واحتجّ القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحُجَج:
الأولى: منها قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ونفي الجناح لا يدلّ على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما عُلم من تقدّم شرعية قصر العدد.
قال في "الهدي" -وما أحسن ما قال-: وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران، فيصلّون صلاة خوف مقصورًا عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن، وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية. انتهى.
الحجة الثانية: قوله ﷺ في حديث الباب: "صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم"، فإن الظاهر من قوله: "صدقة" أن القصر رخصة فقط.
وأجيب: بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب.
الحجة الثالثة: ما في "صحيح مسلم" وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول اللَّه ﷺ ، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض.
وتُعُقّب بأنه لا يوجد في "صحيح مسلم" قوله: "فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ"، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار.
وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه أن النبيّ ﷺ اطّلَع على ذلك، وقرّرهم
стр. 8262
عليه، وقد نادت أقواله، وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره ﷺ ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى، وتأولوا له تأويلات.
قال ابن القيّم ﵀: أحسنها (١) أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا تأهل رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم"، ورواه أيضًا عبد اللَّه بن الزبير الحميديّ في "مسنده"، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام عليه.
الحجة الرابعة: حديث عائشة ﵂: "كان يقصر في السفر، ويتمّ".
وتُعُقّب بأنه حديث لا يصحّ (٢).
هذا هو حاصل النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما تقدّم رجحان القول بوجوب القصر.
وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمما لا وجه له، ويردّه ملازمة النبيّ ﷺ للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور الإتمام عنه، ويبعد أن يلازم ﷺ طول عمره المفضول، ويَدَعَ الفاضل (٣).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ بعدما ذكر اختلاف العلماء في المسألة ما نصّه: ومن حجة من رأى أن صلاة المسافر ركعتان حديث عمر بن الخطّاب ﵁، ثم أخرج بسنده من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال عمر: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان،
стр. 8263
وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيّكم، وقد خاب من افترى"، حديث صحيح.
قالوا: فهذا الخبر يُصرّح بأن الركعتين في السفر تمامٌ غير قصر، وهو خبر ثابتٌ، وغير جائز أن يُقابل هذا الخبر خبر مغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، ولو كان الحديث الذي أتى به المغيرة بن زياد في حديث من هو أجلّ منه أسقط حديثه من أجله، وذلك أن النبيّ ﷺ قد سافر أسفارًا كثيرة، ومعه أصحابه، أو من كان معه منهم، وقد حَفِظُوا عنه صلاته ومواقيتها، وجمعه بين الصلاتين حيث جمع بينهما، وتطوّعه الذي تطوّع به في أسفاره في ليله ونهاره، وصلاته على راحلته، والوتر عليها، ونزوله عنها للمكتوبة، وغير ذلك من أحكام صلاته، وحفِظوا عنه صومه وإفطاره في سفره، ولو كان المسافر مخيّرًا بين الإتمام والقصر لبيّن ذلك النبيّ ﷺ لأصحابه؛ لأنه المبيّن عن اللَّه تعالى ما أنزل عليه من الكتاب.
قالوا: ففيما ذكرناه دليلٌ وبيان على أن أصل فرض صلاته ركعتان، وأنه غير مخيّر في القصر والإتمام.
ومن الدليل على صحّة هذا القول خبر ابن عبّاس ﵄: "فَرَضَ اللَّه الصلاة على لسان نبيّكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين"، مع قول جابر ﵁: إن الركعتين في السفر ليستا بقصر، وقول ابن عمر ﵄: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وقال ابن عبّاس ﵄ لرجل قال له: "ما تطيب نفسي أن أصلّي بمكة ركعتين"، قال: فتطيب نفسك أن تصلي الصبح أربعًا؟ فإنه كذلك.
وأجمع أهل العلم على أن من صلّى في السفر الذي للمسافر أن يقصر في مثله الصلاة ركعتين أنه مؤدٍّ ما فُرِض عليه، وقد اختُلف فيمن صلّى أربعًا، هل أدّى فرضًا أم لا؟ فالفرض ساقط عمن صلى ركعتين؛ لإجماعهم، ولا يسقط الفرض عمن صلى أربعًا؛ لاختلافهم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال العلماء، وبيان
стр. 8264
أدلّتهم أن أرجح الأقوال قول من قال بوجوب القصر؛ لأمره ﷺ بذلك، وهو للوجوب، مع ما ثبت عنه من ملازمته القصر في جميع أسفاره؛ إذ لم يصحّ عنه أنه أتمّ صلاته في السفر قطّ، وأما ما ثبت من إتمام عثمان، وعائشة، وغيرهما من الصحابة ﵃ فمن باب الاجتهاد، وقد خالفهم غيرهم من الصحابة، وإذا وقع الاختلاف بينهم، فليس قول أحد منهم حجة، بل يجب الرجوع إلى النصوص؛ لقوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فإذا رجعنا إليها، فقد توافقت النصوص القوليّة والفعليّة على القصر لا على الإتمام، فوجب القول به، وقد كنت رجّحت في "شرح النسائيّ" القول بالجواز، ثم مِلت إلى هذا؛ لما ذكرته، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: ثم إن قولنا بوجوب القصر لا يستلزم بطلان صلاة من أتمّ، وإن كان تركَ الواجب، بدليل اتفاق الصحابة الذين حجّوا مع عثمان ﵃ على صحة صلاة عثمان ﵁، ومن صلى معه، حتى إن الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلَّوا معه، واعتدُّوا بتلك الصلاة، كابن مسعود، وابن عمر ﵃، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم يُصلُّوا معه، فتنبّه لهذا الدقيق، فإنه مهمٌّ.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قرّر نحو هذا الذي قلته، فقال ﵀ ما حاصله: وأما صلاة عثمان ﵁ فقد عُرِف إنكار أئمة الصحابة ﵃ عليه، ومع هذا فكانوا يصلون خلفه، بل كان ابن مسعود يصلي أربعًا، وإن انفرد، ويقول: الخلاف شَرّ، وكان ابن عمر إذا انفرد صلى ركعتين، وهذا دليلٌ على أن صلاة السفر أربعًا مكروهة عندهم، ومخالِفَةٌ للسنة، ومع ذلك فلا إعادة على من فعلها، وإذا فعلها الإمام اتُّبعَ فيها، وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر، بل هي من جنس الجمعة والعيدين، ولهذا قرن عمر بن الخطاب في السنة التي نقلها بين الأربع، فقال: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر، على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى"، رواه أحمد، والنسائي. انتهى كلامه ﵀ (١).
стр. 8265
والحاصل أن قصر الصلاة للمسافر واجبٌ، وإن أتمّ جاز مع الكراهة؛ لمخالفة السنة، وإنما جاز؛ لفعل عثمان ﵁، وصلاة الصحابة ﵃ خلفه، مع إنكارهم لإتمامه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المسافة التي يجوز فيها القصر:
قال ابن رُشد ﵀: اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة بُرُد، وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه والكوفيون: أقل ما تُقْصَر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أُفُق إلى أُفُق، وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبًا كان أو بعيدًا.
والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظَ، وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه، مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك، فيجب القصر حيث المشقة، وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط، فقال: قد قال النبيّ ﷺ : "إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة"، فكل مَن انطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر والفطر، وأيدوا ذلك بما رواه مسلم (١)، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبيّ ﷺ كان يقصر في نحو السبعة عشر ميلًا.
وذهب قوم إلى خامس كما قلنا وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقد قيل: إنه مذهب عائشة ﵂، وقالوا: إن النبيّ ﷺ إنما قصر؛ لأنه كان خائفًا.
وأما اختلاف أولئك الذين اعتبروا المشقة، فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة بُرُد مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، ورواه
стр. 8266
مالك، ومذهب الثلاثة أيام مَرويّ أيضًا عن ابن مسعود، وعثمان، وغيرهما. انتهى كلام ابن رشد ﵀ (١).
وقال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرًا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة.
