١ - (منها): أنه يدلّ على التنفير من الرهبانية، وهو الانقطاع للعبادة؛ لما فيها من مخالفة هدي رسول اللَّه ﷺ ، وعلى أنه يتأكّد الوقوف على ما كان عليه النبيّ ﷺ من العبادة، والتأسّي به.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية قيام الليل.
٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من السؤال، والبحث عن عبادة النبيّ ﷺ حتى يقتدوا به فيها.
٤ - (ومنها): أن من أدب العالم المسؤول إذا كان هناك من هو أعلم منه أن يرشد إليه؛ لأن الدين النصيحة.
٥ - (ومنها): بيان فضل عائشة ﵂، حيث كانت أعلم الناس بعبادة النبيّ ﷺ بشهادة ابن عباس ﵄ لها بذلك.
٦ - (ومنها): ما أكرم اللَّه تعالى به نبيّه ﷺ ، حيث أدّبه بآداب القرآن، فكان المثل الأعلى في التخلّق بالأخلاق الكريمة، كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
٧ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يتأدّب بآداب القرآن؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ .
٨ - (ومنها): بيان أن قيام الليل كان واجبًا، ثم نُسِخ رحمةً من اللَّه تعالى ولطفًا.
٩ - (ومنها): استحباب التأهب لقيام الليل بإعداد السواك، والطَّهُور.
١٠ - (ومنها): استحباب السواك لمن قام من النوم.
١١ - (ومنها): مشروعية الوتر بتسع ركعات، يجلس في الثامنة منها، دون تسليم، وفي التاسعة مع التسليم، وكذا بسبع، يجلس في السادسة بلا سلام، وفي السابعة بسلام.
١٢ - (ومنها): أن أحب العمل إلى النبيّ ﷺ ، وهو المحبوب عند اللَّه تعالى ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ.
١٣ - (ومنها): استحباب قضاء ما فات من قيام الليل لمرض، أو نحوه.
١٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي إحياء الليل كله بالعبادة؛ لأنه ليس من هدي رسول اللَّه ﷺ ، وكذا استيعاب الشهر كله بالصوم غير رمضان، وسبب كراهته
стр. 8787
أنه يُضعف البدن، ويُذهب الْقُوى، فلا يكون الشخص مستعدًّا للجهاد، ونحوه من العبادة الشاقّة، ويضعفه أيضًا عن القيام بما يجب عليه من الاكتساب لكفاية نفسه وعياله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي (٢) أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِيَبِيعَ عَقَارَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون كلّهم ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) الفاعل ضمير هشام؛ أي: ذكر هشام الدستوائيّ، عن قتادة نحو حديث سعيد بن أبي عروبة المتقدّم عنه.
[تنبيه]: رواية هشام، عن قتادة هذه ساقها الإمام الدارميُّ في "سننه"، فقال:
(١٤٣٩) حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سَعْد بن هشام، أنه طَلَّق امرأته، وأتى المدينة لبيع عقاره، فيجعله في السلاح والكُراع، فلقي رهطًا من الأنصار، فقالوا: أراد ذلك ستةٌ منا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فمنعهم، وقال: "أما لكم فيّ أسوة؟ "، ثم إنه قَدِم البصرة، فحدّثنا أنه لقي عبد اللَّه بن عباس، فسأله عن الوتر، فقال: ألا أحدّثك بأعلم الناس بوتر رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: بلى، قال:
стр. 8788
أم المؤمنين عائشة، فأتها فاسألها، ثم ارجع إليّ، فحدّثني بما تحدثك، فأتيت حكيم بن أفلح، فقلت له: انطلق معي إلى أم المؤمنين عائشة، قال: إني لا اَتيها، إني نهيت عن هذه الشيعتين، فأبت إلا مُضِيًّا، قلت: أقسمت عليك لَمّا انطلقتَ، فانطلقنا، فسلّمنا، فعرفت صوت حكيم، فقالت: من هذا؟ قلت: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: هشام بن عامر، قالت: نعم المرءُ، قُتِل يوم أحد، قلت: أخبرينا عن خلق رسول اللَّه ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإنه خلق رسول اللَّه ﷺ ، فأردت أن أقوم، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى ألحق باللَّه، فعَرَضَ لي القيام، فقلت: أخبرينا عن قيام رسول اللَّه ﷺ ، قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإنها كانت قيام رسول اللَّه ﷺ ، أنزل أول السورة، فقام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحُبِس آخرها في السماء ستة عشر شهرًا، ثم أُنزل، فصار قيام الليل تطوُّعًا بعد أن كان فريضةً. فأردت أن أقوم، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى ألحق باللَّه، فعَرَض لي الوتر، فقلت: أخبرينا عن وتر رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نام وضع سواكه عندي، فيبعثه اللَّه لما شاء أن يبعثه، فيصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في التاسعة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ويسلم تسليمةً يُسمعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ رسول اللَّه، وحَمَلَ اللحم، صلى سبع ركعات، لا يجلس إلا في السادسة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في السابعة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يسلم تسليمةً، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك تسع يا بُنَيّ، وكان النبي ﷺ إذا غلبه نوم، أو مرضٌ، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا أخذ خُلُقًا أحب أن يداوم عليه، وما قام نبي اللَّه ﷺ ليلةً حتى يصبح، ولا قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان، فأتيت ابن عباس، فحدّثته، فقال: صدقتك، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، قال: فقلت: أما إني لو شَعَرْتُ أنك لا تدخل عليها ما حدثتك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8789
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوِتْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ تقديم هذه الرواية على ما قبلها؛ لتكون روايتا سعيد بن أبي عروبة متتاليتين، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الفاعل ضمير سعيد بن أبي عروبة.
وقولها: (نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ) بالرفع على أنه المخصوص بالمدح، وقد تقدّم إعرابه في الحديث الماضي.
وقولها: (أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) تعني أن عامرًا استُشهد في وقعة أُحُد.
[تنبيه]: رواية سعيد، عن قتادة هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٣٢٣) فقال:
حدّثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، قال: ثنا قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: انطلقت إلى ابن عباس، فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: من؟ قال: عائشة ائتها فسلها، ثم أعلمني ما ترُدّ عليك، قال: فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنّا، فدخلنا، فقالت: من هذا؟ فقال:
стр. 8790
حكيم بن أفلح، فقالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: ابن عامر، قالت نعم المرء كان عامرًا (١) أصيب يوم أحد، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي اللَّه ﷺ كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي، فقلت: فقيام رسول اللَّه ﷺ يا أم المؤمنين، قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن اللَّه افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، ثم أنزل اللَّه التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي وتر رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: كنا نُعِدّ لرسول اللَّه ﷺ سواكه وطَهُوره، فيبعثه اللَّه فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوّك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه، ويصلي على نبيّه ﷺ ، ثم يَنْهَض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيّه ﷺ ، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم، وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ نبي اللَّه ﷺ ، وأخذه اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين بعدما يسلم يا بُنَيّ، وكان نبي اللَّه ﷺ إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان النبيّ ﷺ إذا غلبه قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم نبي اللَّه ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة حتى الصباح، ولا صام قط شهرًا كاملًا غير رمضان. فأتيت ابن عباس، فأخبرته بحديثها، فقال: صدقت، وكان أول مرّة أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها، ويجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلَقِيَ رهطًا من قومه، فذكر لهم ذلك، فأخبروه أن رهطًا منهم ستةً أرادوا ذلك في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فنهاهم عن ذلك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8791
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ كَانَ جَارًا لَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَفيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ، أُصِيبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفيهِ: فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا أَنْبَأْتُكَ بِحَدِيثِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِي في آخره فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عمرو البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَ جَارًا لَهُ) أي: كان سعد بن هشام جارًا لزرارة بن أوفى.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. . . إلخ) الفاعل ضمير معمر.
