هذه المرأة في قومها وبلادها، فراعى في قومها ذِمَامها، وإن كانت من صميمهم.
٢١ - (ومنها): مشروعيّة الشكوى من الرعايا إلى الإمام عند حلول أمر شديد.
٢٢ - (ومنها): استحباب التعريس للمسافر إذا غلبه النوم.
٢٣ - (ومنها): أنه ذكر في "العمدة" فوائد تتعلّق بقوله: "وكنّا لا نوقظ نبيّ اللَّه ﷺ من منامه"، فقال:
[فإن قلت]: هذا النوم في هذه القصة هل كان مثل نوم غيره أم لا؟.
[قلت]: قد يكون نومه كنوم البشر في بعض الأوقات، ولكن لا يجوز عليه الأضغاث؛ لأن رؤيا الأنبياء -صلوات اللَّه على نبينا، وعليهم- وحيٌ.
[فإن قلت]: ما تقول في نومه يوم الوادي، وقد قال: "إن عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي"؟.
[قلت]: نعم هذا حكم قلبه عند نومه، وعينيه في غالب الأوقات، وقد يندُر منه غير ذلك، كما يندر من غيره بخلاف عادته، والدليل على صحة هذا في الحديث نفسه: "إن اللَّه قبض أرواحنا"، وفي الحديث الآخر: "لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم"، ويكون هذا منه لأمر يريده اللَّه تعالى من إثبات حكم، وإظهار شرع.
وجواب آخر أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه؛ لما رُوي أنه كان محروسًا، وأنه كان ينام حتى ينفُخ، وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولا يتوضأ.
[فإن قلت]: في حديث ابن عباس ﵄ ذُكِر وضوؤه عند قيامه من النوم.
[قلت]: النوم فيه نومه مع أهله، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم إذا صلى، ذلك لملامسته الأهل، أو حدث آخر، ألا ترى في آخر الحديث: "نام حتى سمعت غطيطه، ثم أقيمت الصلاة، فصلى ولم يتوضأ".
وقيل: لا ينام قلبه من أجل الوحي، وأنه يوحى إليه في النوم، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس، وليس هذا من فعل القلب، وقد قال: "إن اللَّه قبض أرواحنا، ولو شاء لردّها إلينا في حينٍ غيرِ هذا".
[فإن قلت]: فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال: "اكلأ لنا الصبح".
[قلت]: كان من شأنه التغليس بالصبح، ومراعاة أول الفجر، ولا يصح هذا ممن نامت عينه، إذ هو ظاهر يُدْرَك بالجوارح الظاهرة، فوكل بلال بمراعاة
стр. 8227
أوله؛ ليعلمه بذلك، كما لو شُغِل بشغل غير النوم عن مراعاته.
[فإن قلت]: هل كان نومهم عن صلاة الصبح مرةً أو أكثر؟.
[قلت]: قد جزم الأصيلي بأن القصة واحدةٌ، ورَدّ عليه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين؛ لأن في قصة أبي قتادة لم يكن أبو بكر وعمر ﵄ مع النبيّ ﷺ لَمّا نام، وفي قصة عمران أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبيّ ﷺ حتى أيقظه عمر ﵁، ومِن الذي يدُلّ على تعدد القصة اختلاف مواطنها، كما ذكرناها.
ولقد تكلَّف أبو عمر بن عبد البرّ في الجمع بينهما بقوله: إن زمان رجوعهم كان قريبًا من زمان رجوعهم من الحديبية، وأن طريق مكة يصدُق عليهما.
وفيه تعسّف على أن رواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك يرُدّ عليه، ثم إن أبا عمر زعم أن نوم النبيّ ﷺ كان مرة واحدة.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: ثلاث مرات: إحداها: رواية أبي قتادة، ولم يحضرها أبو بكر وعمر، الثانية: حديث عمران، وحضراها، والثالثة: حضرها أبو بكر وبلال.
وقال عياض: حديث أبي قتادة غير حديث أبي هريرة، وكذلك حديث عمران، ومن الدليل على أن ذلك وقع مرتين أنه قد رُوِيَ أن ذلك كان زمن الحديبية، وفي رواية بطريق مكة، والحديبية كانت في السنة السادسة، وإسلام عمران وأبي هريرة الراوي حديث قفوله من خيبر كان في السنة السابعة بعد الحديبية، وهما كانا حاضرين الواقعة.
قال العينيّ: وفيه نظر؛ لأن إسلام عمران كان بمكة، ذكره أبو منصور الماورديّ في "كتاب الصحابة"، وقال ابن سعد، وأبو أحمد العسكريّ، والطبرانيّ في آخرين: كان إسلامه قديمًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعواه أن إسلام عمران كان بمكة محلّ نظر، بل المشهور أنه عام خيبر، ولم يذكر في "الإصابة" (٢)، ولا في "التهذيب" (٣)
стр. 8228
خلافًا في هذا، إلا قولهم: كان إسلامه قديمًا، وهذا لا يدلّ على أنه أسلم قبل الهجرة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَسَرَيْنَا لَيْلَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قُبَيْلَ الصُّبْحِ، وَقَعْنَا تِلْكَ الْوَقْعَةَ الَّتِي لَا وَقْعَةَ عِنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلا حَرُّ الشَّمْسِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ (١) حَدِيثِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، وَزَادَ، وَنَقَصَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ أَجْوَفَ، جَلِيدًا، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِشِدَّةِ صَوْتِهِ بِالتَّكْبِيرِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا ضَيْرَ، ارْتَحِلُوا"، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهورٌ [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٣ - (عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ) هو: عوف بن أبي جَمِيلة العَبْديّ الْهَجَريّ، أبو سهل البصريّ المعروف بالأعرابيّ، واسم أبي جَمِيلة بندويه، ويقال: بل بندويه اسم أمه، واسم أبيه رُزينة، ثقةٌ رُمي بالقدر وبالتشيّع [٦] (ت ٦ أو ١٤٧) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدّمت ترجمته في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥، وليست له رواية في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وإنما ذُكر في المقدّمة عند ذكر الموازنة بين الرواة في الحفظ والإتقان.
стр. 8229
والباقيان ذُكرا في السند السابق.
وقوله: (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) تقدّم الخلاف في تعيين هذا السفر في الحديث الماضي.
وقوله: (فَسَرَيْنَا لَيْلَةً) وفي رواية البخاريّ: "وإنا أسرينا". قال الجوهريّ: تقول: سَرَيتُ، وأسريت، بمعنًى: إذا سِرْتَ ليلًا، وقال صاحب "المحكم": السُّرَى: سَيْرُ عامة الليل، وقيل: سير الليل كله، وهذا الحديث يخالف القول الثاني، قاله في "الفتح".
وقوله: (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) "كان" تامّة، و"من" زائدة على رأي الأخفش في كونها تزاد في الإثبات، و"آخر الليل" مرفوع على الفاعليّة لـ "كان"، ويَحْتَمِل أن تكون "كان" ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى الأمر المفهوم، والجارّ والمجرور خبرها، و"من" بمعنى "في"، واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ: "حتى إذا كنا في آخر الليل".
وقوله: (قُبَيْلَ الصُّبْحِ) بدل من الجارّ والمجرور.
وقوله: (وَقَعْنَا تِلْكَ الْوَقْعَةَ) أي نِمْنَا تلك النومة، كأنهم سقطوا عن الحركة.
وقوله: (لَا وَقْعَةَ عِنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا) كلمة "لا" لنفي الجنس، و"وقعة" اسمها، وقوله: "عند المسافر" متعلّق بقوله: "أحلى"، وهو خبر لـ "لا"، وقوله: "منها" أي من تلك الوقعة.
وقوله: (فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ) هذا يدلّ على أن الشمس كانت قد ارتفعت، وزال وقت النهي عن الصلاة؛ لأن حرها لا يكاد يوجد إلا بعد ذلك، ففي هذا دليل على أن ارتحالهم عن ذلك المكان لم يكن للامتناع من القضاء في وقت النهي عن الصلاة، بل كان تباعدًا عن المكان الذي حضرهم فيه الشيطان، كما جاء التصريح به في حديث آخر (١).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لعوف بن أبي جَمِيلة.
وقوله: (وَكَانَ أَجْوَفَ) أي رفيع الصوت، يَخرُج صوته من جوفه بقوة.
