٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل باب.
٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٦ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ مدلّسٌ، اختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٧ - (الْأَغَرُّ أَبُو مُسْلِمٍ) المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وكانا اشتركا في عتقه.
ورَوَى عنه عليّ بن الأقمر، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وهلال بن يساف، وطلحة بن مُصَرِّف، وغيرهم.
وزعم قوم أنه أبو عبد اللَّه سلمان الأغر، وهو وَهَمٌ، وممن زعم ذلك عبد الغنيّ بن سعيد، وسبقه الطبرانيّ، وزاد الوهم وَهَمًا، فزعم أن اسم الأغر مسلم، وكنيته أبو عبد اللَّه، فأخطأ؛ فإن الأغر الذي يُكنى أبا عبد اللَّه، اسمه سلمان، لا مسلم، وتفرد بالرواية عنه أهل المدينة، وأما هذا فإنما رَوَى عنه أهل الكوفة، وكأنه اشتبه على الطبراني بمسلم المدنيّ شيخٍ للشعبيّ، فإنه يروي أيضًا عن أبي هريرة، لكنه لا يلقب بالأغرّ، وأما أبو مسلم هذا فالأغرّ اسمه، لا لقبه.
وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال البزار: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي "تاريخ البخاري": ويقال عن ابن أبجر، عن أبي إسحاق، عن أَغَرّ بن سُليك، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وكانا اشتركا في عتقه، وجزم عبد الغنيّ بوهم ابن أبجر في تسمية والد الأغرّ هذا، وقال: إن الأغرّ بن سُليك آخر. انتهى (١).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في
стр. 8892
هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٥٨) وحديث (٢٦٢٠): "العزّ إزاره" والكبرياء رداؤه. . . "، و (٢٧٠٠): "لا يقعد قوم يذكرون اللَّه . . . "، و (٢٨٣٧): "ينادي مناد إن لكم أن تصحّوا. . . ".
[تنبيه]: وقع في "شرح النوويّ" هنا غلط، وهو أنه قال: الأغرّ لقبٌ، واسمه سلمان. انتهى، فقد اشتبه عليه بسلمان الأغرّ الذي تقدّم في أول حديث هذا الباب، وهو أبو عبد اللَّه الأغرّ، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٨ - (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁ تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ذُكر في الحديث الماضي.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ) أي: يؤخّر النزول إلى السماء الدنيا.
وقوله: (يَنْفَجِرَ الْفَجْرَ) وفي نسخة: "حتى يتفجّر"؛ أي: حتى ينشقّ، ويطلع، ويظهر الصبح، وهو غاية للقول، يعني أنه لا يزال يقول: "هل من مستغفر إلخ" إلى أن يضيء الفجر.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (١)، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَنْصُورٍ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلّهم تقدّم قبل ثلاثة أبواب، غير أبي إسحاق، ففي السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد أبي إسحاق الماضي، وهو: عن الأغرّ أبي مسلم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄.
стр. 8893
[تنبيه]: رواية شعبة، عن أبي إسحاق هذه ساقها الإمام ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٢/ ١٨٢) فقال:
(١١٤٦) نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأغرّ، قال: أشهد على أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، أنهما شهدا على رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه يُمْهِل حتى يذهب ثلث الليل، فيَنْزِل، فيقول: هل من سائل، هل من تائب، هل من مستغفر من ذنب؟ فقال له رجل: حتى مطلع الفجر؟ قال: نعم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٧) - (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَبَيَانِ دَلَيلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قيام رمضان يُسمّى بالتراويح، قال الإمام البخاريُّ في "صحيحه": "كتاب صلاة التراويح".
قال في "الفتح": والتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، كتسليمة من السلام، سُمِّيت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أَوّلَ ما اجتمعوا عليها، كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وقد عَقَدَ محمد بن نصر في "قيام الليل" بابين لمن استَحَبّ التطوع لنفسه بين كل ترويحتين، ولمن كره ذلك، وحَكَى فيه عن يحيى بن بكير، عن الليث، إنهم كانوا يستريحون قدر ما يصلي الرجل كذا كذا ركعة. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٧٩] (٧٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
стр. 8894
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ) شرطيّة مبتدأ (قَامَ رَمَضَانَ) أي: قام لياليه مُصَلِّيًا، والمراد من قيام الليل ما يَحصُل به مطلق القيام، وذكر النوويّ أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرمانيّ، فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، قاله في "الفتح".