واختلفوا فيمن سافر أقلّ من هذه المسافة، فقالت طائفة: من سافر أربعة بُرُد، فله أن يقصر الصلاة، كذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بالأخبار التي رويت عن ابن عمر، وابن عباس ﵃.
من ذلك أن ابن عمر ﵄ ركب إلى رِيم (٢) فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة بُرُد، وأن ابن عباس ﵄ سئل أيقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عُسفان، وإلى جُدّة، وإلى الطائف، ورُوي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين، ويُفطران في أربع بُرُد، فما فوق ذلك.
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحَكَى أبو ثور ذلك عن مالك، والشافعي، وبه قال الليث بن سعد في بعض الصلاة، وكذا قال عبد الملك الماجشون.
وقالت طائفة: يقصر الصلاة في مسير يومين، ولم يذكر مقدار ذلك بالبرد والأميال، هذا قول الحسن البصريّ، والزهريّ، وقد كان الشافعي يقول إذ هو بالعراق: يقصر في مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك إذا جاوز السير أربعين ميلًا بالهاشميّ، ثم قال بمصر: للمرء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلًا بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونهما، وأُحِبّ أنا أن لا أقصر في أقل من ثلاث؛ احتياطًا على نفسي، وإن ترك القصر مباح لي.
وقالت طائفة: يقصر في مسيرة اليوم التامّ، ثبت أن ابن عمر ﵄ كان
стр. 8267
يقصر في اليوم التامّ، وخرج إلى أرض اشتراها من ابن بجينة (١)، فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا، وقال الزهريّ: يقصر في مسيرة يوم تامّ، ثلاثون ميلًا، وثابت عن ابن عباس أنه قال: يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دون اليوم.
وقالت طائفة: من سافر ثلاثًا قصر، رَوَينا هذا القول عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والنخعي، وسُويد بن غَفَلَة، وبه قال الثوريّ، والنعمان، ومحمد بن الحسن، قال النعمان: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام.
وفيه قول خامس: رَوَينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه خرج إلى النُّمَيلة (٢)، فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم ﷺ .
ورَوَينا عن ابن عمر ﵄، أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار، فأَقصُر، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصُرْ بعرفة.
قال ابن المنذر ﵀: أما قول جابر هذا، فأحسبه مثل قول مَن قال لأهل مكة: اقصروا الصلاة بمنى وعرفة.
وعن الأوزاعي، قال: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا.
قال الأوزاعي: وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تامّ، وبهذا نأخذ. انتهى كلام ابن المنذر باختصار (٣).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لَمّا لم يوجد نصٌّ قاطع في تحديد مسافة القصر، حتى يُرجَع إليها، وكانت أقوال الصحابة ﵃، فمن بعدهم مضطربة في هذا الباب، حتى تكون المسألة إجماعية، لزم الرجوع إلى مَعْنَى السفر
стр. 8268
شرعًا، فوجدنا النبيّ سَمّى ثلاثة أيام سفرًا، وسمى اليومين سفرًا، وسمى اليوم سفرًا، وسمى البريد أيضًا سفرًا، فأقلّ ما ثبت عنه من تسمية بعض المسافات سفرًا هو البريد، فثبت كون البريد سفرًا بالنصّ، لكن لمّا صح حديث أنس ﵁ في "صحيح مسلم" وغيره، من طريق شعبة، عن يحيى بن يزيد الْهُنَائي، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين -شعبة الشاكّ- ورواه أيضًا أحمد، وأبو داود.
عَلِمنا من هذا النصّ أن ثلاثة فراسخ هي أقلّ ما صحّ من تحديد المسافة مرفوعًا، وإنما لم نعتبر الثلاثة أميال، مع كونها أقل منها؛ لوقوع الشك فيها، فاعتبرنا الفراسخ احتياطًا، فتبيّن من هذا أن أقل المسافات التي صحّ التحديد به هي ثلاثة فراسخ.
قال في "الفتح": وهو أصحّ حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يُبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، مع أن البيهقيّ ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين حتى أرجع؟ فقال أنس. . . فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه. انتهى (١).
فتبيّن بما قاله في "الفتح" أن هذا الحديث ذكره أنس ﵁ تحديدًا للمسافة التي كان النبيّ ﷺ إذا خرج إليها قصر الصلاة.
والحاصل أن الفراسخ الثلاثة هي أقل المسافة التي يثبت بها حكم السفر من القصر وغيره، هذا ما عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]: (الأول): ذكر الفرّاء أن الفرسخ فارسي معرّب، وهو ثلاثة
стр. 8269
أميال، والميل من الأرض منتهى مَدّ البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يَفْنَى إدراكه، وبذلك جزم الجوهريّ، وقيل: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مسطحة، فلا يدري أهو رجل، أو امرأة، أو ذاهب، أو آت.
وقال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شَعيرات معترضة معتدلة. انتهى.
وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم من عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قَدَم بقدم الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب "البيان"، وقيل: خمسمائة، صححه ابن عبد البرّ، وقيل: ألفا ذراع، ومنهم من عبّر عن ذلك بألف خطوة للجَمَل.
قال الحافظ ﵀: ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرّره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثُّمُن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا، وهذه فائدة نفيسة قلّ من نبّه عليها. انتهى (١).
وقد نظم بعضهم معنى الميل، والفرسخ، والبريد، بقوله [من الكامل]:
إِنَّ الْبَرِيدَ مِنَ الْفَرَاسِخِ أَرْبَعٌ … وَلفَرْسَخٍ فَثَلَاثَ أَمْيَالٍ ضَعُوا
وَالْمِيلُ أَلْفٌ أَيْ مِنَ الْبَاعَاتِ قُلْ … وَالْبَاعُ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ فَتَتَبَّعُوا
ثُمَّ الذِّرَاعُ مِنَ الأَصَابِعِ أَرْبَعٌ … مِنْ بَعْدِهَا الْعِشْرُونَ ثُمَّ الإِصْبَعُ
سِتٌّ شَعِيرَاتٌ فَظَهْرُ شَعِيرَةٍ … مِنْهَا إِلَى بَطْنِ لأُخْرَى تُوضَعُ
ثُمَّ الشَّعِيرَةُ سِتُّ شَعْرَاتٍ فَقَطْ … مِنْ ذَيْلِ بَغْلٍ لَيْسَ عَنْ ذَا مَرْجَعُ (٢)
واختُلِف في معنى الفَرْسخ، فقيل: هو السكون، ذكره ابن سِيدَهْ، وقيل: السَّعَةُ، وقيل: المكانُ الذي لا فُرْجة فيه، وقيل: الشيء الطويل، ذكره في "الفتح" (٣).
стр. 8270
(التنبيه الثاني): مقدار الميل بالتحديد المعاصر (كيلو متر ونصف كيلو متر) فيكون الفرسخ ثمانية عشر كيلو مترًا، وعليه فتكون مسافة القصر أربعًا وخمسين كيلو مترًا تقريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف العلماء في السفر الذي يبيح القصر:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرًا يُقصَر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر الصلاة ما دام مسافرًا.
واختلفوا فيمن خرج لمباح التجارة، أو مطالعة مال له، أو أبيح له الخروج إليه، فقال أكثر مَن نَحْفَظ عنه من علماء الأمصار: له إذا خرج إلى ما أبيح له أن يقصر الصلاة، هذا قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب أهل المدينة، وأهل الكوفة، وعوامّ أهل العلم من علماء الأمصار.
وفيه قول ثان، قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: لا يقصر إلا في حج، أو جهاد، وروينا عن عمران بن حصين ﵄ قال: إنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا (١)، أو يحضره العدو.
ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن أبي المهلَّب، أن عثمان بن عفان ﵁ كتب: إنه بلغني أن رجالًا يخرجون إما لجباية، وإما لتجارة، وإما لحشر (٢)، ثم لا يُتمون الصلاة، فلا تفعلوا ذلك، فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا، أو يحضره عدوّ.