وقوله: (جَلِيدًا) هو من الجلادة، بمعنى الصلابة.
стр. 8230
وقوله: (فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ) في استعماله التكبير سلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين، وخَصَّ التكبير؛ لأنه أصل الدعاء إلى الصلاة.
وقوله: (لَا ضَيْرَ، ارْتَحِلُوا) أي لا ضرر عليكم في هذا النوم، وتأخير الصلاة به، و"الضَّيْرُ"، و"الضُّرّ"، و"الضَّرَرُ" بمعنى واحد، يقال: ضارهُ يضوره، ويضيره ضَوْرًا وضَيْرًا: أي ضَرّه.
وإنما قال ذلك لتأنيس قلوبهم؛ لما عَرَض لهم من الأسف على فوات الصلاة من وقتها؛ لأنهم لم يتعمدوا ذلك.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الضمير لعوف أيضًا.
[تنبيه]: رواية عوف الأعرابيّ، عن أبي رجاء هذا ساقها الإمام البخاريّ ﵀، فقال:
(٣٤٤) حدّثنا مسدد، قال: حدّثني يحيى بن سعيد، قال: حدّثنا عوفٌ، قال: حدّثنا أبو رجاء، عن عمران، قال: كنا في سفر مع النبيّ ﷺ ، وإنا أسرينا، حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعةً، ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس، وكان أولَ من استيقظ فلانٌ، ثم فلانٌ، ثم فلانٌ، يسميهم أبو رجاء، فنسي عوفٌ، ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبيّ ﷺ إذا نام لم يوقَظْ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يَحْدُث له في نومه، فلما أستيقظ عمر، ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلًا جَلِيدًا، فكبّر، ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبّر، ويرفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ بصوته النبيّ ﷺ ، فلما استيقظ، شَكَوْا إليه الذي أصابهم، قال: "لا ضير"، أو "لا يَضِير، ارتحلوا"، فارتحل، فسار غير بعيد، ثم نزل، فدعا بالوَضُوء، فتوضأ، ونودي بى الصلاة، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزلٍ، لم يصلِّ مع القوم، قال: "ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ "، قال: أصابتني جنابة، ولا ماءَ، قال: "عليك بالصعيد، فإنه يكفيك"، ثم سار النبيّ ﷺ ، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا فلانًا، كان يسميه أبو رجاء، نسيه عوفٌ، ودعا عليًّا، فقال: "اذهبا، فابتغيا الماء"، فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مَزَادتين، أو سَطِيحتين، من ماء، على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونَفَرُنا خُلُوفًا، قالا لها: انطلقي
стр. 8231
إذًا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول اللَّه ﷺ قالت: الذي يقال له: الصابئ، قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبيّ ﷺ ، وحدّثاه الحديث، قال: فاستَنْزَلُوها عن بعيرها، ودعا النبيّ ﷺ بإناء، ففرَّغَ فيه من أفواه المزادتين، أو السطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق الْعَزَالِيَ، ونودي في الناس: اسقوا، واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أَعْطَى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماء، قال: "اذهب، فأفرغه عليك"، وهي قائمةٌ، تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايْمُ اللَّهِ، لقد أُقْلِع عنها، وإنه لَيُخَيَّلُ إلينا أنها أشدّ مِلأةً منها حين ابتدَأَ فيها، فقال النبيّ ﷺ : "اجمعوا لها"، فجمعوا لها من بين عَجْوة، ودقيقة، وسويقة، حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: "تَعَلَّمِين ما رَزِئْنَا من مائك شيئًا، ولكن اللَّه هو الذي أسقانا"، فأتت أهلها، وقد احتَبَسَت عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانةُ؟ قالت: العَجَبُ، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فواللَّه إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء، تعني السماء والأرض، أو إنه لرسول اللَّه حقًّا، فكان المسلمون بعد ذلك يُغِيرون على مَن حولها من المشركين، ولا يُصيبون الصِّرْمَ الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أَرَى أن هؤلاء القوم يَدَعُونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦٥] (٦٨٣) - (حَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ، اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ، نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ).
стр. 8232
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، ثم المكيّ، قاضيها، ثقةٌ ثبتٌ إمام حافظٌ [٩] (ت ٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٨.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عُبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.
٤ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الْمُزنيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٣] (ت ١٠٦) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: حميد، عن بكر، عن عبد اللَّه بن رَبَاح.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن رِبْعي بن بُلْدُمة، وقيل: غيره، الصحابيّ الشهير ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ) بتشديد الراء، وهو أكثر من أعرس بالهمزة، يقال: عرّس القوم، وأعرسوا: إذا نزلوا في آخر الليل للاستراحة، والموضع: مُعَرَّش، ومُعْرَسٌ (١). (اضْطَجَعَ) افتعل من ضَجَعَ، يقال: ضَجَعَ ضَجْعًا، من باب نفع، وضُجُوعًا: إذا وضع جنبه بالأرض، وأضجع بالألف لغة، ويقال: اضطجع، واضَّجَع، من باب افتعل، لكن من العرب من يقلب التاء طاءً، ويُظهرها عند الضاد، ومنهم من يَقلب التاء ضادًا، ويُدغمها في الضاد؛ تغليبًا للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا
стр. 8233
يقال: اطَّجَعَ بطاء مشدّدة؛ لأن الضاد لا تُدغم في الطاء، فإن الضاد أقوى منها، والحرف لا يُدغم في أضعف منه، وما ورد شاذّ، لا يُقاس عليه (١).
وقوله: (عَلَى يَمِينِهِ) فيه مشروعيّة الاضطجاع على الشقّ الأيمن، وقد ورد الأمر بذلك، فسيأتي للمصنّف في "كتاب الذكر" حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ داخلة إزاره، فليَنْفُض بها فراشه، ولْيُسَمّ اللَّه، فإنه لا يعلم ما خَلَفَهُ بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع، فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي، بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين".
(وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ) تصغير قَبْل، تصغير تقريب، أي قبل الصبح بقليل (نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ) وفي رواية ابن حبّان من طريق إبراهيم بن الحجاج الساميّ، عن حمّاد بن سلمة: "أن النبيّ ﷺ كان إذا عرّس بالليل، توسّد يمينه، وإذا عرّس بعد الصبح (٢) نصب ساعده نصبًا، ووضع رأسه على كفّه".
الظاهر أنه إنما فعل ذلك لئلا يستغرقه النوم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٥٧/ ١٥٦٥] (٦٨٣)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٢٥٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٩٨)، و (عبد اللَّه بن أحمد) في "زوائد المسند" (٥/ ٢٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٣٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8234
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦٦] (٦٨٤) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ"، قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال له: هُدَبَةُ بن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] مات سنة بضع و (٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كلاحقه، وهو (٩٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد هو والبخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً) زاد في رواية سعيد، عن قتادة التالية: "أو نام عنها" (فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) قال في "الفتح": وقد تمسك بدليل الخطاب من قوله: "من نسي" القائلُ: إن العامد لا يقضي الصلاة؛ لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم يَنْسَ لا يصلي، وقال من قال: يقضي العامدُ: إن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب، فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا وجب القضاء على الناسي، مع سقوط الإثم، ورفع الحرج عنه، فالعامد أولى.
وادَّعَى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: "نَسِيَ"؛
стр. 8235
لأن النسيان يُطلق على الترك، سواءٌ كان عن ذُهُول أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، قال: ويُقَوِّي ذلك قوله: "لا كفّارة لها"، والنائم والناسي لا إثم عليه.
قال الحافظ: وهو بحث ضعيفٌ؛ لأن الخبر بذكر النائم ثابتٌ، وقد قال فيه: "لا كفارة لها"، والكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد، والقائل بأن العامد لا يقضي لم يُرِدْ أنه أخفّ حالًا من الناسي، بل يقول: إنه لو شُرِع له القضاء لكان هو والناسي سواءً، والناسي غير مأثوم، بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالًا من الناسي، فكيف يستويان؟.