(إِيمَانًا) أي: تصديقًا بوعد اللَّه بالثواب عليه (وَاحْتِسَابًا) أي: طلبًا لوجه اللَّه تعالى وثوابه، لا لقصدٍ آخر، من رياء، أو نحوه، وهما منصوبان على أنهما هما حالان متداخلتان، أو مترادفتان على تأويل مؤمنًا ومحتسبًا، وقيل: إنهما منصوبان على التمييز، أو على المفعوليّة من أجله.
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: قوله: "إيمانًا": أي: تصديقًا بأنه حقّ وطاعةٌ، وقوله: "واحتسابًا": أي: طلبًا لمرضاة اللَّه تعالى وثوابه، لا بقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك، مما يخالف الإخلاص، والاحتسابُ من الْحَسْب، وهو العدُّ، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه تعالى: احتَسَبَهُ؛ لأن له حينئذ أن يَعْتَدَّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه مُعتدّ به. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: الاحتساب من الْحَسْبِ، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه تعالى: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتدّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والحِسْبة اسم من
стр. 8895
الاحتساب، كالعدّة من الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو الْبِدَار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوّ منها. انتهى (١).
(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، جواب "من"، وهو: من الغَفْر، وهو الستر، ومنه الْمِغْفر وهو الْخُوذة (٢)، وفي "العباب": الغَفْر: التغطية، والغَفْر، والغُفْران، والمغفرة واحد، ومغفرة اللَّه تعالى لعبده إلباسه إياه العفوَ، وستره ذنوبه (٣).
قال في "الفتح": وظاهر الحديث يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النوويّ ﵀: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، قال بعضهم: ويجوز أن يُخَفَّف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة.
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: قوله: "غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وإلى ذلك جنح ابن المنذر، فقال: هو قولٌ عامٌّ يُرْجَى لمن قامها إيمانًا واحتسابًا أن يغفر له جميع ذنوبه، صغيرُها وكبيرُها.
وقال النوويّ في "شرح المهذَّب": قال إمام الحرمين: كلُّ ما يَرِدُ في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمول على الصغائر، دون الموبقات، قال النوويّ ﵀: وقد ثبت في "الصحيح" ما يؤيده.
فمن ذلك حديث عثمان ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبةٌ، فيُحْسِن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت له كفّارةً لما قبلها، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهرَ كله"، رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "الصلوات الخمس، والجمعة
стр. 8896
إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارةٌ لما بينها من الذنوب، إذا اجتُنِبت الكبائر"، رواه مسلم.
قال النوويُّ ﵀: وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان:
[أحدهما]: تكفّر الصغائر بشرط ألا يكون هناك كبائر، فإن كانت كبائر، لم يُكَفَّر شيء، لا الكبائر، ولا الصغائر.
[والثاني]: وهو الأصح المختار أنه يُكَفَّر كل الذنوب الصغائر، وتقديره: تغفر ذنوبه كلُّها إلا الكبائر، قال القاضي عياض ﵀: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر، هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تُكَفِّرها التوبةُ أو رحمةُ اللَّه تعالى. انتهى (١).
(مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ") "ما" نائب فاعل لـ "غُفِرَ"، و"من ذنبه" بيان لـ "ما".
قال الحافظ ﵀: زاد قتيبة، عن سفيان، عند النسائيّ: "وما تأخر"، وكذا زادها حامد بن يحيى، عند قاسم بن أصبغ، والحسين بن الحسن المروزيّ، في "كتاب الصيام" له، وهشام بن عمار في الجزء الثاني عشر من "فوائده"، ويوسف بن يعقوب النجاحي في "فوائده"، كلهم عن ابن عيينة، ووردت هذه الزيادة من طريق أبي سلمة، من وجه آخر، أخرجها أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن ثابت، عن الحسن، كلاهما عن النبيّ ﷺ ، ووقعت هذه الزيادة من رواية مالك نفسِهِ، أخرجها أبو عبد اللَّه الجرجانيّ في "أماليه" من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن مالك، ويونس، عن الزهريّ، ولم يتابع بحر بن نصر على ذلك أحد من أصحاب ابن وهب، ولا من أصحاب مالك، ولا يونس، سوى ما تقدّمناه، وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدةُ أحاديث، جمعتها في كتاب مفرد.
وقد استُشْكِلت هذه الزيادة من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء يُغْفَر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يُغفَر؟.
стр. 8897
والجواب عن ذلك يأتي في قوله ﷺ حكايةً عن اللَّه أنه قال في أهل بدر: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".
ومُحَصَّل الجواب أنه قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورةً، وبهذا أجاب جماعةٌ، منهم الماورديّ في الكلام على حديث صيام عرفة، وأنه يُكَفِّر سنتين: سنةً ماضيةً، وسنة آتيةً. انتهى كلام الحافظ ﵀.