وقال عطاء: أرى أن لا تقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، من أجل أن إمام المتقين لم يقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، حج، أو عمرة، أو غزو، والأئمة بعده أيهم كان يضرب في الأرض يبتغي الدنيا؟ وقد كان قبلُ لا يقول بهذا القول، يقول: يقصر في كل ذلك.
стр. 8271
واختلفوا فيمن سافر في معصية اللَّه، ففي قول للشافعي، وأحمد: عليه أن يُتمّ، وليس له أن يقصر ما دام في سفره، قال الشافعي: وذلك في مثل أن يخرج باغيًا على مسلم، أو معاهد، أو يقطع طريقًا، أو بما في هذا المعنى، قال: ولا يمسح على الخفين، ولا يجمع الصلاة، ولا يصلي نافلة إلى غير القبلة، مسافرًا في معصية.
وكان الأوزاعي يقول في الرجل يخرج في بعثة إلى بعض المسلمين: يقصر الصلاة، ويفطر في شهر رمضان في مسيره، وافق ذلك طاعة، أو معصية.
وحكي عن النعمان أنه قال: المسافر يقصر في حلال خرج، أو في حرام. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
وقال العلامة صديق حسن القنّوجيّ ﵀: والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار عدم الفرق بين من سفره في طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر؛ لأن صلاة المسافر شرعها اللَّه كذلك، فكما شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق بين من كان مطيعًا، ومن كان عاصيًا بلا خلاف، كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق، وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولًا زائدًا على تناول أدلة الإفطار له؛ لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعًا بخلاف الإفطار، فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامّةً، وإنما المراد بطلان القياس. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي قول من قال بمشروعية القصر لكل مسافر، مطيعًا كان، أو عاصيًا؛ لعموم الأدلة، كما استظهره القنوجيّ ﵀.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد أجاد في تحقيق هذه المسألة، وأفاد، ودونك نصّه:
قال ﵀ بعد ذكر الاختلافات: والحجة مع من جعل القصر والفطر
стр. 8272
مشروعًا في جنس السفر، ولم يخص سفرًا من سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]، كما قال في آية التيمم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين، ولم يَنْقُل قط أحد عن النبيّ ﷺ أنه خَصّ سفرًا من سفر، مع علمه بأن السفر يكون حرامًا ومباحًا، ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر، لكان بيان هذا من الواجبات، ولو بَيَّن ذلك لنقلته الأمة، وما علمتُ عن الصحابة في ذلك شيئًا.
وقد عَلّق اللَّه تعالى ورسوله ﷺ أحكامًا بالسفر، كقوله تعالى في التيمم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وقوله في الصوم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقول النبيّ ﷺ : "يَمْسَح المسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ"، وقوله: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تسافر إلا مع زوج، أو ذي محرم"، وقوله: "إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة"، ولم يُذْكَر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقًا بأحد نوعي السفر، ولا يبيّن اللَّه ورسوله ﷺ ذلك؟ بل يكون بيان اللَّه ورسوله ﷺ متناولًا للنوعين.
وهكذا في تقسيم السفر إلى طويل وقصير، وتقسيم الطلاق بعد الدخول إلى بائن ورجعيّ، وتقسيم الأيمان إلى يمين مكفَّرة، وغير مكفَّرة، وأمثال ذلك مما علَّق اللَّه ورسوله ﷺ الحكم فيه بالجنس المشترك العامّ، فجعله بعض الناس نوعين: نوعًا يتعلق به ذلك الحكم، ونوعًا لا يتعلق من غير دلالةٍ على ذلك من كتاب، ولا سنة، لا نصًّا، ولا استنباطًا.
والذين قالوا: لا يثبت ذلك في السفر المحرَّم عمدتهم قوله تعالى في الميتة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله، والعادي هو العادي على المسلمين، وهم المحاربون قُطّاع الطريق.
قالوا: فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم، فسائر الرُّخَص أولى، وقالوا:
стр. 8273
إذا اضطَرّ العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل، ولا نبيح له إتلاف نفسه، وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعيّ وأحمد، وأما أحمد ومالك فجوَّزا له أكل الميتة دون القصر والفطر.
قالوا: ولأن السفر المحرَّم معصية، والرخص للمسافر إعانة على ذلك، فلا تجوز الإعانة على المعصية.
وهذه حُجَجٌ ضعيفةٌ، أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرَّم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن اللَّه أنزل هذا في السور المكية: الأنعام، والنحل، وفي المدنية؛ ليبيّن ما يَحِلّ وما يَحرُم من الأكل، والضرورةُ لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر، فليس السفر المحرَّم مختصًّا بقطع الطريق، والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبيّ ﷺ إمام يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبغاة الذين أمر اللَّه بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أوّلًا مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختصّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سفر محرَّم، فالمذكور في الآية لو كان كما قيل، لم يكن مطابقًا للسفر المحرَّم فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرَّم بدونه.
وأيضًا فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ حال من ﴿اضْطُرَّ﴾، فيجب أن يكون حال اضطراره، وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ومعلوم أن الإثم إنما يُنْفَى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: فمن اضطُرّ، فأكل غير باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله، ولا يَتَعَدَّى.
واللَّه تعالى يَقْرُن بين البغي والعدوان، فالبغي ما جنسه ظلم، والعدوان مجاوزة القدر المباح، كما قَرَن بين الإثم والعدوان، في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، فالإثم جنس الشرّ، والعدوان مجاوزة القدر المباح، فالبغي من جنس الإثم، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى:
стр. 8274
﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، فالإثم جنس لظلم الورثة إذا كان مع العمد، وأما الْجَنَف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد، لكن قال كثير من المفسرين: الجنف الخطأ، والإثم العمد؛ لأنه لَمّا خَصّ الإثم بالذكر، وهو العمد، بقي الداخل في الجنف الخطأ، ولفظ العدوان من باب تعدي الحدود، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، ونحو ذلك.
ومما يشبه هذا قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، والإسراف مجاوزة الحدّ المباح، وأما الذنوب فما كان جنسه شرّ وإثم (١).
وأما قولهم: إن هذا إعانة على المعصية فغلط؛ لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، كما هو مأمور أن يصلى بالتيمم، وإذا عَدِمَ الماء في السفر المحرَّم كان عليه أن يتيمم ويصلي، وما زاد على الركعتين ليست طاعةً، ولا مأمورًا بها أحدٌ من المسافرين، وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهيًّا عنه، فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطنٍ، فهل يصليها إلا ركعتين، وإن كان عاصيًا بسفره، وإن كان إذا صلى وحده صلى أربعًا، وكذلك صومه في السفر ليس برًّا، ولا مأمورًا به، فإن النبيّ ﷺ ثبت عنه أنه قال: "ليس من البر الصيام في السفر"، وصومه إذا كان مقيمًا أحب إلى اللَّه من صيامه في سفر محرَّم، ولو أراد أن يتطوع على الراحلة في السفر المحرَّم لم يمنع من ذلك، وإذا اشتبهت عليه القبلة أَمَا كان يتحرى ويصلي، ولو أُخِذت ثيابه أَمَا كان يصلي عريانًا.
فإن قيل: هذا لا يمكنه إلا هذا، قيل: والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين، والمشروع في حقه أن لا يصوم، وقد اختَلَف الناس لو صام هل يَسقُط الفرض عنه، واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتياطٌ، فإن طائفة يقولون: من صلى أربعًا، أو صام رمضان في السفر المحرَّم لم يجزئه ذلك، كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم، وطائفة يقولون: لا
стр. 8275
يجزيه إلا صلاة أربع، وصوم رمضان، وكذلك أكل الميتة واجب على المضطرّ، سواءٌ كان في السفر أو الحضر، وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرَّم، فلو ألقى ماله في البحر، واضطَرَّ إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها، ولو سافر سفرًا محرَّمًا، فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعدًا، ولو قاتل قتالًا محرَّمًا حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعدًا.
فإن قيل: فلو قاتل قتالًا محرمًا، هل يصلي صلاة الخوف؟.
