أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان، بألف وألف، فَطَعَن عامر في بيت أم فلان، فقال: غُدّة كغُدّة البكر، في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفَرَسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، وهو رجل أعرج، ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتُؤَمِّنوني أبلغ رسالة رسول اللَّه ﷺ ، فجعل يُحَدِّثهم، وأومئوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه - قال همام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح، قال: اللَّه أكبر، فزْتُ ورب الكعبة، فَلُحِق الرجل، فقتلوا كلهم غير الأعرج، كان في رأس جبل، فأنزل اللَّه علينا، ثم كان من المنسوخ: "إنا قد لقينا ربنا، فرضي عنّا، وأرضانا"، فدعا النبيّ ﷺ عليهم ثلاثين صباحًا، على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا اللَّه ورسوله ﷺ .
ومن رواية قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ أن رِعْلًا، وذَكْوَان، وعُصَيّة، وبني لِحْيان استمَدُّوا رسول اللَّه ﷺ على عَدُوّ، فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القُرّاء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار (١)، ويصلّون بالليل، حتى كانوا ببئر مُعُونة قتلوهم، وغَدَرُوا بهم، فبلغ النبيّ ﷺ ، فقنت شهرًا يدعو في الصبح، على أحياء من أحياء العرب، على رِعْل، وذكوان، وعُصَيّة، وبني لِحْيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إن ذلك رُفِع: "بَلّغوا عنا قومنا أنا لَقِينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا".
وفي رواية: أن النبيّ ﷺ أتاه رِعْلٌ، وذَكْوان، وعُصَيّة، وبنو لِحْيان، فزعموا أنهم قد أسلموا، واستمدُّوه على قومهم، فأمدَّهم النبيّ ﷺ بسبعين من الأنصار، قال أنس: كنا نسميهم القراء، يَحْطِبون بالنهار، ويصلّون بالليل، فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر مَعُونة غَدَرُوا بهم، وقتلوهم، فقنت شهرًا يدعو على رِعْل، وذَكْوان، وبني لِحيان، قال قتادة: وحدّثنا أنس أنهم قرءوا بهم قرآنًا: "ألا بَلِّغُوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا، فَرَضِي عنّا، وأرضانا"، ثم رُفِع ذلك بَعْد.
стр. 8122
وقال في "العمدة" عند قوله: "يقال لهم القُرّاء": جمع قارئ، سُمّوا بذلك؛ لكثرة قراءتهم للقرآن، وهم طائفة كانوا من أوزاع الناس نزلوا الصُّفّة يتعلمون القرآن، بعثهم رسول اللَّه ﷺ إلى أهل نجد؛ ليدعوهم إلى الإسلام، وليقرأوا عليهم القرآن، فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء، وهم رِعْل، وذكوان، وعصية، وقاتلوهم فقتلوهم، ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاريّ، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة، وأغرب مكحول حيث قال: إنها كانت بعد الخندق.
وقال ابن إسحاق: فأقام رسول اللَّه ﷺ يعني بعد أُحد بقية شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرَّم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أُحد، قال موسى بن عقبة: وكان أمير القوم المنذر بن عمرو، ويقال: مرثد بن أبي مرثد، وقال ابن سعد: قَدِم أبو براء، عامر بن مالك بن جعفر الكلابيّ، مُلاعِبُ الأَسِنَّة، فأهدى للنبيّ ﷺ ، فلم يَقْبَل منه، وعَرَضَ عليه الإسلام، ولم يُسْلِم، ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت معي رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد، رجوت أن يستجيبوا لك، فقال ﷺ : "إني أخشى عليهم أهل نجد"، قال: أنا لهم جارٌ، إن تعرّض لهم أحد، فبعث معهم القراء، وهم سبعون رجلًا.
وفي "مسند السرّاج": أربعون، وفي "المعجم": ثلاثون، ستة وعشرون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين، وكانوا يُسَمَّون القرّاء، يصلُّون بالليل، حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب، واستعذبوا الماء، فوضعوه على أبواب حُجَرِ رسول اللَّه ﷺ ، فبعثهم جميعًا، وأَمَّر عليهم المنذر بن عمرو، أخا بني ساعدة، فسارعوا، حتى نزلوا بئر معونة -بالنون- فلما نزلوها بَعَثُوا حرام بن مِلْحان بكتاب رسول اللَّه ﷺ إلى عدوّ اللَّه عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، حتى عدا على الرجل فقتله، ثم اجتمع عليه قبائل من سُلَيم: عصيةُ، وذكوان، ورِعْلٌ، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قُتِلُوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه، وبه رَمَقٌ، فعاش، حتى قُتِل يوم الخندق شهيدًا.
وكان في القوم عمرو بن أمية الضَّمْريّ، فأُخِذ أسيرًا، فلما أخبرهم أنهم
стр. 8123
من مضر أخذه عامر بن الطفيل، فَجَزَّ ناصيته، وأعتقه، فبلغ ذلك أبا براء، فَشَقَّ عليه ذلك، فَحَمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل، فطعنه بالرمح، فوقع في فخذه، ووقع عن فرسه. انتهى (١).
وقال في "الفتح" عند قوله: "بعث النبيّ ﷺ سبعين رجلًا لحاجة": فَسَّر قتادة الحاجة بقوله: "إن رعلًا وغيرهم استمدوا رسول اللَّه ﷺ على عدوّ، فأمدّهم بسبعين من الأنصار".
وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، بلفظ: أن النبيّ ﷺ أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان، فزعموا أنهم أسلموا، واستمدُّوا على قومهم.
وقال ابن إسحاق: حدّثني أبي، عن المغيرة بن عبد الرحمن وغيره، قال: قَدِم أبو براء، عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة على رسول اللَّه ﷺ ، فعَرَض عليه الإسلام، فلم يُسلم، ولم يبعد، وقال: يا محمد لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد، رجوت أن يستجيبوا لك، وأنا جار لهم، فبعث المنذر بن عمرو في أربعين رجلًا، منهم الحارث بن الصّمّة، وحرام بن مِلْحان، ورافع بن بُديل بن وَرْقاء، وعروة ابن أسماء، وعامر بن فُهَيرة، وغيرهم من خيار المسلمين.
ويمكن الجمع بين قوله: "أربعين رجلًا"، وبين الذي في "الصحيح" أنهم "سبعون رجلًا" بأن الأربعين كانوا رؤساء، وبقية العِدَّة أتباعًا، ووَهِمَ من قال: كانوا ثلاثين فقط، أفاده في "الفتح" (٢).
(ثَلَاثِينَ صَبَاحًا، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ) بكسر، فسكون: حيّ من سُليم (وَذَكْوَانَ) -بفتح الذال المعجمة، وسكون الكاف-: بطن كبير من سُليم أيضًا، وهو غير منصرف للعلميّة، وزيادة الألف والنون (وَلِحْيَانَ) بكسر اللام، وقيل: بفتحها، وسكون الحاء المهملة.
[تنبيه]: قال في "الفتح": ذكر بني لِحيان في هذه القصّة وَهَمٌ، وإنما كان
стр. 8124
بنو لِحْيان في قصّة خُبيب في غَزْوة الرجيع التي قبل هذه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في دعواه الوهم في ذكر بني لِحيان في هذه القصّة نظر لا يخفى، فإنهم مذكورون في معظم روايات "الصحيحين"، فلم لا يُقال: إنهم شاركوا في الغزوتين، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
(وَعُصَيَّةَ) بطن من بني سُليم، قبيلة تُنسب إلى عُصَيّة بن خُفَاف بن ندبة بن بُهثة بن سُليم.
وقوله: (عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الضمير المستتر الفاعل يعود على القبائل المذكورة كلّها، والجملة مستأنفة؛ استئنافًا بيانيًّا، كأن قائلًا قال له: لماذا دعا عليهم، فأجاب بأنهم عصوا اللَّه تعالى ورسوله ﷺ .
قال السنديّ ﵀: وفي وصله لفظًا بعُصَيّة مناسبة المجانسة، كما لا يخفى. انتهى (٢).