وقال وليّ الدين ﵀ في "شرح التقريب" ما نصّه: في "مسند أحمد"، و"معجم الطبرانيّ الكبير"، عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن ليلة القدر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "في رمضان"، فذكر الحديث، وفيه: "فمن قامها ابتغاءها إيمانًا واحتسابًا، ثم وُفِّقت له، غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن.
وفيه زيادة: "وما تأخر"، وقد يُستشكَل معنى مغفرة ما تأخر من الذنوب، وهو كقوله ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁: "صيام عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده"، فتكفير السنة التي بعده كمغفرة المتأخر من الذنوب، وقد قال السرخسي من أصحابنا الشافعية: اختَلَف العلماء في معنى تكفير السنة المستقبلة، فقال بعضهم: إذا ارتكب فيها معصية جَعَل اللَّه تعالى صوم عرفة الماضي كفارةً لها، كما جعله مُكَفِّرًا لما قبله في السنة الماضية، وقال بعضهم: معناه أن اللَّه تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يُحْوِجه إلى كفارة، وأطلق الماوردي في "الحاوي" في السنتين معًا تأويلين:
أحدهما: أن اللَّه تعالى يغفر له ذنوب سنتين.
والثاني: أنه يعصمه في هاتين السنتين، فلا يَعْصي فيهما.
وقال صاحب "العدّة": في تكفير السنة الأخرى يَحْتَمِل معنيين:
أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفّر سنتين ماضيتين.
والثاني: أنه أراد سنةً ماضيةً، وسنةً مستقبلةً، قال: وهذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات أنه يكفّر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاص
стр. 8898
برسول اللَّه ﷺ غَفَر اللَّه له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر بنص القرآن العزيز، ذكر ذلك كله النوويّ في "شرح المهذب"، وهذا يأتي مثله هنا، فيكون مغفرةُ ما تأخر من الذنوب إما أن يراد بها العصمة من الذنوب، حتى لا يقع فيها، وإما أن يراد به تكفيرها، ولو وقع فيها، ويكون المكفَّر متقدمًا على المكفَّر، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن ما دلّ عليه ظاهر النصّ هو الأقرب لحمل المراد من الحديث عليه، وهو أن التكفير معناه في اللغة المحو، قال الفيّوميُّ ﵀: "وكفّر اللَّه عنه الذنبَ: محاه، ومنه الكفّارة؛ لأنها تكفّر الذنب". انتهى (٢).
فيكون المراد بتكفير الذنب المستقبل أنه يُمْحَى إذا وقع، ولكن لا يُستبعد أن يَمُنّ اللَّه تعالى على عبده إذا صام يوم عرفة، أو قام رمضان، أو ليلة القدر، أو نحو ذلك، مما فيه تكفير ما تأخّر من الذنوب بأن يعصمه، ويحفظه من الوقوع في الذنوب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ١٧٧٩ و ١٧٨٠] (٧٥٩)، و (البخاريّ) في "كتاب صلاة التراويح" (٢٠٠٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٧١)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٨٠٨)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (٣/ ٢٠١ و ٢٠٢) و"الصيام" (٤/ ١٥٦) و"الإيمان" (٨/ ١١٧ و ١١٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٢٦)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١١٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٧١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨١ و ٢٨٩)، و (الدارميّ) في
стр. 8899
"سننه" (٢/ ٢٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٠٢ و ٢٢٠٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٣٨ و ٣٠٣٩ و ٣٠٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٣٠ و ١٧٣١ و ١٧٣٢ و ١٧٣٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٩١ و ٤٩٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٨٨ و ١٧٠٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على قيام رمضان، وبيان عظم ثوابه.
٢ - (ومنها): بيان فضل شهر رمضان وعظم قدر ما منّ اللَّه على هذه الأمة بغفران ما تقدّم من ذنوبهم إذا قاموه إيمانًا واحتسابًا.
٣ - (ومنها): بيان وجوب التصديق بالعمل الذي يعمله الشخص، وهذا معنى قوله: "إيمانًا"؛ أي: مصدّقًا بكونه طاعةً للَّه تعالى، فلا ينفع العمل بلا تصديق.
٤ - (ومنها): الحثّ على إخلاص العمل للَّه ، وأنه لا ينفع إلا إذا ابتُغي به وجهه، وطُلب الأجر منه وحده، وهذا معنى قوله: "واحتسابًا".