قيل: يجب عليه أن يصلي، ولا يقاتل، فإن كان لا يدع القتال المحرَّم فلا نبيح له ترك الصلاة، بل إذا صلى صلاة خائف كان خيرًا من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة في الوقت، وجب ذلك عليه؛ لأنه مأمور بها، وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك، ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاعٌ. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، والنظر في أدلّتهم أن الراجح قول من قال: إن المسافر له القصر في السفر مطلقًا، سواء كان سفره سفر طاعة، أم سفر معصية؛ لقوّة أدلّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الموضع الذي يبدأ المسافر بقصر الصلاة فيه:
قال ابن رُشد ﵀: قال مالك ﵀ في "الموطأ": لا يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول بيوتها، وقد رُوي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعةً حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال، وذلك عنده أقصى ما تجب فيه الجمعة على من كان خارج المصر في إحدى الروايتين عنه، وبالقول الأول قال الجمهور.
والسبب في هذا الاختلاف معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل، وذلك أنه إذا شَرَع في السفر، فقد انطلق عليه اسم مسافر، فمن راعى مفهوم الاسم،
стр. 8276
قال: إذا خرج من بيوت القرية قَصَرَ، ومَن راعى دليل الفعل أعني فعله ﷺ قال: لا يقصر إلا إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال؛ لِمَا صَحَّ من حديث أنس ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاكُّ- صلى ركعتين، رواه مسلم. انتهى (١).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد أجمع كلُّ من نَحْفظ عنه من أهل العلم على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي منها يخرج، واختلفوا في تقصير الصلاة قبل الخروج عن البيوت، فقال كثير من أهل العلم: لا يقصر الصلاة حتى يخرُج من بيوت القرية، رَوَينا حديثًا فيه أنهم خرجوا مع عليّ بن أبي طالب، قال الراوي: فقصرنا الصلاة، ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا، فقصرنا، ونحن نرى البيوت، وروينا عنه أنه خرج من البصرة، فرأى خُصًّا، فقال: لولا هذا الخصّ (٢) لقصرنا، وكان ابن عمر يقصُرُ الصلاة، وهو ينظر إلى المدينة.
قال: وروينا عن علقمة، وعمرو بن ميمون، وأبي فاختة (٣) أنهم قصروا حين خرجوا من البيوت، وبه قال النخعيّ، وقال قتادة: إذا جاوز الجِسر، أو الخندق يصلي ركعتين، وممن قال: إنه يقصر إذا خرج من بيوت القرية: مالكٌ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وفيه قولٌ ثالثٌ، روينا عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا، فصلّى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد اللَّه، وقال عطاء بن أبي رباح: إذا خرج الرجل حاجًّا، فلم يخرج من بيوت القرية حتى حضرت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى، وقال سليمان بن موسى: إذا خرج الرجل من بيته ذاهبًا لوجهه، فلم يخرج من القرية
стр. 8277
حتى حانت الصلاة، فليقصُر، وكذلك إذا دخل القرية راجعًا من سفره، ثم حانت الصلاة، فليقصُرها حتى يدخل بيته.
قال: وقد روينا عن مجاهد قولًا ثالثًا، لا أعلم أحدًا قال به، روينا عنه أنه قال: إذا خرجت مسافرًا، فلا تقصُر الصلاة يومك حتى الليل، وإن رجعت، أو خرجت ليلًا طويلًا، فلا تقصر الصلاة حتى تُصبح.
قال ابن المنذر ﵀: يلزم المقيم ما دام مقيمًا إتمام الصلاة، فإذا عزم على السفر، وخرج من منزله، ولم يبرُز عن قريته، واختلفوا في أمره، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يبرُز عن بيوت القرية، فإذا برز عنها قصر إذا كان سفره يقصر في مثله الصلاة؛ إذ لا أعلم أحدًا يمنعه من ذلك، ولا نعلم النبيّ ﷺ قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة، فأما ما رُوي عن مجاهد، فقد تُكُلّم في إسناده، والسنّة تدلّ على خلافه، صلّى النبيّ ﷺ بذي الْحُليفة ركعتين، وليس بينها وبين المدينة يوم، ولا نصف يوم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن من أراد سفرًا، فخرج من بيوت القرية قصر، سواء كان قريبًا أم بعيدًا، وإلا فلا يقصر؛ لأنه ﷺ ما قصر إلا بعد خروجه من المدينة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الإقامة التي يجب على المسافر إتمام الصلاة بها:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في القدر الذي يجب على المسافر إذا أقام ذلك المقدار إتمام الصلاة:
فقالت طائفة: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتمّ الصلاةَ، وروينا هذا القول عن ابن عمر، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: إذا أزمع إقامة اثنتي عشرة أتمّ الصلاة، هذا قول عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، آخر أقواله، كما ذكره نافع، وبنحوه قال الأوزاعي.
стр. 8278
وقالت طائفة: إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، وهذا قول الحسن بن صالح، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وليس ذلك بثابت عنهما، وبه قال محمد بن عليّ.
وقالت طائفة: إذا أقمت أكثر من خمس عشرة، فأتم الصلاة، روي هذا عن سعيد بن جُبير، وعبد اللَّه بن عُتبة، وبه قال الليث بن سعد.
الخامس: أن من أقام أربعًا صلى أربعًا، هكذا قال مالك، وأبو ثور، واحتجّ أبو ثور بأنهم لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر كان ذلك له، فلما اختلفوا في الأربع كان عليه أن يُتمّ، وذلك أن الفروض لا تزال باختلاف.
السادس: قول ابن عباس ﵄: إذا سافرنا تسع عشرة نقصر الصلاة.
السابع: قول أحمد بن حنبل: إذا أجمع لعشرين صلاةً مكتوبة قصر، فإذا عزم على أن يُقيم أكثر من ذلك أتمّ (١).
واحتجّ بحديث جابر، وابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ قَدِمَ لصبح رابعة، قال: فأقام النبيّ ﷺ الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن يُقيم كما أقام النبيّ ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ.
الثامن: قول سعيد بن المسيب: إذا وطنت نفسك بأرض أكثر من ثلاث، فأتمّ الصلاة.
التاسع: قوله أيضًا: إن المسافر إذا أقام ثلاثًا أتمّ. قال ابن المنذر: هذان قولان لا نعلم أحدًا قال بهما.
وله قول آخر، كقول الثوريّ، وآخر كقول مالك.
العاشر: ذكره إسحاق ابن راهويه، قال: وقد قال آخرون، وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك إلا أن تُقيم ببلدة لك بها
стр. 8279
أهل، ومال، فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربع، ولا خمس عشرة، قال: ومما احتجّوا به لأنفسهم في ذلك ما سُئل ابن عباس عن تقصير الصلاة؟ فقال: كان النبيّ ﷺ إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع.
وعن ابن عباس بأن رجلًا قال له: إنا نُطيل المقام في الغزو بخُرَاسان، فكيف ترى؟ فقال: يصلي ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، وقال الحسن البصريّ: أقام أنس بن مالك بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، وأقام عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس، فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين، وقال أبو إسحاق: أقمنا مع وَالٍ أحسبه قال: بسجستان سنين، وكان معنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل، وقال أبو مِجْلز: كنت جالسًا عند ابن عمر، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن آتي المدينة طالب حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر، والثمانية كيف أصلي؟ قال: ركعتين ركعتين، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين، وكان الثلج حال بينهم وبين القُفُول، وأقام مسروق بالسلسلة سنين، وهو عامل عليها، فصلى ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنّة.
الحادي عشر: إن المسافر يصلي ركعتين ركعتين إلا أن يقدم مصرًا من الأمصار، هذا قول الحسن البصري.
