"، وإنما خصّ الثلاثة بالذكر لأنه سئل عنهم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا جزم بأنه سئل عنهم، وهو محلُّ نظر، واللَّه تعالى أعلم. (فَلْيَؤُمَّهُمْ) أي فليُصلّ بهم إمامًا (أَحَدُهُمْ) ثم بيّن الأحقّ بأن يؤمّهم، فقال: (وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ") أي أكثرهم قرآنًا، كما قال في حديث عَمْرو بن سَلِمة: "ويؤمّكم أكثركم قرآنًا"، رواه البخاريّ (٢). قال القرطبيّ ﵀: ومَحْمِلُهُ أنه إذا اجتَمَع جماعة صالحون للإمامة،

стр. 8043

فكان أحدهم أكثر قرآنًا، كان أحقّهم بالإمامة؛ للمزيّة الحاصلة فيه، فلو كانوا قد استظهروا القرآن كلّه، فيُرجّح من كان أتقنهم قراءةً، وأضبط لها، وأحسن ترتيلًا، فهو الأقرأ بالنسبة إلى هؤلاء. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ١٥٣٠ و ١٥٣١ و ١٥٣٢) (٦٧٢)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٧٨٢) و"الكبرى" (٨٥٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٥٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٤ و ٤٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٣٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٠١ و ١٥٠٢ و ١٥٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١١٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٣٦)، وبقيّة المسائل تأتي قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٣١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي (٢) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).

стр. 8044

رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٢ - (أَبُو خَالِّدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقُ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها وله بضع و (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط بآخره [٦] (ت ١٥٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٥ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصري، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٦ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"قتادة" ذُكر في السند الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ) الضمير لشعبة، وسعيد بن أبي عَرُوبة، وهشام الدستوائيّ. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة السابق، وهو: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث المذكور في رواية أبي عوانة، عن قتادة الماضي. [تنبيه]: رواية شعبة، وهشام كليهما، عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (١٠٨٠٦) حدّثنا يحيى، حدّثنا هشام وشعبة، قالا: حدّثنا قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ : "إذا كانوا ثلاثةً فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم".

стр. 8045

وساق النسائيّ ﵀ رواية هشام، عن قتادة مفردةً في "المجتبى" (٢/ ٧٧) فقال: (٧٨٢) أخبرنا عبيد اللَّه بن سعيد، عن يحيى، عن هشام، قال: حدّثنا قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا كانوا ثلاثةً، فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم". وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فساقها ابنُ أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (١/ ٣٠٢) فقال: (٣٤٥٢) حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كانوا ثلاثةً، فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم". وساقها الإمام أحمد ﵀ أيضًا في "مسنده"، فقال: (١٠٩٠٥) حدّثنا محمد بن جعفر، وسئل عن الثلاثة يجتمعون، فتحضرهم الصلاة؟ قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا اجتمع ثلاثةٌ، فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، جَمِيعًا عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ يْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ) بن أبي عطاء البصريّ الْجَزَريّ، أبو سعيد العطار، صدوقٌ، له أوهامٌ [٩].

стр. 8046

رَوَى عن سعيد بن إياس الْجُرَيريّ، وابن جريج، وابن أبي عروبة، وابن عون، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وعَمرو بن عليّ، وقتيبة، وأبو موسى، وبندار، وأبو هشام الرِّفاعيّ، وعقبة بن مُكْرَم، ويزيد بن سنان القَزّاز، وعبد الرحمن بن منصور الحارثيّ، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ما بحديثه بأس، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوقٌ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به، وقال عمرو بن عليّ: قلت ليحيى بن سعيد: قال سالم بن نوح: ضاع مني كتاب يونس، يعني ابن عبيد، والجزريّ، فوجدتهما بعد أربعين سنة، قال يحيى: وما بأس بذلك، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: عنده غرائب، وأفراد، وأحاديثه مُحْتَمَلَةٌ، متقاربة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الساجيّ: صدوقٌ، ثقةٌ، وأهل البصرة أعلم به من ابن معين، وذكره ابن شاهين في "الثقات"، وقال: قال ابن معين: ليس بحديثه بأسٌ، وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن قانع: مات سنة (٢٠٠)، وهو بصريّ ثقة، وقال البخاريّ عن الجراح بن مَخْلَد: مات بعد المائتين. أخرج البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث. ٣ - (حَسَنُ بْنُ عِيسَى) بن ماسَرْجِس (١)، أبو عليّ النيسابوريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ١٠١. ٤ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد اللَّه الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ الإمام الحافظ الفقيه الحجة المشهور، ذو المناقب الجمّة [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢. ٥ - (الْجُرَيْرِيُّ) -بضم الجيم، مصغّرًا- سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.