٥ - (ومنها): بيان أن بعض الأعمال تكفّر الذنوب الماضية كلّها، أما الصغائر فلا خلاف فيها، وأما الكبائر، فيُرجى من اللَّه عفوها، بل إذا لم يكن للعبد إلا الكبائر، فلا بدّ من تخفيفها، واللَّه ذو الفضل العظيم.
٦ - (ومنها): بيان جواز إطلاق لفظ "رمضان" من غير إضافة "شهر" إليه؛ خلافًا لمن منع ذلك، حتى يقال: شهر رمضان، قال: لأن "رمضان" اسم من أسماء اللَّه تعالى، وهذا باطلٌ؛ لأن ذلك لم يصحّ عن النبيّ ﷺ ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة التراويح:
قال النوويُّ ﵀: اتفق العلماء على استحباب صلاة التراويح، واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردًا في بيته، أم في جماعة في المسجد؟ فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض المالكية، وغيرهم الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﵃، واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد.
стр. 8900
وقال مالك، وأبو يوسف، وبعض الشافعية، وغيرهم: الأفضل فُرَادى في البيت؛ لقوله ﷺ : "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". انتهى (١).
وقال في "الفتح": وبالغ الطحاويّ، فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية، وقال ابن بطال: قيام رمضان سنةٌ؛ لأن عمر ﵁ إنما أخذه من فعل النبيّ ﷺ ، وإنما تركه النبيّ ﷺ خشيةَ الافتراض، وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختلّ الجماعة في المسجد بتخلّفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواءٌ، فمن فَقَدَ بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح القول بأفضليّة التراويح في البيت، كسائر النوافل؛ لأمره ﷺ بذلك، حيث قال: "فصلّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"، متّفقٌ عليه، وهذا قاله في صلاة التراويح الذي سيأتي في حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب.
هذا كلّه في حقّ من يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا يغلبه النوم لو صلّى في بيته، وأما من كان يخشى أن لا يقوم في البيت، بأن يغلبه النوم، أو يحصل له تشويش من أهل بيته، أو نحو ذلك مما يصدّه عن قيام الليل، فالأفضل في حقّه أن يصلي في المسجد، وعلى هذا يدلّ فعل عمر ﵁، فإنه لَمّا جمع الناس في المسجد على إمام واحد، لم يكن يصلي معهم، بل قال: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، رواه البخاريّ.
والحاصل أن صلاة التطوّع في البيت أفضل، سواء كان التراويح، أم غيره لمن كان نشطًا، ولا يمنعه منه مانع، وأما من يخشى أن يفوته بسبب من الأسباب، فصلاته مع الجماعة خير له، وأما القول بوجوب صلاة التراويح
стр. 8901
جماعة، كما تقدّم عن الطحاوي، فبطلانه واضح، وكذا القول بأفضليّته في المسجد مطلقًا ليس بصحيح؛ لما ذكرته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد صلاة التراويح:
قال القرطبيُّ ﵀: اختُلِف في المختار من عدد القيام، فعند مالك أن المختار من ذلك ستّ وثلاثون؛ لأن ذلك عَمَلُ أهل المدينة المتّصل (١)، وقد قال نافعٌ: لم أُدرك الناس إلا وهم يقومون بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث، وقال الشافعيّ: عشرون ركعةً، وقال كثير من أهل العلم: إحدى عشرة ركعةً، أخذًا بحديث عائشة ﵂ المتقدّم. انتهى (٢).
وقال في "الفتح" ما حاصله: اختُلِف في عدد الركعات التي كان أُبيّ بن كعب ﵁ يصليها بالناس لَمّا أمره عمر ﵁، ففي "الموطأ" عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، أنها إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر، وزاد فيه: "وكانوا يقرؤون بالمائتين، ويقومون على العِصِيّ من طول القيام"، ورواه محمد بن نصر المروزيّ، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن يوسف، فقال: "ثلاث عشرة"، ورواه عبد الرزاق، من وجه آخر، عن محمد بن يوسف، فقال: "إحدى وعشرين"، ورَوَى مالك، من طريق يزيد بن خُصَيفة، عن السائب بن يزيد: "عشرين ركعةً"، وهذا محمول على غير الوتر، وعن يزيد بن رُومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين، ورَوَى محمد بن نصر، من طريق عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة، وثلاث ركعات الوتر.
стр. 8902
والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويَحْتَمِل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يُطيل القراءة تَقِلّ الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداوديّ وغيره، والعدد الأول موافقٌ لحديث عائشة ﵂: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً"، والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارةً يوتر بواحدة، وتارة بثلاث.
