والحجّ، والجهاد، يُخبر بمثل ذلك إلى أن توفّي -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وقَدِمتْ وفودُ العرب بعد فتح مكة، ورجوعه إلى المدينة، وذلك في سنة تسع وعشر، من البادية، ونواحيها، يسألونه عن الفرائض، يخبرهم في كلّ ذلك أن عدد الصلوات المفترَضَات خمس، ووجّه معاذَ بنَ جبل إلى اليمن، وذلك قبل وفاته بقليل، فأمره أن يُخبرهم بأن فرض الصلوات خمس، ثم آخره ما خطب به بذلك في حجة الوداع، فأخبرهم أن عدد الصلوات المفترَضات خمس، لا أكثر من ذلك، وفيها نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم لم ينزل بعد ذلك فريضة، ولا حرام، ولا حلال، فرجع رسول اللَّه ﷺ ، فمات بعد رجوعه بأقلّ من ثلاثة أشهر، ثم أخبر أبو بكر ﵁ بذلك بعد وفاته، ثم أخبر علي بن أبي طالب ﵁ أن الوتر ليس بحتم، كالصلوات المكتوبة، ولكنه سنة، وغير جائز أن يكون مثل أبي بكر، وعليّ ﵄ يجهلان فريضة صلاة من الصلوات المفروضات، وهما يحتاجان إليها في كل ليلة، حتى يجحدا فرضها، مَن ظنّ هذا بهما، فقد أساء الظنّ بهما.
قال: وكان أبو حنيفة يوجب الوتر، وخالفه أصحابه في الوتر، فقالوا: هو سنة، وليس بفرض. انتهى كلام محمد بن نصر باختصار ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر، وابن نصر -رحمهما اللَّه تعالى- من كون الوتر سنة من السنن، وليس بواجب، هو الحقّ، كما هو مذهب جمهور أهل العلم -رحمهم اللَّه تعالى-؛ لوضوح حجته.
والحاصل أن الوتر سنة مؤكّدة، وليس بواجب؛ لهذه الأدلة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر:
قال النوويُّ ﵀: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا، والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه: يدخل بدخول وقت العشاء، وفي وجه: لا يصحّ الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول: يمتدّ إلى صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الشمس. انتهى.
стр. 8822
وقال الشوكانيُّ ﵀: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر، ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعي أنه يصحّ قبل العشاء، وهو وجه ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حكى صاحب "المفهم" الإجماع على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى.
وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لفذّ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام روايتان.
قال الحافظ: وحَكَى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبيّ عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ هو ما عليه الجمهور من أن وقت الوتر من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم هل الوتر أول الليل أفضل، أم آخره؟:
(اعلم): أنه سيأتي للمصنّف ﵀ في الباب التالي عن جابر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خاف أن لا يقوم، من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل"، وقال أبو معاوية: "محضورة".
وأخرج ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" عن ابن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ قال لأبي بكر: "متى توتر؟ " قال: أُوتِر، ثم أَنَام، قال: "بالحزم أخذت"، وسأل
стр. 8823
عمر، فقال: "متى توتر؟ "، قال: أنام، ثم أقوم من الليل، فأُوتر، قال: "فِعْلِي فَعَلْتَ"، وفي رواية: "بفعل القويّ فعلتَ".
قال الإمام ابن المنذر ﵀ بعد أن أخرج الحديثين- ما نصّه: فدلّ قوله: "وذلك أفضل" على أن الوتر في آخر الليل أفضل.
وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان أبو بكر الصدّيق ﵁ يوتر أول الليل، وكان عثمان بن عفّان ﵁ ينام قبل أن يوتر، ورُوي معنى ذلك عن رافع بن خَدِيج ﵁، وفعل ذلك عائذ بن عمرو ﵁ لمّا أسنّ، وروينا عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه قال: الأكياس الذين إذا علموا أنهم لا يقومون أوتروا من قبل أن يناموا، وأن الأقوياء الذين يوترون آخر الليل، وهو أفضل.
قال: وروينا عن علي بن أبي طالب، أنه لما نظر إلى تباشير الفجر، قال: نعم ساعة الوتر هذه، وكان عائذ بن عمرو يوتر آخر الليل، فلما أسنّ أوتر، ثم نام، وكان عبد اللَّه بن مسعود يوتر آخر الليل، وممن استحبّ الوتر آخر الليل النخعيّ، ومالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي.
قال: ويشبه أن يكون من حجة من رأى أن الوتر أول الليل أفضل حديث أبي هريرة ﵁: "ثلاث أوصاني بهنّ، أن أنام على وتر"، فلما قال النبيّ ﷺ : "من طَمِعَ في أن يستيقظ من آخر الليل، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل"، دلّ على أن قول أبي هريرة ﵁: "ثلاث أوصاني بهنّ: الوتر قبل النوم"، إنما هنّ على معنى الحَذَرِ، والوثيقة، تخوّفًا أن لا يستيقظ، فيوترَ آخر الليل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأفضل لمن يثق بالانتباه آخر الليل فالأفضل أن يؤخّر الوتر إلى آخر الليل، ومن خاف أن لا يقوم فيه، فالأفضل له أن يوتر قبل النوم.
والحاصل أن الأحاديث المطلقة، في الوصية بالوتر قبل النوم، كحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب مقيّدة بمخافة فوات الوتر باستغراقه في النوم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في نقض الوتر:
стр. 8824
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في الرجل يوتر، ثم ينام، ثم يقوم للصلاة.
فقالت طائفة: يصلي إلى الركعة التي أوتر بها قبل أن ينام ركعة أخرى، ثم يصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، واحتجّ بعضهم بأن رسول اللَّه ﷺ أمر أن يجعل آخر الصلاة بالليل وترًا، هكذا قال إسحاق وغيره.
فممن رُوي عنه أنه كان يشفع وتره عثمانُ بن عفّان، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب.
وممن رُوي عنه أنه فعل ذلك علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عباس ﵄، وبه قال عمرو بن ميمون، وابن سيرين.
ومذهب سعد، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن مسعود، وابن سيرين، وإسحاق: إذا نقض وتره أوتر في آخر صلاته، ولعلّ هذا مذهبُ الآخرين، وإن لم يُذكر ذلك عنهم.