стр. 8047

والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية الْجُرَيريّ، عن أبي نضرة هذه، ساقها ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/ ١٠٠) فقال: (١٧٠١) أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر (١)، نا محمد بن بشار، ثنا سالم بن نوح، أخبرنا الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا اجتمع ثلاثةٌ، أمّهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٣٣] (٦٧٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ (٢) اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّن الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ"، قَالَ الْأَشَجُّ فِي رِوَايَتِهِ مَكَانَ سِلْمًا: "سِنًّا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد اللَّه بن سعضد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧. ٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل بابين. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءِ) بن ربيعة الزُّبَيديّ، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ، تكلّم فيه الأزديّ بلا حجة [٥] (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٦. ٤ - (أَوْسُ بْنُ ضَمْعَجٍ) -بفتح الضاد المعجمة، وسكون الميم، بعدها

стр. 8048

عينٌ مهملة مفتوحةٌ، ثم جيم، بوزن جَعْفَر- الكوفي الحضرميّ، ويقال: النخعيّ، ثقةٌ مخضرم، [٢]. رَوَى عن أبي مسعود الأنصاريّ، وسلمان الفارسيّ، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عمران، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وإسماعيل بن رجاء، وقال: كان من القراء الأُوَل، وذكر منه فَضْلًا، وقال شبابة: حدّثنا شعبة، وذُكِر عنده أوس بن ضَمْعَج، فقال: واللَّه ما أراه إلا كان شيطانًا، يعني لجودة حديثه، ورَوَى الحسين بن الحسن الرازيّ، عن ابن معين: لا أعرفه، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: أدرك الجاهلية، وكان ثقةً، معروفًا، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال خليفة بن خياط: كان في ولاية بشر بن مروان سنة (٧٤). أخرج له مسلم والأربعة وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. ٥ - (أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ) عُقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات قبل (٤٠)، أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إسماعيل، عن أوس. ٤ - (ومنها): أن صحابته اشتهر بأنه بدريّ نسبةً إلى بدر، قيل: لشهوده غزوة بدر، وهو الذي ذكره البخاريّ في "صحيحه"، وقيل: إنه لم يشهدها، وإنما نُسب إليها لسكناه بها، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو البدريّ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) خبر بمعنى الأمر، أي ليؤُمَّ

стр. 8049

القوم أقرؤهم، بدليل حديث عمرو بن سَلِمَةَ عند البخاريّ: "ليؤمكم أكثركم قرآنًا". يعني أنه يجب أن يُقَدَّم الأقرأ لكتاب اللَّه تعالى في الصلاة بالناس على غيره. وقد اختُلِف في المراد من الأقرأ، فقيل: المراد أحسنهم قراءة، وأعلمهم بأحكامها، وإن كان أقلهم حفظًا، وقيل: أكثرهم حفظًا للقرآن، ويدلّ عليه حديث عمرو بن سَلِمة المذكور، وقيل: المراد به الأفقه؛ لأنك إذا اعتَبَرت أحوالَ الصحابة وجدت أن أفقههم أقرؤهم، فيكون المراد من قوله ﷺ : "أقرؤهم لكتاب اللَّه"، أي أعلمهم به. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح تفسيره بالأكثر حفظًا للقرآن؛ لحديث عمرو بن سلِمة ﵁؛ فإن خيرَ ما فُسِّر به الحديث ما جاء في حديث آخر، كما قال في "ألفية الحديث": وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ … عَنِ الصَّحَابِيّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوَا واللَّه تعالى أعلم. وقال الإمام الخطابيّ ﵀: وهذا هو الصحيح المستقيم في الترتيب، وذلك أنه ﷺ جعل مِلاك الإمامة القراءة، وجعلها مُقَدَّمةً على سائر الخصال المذكورة معها، والمعنى في ذلك أنهم كانوا قومًا أُمِّيين، لا يقرؤون، فمن تَعَلَّم منهم شيئًا من القرآن كان أحق بالإمامة ممن لم يتعلم؛ لأنه لا صلاة إلا بقراءة، وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة، وكانت ركنًا من أركانها صارت مقدمة في الترتيب على الأشياء الخارجة عنها. ثم تلا القراءة العلم بالسنّة، وهي الفقه، ومعرفة أحكام الصلاة، وما سَنَه رسولُ اللَّه ﷺ فيها، وبيّنه من أمرها، فإن الإمام إذا كان جاهلًا بأحكام الصلاة، وبما يَعْرِض فيها من سهو، ويقع من زيادة ونقصان أفسدها، وأخدجها، فكان العالم بها، والفقحِه فيها مُقَدَّمًا على من لم يَجْمَع علمها، ولم يعرف أحكامها. ومعرفةُ السنّة، وإن كانت مؤخَّرة في الذكر، وكانت القراءة مبدوءًا بذكرها، فإن الفقيه العالم بالسنّة إذا كان يقرأ من القرآن ما تجوز به الصلاة