ويَحْتَمِل أن يكون جملة "عَصَتِ اللَّه ورسوله" صفة لـ "عُصيّة"، ويدلّ على هذا رواية أبي مِجْلَز، عن أنس ﵁ الآتية بلفظ: "وعُصيّةُ عَصَتِ اللَّه ورسوله"، وإنما خصّهم به، لمناسبة اسمهم، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ أَنَسٌ) ﵁ (أَنْزَلَ اللَّهُ في) شأن الصحابة (الَّذِينَ قُتِلُوا) بالبناء للمفعول (بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا) منصوب على المفعوليّة، وقوله: (قَرَأْنَاهُ) صفة لـ "قرآنًا" (حَتَّى نُسِخَ) غاية لقراءتهم، والفعل مبنيّ للمفعول (بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد قراءتنا له (أَنْ) الظاهر أن "أن" هنا زائدة للتأكيد، ويدلّ على ذلك حذفها في رواية البخاريّ، ولفظه: "بلّغوا عنّا قومنا أَنّا لَقِينا ربنا، فَرَضِي عنّا، وأرضانا" (٣)، وفي رواية له: "ألا بلّغوا عنّاهومنا بأنّا قد لَقِينا ربنا، فَرَضِي عنّا، وأرضانا" (٤).
والضمير في قوله: (بَلِّغُوا) الظاهر للملائكة؛ لأنهم قالوا هذا بعد قتلهم،
стр. 8125
ولقاء ربّهم، وفي "الطبقات" لابن سعد: "فلما أُحيط بهم قالوا: اللهم إنا لا نَجِد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك، فأقرئه منا السلام، فأخبره جبرائيل ﵇ بذلك، فقال: وعليهم السلام". انتهى (١).
(أَنْ) هنا مصدريّة (قَدْ لَقِينَا) بكسر القاف، من باب تَعِبَ (رَبَّنَا) منصوب على المفعوليّة (فَرَضِيَ عَنَّا) بأعمالنا الصالحة، ومن أعظمها بعد الإيمان الاستشهاد في سبيل اللَّه تعالى (وَرَضِينَا عَنْهُ) بثوابه العظيم لنا، فقد أعدّ اللَّه تعالى لهم ما لا يُدرك وصفه بوصف البشر، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه: أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ".
وأخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من آمن باللَّه ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًّا على اللَّه أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل اللَّه، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها"، قالوا: يا رسول اللَّه أفلا نبشّر الناس بذلك؟ قال: "إن في الجنة مائةَ درجة، أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه، فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا أبا سعيد، من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وجبت له الجنة"، فَعَجِب لها أبو سعيد، فقال: أعدها عليّ يا رسول اللَّه، ففعل، ثم قال: "وأخرى يُرْفَع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض"، قال: وما هي يا رسول اللَّه؛ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه، الجهاد في سبيل اللَّه"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 8126
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ١٥٤٥ و ١٥٤٦ و ١٥٤٧ و ١٥٤٨ و ١٥٤٩ و ١٥٥٠ و ١٥٥١ و ١٥٥٢ و ١٥٥٣ و ١٥٥٤] (٦٧٧)، و (البخاريّ) في "الوتر" (١٠٠١ و ١٠٠٢ و ١٠٠٣ و ١٠٠٤) و"الجنائز" (١٣٠٠) و"الجهاد" (٢٨٠١ و ٢٨١٤ و ٣٠٦٤) و" الجزية" (٣١٧٠) و"المغازي" (٤٠٩١ و ٤٠٩٤ و ٤٠٩٥ و ٤٠٩٦) و"الدعوات" (٦٤٩٤) و"الاعتصام" (٧٣٤١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٤٠ و ١٤٤٤ و ١٤٤٥)، و (النسائيّ) في "التطبيق" (١٠٧٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٩٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢١٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٤٤)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢٤٣ و ٢٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥١٦ و ١٥١٧ و ١٥١٨ و ١٥١٩ و ١٥٢٠ و ١٥٢١ و ١٥٢٢ و ١٥٢٣ و ١٥٢٤ و ١٥٢٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٢٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٧٣ و ١٩٨٢ و ١٩٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٩٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٣٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القنوت للنوازل.
٢ - (ومنها): بيان ما أكرم اللَّه به هؤلاء الصحابة الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل اللَّه، حيث أنزل فيهم قرآنًا يُتلى، ثم نسخت تلاوته، ونزل بدله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية، فقد أخرج الطبريّ ﵀ حديث أنس ﵁ هذا من طريق عكرمة، عن إسحاق بن أبي طلحة، فقال في آخره: قال إسحاق: حدّثني أنس بن مالك، أن اللَّه أنزل فيهم قرآنًا: "بلّغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه"، ثم نُسخت، فرُفعت بعدما قرآناها زمانًا، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩] (١).
стр. 8127
٣ - (ومنها): بيان جواز نسخ الخبر كالإنشاء، ولا يكون نسخه تكذيبًا، وإنما يكون نسخه رفع تلاوة فقط، كما أن نسخ الأحكام ترك العمل بها، فربما عُوّض من المنسوخ من الأحكام حكم غيره، وربّما لم يُعوّض عنه، وكذلك نسخ الخبر معناه رفع ذكره، وترك تلاوته، لا أن يُكَذَّب بخبر آخر مضادّ له، ومثله مما نُسخ من الخبر ما كان يُقرأ في القرآن: "لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثًا"، أفاده في "العمدة" (١).
وبقيّة الفوائد تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ (٢): نَعَمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قريبًا، فإسماعيل ابن عُليّة، وأيوب السختيانيّ تقدّما في الباب الماضي، ومحمد بن سيرين تقدّم قبل خمسة أبواب، والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (قُلْتُ لِأَنَسٍ) بَيّنت رواية المصنّف ما وقع في رواية البخاريّ من إبهام السائل، ولفظه: "سُئل أنس: أقنت النبيّ ﷺ في الصبح؟ "، فتبيّن بما هنا أن السائل هو محمد بن سيرين، فتنبّه.
وقوله: (قَالَ) وفي نسخة: "فقال".
وقوله: (بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا) قد تبيّن مقدار هذا اليسير بأنه شهر، في رواية أبي مِجْلَز، وأنس بن سيرين، وعاصم الأحول الآتية بعد هذا، وتمام
стр. 8128
شرح الحديث قد سبق، وكذا بيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا (١) الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَنَتَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَيَقُولُ: "عُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ، ابن راهويه، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣.
٥ - (الْمُعْتَمرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٦ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان البصريّ، تقدّم أيضًا قبل خمسة أبواب.
٧ - (أَبُو مِجْلَزٍ) -بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح اللام، بعدها زاي- لاحق بن حُميد بن سعيد، ويقال: شعبة بن خالد بن كثير بن حبيش بن عبد اللَّه بن سَدُوس السدوسيّ البصريّ الأعور، قدم خراسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ، من كبار [٣].
رَوَى عن أبي موسى الأشعريّ، والحسن بن عليّ، ومعاوية، وعمران بن
стр. 8129
حُصين، وسمرة بن جندب، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وحفصة، وأم سلمة، وأنس، وجندب بن عبد اللَّه، وسلمة بن كُهيل، وقيس بن عُبَاد، وغيرهم، وأرسل عن عمر بن الخطاب، وحذيفة.
ورَوَى عنه قتادة، وأنس بن سيرين، وأبو التّيّاح، وسليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وحبيب بن الشهيد، وأبو هاشم الرّمّاني، وعِمران بن حُدَير، وأبو مَكِين نوح بن ربيعة، ويزيد بن حيّان، أخو مقاتل، وعمارة بن أبي حفصة، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وكان يحب عليًّا، وقال أبو زُرعة، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وقال ابن حبان، عن ابن معين: مضطرب الحديث، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: لم يسمع من حذيفة، وقال ابن المدينيّ: لم يَلْقَ سَمُرة، ولا عمران، وقال الطيالسيّ، عن شعبة: كانت تجيئنا أحاديث عنه كأنه شيعيّ، وأحاديث كأنه عثمانيّ، وقال النضر بن شُميل، عن هشام بن حسان: كان أبو مِجْلز قَصيرًا عَليلًا، فإذا تكلم كان من الرجال، وقال رَوْح بن عُبادة، عن عمران بن حُدَير، عن أبي مِجْلز: شَهِدت بشهادة عند زُرَارة بن أوفى وحدي، فقَضَى بها، وقال ابن عبد البر: هو ثقةٌ عند جميعهم، وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن حديث التيميّ، عن أبي مِجْلَز، أن ابن عباس والحسن بن عليّ مَرَّت بهما جنازة؟ فقال: مرسل.