ورَوَى محمد بن نصر، من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، يعني بالمدينة، يقومون بست وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث، وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا، وعن الزعفرانيّ، عن الشافعيّ: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق، وعنه قال: إن أطالوا القيام، وأقلُّوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود، وأخفُّوا القراءة فحسن، والأول أحب إليّ.
وقال الترمذيّ: أكثر ما قيل فيه أنها تُصَلَّى إحدى وأربعين ركعةً، يعني بالوتر، كذا قال، وقد نَقَل ابنُ عبد البر، عن الأسود بن يزيد: تُصَلَّى أربعين، ويوتر بسبع، وقيل: ثمان وثلاثين، ذكره محمد بن نصر، عن ابن أيمن، عن مالك، وهذا يمكن ردُّه إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرَّح في روايته بأنه يوتر بواحدة، فتكون أربعين إلا واحدة، قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة، وعن مالك: ستًا وأربعين، وثلاث الوتر، وهذا هو المشهور عنه، وقد رواه ابن وهب عن العُمَريّ، عن نافع، قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعًا وثلاثين، يوترون منها بثلاث، وعن زُرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعًا وثلاثين، ويوتر، وعن سعيد بن جبير: أربعًا وعشرين، وقيل: ست عشرة، غير الوتر، رُوي عن أبي مِجْلَز عند محمد بن نصر، وأخرج من طريق محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن يوسف، عن جدّه السائب بن يزيد، قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة، قال ابن إسحاق: وهذا أثبت ما سمعت في ذلك، وهو موافقٌ لحديث عائشة ﵂ في صلاة النبيّ ﷺ من الليل، واللَّه أعلم. انتهى (١).
стр. 8903
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في "الفتاوى الكبرى": قد ثبت أن أُبيّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة، في قيام رمضان، ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقام بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكرٌ، واستَحَبّ آخرون تسعة وثلاثين ركعةً؛ بناءً على أنه عمل أهل المدينة القديم، وقال طائفة: قد ثبت في "الصحيح" عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لِمَا ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين، والصواب أن ذلك جميعه حسنٌ، كما قد نَصّ على ذلك الإمام أحمد ﵀، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبيّ ﷺ لم يوقت فيها عددًا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبيّ ﷺ كان يطيل القيام بالليل، حتى قد ثبت عنه من حديث حذيفة ﵁ أنه كان يقرأ في الركعة بـ "البقرة"، و"النساء"، و"آل عمران"، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات، وأُبي بن كعب لَمّا قام بهم، وهم جماعة واحدة، لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكَثَّر الركعات؛ ليكون ذلك عوضًا عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعةً، أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضَعُفوا عن طول القيام، فكَثَّروا الركعات حتى بلغت تسعًا وثلاثين. انتهى كلامه ﵀ (١).
وقال ﵀ في موضع آخر من "الفتاوى" أيضًا: وكان النبيّ ﷺ قيامه بالليل هو وِتْرَه، يصلي بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعةً، لكن كان يصليها طوالًا، فلما كان ذلك يشق على الناس، قام بهم أُبي بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة، يوتر بعدها، ويخفف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضًا عن طول القيام، وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة، فيكون قيامها أخفّ، ويوتر بعدها بثلاث، وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعةً، يوتر بعدها. انتهى كلام
стр. 8904
شيخ الإسلام ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أنه لا يتعيّن في قيام رمضان عدد معينّ من الركعات، ولا من القراءة، وإنما ذلك بحسب أحوال الناس، فإذا كان لهم نشاطٌ على أن يصلّوا صلاة النبيّ ﷺ إحدى عشرة ركعة بطولها، فهو الأحسن، وإن ضعفوا عن ذلك، فكثّروا الركعات عوضًا عن تطويل القراءة، فلا بأس، سواء صلّوا عشرين، أو أقلّ، أو أكثر، وأما التزام عشرين ركعةً، بحيث لا يزيد، ولا ينقص، فمما لا دليل عليه، بل هو من اعتقاد العوامّ الذين لا دراية لهم بالسنّة، فلا تغترّ بهم، فالشأن في الأدلّة، لا فيما رآه الجِلّة.