стр. 8050

أحقّ بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان متخلفًا عن درجته في علم الفقه، ومعرفة السنّة. وإنما قُدم القاوئ في الذكر؛ لأن عامة الصحابة إذا اعتَبَرْتَ أحوالَهُم وجدت أقرأهم أفقههم. وقال ابن مسعود ﵁: كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يَخْرُج عنها إلى غيرها حتى يُحكِم علمها، أو يَعْرِف حلالها وحرامها، أو كما قال. فأما غيرهم ممن تأخر بهم الزمان، فإن أكثرهم يقرؤون القرآن، ولا يفقهون، فقراؤهم كثير، والفقهاء منهم قليل. انتهى كلام الخطابيّ ﵀. وقال النوويّ ﵀: فيه دليل من يقول بتقديم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وبعض أصحابنا، وقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما: الأفقه مُقَدَّمٌ على الأقرأ؛ لأن الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يُحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يَعْرِض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه، قالوا: ولهذا قدم النبيّ ﷺ أبا بكر ﵁ في الصلاة على الباقين، مع أنه ﷺ نَصَّ على أن غيره أقرأ منه. وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، لكن في قوله: "فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنَّة" دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا. قال: ولنا وَجْهٌ اختاره جماعة من أصحابنا، أن الأورع مُقَدَّم على الأفقه والأقرأ؛ لأن مقصود الإمامة يحصل من الأورع أكثر من غيره. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي اختاروه من تقديم الأورع على الأقرأ قول مخالف لهذا الحديث الصحيح الصريح، فلا ينبغي الالتفات إليه، فالحقّ ما ذهب إليه الإمامان: أبو حنيفة وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- من تقديم الأقرأ مطلقًا، وسيأتي تحقيق ذلك بدليله في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً) "سواءً" خبر "كان" بمعنى مُسْتَوِين، أي إن

стр. 8051

استووا في القدر المعتبر من القراءة؛ إما في حسنها، أو في كثرتها وقلتها على القولين. (فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) أي فيؤم أكثرهم علمًا بالسنَّة، قال السنديّ ﵀: حملوها على أحكام الصلاة. انتهى. وقال الشوكانيّ ﵀: فيه أن مزية العلم مقدَّمةٌ على غيرها من المزايا الدينية. وقال الطيبيّ ﵀: أراد بها الأحاديث، فالأعلم بها كان أفقه في عهد الصحابة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "في عهد الصحابة" فيه نظرٌ؛ إذ الأعلم بالأحاديث هو الأفقه على الإطلاق في عهدهم وبعد عهدهم، فإن الفقه هو فهم الأحكام الشرعية التي أنزلها اللَّه تعالى في كتابه، والأحاديثُ هي الْمُبَيِّنة لمعاني الكتاب، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأهل الحديث هم الأفقهون، ولا التفات إلى ما يُهَوِّش به أعداء السنّة من تهوين أمر الحديث، وتخذيلهم الأغبياء عن الاهتمام بالحديث، وكأن الحديث عندهم ليس مصدرًا للفقه ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. (فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقدَمُهُمْ هِجْرَةً) عطف على "أعلمهم بالسنّة"، والفاء للترتيب، أي يؤم القوم أقدمهم في الهجرة، يعني أن الأسبق في الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، يكون أولى بالإمامة ممن تأخر في ذلك. وإنما قُدِّمَ؛ إما لأن القِدَم في الهجرة شرفٌ يقتضي التقديم، أو لأن من تقدمت هجرته لا يخلو غالبًا عن كثرة العلم بالنسبة إلى من تأخر، قاله السنديّ. ثم إن الهجرة المقدَّم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره ﷺ ، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور، وأما حديث: "لا هجرة بعد الفتح"، متّفقٌ عليه، فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وهذا لا بُدّ منه للجمع بين الأحاديث، قاله الشوكانيّ ﵀. وقال النوويّ ﵀: قال أصحابنا -يعني الشافعية-: يدخل فيه طائفتان:

стр. 8052

[أحدهما]: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا، وعند جمهور العلماء، وقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح"؛ أي لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. [الطائفة الثانية]: أولاد المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ ، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قدم الأول. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وفي الاستدلال بحديث الباب على الطائفة الثانية بُعْد لا يخفى، فتأمّله بإنصاف. وقال بعضهم: المعتبر اليوم الهجرة المعنوية، وهي هجرة المعاصي، فيكون الأورع أولى. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: تخصيصه باليوم فيه نظرٌ، بل الظاهر حمل الحديث على ما يعم الهجرتين مطلقًا، في أيّ زمن كان؛ لأن هجرة المعاصي هي الهجرة الحقيقية؛ لحديث عبد اللَّه بن عمرو بالمتفق عليه مرفوعًا: "والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه". فيكون المعنى أنه يُقَدَّم في الإمامة من كان أسبق للَّهجرة، أي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو أسبق لهجران المعاصي على من تأخر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: في رواية مسلم هنا تقديم الأعلم بالسنّة على الأقدم في الهجرة، وقد ساقه من رواية أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، ثم من رواية أبي معاوية، وجرير، وابن فضيل، وسفيان كلهم عن الأعمش، وهكذا عند أبي داود، والترمذيّ، وأحمد في "مسنده"، وابن خزيمة في "صحيحه". وقع عند النسائيّ ﵀: في "المجتبى" (٣/ ٧٨٠)، وفي "الكبرى" (٣/ ٨٥٥) من رواية فضيل بن عياض، عن الأعمش، تقديم الأقدم في الهجرة على الأعلم بالسنّة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن ما وقع عند النسائيّ خطأ، والصواب ما عند هؤلاء، لاتفاق هؤلاء الحفاظ عليه، ومخالفة فضيل لهم،

стр. 8053

وقد حقّقت ذلك في "شرح النسائيّ" فراجعه (١) تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا) -بكسر السين المهملة، وسكون اللام- أي إسلامًا، وهذا لفضيلة السبق إلى الإسلام، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وفي رواية الأشجّ: "سِنًّا" مكان "سِلْمًا"، يعني أنه إن استوى القوم في الهجرة، فيؤمهم أقدمهم إسلامًا، أو أكبرهم سِنًّا. قال في "النيل": أي يقدَّم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن تلك فضيلة يُرَجَّح بها، وجعل البَغَويّ أولاد من تقدّم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل عليه. انتهى (٢). وقال القاضي عياض ﵀: وقد روي عن الزهريّ في هذا الحديث: "فإن استووا في القراءة، فأفقههم في دين اللَّه، فإن كانوا في الفقه سواءً، فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا في السنّ سواءً، فأصبحهم وجهًا، فإن كانوا في الصباحة والحسن سواءً، فأكثرهم حسبًا". انتهى (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي روي عن الزهريّ مما لا دليل عليه، فإن التقديم بحسن الوجه وشرف الحسب، مما لم يرد في النصّ أصلًا، ومما يُتعجّب منه أن في كتب الفقهاء قد يوردون في هذا الترتيب أشياء لم يُنزل اللَّه تعالى بها من سلطان. فعلى سبيل المثال استمع إلى ما كتبه صاحب "الدرّ المختار" وهو من أشهر كتب الفقه الحنفيّ، حيث قال بعد ذكر الأعلم، والأحسن تلاوة، والأورع: ثم الأحسنُ خُلُقًا، ثم الأحسن وجهًا، ثم الأشرف نسبًا، ثم الأحسن صوتًا، ثم الأحسن زوجةً، ثم الأكثر مالًا، ثم الأكثر جاهًا، ثم الأنظف ثوبًا، ثم الأكبر رأسًا، والأصغر عضوًا (٤)، يعني ذَكرًا، إلى آخر كلامه.