وقوله: (فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ. . . إلخ) ظاهر هذه الرواية أن القائل لابن عبّاس: "لو علمت أنك لا تدخل عليها. . . إلخ" هو حكيم بن أفلح، لا سعد بن هشام، وهذا بعيد، والظاهر أنه وَهَمٌ؛ لأنه تقدّم أن حكيمًا أيضًا كان لا يدخل عليها، حيث قال لسعد لَمّا طلب منه أن ينطلق معه إليها: "ما أنا بقاربها"، فكيف يمكن أن ينكر على ابن عبّاس ذلك؟ فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8792
[تنبيه]: رواية معمر، عن قتادة هذه ساقها أيضًا أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٣٤٠) فقال:
(١٦٩١) أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى (ح) وثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عمران، ثنا ابن أبي عمر، ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، أن سعد بن هشام بن عامر، كان جارًا له، فأخبره أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له ومالًا، فيجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقيه رهط من قومه، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا منهم ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فنهاهم رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "أليس لكم فيّ أُسْوَةٌ؟ "، فلما حَدَّثوه بذلك راجع امرأته، فلما قَدِم علينا أخبرنا أنه أتى ابن عباس، فسأله عن الوتر، فقال له ابن عباس: ألا أنبئك، أو ألا أدلك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: مَنْ؟ قال: عائشة، فائتها فسلها عن ذلك، ثم ارجع، فأخبرني بردّها عليك، قال سعد بن هشام: فأتيت حَكِيم بن أفلح، فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في ما بين الشيعتين، فأبت إلا مُضِيًّا فيهما، فأقسمت عليه، فجاء معي، فسلّمنا عليها، فدخلنا، فعرفَته، فقالت: أحكيمٌ؟ قال: نعم، قالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، قالت: نعم المرء كان عامرًا، أصيب مع رسول اللَّه ﷺ يوم أحد، قال: فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني على (١) خلق رسول اللَّه ﷺ ، قالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول اللَّه ﷺ كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي، فقلت لها: أنبئيني عن قيام رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: أما تقرأ هذه السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، فقلت: بلى، قالت: فإن اللَّه افترض القيام في أول هذه السورة، فقام نبي اللَّه ﷺ وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه عن خاتمتها اثني عشر شهرًا، ثم أنزل اللَّه التخفيف في آخر السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد
стр. 8793
إذ كان فريضةً، فهممت أن أقوم، فبدا لي، فسألتها، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: كنا نُعِدُّ له سواكه وطَهوره من الليل، فيبعثه اللَّه لما شاء أن يبعثه، فيتسوك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا يقعد فيهن إلا عند الثامنة، فيحمد اللَّه، ويذكره، ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ويحمد اللَّه، ويذكره، ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يُسْمِعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو قاعد بعدما يسلّم، فتلك إحدى عشرة أي بُنَيّ، فلما أسن رسول اللَّه ﷺ ، وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين، وهو قاعد بعدما سَلَّم، فتلك تسع أي بُنيّ، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى أحب أن يداوم عليها، وكان نبي اللَّه ﷺ إذا غلبه عن قيام الليل نوم، أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم نبي اللَّه ﷺ قرأ القرآن في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير شهر رمضان. قال: فأتيت على ابن عباس، وأنبأته بحديثها، فقال: صدقت، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، فقال حكيم بن أفلح: أما إني لو علمت أنك لا تدخل عليها ما أنبأتك بحديثها.
لفظ إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، ويقاربه ابن أبي عمر في اللفظ، ويوافقه في المعنى. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ، مِنْ وَجَعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً).
стр. 8794
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخُرَاسانيّ، نزيل مكهّ، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٤] ( .. -) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا (٢) عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إَذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلَّا رَمَضَانَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8795
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٥] (٧٤٧) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ (١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الْخَزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) وله (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الكِنديّ الصحابيّ الصغير، حُجّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، ومات سنة (٩١)، أو قبل ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٧/ ١٧١٢.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ) -بتشديد الياء- من وَلَد القارة بن الدِّيش، يقال: له صحبة، وقيل: بل وُلد على عهد النبيّ ﷺ ، وقيل: أُتي به إليه، وهو صغير.
رَوَى عن عمر، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي هريرة ﵁، وروى عنه ابنه محمد، والسائب بن يزيد، وهو من أقرانه، وعروة بن الزبير، والأعرج، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وأحمد بن عبد الرحمن بن عوف، ويحيى بن جَعْدة بن هُبيرة، والزهريّ.
стр. 8796
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: تُوُفّي بالمدينة سنة (٨٥) في خلافة عبد الملك، وهو ابن (٧٨) سنةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثمان وثمانين، وكذا أَرَّخَه ابن قانع، وابن زَبْر، والقَرّاب، وزاد: وهو ابن (٧٨) سنةً، وقال الواقديّ: له صحبة، ثم قال: كان على بيت المال زمن عمر ﵁، وهو من جِلّة تابعي أهل المدينة وعلمائهم، وأخرج البيهقيّ في التشهد من طريق ابن إسحاق: حدّثني ابن شهاب، وهشام، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ، وكان عاملًا لعمر على بيت المال، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره مسلم، وابن سعد، وخليفة في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، ورَوَى ابن وهب عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد القاريّ، عن أبيه، قال: أُتي بعبد اللَّه وعبد الرحمن إلى النبيّ ﷺ ، فمسح على رؤوسهما، فذكر قِصّةً أوردها البغويّ في "معجم الصحابة".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٤٧)، وحديث (٨١٨): "هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. . . ".
٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد الْعُزَّى القرشيّ الْعَدَويّ، أمير المؤمنين، استُشهد ﵁ في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، وأبو داود، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثالث تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن تابعيّ، عن صحابيّ، وهو السائب، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ، عن عمر ﵁، ويدخل هذا في رواية الكبار عن الصغار، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" حيث قال:
стр. 8797
وَمَا رَوَى الصَّحْبُ عَنِ الأَتْبَاعِ عَنْ … صَحَابَةٍ فَهْوَ ظَرِيفٌ لِلْفَطِنْ
أَلَّفَ فِيهِ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ … وَمُنْكِرُ الْوُجُودِ لَا يُصِيبُ
كَسَائِبٍ عَنِ ابْنِ عَبْدٍ عَنْ عُمَرْ … وَنَحْوُ ذَا قَدْ جَاءَ عِشْرُونَ أَثَرْ
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، جمّ المناقب، وقد أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده، ما لَقِيك الشيطان قطّ سالكًا فَجًّا إلا سلك فجًّا غير فَجِّك"، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ (وَعُبَيْدِ اللَّهِ) بن عبد اللَّه بن عتبة، أنهما (أَخْبَرَاهُ) أي: ابنَ شهاب (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ) بتشديد الياء، منسوب إلى القَارَة القبيلةِ المعروفة بِجَوْدة الرمي، قيل: له رؤية، والصحيح أنه تابعيّ.
[تنبيه]: قال السمعانيُّ ﵀ في "الأنساب": القاريّ بالقاف، والراء المهملة المكسورة، وتشديد ياء النسبة غير مهموز، هذه النسبة إلى بني قَارَة، وهم بطن معروف من العرب، قال بعضهم: أيثع بن مَلِيح بن الهون بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر، ومن قال: أيثع بن الهون، فقد وَهِمَ، قال أبو عُبيدة: أيثع هو القارة، وقال غيره: الْقَارَةُ بل هو الدّيش بن مُحلِّم بن غالب بن عايذة بن أيثع بن مَلِيح بن الهون بن خُزيمة، وإنما سُمُّوا القَارَة؛ لأن يعمر بن عوف الشدّاخ أراد أن يفرّقهم في بطون كنانة، فقال رجل منهم:
دَعُونَا قَارَةً لَا تُنَفِّرُونَا … فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ
فسُمُّوا القارَةَ، ويعمر بن الشدّاخ أحد بني الليث، وقيل في المثل السائر: قد أنصف من راماها، يصفهم بالرمي والإصابة. انتهى (١).
(قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قال النوويُّ ﵀: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وزعم أنه معلّل
стр. 8798
بأن جماعة رووه هكذا مرفوعًا، وجماعة رووه موقوفًا، وهذا التعليل فاسدٌ، والحديث صحيحٌ، وإسناده صحيح أيضًا، وقد سبق بيان هذه القاعدة في الفصول السابقة في مقدمة هذا الشرح، ثم في مواضع بعد ذلك، وبَيّنّا أن الصحيح، بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون، ومحققو المحدثين أنه إذا رُوِي الحديث مرفوعًا وموقوفًا، أو موصولًا ومرسلًا، حُكِم بالرفع والوصل؛ لأنها زيادة ثقة، وسواء كان الرافع والواصل أكثر، أو أقل في الحفظ والعدد، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن المحققين على ترجيح الرفع والوصل مطلقًا قد أسلفنا ردّه، وأن النقّاد من محققي المحدثين إنما يرجّحون حسب القرائن، فتارةً يَرجحون هذا، وتارة يرجحون العكس، فصنيعهم جارٍ حسب القرائن، فتنبّه لهذه الدقائق.