ويمكن أن يقال: إن إثم العامد بإخراجه الصلاة عن وقتها باقٍ عليه، ولو قضاها، بخلاف الناسي، فإنه لا إثم عليه مطلقًا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول؛ لأنه قد خوطب بالصلاة، وترتبت في ذمته، فصارت دينًا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه، فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها، وَيسْقُط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر في رمضان عامدًا، فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في وجوب القضاء على من ترك الصلاة متعمّدًا، وأن القول الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من وجوب القضاء عليه، وأقوى حجة على ذلك الحديث المتّفق عليه من حديث ابن عبّاس ﵄، مرفوعًا: "اقضوا اللَّه الذي له، فإن اللَّه أحقّ بالوفاء"، قاله لمّا سئل عن قضاء الحجّ عن الميت، وفي لفظ آخر: "فدَينُ اللَّه أحقُّ بالقضاء"، قاله لَمّا سئل عن قضاء الصوم عن الميت، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
والحاصل أن هذا العامد عليه حقّ اللَّه مطالب به، آثم بسببه، يعاقب عليه، فيجب قضاؤه؛ لأن اللَّه تعالى أحقّ بالقضاء من قضاء حقّ الناس، واللَّه تعالى أعلم.
(لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ) قال النوويّ ﵀: معناه: لا يُجزئه إلا الصلاة مثلها، ولا يلزمه مع ذلك شيء آخر. انتهى.
стр. 8236
وحَمَل الخطابيّ ﵀ قوله: "لا كفارة لها إلا ذلك" على وجهين:
أحدهما: أن المعنى أنه لا يجوز له تركها إلى بدل، ولا يكفِّرها غير قضائها.
والثاني: أن المعنى أنه لا يلزمه في نسيانها كفارة ولا غرامة. قال: إنما عليه أن يصلي ما فاته.
وقد روي عن أبي هريرة -مرفوعًا-: "من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها"، أخرجه الطبراني والدارقطنيّ والبيهقيّ من رواية حفص بن أبي العطاف، واختلف عليه في إسناده إلى أبي هريرة.
وحفص هذا، قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال يحيى بن يحيى: كذاب، ولا يلتفت إلى ما تفرد به (١).
(قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]) أي بلام واحدة، وكسر الراء، وهي القراءة المشهورة.
وقد اختُلِف في ذكر هذه الآية، هل هي من كلام قتادة، أو هي من قول النبيّ ﷺ ؟ فرواية هدّاب هذه بقوله: "قال قتادة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ "، ظاهرة على أنها من كلام قتادة، ورواية المثنى بن سعيد، عن قتادة الثالثة بقوله: "عن قتادة، قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ "، ظاهرة أن الجميع من كلام النبيّ ﷺ .
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر في "الفتح"، ولم يذكر وجهًا للجمع بينهما، وعندي أنه لا تعارض، فهو في الأصل مرفوع، لكن قتادة أحيانًا يذكر الآية دون أن ينسب ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فلا اختلاف بينهما، واللَّه تعالى أعلم.
واختُلِف في المراد بقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾، فقيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل: إذا ذكرتها، أي لتذكيري لك إيا ها، وهذا يَعْضِدُ قراءة مَن قرأ (للذكرى) بلامين.
وقال النخعيّ: اللام للظرف، أي إذا ذكرتني، أي إذا ذكرت أمري بَعْدَ ما نَسِيت، وقيل،: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكرًا لذكري، وقيل: المراد
стр. 8237
بقوله: "ذكري" ذكر أمري، وقيل: المعنى: إذا ذكرت الصلاة، فقد ذكرتني، فإن الصلاة عبادة اللَّه، فمتى ذكرها ذكر المعبود، فكأنه أراد لذكر الصلاة.
وقال التُّورِبْشتيّ: الأولى أن يْقَصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأن المعنى: أقم الصلاة لذكرها؛ لأنه إذا ذكرها ذكر اللَّه تعالى، أو يقدَّر مضاف، أي لذكر صلاتي، أو ذُكِرَ الضميرُ فيه موضع الصلاة؛ لشرفها، ذكره في "الفتح" (١).
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما تلاوته قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وقد رواه قتادة -مرة-، فقال: (للذِّكْرى) ومرة، قال: ﴿لِذِكْرِي﴾، كما هي القراءة المتواترة، وكان الزهري -أيضًا- يقرؤها: (للذِكْرِي).
وهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور؛ لأن المعنى: أدّ الصلاة حين الذكرى، والمعنى: أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها، وبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي، وقال مجاهد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾: أي تذكرني. قال: فإذا صلى عبد ذكر ربه، ومعنى قوله: إن قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ - أي: لأجل ذكري بها، والصلاة إنما فُرضت ليذكر اللَّه بها، كما في حديث عائشة ﵂ المرفوع: "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّه"، أخرجه الترمذيّ، وأبو داود.
فأوجب اللَّه تعالى على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة، فمن ترك شيئًا من ذكر اللَّه الواجب عليه سهوًا فليعد إليه إذا ذكره، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر ربه بعد نسيانه. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 8238
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٥٧/ ١٥٦٦ و ١٥٦٧ و ١٥٦٨ و ١٥٦٩] (٦٨٤)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٩٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٤٢)، و (الترمذيّ) فيها (١٧٨)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٦١٣ و ٦١٤) وفي "الكبرى" (١٥٨٦)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٩٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٦٣ و ٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٠ و ٢٤٣ و ٢٦٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٩١ و ٩٩٢ و ٩٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٥٥ و ١٥٥٦)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٦٦) و"مشكل الآثار" (١/ ١٨٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٤٢ و ١١٤٣ و ١١٤٤ و ٢٠٩٤ و ٢٠٩٥ و ٢١٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٣٦ و ١٥٣٧ و ١٥٣٨ و ١٥٣٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يدلّ على وجوب القضاء على النائم إذا استيقظ، والناسي إذا ذكر، وقد حَكَى الإجماع على ذلك غير واحد.
وذكر ابن عبد البر أن محمد بن رستم رَوَى عن محمد بن الحسن، أن النائم إذا فاته في نومه أكثر من خمس صلوات لا قضاء عليه، إلحاقًا للنوم الطويل إذا زاد على يوم وليلة بالإغماء، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده، ويكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد، وهو ما تفوت فيه صلاة أو صلاتان أو دون خمس أو أكثر (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أظنّ هذا القول لا يصحّ عن محمد بن الحسن، فإن صحّ فهو باطلٌ، يردّ الإجماع، وهذا النصّ الصحيح الصريح المطلق: "من نسي صلاةً، أو نام عنها فليُصلّها إذا ذكرها"، فتبصّر.
٢ - (ومنها): أنه استدل به من يقول بوجوب قضاء الصلوات على الفور؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
стр. 8239
وأحمدُ يوجبه بكل حال، قَلَّت الصلوات أو كثرت، واستدلوا -أيضًا-: بقوله: "لا كفارة لها إلا ذلك".
وذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي، كقضاء صيام رمضان، وليس الصوم كالصلاة عندهم، فإن الصيام لا يجوز تأخيره حتى يدخل نظيره من العام القابل والصلاة عندهم بخلاف ذلك، واستدلوا -أيضًا-: بتأخير النبي ﷺ الصلاة حتى خرج من الوادي.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ ﵁ هو الأرجح عندي، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن شَرْعَ من قبلنا شرعٌ لنا؛ لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵊ وهو الصحيح في الأصول، ما لم يَرِد ناسخ، وقد تقدّم ترجيحه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦٧] (. . .) - (وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَذْكُرْ (١): "لَا كَفارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ) يعني أن الثلاثة: يحيى بن يحيى،
стр. 8240
وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد رووا هذا الحديث عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس ﵁.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة هذه ساقها الترمذيّ ﵀، فقال:
(١٦٣) حدّثنا قتيبة، وبشر بن معاذ، قالا: حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٣ - (سَعِيد) بن أبي عروبة تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث مضى شرحه، ومسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ").
стр. 8241
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٣ - (الْمُثَنَّى) بن سعيد الضُّبَعيّ -بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة- أبو سعيد البصريّ القَسّام الذّارع القصير، ثقةٌ [٦].
رَأَى أنسًا، ورَوَى عن أبي المتوكل الناجيّ، وأبي جَمْرة الضُّبَعيّ، وأبي مِجْلَز، وأبي التّيّاح، وقتادة، وأبي سفيان طلحة بن نافع، وأبي حُرّة بن عبد اللَّه الضُّبَعيّ، وجماعة.
