مستغرقًا بالوحي، ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم، كما كان ﷺ يستغرق حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيانَ التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، كما في قضية سهوه في الصلاة.
قال: وقريبٌ من هذا جواب ابن الْمُنَيِّر: أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة؛ لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى، أو على السواء.
وقد أُجيب على أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة.
منها: أن معنى قوله: "لا ينام قلبي" أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه.
ومنها: أن معناه لا يستغرق بالنوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذي قبله.
قال ابن دقيق العيد: كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أن قوله ﵄: "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي" خرج جوابًا عن قول عائشة ﵂: أتنام قبل أن توتر؟، وهذا كلام، لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فَتُحْمَل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرن بين مَن شرع في النوم مطمئنَّ القلب به، وبين من شرع فيه متعلقًا باليقظة، قال: فعلى هذا فلا تعارض، ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس؛ لأنه يُحْمَل على أنه اطمأنّ في نومه لِمَا أوجبه تعب السير معتمدًا على مَن وكله بكلاءة الفجر. انتهى.
ومُحَصّلهُ تخصيص اليقظة المفهومة من قوله: "ولا ينام قلبي" بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًّا لتعلقه به، وأن نومه في حديث الباب كان نومًا مستغرقًا، ويؤيده قول بلال له: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث أبي هريرة هذا، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا.
وقد اعتُرِضَ عليه بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب، وأجاب بأنه يُعْتَبَرُ إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليه السياق، وهو هنا كذلك.
ومن الأجوبة الضعيفة أيضًا: قول من قال: كان قلبه يقظان، وعَلِمَ بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك عمدًا لمصلحة التشريع، وقول من
стр. 8157
قال: المراد بنفي النوم عن قلبه أنه لا يطرأ عليه أضغاث أحلام، كما يطرأ على غيره، بل كل ما يراه في نومه حَقّ ووحي، فهذه عدّة أجوبة، أقربها إلى الصواب الأولُ على الوجه الذي قرّرناه، واللَّه المستعان. انتهى ما ذكره في "الفتح" (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا) [فإن قيل]: هذا يعارضه حديث عمران بن حصين ﵄ الآتي، ففيه: "فكان أول من استيقظ منّا أبو بكر. . . " الحديث.
وأجيب: بأنه لا تنافي بينهما لتعدّد القصّة، كما سيأتي تحقيق ذلك.
(فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) بكسر الزاي، يقال: فَزعَ منه فَزَعًا، فهو فَزعٌ، من باب تَعِبَ: إذا خاف، وأفزعته، وفَزَّعته، ففزعَ، والمراد به هنا انتبه، وقام من نومه.
وقال القرطبيّ ﵀: اختُلف في هذا الفَزَع، وفي سببه، فقال الأصيليّ: كان لأجل عدوّهم أن يكون اتّبعهم، فيجدهم على غِرّة، وقال غيره: لِمَا فاتهم من أمر الصلاة، ولم يكن عندهم حُكْمٌ من ذلك، وقد دلّ على هذا قولهم: "ما كفّارة ما صنعنا بتفريطنا؟ "، وهذا بَيِّنٌ في حقّهم.
وقد يكون الفَزَع بمعنى مبادرتهم إلى الصلاة، كما قال: "فافزعوا إلى الصلاة"، أي بادروا إليها.
وقد يكون فَزَعُ النبيّ ﷺ إجابةَ الفَزِعين من أصحابه، وإغاثتهم لِمَا نَزَلَ بهم، يقال: فَزِعتُ: استغثتُ، وفَزَعتُ: أغثتُ. انتهى (٢).
وقال في "المنهل": معنى "فَزِعَ": أي هَبَّ، وانتبه مذعورًا؛ لِمَا رأى من فوات الوقت، وما قاله الأصيليّ من أن فَزَعَهُ لأجل المشركين الذين رجع من غزوهم؛ لئلا يتبعوه، ويطلبوا أثره، فيجدوه، وجميع أصحابه نِيَامًا، غير مُسَلَّم؛ لأنه ﷺ لم يتبعه عدوّ حين انصرافه من خيبر، وحُنين، ولا ذَكَرَ ذلك أحدٌ من أهل المغازي، بل انصَرَفَ منهما ظافرًا. انتهى (٣).
стр. 8158
وقال في "التمهيد": وفي فَزَع رسول اللَّه ﷺ دليلٌ على أن ذلك لم يكن من عادته منذ بُعِثَ -واللَّه أعلم- ولا معنى لقول من قال: إن فَزَع رسول اللَّه ﷺ كان من أجل العدوّ الذي يتبعهم؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يتبعه عدوّ في انصرافه من خيبر، ولا في انصرافه من حُنين، ولا ذَكَر ذلك أحد من أهل المغازي، بل وإن منصرفه في كلتا الغزوتين غانمًا ظافرًا، قد هَزَمَ عدوّه، وظَفِر به، وقَمَعَهُ، والحمد للَّه.
وأما فَزَعُ أصحابه ﷺ في هذا الحديث، فَلِمَا رأوا من فَزَعه ﷺ ، ويَحْتَمِل أن يكون فزعهم شفقةً، وتأسفًا على ما فاتهم من وقت الصلاة، ولعلهم حَسِبُوا أن الصلاة قد فاتتهم أصلًا، فلحقهم الفزع والحزن؛ لفوت الأجر والفضل، ولم يعرفوا أن خروج الوقت لا يُسقِط فرض الصلاة، حتى قال لهم رسول اللَّه ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها، إذا ذكرها كما كان يصليها لوقتها"، فأخبرهم أنها غير ساقطة عنهم، وإذا لم تسقط عنهم صلوها، وإذا صلوها أدركوا أجرها إن شاء اللَّه، وأعلمهم ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁ أن الإثم عنهم في ذلك ساقط بقوله: "ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة"، وفي بعض ألفاظ حديث أبي قتادة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الصلاة لا تفوت النائم، إنما تفوت اليقظان، ثم توضأ، وصلى بهم". انتهى بتصرّف (١).
(فَقَالَ) ﷺ ("أَيْ بِلَالُ) "أي" بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة: حرف نداء للبعيد، قال في "الخلاصة":
وَللْمُنَادَى النَّائِي أَوْ كَالنَّائِي "يَا" … وَ"أَيْ" وَ"آ" كَذَا "أَيَا" ثُمَّ "هَيَا"
وَالْهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا" لِمَنْ نُدِبْ … أَوْ "يَا" وَغَيْرُ "وَا" لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ
والمعنى هنا: يا بلال لِمَ نِمْتَ؟ حتى خرج الوقت، فالعتاب محذوف، كما قدّمناه، وفي رواية ابن إسحاق: "ماذا صنعتَ بنا يا بلالُ؟ "، وفي حديث أبي قتادة ﵁: "قال النبيّ ﷺ : يا بلالُ أين ما قلت؟، قال: ما أُلْقِيت عليّ نومةٌ مثلها قطّ".
стр. 8159
وإنما قال له ﷺ ذلك؛ تنبيهًا له على اجتناب الدعوى والثقة بالنفس، وحُسن الظنّ بها، ولا سيّما في مظانّ الغلبة، وسلب الاختيار، فإن بلالًا ﵁ قد ألزم نفسه بحفظ الوقت بقوله: "أنا أوقظكم"، كما تقدّم من رواية البخاريّ (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "أي بلال" هكذا هو في روايتنا، ونُسَخ بلادنا، وحَكَى القاضي عياض عن جماعة أنهم ضَبَطوه: "أين بلال؟ " بزيادة نون. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: "أي بلال" كذا عند أكثر الرواة بأي التي للنداء، وعند العذريّ والسمرقنديّ: "أين بلال" بـ "أين" الظرفيّة. انتهى (٣).
(فَقَالَ بِلَالٌ) ﵁ معتذرًا (أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِكَ) متعلّق بـ "أخذ"، وقوله: "بأبي أنت. . . إلخ" متعلّق بخبر محذوف، و"أنت مبتدأ"، أي أنت مفديّ بأبي وأمي، أو متعلّق بفعل مقدّر، أي أَفْديك بأبي وأمي، والجملة معترضة بين العامل، وهو "أخذ"، ومعموله، وهو "بنفسك"، ووقع في بعض النسخ: "أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه"، وهو واضح.
والمعنى: أن اللَّه تعالى قبض بنفسي بالنوم، كما قبض نفسك به، فلا قدرة على أداء ما التزمته من كِلاءة وقت الصلاة.
وقال القرطبي ﵀: قول بلال ﵁: "أخذ بنفسي. . . إلخ" على طريق العُذر مما كان تكفّل به، كما قدّمناه من رواية البخاريّ.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: أما قول بلال ﵁ في هذا الحديث: "أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك"، فمعناه: قَبَضَ نفسي الذي قَبَضَ نفسك، والباء زائدة، أي تَوَفَّى نفسي مُتَوَفِّي نفسك، والتوفي: هو القبض نفسه، يعني أن اللَّه قبض نفسه، وهذا قول مَن جَعَلَ النفس والروح شيئًا واحدًا، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في "المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
стр. 8160
(قَالَ) ﷺ ("اقْتَادُوا") أي قُودوا رواحلكم، وهو افتعال من قاد، يقال: قاد الرجلُ الفرسَ قَوْدًا، من باب قال، وقِيَادًا بالكسر، وقِيادةً، قال الخليل: الْقَوْدُ أن يكون الرجل أمام الدابّة آخذًا بقيادها، والسوقُ أن يكون خلفها، فإن قادها لنفسه قيل: اقتادها. انتهى (١).
وقيل: معنى "اقتادوا": أي قُودُوا رواحلكم لأنفسكم، آخذين بمقاودها، والْقَوْدُ: خلاف السَّوْقِ، ففي الْقَوْد يكون الرجل أمام الدّابّة، وفي السَّوْق يكون خلفها، فإن قادها لنفسه يقال: اقتادها، وقد جاء ما يوضّح هذا المعنى في الرواية الثانية، حيث قال: "ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته".
(فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ) أي اقتاد كل واحد راحلته لنفسه؛ انتقالًا من ذلك المنزل الذي فاتهم فيه أداء صلاة الصبح.
وقوله: (شَيْئًا) منصوب على الظرفيّة، أي وقتًا يسيرًا، أو مفعول مطلق على النيابة، أي اقتيادًا قليلًا بعد أن أمرهم النبيّ ﷺ بذلك، وقد بيّن لهم سبب الأمر باقتياد رواحلهم من ذلك المكان في رواية أبي حازم التالية: "ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته، فان هذا منزل حضرنا فيه الشيطان"، وفي رواية أبي داود: "تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة".
قال في "المنهل": وأما قول بعضهم: إنما أمرهم النبيّ ﷺ بالاقتياد؛ لأنه انتبه حين طلوع الشمس، والصلاةُ منهيّ عنها في هذا الوقت، فأمر بالاقتياد حتى ترتفع الشمس.
فيردّه قوله في الحديث: "حتى ضربتهم الشمس"، فإنه يدلّ على أنها قد ارتفعت كثيرًا، فكيف يكون انتقالهم لارتفاعها؟.
وفي حديث عمران بن حصين ﵄ الآتي: "فما أيقظنا إلا حرّ الشمس"، فإن هذا لا يكون إلا بعد ارتفاعها.
ومما يُبيّن فساد هذا التأويل ما وقع عند مالك في "الموطّأ"، بلفظ: "فأمرهم رسول اللَّه ﷺ أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي"، فقد جعل ذلك علّةً
стр. 8161
في خروجهم عن الوادي، واقتيادهم رواحلهم شيئًا، ولو كان طلوع الشمس مانعًا من الصلاة، وموجبًا للاقتياد لعلّل به. انتهى (١).
(ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِلَالًا) أي أن يؤذّن، ثم يقيم (فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) قال أبو عمر ﵀: يَحْتَمِل أن يكون المعنى: فأقام، ولم يؤذِّن، ويَحْتَمِل أن يكون أقام الصلاة بما تُقام به من الأذان والإقامة والطهارة، وقد روي عن النبيّ ﷺ من وجوه أنه أمر بلالًا، فأذَّن، وأقام في حينِ نام عن الصلاة في السفر.
قال: وقد رَوَى أبان بن يزيد العطار، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ هذا الحديث، وذكر فيه أن النبيّ ﷺ صلى الركعتين قبل صلاة الفجر، ثم أمر بلالًا، فأقام، فصلى الفجر، وهذا ليس بمحفوظ في حديث الزهريّ، إلا من رواية أبان العطار، عن معمر، وأبان ليس بحجة، ولا تُقبل زيادته على عبد الرزاق؛ لأن عبد الرزاق أثبت الناس في معمر عندهم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اختلف العلماء في الأذان والإقامة للصلاة الفائتة، والأرجح مشروعيّتهما لها، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ) أي صلاة الصبح (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أي انتهى منها بالسلام (قَالَ: "مَنْ) شرطيّة (نَسِيَ الصَّلَاةَ) أي أو نام عنها، ففي حديث أنس ﵁ الآتي آخر الباب: "من نسي صلاةً، أو نام عنها"، وفي لفظ: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غَفَلَ عنها، فليُصلّها إذا ذكرها" (فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) أي وقت ذكرها، وفيه أن جميع الأوقات وقت للصلاة الفائتة، فلو تذكّرها وقت الطلوع، أو الغروب قضاها، وليس عليه أن ينتظر خروج وقت النهي؛ لأن ذلك الوقت وقت أدائها، كما هو ظاهر هذا الحديث.
قال الحافظ أبو عمر ﵀: ليس في تخصيص الناسي والنائم بالذكر في
стр. 8162
قضاء الصلاة، ما يُسْقِط قضاءها عن العامد؛ لتركها حتى يَخْرُج وقتها، بل فيه أوضح الدلائل على أن العامد المأثوم أولى أن يؤمر بالقضاء من الناسي المتجاوَزِ عنه، والنائمِ المعذورِ، وإنما ذَكَر النائم والناسي؛ لئلا يَتَوَهَّم متوهم أنهما لما رُفِع عنهما الإثم سقط القضاء عنهما فيما وجب عليهما، فأبان ﷺ أن ذلك غير مسقط عنهما قضاء الصلاة، وأنها واجبة عليهما متى ما ذكراها، والعامدُ لا محالة ذاكرٌ لها، فوجب عليه قضاؤها، والاستغفار من تأخيرها؛ لعموم قوله ﷺ : "فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] "، وقد قضاها ﷺ بعد خروج وقتها يوم الخندق من غير نسيان، ولا نوم، إلا أنه شُغِل عنها، وأجاز من أدرك ركعة من العصر أن يصلي تمامها بعد خروج وقتها. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَإِنَّ اللَّهَ) الفاء للتعليل، أي إنما أمرته بصلاتها وقت ذكرها؛ لأن اللَّه تعالى (قَالَ) في كتابه الكريم (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ") قراءة الجمهور بلام الأمر الجارّة للمصدر المضاف إلى ياء المتكلّم، ومعناه: لتذكرني فيها بلا رياء، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: إنه من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمعنى: لأذكُرك بالثناء، أو لأني ذكرتها في الكتاب، وأمرت بها، وليس في هذه القراءة دليل لمسألهَ قضاء النائم، والناسي، وإنما الدليل في القراءة الأخرى، وهي التي بيَّنها بقوله: (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ الراوي عن الزهريّ في هذا الإسناد، ومقول "قال" قوله: (وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ (يَقْرَؤُهَا) أي يقرأ الآية المذكورة في تلاوته للقرآن، وهي قراءة شاذّة، وهي قراءة ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وابن السميفع (٢).
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه كان يقرؤها في روايته للحديث، وفيه بُعدٌ (لِلذِّكْرَى) أي بلام الجرّ، وبعدها "أل" المعرّفة، وكسر الذال المعجمة، وسكون الكاف، مقصورًا، والمعنى عليه: أقم الصلاة في الوقت الذي تتذكّرها
стр. 8163
فيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: هذا الحديث رواه الإمام مالك ﵀ في "الموطّأ" مرسلًا، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀:
هكذا رَوَى هذا الحديث عن مالك مرسلًا جماعةُ رواة "الموطأ" عنه، لا خلاف بينهم في ذلك، وكذلك رواه سفيان بن عيينة، ومعمر في رواية عبد الرزاق عنه، عن الزهريّ مرسلًا، كما رواه مالك.
وقد وصله أبان العطار، عن معمر، ووصله الأوزاعيّ أيضًا، ويونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعبد الرزاق أثبت في معمر من أبان العطار، وقد وصله محمد بن إسحاق، عن الزهري، ثم أخرجه من طريقه.
قال: ووصل من هذا الحديث ابنُ عيينة، ومعمرٌ، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قوله: "من نسي صلاةً، فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
وقد رُوِي عن النبيّ ﷺ في نومه عن الصلاة في السفر آثارٌ كثيرةٌ من وجوه شَتَّى، رواها عنه جماعة من أصحابه، منهم: ابنُ مسعود، وأبو مسعود، وأبو قتادة، وذو مِخْبَر الحبشيّ، وعمران بن حصين، وأبو هريرة، وقد ذكرها كلّها في "التمهيد" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تبيّن مما سبق في كلام الحافظ أبي عمر: أن هذا الحديث صحيح موصولًا، كما هو رأي المصنّف ﵀؛ حيث أخرجه هنا في الأصول؛ لأن الذين وصلوه جماعة حفّاظ، عندهم زيادة علم، فوجب قبولها.
ومن الغريب أن الترمذيّ أخرج الحديث من طريق صالح بن أبي
стр. 8164
الأخضر، عن الزهريّ، ثم قال: هذا حديث غير محفوظ، رواه غير واحد من الحفّاظ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن النبيّ ﷺ ، ولم يذكروا فيه: عن أبي هريرة. وصالح بن أبي الأخضر، يُضَعَّف في الحديث، ضعّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه.
وهذا شيء عجيب؛ لأن صالحًا لم يتفرد به، بل تابعه يونس، عند مسلم هنا، ومعمر عند أبي داود، والأوزاعيُّ، وابن إسحاق، عن ابن عبد البرّ، وصالح بن أبي الأخضر، وإن ضعّفوه، لكنه يُعتبر به، كما قاله في "التقريب".
والحاصل أن الحديث محفوظ موصولًا، ولا يضرّه إرسال من أرسله، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧/ ١٥٦٠ و ١٥٦١] (٦٨٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٣٥ و ٤٣٦)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٦٣)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٦١٨ و ٦١٩ و ٦٢٠)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٩٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٣ و ١٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٥٣ و ٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٩٦ و ٢٠٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٣١ و ١٥٣٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢١٧)، و"دلائل النبوّة" (٤/ ٢٧٢ و ٢٧٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب قضاء الفائتة.
٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن قضاء الفائتة بعذر ليس على الفور.
٣ - (ومنها): إثبات الإقامة للفائتة، وفيه إشارة إلى ترك الأذان لها، على ما قيل، وفي حديث أبي قتادة ﵁ الآتي إثبات الأذان للفائتة، وفي المسألهَ خلاف مشهور، والأصح ثبوت الأذان والإقامة لها؛ لحديث أبي قتادة وغيره من الأحاديث الصحيحة، وأما ترك ذكر الأذان في حديث أبي هريرة هذا وغيره فجوابه من وجهين:
стр. 8165
[أحدهما]: لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يُؤَذِّن، فلعله أَذَّن وأهمله الراوي، أو لم يَعْلَم به.
[والثاني]: لعله ترك الأذان في هذه المرة؛ لبيان جواز تركه، وإشارةً إلى أنه ليس بواجب متحتم، لا سيما في السفر، وفيه بُعد، والصواب الجواب الأول؛ فقد تقدّم أمره ﷺ بالأذان والإقامة في السفر في حديث مالك بن الحويرث ﵁، فتنبّه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة الجماعة في الفائتة.
٥ - (ومنها): بيان وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر، كنوم، ونسيان، أم بغير عذر، وإنما قَيَّد في الحديث بالنسيان؛ لخروجه على سبب؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، قاله النوويّ ﵀، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا.