لكن حديث الباب صحيح كما قال، وليس للقاعدة المطلقة التي ذكرها، وإنما لوجود ما ذكرناه، مما يرجّح الرفع، وذلك لأن يونس لم ينفرد برفعه، بل تابعه عليه عُقيل عند ابن خزيمة في "صحيحه" ٢/ ١٩٥ رقم (١١٧١)، وكذا عند أبي عوانة في "مسنده" ٢/ ١٤ رقم (٢١٣٦).
وأيضًا الوقف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا مما لا يُنال بالرأي.
وأيضًا يشهد لمتنه حديثُ عائشة ﵂ المتقدّم: "كان ﷺ إذا نام من الليل، أو مرض. . . " الحديث، فبهذه القرائن ترجّح الرفع على الوقف، ولذا أخرجه المصنّف ﵀ هنا، فتبصّر (٢)، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
("مَنْ) شرطيّةٌ (نَمامَ عَنْ حِزْبِهِ) -بكسر الحاء المهملة، وسكون الزاي المعجمة-: الوِرْد الذي يعتاده الشخص، من صلاة، وقراءة، وغير ذلك، قاله في "المصباح"، وقال السيوطيُّ ﵀: الحزب هو الجزء من القرآن يصلي به،
стр. 8799
وقال العراقيُّ ﵀: هل المراد به صلاة الليل، أو قراءة القرآن في صلاة، أو غير صلاة؟ يَحْتَمِل كلًّا من الأمرين. انتهى.
وقال الطيبيُّ ﵀: قوله: "عن حزبه" هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة، أو صلاة كالورد، والحزب: النوبة في ورود الماء. انتهى (١).
والمعنى أن من فاته ورده كلّه، أو بعضه في الليل، لغلبة النوم، وإنما حملناه على الليل؛ لدلالة النوم عليه، ولدلالة آخر الحديث، وهو قوله: "كأنما قرأه من الليل"، ولقوله في الرواية الأخرى عند النسائيّ: "من فاته حزبه من الليل".
(أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ) أي: أو نام عن شيء من حزبه؛ أي: فاته بعض ورده (فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ) يَحْتَمِل أن يكون تحريضًا على المبادرة، ويَحْتَمِل أن أفضل الأداء مع المضاعفة مشروط بخصوص الوقت. أفاده السنديُّ ﵀.
وقال الطيبيُّ ﵀: قال المظهر: إنما خَصّ قبل الظهر بهذا الحكم؛ لأنه متّصل بآخر الليل بغير فصل، سوى صلاة الصبح، ولهذا لو نوى الصائم قبل الزوال صوم نافلة جاز، وبعده لم يجُز. انتهى (٢).
(كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول، جواب الشرط (كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ) صفة لمصدر محذوف؛ أي: أُثبت أجرُه في صحيفة عمله، إثباتًا مثلَ إثباته حين قرأه من الليل.
قال القرطبيُّ ﵀: هذا تفضّل من اللَّه تعالى، ودليلٌ على أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، والحزب هنا الجزء من القرآن، يصلي به، وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم، أو عذر منعه من القيام، مع أن نيته القيام، وقد ذكر مالك في "الموطأ" عنه ﷺ ، قال: "ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كتَبَ اللَّه له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه" (٣)، وهذا أتمّ في التفضّل والمجازاة بالنيّة، وظاهره أن له أجره مكمّلًا
стр. 8800
مضاعفًا، وذلك لحسن نيته، وصدق تلهّفه، وتأسّفه، وهذا قول بعض شيوخنا، وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون غير مضاعف، إذ الذي يصليها أكمل، وأفضل.
قال القرطبيُّ ﵀: والظاهر التمسّك بالظاهر؛ فإن الثواب فضل من الكريم الوهّاب، وقد تقدّم من حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ : "كان إذا غلبه نوم، أو وجع، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة"، وهذا كله إنما هو يبقى في تحصيل مثل ما غُلب عليه، لا أنه قضاء له، إذ ليس في ذمّته شيء، ولا يُقضَى إلا ما تعلّق بالذمّة.
وقد رأى مالك أن يصلي حزبه من فاته بعد طلوع الفجر، وهو عنده وقت ضرورة لمن غُلب على حزبه، وفاتَه، كما يقول في الوتر. انتهى كلام القرطبيُّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطاب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ١٧٤٥] (٧٤٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣١٣)، و (الترمذيّ) فيها (٥٨١)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٧٩٠ و ١٧٩١ و ١٧٩٢ و ١٧٩٣) وفي "الكبرى" (١٤٦٢ و ١٤٦٣ و ١٤٦٤ و ١٤٦٥ و ١٤٦٦)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٤٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٠٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٢ و ٥٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٤٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٧١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٣٥ و ٢١٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٩٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٤ و ٤٨٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٨٥)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8801
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة اتخاذ ورد من العبادات في الليل.
٢ - (ومنها): مشروعية قضائه إذا فات لنوم، أو عذر من الأعذار.
٣ - (ومنها): أن وقت قضائه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فمن فعله في هذا الوقت، كان كمن فعله في الليل، والظاهر أن مَن فعله بعد ذلك لا يكون له ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ما ورد في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢]، قال القاضي: أي: ذَوَيْ خِلْفَة، يخلف كل منهما الآخر، يقوم مقامه فيما ينبغي أن يُعمل فيه، مَن فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر. انتهى، وهو منقول عن كثير من السلف، كابن عباس، وقتادة، والحسن، وسلمان، كما ذكره السيوطيّ في "الدرّ المنثور".
قيل: تخصيصه بما قبل الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوائت قبل إتيان الموت، أو لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢١) - (بَاب صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٦] (٧٤٨) - (وَحَدَّثَنَا (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ").
стр. 8802
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ) هو: القاسم بن عوف الشَّيبانيّ البكريّ الكوفيّ، من بني مُرّة بن هَمّام، صدوقٌ يُغرب [٣].
رَوَى عن البراء، وزيد بن أرقم،. وابن عمر، وأبي بَرْزة، وابن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلي بن الحسين، وغيرهم، وأرسل عن أبي ذرّ.
ورَوَى عنه قتادة، وأيوب، وأبو إسحاق الشيباني، وزيد بن أبي أُنيسة، وهشام الدستوائيّ، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ: ذكرناه ليحيى، فقال: قال شعبة: دخلت عليه فحرَّك رأسه، قلت ليحيى: ما شأنه؟ قال: فجعل يَحِيد، فقلت: ضعّفه في الحديث؟ فقال: لو لم يضعّفه لروى عنه، قال: وقلت ليحيى: إن ابن أبي عَرُوبة، رَوَى عن قتادة، عن القاسم بن عوف، عن زيد بن أرقم، يعني حديث الحشوش، وشعبة يحدثه، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد، فقال يحيى: لو عَلِم شعبة أنه عن القاسم لم يحمله، إنه رأى القاسم وتركه، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ومحله عندي الصدق، وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي عقب تخريج حديثه في "اليوم والليلة": القاسم ضعيف الحديث، وقال ابن عديّ: اشتَهَرَ بحديث الحشوش، وله غيره شيء يسير، وهو ممن يُكتب حديثه.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ في "اليوم والليلة"، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
٦ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٦ أو ٦٨) (ع) تقدم في "المساجد" ٧/ ١٢٠٨.
стр. 8803
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ، والقاسم، فانفرد به هو وابن ماجه، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة".