قال ابن سعد: تُوفي قبل الحسن، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: مات سنة مائة، أو إحدى ومائة، وقال خليفة: مات سنة ستّ، وقال عمرو بن عليّ، والترمذيّ: مات سنة تسع ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم (٦٧٧) و (٧٥٢) وكرره ثلاث مرات و (١٤٢٨) و (١٨٥٠) و (٣٠٣٣).
٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) ﵁ ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه لا يوجد في الرواة من يشارك أبا مِجْلَزٍ في كنيته، ولا في اسمه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (عُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) "عُصيّة" مبتدأ خبره الجملة بعده.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى، شرحه، وبيان مسائله في الحديث
стр. 8130
الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ (١)، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، يَدْعُو عَلَى بَنِي عُصَيَّةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ بْن أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد (٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو عبد اللَّه البصريّ، أخو محمد، ثقةٌ [٣] (ت ١١٨) أو (١٢٠) (ع) تقدم في "المساجد" ٤٧/ ١٤٩٤.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: قَبلَ الرُّكُوعِ، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ
стр. 8131
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ قَتَلُوا أُنَاسًا (١) مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كالإسنادين التاليين، وهو (٩٦) من رباعيّات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْن أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ عَلَى سَرِيَّةٍ مَا وَجَدَ عَلَى السَّبْعِينَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، كَانُوا يُدْعَوْنَ الْقُرَّاءَ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَتَلَتِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْن أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب، و"سُفْيَانُ": هو ابن عيينة، و"عاصم": هو الأحول.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه ولاحقه، وهو (٩٧) من رباعيّات الكتاب.
стр. 8132
وقوله: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) "ما" هذه نافية، بخلاف الآتية، فإنها مصدرية.
وقوله: (وَجَدَ) أي حَزِنَ، وهو بفتح الواو والجيم مثلّثة على ما قاله في "التاج"، واقتصر في "المصباح"، و"القاموس" على ضبطه بكسر الجيم فقط، وتعقّب ذلك في "التاج"، ودونك عبارته: قال عند قول صاحب "القاموس": "وَكَذَا في الحُزْنِ"، ولكن بِكَسْر ماضِيه، ما نصّه: مُرَاده أَن وَجِدَ في الحُزْنِ مِثْل وَجَدَ في الحُبِّ، أَي ليس له إَّلا مَصْدَرٌ واحِدٌ، وهو الوَجْدُ، وإِنما يخالفه في فِعْله، ففِعل الحُبِّ مفتوح، وفِعْل الحُزن مَكسورٌ، وهو المراد بقوله: ولكن بكسرِ ماضِيه، قال شيخُنا: والذي في "الفصيح" وغيرهِ من الأُمَّهات القديمةِ كـ "الصّحاح"، و"العَيْن"، و"مُخْتَصر العينِ" اقتَصَرُوا فيه على الفَتْح فقط، وكلامُ المصنّف (١) صَرِيحٌ في أَنه إِنما يُقال بالكَسْرِ فقطْ، وهو غَرِيبٌ، فإِن الذين حَكَوْا فيه الكَسْرَ ذَكَرُوه مع الفَتْح الذي وَقَعَتْ عليه كَلِمَةُ الجماهيرِ، نَعمْ حَكَى اللَّحْيَاني فيه الكسْرَ والضَّمَّ في كتابِه "النوادِر"، فظَنَّ ابنُ سِيدَه أَن الفَتْحَ الذي هو اللغةُ المشهورةُ غير مَسمُوعٍ فيه، واقتصر في "الْمُحكمِ" على ذِكْرِهما فقط، دون اللغَةِ المشهورةِ في الدَّوَاوِين، وهو وَهَمٌ. انتهى.
قلت (٢) والذي في "اللسانِ": ووَجَدَ الرَّجُلُ في الحُزْنِ وَجْدًا بالفتح، ووَجِدَ - كِلَاهُمَا عن اللِّحيانيّ: حَزِنَ فهو مُخَالِفٌ لما نَقَلَه شَيْخُنَا عن اللِّحْيَانيّ من الكَسْرِ والضّمِّ، فليتأَمَّل.
ثم قال شيخُنَا: وابنُ سِيدَهْ خالَفَ الجُمْهُورَ، فَأَسْقَطَ اللُّغَةَ المشهورَةَ، والمُصَنِّف (٣) خالَف ابنَ سِيدَهْ الذي هو مُقْتَدَاه في هذه المادَّةِ، فاقتَصَر على الكَسْرِ، كأَنَّه مُرَاعاةً لِرَدِيفه الذي هو حَزِنَ، وعلى كُلِّ حالٍ فهو قُصُورٌ وإِخلالٌ، والكَسْر الذي ذَكَرَه قد حكاه الهَجَرِيُّ، وأَنشَدَ [من الطويل]:
فَوَاكَبِدَا مِمَّا وَجِدْتُ مِن الأَسَى … لَدَى رَمْسِه بَيْنَ القَطِيلِ المُشَذَّب
قال: وكأَنَّ كَسْر الجِيمِ مِن لُغَتِه، فتحَصَّل مِن مجموعِ كَلامِهم أَنَّ وَجَدَ
стр. 8133
بمعنى حَزِن فيه ثلاثُ لُغَاتٍ؛ الفتْح الذي هو المشهور، وعليه الجمهور، والكسْر الذي عليه اقتصر المُصَنِّف، والهَجَرِيّ، وغيرُهما، والضمُّ الذي حكاه اللِّحيانيّ في "نَوَادِرِه"، ونقلَهما ابنُ سِيده في "المُحْكَم"، مقتَصِرًا عليهما. انتهى كلام صاحب "التاج" (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(عَلَى سَرِيَّةٍ) بفتح السين المهملة، وكسر الراء، وتشديد الياء، قال الفيّوميّ ﵀: "السّرِيّةُ": قِطْعةٌ من الجيش، فعيلة بمعنى فاعلة؛ لأنها تسري في خُفْية، والجمع: سرَايَا، وسَرِيّات، مثلُ عَطِيّة، وعَطَايَا وعَطِيّات. انتهى (٢).
وقوله: (مَما وَجَدَ عَلَى السَّبْعِينَ. . . إلخ) "ما" هذه مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول مطلقٌ لـ "وَجِدَ"، أي وَجْدَه على السبعين.
وقوله: (عَلَى قَتَلَتِهِمْ) بفتحات جمع قاتل، ككافر وكَفَرَة، والجمع على فَعَلَة مطّردٌ في كل وصف على فاعل، صحيح اللام، لمذكّر عاقل، ككامل وكَمَلَةٍ، كما قال في "الخلاصة":
فِي نَحْوِ "رَامٍ" ذُو اطِّرَادٍ "فُعَلَهْ" … وَشَاعَ نَحْوُ "كَامِلٍ وَكَمَلَهْ"
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٣) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَابْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَفْص) بن غياث، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ فُضَيْل) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
стр. 8134
٣ - (مَرْوَانُ) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفَزَاريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٨/ ١٣٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقيه، وهو (٩٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ) أي كل هؤلاء الثلاثة: حفص بن غياث، ومحمد بن فضيل، ومروان بن معاوية حَدّثوا عن عاصم الأحول بهذا الحديث الماضي.
وقوله: (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يعني أن رواية بعض هؤلاء الثلاثة تزيد على رواية بعضهم.
[تنبيه]: أما رواية محمد بن فُضيل، عن عاصم، فساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٢٥) فقال:
(٢١٨٣) حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: ثنا ابن فُضيل، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: قَنَتَ النبيّ ﷺ شهرًا بعد الركوع حين قُتِلَ القُرّاء، فما رأيت رسول اللَّه ﷺ حَزِنَ حُزْنًا قط أشدّ منه. انتهى.
وأما رواية حفص، ومروان، فلم أجد من ساقهما، فليُنظَر.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، يَلْعَنُ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الشاميّ، نزيل بغداد، أبو عبد الرحمن، ويلقّب شاذان، ثقة [٩].