قال: وأنكر بعضهم هذا، وقال: إذا نام الرجل، وأحدث أحداثًا، ثم قام، فتوضّأ، وتكلّم بين ذلك، ثم صلى ركعة، وهذه الركعة غير الركعة التي ركعها قبل أن ينام؛ إذ بينهما من الفصل بالنوم والأحداث ما بينهما، ثم إذا صلى، وأوتر بعد ذلك في آخر صلاته، فقد صار مُوتِرًا مرّتين في ليلة، وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا وتران في ليلة" (١)، وإنما قول النبيّ ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" في الرجل يريد الصلاة من الليل، فإذا أراد ذلك، فالسنّة أن يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر آخر صلاته، وليس ذلك لمن قد أوتر مرّة؛ إذ ليس من السنّة أن يوتر في ليلة مرتين، والدليل على أن معنى قول ابن عمر المعنى الذي قلناه أن ابن عمر، وهو الراوي لقول النبيّ ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، وقد سئل عن نقض الوتر، فقال: إنما هو شيء أفعله برأيي، لا أرويه عن أحد.
ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن مسروق، أنه قال: سألت ابن عمر عن نقضه الوتر؟ فقال: إنما هو شيء أفعله برأيي، لا أرويه عن أحد.
стр. 8825
قال ابن المنذر ﵀: ولا أعلم اختلافًا في أن رجلًا بعد أن أدى صلاة فرض كما فُرضت عليه، ثم أراد بعد أن فرغ منها نَقْضَها أن لا سبيل له إليه، فحُكْمُ المختَلَفِ فيه من الوتر حُكْمُ ما لا نعلمهم اختلفوا فيه، مما ذكرناه، وكذلك الحجّ، والصوم، والعمرة، والاعتكاف، لا سبيل إلى نقض شيء منها بعد أن يُكْمِلها.
رَوَينا عن أبي بكر الصدّيق ﵁ أنه قال: أما أنا فإني أنام على وتر، فإن استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، وروي هذا القول عن ابن عبّاس، خلاف القول الأول، ورَوَينا ذلك عن عائذ بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعائشة ﵃، ومَن رُوي عنه من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في هذه المسألة قولان، فلعلّه قد فعل الفعلين جميعًا.
وكان علقمة لا يرى نقض الوتر، وهكذا مذهب النخعيّ، وطاوس، وأبي مِجْلَز، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور. انتهى كلام ابن المنذر ﵁ باختصار.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المذهب الراجح عندي هو مذهب أكثر أهل العلم، وهو عدم نقض الوتر؛ إذ لا دليل عليه، كما قرره ابن المنذر ﵀، وأن من صلى الوتر قبل النوم، ثم استيقظ بعد النوم صلى ركعتين ركعتين، وأما احتجاج القائلين بنقض الوتر بحديث: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، فالجواب عنه أن الأمر فيه ليس للإيجاب، وإنما هو للاستحباب، بدليل أنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا، فإنه يدلّ على أن الأمر المذكور للاستحباب، لا للإيجاب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في حكم قضاء الوتر:
قال في "الفتح": اختَلَفَ السلف في مشروعية قضائه، فنفاه الأكثر، وفي "صحيح مسلم" وغيره عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره، فلم يَقُمْ من الليل، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً.
وقال محمد بن نصر ﵀: لم نَجِدْ عن النبيّ ﷺ في شيء من الأخبار، أنه قَضَى الوتر، ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنه ﷺ في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر، فلم يُصِبْ.
стр. 8826
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولا أمر بقضائه" غير صحيح، يردّه حديث أبي سعيد ﵁ الآتي.
قال: وعن عطاء، والأوزاعيّ ﵀: يُقضَى، ولو طلعت الشمس، وهو وجه عند الشافعية، حكاه النوويّ في "شرح مسلم".
وعن سعيد بن جبير: يُقْضَى من القابلة، وعن الشافعية: يُقضَى مطلقًا، قال الحافظ: ويُستَدَلُّ لهم بحديث أبي سعيد ﵁. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ قول من قالَ: إن الوتر يُقضى؛ لأمره ﷺ بقضائه، فقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره" (١)، فهذا نصّ صريحٌ صحيحٌ.
ويشهد له ما أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من نسي صلاةً، فليصلِّ إذا ذكرها. . . "، الحديث، وفي لفظ لمسلم: "من نسي صلاةً، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها"، فإن "صلاةً" نكرة في سياق الشرط، فيدخل فيه الفرض، والنفل الذي له وقت معيّنٌ، كالوتر، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ،
стр. 8827
سَمِعَ (١) النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةٍ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد، تقدّم قبل بابين.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٦ - (سَالِمُ) بن عبد اللَّه بن عمر القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبتٌ عابدٌ فاضلٌ فقيه، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٧ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب، ذُكر في السند الماضي.
٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٩ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم، الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
١٠ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
وقوله: (سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ) يقدّر قبله لفظة "أنه"، فيقرأ: عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبيّ ﷺ
وقوله: (وَحَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) عطفٌ على قوله: "حدّثنا عمر. . . إلخ"، فقائل: "وحدّثنا. . . إلخ" هو سفيان بن عيينة، فله في هذا الحديث ثلاثة
стр. 8828
أسانيد، الأول عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، والثاني: عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عمر، والثالث: عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه.
والفرق بين الأول والثالث أن ابن عمر في الأول سمع النبيّ ﷺ يقول: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وفي الثالث أنه سمع رجلًا سأل النبيّ ﷺ عن صلاة الليل، فأجابه، بقوله: "مثنى مثنى. . . إلخ"، والظاهر أن الرواية الأولى مختصرة من الثالثة، فلا فرق بينهما، وإنما أراد المصنّف ﵀ أن يُنبّه على اختلاف الرواة في كيفيّة الأداء، فبعضهم أدّاه مطوّلًا، وبعضهم تصرّف فيه بالاختصار، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ) تقدّم أن السائل لا يعرف اسمه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد استوفيتُ -بحمد اللَّه تعالى وتوفيقه- شرحَهُ، وبيانَ مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثنى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب المصريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 8829
وقوله: (قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي: في المسجد النبويّ، ففي رواية عبيد اللَّه بن عمر الآتية: "أن رجلًا نادى رسول اللَّه ﷺ ، وهو في المسجد"، وفي رواية للبخاريّ: "سأل رجلٌ النبيّ ﷺ وهو على المنبر"، وفي رواية له من طريق أيوب، عن نافع: "أن رجلًا جاء إلى النبيّ ﷺ ، وهو يخطب، فقال: كيف صلاة الليل؟ " (١).