الثاني عشر: قول من فرّق بين المقام للخوف، والمقام لغير الخوف، قال الشافعي: فأشبه ما قال رسول اللَّه ﷺ من مقام المهاجر، فلا يأخذ مقام المسافر، وما جاوزه كان مقام الإقامة، وليس يحسب اليوم الذي كان فيه سائرًا، ثم قدم، ولا اليوم الذي كان فيه مقيمًا، ثم سار، كان غير مقام حرب، ولا خوف حرب قصر، فإذا جاوز مقامه أربعًا أحببت أن يتمّ، وإن لم يتمّ أعاد ما صلى بالقصر بعد الأربع، وإن كان مقامه لحرب، أو خوف حرب، فإن رسول اللَّه ﷺ أقام الفتح يُحارب هوازن سبع عشرة، أو ثمان عشرة يقصر، فإذا أقام الرجل ببلد ليس مقامه لحرب، أو خوف حرب، أو تأهب حرب قصر ما
стр. 8280
بينه وبين ثمان عشرة ليلة، فإذا جاوزها أتمّ الصلاة حتى يُفارق البلد تاركًا للمقام به آخذًا في سفره.
الثالث عشر: ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: يفصل بين الحضر والسفر اليوم والليلة، فمن أجمع مسير يوم وليلة روحته، وغدوته، وولجته فقد أجمع سفرًا، فله صلاة السفر، ورخصة فطر الصوم، ومن أجمع إقامة يوم وليلة صلى صلاة الحضر، وعليه الصوم.
القول الرابع عشر: ما حكاه إسحاق ابن راهوَيْه عن بعضهم قالوا: قد مضت السنة من النبيّ ﷺ وأصحابه في التقصير للمسافر إذا كان طاعنًا، فإذا وضع الزاد والمزاد، وترك الرحيل، وأقام أيامًا لحاجة، أو تجارة، أو نزهة، فهو بالمقيم أشبه منه بالمسافر، فعليه الإتمام. انتهى ملخصًا من كلام ابن المنذر ﵀ في كتابه "الأوسط" (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن قول الإمام أحمد ﵀ هو الأرجح، حيث اعتبر عدد صلاة النبيّ ﷺ ، فمن أجمع على إحدى وعشرين صلاةً، قَصَرَ، ومن زاد على ذلك أتمّ.
قال ابن المنذر ﵀: وأسعد الناس بحديث جابر أحمد، ومن وافقه؛ لأنه نظر إلى عدد الصلوات التي صلاها رسول اللَّه ﷺ في أيام مقامه بمكة في حجته، فأجاز أن يقصر من أقام مقدارًا يصلي ذلك العدد من الصلوات، وأمر من زاد مُقامُه على ذلك المقدار بالإتمام. انتهى.
ونَصُّ مختصر الْخِرَقيّ: "وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاةً أتمّ". قال ابن قدامة في "المغني": المشهور عن أحمد: أن المدة التي تُلزم المسافر الإتمام بنيّة الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاةً. ثم قال بعد ذكر الخلافات ما نصه:
ولنا ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة، متفق عليه.
وذكر أحمد حديث جابر، وابن عباس أن النبيّ ﷺ قَدِمَ لصبح رابعة،
стр. 8281
فأقام النبيّ ﷺ اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبيّ ﷺ قَصَرَ، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. انتهى (١).
والحاصل أن من نوى أن يقيم أكثر من إحدى وعشرين صلاةً عدد صلاة النبيّ ﷺ في مكة أتمّ، ومن نوى إحدى وعشرين، أو أقل من ذلك قَصَرَ، كما قصر النبيّ ﷺ في إحدى وعشرين صلاةً، مع أنه عَزَم على أنه سيقيم بمكة هذه المدة.
وهذا هو القول الموافق لفعل النبيّ ﷺ ، وأما ما عداه من الأقوال فليس عليه دليل صريح مرفوع يؤيده، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (٢) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
стр. 8282
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (رَكْعَتَيْنِ) منصوب على الحال.
وقوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى) أي: رجعت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر، فكأنها مقرَّرةٌ على الحالة الأولى.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ"، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بوزن جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٢ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام الحجة الثبت الفقيه [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (أَنَّ الصَّلَاةَ) وللبخاريّ في رواية الكشميهني: "الصلوات" بصيغة الجمع.
وقوله: (أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ) بنصب "أوّلَ" على الظرفية، وهو متعلّق بالفعل
стр. 8283
المقدر، و"ما" مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فُرِضت حال كونها ركعتين، أو "ما" موصولة عبارة عن وقت، وجملة "فُرِضت الصلاة" صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: في أول الوقت الذي فرضت فيه الصلاة، فُرِضت حال كونها ركعتين.
وقوله: (رَكْعَتَيْنِ) وعند البخاريّ في رواية كريمة: "ركعتين ركعتين" مكرّرًا.
قال في "الفتح": واستُدِلَّ بقولها: "فُرِضت ركعتين" على أن صلاة المسافر لا تجوز إلا مقصورةً، ورُدَّ بأنه مُعارَضٌ بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأنه دالّ على أن الأصل الإتمام، ومنهم من حَمَل قول عائشة ﵂: "فُرِضَت"؛ أي: قُدِّرت، وقال الطبريّ: معناه: أن المسافر إذا اختار القصر فهو فرضه، ومن أدلّ دليل على تعيُّن تأويل حديث عائشة ﵂ هذا كونها كانت تُتِمّ في السفر، ولذلك أورده الزهريّ، عن عروة.
وقوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) فعلٌ ونائب فاعله؛ أي: رجعت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر.
وقوله: (مَا بَالُ عَائِشَةَ) أي: ما حالها، وما شأنها.
وقوله: (تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من عائشة، و"تُتِمّ" بضم أوله، من الإتمام؛ أي: تصلي في السفر الرباعيّة أربع ركعات، مع أنها قالت: "فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين".
وقوله: (إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) وفي رواية البخاريّ: "تأوّلت ما تأوّل عثمان"، قال في "الفتح" (١) ما حاصله: مراد عروة بقوله: "كما تأوّل عثمان" التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختَلَفَت في تأويل عثمان، فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة، وقد أخرج ابن جرير في تفسير "سورة النساء" أن عائشة ﵂ كانت تصلي في السفر أربعًا، فإذا احتجّوا عليها تقول: إن النبيّ ﷺ كان في حرب، وكان يخاف،
стр. 8284
فهل تخافون أنتم؟ وقد قيل في تأويل عائشة: إنما أتمت في سفرها إلى البصرة إلى قتال عليّ ﵁، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة، وهذان القولان باطلان، لا سيما الثاني، ولعل قول عائشة ﵂ هذا هو السبب في حديث حارثة بن وهب ﵁ قال: "صلّى بنا النبيّ ﷺ آمن ما كان بمنى ركعتين"، متّفقٌ عليه، ولفظ مسلم: "قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ بمنى، آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين".
وقال القرطبيّ ﵀: اختُلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان ﵃ في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأوّلا أن القصر رُخصةٌ غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسدٌ، وإما بعيدٌ، ولنذكُر ما قيل في ذلك:
(فمنها): أن عائشة تأوّلت أنها أمّ المؤمنين، فحيثُ حلّت نزلت في أهلها وولدها، وهذا يَبطُلُ بما بين المنزلتين من المسافات البعيدة، فإنها كانت تُتمّ فيها، وهي على ظهر سفر.
(ومنها): أنها كانت لا ترى القصر إلا في الحجّ والعمرة والغزو، وذلك باطلٌ؛ لأن ذلك لم يُنقل عنها، ولا عُرف من مذهبها، ثم قد أتمّت في سفرها إلى عليّ ﵄.
(ومنها): أنها حيث أتمّت لم تكن في سفر جائز، وهذا باطلٌ قطعًا، فإنها كانت أتقى للَّه، وأخوف، وأطوع من أن تخرُج في سفر لا يرضاه اللَّه تعالى، وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة، وتشنيعاتهم عليها: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وإنما خرجت ﵂ مجتهدةً محتسبةً في خروجها، تريد أن تُطفئ نار الفتنة، ثم خرجت الأمور عن الضبط، وأقلّ درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول اللَّه ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر".
قال: وأما عثمان ﵁ فقد تُؤُوّل له أنه كان إمام الناس، فحيث حلّ فهو بمنزلتهم، وهذا يردّه أن النبيّ ﷺ كان أولى بذلك، ومع ذلك فلم يفعله.