стр. 8135
رَوَى عن شعبة، والحمادين، والثوري، والحسن بن صالح، وجرير بن حازم، وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وعلي ابن المديني، وأبو ثور، وعمرو الناقد، وأبو كريب، والصغاني، والدارمي، والحارث بن أبي أسامة، خاتمة أصحابه، وغيرهم. قال ابن معين: لا بأس به، وقال ابن المديني: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال ابن سعد: صالح الحديث، مات سنة (٢٠٨)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات أول سنة ثمان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٦٧٧) و (١٢٠٦) و (١٤٤٩) و (١٤٦٣) و (٢١٢٢) و (٢٣٦٣) و (٢٧٧٩) و (٢٩٠٣).
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (يَلْعَنُ) -بفتح أوله، وثالثه- يقال: لَعَنه لَعْنًا، من باب نَفَعَ: طَرَدَه، وأبعده، أو سَبّه، فهو لعينٌ، وملعون (١)، والمراد هنا: يدعو عليهم بأن يطردهم اللَّه تعالى عن رحمته، ويُبعدهم عن خيراته.
وقوله: (عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) تقدّم أنه يَحْتَمِل أن تعود هذه الجملة إلى القبائل الثلاث، وهو الظاهر، ويَحْتَمِل أن يعود إلى الأخيرة.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ بِنَحْوِهِ).
стр. 8136
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُوسَى بْنُ أَنَسِ) بن مالك الأنصاريّ، قاضي البصرة، ثقةٌ [٤] مات بعد أخيه النضر (ع) تقدم في "المساجد" ٤٩/ ١٥٠٣.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن موسى بن أنس حدّث عن أبيه أنس بن مالك ﵁ نحو ما حدّث به قتادة عنه.
[تنبيه]: رواية موسى بن أنس، عن أبيه هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٧٢) فقال:
(١٥٢٤) حدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا علي بن سعيد، ثنا محمد بن يحيى الأزديّ، ثنا الأسود بن عامر، نا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس: "أن النبيّ ﷺ قَنَتَ شهرًا، يدعو على رِعْل، وذَكْوان، وعُصَيّة عصت اللَّه ورسوله". انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ، مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ الإمام الناقد البصير الحجة الثبت [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٣ - (هِشَامٌ) الدستَوائيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
стр. 8137
وقوله: (عَلَى أَحْيَاءٍ) -بفتح الهمزة-: جمع حَيّ، بمعنى القبيلة.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٥] (٦٧٨) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ بَشَارٍ) هو: محمد المعروف ببُنْدار، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابد، رمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٤ - (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، وكلاهما ممن اتّفق الأئمة الستة بالرواية عنهما بلا واسطة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالكوفيين.
стр. 8138
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن ابن أبي ليلى.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الْجَمَليّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ) عبد الرحمن (بْنَ أَبِي لَيْلَى) اختُلف في اسمه، فقيل: بلال، وقيل: بُليل -بالتصغير- وقيل: اسمه داود بن بلال بن بُليل بن أُحَيحة بن الْجُلاح بن الْحَرِيش بن جَحْجَبَى بن كُلْفَة بن عوف بن عمرو بن عوف،، وقيل: يسار -بالتحتانيّة- ابن نُمير، وقيل: أوس بن خَوْليّ، وقيل: لا يُحفظ اسمه، صحابيّ شَهِدَ أُحُدًا وما بعدها، وانتقل إلى الكوفة، وشهِدَ مع عليّ مشاهده، قاله ابن عبد البرّ، وقال غيره: قُتِل بصفّين مع عليّ ﵁ (١). (قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ) من باب قعد، أي يدعو (فِي) صلاة (الصُّبْحِ، وَ) صلاة (الْمَغْرِبِ) هذا القنوت هو الذي تقدّم في حديث أبي هريرة وأنس ﵄ أنه قنته ﷺ حين دعا على قوم، ولقوم.
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: قنت رسول اللَّه ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: سمع اللَّه من حمده، من الركعة الآخرة، يدعو على أحياء من بني سُلَيم، على رِعْل، وذَكْوان، وعُصَيّة، ويُؤَمِّن مَن خَلْفَهُ (٢).
زاد في رواية أحمد: "أرسل إليهم، يدعوهم إلى الإسلام، فقتلوهم". انتهى.
قال العلّامة الشوكانيّ ﵀: في "النيل": واحتَجّ بهذا الحديث من أثبت القنوت في الصبح، ويجاب بأنه لا نزاع في وقع القنوت منه ﷺ في الصبح، وإنما النزاع في استمرار مشروعيته.
فإن قالوا: لفظ "كان يفعل" يدُلّ على استمرار المشروعية، قلنا: إن النوويّ قد حَكَى عن جمهور المحققين أنها لا تدلّ على ذلك.
стр. 8139
سلّمنا فغايته مجرد الاستمرار، وهو لا ينافي الترك آخرًا، كما صرحت به الأدلة الأخرى.
على أن هذا الحديث فيه أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب، فهو جوابنا عن الفجر.
وأيضًا في حديث أبي هريرة ﵁ المتَّفَق عليه أنه كان يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، فما هو جوابكم عن مدلول لفظ "كان" ها هنا فهو جوابنا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الحقّ ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختصّ بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تختصّ به صلاة دون صلاة.
وقد أخرج ابن خزيمة، من حديث أنس ﵁ وابن حبّان من حديث أبي هريرة ﵁: "أن النبيّ ﷺ كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد"، حديث صحيح.
وأما حديث أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قنت شهرًا، يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة، ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، فقد تقدّم أنه حديث ضعيف، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المساله الأولى): حديث البراء بن عازب ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ١٥٥٥ و ١٥٥٦] (٦٧٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٤١)، و (الترمذيّ) فيها (٤٠١)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (١٠٧٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣١١ و ٣١٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٩٧٥)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٣٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٠ و ٢٨٥ و ٣٠٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٧٥)، و (الطحاويّ) في
стр. 8140
"شرح معاني الآثار" (١/ ٢٤٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦١٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٩١ و ٢١٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٢٦ و ١٥٢٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٩٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ (١)، قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ).
رجال الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنّيٌّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، وكذا الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٧] (٦٧٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ").
стр. 8141
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ) القرشيّ العامريّ المصريّ، ويقال: مولى أبي خِرَاش السّلَميّ المدنيّ، نزيل الإسكندرية، ثقة [٥].
رَوَى عن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، ومالك بن أوس بن الْحَدَثان، وسلمان الأغرّ، وسليمان بن يسار، وعمر بن الحكم بن رافع، وحنظلة بن عليّ السلميّ، وعروة بن الزبير، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الحميد، وعبد ربه بن سعيد، ويزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن إسحاق، ويونس بن يزيد، وعبد الحميد بن جعفر، والليث بن سعد، والوليد بن أبي الوليد المدنيّ، وآخرون.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن إسحاق: حدّثني عمران بن أبي أنس، وكان ثقةً، وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ.
وقال ابن سعد: كانوا يزعمون أنهم من بني عامر بن لؤيّ، والناس يقولون: إنهم موالي، ثم انتَمَوْا بعد ذلك إلى اليمن، ومات عمران قديمًا، وله أحاديث.
وقال ابن يونس: قَدِمَ الإسكندرية سنة مائة، وكان سماع الليث منه بالمدينة، تُوُفّي بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة، وكذا أَرَّخه ابن حبان في "الثقات"، وزعم أن اسم أبيه عبد العزيز بن شُرَحبيل بن حَسَنَة.
وحُكِيَ عن ابن أبى شيبة، أن أبا أنس كان مولى لعبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْح، واسمه نوفل.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٧٩) وأعاده في "فضائل الصحابة" برقم (٢٥١٧)، و (١٣٩٧) و (١٤٦٩) و (١٤٨٠).
٣ - (حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الأسقع الأسلميّ، ويقال: السَّلَميّ المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن حمزة بن عمرو، وخُفَاف بن إيماء الغفاريّ، ورافع بن خَدِيج، وربيعة بن كدب، ومِحْجَن بن الأدرع، وأبي هريرة.
стр. 8142
وروى عنه عبد اللَّه بن بُريدة، وعبد الرحمن بن حَرْملة الأسلميّ، وعمران بن أبي أنس، والزهريّ، وأبو الزناد، وجماعة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال العجليّ: قال البخاريّ: ويقال: ابن الأسقع.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٦٧٩) وأعاده بعده، وفي "فضائل الصحابة" برقم (٢٥١٧)، وحديث رقم (١٢٥٢).