وقوله: (كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟) قد يتبيّن من الجواب أن سؤال الرجل وقع عن عدد صلاة الليل، أو عن الفصل والوصل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَبُدَيْلٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَصَلِّ رَكْعَةً، وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا"، ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَا أَدْرِي هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ (٢)، أَوْ رَجُلٌ آخَرُ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة، تقدّم في الباب الماضي.
стр. 8830
٤ - (بُدَيْلُ) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٥ أو ١٣٠) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٧/ ١١١٥.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ، ثقةٌ فيه نصبٌ [٣] (ت ١٠٨) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٤/ ٤٥٠.
والصحابيّ ذُكر قبله.
وقوله: (فَصَلِّ رَكْعَةً) بيان جواز الإيتار بركعة منفردة، وقد تقدّم أنه المذهب الصحيح الذي تؤيّده الأحاديث الصحيحة، فتنبّه.
وقوله: (وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا) هذا الأمر للاستحباب جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى التي تدلّ على جواز الإيتار في أول الليل، وإن تهجّد في آخره.
وقوله: (عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ) أي: في نهاية السنة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "سأله".
وقوله: (وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال.
والحديث متّفق عليه، وتمام شرحه يُعلم مما سبق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَبُدَيْلٌ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَا بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَمَا بَعْدَهُ).
وجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين بن طلحة الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
стр. 8831
[١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر (٨٠) سنةً (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ) -بمهملات مصغّرًا- السَّدُوسيّ، أبو عُبيدة -بالضمّ- البصريّ، ثقة ثبتٌ [٦] (ت ١٤٩) (م د ت س) تقدم في "المسافرين" ٧/ ١٦٣٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٤ - (الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ) -بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الراء، آخره تاء مثنّاة- البصريّ، ثقةٌ [٥] (خ م د ت ق) تقدم في "المسافرين" ٧/ ١٦٣٦.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (فَذَكَرَا) ضمير التثنية لشيخيه: أبي كامل، ومحمد بن عُبيد، ويَحْتَمِلُ أن يكون لعمران بن حُدير، والزبير بن الْخِرِّيت.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) الضمير لحديث أبي الربيع؛ أي: بمثل حديث أبي الربيع الزهرانيّ الماضي.
[تنبيه]: هذه الرواية التي أحالها المصنّف ﵀ هنا مع نفي قوله: "ثم سأله رجلٌ. . . إلخ" لم أجد من ساقها، وإنما وجدت رواية عمران بن حُدير، وفيها هذا المنفيّ، فقد أخرجه الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٥١٩٥) حدّثنا وكيع، حدّثنا عمران بن حُدير، عن عبد اللَّه بن شَقِيق الْعُقيليّ، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فسأله عن صلاة الليل، وأنا بين السائل وبين النبيّ ﷺ ، فقال: "مثنى مثنى، فإذا خَشِيت الصبح، فاوتر بركعة"، قال: ثم جاء عند قَرْن الحول، وأنا بذاك المنزل، بينه وبين السائل، فسأله، فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فأوتر بركعة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٣] (٧٥٥) - (وَحَدَّثَنَا (١) هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ،
стр. 8832
أَخْبَرَنِي عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٤ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٥ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بَادِرُوا الصُّبْحَ بالْوِتْرِ) أي: سابقوه به، وتعجّلوا، بأن توقعوا الوتر قبل دخول وقت الصبح، وقال في "المرعاة": أي: عجّلوا بأداء الوتر قبل طلوع الصبح، قال الطيبيُّ ﵀: "بادروا": أي: سارعوا، كأن الصبح مسافر يقدَم إليك طالبًا منك الوتر، وأنت تستقبله مسرعًا بمطلوبه، وإيصاله إلى بُغيته.
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي في الباب: "أوتروا قبل أن تُصبحوا": أي: تدخلوا في الصبح، وهو دليل على أن الوتر قبل الصبح، وأنه إذا طلع الفجر خرج وقت الوتر، وهو الصحيح، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة السادسة في شرح حديث ابن عمر ﵄ المذكور أول الباب.
وقد استدلّ القاري بالحديث لمذهب الحنفية في وجوب الوتر؛ لأن الأمر للوجوب، وتعقّبه صاحب "المرعاة" بأنه إنما يدلّ على وجوب الإيتار قبل طلوع الصبح، لا على وجوب نفس الإيتار، والمطلوب هذا لا ذاك، فالاستدلال به على وجوب الوتر باطلٌ. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ جيّد.
стр. 8833
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ١٧٥٣] (٧٥٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٣٦)، و (الترمذيّ) فيها (٤٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧ و ٣٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٨٧ و ١٠٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٤٥)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٣٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٧٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٤] (٧٥١) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح بن مهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١١٣) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
стр. 8834
٣ - (ومنها): أن قتيبة بَغْلانيّ، وابن رُمح والليث مصريّان، والباقيان مدنيان.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ﵁ (قَالَ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، كما مرّ مرّة، أنه تهجّد في الليل، أو بعض الليل (فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاِتِهِ وِتْرًا) أي: ليختم تهجّده بصلاة الوتر، واستُدلّ به على أنه لا صلاة بعد الوتر، وهو محمول على الاستحباب؛ لما تقدّم من كونه ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين، وهو جالس، فدلّ على جوازه، وقد سبق في المسائل المذكورة في شرح حديث أول الباب تحقيق الخلاف في مسألة نقض الوتر، وأن الصحيح أنه لا يُشرع نقضه.