(ومنها): أنه كان معه أهله بمكة، وهذا يردّه أن النبيّ ﷺ سافر بزوجاته، وكنّ معه بمكة، ومع ذلك قصر.
стр. 8285
(ومنها): أنه إنما فعل ذلك من أجل الأعراب؛ لئلا يظنّوا أن فرض الصلاة أبدًا ركعتان، وهذا يردّه أن النبيّ ﷺ كان أولى بذلك، ولم يفعله، وثمّ قد عَلِمَ الأعراب، والكلُّ من المسلمين أن الصلاة في الحضر أربع، ومن جَهِلَ ذلك من قُرْب عهدٍ بالإسلام نادرٌ قليلٌ، لا تُغيَّر القواعد لأجله.
(ومنها): أن عثمان أزمع على الْمُقام بمكة بعد الحجّ، ويرُدّه أن المُقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث ممنوع.
(ومنها): أنه كان لعثمان بمنى أرضٌ ومالٌ، فرأى أنه كالمقيم، وهذا فيه بُعْدٌ؛ إذ لم يقل أحدٌ: إن المسافر إذا مرّ بما يملكه من الأرض، ولم يكن له فيها أهلٌ حكمه حكم المقيم، والوجه ما ذكرناه أوّلًا (١). انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ.
وقال في "الفتح": قوله: (تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) هذا فيه رَدٌّ على من زعم أن عثمان إنما أتمّ؛ لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين، وكلُّ موضع له دارٌ، أو لأنه عَزَمَ على الإقامة بمكة، أو لأنه استَجَدّ له أرضًا بمنى، أو لأنه كان يَسْبِق الناس إلى مكة؛ لأن جميع ذلك مُنْتَفٍ في حق عائشة ﵂، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها.
ويرُدُّ الأول أن النبيّ ﷺ كان يسافر بزوجاته وقَصَرَ، والثانيَ أن النبيّ ﷺ كان أولى بذلك، والثالثَ أن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام، كما سيأتي تقريره في محلّه من "كتاب المغازي"، والرابعُ، والخامسُ لم ينقلا، فلا يكفي التخرُّص في ذلك، والأول وإن كان نُقِلَ، وأخرجه أحمد، والبيهقيّ، من حديث عثمان ﵁، وأنه لَمّا صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إني تأهلت بمكة لَمّا قَدِمت، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من تأهّل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم"، فهذا الحديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي رُواته مَن لا يُحتجّ به، ويردُّه قول عروة: إن عائشة تأوّلت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وَهْنِ ذلك الخبر.
قال: والمنقول أن سبب إتمام عثمان ﵁ أنه كان يرى القصر مُختصًّا
стр. 8286
بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم فيتمّ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: لما قَدِم علينا معاوية حاجًّا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار النَّدْوَة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عِبْتَ أمر ابن عمك؛ لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قَدِم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قَصَرَ الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أقم الصلاة.
وقال ابن بطّال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة ﵂ كانا يريان أن النبيّ ﷺ إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأَخَذَا لأنفسهما بالشدّة. انتهى.
وهذا رجحه جماعةٌ، من آخرهم القرطبيّ، لكن الوجه الذي قبله أولى؛ لتصريح الراوي بالسبب.
وأما ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أن عثمان إنما أتم الصلاة؛ لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ، فهو مرسل، وفيه نظرٌ؛ لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرامٌ، وصحّ عن عثمان أنه كان لا يُوَدِّع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج؛ خشيةَ أن يرجع في هجرته.
وثبت عن عثمان أنه قال لَمّا حاصروه، وقال له المغيرة: اركب رواحلك إلى مكة، قال: لن أفارق دار هجرتي.
ومع هذا النظر في رواية معمر، عن الزهريّ، فقد رَوَى أيوب، عن الزهريّ ما يخالفه، فرَوَى الطحاويّ وغيره من هذا الوجه، عن الزهريّ قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعًا؛ لأن الأعراب كانوا كَثُرُوا في ذلك العام، فأحب أن يُعلمهم أن الصلاة أربع.
ورَوَى البيهقيّ من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان أنه أتم بمنى، ثم خطب، فقال: إن القصر سنة رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه، ولكنه حَدَثَ طَغَام -يعني بفتح الطاء والمعجمة- فَخِفتُ أن يَسْتَنُّوا.
وعن ابن جريج أن أعرابيًّا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زِلْتُ
стр. 8287
أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، وهذه طُرُق يُقَوِّي بعضها بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يقوِّيه من حيث إن حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها، بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان ﵁.
وأما عائشة ﵂ فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما أخرجه البيهقيّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشُقّ عليّ. إسناده صحيح، وهو دالّ على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشُقّ عليه أفضل.
ويدلُّ على اختيار الجمهور ما رواه أبو يعلى، والطبرانيّ بإسناد جيّد، عن أبي هريرة ﵁ أنه سافر مع النبيّ ﷺ ، ومع أبي بكر وعمر، فكلهم كان يصلي ركعتين، من حين يخرج من المدينة إلى مكة حتى يرجع إلى المدينة في السير، وفي المقام بمكة.
قال الكرمانيّ ﵀ ما ملخَّصه: تمسّك الحنفية بحديث عائشة ﵂ في أن الفرض في السفر أن يصلي الرباعية ركعتين.
وتُعُقِّب بأنه لو كان على ظاهره لما أتمت عائشة، وعندهم العبرة بما رأى الراوي إذا عارض ما روى، ثم ظاهر الحديث مخالف لظاهر القرآن؛ لأنه يدلّ على أنها فُرِضت في الأصل ركعتين، واستمَرَّت في السفر، وظاهر القرآن أنها كانت أربعًا فنقصت، ثم إن قولها: "الصلاة" تعمّ الخمس، وهو مخصوص بخروج المغرب مطلقًا والصبح بعدم الزيادة فيها في الحضر، قال: والعام إذا خُصّ ضَعُفَت دلالته حتى اختُلِف في بقاء الاحتجاج به. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن أرجح التأويلات في إتمام عثمان وعائشة ﵄ قول من قال: إنهما كانا يريان القصر رخصةً غير واجبة، فأخذا بالأكمل؛ اجتهادًا منهما، وهذا هو الذي تقدّم ترجيحه عن القرطبيّ ﵀، فهذا
стр. 8288
الوجه هو الأقرب، والأظهر فيما يظهر لي دون تكلّف، وتعسّف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٧٣] (٦٨٦) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "صَدَقَةٌ (١) تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (زهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظ مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٦ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
стр. 8289
مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٧ - (ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ) هو: عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار القرشيّ المكيّ، حَلِيف بني الْجُمَح، الملقب بـ "القَسّ" -بفتح القاف، وتشديد السين المهملة- لعبادته، ثقة عابد [٣].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وجابر، وشدّاد بن الهاد، وعبد اللَّه بن بابيه.
ورَوَى عنه عبد الملك بن عبيد بن عُمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار، ويوسف بن ماهك، وعكرمة بن خالد.
قال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني.
رَوَى له الجماعة سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٨ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَابَيْهِ) ويقال: باباه، ويقال بحذف الهاء، مولى آل حُجير بن أبي إهاب، ويقال: مولى يعلى بن أمية، المكيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن جبير بن مُطعِم، وابن مسعود، وابن عُمر، وابن عَمْرو، ويعلى بن أمية، وأبي هريرة.
وروى عنه أبو الزبير، وإبراهيم بن مهاجر البجليّ، وحبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن دينار، وقتادة، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار، وأبو حَصِين الأسديّ، وغيرهم.