٤ - (خُفَافُ بْنُ إِيمَاءٍ (١) الْغِفَارِيُّ) هو: خُفَاف -بضمّ أوله، وفائين- ابن إيماء -بكسر الهمزة، بعدها تحتانيّة ساكنة- ابن رَحَضَة الغفاريّ، إمام بني غفار.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه الحارث، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، ومِقْسَم، والصحيح أن بينهما رجلًا.
رَوَى البخاريّ من طريق أسلم، قال: خرجت مع عُمر إلى السوق، فلحقته امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين أنا ابنة خُفَاف بن إيماء، وقد شَهِد أبي الحديبية، في حديث طويل.
قال الحافظ: وهذا يدلّ على أنه مات قبل ذلك، وقد كتب المزّيّ في الحاشية أنه تُوُفّي بالمدينة، في خلافة عمر. انتهى. وقال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه مات في زمن عمر ﵁.
تفرّد به المصنّف، وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط، برقم (٦٧٩) وأعاده بعده، وأعاده أيضًا في "فضائل الصحابة" برقم (٢٥١٧).
والباقيان ذُكرا أول الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
стр. 8143
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمران، عن حنظلة.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب عند المصنّف، وله ذكر في "صحيح البخاريّ"، كما أسلفناه في ترجمته آنفًا في قصّة بنته مع عمر ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ خُفَافِ) بضمّ الخاء، وتخفيف الفاء (ابْنِ إِيمَاءٍ) بكسر الهمزة، وهو منصرف، كما قاله النوويّ (الْغِفَارِيِّ) بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء، نسبة إلى القبيلة التي تأتي في الحديث، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ) وفي رواية الحارث بن خفاف التالية: "قال خفاف بن إيماء: ركع رسول اللَّه ﷺ ، ثم رفع رأسه، فقال: غفار. . . " ("اللَّهُمَّ الْعَنْ) تقدّم أنه من باب نَفَعَ، أي اطرُد، وأبعِدْ (بَنِي لِحْيَانَ) بكسر اللام، وقيل: يجوز فتحها (وَرِعْلًا) بكسر، فسكون (وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ) بصيغة التصغير (عَصَوُا اللَّهَ) (وَرَسُولَهُ) ﷺ ، أي لأنهم عاهدوه، فغدروا، كما تقدّم بيان ذلك في شرح حديث أنس ﵁ المذكور في الباب.
ثمّ قال ﷺ بعد لعنه القبائل المتمرّدة المعرضة عن الحقّ، مبيّنًا مناقب القبائل المستجيبة للَّه تعالى ولرسوله ﷺ : (غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا) "غِفَارُ" -بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء، وبالراء-: أبو قبيلة من كنانة، وهم: بنو غِفَار بن مُلَيل -بميم، ولامين، مصغرًا- ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، قال ابن دُرَيد: هو مِن غَفَرَ: إذا سَتَرَ، وسبق منهم إلى الإسلام، أبو ذرّ الغفاريّ، وأخوه أُنيس، ورجع أبو ذرّ إلى قومه، فأسلم الكثير منهم.
(وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ") "أسلمُ" -بالهمزة، واللام المفتوحتين-: قبيلة أيضًا من خُزَاعة، وهي: أسلم بن أفصى، وهو خُزَاعة بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، منهم سلمة الأكوع، وفي مَذْحِج أسلم بن أوس اللَّه بن سعد العشيرة بن مَذْحِج، وفي بَجِيلة أسلم بطن، هو أسلم بن عمرو بن لُؤيّ بن
стр. 8144
رُهْم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن بَجِيلة، ذكره ابن الكلبيّ (١).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي عند المصنّف في "الفضائل" زيادة، ولفظه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أسلم سالمها اللَّه، وغِفَار غفر اللَّه لها، أَمَا إني لم أقلها، ولكن قالها اللَّه " (٢).
قال في "الفتح": قوله: "غِفَارُ غفر اللَّه لها" هو لفظُ خَبَرٍ يراد به الدعاءُ، ويَحْتَمِلُ أن يكون خبراَ على بابه، ويُؤَيِّده قوله في آخره: "وعُصَيَّةُ عصت اللَّه ورسوله". انتهى (٣).
وقال ابن الأثير: قوله: "غِفَار غفر اللَّه لها" يَحْتَمِل أن يكون دعاء لها بالمغفرة، أو إخبارًا بأن اللَّه تعالى قد غَفَرَ لها، وكذلك معنى "أسلمُ سالمها اللَّه" يَحْتَمِل أن يكون دعاءً لها، أن يسالمها اللَّه تعالى، ولا يأمرَ بحربها، أو يكون إخبارًا بأن اللَّه قد سالمها، ومَنَعَ من حربها، وإنما خُصَّت هاتان القبيلتان بالدعاء؛ لأن غِفَارًا أسلموا قديمًا، وأسلمُ سالموا النبيّ ﷺ ، ذكره في "العمدة" (٤).
وقال في "الفتح": حَكَى ابن التين أن بني غفار كانوا يَسْرِقون الحاجّ في الجاهلية، فدعا لهم النبيّ ﷺ بعد أن أسلموا؛ لِيُمْحَى عنهم ذلك العارُ. انتهى (٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث خُفَاف بن إيماء ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 8145
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٦/ ٥٥٧ و ١٥٥٨ و ١٥٥٩] (٦٧٩) وسيعيده بنفس السند هذا في "فضائل الصحابة" (٢٥١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٧٤ و ٢١٧٥ و ٢١٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٢٨ و ١٥٢٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء في النوازل.
٢ - (ومنها): بيان فضائل هاتين القبيلين، حيث استجابتا لأمر اللَّه ، وطاعة رسوله ﷺ .
٣ - (ومنها): بيان خزي من أعرض عن أمر اللَّه تعالى، وعصى رسوله ﷺ ، كهذه القبائل الأربع.
٤ - (ومنها): أن فيه الدعاءَ بما يُشْتَقُّ من الاسم، كما يقال لأحمد: أحمد اللَّه عاقبتك، ولعليّ: أعلاك اللَّه، وهو من جناس الاشتقاق، قاله في "العمدة" (١).
وقال في "الفتح": وقع في هذا الحديث من استعمال جناس الاشتقاق ما يَلِذّ على السمع؛ لسهولته، وانسجامه، وهو من الاتفاقات اللطيفة. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء على الظالم بالهلاك، والدعاء للمؤمنين بالنجاة، وقال بعضهم: إن كانوا منتهكين لحرمة الدين يُدْعَى عليهم بالهلاك، وإلا يُدْعَى لهم بالتوبة، كما قال ﷺ : "اللهم اهْدِ دَوْسًا، وأْتِ بهم"، ورُوي أن أبا بكر وزوجته ﵄ كانا يدعوان على عبد الرحمن ابنهما يوم بدر بالهلاك، إذا حَمَلَ على المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة (٣)، قاله في "العمدة" (٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8146
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ خُفَافٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءٍ: رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَالْعَنْ رِعْلًا، وَذَكْوَانَ"، ثُمَّ وَقَعَ سَاجِدًا، قَالَ خُفَافٌ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ (١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ) بن جعفر (٢) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥.
٦ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ) الْمُدْلِجيّ الحجازيّ، مقبول، ووَهِمَ من ذكره في الصحابة [٦].
стр. 8147
رَوَى عن الحارث بن خُفَاف بن إيماء، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وروى عنه محمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن يحيى الأسلميّ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاريّ: حديثه عن النبيّ ﷺ مرسلٌ. انتهى.
قال الحافظ: وذكره لأجل هذا الحديث، ومتنه: "خَيركم الْمُدَافِعُ عن قومه" في "الصحابة" البغويّ، وقال: لا أدري، له صحبة أم لا؟، وذكره فيهم ابن أبي عاصم، وابن منده، وأبو نعيم.
تفرّد به المصنّف، وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط.
٧ - (الْحَارِثُ بْنُ خُفَاف) بن إيماء بن رَحَضَةَ الغفاريّ، مختلف في صحبته، رَوَى عن أبيه، وعنه خالد بن عبد اللَّه بن حرملة المدلجيّ، وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين.