٦ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "فليصلِّها إذا ذكرها"، فمحمول على الاستحباب، فإنه يجوز تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح.
٧ - (ومنها): وفيه استحباب قضاء السنن الراتبة إذا فاتت؛ لأنه ﷺ صلى ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح.
٨ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "فإن هذا منزل حَضرَنا فيه الشيطان" فيه دليل على استحباب اجتناب مواضع الشيطان، وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في الحمّام.
٩ - (ومنها): أن في قوله: "فصلى الغداة" جواز تسمية صلاة الصبح الغداة، وأنه لا يكره ذلك.
١٠ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: استدلّ بعض الحنفيّة بقوله: "اقتادوا رواحلكم" على أن الفرائض لا تُقضى في هذا الوقت؛ لأنه ﷺ إنما ارتحل عن ذلك الموضع ليخرُج الوقت المنهيّ عنه، وهذا تحكّم، بل كما يَحتمِلُ ما ذكروه يَحْتَمل أنه إنما كان ذلك ليعمّ النشاط جميعهم، وأبين من ذلك كلّه ما قد نصّ عليه من كراهية ذلك بقوله ﷺ : "ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان"، وقد زاد أبو داود في هذا الحديث
стр. 8166
أن النبيّ ﷺ قال: "تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة". انتهى (١).
١١ - (ومنها): أن فيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات، وذلك سنةٌ، وكذلك إرساله السَّرَايا كلُّ ذلك سنةٌ مسنونة (٢).
١٢ - (ومنها): إباحة الاستخدام الصاحب في السفر، وإن كان حُرًّا؛ لأن بلالًا ﵁ كان في ذلك الوقت حُرًّا، كان أبو بكر ﵁ اشتراه بمكة، فأعتقه، وله ولاؤه، وذلك قبل الهجرة (٣).
١٣ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ ﵀: وفيه أن رسول اللَّه ﷺ كان ينام أحيانًا نومًا يشبه نوم الآدميين، وذلك إنما كان منه غِبًّا لمعنى يريد اللَّه إحدائه، وليس لأمته سنةٌ تبقى بعده، يَدُلُّك على ذلك قوله ﷺ : "إني لأنسى، أو أُنَسَّى لأَسُنّ" (٤)، وفي حديث العلاء بن خبّاب أن النبيّ ﷺ قال: "لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن تكون سنةً من بعدكم".
وأما طبعه، وجبلّته وعادته المعروفة منه، ومن الأنبياء قبله، فَمَا حكاه عن نفسه ﷺ : "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي"، فأطلق ذلك عن نفسه إطلاقًا غير مقيد بوقت.
وفي حديث آخر: "إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا"، فأخبر أن كل الأنبياء كذلك، ومما يصحِّحُ ذلك قوله ﷺ لأصحابه: "تَرَاصُّوا في الصفّ، فإني أراكم من وراء ظهري"، متّفقٌ عليه.
فهذه جبلته وخلقته، وعادته ﷺ ، فأما نومه في السفر عن الصلاة، فكان خرق عادته؛ لِيَسُنّ لأمته، ويُعَرِّفهم بما يجب على من نام منهم عن صلاته حتى يخرج وقتها، وكيف العمل في ذلك، وجعل اللَّه نومه سببًا بما جرى له في ذلك النوم من تعليمه أمته، وتبصيرهم.
قال: وبهذا تتّفق الآثار الواردة في هذا المعنى، وتأتلف، وغير جائز
стр. 8167
حمل أخباره ﷺ إذا صحت عنه على التناقض عند أهل الإسلام؛ لأنه لا يجوز فيها النسخ.
قال: فإن قال قائل: إن في قوله ﷺ : "من يكلأ لنا الصبح" دليلًا على أن عادته النوم.
قيل له: لم تُمْعِن النظر، ولو أمعنته لعلمت أن المعنى: مَنْ يَرْقُب لنا انفجار الصبح، فيُشْعِرنا به في أول طلوعه؛ لأن مَن نامت عيناه لم ير هذا في أوله، ونوم العين يمنع من مثل هذا، لا نوم القلب، وكان شأنه ﷺ التغليسَ بالصبح، وكان بلال من أعلم الناس بذلك، فلذلك أمره بمراقبة الفجر، لا أن عادته ﷺ كانت النوم المعروف من سائر الناس. انتهى.
١٤ - (ومنها): أن فيه تخصيصَ قوله ﷺ : "رُفِع القلم عن النائم حتى يستيقظ"، وبيان ذلك أن رفع القلم عنه ها هنا من جهة رفع المأثم، لا من جهة رفع الفرض عنه، وأن ذلك ليس من باب قوله: "وعن الصبيّ حتى يحتلم"، وإن كان ذلك جاء في أثر واحد، فقِفْ على هذا الأصل (١).
١٥ - (ومنها): أن في فزع الصحابة ﵃ حين انتبهوا لِمَا فاتهم من صلاتهم أوضحَ دليل على ما كان عليه القوم من الْوَجَل والإشفاق، والخوف لربّهم ﵃.
١٦ - (ومنها): أن في قول بلال ﵁: "أَخَذَ بنفسي الذي أخذ بنفسك"، أي إذا كنت أنت في منزلتك من اللَّه قد غلبتك عينُك، وقُبِضت نفسك، فأنا أحرى بذلك، دليلٌ على طَلَب الحجةِ، والإدلاء بها.
١٧ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "من نسي صلاةً، أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها"، دليل على أن من تذكّر صلاة، أو انتبه من نومه يصلي صلاته التي تذكّرها أو انتبه إليها في أيّ وقت كان، على ظاهر الحديث، وقد اختلف العلماء في ذلك، وسيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
١٨ - (ومنها): أن في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] دليلًا من يقول: شريعةُ من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد في شرعنا خلافه، قال القاضي
стр. 8168
عياض ﵀: فيه أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا؛ لأن الحكم أُخذ من الآية، وهي إنما خُوطب بها موسى ﵇.
وتعقّبه الأبيّ، فقال: ليس فيه ذلك؛ لأن ذلك إنما يكون في احتجاج غير المشرِّع به، أما المشرِّع فاحتجاجه به إدخال له في شريعته. انتهى (١).
وتعقّب السنوسيّ الأبيّ، فقال: الحجة في جعله مُستندًا، فلو لم يكن شرعُ من قبلنا شرعًا لنا لم يكن لذكره فائدةٌ، بل بطرق جعله مستندًا، ودعوى أنه لم يجعله مستندًا خلاف الظاهر. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد السنوسيّ ﵀ في هذا التعقّب، فالحقّ أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد خلافه في شرعنا، وقد حقّقت المسألة في "التحفة المرضيّة" وشرحها في الأصول، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرإبعة): في اختلاف أهل العلم في قضاء الفائتة في أوقات النهي:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا فيمن نسي الصلاة فذكرها في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها، فقالت طائفة: لا تقضى الفوائت في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وروي ذلك عن أبي بكرة، وكعب -قال ابن المنذر: أحسبه ابن عجرة ﵄.
وقد احتجّ بعضهم لهذا القول بالأخبار التي رويناها عن رسول اللَّه ﷺ في نهيه عن الصلاة في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وبأن النبيّ ﷺ لما استيقظ عند طلوع الشمس أخّر الصلاة حتى ترتفع الشمس، ثم صلاها.
وقال آخرون: يقضي في تلك الأوقات الواجب من الصلاة، والنهيُ للتطوع فقط؛ لقول النبيّ ﷺ : "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
ولقوله: "لا يتحرى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، وعند غروبها"،
стр. 8169
وإنما نُهِي عن ذلك مَنْ قصد التطوع دون الفرض؛ لأن مَن نسي الفرض فلم يذكره إلا وقت طلوع الشمس أو وقت غروبها لم يتحرّ الصلاة في ذلك الوقت، إنما أدركه فرض الصلاة فيه.
وأما من تأوّل ارتحال النبيّ ﷺ من المكان الذي انتبهوا فيه، فليس لهم فيه حجة؛ لأنهم لم ينتبهوا إلا بحرّ الشمس، وإنما ارتحل النبيّ ﷺ من ذلك المكان للعلة التي أخبر بها، قال: "إن هذا مكان حَضَرَنا فيه شيطان، فارتَحِلُوا منه".
وقد ثبت أنه ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها"، وتلا أيضًا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وممن رُوِي عنه أنه قال: "إذا نام عن صلاة أو نسيها صلاها متى استيقظ أو ذَكَرَ"، عليُّ بن أبي طالب ﵁، وقال ابن عباس ﵄ في رجل نسي صلاة: يصليها إذا ذكرها، وتلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
ورُوي عن عمران بن الحصين، وسمرة أنهما قالا: يصليها إذا ذكرها، وهذا قول أبي العالية، والنخعي، والشعبي، والحَكَم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وفيه قولٌ ثالث: قاله أصحاب الرأي في رجل نَسِيَ صلاة، فذكرها حين طلعت الشمس أو حين انتصف النهار، أو ذكرها حين تغرب الشمس، فإنه لا يصليها في هذه الأوقات الثلاث، والوتر كذلك، ما خلا العصر، فإنه إذا ذكر العصر من يومه ذلك قبل غروب الشمس صلاها، وإن كانت العصر قد نسيها قبل ذلك بيوم أو بأيام لم يصلها في تلك الساعة، وكذلك سجدة التلاوة، والوتر، والصلاة على الجنازة، لا تقضى في شيء من هذه الساعات الثلاث.
قال الإمام ابن المنذر ﵀: إذا كان مذهب أهل الرأي أن يجعلوا نهي النبيّ ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، واقعًا على التطوع دون الفرض، فاللازم أن يجعلوا نهي النبيّ ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند انتصاف النهار، واقعًا على
стр. 8170
التطوع دون الفرض، ثم ليس بين عصرِ يَوْمِهِ وبين عصرٍ قد نسيها قبل ذلك فرق، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال أهل العلم، وأدلّتها أن الصحيح في هذه المسألة قول من قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكر مطلقًا، أي سواء ذكرها في الأوقات التي تباح فيها الصلاة، أم في الأوقات التي تنهى فيها؛ لظهور دليله، فإن قوله: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها": أي وَقْتَ ذكرها نصّ ظاهرٌ في الموضوع، عامّ في كل وقت، واللَّه -تعالى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب القضاء على من فاتته الصلاة عامدًا:
قال الشوكانيّ ﵀ عند قوله: "من نسي صلاة" ما حاصله: تمسّك بدليل الخطاب من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة؛ لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وإلى هذا ذهب داود، وابن حزم، وبعض الشافعية.