وروى عنه ابن المبارك، ووكيع، والقطان، ويزيد بن زُريع، وابن مهديّ، وأبو قتيبة، وابن عُلية، وأزهر بن قاسم، وبهز بن أسد، وعلي بن نصر الجهضميّ الكبير، وغيرهم.
قال أبو طالب، عن أحمد: ثقةٌ، وكذا قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والعجليّ، زاد أبو حاتم: أوثق من أبي غفار، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال: وكان يخطئ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٦٨٤) و (١٩٩٦) و (٢٠٥٢) و (٢٣٤١) و (٢٤٧٤) و (٢٦١٢).
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: ("إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ) أي نام، يقال: رَقَدَ يرقُدُ رَقْدًا، من باب نَصَرَ، ورُقُودًا، ورُقَادًا: نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، قال المفسِّرون: إذا رأيتهم حسِبتهم أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتّحة، وهم نيامٌ، ورقدَ عن الأمر: بمعنى قعد، وتأخّر، أفاده في "المصباح" (١).
وقوله: (أَوْ غَفَلَ عَنْهَا) هذا أعمّ من الرواية الأخرى: "أو نام عنها"؛ لأنه يَشمَل
стр. 8242
كل من غفل عن الصلاة بسبب من الأسباب، فإنه يقضيها إذا انتبه لها، وتذكّرها.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديثين، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
انتهيتُ من كتابة الجزء الرابع عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج"، وذلك بعد صلاة الصبح يوم الجمعة المبارك (٩/ ٣/ ١٤٢٧ هـ الموافق ٧ إبريل - نيسان ٢٠٠٦ م).
أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الخامس عشر مفتتحًا بـ (٦) - كتاب صلاة المسافرين، وقصرها، (١) - (بَابُ قصر الصلاة في السفر) رقم الحديث [١٥٧٠] (٦٨٥).
"سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
стр. 8243
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ليلة الخميس المبارك بعد صلاة العشاء ١٥/ ٣/ ١٤٢٧ هـ أول الجزء الخامس عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
٦ - (كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِها)
مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في بيان ضبط السَّفَر، ومعناه:
قال الفيّوميّ ﵀: سَفَرَ الرجلُ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ، فهو سافر، والجمع سَفْرٌ، مثلُ راكِبٍ ورَكْبٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وهو مصدر في الأصل، والاسم السَّفَرُ -بفتحتين- وهو قطع المسافة، يقال ذلك إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة الْعَدْوَى؛ لأن العرب لا يُسَمّون مسافة الْعَدْوَى سَفَرًا، وقال بعض المصنفين: أقلُّ السفر يوم، كأنه أخذ من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، فإن في التفسير: كان أصل أسفارهم يومًا يقيلون في موضع، ويبيتون في موضع، ولا يتزودون لهذا، لكن استعمال الفعل، واسم الفاعل منه مَهْجُورٌ، وجمع الاسم أَسْفَارٌ، وقومٌ سافِرَةٌ، وسُفّارٌ، وسَافَرَ مُسَافرَةً كذلك، وكانت سَفْرَتُهُ قَرِيبةً، وقياس جمعها سَفَرَاتٌ، مثلُ سَجْدَةٍ وسَجَدَاتٍ، وسَفَرَتِ الشمسُ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ: طَلَعَتْ، وسَفَرْتُ بين القوم أَسْفِرُ أيضًا سِفَارَةً -بالكسر-: أصلحتُ، فأنا سافِرٌ، وسَفِيرٌ، وقيل للوكيل ونحوه: سَفِيرٌ، والجمع سُفَرَاء، مثلُ شَرِيف وشُرَفاء، وكأنه مأخوذ من قولهم: سَفَرتُ الشيءَ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ: إذا كشفته، وأوضحته؛ لأنه
стр. 8244
يُوَضِّح ما ينوب فيه، وَيكشفه، وسَفَرت المرأةُ سُفُورًا: كَشَفَت وجهها، فهي سافرٌ بغير هاء، وأسفر الصبحُ إسفارًا: أضاء، وأسفر الوجه من ذلك: إذا علاه جمالٌ، وأسفر الرجل بالصلاة: صلّاها في الإسفار، والسُّفْرَة: طعامٌ يُصْنَع للمسافر، والجمع سُفَرٌ، مثلْ غُرْفة وغُرَف، وسميت الجلدة التي يُوعَى فيها الطعامُ: سُفْرَةً مجازًا. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ.
وقال في "المرعاة": السّفر لغةً: قطع المسافة، وليس كلُّ قطع تتغيّر به الأحكام، من جواز الإفطار، وقصر الرباعيّة، وغيرهما، فاختلف العلماء فيه شرعًا كما ستعرفه، قال ابن رُشد في "البداية": السفر له تأثيرٌ في القصر باتّفاق، فقد اتّفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر، إلا قول شاذّ أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية [النساء: ١٠١]. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان حِكْمَة القصر في السفر:
قال العلّامة ابن القيّم ﵀: لا ريب أن الفطر والقصر يَختص بالمسافر، ولا يفطر المقيم إلا لمرض، وهذا من كمال حكمة الشارع، فإن السفر في نفسه قطعةٌ من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجَهْدٌ، ولو كان المسافر من أرفه الناس، فإنه في مشقة وجهد بحسبه، فكان من رحمة اللَّه بعباده وبرّه بهم، أن خَفَّف عنهم شطر الصلاة، واكتفى منهم بالشطر، وخَفّف عنهم أداء فرض الصوم في السفر، واكتفى منهم بأدائه في الحضر، كما شَرَع مثل ذلك في حق المريض والحائض، فلم يفوت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملةً، ولم يُلزمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر، وأما الإقامة فلا موجب لإسقاط بعض الواجب فيها، ولا تأخيره، وما يَعْرِض فيها من المشقة والشغل، فأمر لا يَنْضَبِط ولا ينحصر، فلو جاز لكل مشغول، وكل مشقوق عليه الترخص ضاع الواجب، واضمَحَلّ بالكلية، وإن جوّز للبعض دون البعض لم يَنضبط، فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز، بخلاف السفر، على أن المشقة قد عُلِّق بها من التخفيف ما يناسبها، فإن كانت مشقة مرض وألم
стр. 8245
يضر به جاز معها الفطر، والصلاة قاعدًا، أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد، وإن كانت مشقةَ تَعَب، فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة، فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها -بحمد اللَّه، ومَنِّهِ-. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، وهو بحثٌ قيّمٌ جدًّا.
وقال الشيخ وليّ اللَّه الدهلويّ ﵀: لَمّا كان من تمام التشريع أن يبين لهم الرُّخَص عند الأعذار؛ ليأتي المكلفون من الطاعة بما يستطيعون، ويكون قدر ذلك مُفَوَّضًا إلى الشارع؛ ليراعي فيه التوسط، لا إليهم، فيُفْرِطُوا أو يُفَرِّطوا، اعتنى رسول اللَّه ﷺ بضبط الرُّخَص والأعذار، ومن أصول الرُّخَص أن ينظر إلى أصل الطاعة، حسبما تأمر به حكمة الْبِرّ، فيُعَضّ عليها بالنواجذ على كل حال، ويُنظَر إلى حدود وضوابط شرعها الشارع؛ ليتيسر لهم الأخذ بالبرّ، فيصرف فيها إسقاطًا وإبدالًا حسبما تؤدي إليه الضرورة.
فمن الأعذار السفر، وفيه من الحرج ما لا يحتاج إلى بيان، فشَرَع رسول اللَّه ﷺ له رُخَصًا منها القصر، فأبقى أصل أعداد الركعات، وهي إحدى عشرة ركعة، وأسقط ما زيد بشرط الطمأنينة والحضر، ولما كان هذا العدد فيه شائبة العزيمة، لم يكن من حقه أن يُقَدَّر بقدر الضرورة، ويضيّق في ترخيصه كل التضييق، فلذلك بَيَّن رسول اللَّه ﷺ أن شرط الخوف في الآية لبيان الفائدة، ولا مفهوم له، فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته"، والصدقة لا يُضَيِّق فيها أهل المروءات، ولذلك أيضًا واظب رسول اللَّه ﷺ على القصر، وإن جوّز الإتمام في الجملة، فهو سنة مؤكدة.