وفي "صحيح البخاريّ"، من طريق أسلم مولى عمر، قال: قال عمر: "لقد رأيت أبا هذه -يعني بنت خُفَاف-، وأخاها حاصَرَا حصنًا زمانًا" (١). انتهى.
стр. 8148
قال في "تهذيب التهذيب": فعلى هذا فهو صحابيّ؛ لأنهم ذكروا لخفاف ولدين: الحارث، ومَخْلَدًا، ومخلد تابعيّ باتفاق، فانحصر في الحارث. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال الحافظ في "التهذيب"، لكن ذكر في "الفتح" ما يُخالف هذا، حيث قال: قوله: "وأخاها" لم أقف على اسمه، وكان لخُفاف ابنان: الحارث، ومَخْلد، لكنهما تابعيّان، فوهِمَ من فسّر الأخ الذي ذكره عمر بأحدهما. انتهى (١)، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"خُفاف" ذُكر قبله.
وقوله: (فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أي شُرع لعن الكفّار بعدما فعله النبيّ ﷺ في تلك الصلاة، يعني أن لعن الكفّار ما كان مشروعًا قبل ذلك، فشُرع من ذلك الوقت، فإذا اعتدوا على المسلمين ينبغي الدعاء عليهم؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٥٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيُّ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ، بِمِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ (٢) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا قبله، غير:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ) بن عمرو بن سَنَّةَ -بفتح السين المهملة، وتشديد النون- الأسلميّ، أبو حرملة المدنيّ، صدوقٌ، ربّما أخطأ [٦].
стр. 8149
رَوَى عن سعيد بن المسيّب، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، وعمرو بن شعيب، وعبد اللَّه بن نِيَمار بن مُكْرَم الأسلميّ، وثُمَامة بن شُفَيّ أبي علي الهمدانيّ، وغيرهم.
وروى عنه الثوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، وسليمان بن بلال، وابن أبي الزناد، والدَّرَاورديّ، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وبشر بن المفضَّل، وابن عُلَيّة، والقطان، وجماعة.
قال يحيى بن سعيد عنه: كنت سَيِّئ الحفظ، فرَخَّص لي سعيد في الكتابة، قال يحيى بن سعيد: محمد بن عَمْرو أحبّ إلي من ابن حرملة، وكان ابن حرملة يُلَقَّن، وقال ابن خلاد الباهليّ: سألت القطان عنه؟ فضعّفه، ولم يدفعه، وقال إسحاق، عن ابن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، ولا يُحتجّ به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال محمد بن عمرو: كان ثقةً كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، وقال الساجيّ: صدوقٌ يَهِمُ في الحديث، وقال ابن عديّ: لم أر في حديثه حديثًا منكرًا، ونقل ابن خَلْفُون عن ابن نمير أنه وَثَّقه، وقال الطحاويّ: لا يُعْرَف له سماع من أبي عليّ الهمدانيّ.
وقال ابن سعد: تُوُفّي سنة خمس وأربعين ومائة.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث متابعةً.
وقوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن جعفر، وليس ابن عُليّة، كما أخطأ فيه بعضهم.
وقوله: (وَأَخْبَرَنِيهِ) أي هذا الحديث.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن عبد الرحمن بن حرملة حدّث إسماعيل بن جعفر بمثل ما حدثه به محمد بن عمرو.
وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ. . . إلخ) الضمير لعبد الرحمن بن حرملة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحافظ الفقيه الحجة، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، وبزيد نزل مصر، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ فقيه، عن تابعيّ فقيه: ابن شهاب، عن ابن المسيّب.
٥ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة.
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁ على الإطلاق عند بعضهم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ) أي رجع، يقال: قفل من سفره قُفُولًا، من باب قَعَدَ: رجع، والاسم قَفَلٌ بفتحتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أقفلته، والفاعل من الثلاثيّ قافلٌ، والجمع قافلة، وجمع القافلة قَوَافل، قاله في "المصباح" (١).
وقوله: (مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) "الْغَزْوَة" بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي: المرّة من الغَزْو، والجمع: غَزَوات، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، ويقال فيها: "الْغَزَاة" بالفتح أيضًا، قال في "القاموس": فَغَزاه غَزْوًا: أراده، وطلبه، وقصده،
стр. 8152
كاغتزاه، والعدُوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم (١).
قال النوويّ ﵀: "وخيبر" بالخاء المعجمة، هذا هو الصواب، وكذا ضبطناه، وكذا هو في أصول بلادنا من نسخ مسلم، قال الباجيّ، وأبو عمر بن عبد البرّ، وغيرهما: هذا هو الصواب، وقال القاضي عياض: هذا قول أهل السير، وهو الصحيح، قال: وقال الأصيليّ: إنما هو "حُنَين" بالحاء المهملة والنون، وهذا غريبٌ ضعيفٌ (٢).
وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد": وقولُ ابن شهاب في هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ حين قَفَلَ من خيبر أصحُّ من قول من قال: إن ذلك كان مرجعه من حُنَين؛ لأن ابن شهاب أعلم الناس بالسِّيَرِ والمغازي، وكذلك سعيد بن المسيِّب، ولا يقاس بهما المخالف لهما في ذلك، وكذلك ذَكَرَ ابنُ إسحاق وأهلُ السير أن نومه عن الصلاة في سفره كان في حين قُفُوله من خيبر، وقد اختُلِف عن مالك في ذلك، فرُوي عنه في هذا الحديث حين قَفَلَ من خيبر. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال في "التمهيد" (٤): كانت خيبر في سنة ست من الهجرة، هكذا قال، والذي ذهب إليه الجمهور أن غزوة خيبر كانت في المحرَّم سنة سبع من الهجرة، أقام ﷺ يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتح اللَّه عليه وهي من المدينة على ثلاثة برود (٥).
[تنبيه آخر]: أخرج أبو حاتم بن حبّان في "صحيحه" هذا الحديث، ثم قال: أخبرنا ابن قتيبة بهذا الخبر، وقال فيه: "خيبر"، وأبو هريرة لم يشهد خيبر، إنما أسلم، وقدم المدينة، والنبيّ ﷺ بخيبر، وعلى المدينة سِبَاع بن عُرْفُطة، فإن صحّ ذكر خيبر في الخبر، فقد سمعه أبو هريرة من صحابي غيرِهِ، فأرسله كما يفعل ذلك الصحابة كثيرًا، وإن كان ذلك "حُنَين"، لا "خيبر"، وأبو هريرة شَهِدَها، وشهوده القصة التي حكاها شهود صحيحٌ، والنفس إلى أنه
стр. 8153
"حُنَين" أميل. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن حبّان: من أن أبا هريرة ﵁ سمعه من صحابيّ آخر فيه نظر لا يخفى؛ لأن أبا هريرة ﵁ قد حضر آخر خيبر، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" فقال:
(٨٣٤٧) حدّثنا عفّان، حدّثنا وُهيب، حدّثنا خثيم -يعني ابن عراك- عن أبيه، أن أبا هريرة قَدِمَ المدينة في رهط من قومه، والنبيّ ﷺ بخيبر، وقد استَخْلَف سِبَاع بن عُرْفُطة على المدينة، قال: فانتهيت إليه، وهو يقرأ في صلاة الصبح، في الركعة الأولى، بـ ﴿كهيعص﴾، وفي الثانية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قال: فقلت لنفسي: وَيْلٌ لفلان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص، قال: فلما صلى زَوَّدنا شيئًا، حتى أتينا خيبر، وقد افتَتَحَ النبيّ ﷺ خيبر، قال: فكَلَّم رسول اللَّه ﷺ المسلمين، فأشركونا في سهامهم. انتهى (٢)، وهو حديث صحيح.
فقد تبيّن بهذا أنه حضر خيبر، ورجع منها مع النبيّ ﷺ ، وقد صرّح في هذا الحديث أن هذه القصّة وقعت حين قفوله ﷺ منها، فليس فيه إرسال، بل هو إخبار بما شاهده بنفسه، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(سَارَ لَيْلَهُ) بالإضافة إلى الضمير، وفي نسخة: "ليلةً"، يقال: سار يسير سَيْرًا ومَسِيرًا، يكون بالليل والنهار، ويُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، فيقال: سار البعيرُ، وسِرْتُهُ، فهو مَسِيرٌ، وسيَّرتُ الرجل بالتثقيل، فسار (٣). (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ) غاية للسير، وفي رواية الطبرانيّ عن ابن عمر: "حتى إذا كان مع السحر".