قال ابن تيمية ﵀: والمنازعون لهم ليسس لهم حجةٌ قط (٢) يُرَدُّ إليها عند التنازع، وأكثرهم يقولون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد، وليس معهم هنا أمر، ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط، بل ننازع في قبول القضاء منه، وصحة الصلاة في غير وقتها، وأطال البحث في ذلك، واختار ما ذكره داود، ومن معه.
قال الشوكاني: والأمر كما ذكره، فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد، وهم من عدا من ذكرنا على دليل، يَنْفِقُ في سوق المناظرة، ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث:
стр. 8171
"فدين اللَّه أحق أن يُقْضَى" باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم، ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسًا.
قال الجامع: لا ينقضي عجبي من مثل الشوكاني القائل بهذا الكلام! فأيَّ دليل يطلب بعد هذا النصّ العظيم؟! وعن أيِّ حجة يَبحث مع وضوح الحجة، واستنارة المَحَجَّة؟! فيا للعجب! إنه لم يستطع أن يرُدّ هذه الحجة النَّيِّرَة، بل تَحَيَّر، فإنه بعدما طوّل كلامه في الردّ على حجج القائلين بوجوب القضاء على العامد، قال: والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقًا من عموم حديث: "فدين اللَّه أحقّ أن يقضى"، ولا سيما على قول من قال: إن وجوب القضاء بدليل، هو الخطاب الأول الدالّ على وجوب الأداء، فليس عنده في وجوب القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردّد؛ لأنه يقول: المتعمِّد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها فصارت دينًا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه.
وإذا عرفتَ هذا علمت أن المقام من المضائق. انتهى كلام الشوكانيّ (١).
قال الجامع: وأنا أقول: هذا مبلغ ما نَصَرَ به الشوكانيّ قولَ من يقول بعدم وجوب القضاء على العامد، حيث تحيّر في دفع حجة الموجبين؛ لقوّته ووضوحه، واعترف بأن المقام من المضائق، ونحن -بحمد اللَّه تعالى- لا نقع في المضائق، بل نقول بالأسهل الذي لا تضايُق معه، وهو وجوب القضاء.
ولقد أحسن العلامة الصنعانيّ ﵀ في المسألة، وأجاد وأفاد، حيث قال في "حاشية إحكام الأحكام" ما نصُّهُ: وأقوى شيء عندي في الاستدلال من أوجب على العامد القضاء حديث: "فدينُ اللَّه أحقُّ أن يُقْضَى"؛ فإنه عامّ لكل دَين للَّه، ومعلوم أن التارك للصلاة هي دين في ذمته، وإلا لما عوقب عليها، ووجبت التوبة عن تركها بالاتفاق بين الفريقين، وكما أن دين الآدمي لا يُسقِطُهُ عن الذمة إلا قضاؤه، كذلك دين اللَّه، بل قد جعله النبيّ ﷺ أحق بالقضاء، وسواء قلنا: القضاء بأمر جديد، أو بالأمر الأول، إذ قد صارت ذمته مشغولة بها بالأمر الأول، وصارت بتركه أداءها في وقتها دينًا للَّه يعاقبه على عدم
стр. 8172
القضاء. انتهى كلامه ﵀ (١).
أقول: هذا الذي قاله الصنعانيّ ﵀ هو التحقيق الحقيق بالقبول؛ لوضوح دليله المنقول.
والحاصل أن المذهب الراجح هو القول بوجوب القضاء على من ترك الصلاة متعمدًا؛ لما ذكرناه من الدليل النيّر الواضح كالشمس في رابعة النهار: "اقضُوا اللَّه، فاللَّه أحقّ بالوفاء"، رواه البخاريّ، "فدَينُ اللَّه أحقّ بالقضاء"، متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في هل النفس والروح شيء واحدٌ أم لا؟:
قال الحافظ أبو عمر ﵀: اختلفوا في الروح والنفس، هل هما شيء واحد، أو شيئان؟ فقال جماعة أهل العلم: إنهما شيءٌ واحد، ومن حجتهم قوله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فروي عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير أنهما قالا: تُقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، تتعارف ما شاء اللَّه أن تتعارف، فيُمسك التي قضى عليها الموت التي قد ماتت، ويُرسل الأخرى إلى أجل مسمى.
وهذا يدلّ على أن النفس والروح شيء واحد؛ لأنهما فسّرا الآية بـ "تُقبض الأرواح"، وقد جاءت في الآية بلفظ الأنفس، ويشهد بصحّة ذلك قول رسول اللَّه ﷺ في الحديث: "إن اللَّه قَبَض أرواحنا"، فنَصَّ على أن المقبوض هو الروح، ولم يُنكر قول بلال ﵁: "أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك"، فالقرآن والسنّة يشيران إلى معنى واحد، بلفظ النفس تارةً، وبلفظ الروح أخرى.
وقال آخرون: النفس غير الروح، واحتجُّوا بأن النفس مخاطبةٌ، منهيّة مأمورة، واستدلّوا بقول اللَّه : ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي
стр. 8173
جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ومثل هذا في القرآن كثير، قالوا: والروح لم تخاطب، ولم تؤمر، ولم تُنْهَ في شيء من القرآن، ولم يلحقها شيء من التوبيخ، كما لحِقَ النفس في غير آية من كتاب اللَّه ، وتأوّلوا قول بلال ﵁: "أخذ بنفسي من النوم ما أخذ بنفسك منه". انتهى (١).
وقال القرطبي ﵀: قال: و"النفس" هنا هي التي تتوفَّى بالنوم وبالموت، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وهى التي تَخْرُج من البدن حالة الموت، كما قال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وهي المناداة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ إلى قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٩]، وقد عَبّر عنها في "الموطّأ" في هذا الحديث بالروح، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قبض أرواحنا، ولو شاء لردّها إلينا في حينٍ غيرِ هذا"، فما سمّاه بلالٌ نفسًا سمّاه رسول اللَّه ﷺ رُوحًا، فهما إذًا عَبارتان عن مُعَبَّرٍ واحد، وهذا مذهب أئمّتنا.
وقد اختَلَفَ الناس قديمًا وحديثًا في المعنى المراد بالنفس والروح، والذي يُفهم من مجموع ما في الكتاب والسنّة، وأقاويل علمائنا أن ذلك هو لطيفة مُودَعةٌ في الأجساد، مشاركة لجميع أجزائها التي تَحُلُّها الحياة، يتأتَّى إخراجها من الجسد وإدخالها فيه، وقبضها منه، أجرى اللَّه تعالى العادة بخلق الحياة في الجسد ما دامت فيه تلك اللطيفة، وهي القابلة للعلوم، والإنسانُ هو الجسد وتلك اللطيفة.
وقد فرَّق الصوفيّة بين النفس والروح، فقالوا: النفس لطيفة مُودعةٌ في الجسم، محلٌّ للأخلاق المعلولة، والروح محلّ للأخلاق المحمودة، وهو اصطلاح من قِبَلهم، ولا مُشَاحّة في الاصطلاحات بعد فهم المعنى. والنفس في اللغة مُشترك يُطلق على ما ذكرنا، ويُطلق، ويُراد به وجود الشيء وذاته، ويُطلق ويراد به الدم، والروح يُطلق أيضًا على جبريل؛ إذ قد سمّاه اللَّه تعالى رُوحًا فِي قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ويَحْتَمِل أن يكون
стр. 8174
المراد بقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، وفي قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] على ما قاله ابن عبّاس ﵄ في قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾، وقد تقدّم أن الروح مشتقّ من الريح. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الأولون من أن الروح والنفس شيء واحد هو الأرجح؛ لقوّة حُججهم، كما تقدّم بيانها، واللَّه تعالى أعلم؛ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنًا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ"، قَالَ: فَفَعَلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاة (٢)، فَصَلَّى الْغَدَاةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٢٤.
و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله.
стр. 8175
وقوله: (قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ) التعريس: نزول المسافر آخر الليل.
وقوله: (فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ) فيه دليلٌ على استحباب اجتناب مواضع الشيطان، وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في الْحمّام، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبي ﵀: ذهب بعض العلماء إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقال: إن من انتبه من نوم عن صلاة فاتته في سفر زال عن موضعه، وإن كان واديًا خرج عنه، واعتَضَدَ بقوله ﷺ : "تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة" (٢)، وهذه الزيادة ذكرها أبو داود في حديث أبي هريرة ﵁.
وقال آخرون: إنما يلزم هذا في ذلك الوادي بعينه، إن عُلِم، ونزلت فيه مثل تلك النازلة، فيجب الخروج منه، كما فَعَل النبيّ ﷺ .