ولا اختلاف بين ما رُوي من جواز الإتمام، وأن الركعتين في السفر تمامٌ غيرُ قصر؛ لأنه يمكن أن يكون الواجب الأصليّ هو ركعتين، ومع ذلك يكون الإتمام مجزئًا بالأولى -كالمريض والعبد- يصليان الجمعة، فيسقط عنهم الظهر، أو كالذي وجب عليه بنت مخاض، فتصدق بالكلّ، ولذلك كان من حقه أنه إذا صحّ على المكلف إطلاق اسم المسافر، جاز له القصر إلى أن
стр. 8246
يزول عنه هذا الاسم بالكلية، لا يُنظر في ذلك إلى وجود الحرج، ولا إلى عدم القدرة على الإتمام؛ لأنه وظيفة مَنْ هذا شأنه ابتداءً، وهو قول ابن عمر ﵄: "سنَّ رسول اللَّه ﷺ صلاة السفر ركعتين، وهما تمامٌ غير قصرٍ".
(واعلم): أن السفر، والإقامة، والزنا، والسرقة، وسائر ما أدار الشارع عليه الحكمَ، أمورٌ يستعملها أهل العرف في مظانّها، ويعرفون معانيها، ولا يُنال حَدّه الجامع المانع إلا بضرب من الاجتهاد والتأمل، ومن المهمّ معرفة طريق الاجتهاد، فنحن نعلم نموذجًا منها في السفر، فنقول: هو معلوم بالقسمة والمثال، يَعلَم جميع أهل اللسان أن الخروج من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى خيبر سفر لا محالة، وقد ظهر من فعل الصحابة ﵃ وكلامهم أن الخروج من مكة إلى جُدّة وإلى الطائف وإلى عسفان وسائر ما يكون المقصد فيه على أربعة بُرُدٍ سفرٌ، ويعلمون أيضًا أن الخروج من الوطن على أقسام: تردّدٌ إلى المزارع والبساتين، وهَيَمَان بدون تعيين مقصد سفر، ويعلمون أن اسم أحد هذه لا يطلق على الآخر.
وسبيل الاجتهاد أن يستقرئ الأمثلة التي يُطلق عليها الاسم عرفًا وشرعًا، وأن يُسْبَر الأوصاف التي بها يفارق أحدها قَسِيمهُ، فيجعل أعمّها في موضع الجنس، وأخصها في موضع الفصل.
فعلمنا أن الانتقال من الوطن جزء نفسيّ؛ إذ من كان ثاويًا في محل إقامته، لا يقال له مسافرٌ، وأن الانتقال إلى موضع معيّن جزء نفسيّ، وإلا كان هَيَمَانًا لا سفرًا، وأن كون ذلك الموضع بحيث لا يمكن له الرجوع منه إلى محل إقامته في يومه وأوائل ليلته جزء نفسيّ، وإلا كان مثل التردد إلى البساتين والمزارع، ومن لازمه (١) أن يكون مسيرة يوم تام -وبه قال سالم- لكن مسير أربعة بُرُد متيقنٌ، وما دونه مشكوكٌ، وصحة هذا الاسم يكون بالخروج من سُور البلد، أو حلة القرية أو بيوتها بقصد موضع، هو على أربعة بُرُدٍ، وزوال هذا الاسم إنما يكون بنيّة الإقامة مُدّة صالحة، يُعْتَدّ بها في بلدةٍ أو قريةٍ.
ومنها (٢) الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما
стр. 8247
أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر والظهر والمغرب، وإنما اشتُقّ العصر من الظهر، والعشاء من المغرب؛ لئلا تكون المدة الطويلة صلة (١) بين الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة فشَرَعَ (٢) لهم جمعَ التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يَعْزِم عليه مثل ما فَعَل في القصر.
ومنها (٣) تركُ السنن، فكان رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ لا يسبِّحون إلا سنة الفجر والوتر.
ومنها الصلاة على الراحلة، حيث توجهت به يومئ إيماءً، وذلك في النوافل، وسنة الفجر، والوتر، لا الفرائض. انتهى كلام وليّ اللَّه الدهلويّ ﵀ (٤)، وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - (بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: معنى قصر الصلاة ردُّها من أربع إلى ركعتين، مأخوذ من قَصَرَ الشيءَ: إذا نقّصهُ، ويجوز أن يكون قصرُها حبسها عن إتمامها، مأخوذٌ من قَصَرَ الشيءَ: إذا حبسه.
قال القاضي عياض ﵀: يقال: قصرت من الشيء: إذا نقصت منه، وقال أيضًا: وكلُّ شيء حبسته، فقد قصرته، وحَكَى هذا المعنى غيره أيضًا، قال الجوهريّ: وأقصرت من الصلاة لغةٌ في قَصَرت. انتهى.
وقال الفيّوميّ: قَصَرتُ الصلاة، ومنها قَصْرًا، من باب قَتَلَ، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، وقُصِرَت الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي الحديث: "أَقُصِرَت الصلاةُ؟ "، وفي لغة يتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أقصرتها، وقَصَّرتها. انتهى (٥).
стр. 8248
وقال العلّامة ابن قُدامة ﵀: الأصل في قصر الصلاة: الكتابُ والسنةُ، والإجماع:
أما الكتاب فقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١].
قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقد أَمِنَ الناس؟، فقال: عَجِبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: "صدقةٌ تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته"، أخرجه مسلم.
وأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول اللَّه ﷺ كان يَقْصُر في أسفاره حاجًّا، ومعتمرًا، وغازيًا.
وقال ابن عمر ﵄: صحبت رسول اللَّه ﷺ حتى قُبِضَ -يعني في السفر- وكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر حتى قُبض، وكان لا يزيد على ركعتين، وعمر وعثمان كذلك.
وقال ابن مسعود ﵁: صليت مع النبيّ ﷺ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، ووَدِدت أن لي من أربعٍ ركعتين متقبلتين.
وقال أنس ﵁: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقمنا بمكة عشرًا نقصر الصلاة، حتى رجع. متّفق عليهنّ.
وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تُقْصَر في مثله الصلاة، في حجّ، أو عمرة، أو جهاد، أن له أن يقصر الرباعية، فيصليها ركعتين. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[١٥٧٠] (٦٨٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ:
стр. 8249
"فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المُتَثَبِّتين الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة (١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ) ماتت سنة (٥٧) أو بعدها (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
٦ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8250
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بجرّ "زوج" على البدليّة، أو عطف البيان (أَنَّهَا قَالَتْ: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) ببناء الفعل على المفعول؛ أي: فرض اللَّه الصلاة أولًا بمكة ليلة الإسراء ركعتين، والمراد بها الصلاة التي تختلف حَضرًا وَسَفرًا، فلا يُسْتَشكَل بالمغرب والفجر، وقد وردت زيادة تُوَضِّح المراد عند الإمام أحمد في "مسنده"، ولفظه: "إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا".
(رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) بالنصب على الحاليّة، حال كونها ركعتين، وإنما كرّرت لفظ "ركعتين"؛ لتفيد عموم التثنية لكلِّ صلاة، قاله في "الفتح" (١).
(فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) فِعلٌ ونائبُ فاعله؛ أي: رَجَعَت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر بحيث كأنها مقررة على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة فيها أصلًا، فلا يُشكل بأن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، يفيد أن صلاة السفر قُصِرت بعد أن كانت تامّة، فكيف يصح القول بأنها أُقِرّت؟ وأيضًا اندفع أن يقال: مُقْتَضَى هذا الحديث أن الزيادة على الركعتين لا يصح، ولا يجوز كما في صلاة الفجر، فكيف كانت عائشة ﵂ تتمها في السفر؟ فليتأمل، قاله السنديّ ﵀ (٢).
(وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ) وفي رواية أخرى عند مسلم: (وأُتمّت صلاة الحضر) أي: بعد الهجرة إلى المدينة؛ لِمَا عند البخاريّ في "صحيحه"، في "كتاب الهجرة" من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيّ ﷺ ، فَفُرِضَتْ أربعًا".
وقد أخذ بهذا الحديث الحنفية، وقالوا: إن القصر عزيمة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح صحيح البخاريّ": تريد عائشة ﵂ أن اللَّه تعالى لما فرض على رسوله ﷺ الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ثم نزل إلى الأرض، وصلى به جبريل ﵇ عند البيت، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين
стр. 8251
ركعتين في الحضر والسفر، ثم أُقِرّت صلاة السفر على تلك الحال، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين، ومرادها: الصلاة الرباعية خاصة.