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن القاسم.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من أفاضل الصحابة ﵃، قد أنزل اللَّه تعالى "سورة المنافقين" في تصديقه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ زيدَ بْنَ أَرْقَمَ) ﵁ (رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى) وفي رواية أبي نعيم: رأى قومًا يصلّون الضحى بمسجد قباء، فقال: أما لقد عَلِموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة الأوابين. . . " الحديث، وفي رواية أبي عوانة من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن القاسم الشيبانيّ: أن زيد بن أرقم رأى قومًا جُلُوسًا إلى قاصّ، فلما طلعت الشمس قاموا يصلّون، فقال: لو رأينا هؤلاء ونحن في المسجد الأول ما صلّوا الآن، قال رسول اللَّه ﷺ : "صلاة الأوّابين إذا رَمِضَت الفصال"، ومن طريق سعيد، عن قتادة، عن القاسم: "دخل نبيّ اللَّه مسجد قباء بعدما أشرقت الشمس، فرآهم يُصلّون، فقال: إن صلاة الأوابين. . . " الحديث (فَقَالَ) زيد ﵁ (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه كـ "ألا" (لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية هشام الدستوائيّ، عن القاسم التالية: خرج رسول اللَّه ﷺ على أهل قباء، وهم يُصلّون، فقال: "صلاة الأوّابين إذا رَمِضت الفِصال" (قَالَ: "صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) مبتدأ خبره الظرف بعده، و"الأوابون": جمع أواب، وهو الكثير الرجوع إلى اللَّه تعالى بالتوبة، وقيل: هو المطيع، وقيل: المسبِّح، قاله ابن الأثير ﵀ (١).
стр. 8804
وقال القرطبيُّ ﵀: الأوابون: جمع أوّاب، وهو مبالغة آيب، وهو من اَب إلى كذا: أي: رجع، ومنه قول تأبّط شرًّا:
فَأُبْتُ إِلَى فَهْمٍ وَمَا كِدتُ آيِبًا
أي: رجعت، فمعنى الأوّابين هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] أي: الراجعين من الإساءة إلى الإحسان، على ما قاله قتادة، وقال مجاهد: التائبون، وابن عمر: المستغفرون، وقال ابن عبّاس: المسبّحون، وكلُّ ذلك متقارب. انتهى (١).
(حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ") هو بفتح التاء والميم، يقال: رَمِضَ يَرْمَضُ، كعَلِمَ يَعْلَمُ، والرَّمضاءُ: الرمل الذي اشتدّت حرارته بالشمس؛ أي: حين يَحترق أخفاف الفِصَال، جمع فَصِيل، وهي الصغار من أولاد الإبل، قاله النوويُّ ﵀ (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: يريد أن صلاة الضحى عند ارتفاع النهار، وشدّة الحرّ. انتهى (٣).
وقال القرطبيُّ ﵀: وأما الْفِصَال والْفُصْلان: جمع فَصِيل، وهو الذي يُفْطَمُ عن الرضاعة من الإبل، وأما الرمضاء: فشدّة الحرّ في الأرض، وخَصّ الفُصلان هنا بالذكر؛ لأنها هي التي تَرْمَضُ قبل انتهاء شدّة الحرّ التي تَرْمَضُ فيها أمهاتها؛ لقلّة جَلَدها، وذلك يكون في الضحى، أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسّط بين طلوع الشمس وزوالها. انتهى (٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ١٧٤٦ و ١٧٤٧] (٧٤٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٦٨٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٦٦ و ٣٦٧ و ٣٧٢ و ٣٧٤ و ٣٧٥)،
стр. 8805
و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٢٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٣٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٣٣ و ٢١٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٩٥ و ١٦٩٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥١٠٨ و ٥١٠٩ و ٥١١٠ و ٥١١١ و ٥١١٢ و ٥١١٣) وفي "الصغير" (١٥٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠١٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صلاة الضحى.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة صلاة الضحى عند اشتداد الحرّ، قال النوويّ ﵀: فيه بيان فضيلة الصلاة في هذا الوقت، قال أصحابنا: هو أفضل وقت صلاة الضحى، وإن كانت تجوز من طلوع الشمس إلى الزوال. انتهى (١).
٣ - (ومنها): بيان جواز صلاة النافلة في المسجد؟ لأن النبيّ ﷺ رأى أهل قباء يتنفّلون في المسجد، فما أنكر عليهم ذلك، وإنما أرشدهم إلى أن الأولى أن يصلّوه حين تَرْمَضُ الفصال، ولا تعارض بين هذا وبين حديث: "أيها الناس صلّوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، متّفقٌ عليه؛ لأن هذا محمول على الأفضليّة، وقد تقدّم البحث فيه، فلا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقَالَ: "صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ").
стр. 8806
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين.
٢ - (هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) الدستوائي، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَهُمْ يُصَلُّونَ) أي: صلاة الضحى؛ لما سبق من رواية أبي عوانة بلفظ: "دخل نبيّ اللَّه ﷺ مسجد قباء بعدما أشرقت الشمس، فرآهم يصلّون. . . " الحديث.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٢) - (بَاب صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)
و"الوتر" بالكسر: الفرد، وتُكسر واوه، وتُفتح، قاله في "النهاية" (١).
وقال في "الصحاح": "الوتر" بالكسر: الفرد، وبالفتح: الذَّحْلُ (٢)، هذه لغة أهل العالية، فأما أهل الحجاز، فبالضدّ منهم، وأما تميم، فبالكسر. انتهى (٣).
وقال الفيّوميُّ ﵀: الوتر: الفردُ، والوتر: الذَّحْلُ بالكسر فيهما لتميم، وبفتحٍ: العددُ، وكسرُ الذَّحْل لأهل العالية، وبالعكس، وهو فتح الذَّحْل، وكسر العدد لأهل الحجاز، وقُرئ في السبعة ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ [الفجر: ٣] بالكسر على لغة الحجاز وتميم، وبالفتح في لغة غيرهم، ويقال: وَتَرْتُ العددَ وَتْرًا، من باب وَعَدَ: أفردته، وأوترتُ بالألف مثله، ووَتَرْتُ الصلاةَ، وأوترتها
стр. 8807
بالألف: جعلتها وِترًا، ووَترتُ زيدًا حقّه أَتِرُه، من باب وَعَدَ أيضًا: نقصته، ومنه حديث: "من فاتته صلاة العصر، فكأنما وُتر أهله وماله" (١) بنصبهما على المفعوليّة، شُبِّهَ فِقدانُ الأجر؛ لأنه يُعَدّ لقطع المصاعب، ودفع الشدائد بفِقدان الأهل؛ لأنهم يُعَدّون لذلك، فأقام الأهل مقام الأجر. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٨] (٧٤٩) - (وَحَدَّثَنَا (٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الإمام الحجة [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب ﵁ العدويّ المدنيّ المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
стр. 8808
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١١٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد مطلقًا على ما نُقل عن الإمام البخاريّ: مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، وقد تقدّم غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَجُلًا) قال في "الفتح": لم أَقِف على اسمه، ووقع في "المعجم الصغير" للطبرانيّ أن السائل هو ابن عمر (١)، لكن يَعْكُرُ عليه رواية عبد اللَّه بن شقيق، عن ابن عمر: "أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ ، وأنا بينه وبين السائل. . . " فذكر الحديث، وفيه: "ثم سأله رجلٌ على رأس الحول، وأنا بذلك المكان منه، قال: فما أدري أهو ذلك الرجلُ، أو غيره"، وعند النسائيّ من هذا الوجه أن السائل المذكور من أهل البادية، وعند محمد بن نصر في "كتاب أحكام الوتر"، وهو كتاب نفيسٌ في مجلدة، من رواية عطيّة، عن ابن عمر: "أن أعرابيًّا سأل"، فَيَحْتَمِل أن يُجْمَع بتعدد من سأل.
ووقع في رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن ابن عمر الآتية: "أن رجلًا نادى رسول اللَّه ﷺ ، وهو في المسجد"، وفي رواية للبخاريّ: "سأل رجلٌ النبيّ ﷺ وهو على المنبر"، وفي رواية له من طريق أيوب، عن نافع: "أن رجلًا جاء إلى
стр. 8809
النبيّ ﷺ ، وهو يخطب، فقال: كيف صلاة الليل؟ " (١).
(سَأَل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وفي رواية أيوب المذكورة: "فقال: كيف صلاة الليل؟ "، قال في "الفتح": وقد تبيّن من الجواب أن السؤال وقع عن عددها، أو عن الفصل والوصل، وفي رواية محمد بن نصر، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رجل: يا رسول اللَّه ﷺ ، كيف تأمرنا أن نصلي من الليل؟.
وأما قول ابن بزيزة: جوابه بقوله: "مثنى" يدُلُّ على أنه فَهِمَ من السائل طلب كيفية العدد، لا مطلق الكيفية، ففيه نظرٌ، وأولى ما فُسِّرَ به الحديث من الحديث.