قال علي ابن المدينيّ: عبد اللَّه بن بابيه من أهل مكة معروف، ويقال له أيضًا: ابن باباه، وقال البخاريّ: عبد اللَّه بن باباه، ويقال: ابن بابي، وقال ابن معين: هؤلاء ثلاثة مختلفون، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: عبد اللَّه بن بابي بصريّ، وعبد اللَّه بن باباه مكيّ، وعبد اللَّه بن بابيه كوفيّ، قال أبو الحسين بن البراء: القول عندي ما قال ابن المدينيّ، والبخاريّ.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: عبد اللَّه بن باباه ثقة، وثَّقه العجليّ، وابن المدينيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 8290
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٩ - (يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ) بن أبي عبيدة، واسمه عبيد، ويقال: زيد بن هَمّام بن الحارث بن بكر بن زبد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو خلف، ويقال: أبو خالد، ويقال: أبو صفوان المكيّ، حَلِيف قريش، وهو يعلى ابن مُنْية -بضمّ الميم، وسكون النون، ثم تحتانيّة- وهي أُمّه، ويقال: جَدّته.
روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وعنبسة بن أبي سفيان، وروى عنه أولاده: صفوان، ومحمد، وعثمان، وعبد الرحمن، وبقال: إن عبد الرحمن أخوه، لا ابنه، وعبد اللَّه بن الديلميّ، وعبد اللَّه بن بابيه، وموسى بن باذان، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم.
قال ابن سعد: شَهِد الطائف، وحُنينًا، وتبوك مع النبيّ ﷺ ، وقال أبو أحمد الحاكم: كان عامل عمر بن الخطاب على نَجْران، وقال الدارقطنيّ: مُنية بنت الحارث بن جابر أمّ العوّام بن خُويلد، والد الزبير، وهي جدة يعلى بن أمية التميميّ، حليف بني نوفل، أمّ أبيه دُنيا (١)، وبها يُعْرَف، قال ذلك الزبير بن بكار، وأصحاب الحديث يقولون في يعلى بن أمية: إن مُنية أمه، وقال زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار: كان أول من أَرَّخ الكتب يعلى بن أمية، وهو باليمن، وقال ابن عساكر: ذكره أبو حسان الزياديّ فيمن قُتِل بصفّين، قال الحافظ: وهذا لا أراه محفوظًا.
ورَوَى النسائيّ من حديث عطاء، عن يعلى بن أمية، قال: دخلت على عنبسة بن أبي سفيان، وهو في الموت. . . الحديث، وقد ذكر الليث، وخليفة أن عنبسة حَجّ بالناس سنة سبع وأربعين، فهذا يدلّ على أن يعلى تأخرت وفاته بعد صِفِّين.
وقال ابن عبد البرّ عن ابن المدينيّ: استعمله أبو بكر على حُلْوان، واستعمله عمر على بعض اليمن، فبلغ عمر أنه حَمَى لنفسه، فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمَشَى خمسة أيام أو ستة، فبلغه موت عمر، فركب،
стр. 8291
واستعمله عثمان على الْجَنَد، فلما بلغه قتل عثمان أقبل لينصره، فصحب الزبير، وعائشة، ويقال: هو حَمَل عائشة على الجمل الذي كان تحته في وقعة الجمل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (٦٨٦) و (٨٧١) و (١١٨٠) وكرّره خمس مرّات، و (١٦٧٣) و (١٦٧٤) وأعاده بعده.
١٠ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أمير المؤمنين الخليفة الراشد، استُشهد ﵁ في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيّين من ابن جُريج.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وأن عمر ﵁ جَمّ المناقب، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الأربعة الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، ﵃.
شرح الحديث:
(عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁، ولفظ أبي داود: "قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة، وإنما قال اللَّه : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد ذهب اليوم. . . " (﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾) أي: وِزْر وحَرَجٌ (﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾) -بضم الصاد- أي: في القصر، وهو خلاف المدّ، يقال: قَصَرتُ الشيء؛ أي: جعلته قصيرًا بحذف بعض أجزائه، فمتعلق القصر جملة الشيء، لا بعضه، فإن البعض متعلَّق الحذف دون القصر، فحينئذ قوله: (﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾) ينبغي أن يكون مفعولًا لـ "تقصُرُوا" على زيادة "من" حسب ما رآه الأخفش، وأما على رأي غيره من عدم زيادتها في الإثبات، فتُجعل تبعيضيةً، ويراد بالصلاة الجنس، ليكون المقصور بعضًا منها، وهم الرباعيات، قاله أبو السعود في "تفسيره". (﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أي: ينالوكم بمكروه (فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟) بكسر الميم، من باب عَلِمَ،
стр. 8292
قال في "المصباح": أَمِنَ زيدٌ الأسدَ أَمْنًا، وأَمِنَ منه، مثلُ: سَلِمَ منه وزنًا ومعنًى، والأصل أن يُستَعْمَلَ في سكون القلب، يتعدّى بنفسه، وبالحرف، ويُعدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: آمنتُهُ منه. انتهى.
والمعنى هنا: أنه ذهب خوفهم الذي كان سببًا لمشروعية قصر الصلاة، فما بالهم يقصرون؟، أو فما وجه القصر مع زوال السبب؟ (فَقَالَ) عمر ﵁ (عَجِبْتُ) بضمّ التاء، للمتكلّم، والفعل من باب تَعِبَ (مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ) بفتح التاء للمخاطب؛ أي: تعجّبتُ أنا مما تعجّبتَ منه أنت.
وقال النوويّ ﵀: وقع في بعض الأصول بلفظ: "عَجِبتُ ما عَجبتَ منه"، وفي بعضها: "عجِبتُ مما عَجِبتَ"، وهو المشهور المعروف. انتهى (١).
(فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟) أي: عن قصر الصلاة مع زوال السبب، وهو الخوف من العدوّ، وحصول الأمن (فَقَالَ) ﷺ ("صَدَقَةٌ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هذه صدقة، وجملة قوله: (تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ) في محلّ رفع صفة لـ "صدقةٌ".
والمعنى: أن قصر الصلاة صدقةٌ؛ أي: فضل تفضل اللَّه تعالى بِهَا عَلَيْكُمْ، وأكرمكم بها (فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ") أي: سواء حصل الخوف أم لا، فقوله في الآية: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ قد خَرَج مخرج الأغلب، لكون أغلب أسفار النبيّ ﷺ وأصحابه لم تَخْلُ من خوف؛ لكثرة أهل الحرب إذ ذاك، فحينئذ لا تدلّ الآية على عدم القصر إن لم يكن خوف؛ لأنه بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له.
وقال السنديّ ﵀: أي: شَرَع لكم ذلك رحمةً بكم، وإزالةً للمشقّة عنكم، نظرًا إلى ضعفكم، وفقركم، وهذا المعنى يقتضي أن ما ذُكر فيه من القيد، فهو اتفاقيّ ذكرُهُ على مقتضى ذلك الوقت، وإلا فالحكم عامّ، والقيد لا مفهوم له، ولا يخفى ما في الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم في الأدلة الشرعية، وأنهم كانوا يفهمون ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن النبيّ ﷺ قرّرهم على ذلك، ولكن بَيَّنَ أنه قد لا يكون معتبرًا أيضًا بسبب من الأسباب.
[فإن قلت]: يمكن التعجّب مع عدم اعتبار المفهوم أيضًا، بناءً على أن
стр. 8293
الأصل هو الإتمام، والقصر رخصة، جاءت مقيَّدةً لضرورة، فعند انتفاء القيد مُقتَضَى الأدلّة هو الأخذ بالأصل.
[قلت]: هذا الأصل إنما يُعمَل به عند انتفاء الأدلّة، وأما مع وجود فعل النبيّ ﷺ بخلافه، فلا عبرة به، ولا يُتعجّب من خلافه، فليُتأمّل. انتهى كلام السنديّ ﵀.
وقال الإمام ابن القيم ﵀: قد أشكلت الآية على عمر وغيره، فسأل عنها رسول اللَّه ﷺ ، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من اللَّه، وشَرْعٌ شرعه للأمة، وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الْجُنَاح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له. انتهى.
وقال السنديّ ﵀: الأمر يقتضي وجوب القبول، وأيضًا العبد فقير، فإعراضه عن صدقة ربه يكون منه قبيحًا، ويكون من قبيل ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وفي ردّ صدقة أحد عليه من التأذِّي عادةً ما لا يخفى، فهذه من أمارات الوجوب، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن القول بوجوب القصر على المسافر هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، ولكن لا يلزم منه بطلان صلاة من أتمّ للتأويل، أو نحوه؛ لما أسلفناه من الأدلّة على ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره": يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]، وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ أي: تخففوا فيها إما من كميتها بأن تُجْعَل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك.