ويدل عليه: ما خرّجه البخاري في "الهجرة" من حديث معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأول. كذا خرّجه من رواية يزيد بن زُريع، عن معمر، وقال: تابعه عبد الرزاق، عن معمر، وخرّجه البيهقي من رواية عبد الرزاق عن معمر، ولفظه: "فرضت الصلاة على النبي ﷺ بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعًا، وأقرت صلاة السفر ركعتين".
وقال: هذا التقييد تفرّد به معمر عن الزهري، وسائر الثقات أطلقوه - يعني: لم يذكروا الأربع. انتهى.
وفي تقييدها الزيادة بالأربع دليل على أنه إنما زيد في الحضر الرباعية خاصة.
وقد ورد ذلك صريحًا عنها في رواية أخرى خرّجها الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كان أول ما افتُرِض على رسول اللَّه ﷺ من الصلاة ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا، ثم أتم اللَّه الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر، فأَقَرّ الصلاة على فرضها الأول في السفر.
وخرّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن عائشة ﵂، قالت: فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين، إلا المغرب فُرِضت ثلاثًا؛ لأنها وتر، قَالَتْ: وكان رَسُول اللَّه ﷺ إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب؛ فإنها وتر، والصبح؛ لأنه يطول فيها القراءة.
وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد: كان أول ما افتُرِض على رسول اللَّه ﷺ ركعتان ركعتان، إلا المغرب؛ فإنها كانت ثلاثًا، ثم أتم اللَّه الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر.
وخرّجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق محبوب بن الحسن، عن
стр. 8252
داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، ولفظه: فرض صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما أقام رسول اللَّه ﷺ بالمدينة زيد في صلاة الحضر، وتُركت صلاة الفجر؛ لطول القراءة، وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار.
وخرّجه البيهقي من وجه آخر عن داود كذلك.
وهذه الرواية إسنادها متصلٌ، وهي تدل على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعًا تأخر إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة.
وكذلك روى أبو داود الطيالسيّ: ثنا حبيب بن يزيد الأنماطيّ، ثنا عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، قال: قالت عائشة ﵂: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي بمكة ركعتين -تعني: الفرائض-، فلما قدم إلى المدينة وفُرضت عليه الصلاة أربعًا وثلاثًا صلى، وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تمامًا للسفر.
وخرّج الطبراني هذا المعنى أيضًا بإسناد ضعيف عن سلمان الفارسي ﵁.
وخرّج الإسماعيلي في "مسند عمر" من رواية إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم وأرطاة بن المنذر، عن حكيم بن عمير، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد: أما بعد، فإنما كانت الصلاة أول الإسلام ركعتين، فقال الناس: إنا قد أُمرنا أن نسبح أدبار السجود ونصلي بعد كل صلاة ركعتين، فلما رأى النبي ﷺ تطوّعهم صلاها أربعًا، وأمرهُ اللَّه بذلك، فكان يسلم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتم الصلاة، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ويُعْلن بالثانية، فافعلوا ذلك.
هذا إسناد ضَعِيف منقطع، ومتن منكر.
وقد عارض هذا كله: ما رُوي أن جبريل أَمَّ النبيّ ﷺ عند البيت أول ما فُرضت الصلاة، وصلى به أربعًا.
فخرّج الدارقطني من طريق جرير بن حازم، عن قتادة عن أنس، أن جبريل أتى رسول اللَّه ﷺ بمكة حين زالت الشمس، فأمره أن يؤذن للناس
стр. 8253
بالصلاة حين فُرضت عليهم، فقام جبريل أمام النبي ﷺ ، وقام الناس خلف رسول اللَّه ﷺ ، قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة، يأتم الناس برسول اللَّه ﷺ ، ويأتم رسول اللَّه ﷺ بجبريل ﵇، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة، يأتم المسلمون برسول اللَّه ﷺ ويأتم رسول اللَّه ﷺ بجبريل، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات، يجهر في الأوليين ولا يجهر الأُخريين بالقراءة، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة.
ثم خرّجه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ بنحوه مرسلًا.
وهذا المرسل أصح، وروايات جرير بن حازم، عن قتادة خاصّة فيها منكرات كثيرة، لا يتابَعُ عليها، ذكر ذلك أئمة الحفاظ: منهم أحمد، وابن معين، وغيرهما، ومراسيل الحسن فيها ضعف عند الأكثرين، وفيه نكارة في متنه في ذكر التأذين للصلاة؛ والأذان لَمْ يكن بمكة، إنما شرع بالمدينة.
وخرّجه البيهقي من طريق شيبان، عَن قتادة، قَالَ: حدّث الْحَسَن - فذكره مرسلًا، وذكر أنه نودي لهم: "الصلاة جامعة".
وخرّجه أبو داود في "مراسيله" من رواية سعيد، عن قتادة، عن الحسن.
ورَوَى البيهقي بإسناده من حديث يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، عن أبي مسعود، قال: أتى جبريل النبي ﷺ ، قال: قم فصل؛ وذلك دلوكُ الشمس، فقام فصلى الظهر أربعًا - وذكر عدد الصلوات كلها تامة في اليومين، ثم قال: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري، إنما هو بلاغ بلغه.
وقد نقل إسحاق بن منصور، عن إسحاق ابن راهويه، قال: كل صلاة صلى النبي ﷺ بمكة كانت ركعتين ركعتين، إلا المغرب ثلاثًا، ثم هاجر إلى المدينة، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين، إلا الفجر والمغرب، تركهما على حالهما، قال: وصلى جبريل بالنبي ﷺ بمكة عند المقام مرتين.
стр. 8254
وممن قال: إن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين: الشعبي، والحسن في رواية، وابن إسحاق.
وقالت طائفة: فُرضت الصلاة أول ما فُرضت أربعًا، إلا المغرب والصبح، كذلك قال نافع بن جبير بن مطعم، والحسن في رواية، وابن جريج، وهو اختيار إبراهيم الحربي، ورجحه ابن عبد البرّ، وتمسكوا بما لا حجة لهم فيه، ولا يعارض حديث عائشة ﵂. انتهى كلام ابن رجب ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٥٧٠] (٦٨٥)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٥٠)، وفي "تقصير الصلاة" (١٠٩٠)، وفي "المناقب" (٣٩٣٥)، و (أبو داود) فيها (١١٩٨)، و (النسائيّ) فيها (٤٣٥)، و"الكبرى" (٣١٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٣٤ و ٢٧٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٣٦ و ٢٧٣٧ و ٢٧٣٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٢٤ و ١٣٢٥ و ١٣٢٦ و ١٣٢٧ و ١٣٢٨ و ١٣٢٩ و ١٣٣٠ و ١٣٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٤٠ و ١٥٤١ و ١٥٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٤٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كيفيّة فرض الصلاة، وأنها كانت ركعتين، ثم تغيّرت في الحضر، فزيد فيها.
стр. 8255
٢ - (ومنها): أن السفر يخالف حكمه حكم الحضر، حيث شُرع فيه قصر الصلاة، وجمعها، قال العلامة ابن رُشد ﵀: السفر له تأثير في القصر باتفاقٍ، وفي الجمع باختلاف، أما القصر فإنه اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر، إلا قول شاذّ، وهو قول عائشة (١)، وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقالوا: إن النبيّ ﷺ إنما قصر؛ لأنه كان خائفًا، واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع: أحدها في حكم القصر، والثاني في المسافة التي يجب فيها القصر، والثالث في السفر الذي يجب فيه القصر، والرابع في الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالتقصير، والخامس في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام في موضع أن يقصر الصلاة. انتهى كلامه ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سنأتي بهذه المسائل مفصّلة بما لها، وما عليها -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان أن فرض المسافر ركعتان، وإن صلى أربعًا، فقد اختُلِف فيه، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): أن صلاة المقيم أربع ركعات، وهذا مجمع عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم القصر في السفر:
قال ابن رشد ﵀: اختلفوا فيه على أربعة أقوال: فمنهم من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه، ومنهم من رأى أن القصر والإتمام كلاهما فرضٌ، مُخَيَّر له كالخيار في واجب الكفارة، ومنهم من رأى أن القصر سنة، ومنهم من رأى أنه رُخْصة، وأن الإتمام أفضل.