واستُدِلَّ بمفهومه على أن الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعًا، وهو مذهب الحنفية، وإسحاق.
وتُعُقِّب بأنه مفهوم لقب، وليس بحجة على الراجح، وعلى تقدير الأخذ به، فليس بمنحصر في أربع، وبأنه خرج جوابًا للسؤال عن صلاة الليل، فقيّد الجواب بذلك مطابقة للسؤال، وبأنه قد تبيّن من رواية أخرى أن حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به، ففي السُّنَن، وصححه ابن خزيمة وغيره، من طريق عليّ الأزديّ، عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
وقد تُعُقِّب هذا الأخير بأن أكثر أئمة الحديث أعلُّوا هذه الزيادة، وهي قوله: "والنهار" بأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر ﵄ لم يذكروها عنه، وحَكَمَ النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها، وقال يحيى بن معين: "مَنْ عليّ الأزديّ؟، حتى أَقْبَلَ منه، وادَّعَى يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار أربعًا، لا يفصل بينهنّ، ولو كان حديث الأزديّ صحيحًا لما خالفه ابن عمر، يعني مع شدّة اتباعه، رواه عنه محمد بن نصر في سؤالاته.
لكن رَوَى ابن وهب بإسناد قويّ، عن ابن عمر ﵄ قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، موقوفٌ، أخرجه ابن عبد البر، من طريقه فلعلّ الأزديّ
стр. 8810
اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة مَن يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذًّا.
وقد رَوَى ابن أبي شيبة من وجه آخر، عن ابن عمر، أنه كان يصلي بالنهار أربعًا أربعًا، وهذا موافق لما نقله ابن معين (١)، قاله في "الفتح" (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد استوفيت البحث في زيادة "والنهار"، في "شرح النسائيّ"، ورجّحت ما ذهب إليه جمهور المحدثين من تضعيفها؛ لتفرّد عليّ الأزديّ بها، ومخالفته الجماعةَ من أثبات رواة ابن عمر ﵄، ومخالفته ما صحّ عنه مع شدّة اتّباعه، أنه كان يتطوّع بالنهار أربعًا، لا يفصل بينهنّ، فلو كانت هذه الزيادة ثابتة عنده لما خالفه، فإن أردت زيادة التحقيق، فراجع شرحي المذكور (٣)، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) مبتدأ وخبره، أي: المستحبّ في صلاة الليل أن تكون ركعتان ركعتان، فـ "مثنى" الثاني للمبالغة في التأكيد، وإلا فالتكرار موجود في الأول؛ لأنه معدول عن اثنين اثنين، وهو خبر لفظًا، لكن معناه الأمر والندب، والمراد أنه ينبغي للمصلّي أن يصلّيها ركعتين ركعتين.
وقال في "الفتح": قوله: "مثنى مثنى": أي: اثنين اثنين، وهو غير منصرف؛ لتكرار العدل فيه، قاله صاحب "الكشاف"، وقال آخرون: للعدل والوصف، وأما إعادة "مثنى"؛ فللمبالغة في التأكيد.
وقد فسّره ابن عمر ﵄ راوي الحديث، فعند مسلم من طريق عُقبة بن حُرَيث: قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تُسَلِّم من كل ركعتين.
وفيه رَدّ على من زعم من الحنفية أن معنى "مثنى" أن يتشهد بين كل
стр. 8811
ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا: إنها مثنى.
واستُدِلَّ بهذا على تَعَيُّن الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل، قال ابن دقيق العيد ﵀: وهو ظاهر السياق؛ لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل؛ لما صحّ من فعله ﷺ بخلافه، ولم يتعيّن أيضًا كونه لذلك، بل يَحْتَمِل أن يكون للإرشاد إلى الأخف؛ إذ السلام بين كل ركعتين أخفّ على المصلي من الأربع فما فوقها؛ لما فيه من الراحة غالبًا وقضاء ما يَعْرِض من أمر مُهِمٍّ، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لم يواظب عليه ﷺ .
ومن ادَّعَى اختصاصه به فعليه البيان، وقد صح عنه ﷺ الفصل، كما صحّ عنه الوصل، فعند أبي داود، ومحمد بن نصر، من طريقي الأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ كان يصلي ما بين أن يفرُغ من العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعةً، يسلِّم من كل ركعتين، وإسنادهما على شرط الشيخين.
واستُدِلّ به أيضًا على عدم النقصان عن ركعتين في النافلة، ما عدا الوتر.
قال ابن دقيق العيد ﵀: والاستدلال به أقوى من الاستدلال بامتناع قصر الصبح في السفر إلى ركعة، يشير بذلك إلى الطحاويّ، فإنه استَدَلّ على منع التنفل بركعة بذلك.
وأستَدَلَّ بعض الشافعية للجواز بعموم قوله ﷺ : "الصلاة خيرُ موضوع، فمن شاء استَكْثَر، ومن شاء استَقَلَّ"، صححه ابن حبان.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في هذا الاستدلال نظرٌ لا يخفى؛ فإن الاستكثار لا يُنافي كون الصلاة مثنى مثنى، فالأفضل أن يستكثر المصلي مع التزام كونها مثنى مثنى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقد اختَلَفَ السلف في الفصل والوصل في صلاة الليل، أيهما أفضل، وقال الأثرم، عن أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، فإن صلى بالنهار أربعًا فلا بأس، وقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل، قال: وقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنه أوتر بخمس، لم يجلس إلا في آخرها، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على الوصل، إلا أنّا نختار أن يُسَلِّم من كل ركعتين؛
стр. 8812
لكونه أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت، وأكثر طُرُقًا، وقد تضمن كلامه الردّ على الداوديّ الشارح، ومَن تبعه في دعواهم، أنه لم يثبت عن النبيّ ﷺ أنه صلى النافلة أكثر من ركعتين ركعتين. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا.
(فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ) أي: فوت الوتر بطلوع الفجر، وظهوره، وهو في شفع صلاة الليل قبل أن يوتر (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ) أي: تجعل تلك الركعةُ الواحدةُ (مَا قَدْ صَلَّى") "ما" موصولة مفعول "تُوتر"، والعائد محذوف؛ لكونه ضميرًا متّصلًا منصوبًا بفعل تامّ، كما قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
والمعنى: أن الركعة الواحدة التي صلاها أخيرًا تجعل تمام الركعات التي صلّاها شفعًا وترًا، فإن تلك الركعة الواحدة كما أنها وتر بذاتها، كذلك يصير بها جميع صلاة الليل وترًا بعد أن كان شفعًا.
قال ابن الملك ﵀: الحديث حجة للشافعيّ في قوله: الوتر ركعة واحدة.
وتعقّبه القاري بما نقله عن ابن الْهُمَام أن نحو هذا كان قبل أن يستقرّ أمر الوتر.
وتُعُقّب بأنه لا دليل على أن هذا كان قبل استقرار أمر الوتر، ولا على أن الوتر محصورٌ في ثلاث ركعات، فهو مردود على ابن الهمام.
وقال السنديُّ ﵀ في "حاشية النسائيّ": قوله: "فإذا خَشِي الصبح، فواحدة" ظاهر الحديث مع أحاديث أخر يفيد جواز الوتر بركعة واحدة، كما هو مذهب الجمهور، والقول بأنه كان، ثم نُسِخَ إثباته مشكلٌ.
وفي رواية للبخاريّ: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف، فاركع ركعةً توتر لك ما صلّيت".
وفيه ردّ على من ادّعى من الحنفيّة أن الوتر بواحدة مختصّ بمن خَشِيَ
стр. 8813
طلوع الفجر؛ لأنه علّقه بإرادة الانصراف، وهو أعمّ من أن يكون لخشية طلوع الفجر، أو غير ذلك. انتهى (١).