واستُدلّ به لأبي حنيفة ﵀ في وجوب الوتر؛ لكونه بصيغة الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
ورُدّ عنه بثلاثة أوجه:
[أحدها]: أن الأصل في الأمر وإن كان للوجوب، لكنه إذا وُجدت قرينة صارفة عن الوجوب، يُحمل على الندب، وقد صرّح علماء الحنفيّة بأن صيغة الأمر هنا ليست للوجوب، قاله القاري، وصاحب "بذل المجهود".
ولو سُلّم أنه للوجوب فهو إنما يدلّ على وجوب جعل الوتر آخر صلاة الليل، لا على وجوب الوتر.
[الثاني]: أن صلاة الليل ليست واجبة، فكذا آخرها، قال في "الفتح": قد استَدَلّ به بعض من قال بوجوب الوتر، وتُعُقّب بأن صلاة الليل ليست واجبة، وكذا آخرها، وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليله. انتهى.
[الثالث]: أنه لو ثبت من هذا الحديث وجوب الوتر لقال به ابن عمر ﵄، وأفتى به من غير تأمّل وتردّد، لكنه لَمّا استفتي عنه لم يزد في فُتياه على أن يقول: "أوتر رسول اللَّه ﷺ ، وأوتر المسلمون"، قاله في "المرعاة" (١).
стр. 8835
(فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن رسول اللَّه ﷺ (كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ) أي: بجعل الوتر آخر صلاة الليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ١٧٥٤ و ١٧٥٥ و ١٧٥٦] (٧٥١)، و (البخاريّ) في "كتاب الوتر" (٩٩٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٢١ و ١٤٣٦)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٢٩ و ٤٣١)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤٩٥١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٤٢٣)، و (أبو عوانة) في "سنده" (٢٣٢٦ و ٢٣٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٠٤ و ١٧٠٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، كُلُّهُمْ مَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٤ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم قبل باب.
٥ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بنُ عمر العُمَرِيّ المدني، تقدّم قريبًا.
стр. 8836
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، فلا تنس نصيبك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاِتهِ وِتْرًا قَبْلَ الصُّبْحِ، كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الْحَمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمِصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ، نزيل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، يُرسل ويُدلّس [٦] (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٧] (٧٥٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّياحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ").
стр. 8837
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمِي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
٤ - (أَبُو مِجْلَزٍ) -بكسر الميم، وفتح اللام، بينهما جيم ساكنة- لاحق بن حُميد بن سعيد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقة، من كبار [٣] (ت ٦ أو ١٠٩) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٦/ ١٥٤٧.
و"ابن عمر" ﵄ ذُكر قبله.
وقوله: (الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) مبتدأ وخبره، وهو دليلٌ على صحّة الإيتار بركعة واحدة، وعلى استحبابه آخر الليل، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفًى في مسائل شرح حديث أول الباب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ١٧٥٧ و ١٧٥٨] (٧٥٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٢١)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٨٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٧٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤٨٦٣ و ٥١٠٥ و ٥٥١٢ و ٥٥٢٤ و ٥٧٢٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٢٨ و ٢٣٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٠٧ و ١٧٠٨ و ١٧٠٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8838
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ (١)، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ بَشَّار) هو: محمد المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر الهذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٥٩] (٧٥٣) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوِتْرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ"، وَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ").
стр. 8839
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو بكر، أو أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى تخريجه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَليدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أُوتِرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى، فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِنْ أَحَسَّ أَنْ يُصْبحَ سَجَدَ سَجْدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى".
قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُل: ابْنُ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب العدويّ، أبو بكر المدنيّ، شقيق سالم، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، والصميتة الليثية.
ورَوَى عنه ابنه القاسم، وابن ابنه خالد بن أبي بكر بن عبيد اللَّه،
стр. 8840
وعيسى بن حفص بن عاصم بن عمر، وابن أخيه عبيد اللَّه بن عمر بن حفص، والزهريّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وأبو الأسود يتيم عروة، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.
قال الواقديّ: كان أسنّ من عبد اللَّه بن عبد اللَّه فيما يذكرون، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات قبل سالم، وقال غيره: في ولاية عبد الواحد النَّصْريّ، وكان عَزْلُ النَّصْريّ سنة ستّ ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٤٩)، وحديث (١١٨٨) و (١١٩٩) و (١٢٨٨) و (١٥٧٠).
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ) وفي رواية البخاريّ: "وهو على المنبر".
وقوله: (كَيْفَ أُوتِرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ؟) وفي رواية البخاريّ: "ما ترى في صلاة الليل؟ "؛ أي: ما رؤيتك؟ من الرأي، أو من الرؤية بمعنى العلم، قاله في "الفتح" (١).
وقوله: (مَثْنَى مَثْنَى) بغير تنوين؛ لعدم صرفه، كما سبق؛ أي: اثنتين اثنتين، وكرَّره للتأكيد.
وقوله: (فَإنْ أَحَسَّ أَنْ يُصْبِحَ) أي: علم بقرب طلوع الفجر، يقال: أحسّ الرجل الشيءَ إحساسًا: عَلِمَ به، ويتعدّى بنفسه مع الألف، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ الآية، وربّما زيدت الباء، فقيل: أحسّ به، على معنى شَعَرَ به، وحَسَسْتُ به، من باب قَتَلَ لغة فيه، والمصدرُ الْحِسُّ بالكسر، تتعدَّى بالباء على معنى شَعَرتُ أيضًا، ومنهم من يُخفِّف الفعلين بالحذف، فيقول: أحسته، وحَسْتُ به، ومنهم من يُخفّف فيهما بإبدال السين ياءً، فيقول: حَسَيْتُ، وأحسيتُ، قاله الفيّوميُّ ﵀ (٢).
وقوله: (سَجَدَ سَجْدَةً) أي: ركع ركعةً واحدةً، فهو بمعنى قوله السابق: "صلّى ركعة واحدةً".
стр. 8841
وقوله: (فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى) بفتح الراء: أي جعلت تلك الركعة الواحدة ما صلّاه شفعًا وترًا.
(قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ. . . إلخ) أراد به بيان اختلاف شيخيه أبي كُريب، وهارون؛ إذ قال هارون: "عبيد اللَّه عبد اللَّه بن عمر"، فنسبه إلى أبيه وجدّه، وأما أبو كُريب فاقتصر على نسبته لأبيه فقط.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، أَؤُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، قَالَ: إِنّك لَضَخْمٌ، أَلَا تَدَعُنِي (٢) أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ، كَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ، قَالَ خَلَفٌ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ صَلَاة).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو
стр. 8842
عبد اللَّه البصريّ، أخو محمد، ثقةٌ [٣] (ت ١١٨) أو (١٢٠) (ع) تقدم في "المساجد" ٤٧/ ١٤٩٤.
والصحابيّ ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١١٤) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني.
وقوله: (أَؤُطِيلُ فِيهمَا الْقِرَاءَةَ؟) هكذا في رواية المصنّف "أؤُطيل" بهمزة الاستفهام، ووقع في روايّة الكشميهني لـ"صحيح البخاريّ": "أُطيل" بتركها، ووقع في الأكثرين "نُطيل" بنون الجمع، قال في "الفتح": وجوّز الكرمانيّ في "أطيل" أن يكون بلفظ مجهول الماضي، ومعروف المضارع، وفي الأول بُعْدٌ. انتهى (١).
وقوله: (يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى) استُدِلّ به على فضل الفصل؛ لكونه أمر بذلك وفَعَلَه، وأما الوصل، فوَرَدَ من فعله فقط.
وقوله: (وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ) لم يُعيّن وقتها، وقد بُيِّن في حديث عائشة ﵂ أنه فَعَلَ ذلك في جميع أجزاء الليل.
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ. . . إلخ) القائل هو أنس بن سيرين ﵀.
قوله: (إِنَّكَ لَضَخْمٌ) فيه أن السمين في الغالب يكون قليل الفهم، قاله في "الفتح"، وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "لضخم" إشارة إلى البلادة، وسوء الأدب؛ لمداخلته له في الكلام، وتركه تمامه، وقطعه عليه، كما قال بعضهم في أحد تأويلات قوله: "إنك لعريض القفا"، متّفقٌ عليه؛ لأن البلادة والغباوة مع السمن والضخامة. انتهى (٢).
وقوله: (أَلَا تَدَعُنِي) "ألا" بتخفيف اللام: أداة تحضيض؛ أي: ألا تتركني، وفي نسخة: "لا تدعني" بحذف همزة الاستفهام، وهو على تقديرها.
والمعنى: دَعْني أستقرئ لك الخبر، وأتمّم لك الحديث، وآتيك بنهايته، وجميع أجزائه حتى تكون عالِمًا له بتمامه، واللَّه تعالى أعلم،
وقوله: (أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ) أي: أَذكر لك الحديث بتمامه، حتى
стр. 8843
تعلمه بالتفصيل، يقال: استقرأتُ الأشياء: إذا تتبّعت أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصّها، قاله في "المصباح" (١).
وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "أستقرئ لك الحديث" كذا رويناه بالهمزة، ومعناه على هذا: أتلوه، وآت به على نسقه، وقد يكون غير مهموز، ويكون معناه: أقصد لك إلى ما طلبت، من قولهم: قروت إليه قروًا إذا قصدت نحوه، ومنه: يقتري الأرض، ويقروها: إذا قطعها إلى أخرى، وهو أشبه بهذا الموضع، ومنه القرو: الطلب. انتهى (٢).
وقوله: (كَأَنَّ) بالهمزة، وتشديد النون (الْأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ) يعني من تخفيفهما، والمراد بالأذان هنا الإقامة، كما قال القاضي ﵀، وهو إشارة إلى شدّة تخفيف الركعتين بالنسبة إلى باقي صلاته ﷺ .
والمعنى أنه ﷺ كان يُسرع في تينك الركعتين، فبهذا يخصُّ الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر القراءة فيهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ١٧٥٩ و ١٧٦٠ و ١٧٦١ و ١٧٦٢ و ١٧٦٣] (٧٥٣)، و (البخارىّ) في "كتاب الوتر" (٩٩٥)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٦١)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤٣٧)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٤٤ و ١١٧٤ و ٨١٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١ و ٤٥ و ٧٨ و ٨٨ و ١٢٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٧٣ و ١١١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٣١ و ٢٣٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"، (١٧١٢)، وبقيّة المسائل تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8844
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ: فَقَالَ: بَهْ بَهْ، إِنَّكَ لَضَخْمٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث حمّاد بن زيد، عن أنس بن سيرين.
وقوله: (وَزَادَ. . . إلخ) الفاعل ضمير شعبة.
وقوله: (فَقَالَ: بَهْ بَهْ) قال النوويُّ ﵀: هو بموحّدة مفتوحة، وهاء ساكنة، وقيل: معناه: مَهْ مَهْ، وهو زجزٌ، وكفٌّ، وقال ابن السكّيت: هي لتفخيم الأمر، بمعنى بَخْ بَخْ. انتهى (١).
وقال القاض عياض ﵀: قوله: "بَهْ بَهْ" إما أن يكون بمعنى مَهْ مَهْ زجرًا، وقد جاء ذلك، والباء تُبدل من الميم كثيرًا، أو يكون من قولهم: رجل بَهْبَهيّ (٢)، وهو الجسيم الجريء، لا سيّما مع قوله: "إنك لضخم"، أو تكون حكايةً لاعتراضه عليه، وكلامه له من بهبهة الفحل في هديره. انتهى (٣).
وقال ابن الأثير ﵀: قيل: هي بمعنى بَخْ بَخْ، يقال: بَخْبَخَ، وبَهْبَهَ، غير أن الموضع لا يَحْتَمله إلا على بُعْد؛ لأنه قال: "إنك لضخم"، كالمنكر عليه، وبَخْ بَخْ لا يقال في الإنكار. انتهى (٤).
وقال في "القاموس": "بَهْ بَهْ": كلمة تقال عند استعظام الشيء، أو معناه: بَخ بَخ. انتهى (٥).