وقال الجمهور: إن هذا غير مُرَاعَى، وإن من استيقظ عن صلاة فاتته صلّاها في ذلك الوقت، وحيثما كان؛ لقوله ﷺ : "فحيثما أدركتك الصلاة فصَلِّ" (٣)، وهذا الحديث لا يصلح لتخصيصه في غير حقّ النبيّ ﷺ ؛ إذ لا يَعْلَم غيرُ النبيّ ﷺ من حال ذلك الوادي، ولا من غيره من المواضع ما عَلِمَه النبيّ ﷺ ، وبتقدير أن تقع النازلة في ذلك الوادي، فلا ندري، هل ذلك الشيطان باقٍ أم لا؟، وقوله: "تحوّلوا" خطاب لأصحابه الكائنين معه خاصّةً، لا يتعدّاه إلى غيرهم؛ لأنه كان لسبب عِلْمِهِ ﷺ بحضور الشيطان فيه، وغيرُهُ لا يعلم ذلك، فلا يتعدّى إليه ذلك الحَكم، وإلى معنى ما ذكرناه ذهب الداوديّ وغيره من أصحابنا في تأويل الحديث. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح ما قاله الأولون، فمن أدركته الغفلة، أو نام عن صلاة في موضع انتقل من ذلك الموضع إلى غيره؛ لأمره ﷺ
أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا"، قَالَ: فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ (١) فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ، إِذْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَى، كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي أَحَدُ الرَّكْب تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: حَدِّثْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ، قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ، فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) بن أبي شيبة الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع و (٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٨٠.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ) الأنصاريّ، أبو خالد المدنيّ، سَكَن البصرةَ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أُبَيّ بن كعب، وعَمّار بن ياسر، وعمران بن حُصين، وأبي قتادة الأنصاريّ، وأبي هريرة، وكعب الأحبار، وعبد العزيز بن النعمان، وصفوان بن مُحْرِز، وغيرهم.
ورَوَى عنه ثابت الْبُنَانيّ، وعاصم الأحول، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وقتادة، وبكر بن عبد اللَّه الْمُزَنِيّ، والأزرق بن قيس، وخالد الحذّاء، وخالد بن سُمَير السدوسيّ، وغيرهم.
قال العجليّ: بصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث،
стр. 8179
وقال ابن خِرَاش: هو من أهل المدينة، قَدِم البصرة، لا أعلم مدنيًّا حَدَّث عنه، وهو رجل جليلٌ، وكذا قال ابن المدينيّ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال خالد بن سُمَير: قَدِمَ علينا، وكانت الأنصار تفقِّهه.
وقال خليفة: قُتِل في ولاية ابن زياد، وقال أبو عمران الجونيّ: وَقَفْتُ مع عبد اللَّه بن رَبَاح، ونحن نقاتل الأزارقة مع الْمُهَلَّب، قال الحافظ: فهذا يدل على أنه تأخَّر بعد ولاية ابن زياد بمدة، وقرأت بخط الذهبيّ أنه تُوُفّي في حدود سنة (٩٠) فهذا أشبه. انتهى (١).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٨١) و (٦٨٣) و (٨١٠) و (١٧٨٠) وأعاده بعده، و (٢٦٦٦).
٥ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، اسمه الحارث، وقيل: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمَة السَّلَميّ، شَهِدَ أُحُدًا، وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ومات ﵁ سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ، وعبد اللَّه بن رباح، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلّيّ، قرية من قرى البصرة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ثابتٌ، عن عبد اللَّه بن رَبَاح.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة، مشهور بكنيته، وكان يُلقّب فارس رسول اللَّه ﷺ ؛ لقوله ﷺ يوم خيبر: "كان خيرَ فُرْساننا اليوم أبو قتادة، وخير رَجّالتنا سَلَمة" (٢)، رواه مسلم (٣)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8180
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ ﵁، اختُلف في اسمه، كما أسلفناه آنفًا، أنه (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) فيه أنه يُسْتَحَبّ لأمير الجيش إذا رأى مصلحة لقومه في إعلامهم بأمر أن يَجْمَعهم كلَّهم، ويُشِيع ذلك فيهم؛ لِيَبْلُغَهم كلَّهم، ويتأهبوا له، ولا يَخُصّ به بعضهم وكبارهم؛ لأنه ربما خَفِي على بعضهم، فيَلْحَقه الضرر (١).
ثمّ بيّن تلك الخطبة بقوله: (فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ) "العَشيّ": قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا الْعَشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: الْعَشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ، والعِشَاءُ من صلاة المغرب إلى الْعَتَمَة، وعليه قول ابن فارس: العشاءان: المغرب والعَتَمة، وقال ابن الأنباريّ: الْعَشِيّة مؤنّثةٌ، وربّما أنّثتها العرب على معنى العشيّ، وقال بعضهم: الْعَشيّةُ: واحدةٌ، وجمعها عَشِيّ. انتهى (٢).
وقوله: (وَلَيْلَتَكُمْ) أي تسيرون ليلتكم (وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) فيه استحباب قولِ "إن شاء اللَّه" في الأمور المستقبلة؛ امتثالًا لأمره في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] الآية (غَدًا") منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "تأتون"، و"الْغَدُ": اليوم الذي يأتي بعد يومك على إِثْرِهِ، ثم توسّعوا فيه حتى أُطلق على البعيد المُرتَقَب، وأصله غَدْوٌ، مثلُ فَلْسِ وفُلُوس، لكن حُذفت اللام، وجُعِلت الدال حرف إعراب، قال الشاعر [من الرجز]:
لَا تَقْلُوَاهَا وَادْلُوَاهَا دَلْوَا … إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ أَخَاهُ غَدْوَا (٣)
(فَانْطَلَقَ النَّاسُ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) أي لا يعطف بعض الناس على بعضهم، ولا يقف، ولا ينتظره، وأصله من ليّ العنق، قاله القرطبيّ (٤).
وقال في "المصباح": لواه بدينه لَيًّا، من باب رَمَى، ولَيّانًا أيضًا: مَطَلَه،
стр. 8181
ولَوَيْتُ الحبلَ واليدَ لَيًّا: فَتَلْتُهُ، ولَوَى رأسه، وبرأسه: أماله، وقد يُجْعَلُ بمعنى الإعراض، ومَرَّ لا يَلْوِي على أحدٍ: أي لا يَقِفُ، ولا يَنتظِر. انتهى (١).
(قَالَ أَبُو قَتَادَةَ) ﵁ (فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ) قد تقدّم البحث في "بينما"، ومثلها "بينا" بالألف غير مرّة، وخلاصته أن أصلهما "بين" زيدت عليها "ما"، أو الألف، فهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتمّ به المعنى، وقد يقترن أحيانًا بـ "إذ"، أو "إذا"، تقول: بينما زيد جالس دخل عليه عمرو، أو إذ دخل عليه عمرو، أو إذا دخل عليه عمرو (٢). (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) -بالباء الموحّدة، وتشديد الراء- قال في "القاموس": وابهارّ الليل: انتصف، أو تراكمت ظُلمته، أو ذهبت عامّته، أو بقي نحوُ ثُلُثه. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ابْهَارّ الليلُ": أي انتصف، وبُهْرَة كلِّ شيءٍ: وسطُهُ، وقيل: ذهب عامّته، وبقي نحوٌ من ثلثه، قال أبو سعيد الضرير: ابهِرَارُ الليل: طلوع نجومه إذا تتامّت، وقال غيره: ابهارّ الليل: طال، والباهر: الممتلئ نورًا، وقد صحّفه بعض الشارحين تصحيفًا فاحشًا، فقال: انهار الليل -بالنون- وقال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩]. انتهى (٤).
و"حتى" غايةٌ لمسيره ﷺ ، وقوله: (وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليّة من فاعل "يسير"، والرابط الواو والضمير المنصوب (قَالَ) أبو قتادة ﵁ (فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) -بفتح العين- يقال: نَعَسَ يَنْعُسُ، من باب قَتَلَ، والاسم: النُّعاس، فهو ناعسٌ، والجمعُ: نُعَّس، مثلُ راكع ورُكَّع، والمرأة ناعسةٌ، والجمع: نَوَاعِسُ، وربما قيل: نَعْسَان، ونَعْسَى، حَمَلُوه على وَسْنَان، ووَسْنَى، وأول النوم: النعاس، وهو أن يَحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الْوَسَنُ، وهو ثِقَلُ النعاس، ثم التَّرْنِيقُ، وهو مخالطة النُّعاس للعين، ثم الْكَرَى، والْغَمْضُ، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان، ثم الْعَفْقُ، وهو النوم، وأنت تسمع كلام
стр. 8182
القوم، ثم الْهُجُودُ، والْهُجُوعُ، ذكره الفيّوميّ ﵀ (١).
وقد ثبت في "الصحيح" أن أهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم موت أصغر، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": النعاس: مقدَّمة النوم، وهو ريح لطيفةٌ تأتي من قبل الدماغ، تُغَطِّي على العين، ولا تَصِلُ إلى القلب، فإذا وصلت إلى القلب كان نومًا، ولا ينتقض الوضوء بالنعاس من المضطجع، وينتقض بنومه. انتهى (٢).
(فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ) أي عدل عنها، ولم يستقم على ظهرها، يقال: مال يميل ميلًا، كباع يبيع بيعًا: إذا عَدَل، ومال الحائطُ: إذا زال عن استوائه، ويقال أيضًا: مال يمال، كخاف يخاف (٣). (فَأَتَيْتُهُ، فَدَعَمْتُهُ) أي أسندته، وأقمت ميله من النوم برفق، وصِرتُ تحته كالدِّعامة للبناء فوقها (مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ) أي من غير أن أنبّهه من نومه (حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) أي استقام على ظهرها (قَالَ) أبو قتادة ﵁ (ثُمَّ سَارَ) ﷺ (حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ) أي ذهب أكثره، مأخوذ من تَهَوُّر البناء، وهو انهدامه، يقال: تَهَوَّر الليل، وتَوَهَّر (مَالَ) ﷺ (عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ) أبو قتادة (فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، قَالَ) أبو قتادة (ثُمَّ سَارَ) ﷺ (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ) "كان" تامّة، و"من" زائدة، على رأي من يرى زيادتها في الإثبات، أي جاء آخر السحر، ويَحتَمِل أن تكون ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى النبيّ ﷺ ، وخبرها الجارّ والمجرور، و"من" بمعنى "في" (مَالَ) ﷺ (مَيْلَةً، هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ) أي قارب أن يسقُط من راحلته، قال ابن الأثير ﵀: هو مطاوع جَفَلَه: إذا طرحه وألقاه، أي ينقلب ويَسْقُطُ، يمْال: ضربه، فجَفَلَهُ: أي ألقاه على الأرض. انتهى (٤).