[تنبيه]: قال ابن التين ﵀: اختُلِف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة، زاد الحافظ: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل تسن ركعتان بعده؟ وفي صلاته من قعود، لكن هذا الأخير يَنبني على كونه مندوبًا أو لا، وقد اختلفوا في أول وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تفاصيل أكثر هذه الأشياء في المسائل التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
[فائدة]: قال في "الفتح": يؤخذ من سياق هذا الحديث أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس من النهار شرعًا، وقد رَوَى ابنُ دُريد في "أماليه" بسند جيِّد أن الخليل بن أحمد سئل عن حدّ النهار، فقال: من الفجر المستطير إلى بداءة الشفق، وحُكِي عن الشعبيّ أنه وقت منفرد، لا من الليل، ولا من النهار، قاله في "الفتح" (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حُكي عن الشعبي قولٌ باطلٌ تردّه النصوص الشرعيّة، فإنها اعتبرت ما بعد طلوع الفجر كلّه من النهار، فعلّقت عليه وجوب الصوم، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالنصوص، وإنما الصواب قول الخليل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 8814
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ١٧٤٨ و ١٧٤٩ و ١٧٥٠ و ١٧٥١ و ١٧٥٢] (٧٤٩)، و (البخاريّ) (٤٧٢ و ٤٧٣ و ٩٩٠ و ٩٩٣ و ٩٩٥ و ١١٣٧)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٦٦ و ١٦٦٧ و ١٦٦٨ و ١٦٦٩ و ١٦٧٠ و ١٦٧١ و ١٦٧٢ و ١٦٧٣ و ١٦٧٤ و ١٦٨٢ و ١٦٨٩ و ١٦٩٠ و ١٦٩١ و ١٦٩٢ و ١٦٩٣ و ١٦٩٤ و ١٦٩٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٩٥ و ١٣٢٦ و ١٤٢١ و ١٤٣٨)، و (الترمذيّ) فيها (٤٣٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٢٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٣١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٧٣ و ٢٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٩/ ٢ و ١٠ و ١٣٣ و ١٤١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده (٢٣١١ و ٢٣١٢ و ٢٣١٣ و ٢٣١٤ و ٢٣١٥ و ٢٣١٦ و ٢٣١٧ و ٢٣١٨ و ٢٣١٩ و ٢٣٢٠ و ٢٣٢١ و ٢٣٢٢ و ٢٣٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٩٧ و ١٦٩٨ و ١٦٩٩ و ١٧٠٠ و ١٧٠١ و ١٧٠٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣١٨٤ و ١٣٢١٥ و ١٣٤٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٥٥ و ٩٥٦ و ٩٥٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب كون صلاة الليل مثنى مثنى، يسلّم من كلّ ركعتين، كما سيأتي هذا البيان من ابن عمر ﵄ الراوي للحديث، وهو أعلم بمعنى ما رواه.
٢ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "توتر له ما قد صلى" يدلّ على أن هذه الركعة الواحدة جَعَلت مجموع ما صلى قبلها وترًا، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يُخْتَم بوتر، وهذا قول إسحاق ابن راهويه، واستدلّ بقول النبي ﷺ : "أوتروا يا أهل القرآن"، وهو حديث صحيح (١)، وإنما أراد صلاة الليل.
وقالت طائفة: الوتر هو الركعة الأخيرة، وما قبله فليس منه، وهو قول
стр. 8815
طائفة من الحنبليّة، كما قاله ابن رجب ﵀، قال: وفي كلام أحمد ﵀ ما يدلُّ عليه (١).
٣ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "فليوتر بواحدة" يدلُّ على أن الوتر مأمور به، وهل الأمر به للوجوب، أم لتأكد الاستحباب؟ فيهِ قولان مشهوران، وأكثر العلماء على أنه للاستحباب، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": استُدِلّ بقوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" على أنه لا صلاة بعد الوتر، وقد اختَلَف السلف في ذلك في موضعين: أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، والثاني: فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل، هل يَكتفِي بوتره الأول، وليتنفل ما شاء، أو يَشْفَع وتره بركعة، ثم يتنفل؟ ثم إذا فعل ذلك، هل يَحتاج إلى وتر آخر أو لا؟:
فأما الأول فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الوتر، وهو جالس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعلوا الأمر في قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترًا" مختصًّا بمن أوتر آخر الليل.
وأجاب من لم يقل بذلك بأن الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحمله النوويّ على أنه ﷺ فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا، وهذا هو الحقّ.
وأما الثاني فذهب الأكثر إلى أنه يصلي شفعًا ما أراد، ولا ينقض وتره؛ عملًا بقوله ﷺ : "لا وتران في ليلة"، وهو حديثٌ حسنٌ، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما، من حديث طلق بن عليّ، وإنما يصحّ نقض الوتر عند من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر، وقد تقدم ما فيه.
ورَوَى محمد بن نصر، من طريق سعيد بن الحارث، أنه سأل ابن عمر
стр. 8816
عن ذلك، فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم، فاشفع، ثم صلِّ ما بدا لك، ثم أوتر، وإلا فصلّ، واترُك على الذي كنت أوترت.
ومن طريق أخرى، عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن ذلك، فقال: أما أنا فأصلي مثنى، فإذا انصرفتُ ركعتُ ركعةً واحدةً، فقيل: أرأيت إن أوترت قبل أن أنام، ثم قمتُ من الليل، فشفعت حتى أُصبح؟ قال: ليس بذلك بأس (١).
٥ - (ومنها): أنه استدل بقوله ﷺ : "صلّ ركعة واحدةً" على أن فصل الوتر أفضل من وصله.
وتُعُقِّب بأنه ليس صريحًا في الفصل، فيَحْتَمِل أن يريد بقوله: "صلِّ ركعةً واحدةً" أي: مضافةً إلى ركعتين مما مضى.
واحتَجَّ بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصل، والاقتصار على ثلاث، بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسنٌ جائزٌ، واختلفوا فيما عداه، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما اختلفوا فيه.
وتَعَقَّبه محمد بن نصر المروزيّ بما رواه من طريق عراك بن مالك، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا وموقوفًا: "لا تُوتروا بثلاث، تُشَبِّهُوا بصلاة المغرب"، وقد صححه الحاكم، من طريق عبد اللَّه بن الفضل، عن أبي سلمة، والأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا نحوه، وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حبان، والحاكم.
ومن طريق مقسم، عن ابن عباس وعائشة ﵃ كراهية الوتر بثلاث، وأخرجه النسائيّ أيضًا، وعن سليمان بن يسار أنه كَرِه الثلاث في الوتر، وقال: لا يشبه التطوع الفريضة، فهذه الآثار تَقْدَح في الإجماع الذي نقله.
وأما قول محمد بن نصر: لم نجد عن النبيّ ﷺ خبرًا ثابتًا صريحًا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث، لكن لم يبيّن الراوي، هل هي موصولة، أو مفصولة؟. انتهى.
فيَرُدُّ عليه ما رواه الحاكم، من حديث عائشة ﵂: "أنه ﷺ كان يوتر بثلاث، لا يقعد إلا في آخرهن"، ورَوَى النسائيّ من حديث أُبَيّ بن كعب
стр. 8817
نحوه، ولفظه: "يوتر ﷺ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ولا يسلم إلا في آخرهن"، وبَيَّن في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات.
ويجاب عنه باحتمال أنهما لم يَثْبُتا عنده، والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهي عن التشبه بصلاة المغرب، أن يُحْمَل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف أيضًا، فرَوَى محمد بن نصر، من طريق الحسن، أن عمر ﵁ كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق الْمِسْوَر بن مَخْرَمة أن عمر أوتر بثلاث، لم يسلم إلا في آخرهنّ، ومن طريق ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يوتر بثلاث، لا يقعد بينهنّ، ومن طريق قيس بن سعد، عن عطاء، وحماد بن زيد، عن أيوب مثله.
ورَوَى محمد بن نصر، عن ابن مسعود، وأنس، وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، وكأنهم لم يبلغهم النهي المذكور، وصحّ عند البخاريّ قول القاسم بن محمد في تجويز الثلاث، ولكن النزاع في تعيّن ذلك، فإن الأخبار الصحيحة تأباه. انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
٦ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "فإذا خَشِي أحدكم الصبح. . . إلخ" يدلّ على أن الأفضل تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل.
٧ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "فإذا خشي أحدكم الصبح" يُستدلّ به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر.
وأصرح منه ما رواه أبو داود، والنسائيّ، وصححه أبو عوانة وغيره، من طريق سليمان بن موسى، عن نافع أنه حدّثه أن ابن عمر ﵄ كان يقول: من صلى من الليل، فليجعل آخر صلاته وترًا، فإن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر، فقد ذَهَب كلُّ صلاة الليل والوتر.