وبالقول الأول قال أبو حنيفة وأصحابه، والكوفيون بأسرهم، أعني أنه فرض متعين، وبالثاني قال بعض أصحاب الشافعيّ، وبالثالث أعني أنه سنة،
стр. 8256
قال مالك في أشهر الروايات عنه، وبالرابع أعني أنه رخصة، قال الشافعي في أشهر الروايات عنه، وهو المنصور عند أصحابه.
والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول لصيغة اللفظ المنقول، ومعارضة دليل الفعل أيضًا للمعنى المعقول، ولصيغة اللفظ المنقول، وذلك أن المفهوم من قصر الصلاة للمسافر، إنما هو الرخصة لموضع المشقة، كما رُخِّص له في الفطر، وفي أشياء كثيرة، ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية ﵁، قال: قلت لعمر: "إنما قال اللَّه: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، يريد في قصر الصلاة في السفر، فقال عمر ﵁: عَجِبت مما عجبت منه، فسألت رسول اللَّه ﷺ عما سألتني عنه؟ فقال: صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته"، رواه مسلم، فمفهوم هذا الرخصة، وحديث أبي قلابة، عن أنس بن مالك الكعبيّ ﵁، أنه أتى النبيّ ﷺ ، فقال له النبيّ ﷺ : "إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة"، رواه النسائيّ، وهو حديث صحيح.
وهذا كلّه يدلّ على التخفيف والرخصة ورفع الحرج، لا أن القصر هو الواجب، ولا أنه سنة.
وأما الأثر الذي يعارض بصيغته المعنى المعقول، ومفهوم هذه الآثار، فحديث عائشة ﵂ الثابت باتفاق، قالت: "فُرِضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فأُقِرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر".
وأما دليل الفعل الذي يعارض المعنى المعقول، ومفهوم الأثر المنقول، فإنه ما نُقِل عنه ﷺ من قصر الصلاة في كل أسفاره، وأنه لم يصحّ عنه ﷺ أنه أتمّ الصلاة قطّ.
فمن ذهب إلى أنه سنة، أو واجب مخيَّرٌ، فإنما حمله على ذلك أنه لم يصحّ عنده أن النبيّ ﷺ أتم الصلاة، وما هذا شأنه فقد يجب أن يكون أحد الوجهين، أعني إما واجبًا مخيرًا، وإما أن يكون سنة، وإما أن يكون فرضًا معينًا، لكن كونه فرضًا معينًا يعارضه المعنى المعقول، وكونه رخصةً يعارضه اللفظ المنقول، فوجب أن يكون واجبًا مخيرًا، أو سنةً، وكان هذا نوعًا من طريق الجمع.
стр. 8257
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأولى كونه واجبًا معيّنًا؛ لوضوح الأدلّة فيه، كما سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال: وقد اعتلُّوا لحديث عائشة ﵂ بالمشهور عنها، من أنها كانت تتمّ، وروى عطاء عنها أن النبيّ ﷺ كان يتم الصلاة في السفر ويقصر، ويصوم ويفطر، ويؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث "كان يُتمّ في السفر، ويقصر" ليس بصحيح، كما سيأتي، وإنما الصحيح، فطره، وصومه، وجمعه بين الصلاتين، فتفطّن.
قال: ومما يعارضه أيضًا حديث أنس، وأبي نَجِيح المكيّ، قال: اصطحبت أصحاب محمد ﷺ ، فكان بعضهم يتمّ، وبعضهم يقصر، وبعضهم يصوم، وبعضهم يفطر، فلا يَعِيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء (١).
ولم يُختَلَف في إتمام الصلاة عن عثمان وعائشة ﵄، فهذا هو اختلافهم في الموضع الأول. انتهى كلام ابن رُشد ﵀ (٢).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في إتمام الصلاة في السفر، فرَوَينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، ورَوَينا عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أنه قال: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وقال ابن عمر ﵄: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وسئل ابن عمر عن صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين، من خالف السنة، فقد كفر (٣).
стр. 8258
ورَوينا عن ابن عباس ﵄، قال: من صلى بالسفر أربعًا كان كمن صلى في الحضر ركعتين (١).
وقالت عائشة ﵂: إن الصلاة أول ما فُرضت ركعتين، ثم أتمّ اللَّه الصلاة في الحضر، وأُقرّت الركعتان على هيئتها في السفر.
وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمان، لا يصلح غيرهما، وكان حماد بن أبي سليمان يرى أن يُعيد من صلى في السفر أربعًا، وقال قتادة: يصلي المسافر ركعتين حتى يَرْجِع، إلا أن يدخل مِصْرًا من الأمصار، فيتمّ، وقال الحسن: لا أبا لك أتُرى أصحاب رسول اللَّه ﷺ تركوها؛ لأنها ثقلت عليهم؟.
وسئل مالك عن مسافر أَمَّ مقيمًا، فأتمّ لهم الصلاة جاهلًا، ويتم المسافر والمقيم؟ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعًا، رواه ابن وهب عنه، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: يعيد ما كان في الوقت، فأما ما مضى وقته، فلا إعادة عليه.
واختُلِف فيها عن أحمد، فقال مرّةً في المسافر يصلي أربعًا: لا يُعجبني، السنةُ ركعتان، وقال مرة: أنا أحبّ العافية من هذه المسألة، وقال مرة: إذا أتمّ المسافر فلا شيء عليه.
وقال أصحاب الرأي في مسافر صلى في السفر أربعًا أربعًا حتى يرجع، فقالوا: إن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته تامّة، وإن كان لم يقعد في الركعتين الأوليين قدر التشهد، فصلاته فاسدة، وعليه أن يعيد؛ لأن صلاة المسافر ركعتان، فما زاد عليهما فهو تطوع، فإذا خلط المكتوبة بالتطوع فسدت صلاته، إلا أن يقعد في الركعتين قدر التشهد، فيكون التشهد فصلًا لما بينهما.
وقالت طائفة: المسافر بالخيار إن شاء أتمّ، وإن شاء قصر، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، ورويناه عن أبي قلابة أنه قال: إن صليت في السفر
стр. 8259
أربعًا، فقد صلى من لا بأس به، وإن صليت ركعتين، فقد صلى من لا بأس به. وقد روينا عن عائشة أنها كانت تتم في السفر. انتهى كلام ابن المنذر باختصار (١).
وقال العلامة الشوكانيّ ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم من الاختلاف ما حاصله: واحتجّ القائلون بوجوب القصر بحجج:
الأولى: ملازمة النبيّ ﷺ للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب، ولم يثبت عنه ﷺ أنه أتمّ الرباعية في السفر البتة، كما قال ابن القيِّم.
وأما حديث عائشة ﵂: "كان يقصر في السفر، ويُتمّ"، فلا يصحّ مرفوعًا (٢).
ويُجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدلّ على الوجوب، كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم.
والحجة الثانية: حديث عائشة ﵂ المتفق عليه بألفاظ:
(منها): "فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر"، وهو دليل ناهض على الوجوب؛ لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنه لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة:
(منها): أن الحديث من قول عائشة ﵂ غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتًا لنُقل تواترًا، قال: وهذا فيه نظرٌ لا يخفى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تُعُقّب هذا بأنه مما لا مَجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وعلى تقدير تسليم أنها لم تُدرك القصة يكون مرسلَ صحابي،
стр. 8260
وهو حجة؛ لأنه يَحْتَمل أن تكون أخذته عن النبيّ ﷺ ، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك.
ونقل التواتر في مثل هذا غير لازم، فليس من شرط صحّة الحديث أن يُنْقَلَ نقل تواتر، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن المراد بقولها: "فرضت" أي: قدّرت، قال: وهو خلاف الظاهر.
(ومنها): ما قاله النوويّ: إن المراد بـ "فرضت" أي: لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليهما، وهو تأويل متعسّف لا يُعوّل على مثله.
(ومنها): المعارضة لحديث عائشة ﵂ بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر، وستأتي، ويأتي الجواب عنها.
والحجة الثالثة: ما في "صحيح مسلم" عن ابن عباس ﵄، أنه قال: "إن اللَّه فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، والخوف ركعة"، فهذا الصحابي الجليل قد حَكَى عن اللَّه أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى للَّه، وأخشى من أن يحكي أن اللَّه فرض ذلك بلا برهان.