فمن قائل: لا بدّ أن يكون سفر طاعة، من جهاد، أو حجّ، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، أو غير ذلك، كما هو مرويّ عن ابن عمر، وعطاء، ويحيى، عن مالك، في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١].
стр. 8294
ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ الآية [المائدة: ٣]، كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار، بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما من الأئمة.
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه إني رجل تاجرٌ، أختَلِف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين، فهذا مرسل.
ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا حتى لو خرج لقطع الطريق، وإخافة السبيل تَرَخَّص؛ لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة، والثوريّ، وداود، لعموم الآية، وخالفهم الجمهور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن ما ذهب إليه أبو حنيفة، والثوريّ، وداود هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مَخُوفةٌ، بل ما كانوا يَنهَضون إلا إلى غزو عامّ، أو في سريّة خاصة، وسائر الأحيان حَرْبٌ للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ الآية [النساء: ٢٣].
ثم ساق أحاديث القصر المذكورة في هذا الباب، ثم قال: فهذه الأحاديث دالةٌ صريحًا على أن القصر ليس من شرطه وجودُ الخوف، ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ها هنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية، وهو قول مجاهد، والضحاك، والسُّدّيّ كما سيأتي بيانه، واعتَضَدُوا أيضًا بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: "فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأُقِرَت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر"، متّفقٌ عليه.
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد
стр. 8295
بالقصر ها هنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
وأصرح من ذلك دلالةً على هذا ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" من طريق زُبيد الياميّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ﵁ قال: "صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر على لسان محمد ﷺ "، وهكذا رواه النسائيّ، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، من طُرُق عن زُبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم، وقد حَكَم مسلم في "مقدمة كتابه" بسماع ابن أبي ليلى عن عمر ﵁، وقد جاء مُصَرَّحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب -إن شاء اللَّه- وإن كان يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ قد قالوا: إنه لم يسمع منه.
وقد روى مسلم في "صحيحه"، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث ابن عباس ﵄ قال: "فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم محمد ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة"، فهذا ثابت عن ابن عباس ﵄، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة ﵂؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقرّ ذلك صحّ أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، واللَّه أعلم.
لكن اتَّفَقَ حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرَّحٌ به في حديث عمر ﵁.
وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١١]، قصر الكيفية كما في صلاة الخوف ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، فبيّن المقصود من القصر ها هنا وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لَمّا عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدّره بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢].
وهكذا قال جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا
стр. 8296
مِنَ الصَّلَاةِ﴾، قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه، وقال أسباط عن السديّ في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير، لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يوم كان النبيّ ﷺ وأصحابه بعسفان، والمشركون بضَجْنان، فتوافقوا، فصلى النبيّ ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغِيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير عن مجاهد والسّدّيّ، وعن جابر، وابن عمر، واختار ذلك أيضًا، فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.
وقال ابن جرير: حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، حدّثنا ابن أبي فُديك، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أُمية بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد اللَّه بن عمر: إنا نَجِد في كتاب اللَّه قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟، فقال عبد اللَّه: إنا وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملًا عملنا به. فقد سَمَّى صلاة الخوف مقصورةً، وحَمَل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتَجّ على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنصّ القرآن.
وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا: حدّثنا أحمد بن الوليد القرشيّ، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفيّ، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعةً، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (١).
стр. 8297
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر تصرّف ابن كثير ﵀ يدلّ على أنه يرى ترجيح القول بأن المراد بالقصر في الآية المذكورة قصر كيفية الصلاة، وهو صفة صلاة الخوف، لا قصر كميّتها، وهو صفة صلاة السفر، وقد نقل تصحيح ابن جرير له، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أن الأرجح كون الآية شاملة للاثنتين؛ فأما قصر المسافر فحديث عمر ﵁ عنه المذكور في الباب نصّ فيه، حيث سأل النبيّ ﷺ عما أشكل عليه من معنى الآية، فقال له: "صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم. . . " الحديث، فإن هذا هو قصر المسافر، وأما صلاة الخوف فسياق الآية اللاحقة ظاهر في ذلك.
وهذا هو الذي مال إليه أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ حيث قال: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ الآية: يعني به القصر من عدد الركعات، والقصر بتغيير الهيئات، بدليل قوله ﷺ : "صدقةٌ تصدّق اللَّه بها عليكم" عندما سُئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا على أن الآية متضمّنة لقصر الصلاة مع الخوف، ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات على ما يأتي، ومع الأمن في الركعات، والمتصدَّق به إنما إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات على ما يأتي.
وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمع بين الآية والحديث. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
والحاصل أن الآية شاملة لقصر الكميّة، والكيفيّة، والصدقة التي تصدّق اللَّه بها علينا هي إلغاء شرط الخوف في قصر الكميّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٥٧٣ و ١٥٧٤] (٦٨٦)، و (أبو داود) في
стр. 8298
"الصلاة" (١١٩٩ و ١٢٠٠)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٣٤)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٣٣)، و"الكبرى" (١٨٩١)، وفي "التفسير" (١١١٢٠)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٠٦٥)، و (الشافعيّ) في "السنن المأثورة" (١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٥ و ٣٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٤٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٣٩ و ٢٧٤٠ و ٢٧٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٤٣ و ١٥٤٤)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٠٣١٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤١٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٣٤ و ١٤٠ و ١٤١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٢٤)، و (أبو جعفر النحّاس) في "الناسخ والمنسوخ" (ص ١١٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية تقصير الصلاة في السفر.
٢ - (ومنها): بيان رحمة اللَّه تعالى، وكمال فضله على عباده حيث شَرَعَ لهم قصر الصلاة في حال السفر للمشقة اللاحقة بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨].
٣ - (ومنها): جواز القصر في السفر من غير الخوف.
٤ - (ومنها): جواز قول: "تصدّق اللَّه علينا"، و"اللهم تصدّق علينا"، وقد كرهه بعض السلف، قال النووي ﵀: وهو غلط ظاهر؛ أي: لمخالفته لما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ في هذا الحديث.
٥ - (ومنها): أن المفضول إذا رأى الفاضل يَعْمَل شيئًا يشكل عليه يسأله عنه.
٦ - (ومنها): أن المفاهيم معتبرة في الشرع، حيث إن عمر ﵁ فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ أن مفهومه عدم جواز القصر عند عدم الخوف، وقرره النبيّ ﷺ على هذا الفهم، ولكن ذكر له مانعًا من اعتباره، وهو كونه صدقة من اللَّه تعالى مطلقةً غيرَ مقيدة بالخوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8299
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٢ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان الإمام الحافظ المتقن الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
والباقون ذُكروا في السند السابق.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد تصريح ابن جريج بالتحديث عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمّار، فإنه مدلّس، فزالت عنه تهمة التدليس، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ) يعني أن يحيى بن سعيد حدّث عن ابن جُريج، بمثل ما حدّث به عبد اللَّه بن إدريس، عنه.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" فقال:
(٢٤٦) حدّثنا يحيى، عن ابن جريج، حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عَمّار، عن عبد اللَّه بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال اللَّه : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد ذهب ذاك اليومُ، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فذكرتُ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8300
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٧٥] (٦٨٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور أول الباب.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شُعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) المقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٦ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَخْنَسِ) السَّدُوسيّ، ويقال: الليثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وأنس، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش، ومِسْعَر، وزيد بن أبي أنيسة، وأيوب بن عائذ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وأبو عوانة، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ثم أعاده في أتباع التابعين من الثقات، قال: وقد قيل: إنه سمع من أنس بن مالك، وقال ابن سعد: رَوَى عن الصحابة، وهو قليل الحديث، وقال الآجريّ: سألت أبا داود، عن بكير بن الأخنس؟، فقال: شيخٌ جائز الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال البخاريّ في "التاريخ": بكير بن