وفي "صحيح ابن خزيمة"، من طريق قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "من أدركه الصبح، ولم يوتر فلا وتر له".
وهذا محمول على التعمّد، أو على أنه لا يقع أداءً؛ لما رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد ﵁ أيضًا مرفوعًا: "مَن نَسِي الوتر، أو نام عنه فليصلِّه إذا ذكره".
стр. 8818
وقيل: معنى قوله: "إذا خَشِيَ أحدكم الصبح" أي: وهو في شفع، فلينصرف على وتر، وهذا ينبني على أن الوتر لا يَفْتَقِر إلى نية.
٨ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "توتر له ما قد صلى" على أن الركعة الأخيرة هي الوتر، وأن كل ما تقدّمها شفعٌ، وادَّعَى بعض الحنفية أن هذا إنما يُشْرَع لمن طرقه الفجر قبل أن يوتر، فيكتفي بواحدة؛ لقوله: "فإذا خَشِيَ الصبح".
وتُعُقّب بأن في رواية البخاريّ من طريق القاسم بن محمد، عن ابن عمر ﵄، قال النبيّ ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف، فاركع ركعة واحدة توتر لك ما صلّيتَ"، فقد جعله بإرادة الانصراف، لا بخشية طلوع الفجر.
قال في "الفتح": في هذه الرواية دفع لقول من ادَّعَى أن الوتر بواحدة مختصّ بمن خَشِيَ طلوع الفجر؛ لأنه علّقه بإرادة الانصراف، وهو أعمّ من أن يكون لخشية طلوع الفجر، أو غير ذلك. انتهى.
والحاصل أن الإيتار بواحدة جائز مطلقًا، سواء خشي طلوع الفجر أم لا؛ لوضوح الأدلة على ذلك، فتبصّر بالإنصاف.
٩ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال بتعيّن الشفع قبل الوتر، وهو عن المالكية؛ بناءً على أن قوله: "ما قد صلى" أي: من النفل، وحملَه من لا يشترط سبق الشفع على ما هو أعمّ من النفل والفرض، وقالوا: إن سبق الشفع شرط في الكمال، لا في الصحة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح أن سبق الشفع أفضل، وإلا فالإيتار بركعة واحدة جائزٌ؛ لحديث أبي أيوب ﵁ مرفوعًا: "الوتر حقٌّ، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء بواحدة"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم.
وقد صحّ عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم أوتروا بواحدة، من غير تقدُّم نفل قبلها، ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح، عن السائب بن يزيد، أن عثمان ﵁ قرأ القرآن ليلةً في ركعة، لم يُصَلّ غيرها، وفي "كتاب المغازي" من "صحيح البخاريّ" عن عبد اللَّه بن ثعلبة أن سعدًا ﵁ أوتر
стр. 8819
بركعة، وفي "كتاب المناقب" منه، عن معاوية ﵁ أنه أوتر بركعة، وأن ابن عباس ﵄ استصوبه.
قال في "الفتح": وفي كل ذلك ردٌّ على ابن التين في قوله: إن الفقهاء لم يأخذوا بعمل معاوية ﵁ في ذلك، وكأنه أراد فقهاءهم. انتهى، وسيأتي تمام البحث فيه أيضًا قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الفصل بين كلّ ركعتين من صلاة الليل والنهار:
قال الإمام ابن المنذر ﵀ بعد ذكر حديث ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ ، قال: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة" - ما نصُّهُ: وبهذا قال كثير من أهل العلم.
واختلفوا في صلاة النهار فقالت طائفة: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، رُوي هذا القول عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقال حماد في صلاة النهار: مثنى مثنى، وممن قال: إن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى: مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، واحتجّ أحمد بأحاديث، منها حديث ابن عمر في تطوّع النبيّ ﷺ ، ركعتين بعد الظهر، وحديث العيد ركعتان، والاستسقاء ركعتان، و"إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين، قبل أن يجلس"، والنبيّ ﷺ إذا دخل بيته صلى ركعتين، وذكر أحمد حديث ابن عمر الذي يرويه يعلى بن عطاء، قيل له: أوَليس قد رُوي أنّ النبيّ ﷺ صلى قبل الظهر أربعًا؟ قال: قد رُوي أن النبيّ ﷺ صلى الضحى ثماني ركعات، فتراه لم يسلم فيها؟.
ذهبت طائفة: إلى أن صلاة الليل مثنى مثنى، ويصلي بالنهار أربعًا، ثبت عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، ويصلي بالنهار أربعًا أربعًا، ثم يسلّم.
وقال الأوزاعيّ: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار إن شاء أربعًا قبل أن يسلّم.
стр. 8820
وقال النعمان في صلاة الليل: إن شئت فصلِّ بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًّا، وقال يعقوب، ومحمد: صلاة الليل مثنى مثنى، وقال النعمان: وأما صلاة النهار، فصلِّ بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا.
وكان إسحاق ابن راهويه يقول: الذي نختار له أن تكون صلاته بالليل مثنى مثنى، إلا الوتر، فإن له أحكامًا مختلفة، وأما صلاة النهار، فأختار أن يصلي قبل الظهر أربعًا، وقبل العصر أربعًا، وضحوة أربعًا؛ لما جاء عن ابن مسعود، وعلي، وابن عمر ﵃ من وجه واحد، فإن صلى بالنهار ركعتين ركعتين كان جائزًا.
وذهبت طائفة: إلى أن صلاة الليل والنهار يجزيك التشهد في الصلاة إلا أن تكون لك حاجة، فتسلّم، هكذا قال إبراهيم، وقال عطاء كذلك، وقال الأوزاعي: الرجل في سعة من صلاة النهار أن لا يسلّم من كلّ ثنتين، وأن يفصل بعضها عن بعض بعد أن يتشهد في كل ثنتين.
قال ابن المنذر ﵀: صلاة الليل مثنى مثنى؛ لحديث ابن عمر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي، استحباب صلاة الليل مثنى مثنى؛ لأحاديث الباب، وغيرها، وأما صلاة النهار، فإن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صلى أربعًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوتر:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: دلّت الأخبار على أن فرائض الصلوات خمس، وسائرهنّ تطوّع، وهو قول عوامّ أهل العلم، غير النعمان، فإنه خالفهم، وزعم أن الوتر فرض، وهذا القول مع مخالفته للأخبار الثابتة عن النبيّ ﷺ خلاف ما عليه عوامّ أهل العلم، عالمهم، وجاهلهم، ولا نعلم أحدًا سبقه إلى ما قال، وخالفه أصحابه، فقالوا كقول سائر الناس. انتهى.
وقال الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزيُّ ﵀ في "كتاب الوتر": افترض اللَّه على النبيّ ﷺ ، وأمته أول ما افترض ليلة أُسري به خمس صلوات في اليوم والليلة، فأخبر النبيُّ ﷺ بذلك أمته، ثم لم يزل بعد هجرته، وقدومه المدينة، ونزول الفرائض عليه، فريضة بعد فريضة، من الزكاة، والصيام،
стр. 8821
والحجّ، والجهاد، يُخبر بمثل ذلك إلى أن توفّي -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وقَدِمتْ وفودُ العرب بعد فتح مكة، ورجوعه إلى المدينة، وذلك في سنة تسع وعشر، من البادية، ونواحيها، يسألونه عن الفرائض، يخبرهم في كلّ ذلك أن عدد الصلوات المفترَضَات خمس، ووجّه معاذَ بنَ جبل إلى اليمن، وذلك قبل وفاته بقليل، فأمره أن يُخبرهم بأن فرض الصلوات خمس، ثم آخره ما خطب به بذلك في حجة الوداع، فأخبرهم أن عدد الصلوات المفترَضات خمس، لا أكثر من ذلك، وفيها نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم لم ينزل بعد ذلك فريضة، ولا حرام، ولا حلال، فرجع رسول اللَّه ﷺ ، فمات بعد رجوعه بأقلّ من ثلاثة أشهر، ثم أخبر أبو بكر ﵁ بذلك بعد وفاته، ثم أخبر علي بن أبي طالب ﵁ أن الوتر ليس بحتم، كالصلوات المكتوبة، ولكنه سنة، وغير جائز أن يكون مثل أبي بكر، وعليّ ﵄ يجهلان فريضة صلاة من الصلوات المفروضات، وهما يحتاجان إليها في كل ليلة، حتى يجحدا فرضها، مَن ظنّ هذا بهما، فقد أساء الظنّ بهما.