والحجة الرابعة: حديث عمر ﵁ عند النسائيّ وغيره: "صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ "، وهو حديث صحيح.
وهو يدلّ على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا، ثم قُصِرت، وقوله: "على لسان محمد ﷺ " تصريح بثبوت ذلك من قوله ﷺ .
والحجة الخامسة: حديث ابن عمر ﵄ عند النسائيّ: "إن رسول اللَّه ﷺ أتانا، ونحن ضُلّال، فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أن اللَّه أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر"، وهو حديث صحيح.
стр. 8261
واحتجّ القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحُجَج:
الأولى: منها قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ونفي الجناح لا يدلّ على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما عُلم من تقدّم شرعية قصر العدد.
قال في "الهدي" -وما أحسن ما قال-: وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران، فيصلّون صلاة خوف مقصورًا عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن، وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية. انتهى.
الحجة الثانية: قوله ﷺ في حديث الباب: "صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم"، فإن الظاهر من قوله: "صدقة" أن القصر رخصة فقط.
وأجيب: بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب.
الحجة الثالثة: ما في "صحيح مسلم" وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول اللَّه ﷺ ، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض.
وتُعُقّب بأنه لا يوجد في "صحيح مسلم" قوله: "فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ"، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار.
وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه أن النبيّ ﷺ اطّلَع على ذلك، وقرّرهم
стр. 8262
عليه، وقد نادت أقواله، وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره ﷺ ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى، وتأولوا له تأويلات.
قال ابن القيّم ﵀: أحسنها (١) أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا تأهل رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم"، ورواه أيضًا عبد اللَّه بن الزبير الحميديّ في "مسنده"، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام عليه.
الحجة الرابعة: حديث عائشة ﵂: "كان يقصر في السفر، ويتمّ".
وتُعُقّب بأنه حديث لا يصحّ (٢).
هذا هو حاصل النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما تقدّم رجحان القول بوجوب القصر.
وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمما لا وجه له، ويردّه ملازمة النبيّ ﷺ للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور الإتمام عنه، ويبعد أن يلازم ﷺ طول عمره المفضول، ويَدَعَ الفاضل (٣).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ بعدما ذكر اختلاف العلماء في المسألة ما نصّه: ومن حجة من رأى أن صلاة المسافر ركعتان حديث عمر بن الخطّاب ﵁، ثم أخرج بسنده من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال عمر: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان،
стр. 8263
وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيّكم، وقد خاب من افترى"، حديث صحيح.
قالوا: فهذا الخبر يُصرّح بأن الركعتين في السفر تمامٌ غير قصر، وهو خبر ثابتٌ، وغير جائز أن يُقابل هذا الخبر خبر مغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، ولو كان الحديث الذي أتى به المغيرة بن زياد في حديث من هو أجلّ منه أسقط حديثه من أجله، وذلك أن النبيّ ﷺ قد سافر أسفارًا كثيرة، ومعه أصحابه، أو من كان معه منهم، وقد حَفِظُوا عنه صلاته ومواقيتها، وجمعه بين الصلاتين حيث جمع بينهما، وتطوّعه الذي تطوّع به في أسفاره في ليله ونهاره، وصلاته على راحلته، والوتر عليها، ونزوله عنها للمكتوبة، وغير ذلك من أحكام صلاته، وحفِظوا عنه صومه وإفطاره في سفره، ولو كان المسافر مخيّرًا بين الإتمام والقصر لبيّن ذلك النبيّ ﷺ لأصحابه؛ لأنه المبيّن عن اللَّه تعالى ما أنزل عليه من الكتاب.
قالوا: ففيما ذكرناه دليلٌ وبيان على أن أصل فرض صلاته ركعتان، وأنه غير مخيّر في القصر والإتمام.
ومن الدليل على صحّة هذا القول خبر ابن عبّاس ﵄: "فَرَضَ اللَّه الصلاة على لسان نبيّكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين"، مع قول جابر ﵁: إن الركعتين في السفر ليستا بقصر، وقول ابن عمر ﵄: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وقال ابن عبّاس ﵄ لرجل قال له: "ما تطيب نفسي أن أصلّي بمكة ركعتين"، قال: فتطيب نفسك أن تصلي الصبح أربعًا؟ فإنه كذلك.
وأجمع أهل العلم على أن من صلّى في السفر الذي للمسافر أن يقصر في مثله الصلاة ركعتين أنه مؤدٍّ ما فُرِض عليه، وقد اختُلف فيمن صلّى أربعًا، هل أدّى فرضًا أم لا؟ فالفرض ساقط عمن صلى ركعتين؛ لإجماعهم، ولا يسقط الفرض عمن صلى أربعًا؛ لاختلافهم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال العلماء، وبيان
стр. 8264
أدلّتهم أن أرجح الأقوال قول من قال بوجوب القصر؛ لأمره ﷺ بذلك، وهو للوجوب، مع ما ثبت عنه من ملازمته القصر في جميع أسفاره؛ إذ لم يصحّ عنه أنه أتمّ صلاته في السفر قطّ، وأما ما ثبت من إتمام عثمان، وعائشة، وغيرهما من الصحابة ﵃ فمن باب الاجتهاد، وقد خالفهم غيرهم من الصحابة، وإذا وقع الاختلاف بينهم، فليس قول أحد منهم حجة، بل يجب الرجوع إلى النصوص؛ لقوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فإذا رجعنا إليها، فقد توافقت النصوص القوليّة والفعليّة على القصر لا على الإتمام، فوجب القول به، وقد كنت رجّحت في "شرح النسائيّ" القول بالجواز، ثم مِلت إلى هذا؛ لما ذكرته، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: ثم إن قولنا بوجوب القصر لا يستلزم بطلان صلاة من أتمّ، وإن كان تركَ الواجب، بدليل اتفاق الصحابة الذين حجّوا مع عثمان ﵃ على صحة صلاة عثمان ﵁، ومن صلى معه، حتى إن الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلَّوا معه، واعتدُّوا بتلك الصلاة، كابن مسعود، وابن عمر ﵃، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم يُصلُّوا معه، فتنبّه لهذا الدقيق، فإنه مهمٌّ.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قرّر نحو هذا الذي قلته، فقال ﵀ ما حاصله: وأما صلاة عثمان ﵁ فقد عُرِف إنكار أئمة الصحابة ﵃ عليه، ومع هذا فكانوا يصلون خلفه، بل كان ابن مسعود يصلي أربعًا، وإن انفرد، ويقول: الخلاف شَرّ، وكان ابن عمر إذا انفرد صلى ركعتين، وهذا دليلٌ على أن صلاة السفر أربعًا مكروهة عندهم، ومخالِفَةٌ للسنة، ومع ذلك فلا إعادة على من فعلها، وإذا فعلها الإمام اتُّبعَ فيها، وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر، بل هي من جنس الجمعة والعيدين، ولهذا قرن عمر بن الخطاب في السنة التي نقلها بين الأربع، فقال: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر، على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى"، رواه أحمد، والنسائي. انتهى كلامه ﵀ (١).
стр. 8265
والحاصل أن قصر الصلاة للمسافر واجبٌ، وإن أتمّ جاز مع الكراهة؛ لمخالفة السنة، وإنما جاز؛ لفعل عثمان ﵁، وصلاة الصحابة ﵃ خلفه، مع إنكارهم لإتمامه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المسافة التي يجوز فيها القصر:
قال ابن رُشد ﵀: اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة بُرُد، وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه والكوفيون: أقل ما تُقْصَر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أُفُق إلى أُفُق، وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبًا كان أو بعيدًا.
والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظَ، وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه، مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك، فيجب القصر حيث المشقة، وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط، فقال: قد قال النبيّ ﷺ : "إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة"، فكل مَن انطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر والفطر، وأيدوا ذلك بما رواه مسلم (١)، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبيّ ﷺ كان يقصر في نحو السبعة عشر ميلًا.
وذهب قوم إلى خامس كما قلنا وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقد قيل: إنه مذهب عائشة ﵂، وقالوا: إن النبيّ ﷺ إنما قصر؛ لأنه كان خائفًا.
وأما اختلاف أولئك الذين اعتبروا المشقة، فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة بُرُد مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، ورواه