стр. 8054

انظر إلى ماذا وصل بهم الجهل بالسنّة، والبعد عن اتباعها، ودراسة كتبها، أو التجاهل بها، أو التقليد الأعمى لكلّ ذي هوى، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه، فهل يصدر من أيّ عاقل فضلًا عن أهل العلم أن يسأل الحاضرين مَن أصغر منكم ذكرًا؟، حتى يؤمّنا، أو يقول لشخص إنك أكبر ذكرًا من الحاضرين فلا تؤمهم، إن هذه لهي الْوَقَاحة، بل هو ذهاب الحياء والمروءة بالكليّة، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين. (وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ) "لا" ناهية، والفعل مبنيّ؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو مبنيّ للفاعل، و"الرجل" الأول مرفوع على الفاعليّة، والثاني منصوب على المفعولية، وفي رواية شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الآتية: "ولا تؤمَّنَّ الرجل في أهله، ولا في لسُلطانه"، وفي رواية الترمذيّ، والنسائيّ رحمهما اللَّه: من طريق شعبة، عن إسماعيل أيضًا: "ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلَسُ على تكرمته"، بالبناء للمفعول (فِي سُلْطَانِهِ) قال التوربشتيّ ﵀: السلاطة: التمكّن من القهر، وهو من التسلّط، ومنه السلطان، والسلطان يقال في السلاطة، ولذي السلاطة، والمراد الأول، والمعنى: لا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في محلّ ولايته، ومظهر سلطانه، أو فيما يملكه، أو في محل يكون في حكمه، وَيعْضِد هذا التأويل الرواية الأخرى: "في أهله"، وفي رواية أبي داود: "في بيته، ولا في سلطانه"، ولذا كان ابن عمر ﵄ يصلي خلف الحجاج، وصحّ عن ابن عمر أن إمام المسجد مقدم على غير السلطان. وتحريره أن الجماعة شُرِعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتآلفهم، وتوادّهم، فإذا أمَّ الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع رِبْقَة الطاعة، وكذلك إذا أمّه في قومه وأهله أدّى ذلك إلى التباغض، والتقاطع، وظهور الخلاف الذي شُرع لدفعه الاجتماع، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة، لا سيما في الأعياد والجمعات، ولا على إمام الحيّ، ورب البيت إلا بالإذن. انتهى (١).

стр. 8055

وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه": معناه ما ذكره أصحابنا -يعني الشافعية- وغيرُهم؛ أن صاحب البيت، والمجلس، هامام المسجد، أحقّ من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه، وأقرأ، وأورع، وأفضل منه، وصاحب المكان أحقُّ، فإن شاء تقدم، وإن شاء قدَّم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدِّمه مفضولًا بالنسبة إلى باقي الحاضرين؛ لأنه سلطانه، فيتصرف فيه كيف شاء. قال أصحابنا: فإن حضر السلطان، أو نائبه، قُدِّم على صاحب البيت، وإمام المسجد، وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامّة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن من هو أفضل منه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). (وَلَا يَقْعُدْ) "لا" ناهية أيضًا، والفعل مجزوم بها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو الظاهر، وذكر في "المرعاة" أنه قيل: بالرفع، فإن صحّ روايةً فـ "لا" تكون نافية، والمراد بالنفي هو النهيُ، وإلا فالوجه هو الأول، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ) نهي للرجل أيضًا عن القعود على ما يُكرَمُ به الرجل في بيته من فراش أو نحوه، إلا بإذنه. و"التكرمة": -بفتح التاء، وكسر الراء- هي في الأصل مصدر على تَفْعِلَة من كَرَّمَ المضعَّف، على قلة؛ لأن قياس مصدر فَعَّل المضاعف إذا كان صحيح اللام على تَفْعِيلٍ، ككلّم تكليمًا، وسلّم تسليمًا، وندر مجيئه على تَفْعِلَةٍ، كَكَرَّمَ تَكْرِمَةً، وجَرّب تَجْرِبَةً، وإذا كان معتلّ اللام جاء على تفعِلَة، كزكَّى تزكية، وولّى تولية، وندر مجيئه على تفعيل، كقوله [من الرجز]: بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا … تَنْزِيَّا كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا وإلى هذا أشار ابن مالك في "لامية الأفعال"، حيث قال [من البسيط]: لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالًا أَوْ مُفَاعَلَةً … وَفَعَّلَ اجْعَلْ لَهُ التَّفْعِيلَ حَيْثُ خَلَا مِنْ لَامٍ اعْتَلَّ لِلْحَاوِيهِ تَفْعِلَةً … الْزَمْ وَللْعَارِ مِنْهُ رُبَّمَا بُذِلَا أُطْلِق هنا مجازًا على ما يُعَدُّ للرجل إكرامًا له في منزله.
следующие страницы →