قال العلامة الشوكانيُّ ﵀: والحاصل أن الذي دلّت عليه الأحاديث هو مشروعيّة القيام في رمضان، والصلاة فيه جماعةً وفُرادى، فقصر الصلاة المسمّاة بالتراويح على عدد معيّن، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم ترد به سنة. انتهى، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين ﵀: ليس المراد بقيام رمضان قيام جميع ليله، بل يحصل ذلك بقيام يسير من الليل، كما في مطلق التهجد، وبصلاة التراويح وراء الإمام، كالمعتاد في ذلك، وبصلاة العشاء والصبح في جماعة؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله"، رواه مسلم في "صحيحه" بهذا اللفظ، وأبو داود بلفظ: "من صلى العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة، كان كقيام ليلة"، وكذا لفظ الترمذيّ: "ومن صلى العشاء والفجر في جماعة"، ورواية مسلم في ذلك محمولة على روايتهما، فمعنى قوله: "ومن صلى الصبح في جماعة"؛ أي: مع كونه كان صلى العشاء في جماعة، وكذلك جميع ما ذكرناه يأتي في تحصيل قيام ليلة القدر.
стр. 8905
وقد رَوَى الطبراني في "معجمه الكبير" عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة، فقد أخذ بحظه من ليلة القدر"، لكن في إسناده مسلمة بن عليّ، وهو ضعيف، وذكره مالك في "الموطأ" بلاغًا عن سعيد بن المسيِّب أنه كان يقول: من شَهِد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها.
وقال ابن عبد البر ﵀: مثل هذا لا يكون رأيًا، ولا يؤخذ إلا توقيفًا، ومراسيل سعيد أصحّ المراسيل. انتهى.
وقال الشافعيُّ ﵀: في كتابه القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها، ولا يُعْرَف له في الجديد ما يخالفه.
وقد ذكر النوويّ في "شرح المهذَّب" أن ما نصّ عليه في القديم، ولم يتعرض له في الجديد بموافقة، ولا بمخالفة، فهو مذهبه بلا خلاف، وإنما رجع من القديم عن قديمٍ نَصّ في الجديد على خلافه.
ورَوَى الطبرانيّ في "معجمه الأوسط" بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة، وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد، كان كعَدْل ليلة القدر"، وهذا أبلغ من الحديث الذي قبله؛ لأن مقتضاه تحصيل فضيلة ليلة القدر، وإن لم يكن ذلك في ليلة القدر، فما الظنّ بما إذا كان ذلك فيها؟. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "وهذا أبلغ. . . إلخ" بعد أن اعترف بضعف الحديث عجيب من مثل الحافظ ولي الدين ﵀، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 8906
يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ (١)، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر، صاحب "المصنّف"، ثقةٌ حافظ، تغيّر في آخره، ويتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يُرَغِّبُ. . . إلخ) من الترغيب؛ أي: يحثّهم على قيام لياليه بالطاعة، من الصلاة، وغيرها.
قال القرطبيُّ ﵀: هذا يدلّ على أن قيام الليل في رمضان من نوافل الخير، ومن أفضل أعمال البرّ، لا خلاف في هذا، وإنما الخلاف في الأفضل منه، هل إيقاعه في البيت، أو في المسجد؟، فذهب مالك إلى أن إيقاعه في البيت أفضل لمن قَوِيَ عليه، وكان أوّلًا يقوم في المسجد، ثم ترك ذلك، وبه قال أبو يوسف، وبعض أصحاب الشافعيّ.
وذهب عبد الحكم، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى أن حُضُورها في الجماعة أفضلُ، وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم، ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يُخْرَجوا إليه.
والحجة لمالك قوله ﷺ : "فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، متّفقٌ عليه، وقول عمر ﵁: "نِعْمت البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون"، رواه البخاريّ.
стр. 8907
وحجة مخالفه أن النبيّ ﷺ قد صلّاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منعه من الدوام على ذلك، وهي خشية أن تُفْرَضَ عليهم، ثم إن الصحابة ﵃ كانوا يُصلّونها في المسجد أوزاعًا متفرّقين إلى أن جمعهم عمر ﵃ على قارئ واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبتت سنّيّته بذلك.
قال: ومالك أحقّ الناس بالتمسّك بهذا؛ بناءً على أصله في التمسّك بعمل أهل المدينة. انتهى كلام القرطبيُّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة الخامسة من شرح الحديث الماضي، وأن الأرجح هو ما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ من كون صلاة التراويح في البيت أفضل لمن قَوِيَ عليه؛ لقوّة حجّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (بِعَزِيمَةٍ) أي: بعزم وقطع، يعني من غير أن يفرضه عليهم، قال الراغب الأصفهانيُّ ﵀: الْعَزْمُ والعزيمة: عَقْدُ القلب على إمضاء الأمر. انتهى، وقال النوويُّ ﵀: معناه: لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب. انتهى.