و"الْكَرَى" بفتح الكاف: النُّعاس، وقيل: النوم، يقال منه: كَرِيَ الرجلُ -بفتح الكاف، وكسر الراء- يَكْرَى، وِزانُ رَضِي كَرًى: إذا نَعِسَ، فهو كَرٍ، وكَرْيَانُ، وكَرِيٌّ، وامرأةٌ كَرِيَةٌ بتخفيف الياء (٤).
стр. 8154
و"التَّعْرِيس": نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة، هكذا قاله الخليل، والجمهور، وقال أبو زيد: هو النزول أَيَّ وقتٍ كان، من ليلٍ، أو نهار، وفي الحديث: "مُعَرِّسُون في نَحْرِ الظهيرة".
وفي رواية البخاريّ أنهم الذين سألوا التعريس، فقال ﷺ : "أخاف أن تناموا"، فقال بلالٌ: أنا أُوقظكم، فأخذ، فأخذ لهم النبيّ ﷺ ابتداءً بالأحوط، فلما رأى شدّة حاجتهم أباح لهم التعريس.
قال النوويّ: واختلفوا، هل كان هذا النوم مرة أو مرتين؟ وظاهر الأحاديث مرتان. انتهى.
(وَقَالَ لِبِلَالٍ) بن رَبَاح مؤذّن رسول اللَّه ﷺ ، المتوفّى سنة (١٧ أو ١٨ أو ٢٠) بالشام ﵁ ("اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ") أي ارْقُبْ لأجلنا الليلَ، واحفظه، واحرُسْهُ، وهو بهمزة الوصل، وفتح اللام، آخره همزة: فِعْلُ أمر من كَلأ يَكْلأُ، يقال: كلأه اللَّه يكلؤه مهموزًا كِلاءةً بالكسر والمدّ: حَفِظَهُ، ويجوز التخفيف، فيقال: كلَيْتُهُ أكلأه، وكَلِيتُهُ أكلاهُ، من باب تَعِبَ لغة لقريش، لكنّهم قالوا: مكلُوّ بالواو أكثرَ من مَكْليّ بالياء (١).
وقال في "التمهيد" (٢): معناه: ارْقُبْ لنا الصبح، واحفظ علينا وقت صلاتنا، وأصل الكِلاءة: الحفظُ والرعاية، والمنعُ وهي كلمة مهموزة، ومنه قوله : ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]، ومنه قول ابن هرمة:
إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا … ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا
(فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، أي ما يسّر اللَّه تعالى له من الصلاة (وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) ﵃ (فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ) أي طلوعه، وظهوره (اسْتَنَدَ بِلَالٌ) ببناء الفعل للفاعل، أي اعتمد، يقال: سند إلى الشيء سُنُودًا، من باب قَعَدَ، وسَنِدتُ أسنَدُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، واستندت إليه، بمعنًى، ويتعدّى بالهمزة (٣). (إِلَى رَاحِلَتِهِ) أىِ هي المركب من الإبل ذكرًا كان
стр. 8155
أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلُحُ أن تُرْحَلَ، وجمعها: رَوَاحل (١). (مُوَاجِهَ الْفَجْرِ) منصوب على الحال من "بلال"، أي حال كونه مستقبلًا مكان طُلُوع الفجر؛ لِيَرْقُبه حتى يوقظهم عقب طلوعه.
(فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ) قال الطيبيّ ﵀: هذا عبارة عن النوم، كأنّ عينيه غالبتاه، فغلبتاه على النوم. انتهى.
وحاصله أنه نام من غير اختياره.
(وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ) جملة حاليّة تُفيد كون نوم بلال ﵁ عن غلبةٍ، لا عن تفريطه في الحِرَاسة (فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ) أي أصابهم حرّها، وهو غاية لعدم استيقاظهم.
[فإن قيل]: كيف نام النبيّ ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، مع قوله ﷺ : "إن عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي"؟.
[أجيب] بجوابين: أصحهما وأشهرهما أنه لا منافاة بينهما؛ لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحدث، والألم، ونحوهما، ولا يُدْرِك طلوعَ الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يُدْرَك ذلك بالعين، والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان.
[والثاني]: أنه ﷺ كان له حالان: أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع، والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله، قال النووّي ﵀: وهذا التأويل ضعيفٌ، والصحيح المعتمد هو الأول. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وقد تكلم العلماء في الجمع بين حديث النوم هذا، وبين قوله ﷺ : "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي"، قال النوويّ: له جوابان، ثم ذكر كلامه المذكور آنفًا، ثم علّق على قوله: والصحيح المعتمد هو الأول والثاني ضعيف، ما نصّه: وهو كما قال، ولا يقال: القلب وإن كان لا يُدْرِك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلًا، لكنه يدرك إذا كان يقظان مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حَمِيَت الشمس مدةً طويلةً لا تخفى على مَن لم يكن مستغرقًا؛ لأنا نقول: يَحْتَمِل أن يقال: كان قلبه ﷺ إذ ذاك
стр. 8156
مستغرقًا بالوحي، ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم، كما كان ﷺ يستغرق حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيانَ التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، كما في قضية سهوه في الصلاة.
قال: وقريبٌ من هذا جواب ابن الْمُنَيِّر: أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة؛ لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى، أو على السواء.
وقد أُجيب على أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة.
منها: أن معنى قوله: "لا ينام قلبي" أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه.
ومنها: أن معناه لا يستغرق بالنوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذي قبله.
قال ابن دقيق العيد: كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أن قوله ﵄: "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي" خرج جوابًا عن قول عائشة ﵂: أتنام قبل أن توتر؟، وهذا كلام، لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فَتُحْمَل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرن بين مَن شرع في النوم مطمئنَّ القلب به، وبين من شرع فيه متعلقًا باليقظة، قال: فعلى هذا فلا تعارض، ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس؛ لأنه يُحْمَل على أنه اطمأنّ في نومه لِمَا أوجبه تعب السير معتمدًا على مَن وكله بكلاءة الفجر. انتهى.
ومُحَصّلهُ تخصيص اليقظة المفهومة من قوله: "ولا ينام قلبي" بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًّا لتعلقه به، وأن نومه في حديث الباب كان نومًا مستغرقًا، ويؤيده قول بلال له: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث أبي هريرة هذا، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا.
وقد اعتُرِضَ عليه بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب، وأجاب بأنه يُعْتَبَرُ إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليه السياق، وهو هنا كذلك.
ومن الأجوبة الضعيفة أيضًا: قول من قال: كان قلبه يقظان، وعَلِمَ بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك عمدًا لمصلحة التشريع، وقول من
стр. 8157
قال: المراد بنفي النوم عن قلبه أنه لا يطرأ عليه أضغاث أحلام، كما يطرأ على غيره، بل كل ما يراه في نومه حَقّ ووحي، فهذه عدّة أجوبة، أقربها إلى الصواب الأولُ على الوجه الذي قرّرناه، واللَّه المستعان. انتهى ما ذكره في "الفتح" (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا) [فإن قيل]: هذا يعارضه حديث عمران بن حصين ﵄ الآتي، ففيه: "فكان أول من استيقظ منّا أبو بكر. . . " الحديث.
وأجيب: بأنه لا تنافي بينهما لتعدّد القصّة، كما سيأتي تحقيق ذلك.
(فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) بكسر الزاي، يقال: فَزعَ منه فَزَعًا، فهو فَزعٌ، من باب تَعِبَ: إذا خاف، وأفزعته، وفَزَّعته، ففزعَ، والمراد به هنا انتبه، وقام من نومه.
وقال القرطبيّ ﵀: اختُلف في هذا الفَزَع، وفي سببه، فقال الأصيليّ: كان لأجل عدوّهم أن يكون اتّبعهم، فيجدهم على غِرّة، وقال غيره: لِمَا فاتهم من أمر الصلاة، ولم يكن عندهم حُكْمٌ من ذلك، وقد دلّ على هذا قولهم: "ما كفّارة ما صنعنا بتفريطنا؟ "، وهذا بَيِّنٌ في حقّهم.
وقد يكون الفَزَع بمعنى مبادرتهم إلى الصلاة، كما قال: "فافزعوا إلى الصلاة"، أي بادروا إليها.