стр. 8183
وقال الفيّوميّ ﵀: جَفَلَ البعيرُ جَفْلًا وجُفُولًا من بابي ضرب وقَعَدَ: نَدّ وشَرَدَ، فهو جافلٌ وجَفّالٌ مبالغةٌ، وجَفَلَت النعامةُ: هَرَبَت، وجَفَلتُ الطينَ أجْفُلُه، من باب قَتَل: جَرَفتهُ، وجَفَلتُ المتاعَ: ألقيتُ بعضه على بعض، وجفلتُ الطائر أيضًا: نفّرتُهُ، وفي مطاوعه: فأجفلَ هو بالألف، جاء الثلاثيّ متعدّيًا، والرباعيّ لازمًا عكس المشهور، وله نظائر، وأجفل القومُ، وانجفلوا، وتجفّلوا، وجَفَلُوا جَفْلًا، من باب قتل: إذا أسرعوا الْهَرَبَ. انتهى (١).
(فَأَتَيْتُهُ، فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ) أي استيقظ من نومه، ورفع رأسه من ميله (فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ ") استفهام عن الشخص الذي أيقظه من نومه بدعمه (قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ) خبر لمحذوف، أي أنا أبو قتادة (قَالَ) ﷺ ("مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟ ") بنصب "مسيرك" خبرًا بـ "كان"، وهو مصدر ميميّ لـ "سار"، يعني منذ أَيّ وقت أنت تسير هذا السير معي؟ (قُلْتُ: مَا) نافية (زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ) أي في هذه الليلة، فـ "منذ" بمعنى "في"؛ لأن "منذُ" و"مُذْ" إذا جرّا حاضرًا، كانا بمعنى "في"، نحو: ما رأيته منذ أو مذ يَوْمِنا، وإن جرّا ماضيًا كانا بمعنى "من"، نحو: ما رأيته يوم الجمعة، قال في "الخلاصة":
وَإِنْ يَجُرَّا فِي مُضِيٍّ فَكَـ "مِنْ" … هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى "فِي" اسْتَبِنْ
(قَالَ) ﷺ ("حَفِظَكَ اللَّهُ) بكسر الفاء، يقال: حَفِظَ الشيءَ من باب عَلِمَ: إذا حَرَسَهُ، وحَفِظ القرآن: إذا استظهره، والمالَ: رعاه، أفاده في "القاموس" (٢)، وقال في "المصباح": حَفِظْتُ المالَ وغيره حِفْظًا: إذا منعته من الضَّيَاعِ والتَّلَفِ، وحَفِظْتُهُ: صُنتُهُ عن الابتذال، وحَفِظَ القرآن: إذا وَعَاهُ على ظهر قلبه. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ضبط "حَفِظَ" بكسر الفاء في كتب اللغة، وأما ما اشتهر من قولهم: حَفَظَهُ بفتح الفاء، فمن لحن العوامّ، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ") أي بسبب حفظك نبيّه ﷺ ، قاله النوويّ، فعلى هذا
стр. 8184
فـ "ما" مصدريّة، وأنكر بعضهم كونها هنا مصدريّة؛ لعود الضمير من "به" عليها، والمصدريّة لا تحتاج إلى عائد، وإنما هي موصولة، واقعة على معنى الحبّ والحرص، أي بسبب الحبّ والحرص الذي حفِظتَ به نبيّه ﷺ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("هَلْ تَرَانَا) بفتح أوله، ويَحْتَمِلُ أن يكون بالضمّ: أي هل تَظُنّنا (نَخْفَى) بفتح أوله، وثالثه، مضارع خَفِيَ، من باب رَمَى خَفَاءً: إذا استتر، قال في "المباح": خَفِيَ الشيءُ يَخْفَى خَفَاءً بالفتح والمدّ: استَتَرَ، أو ظَهَرَ، فهو من الأضداد، وبعضهم يَجْعَل حرف الصلة فارقًا، فيقول: خَفِيَ عليه: إذا استَتَر، وخَفِيَ له: إذا ظَهَر، فهو خَافٍ، وخَفِيَ أيضًا، ويتعدى بالحركة، فيقال: خَفَيْتُهُ أَخْفِيهِ من باب رَمَى: إذا سترته وأظهرته، وفَعَلْتُهُ خِفْيَةً بضم الخاء وكسرها، ويتعدى بالهمزة أيضًا، فيقال: أخفيته، وبعضهم يَجْعَل الرباعيّ للكتمان، والثلاثي للإظهار، وبعضهم يَعْكِسُ. انتهى (١).
(عَلَى النَّاسِ؟ ") أي على بقيّة الركب، وهذا يدلّ على أنهما كانا وحدهما (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ ") "من" زائدة، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
أي هل ترى أحدًا من السائرين غيرنا؟، وهذا يدلّ على أنهم كانوا متفرّقين في سيرهم.
قال أبو قتادة (قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا، فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ) يَحْتَمِلُ أن يكون نادى الرُّكبان، ويَحْتَمِلُ أنهما أسرعا إن كانا متأخّرين، أو أبطآ إن كان متقدّمين.
و"الرَّكْبُ" بفتح الراء، وسكون الكاف: جمع راكب، كصاحب وصَحْب، ويُجمع أيضًا على رُكْبان، ولكونه جمعًا صار تمييزًا لـ "سبعة"، فإن تمييز ما دون العشرة من العدد يكون جمعًا مجرورًا، كما قال في "الخلاصة":
ثَلَاثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِعَشَرَهْ … فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ … جَمْعًا بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
وفىِ رواية أبي داود: "أن النبيّ ﷺ كان في سفر له، فمال رسول اللَّه ﷺ ،
стр. 8185
ومِلتُ معه، فقال: انظر، فقلتُ: هذا راكبٌ، هذان راكبان، هؤلاء ثلاثةٌ، حتى صِرْنا سبعة".
(قَالَ) أبو قتادة ﵁ (فَمَالَ) أي تحوّل (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّرِيقِ) أي تجنّبًا أن يُصيبهم الأذى مما يَطْرُق الطريق من الهوامّ، وقد أمر ﷺ بذلك، حيث قال: "وإذا عَرَّستم، فاجتنبوا الطريق، فإنها طُرُق الدوابّ، ومأوى الهوامّ بالليل"، رواه مسلم.
وقد بيّن في رواية البخاريّ أن ميله ﷺ كان بطلب من الصحابة ﵃، ولفظه من طريق عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: سرنا مع النبيّ ﷺ ليلة، فقال بعض القوم: لو عَرَّست بنا يا رسول اللَّه؟ قال: "أخاف أن تناموا عن الصلاة"، قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه، فنام، فاستيقظ النبيّ ﷺ ، وقد طلع حاجب الشمس، فقال: "يا بلال، أين ما قلت؟ " قال: ما أُلقيت عليّ نومةٌ مثلها قطّ، قال: "إن اللَّه قبض أرواحكم حين شاء، وردَّها عليكم حين شاء، يا بلال قم، فأذِّن بالناس بالصلاة"، فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس، وابياضَّت قام فصلى.
(فَوَضَعَ) ﷺ (رَأْسَهُ) كناية عن نومه (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا") زاد في رواية أبي داود: "يعني صلاة الفجر"، أي احفظوا وقت صلاة الفجر، فلا تضيّعوها بالنوم عنها.
(فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) هذا معطوف على محذوف، أي فناموا، فكان. . . إلخ، وفي رواية أبي داود: "فضُرِب على آذانهم، فما أيقظهم إلا حرّ الشمس، فقاموا هُنَيَّةً، ثم نزلوا، فتوضّئوا".
و"أوّلَ" بالنصب خبر كان مقدّمًا على اسمها، وهو "رسول اللَّه ﷺ ".
ثم إن قوله: "فكان أولَ من استيقظ إلخ" يدلّ على أن هذه الواقعة غير الواقعة التي تقدّمت في حديث أبي هريرة ﵁؛ لأن أول من استيقظ هناك هو بلال ﵁.
(وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول اللَّه ﷺ "، وهو بمعنى قوله في الحديث الآخر: "فما أيقظهم إلا حرّ الشمس".
стр. 8186
(قَالَ) أبو قتادة (فَقُمْنَا فَزِعِينَ) بفتح، فكسر اسم فاعل من فَزِعَ، من باب تَعِب، وسبب فَزَعهم ما أصابهم من فوات صلاة الفجر بالنوم، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الذي قبله.
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("ارْكَبُوا"، فَرَكِبْنَا) هذا أيضًا مما يدلّ على اختلاف الواقعتين؛ فإنه في حديث أبي هريرة ﵁ قال: "اقتادوا، فاقتادوا"، وإن حاول بعضهم، فأوّله بأن بعضهم اقتاد، وبعضهم ركب، لكن الظاهر الوجه الأول، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
(فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ) النبيّ ﷺ عن راحلته (ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ) بكسر الميم، وبهمزة بعد الضاد المعجمة، ويجوز مدّه وقصره: هي الإناء الذي يُتوضّأ منه، كالرِّكْوة، ونحوها، قال القرطبي ﵀: وهي التي قال فيها: "أَطْلِقُوا لي غُمَرِي". انتهى. (كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ") أي قليل (مَنْ مَاءٍ، قَالَ) أبو قتادة (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ) أي وضوءًا خفيفًا، وكأنه اقتصر فيه على المرّة الواحدة، ولم يُكثِر صبَّ الماء؛ لأنه أراد أن يُفْضِل منه فَضْلةً؛ لتظهر فيها بركته وكرامته، قال القرطبي ﵀: وهذا أولى من قول من قال: أراد بقوله: "وضوءًا دون وُضوء" الاستجمار بالحجارة؛ لأن ذلك لا يقال عليه وضوءٌ عُرْفًا، ولا لغةً؛ لأنه لا نظافة فيه بالغةٌ، ولما روى أبو داود في هذه القصّة من حديث ذي مِخْبَر الحبَشيّ، خادم رسول اللَّه ﷺ "أنه ﷺ توضّأ وضوءًا لم يَلُتّ (١) منه التراب" (٢). انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في استدلاله بقصّة ذي مخبر نظر؛ لأنه لا دليل على اتّحادها مع قصّة أبي قتادة، فَيَحْتَمِل أن تكون واقعة أخرى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: معناه: وضوءًا خفيفًا مع أنه أسبغ الأعضاء، ونَقَل القاضي عياضٌ عن بعض شيُوخه أن المراد توضّأ، ولم يستنج بماء، بل
стр. 8187
استجمر بالأحجار، وهذا الذي زعمه هذا القائل غلطٌ ظاهرٌ، والصواب ما سبق. انتهى (١).