وفيه التصريح بعدم وجوب قيام رمضان.
وقوله: (فَيَقُولُ. . . إلخ) بيان وتفسير للترغيب المذكور.
وقوله: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا. . . إلخ) قال الطيبيُّ ﵀: أي: أتى بقيامٍ، وهو التراويح، أو قام إلى صلاة رمضان، أو إلى الصلاة ليالي رمضان؛ إيمانًا باللَّه تعالى، وتصديقًا بأنه يُقرّب إليه، وطلبًا لوجه اللَّه تعالى، غُفر له سوابق الذنوب. انتهى.
وقوله: (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . إلخ) كذا وقع مدرجًا في نفس الخبر عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، وهو قول الزهريّ، صرّح به مالك في "الموطّأ"، والبخاريّ في "صحيحه"، ومحمد بن نصر في "قيام الليل" من رواية مالك، قال الباجيّ: وهذا مرسلٌ، أرسله الزهريّ، وأدرجه معمر في نفس
стр. 8908
الحديث، أخرجه مسلم، والترمذيّ، وأبو داود من طريق معمر، عن ابن شهاب. انتهى (١).
وقوله: (وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أي: على ترك الناس الاجتماع على إمام واحد في التراويح، بل كانوا يصلّون أوزاعًا متفرّقين، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرهط، ويصلي بعضهم في أول الليل، وبعضهم في آخره، وبعضهم في بيته، وبعضهم في المسجد، إما لكونهم معتكفين، أو لأنهم من أهل الصفّة، أو لغير ذلك.
(ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. . . إلخ) أي: كان أمر قيام رمضان على وفق ما كان عليه في زمان رسول اللَّه ﷺ في خلافة أبي بكر الصدّيق ﵁ كلّها.
وقوله: (وَصَدْرًا) بالنصب عطف على خبر "كان".
وقوله: (وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ) ﵁ أي: في أول خلافته، وصدرُ الشيء وجهه وأوله.
قال القرطبيُّ ﵀: أي: لم يزل أمر قيام رمضان معلوم الفضيلة، يقومونه، لكن متفرّقين، وفي بيوتهم، ولم يجتمعوا على قارئ واحد، حتى كان عمر ﵁ جمعهم على أُبيّ بن كعب ﵁ في المسجد، كما ذكره مالك ﵀ في "الموطأ". انتهى (٢).
وقوله: (عَلَى ذَلِكَ) أي: على ما ذُكر، فهو تكرار لما مضى؛ تأكيدًا، ولم يُكرّر في رواية البخاريّ، ولفظه: "قال ابن شهاب: فتُوفّي رسول اللَّه ﷺ ، والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ﵄". انتهى.
[تنبيه]: بيّن الإمام البخاريُّ ﵀ في "صحيحه" سبب جمع عمر ﵁ الناس في التراويح، فقال: وعن ابن شهاب (٣)، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبْد القاريّ، أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه،
стр. 8909
ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل، ثم عَزَمَ، فجمعهم على أُبَيّ بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨١] (٧٦٠) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبر الدستوائيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي الكلام على ليلة القدر قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 8910
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَيُوَافِقُهَا -أُرَاهُ قَالَ- إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار الفزاريّ مولاهم المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور بن المعتمر [٧] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ٩٩٩.
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والصحابيّ ﵁ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشبابة، وورقاء، فمدائنيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
стр. 8911
٥ - (ومنها): أنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، على ما رُوي عن البخاريُّ ﵀.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ) شرطيّة (يَقُمْ) -بفتح الياء- من قام يقوم، قال في "العمدة": وهو مُتَعَدٍّ هنا، والدليل عليه ما جاء في رواية أخرى للبخاريّ ومسلم، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لرمضان: "من قامه إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه"، وفي رواية للنسائيّ: "فمن صامه، وقامه إيمانا واحتسابًا، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، قال: قوله: (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) مفعول به لـ "يَقُم"، وليس مفعولًا فيه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أجد في كتب اللغة التي بين يديّ أن "قام" هذا (٢) يتعدّى بنفسه، والذي يظهر لي أن "ليلةَ القدر" منصوب على الظرفيّة لـ "يقم"، وأما ما احتجّ به على تعدّيه بنفسه من قوله: "قامه"، فجوابه من باب الحذف والإيصال؛ أي: قام فيه، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
قال القرطبيُّ ﵀: اختُلِف في الْقَدَرِ الذي أُضيفت الليلة إليه، فقال ابن عبّاس ﵄: الْقَدَرُ: العَظَمَةُ، من قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية [الأنعام: ٩١]؛ أي: ما عَظَّموا اللَّه حقّ عَظَمته، وقال مجاهد: الْقَدَر: تقدير الأشياء من أمور السنة، وقال ابن الفضل: يعني سَوْقَ المقادير إلى المواقيت، وقيل: قُدِّر في وقتها إنزال القرآن. انتهى (٣).