وقد يكون فَزَعُ النبيّ ﷺ إجابةَ الفَزِعين من أصحابه، وإغاثتهم لِمَا نَزَلَ بهم، يقال: فَزِعتُ: استغثتُ، وفَزَعتُ: أغثتُ. انتهى (٢).
وقال في "المنهل": معنى "فَزِعَ": أي هَبَّ، وانتبه مذعورًا؛ لِمَا رأى من فوات الوقت، وما قاله الأصيليّ من أن فَزَعَهُ لأجل المشركين الذين رجع من غزوهم؛ لئلا يتبعوه، ويطلبوا أثره، فيجدوه، وجميع أصحابه نِيَامًا، غير مُسَلَّم؛ لأنه ﷺ لم يتبعه عدوّ حين انصرافه من خيبر، وحُنين، ولا ذَكَرَ ذلك أحدٌ من أهل المغازي، بل انصَرَفَ منهما ظافرًا. انتهى (٣).
стр. 8158
وقال في "التمهيد": وفي فَزَع رسول اللَّه ﷺ دليلٌ على أن ذلك لم يكن من عادته منذ بُعِثَ -واللَّه أعلم- ولا معنى لقول من قال: إن فَزَع رسول اللَّه ﷺ كان من أجل العدوّ الذي يتبعهم؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يتبعه عدوّ في انصرافه من خيبر، ولا في انصرافه من حُنين، ولا ذَكَر ذلك أحد من أهل المغازي، بل وإن منصرفه في كلتا الغزوتين غانمًا ظافرًا، قد هَزَمَ عدوّه، وظَفِر به، وقَمَعَهُ، والحمد للَّه.
وأما فَزَعُ أصحابه ﷺ في هذا الحديث، فَلِمَا رأوا من فَزَعه ﷺ ، ويَحْتَمِل أن يكون فزعهم شفقةً، وتأسفًا على ما فاتهم من وقت الصلاة، ولعلهم حَسِبُوا أن الصلاة قد فاتتهم أصلًا، فلحقهم الفزع والحزن؛ لفوت الأجر والفضل، ولم يعرفوا أن خروج الوقت لا يُسقِط فرض الصلاة، حتى قال لهم رسول اللَّه ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها، إذا ذكرها كما كان يصليها لوقتها"، فأخبرهم أنها غير ساقطة عنهم، وإذا لم تسقط عنهم صلوها، وإذا صلوها أدركوا أجرها إن شاء اللَّه، وأعلمهم ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁ أن الإثم عنهم في ذلك ساقط بقوله: "ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة"، وفي بعض ألفاظ حديث أبي قتادة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الصلاة لا تفوت النائم، إنما تفوت اليقظان، ثم توضأ، وصلى بهم". انتهى بتصرّف (١).
(فَقَالَ) ﷺ ("أَيْ بِلَالُ) "أي" بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة: حرف نداء للبعيد، قال في "الخلاصة":
وَللْمُنَادَى النَّائِي أَوْ كَالنَّائِي "يَا" … وَ"أَيْ" وَ"آ" كَذَا "أَيَا" ثُمَّ "هَيَا"
وَالْهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا" لِمَنْ نُدِبْ … أَوْ "يَا" وَغَيْرُ "وَا" لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ
والمعنى هنا: يا بلال لِمَ نِمْتَ؟ حتى خرج الوقت، فالعتاب محذوف، كما قدّمناه، وفي رواية ابن إسحاق: "ماذا صنعتَ بنا يا بلالُ؟ "، وفي حديث أبي قتادة ﵁: "قال النبيّ ﷺ : يا بلالُ أين ما قلت؟، قال: ما أُلْقِيت عليّ نومةٌ مثلها قطّ".
стр. 8159
وإنما قال له ﷺ ذلك؛ تنبيهًا له على اجتناب الدعوى والثقة بالنفس، وحُسن الظنّ بها، ولا سيّما في مظانّ الغلبة، وسلب الاختيار، فإن بلالًا ﵁ قد ألزم نفسه بحفظ الوقت بقوله: "أنا أوقظكم"، كما تقدّم من رواية البخاريّ (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "أي بلال" هكذا هو في روايتنا، ونُسَخ بلادنا، وحَكَى القاضي عياض عن جماعة أنهم ضَبَطوه: "أين بلال؟ " بزيادة نون. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: "أي بلال" كذا عند أكثر الرواة بأي التي للنداء، وعند العذريّ والسمرقنديّ: "أين بلال" بـ "أين" الظرفيّة. انتهى (٣).
(فَقَالَ بِلَالٌ) ﵁ معتذرًا (أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِكَ) متعلّق بـ "أخذ"، وقوله: "بأبي أنت. . . إلخ" متعلّق بخبر محذوف، و"أنت مبتدأ"، أي أنت مفديّ بأبي وأمي، أو متعلّق بفعل مقدّر، أي أَفْديك بأبي وأمي، والجملة معترضة بين العامل، وهو "أخذ"، ومعموله، وهو "بنفسك"، ووقع في بعض النسخ: "أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه"، وهو واضح.
والمعنى: أن اللَّه تعالى قبض بنفسي بالنوم، كما قبض نفسك به، فلا قدرة على أداء ما التزمته من كِلاءة وقت الصلاة.
وقال القرطبي ﵀: قول بلال ﵁: "أخذ بنفسي. . . إلخ" على طريق العُذر مما كان تكفّل به، كما قدّمناه من رواية البخاريّ.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: أما قول بلال ﵁ في هذا الحديث: "أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك"، فمعناه: قَبَضَ نفسي الذي قَبَضَ نفسك، والباء زائدة، أي تَوَفَّى نفسي مُتَوَفِّي نفسك، والتوفي: هو القبض نفسه، يعني أن اللَّه قبض نفسه، وهذا قول مَن جَعَلَ النفس والروح شيئًا واحدًا، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في "المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
стр. 8160
(قَالَ) ﷺ ("اقْتَادُوا") أي قُودوا رواحلكم، وهو افتعال من قاد، يقال: قاد الرجلُ الفرسَ قَوْدًا، من باب قال، وقِيَادًا بالكسر، وقِيادةً، قال الخليل: الْقَوْدُ أن يكون الرجل أمام الدابّة آخذًا بقيادها، والسوقُ أن يكون خلفها، فإن قادها لنفسه قيل: اقتادها. انتهى (١).
وقيل: معنى "اقتادوا": أي قُودُوا رواحلكم لأنفسكم، آخذين بمقاودها، والْقَوْدُ: خلاف السَّوْقِ، ففي الْقَوْد يكون الرجل أمام الدّابّة، وفي السَّوْق يكون خلفها، فإن قادها لنفسه يقال: اقتادها، وقد جاء ما يوضّح هذا المعنى في الرواية الثانية، حيث قال: "ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته".
(فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ) أي اقتاد كل واحد راحلته لنفسه؛ انتقالًا من ذلك المنزل الذي فاتهم فيه أداء صلاة الصبح.
وقوله: (شَيْئًا) منصوب على الظرفيّة، أي وقتًا يسيرًا، أو مفعول مطلق على النيابة، أي اقتيادًا قليلًا بعد أن أمرهم النبيّ ﷺ بذلك، وقد بيّن لهم سبب الأمر باقتياد رواحلهم من ذلك المكان في رواية أبي حازم التالية: "ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته، فان هذا منزل حضرنا فيه الشيطان"، وفي رواية أبي داود: "تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة".
قال في "المنهل": وأما قول بعضهم: إنما أمرهم النبيّ ﷺ بالاقتياد؛ لأنه انتبه حين طلوع الشمس، والصلاةُ منهيّ عنها في هذا الوقت، فأمر بالاقتياد حتى ترتفع الشمس.
فيردّه قوله في الحديث: "حتى ضربتهم الشمس"، فإنه يدلّ على أنها قد ارتفعت كثيرًا، فكيف يكون انتقالهم لارتفاعها؟.
وفي حديث عمران بن حصين ﵄ الآتي: "فما أيقظنا إلا حرّ الشمس"، فإن هذا لا يكون إلا بعد ارتفاعها.
ومما يُبيّن فساد هذا التأويل ما وقع عند مالك في "الموطّأ"، بلفظ: "فأمرهم رسول اللَّه ﷺ أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي"، فقد جعل ذلك علّةً