стр. 8845
[تنبيه]: رواية شعبة، عن أنس بن سيرين هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٥٤٦٦) حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: سألت ابن عمر ما أقرأ في الركعتين قبل الصبح؟ فقال ابن عمر: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي بالليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة من آخر الليل، قال أنس: قلت: فإنما أسألك ما أقرأ في الركعتين قبل الصبح؟ فقال: بَهْ بَهَ، إنك لَضَخْمٌ، إنما أُحَدِّث، أو قال: إنما أقتصّ لك الحديث، كان رسول اللَّه ﷺ يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم يوتر بركعة، من آخر الليل، ثم يقوم كأن الأذان، أو الإقامة في أذنيه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ"، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُقْبَةُ بْنُ حُرَيْثٍ) التغلبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمرو، وابن المسيِّب، وروى عنه شعبة، والْفُرَات بن الأحنف.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٤٩)، وحديث (١٠٨٠): "الشهر تسع وعشرون. . . "، و (١١٦٥): "التمسوها في العشر الآواخر. . . "، و (١٩٩٧): "نهى رسول اللَّه ﷺ عن الجرّ. . . ".
стр. 8846
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) قال القرطبيُّ ﵀: هذا إخبار منه عن صلاته ﷺ كيف كانت، كما تقدّم من قول عائشة ﵂. انتهى (١).
والحديث تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٤] (٧٥٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (٢)، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في الباب.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل باب.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان الخدريّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: سنة (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
стр. 8847
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأبي النضرة، فعلّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن أبي نضرة.
٤ - (ومنها): أن أبا سعيد ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) ﵁ زاد في نسخة: "الخدريّ" (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) وفي رواية شيبان، عن يحيى التالية: "أنهم سألوا النبيّ ﷺ عن الوتر؟، فقال: أوتروا قبل الصبح" ("أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا") أي: صلّوا صلاة الوتر قبل أن تدخلوا في وقت الصبح، والمراد بالصبح: الفجر الصادق، وهو الثاني، والحديث دليل على أن وقت الوتر قبل الصبح، وأنه إذا طلع الفجر خرج وقته، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث ابن عمر ﵄ أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ١٧٦٤ و ١٧٦٥] (٧٥٤)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٦٨)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٨٥ و ١٦٨٦)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٨٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٨٩ و ١٠٩٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٠٨)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٣٠١ و ٣٠٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٥٦ و ٢٢٥٧ و ٢٢٥٨ و ٢٢٥٩ و ٢٢٦٠)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٧١٤ و ١٧١٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 8848
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَضْرَةَ الْعَوَقِيُّ، أَنَّ أَبِا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْوِتْرِ، فَقَالَ: "أَوْتِرُوا قَبْلَ الصُّبْحِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن موسى بن أبي المختار باذام الْعَبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قوله: "الْعَوَقيّ -بعين مهملة، وواو مفتوحتين، ثم قاف- منسوب إلى الْعَوَقَة بطنٌ من عبد القيس، وحَكَى صاحب "المطالع" فتح الواو، وإسكانها، والصواب المشهور المعروف الفتح لا غير، قاله النوويُّ ﵀ (١).
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٣) - (بَابٌ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٦] (٧٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو
стр. 8849
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ"، وقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: "مَحْضُورَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (حَفْصُ) بن غياث بن طَلْق بن معاوية النَّخَعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر بآخره قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءة، وَرِعٌ، لكنه يُدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٦ - (جَابِرُ) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما تقدّم في السند الماضي.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى أبي سفيان، فواسطيّ، ثم مكيّ، وجابر ﵁ مدنيّ.
стр. 8850
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان.
٥ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ صحابيّ جليلٌ، غزا مع النبيّ ﷺ تسع عشرة غزوة، وهو من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) "من" يَحْتَمِلُ أن تكون تبعيضيّة، أو بمعنى "في" (فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ) منصوب على الظرفيّة؛ أي: فليصلّ الوتر في أول الليل (وَمَنْ طَمِعَ) بكسر الميم، من باب تَعِبَ، قال الفيّوميُّ ﵀: طَمِعَ في الشيء طَمَعًا، وطَمَاعةً، وطَمَاعيَةً، مخفّفٌ، فهو طَمِعٌ، وطامعٌ، ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أطمعته، وأكثر ما يُستعمل فيما يَقرُبُ حصوله، وقد يُستعمَلُ بمعنى الأمل، ومن كلامهم: طَمِعَ في غير مَطْمَع: إذا أَمَّلَ ما يَبْعُدُ حصوله؛ لأنه قد يقع كلُّ واحد موقع الآخر؛ لتقارب المعنى. انتهى (١).
والمعنى: أن من وَثِقَ (أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ) أي: ليصلّ الوتر في آخر الليل، ثم بيّن سبب الحثّ على الإيتار في آخر الليل لمن وثِقَ بالانتباه بقوله: (فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ) الفاء تعليليّة؛ أي: لأن الصلاة في آخر الليل (مَشْهُودَةٌ) أي: محضورة، تحضره ملائكة الرحمة، وقال الطيبيُّ ﵀: يعني تشهدها ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء، ويَصعَد هؤلاء، فهو آخر ديوان الليل، وأول ديوان النهار، أو يشهدها كثير من المصلّين في العادة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني بعيد، والحقّ أن المراد به حضور الملائكة، قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]: قال الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، وعن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵃، عن النبيّ ﷺ في هذه الآية: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: "تشهده ملائكة الليل
стр. 8851
وملائكة النهار"، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح (١).
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁: أن النبيّ ﷺ قال: "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجةً، وتَجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر"، يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
وقال الإمام أحمد ﵀: حدّثنا أسباط، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ ، وحدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: "تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار"، ورواه الترمذيّ، والنسائيّ وابن ماجه ثلاثتهم عن عُبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
وفي لفظ في "الصحيحين" من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح، وفي صلاة العصر، فيعرُج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون، وتركناهم وهم يصلّون".
وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: يجتمع الْحَرَسَان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء، ويقيم هؤلاء، وكذا قال إبراهيم النخعيّ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وغير واحد في تفسير هذه الآية.