(قَالَ) أبو قتادة (وَبَقِيَ فِيهَا) أي في تلك المِيضأة (شَيْءٌ) أي قليل (مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ (لِأَبِي قَتَادَةَ) فيه التفاتة؛ إذ الظاهر أن يقول: ثم قال لي ("احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ") -بفتحتين- أي شأنٌ عظيم يُخبر به في المستقبل، من حصول البركة للناس، وحدوث المعجزة له ﷺ .
[فائدة مهمّة]: قال الراغب الأصفهانيّ ﵀: "النبأُ": خبرٌ ذو فائدة عظيمة، يَحْصلُ به علم، أغلبه ظنّ، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقُّ الخبر الذي يقال فيه: نبأ أن يَتَعَرَّى عن الكذب، كالتواتر، وخبر اللَّه تعالى، وخبر النبيّ ﷺ ، ولتضمن النبأ معنى الخبر، يقال: أنبأته بكذا، كقولك أخبرته بكذا، ولتضمنه معنى العلم، قيل: أنبأته كذا، كقولك: أعلمته كذا، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨]، وقال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ [النبأ: ١ - ٢]، وقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ [التغابن: ٥]، وقال: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٤٩]، وقال: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ [الأعراف: ١٠١] وقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠]، وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فَتَبَيُّنُهُ أنه إذا كان الخبر شيئًا عظيمًا له قَدْرٌ، فحقه أن يُتَوَقَّف فيه، وإن عُلِمَ وغَلَب صحته على الظنّ، حتى يعاد النظر فيه، ويُتَبَيَّن فَضْلَ تبينٍ، يقال: نَبّأته، وأنبأته، قال تعالى: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، وقال: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، وقال: ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧]، ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ [الحجر: ٥١]، وقال ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقال: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤].
стр. 8188
ونَبّأته أبلغ من أنبأته، ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٥٠]، ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة: ١٣].
ويدُلّ على ذلك قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]، ولم يقل: أنبأني، بل عَدَلَ إلى نَبّأ الذي هو أبلغ تنبيهًا على تحقيقه، وكونه من قبل اللَّه، وكذا قوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥].
و"النُّبُوَّة": سِفَارة بين اللَّه وبين ذوي العقول من عباده؛ لإزاحة عِلّتهم في أمر معادهم ومعاشهم، و"النبيّ"؛ لكونه مُنَبِّئًا بما تسكُن إليه العقول الذكية، وهو يصح أن يكون فَعِيلًا بمعنى فاعل؛ لقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ [الحجر: ٤٩]، ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، وأن يكون بمعنى المفعول؛ لقوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
وتَنَبّأ فلان: ادَّعَى النبوهَ، وكان من حق لفظه في وضع اللغة أن يصح استعماله في النبيّ؛ إذ هو مطاوع نَبَّأ، كقوله: زَيَّنه فَتَزَيَّن، وحَلّاه فتَحَلَّى، وجَمَّله فتجَمَّل، لكن لما تعورف فيمن يَدَّعِي النبوة كَذِبًا جُنَّب استعماله في الْمُحِقِّ، ولم يُستعمَل إلا في المتقَوِّل في دعواه، كقولك: تنبأ مُسَيْلِمة، ويقال في تصغير نَبِئ: مُسَيلمة نُبَيِّئُ سَوْءٍ؛ تنبيهًا أن أخباره ليست من أخبار اللَّه تعالى، كما قال رجل سَمِع كلامه: واللَّه ما خرج هذا الكلام من إِلِّ، أي اللَّه، والنَّبْأَةُ الصوت الخفيّ.
قال النحويون: النبيّ بغير همز أصله الهمز، فتُرِك همزه، واستدلُّوا بقولهم: مسيلمة نُبَيِّئُ سَوْءٍ، وقال بعض العلماء: هو من النَّبْوة: أي الرِّفعة، وسُمِّي نبيًّا؛ لرفعة محله عن سائر الناس، المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، فالنبيّ بغير الهمز أبلغ من النبئ بالهمز؛ لأنه ليس كل مُنَبَّأ رفيع القدر والمحل، ولذلك قال ﷺ من قال: يا نبئ اللَّه، فقال: "لست نبئ اللَّه، ولكن نبي اللَّه" (١)، لَمّا رأى أن الرجل خاطبه بالهمز؛ لبُغْضٍ منه.
стр. 8189
والنبوّة والنباوة: الارتفاع، ومنه قيل: نَبَا بفلان مكانه، كقولهم: قَضَّ عليه مَضجعه، ونبا السيف عن الضَّرِيبة: إذا ارتدّ عنه، ولم يَمْضِ فيه، ونبا بصره عن كذا؟ تشبيهًا بذلك. انتهى كلام الراغب ﵀ (١)، وهو بحثٌ لغويّ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ) فيه مشروعيّة الأذان للصلاة الفائتة (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ) أي سنة الصبح، ففيه استحباب قضاء السنّة الراتبة (ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ) أي صلاة الغداة، وهي الصبح (فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ) يعني أنه صلّى الفائتة بالحالة والهيئة التي كان يصلّي بها الحاضرة.
وقال النوويّ: قوله: "كما كان يصنع كل يوم"، فيه إشارة إلى أن صفة قضاء الفائتة كصفة أدائها، فيؤخذ منه أن فائتة الصبح يَقْنُت فيها، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وقد يَحْتَجّ به من يقول: يجهر في الصبح التي يقضيها بعد طلوع الشمس، وهذا أحد الوجهين لأصحابنا، وأصحهما أنه يُسِرّ بها، ويُحْمَل قوله: "كما كان يصنع" أي في الأفعال، وفيه إباحة تسمية الصبح غداةً، وقد تكرر في الأحاديث. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أما ما قاله في القنوت فقد تقدّم أن الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُستحبّ القنوت إلا في النوازل، وليس هناك دليلٌ صحيحٌ صريح على استحباب القنوت في الصبح، كما مرّ البحث فيه مستوفًى.
وأما حمل قوله "كما كان يصنع" على الأفعال، فتأويل بعيد، بل الظاهر أن يُحْمَل على أنه قضاها بصفة أدائها قولًا وفعلًا، فيدلّ على استحباب الجهر فيها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8190
(قَالَ) أبو قتادة (وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَكِبْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ) بفتح الهاء، وكسر الميم، أي يتكلّم بخفاء وإسرار لا يسمعه غير من قصده.
قال الفيّوميّ ﵀: "الْهَمْسُ": الصوت الخفيّ، وهو مصدرُ هَمَسْتُ الكلامَ، من باب ضَرَبَ: إذا أخفيته، وما سَمِعتُ له هَمْسًا ولا جَرْسًا، وهما الخفيّ من الصوت، وحرفٌ مَهمُوسٌ، غير مجهورٍ، وكلام مهموسٌ غير ظاهرٍ. انتهى (١).
وقوله: (مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا) مقول لقول مقدّر حالٍ، و"ما" الأولى استفهاميّة مبتدأ خبره "كفّارةُ"، و"ما" الثانية موصولة، والعائد محذوف، أي الذي صنعناه، وجنيناه من الإثم، أو هي مصدريّة، فلا تحتاج إلى عائد، أي كفّارة صنيعنا، وجنايتنا.
(بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا؟) الباء سببيّة، أي بسبب تقصيرنا وتضييعنا لصلاة الصبح، يقال: فرّط في الأمر تفريطًا: إذا قصّر فيه وضيَّعه، وأفرط إفراطًا: إذا أسرف فيه، وجاوز الحدّ.
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ مسلّيًا لهم على ما أصابهم من الحزن بسبب فوات الصبح ("أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه (لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ ") بضمّ الهمزة، وكسرها: أي اقتداء واتّباع فيما حصل لي، قال الراغب ﵀: "الأُسْوة"، و"الإِسْوة"، كالْقُدْوة، والْقِدوة: هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتّباع غيره، إن حسنًا، وإن قبيحًا، وإن سارًّا، وإن ضارًّا، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فوصفها بالحسنة. انتهى (٢).
وقال السمين ﵀: قرئ في الآية بالوجهين، أي اتباعه واجب عليكم، يقال: تأسّيتُ به: أي اتّبعته في فعله، مثلُ اقتديتُ. انتهى (٣).
(ثُمَّ قَالَ: "أَمَا، إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (لَيْسَ فِي النَّوْمِ
стр. 8191
تَفْرِيطٌ) أي تقصيرٌ في فوت الصلاة؛ لانعدام الاختيار من النائم، قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ لما أَجْمع عليه العلماء أن النائم ليس بمكلَّف، وإنما يجب عليه قضاء الصلاة ونحوها بأمر جديد، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند أصحاب الفقه والأصول، ومنهم من قال: يجب القضاء بالخطاب السابق، وهذا القائل يوافق على أنه في حال النوم غير مكلَّف.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن هذا القول هو الراجح؛ لأن القول بأن الإيجاب بالأمر الجديد يَحتاج إلى دليل، فتبصّر.
قال: وأما إذا أتلف النائم بيده، أو غيرها من أعضائه شيئًا في حال نومه، فيجب ضمانه بالاتفاق، وليس ذلك تكليفًا للنائم؛ لأن غرامة المتلَفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع، بل لو أتلف الصبيّ أو المجنون، أو الغافل وغيرهم، ممن لا تكليف عليه شيئًا وجب ضمانه بالاتفاق، ودليله من القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فرتَّب على القتل خطأً الديةَ والكفارةَ مع أنه غير آثم بالاجماع. انتهى (١).