قال: وكان أبو حنيفة يوجب الوتر، وخالفه أصحابه في الوتر، فقالوا: هو سنة، وليس بفرض. انتهى كلام محمد بن نصر باختصار ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر، وابن نصر -رحمهما اللَّه تعالى- من كون الوتر سنة من السنن، وليس بواجب، هو الحقّ، كما هو مذهب جمهور أهل العلم -رحمهم اللَّه تعالى-؛ لوضوح حجته.
والحاصل أن الوتر سنة مؤكّدة، وليس بواجب؛ لهذه الأدلة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر:
قال النوويُّ ﵀: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا، والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه: يدخل بدخول وقت العشاء، وفي وجه: لا يصحّ الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول: يمتدّ إلى صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الشمس. انتهى.
стр. 8822
وقال الشوكانيُّ ﵀: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر، ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعي أنه يصحّ قبل العشاء، وهو وجه ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حكى صاحب "المفهم" الإجماع على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى.
وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لفذّ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام روايتان.
قال الحافظ: وحَكَى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبيّ عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ هو ما عليه الجمهور من أن وقت الوتر من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم هل الوتر أول الليل أفضل، أم آخره؟:
(اعلم): أنه سيأتي للمصنّف ﵀ في الباب التالي عن جابر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خاف أن لا يقوم، من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل"، وقال أبو معاوية: "محضورة".
وأخرج ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" عن ابن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ قال لأبي بكر: "متى توتر؟ " قال: أُوتِر، ثم أَنَام، قال: "بالحزم أخذت"، وسأل
стр. 8823
عمر، فقال: "متى توتر؟ "، قال: أنام، ثم أقوم من الليل، فأُوتر، قال: "فِعْلِي فَعَلْتَ"، وفي رواية: "بفعل القويّ فعلتَ".
قال الإمام ابن المنذر ﵀ بعد أن أخرج الحديثين- ما نصّه: فدلّ قوله: "وذلك أفضل" على أن الوتر في آخر الليل أفضل.
وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان أبو بكر الصدّيق ﵁ يوتر أول الليل، وكان عثمان بن عفّان ﵁ ينام قبل أن يوتر، ورُوي معنى ذلك عن رافع بن خَدِيج ﵁، وفعل ذلك عائذ بن عمرو ﵁ لمّا أسنّ، وروينا عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه قال: الأكياس الذين إذا علموا أنهم لا يقومون أوتروا من قبل أن يناموا، وأن الأقوياء الذين يوترون آخر الليل، وهو أفضل.
قال: وروينا عن علي بن أبي طالب، أنه لما نظر إلى تباشير الفجر، قال: نعم ساعة الوتر هذه، وكان عائذ بن عمرو يوتر آخر الليل، فلما أسنّ أوتر، ثم نام، وكان عبد اللَّه بن مسعود يوتر آخر الليل، وممن استحبّ الوتر آخر الليل النخعيّ، ومالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي.
قال: ويشبه أن يكون من حجة من رأى أن الوتر أول الليل أفضل حديث أبي هريرة ﵁: "ثلاث أوصاني بهنّ، أن أنام على وتر"، فلما قال النبيّ ﷺ : "من طَمِعَ في أن يستيقظ من آخر الليل، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل"، دلّ على أن قول أبي هريرة ﵁: "ثلاث أوصاني بهنّ: الوتر قبل النوم"، إنما هنّ على معنى الحَذَرِ، والوثيقة، تخوّفًا أن لا يستيقظ، فيوترَ آخر الليل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأفضل لمن يثق بالانتباه آخر الليل فالأفضل أن يؤخّر الوتر إلى آخر الليل، ومن خاف أن لا يقوم فيه، فالأفضل له أن يوتر قبل النوم.
والحاصل أن الأحاديث المطلقة، في الوصية بالوتر قبل النوم، كحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب مقيّدة بمخافة فوات الوتر باستغراقه في النوم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في نقض الوتر:
стр. 8824
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في الرجل يوتر، ثم ينام، ثم يقوم للصلاة.
فقالت طائفة: يصلي إلى الركعة التي أوتر بها قبل أن ينام ركعة أخرى، ثم يصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، واحتجّ بعضهم بأن رسول اللَّه ﷺ أمر أن يجعل آخر الصلاة بالليل وترًا، هكذا قال إسحاق وغيره.
فممن رُوي عنه أنه كان يشفع وتره عثمانُ بن عفّان، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب.
وممن رُوي عنه أنه فعل ذلك علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عباس ﵄، وبه قال عمرو بن ميمون، وابن سيرين.
ومذهب سعد، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن مسعود، وابن سيرين، وإسحاق: إذا نقض وتره أوتر في آخر صلاته، ولعلّ هذا مذهبُ الآخرين، وإن لم يُذكر ذلك عنهم.
قال: وأنكر بعضهم هذا، وقال: إذا نام الرجل، وأحدث أحداثًا، ثم قام، فتوضّأ، وتكلّم بين ذلك، ثم صلى ركعة، وهذه الركعة غير الركعة التي ركعها قبل أن ينام؛ إذ بينهما من الفصل بالنوم والأحداث ما بينهما، ثم إذا صلى، وأوتر بعد ذلك في آخر صلاته، فقد صار مُوتِرًا مرّتين في ليلة، وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا وتران في ليلة" (١)، وإنما قول النبيّ ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" في الرجل يريد الصلاة من الليل، فإذا أراد ذلك، فالسنّة أن يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر آخر صلاته، وليس ذلك لمن قد أوتر مرّة؛ إذ ليس من السنّة أن يوتر في ليلة مرتين، والدليل على أن معنى قول ابن عمر المعنى الذي قلناه أن ابن عمر، وهو الراوي لقول النبيّ ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، وقد سئل عن نقض الوتر، فقال: إنما هو شيء أفعله برأيي، لا أرويه عن أحد.
ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن مسروق، أنه قال: سألت ابن عمر عن نقضه الوتر؟ فقال: إنما هو شيء أفعله برأيي، لا أرويه عن أحد.
стр. 8825
قال ابن المنذر ﵀: ولا أعلم اختلافًا في أن رجلًا بعد أن أدى صلاة فرض كما فُرضت عليه، ثم أراد بعد أن فرغ منها نَقْضَها أن لا سبيل له إليه، فحُكْمُ المختَلَفِ فيه من الوتر حُكْمُ ما لا نعلمهم اختلفوا فيه، مما ذكرناه، وكذلك الحجّ، والصوم، والعمرة، والاعتكاف، لا سبيل إلى نقض شيء منها بعد أن يُكْمِلها.
رَوَينا عن أبي بكر الصدّيق ﵁ أنه قال: أما أنا فإني أنام على وتر، فإن استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، وروي هذا القول عن ابن عبّاس، خلاف القول الأول، ورَوَينا ذلك عن عائذ بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعائشة ﵃، ومَن رُوي عنه من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في هذه المسألة قولان، فلعلّه قد فعل الفعلين جميعًا.
وكان علقمة لا يرى نقض الوتر، وهكذا مذهب النخعيّ، وطاوس، وأبي مِجْلَز، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور. انتهى كلام ابن المنذر ﵁ باختصار.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المذهب الراجح عندي هو مذهب أكثر أهل العلم، وهو عدم نقض الوتر؛ إذ لا دليل عليه، كما قرره ابن المنذر ﵀، وأن من صلى الوتر قبل النوم، ثم استيقظ بعد النوم صلى ركعتين ركعتين، وأما احتجاج القائلين بنقض الوتر بحديث: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، فالجواب عنه أن الأمر فيه ليس للإيجاب، وإنما هو للاستحباب، بدليل أنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا، فإنه يدلّ على أن الأمر المذكور للاستحباب، لا للإيجاب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في حكم قضاء الوتر:
قال في "الفتح": اختَلَفَ السلف في مشروعية قضائه، فنفاه الأكثر، وفي "صحيح مسلم" وغيره عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره، فلم يَقُمْ من الليل، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً.
وقال محمد بن نصر ﵀: لم نَجِدْ عن النبيّ ﷺ في شيء من الأخبار، أنه قَضَى الوتر، ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنه ﷺ في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر، فلم يُصِبْ.