قال: وأما الحديث الذي رواه ابن جرير ها هنا من حديث الليث بن سعد، عن زيادة، عن محمد بن كعب الْقُرَظيّ، عن فَضَالة بن عُبيد، عن أبي الدرداء، عن رسول اللَّه ﷺ فذكر حديث النزول، وأنه تعالى يقول: من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطيه، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر، فلذلك يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، فيَشْهَدُه اللَّه، وملائكة الليل، وملائكة النهار، فإنه تفرد به زيادة، وله بهذا
стр. 8852
حديث في سنن أبي داود. انتهى كلام ابن كثير ﵀ ببعض تصرّف (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فتبيّن بما ذُكر أن الصواب في معنى قوله هنا: "مشهودة"؛ أي: تشهدها الملائكة، فتبصّر، وقوله: (وَذَلِكَ أَفْضَلُ) أي: الإيتار آخر الليل أكثر ثوابًا، وأكمل أجرًا.
وقوله: (وقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم (مَحْضُورَةٌ) أي: تحضرها الملائكة، وهو بمعنى "مشهودة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ١٧٦٦ و ١٧٦٧] (٧٥٥)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٥٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٨٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٠ و ٣١٥ و ٣٣٧ و ٣٤٨ و ٣٨٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٠٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٠٢ و ٢٢٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧١٦ و ١٧١٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن من خاف أن لا يقوم في آخر الليل يُستحبّ له أن يوتر في أوله.
٢ - (ومنها): بيان أن من وَثِقَ بالانتباه آخر الليل، بأن اعتاد ذلك، أو كان له من يوقظه، كما كان النبيّ ﷺ يفعل بعائشة ﵂، استُحبّ له أن يوتر في آخر الليل.
قال النوويُّ ﵀: فيه دليلٌ صريحٌ على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن وَثِقَ بالاستيقاظ آخر الليل، وأن من لا يَثِقُ بذلك، فالتقديم له
стр. 8853
أفضل، وهذا هو الصواب، ويُحْمَل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل الصحيح الصريح، فمن ذلك حديث: "أوصاني خليلي أن لا أنام إلا على وتر"، فهو محمول على من لا يَثِقُ بالاستيقاظ. انتهى.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ دلالةً صريحةً على تفضيل صلاة الوتر وغيرها آخر الليل.
٤ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على وجوب الوتر، قال القاري: أمرُه بالإتيان عند خوف الفوت يدلّ على وجوبه. انتهى.
وتُعُقّب بأن أمْرَه بالإتيان عند خوف الفوت لمزيد تأكّده، لا لوجوبه؛ لما أسلفناه من الأدلّة التي تدلّ على عدم وجوبه، وقد سبق بيانها في المسألة السابعة التي تقدّمت في شرح حديث ابن عمر ﵄ قبل باب، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): ما قال القرطبيُّ ﵄: هذا الحديث يدلّ على أن تأخير الوتر أفضل لمن قَوِيَ عليه، وأن تعجيله جَزْمٌ؛ لئلا يفوت بطلوع الفجر، وقد روى أبو سليمان الخطّابيّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن أبا بكر وعمر يتذاكرا الوتر عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو بكر ﵁: أما أنا، فإني أنام على وتر، فإن صلّيتُ صلّيتُ شفعًا شفعًا حتى أُصبحَ، وقال عمر ﵁: لكني أنام على شفع، ثم أوتر من السحر، فقال النبيّ ﷺ لأبي بكر: "حَذِرَ هذا"، وقال لعمر: "قَوِيَ هذا" (١).
وقد دلّ قول أبي بكر ﵁ في هذا الحديث على أن من صلى وتره في أول الليل، ثم نَشِطَ للصلاة في آخره صلى ما شاء من شفع، ولا يلزمه أن يوتر في آخر صلاته وترًا آخر؛ لقوله ﷺ فيما أخرجه أبو داود عن طلق بن عليّ، مرفوعًا: "لا وتران في ليلة" (٢)، وهو صحيح، ولا يجوز أن يُضيف إلى وتره المتقدّم وترًا آخر، فينقض المتقدّم، وقد اختُلِف فيه، وإلى ما فعله أبو بكر ﵁
стр. 8854
ذهب كثير من الصحابة والتابعين، وأئمة الفتوى: مالكٌ، وغيره، وقد ذهب إلى النقض جماعة من الصحابة وغيرهم، ورُوي عن مالك، والصحيح فعل أبي بكر ﵁. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وترجيح قول من قال بعدم نقض الوتر في المسألة الثامنة التي مضت في شرح حديث ابن عمر ﵄ المتقدّم قبل باب، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٧] (. . .) - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لِيَرْقُدْ، وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع (٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الْحَرّانيّ، أبو عليّ، نُسب إلى جدّه، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٣ - (مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الْجَزَريّ، صدوقٌ، يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (عم د س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
و"جابر" ﵁ ذُكر في السند الماضي.
стр. 8855
وقوله: (أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ. . . إلخ) "أيُّ" هنا شرطيّة مبتدأ جوابه قوله: "فليوتر"، وهو الخبر، على خلاف في ذلك، فقد مضى تحقيق الخلاف في إعراب أدوات الشرط والاستفهام في أبيات نظمتها، فارجع إليها، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) تقدّم أن "من" تبعيضيّة، أو بمعنى "في".
وقوله: (ثُمَّ لِيَرْقُدْ) أي: ليَنَم، يقال: رَقَدَ يَرْقُد، من باب نصر، رَقْدَّ، ورُقُودًا، ورُقادًا: نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخُصّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ الآية [الكهف: ١٨]، قال المفسَّرون: إذا رأيتهم حَسِبتهم أيقاظًا؛ لأنّ أعينهم مفتّحةٌ، وهم نِيَامٌ، أفاده في "المصباح" (١).
وقوله: (وَمَنْ وَثِقَ. . . إلخ) يقال: وَثِقَ به يَثِقُ بكسر ثانيهما، ثِقَةً، ووُثوقًا: إذا ائتمنه؛ أي: لمن أمن بقيامه في آخر الليل، بأن كان معتادًا له، أو عنده من يوقظه.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٤) - (بَابٌ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٨] (٧٥٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ").