(إِنَّمَا التَّفْرِيطُ) أي إنما يكون إثم التفريط (عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ) أي من لم يؤدّها، وأخرجها عن وقتها مستيقظًا عامدًا لتركها، متهاونًا، ومتكاسلًا (حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى) قال القرطبي ﵀: وفيه دليلٌ على أن أوقات الصلوات كلّها موسَّعةٌ. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: في الحديث دليلٌ على امتداد وقت كلِّ صلاة من الخمس حتى يدخل وقت الأخرى، وهذا مُسْتَمِرّ على عمومه في الصلوات، إلا الصبح فإنها لا تمتد إلى الظهر، بل يخرج وقتها بطلوع الشمس؛ لمفهوم قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح"، وأما المغرب ففيها خلاف سبق بيانه في بابه، والصحيح المختار امتداد وقتها إلى دخول وقت العشاء؛ للأحاديث الصحيحة السابقة في "صحيح مسلم"، وقد ذكرنا الجواب عن حديث إمامة جبريل ﵇ في اليومين في المغرب في وقت واحد.
стр. 8192
وقال أبو سعيد الإصطخري من أصحابنا: تفوت العصر بمصير ظل الشيء مثليه، وتفوت العشاء بذهاب ثلث الليل أو نصفه، وتفوت الصبح بالإسفار، وهذا القول ضعيف، والصحيح المشهور ما قدمناه من الامتداد إلى دخول الصلاة الثانية. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله النوويّ ﵀ حسنٌ، إلا ما قاله في العشاء، فقد قدّمنا أن الصحيح أن وقتها إلى نصف الليل، فبعد نصفه تكون قضاء؛ للحديث الصحيح الصريح فيه، حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ مرفوعًا: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل"، فهذا لا معارض له، إلا الإجماع المزعوم، وقد سبق أن الإجماع في هذا لا يصحّ، فبقى النص على ظاهره، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي فمن نام عن الصلاة حتى خرج وقتها، وقال القرطبيّ ﵀: الإشارة إلى ما وقع له من النوم عن الصلاة، ويَحْتَمِلُ أن يعود الضمير إلى جميع ما ذُكِر من النوم والتفريط. انتهى. (فَلْيُصَلِّهَا) أي فليقضها (حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا) أي من نومه، أو نسيانه وغفلته (فَإِذَا كَانَ الْغَدُ، فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا") قال النوويّ ﵀: معناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها، لا يتغير وقتها، ويتحوّل في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد، ويتحوّل، وليس معناه أنه يقضي الفائتة مرتين: مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه، فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث، وقد اضطربت أقوال العلماء فيه، واختار المحققون ما ذكرته. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قال قومٌ: ظاهره إعادة المقضيّة مرّتين: عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، وقد وافق هذا الظاهر ما رواه أبو داود نصًّا من حديث عمران بن حُصين ﵄، وذكر القصّة، وقال في آخرها: "فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحًا، فليقض معها مثلها"، قال الخطّابيّ: لا أعلم أحدًا قال هذا وجوبًا، ويُشبه أن يكون الأمر به استحبابًا؛ ليحْرِزَ فضيلة الوقت في القضاء.
стр. 8193
قال القرطبيّ: وهذا كلّه يُعارضه ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من حديث الحسن، عن عمران بن حصين في هذه القصّة أنه ﷺ لَمّا صلّى بهم المقضيّة قالوا: ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال: "لا ينهاكم اللَّه عن الربا، ويأخذه منكم" (١).
والصحيح ترك العمل بذلك الظاهر لهذه المعارضة، ولمَا حَكَى الخطّابيّ، ولأن الطُّرُق الصحاح المشهورة ليس فيها من تلك الزيادة شيء إلا ما في حديث أبي قتادة، وهو مُحْتَمِلٌ كما قرّرناه، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟ ") "ما" استفهاميّة، مفعول مقدّم وجوبًا لـ "صنعوا"؛ لكونه استفهامًا، ويَحْتَمل أن يكون مبتدأ بتقدير العائد، أي ما تظنّون الناس أيّ شيء صانعين حين يُصبحون، فلا يجدون نبيّهم بينهم؟.
وقال النوويّ ﵀: معنى هذا الكلام أنه ﷺ لَمّا صلى بهم الصبح بعد ارتفاع الشمس، وقد سبقهم الناس، وانقطع النبيّ ﷺ ، وهؤلاء الطائفة اليسيرة عنهم، قال: ما تظنون الناس يقولون فينا؟، فسكت القوم، فقال النبيّ ﷺ : أما أبو بكر وعمر فيقولان للناس: إن النبيّ ﷺ وراءكم، ولا تطيب نفسه أن يُخَلِّفكم وراءه، ويتقدم بين أيديكم، فينبغي لكم أن تنتظروه حتى يلحقكم، وقال باقي الناس: إنه سبقكم فالحقوه، فإن أطاعوا أبا بكر وعمر رَشَدُوا، فإنهما على الصواب. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟ " هذا قول النبيّ ﷺ من كان معه مستفهمًا على جهة استحضار أفهامهم، ثم قال مخبرًا بما صنعوا، وبما قالوا إلى قوله: "وقال الناس: إن رسول اللَّه ﷺ بين أيديكم"، وهنا انتهى الخبر عنهم، ثم قال النبيّ ﷺ : "فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يُرشَدُوا"؛ لأنهما وافقا الحقّ فيما قالاه، فصوابه إذًا أن يكون: "يُطيعوا"، و"يرشدوا" بياء الغائبين، وقد قيل في بعض النسخ بتاء المخطابين، ووجهه أن النبيّ ﷺ كأنه أقبل على الغائبين، فخاطبهم، ويجري هذا مجرى
стр. 8194
قول عمر: "الجبل يا سارية"، وهو بالمدينة، وسارية بمصر، أو بالشام، فسمعه سارية، ولجأ إلى الجبل، ونجا هو وأصحابه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن كونه بتاء المخاطبين تصحيف من النسّاخ، والتوجيه الذي ذكره القرطبيّ لا يخفى كونه تكلّفًا، وتنظيره بقصّة عمر ﵁ بعيد جدًّا؛ لأن صوته سمعه سارية كرامة من اللَّه تعالى، فامتثل أمره، فنجا ونجا من معه، وأما هؤلاء الصحابة لم يُنقل عنهم أن صوته ﷺ وصل إليهم، فامتثلوه، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو قتادة (ثُمَّ قَالَ) ﷺ بعدما استفهم مخبرًا لهم عن حال الناس ("أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ) أي لكونه تأخّر عنهم، وتقدّموا عليه ظنًّا منهم أنه أمامهم (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) مبتدأ خبره قوله: (بَعْدَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ) بتشديد اللام، من التخليف، أي ليترككم وراءه (وَقَالَ النَّاسُ) أي غير أبي بكر وعمر ﵄ (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) أي سبقكم، وأنتم خلفه، قال ﷺ مبيّنًا كون الصواب مع الشيخين (فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشَدُوا") من بابي تَعِبَ ونَصَر، مبنيًّا للفاعل، أي يكونون مصيبين الحقّ.
ويَحْتَمِلُ أن يكون مبنيًّا للمفعول، من أرشد رباعيًّا، أي يوفّقُون للصواب.
قال في "القاموس": رَشَدَ كنصَرَ، وفَرِحَ رُشْدًا ورَشَدًا، ورَشَادًا: اهتدى، كاسترشد. انتهى (٢).
وقال في "المصباح": الرُّشْدُ: الصلاحُ، وهو: خلاف الْغَيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ رَشَدًا، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَادُ، ويتعدّى بالهمزة. انتهى (٣).
(قَالَ) أبو قتادة (فَانْتَهَيْنَا) أي وصلنا (إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ) أي ارتفع (النَّهَارُ، وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ) بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: أي اشتدّ حرّه، يقال: حَمِيتِ الحديدة تَحْمَى، من باب تَعِبَ، فهي حاميةٌ: إذا اشتدّ حرُّها بالنار، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أحميتها، فهي مُحْمَاةٌ، ولا يقال: حَمَيْتُهَا بغير
стр. 8195
ألف (١). (وَهُمْ يَقُولُونَ) جملة حاليّة من "الناس" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْنَا، عَطِشْنَا) بدل من هلكنا مبيّن معناه (فَقَالَ) ﷺ ("لَا هُلْكَ) بضمّ الهاء، وسكون اللام: أي لا هلاك (عَلَيْكُمْ") لأن اللَّه تعالى سيجعل لكم بركةً فيّ، فهو إخبار بما سيقع له من المعجزة في ماء الميضأة (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي") -بضم الغين المعجمة، وفتح الميم، وبالراء-: هو القدح الصغير، ويَحْتَمِل أن يريد به ميضأة أبي قتادة ﵁. (قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ، فَجَعَلَ) أي شرع (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ) بفتح أوله، من سقاه، ثلاثيًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أو بضمه، من أسقاه، رباعيًّا، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] (فَلَمْ يَعْدُ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، من عدا الأمرَ، وعن الأمر يَعْدُو، كغَزَا يَغْزُو: إذا جاوزه وتركه (٢). (أَنْ رَأَى النَّاسُ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل "يعدُ"، أي لم يتجاوز رؤيةُ الناس، وقوله: (مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ) قال النوويّ ﵀: ضبطنا "ما" هنا بالمدّ والقصر، وكلاهما صحيح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إذا كانت ممدودة تكون مفعولًا به لـ "رأى"، والجارّ والمجرور صفتها، وإذا كانت مقصورة تكون موصولًا في محلّ نصب على المفعوليّة لـ "رأى" أيضًا، والجارّ والمجرور صلتها، و"رأى" هنا بصريّة، ولذا تعدّت لواحد، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (تَكَابُّوا عَلَيْهَا) بتشديد الموحّدة، أي تجمّعوا، وتزاحموا على تلك الميضأة، قال ابن الأثير ﵀: معنى "تكابُّوا": أي ازدحموا، وهي تفاعلوا، من الْكُبَّة بالضمّ، وهي الجماعة من الناس وغيرهم. انتهى (٣).
وجملة: "تكابُّوا" مفعول به لـ "يَعْدُ"، بتقدير "أن" المصدريّة، أو مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ لأنه سبق أنه يتعدّى بنفسه، وبـ "عن"، والأصل أن "تكابّوا"، والضمير في "عليها" لـ "الميضأة"، أي لم يجاوز رؤيَتُهُم تكابَّهم وتزاحمهم عليها.