стр. 8856
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب. والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، كما سبق في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ") مبتدأ وخبره؛ أي: أفضل أركان الصلاة وأفعالها طول القنوت، أو أفضل الصلاة صلا فيها طول القنوت، أو ذات طول القنوت؛ أي: طول القيام، وقد جاء مصرّحًا به بلفظ القيام فيما أخرجه أبو داود بإسناد حسن، عن عبد اللَّه بن حُبْشيّ الْخَثْعَميّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ سئل أيُّ الأعمال أفضل؟، قال: "طول القيام".
قال الطيبيُّ ﵀: القنوت يَرِد لمعانٍ متعدّدة، كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والقراءة، والسكوت، فيُصرَف في كلّ واحد من هذه المعاني إلى ما يَحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. انتهى (١).
стр. 8857
وقال النوويُّ ﵀: المراد بالقنوت هنا القيام باتّفاق العلماء فيما عَلِمتُ، وفيه دليلٌ للشافعيّ ومن يقول كقوله: إن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، وقد سبقت المسألة قريبًا، وأيضًا في أبواب صفة الصلاة. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في "باب ما يقال في الركوع" في شرح حديث (١٠٨٨): "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد. . . "، بيان اختلاف العلماء في أفضليّة طول القيام على كثرة الركوع والسجود، أو العكس، ورجّحت هناك القول بأفضليّة طول القيام، لقوة أدلّته، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى الوفيق.
[تنبيه]: قال العلّامة ابن العربيُّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": تتبّعتُ موارد القنوت، فوجدتها عشرةً: الطاعة، العبادة، دوام الطاعة، الصلاة، القيام، طول القيام، الدعاء، الخشوع، السكوت، ترك الالتفات، وكلّها محتملة، وأولاها السكوت، والخشوع، والقيام، وأحدها (٢) في هذا الحديث القيام. انتهى (٣).
وقد نظم الحافظ أبو الفضل العراقيُّ معاني القنوت، فقال [من الطويل]:
وَلَفْظَ الْقُنُوتِ اعْدُدْ مَعَانِيَهُ تَجِدْ … مَزِيدًا عَلَى عَشْرِ مَعَانِيَ مَرْضِيَّهْ
دُعَاءٌ خُشُوعٌ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةٌ … إِقَامَتُهَا إِقْرَارُهُ بِالْعُبُودِيَّهْ
سُكُوتٌ صَلَاةٌ وَالْقِيَامُ وَطُولُهُ … كَذَاكَ دَوَامُ الطَّاعَةِ الرَّابِحُ الْقِنْيَهْ (٤)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ١٧٦٨ و ١٧٦٩] (٧٥٦)، و (الترمذيّ) في
стр. 8858
"الصلاة" (٣٨٧)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٤٢١)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٧٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٢ و ٣١٤ و ٣٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٥٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧١٨ و ١٧١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٥٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، غير أبي كُريب، فتقدّم قبل باب.
وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ. . . إلخ) غرضه منه بيان اختلاف شيخيه في الأداء، فقال أبو بكر بقوله: "حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش"، وقال أبو كُريب: "حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش"، فصرّح بالتحديث بين أبي معاوية والأعمش، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٥) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً، يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٧٠] (٧٥٧) - (وَحَدَّثَنَا (١) عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ
стр. 8859
الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا الكلام على لطائف الإسناد مضى قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً) منصوب على أنه اسم مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور مقدّمًا، واللام للتأكيد، وأنها كساعة الجمعة، وليلة القدر؛ لأجل أن يجتهد الشخص جميع الليل، ولا يقتصر على العبادة في وقت دون وقت (لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ) ومثله امرأة مسلمة، وهذه الجملة صفةٌ لـ "ساعةً"؛ أي: لساعةً من شأنها أن يُتَرَقّب لها، وتغتنم الفرْصة لإدراكها؛ لأنها من نفحات ربّ رؤوف رحيم، وهي كالبرق الخاطف، "فمن وافقها؛ أي: تعرّض لها، واستغرق أوقاته مترقّبًا لِلَمَعَانها، فوافقها قُضِي وَطَرُهُ"، قاله طيبيُّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي تشبيهه بالبرق الخاطف نظرٌ؛ إذ ليس في النصّ ما يُفيد ذلك، وإنما غاية ما دلّ عليه مطلق القلّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (يَسْأَلُ اللَّهَ) أي: فيها، والجملة صفة ثانية لـ "رجلٌ"، أو حال منه (خَيْرًا) نكّره؛ لإفادة التعميم؛ أي: أيّ خير كان، كثيرًا أو قليلًا، ولذا قال: (مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) الظاهر أنه يُعطيه عين ما سأل حقيقةً، فيكون هذا لخصوصيّة تلك الساعة، ويَحْتَمِلُ أن يكون يُعطى ما سأله حكمًا،
стр. 8860
وذلك بادّخارها في الآخرة، أو بصرف السوء عنه؛ لما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رَحِمٍ إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يُدَّخَرها له في الآخرة، وإما أن يُصْرَف عنه من السوء مثلُها"، قالوا: إذًا نكثرُ، قال: "اللَّه أكثر".
(وَذَلِكَ) أي: المذكور من ساعة الإجابة (كُلَّ لَيْلَةٍ") بالنصب على الظرفيّة متعلّق بخبر اسم الإشارة، يعني أن وجود تلك الساعة لا يختصّ ببعض الليالي دون بعض، بل هو ثابت ومستمرّ في كل ليالي السنة، فينبغي تحرّي تلك الساعة ما أمكن كلَّ ليلة.
قال القرطبيُّ ﵀: هذه الساعة هي التي يُنادي فيها المنادي: "من يسألني فأعطيه. . . " الحديث، وهي الثلث الأخير من الليل إلى أن يطلع الفجر، كما يأتي. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر الحديث يدلّ على أن تلك الساعة تعمّ كلَّ أجزاء الليل، ولكن الأَولى طلبها في النصف الثاني منه؛ لأنه أرجى أجزاء الليل لقبول الدعاء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وحسّنه، عن أبي أمامة ﵁ قال: قيل: يا رسول اللَّه أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات".
فإن تيسّر طلبها في جميع النصف الثاني فذاك، وإلا فلتُطلَب في الثلث الأخير منه؛ لحديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير. . . "، وفيه: "حتى ينفجر الفجر"، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.