وقال في "العمدة": قيل: سُمِّيت ليلة القدر؛ لما تَكتُب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة؛ أي: يُظْهِرهم اللَّه تعالى
стр. 8912
عليه، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وقيل: لعظم قدرها وشرفها، وقيل: لأن من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر، وقيل: لأن الطاعات لها قدر زائد فيها (١).
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: "ليلة القدر" -بفتح القاف، وإسكان الدال، ويجوز فتحها، كما سأبينه- سُمَّيت بذلك لعظم قدرها؛ لما لها من الفضائل؛ أي: ذات القدر العظيم، أو لِمَا يَحصُل لِمُحْيِيها بالعبادة من القدر العظيم، أو لأن الأشياء تُقَدَّر فيها وتُقْضُى، أقوال، ويؤيد الأولين قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ٣]، ويؤيد الأخير قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٤].
وإنما جَوَّزت فتح الدال؛ لأنها إن كانت سُمِّيت بذلك لعظم قدرها، فقد قال في "الصحاح": قَدْرُ الشيء مبلغه، وقَدْرُ اللَّهُ وقَدَرُهُ بمعنى، وهو في الأصل مصدرٌ، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ أي: ما عَظَّموا اللَّه حقّ تعظيمه، وإن كان من التقدير، فقد قال في "الصحاح" عقبه: والقَدْرُ والْقَدَرُ أيضًا: ما يُقَدِّره اللَّه من القضاء، وأنشد الأخفش:
أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالْقَدْرِ … وَلِلأَمْرِ يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي (٢)
وكذا قال في "المحكم": الْقَدْرُ وَالْقَدَرُ: القضاء. انتهى.
وقال ابن العربيُّ في "شرح الترمذيّ: هي ليلة القَدْرِ والقَدَر، فأما الأول، فالمراد به الشَّرَف، كقولهم: لفلان قَدْرٌ في الناس، يَعْنُون بذلك مزيةً وشَرَفًا، والثاني القَدَر بمعنى التقدير، قال اللَّه تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٤]، قال علماؤنا: يُلْقِي اللَّه فيها لملائكته ديوان العام. انتهى.
وهو يوهم أنه لا يجوز مع تسكين الدال إرادةُ التقدير، وليس كذلك، كما علمت، وقد جَوَّز المفسرون في الآية إرادةَ الشرف والتقدير، مع كونه لم يُقْرأ إلا بالإسكان، وجزم الهرويّ وابن الأثير في تفسيرها بالتقدير، فقالا:
стр. 8913
وهي الليلة التي تُقَدَّر فيها الأرزاق، وتُقْضَى، وصححه النوويّ، فقال في "شرح المهذب": سُمَّيت ليلة القدر؛ أي: ليلة الحكم والفصل، هذا هو الصحيح المشهور، وحكاه في "شرح مسلم" عن العلماء. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ.
[فإن قلت]: لماذا عَبَّر هنا في ليلة القدر بالمصارع في الشرط، وبالماضي في جوابه، بخلافه في رمضان؟.
[قلت]: أجاب الكومانيّ ﵀: بأن لذلك نكتةً لطيفةً، قال: لأن قيام رمضان محقَّق الوقوع، وكذا صيامه، بخلاف قيام ليلة القدر، فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل. انتهى. قال في "الفتح": وفيه نظرٌ.
وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء؛ إشارةً إلى تحقق وقوعه، فهو نظير قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [النحل: ١].
وفي استعمال الشرط مضارعًا، والجواب ماضيًا نزاع بين النحاة، فمنعه الأكثر، وأجازه آخرون، لكن بقلّة، استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ الآية [الشعراء: ٤]؛ لأن قوله: ﴿فَظَلَّتْ﴾ بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلّوا أيضًا بهذا الحديث.
قال الحافظ: وعندي في الاستدلال به نظر؛ لأنني أظنه من تصرف الوواة؛ لأن الروايات فيه مشهورة، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ المضارع في الشرط والجزاء، وقد رواه النسائيّ عن محمد بن علي بن ميمون، عن أبي اليمان، شيخ البخاريّ فيه، فلم يغاير بين الشرط والجزاء، بل قال: "من يقم ليلة القدر، يغفر له"، ورواه أبو نعيم في "المستخرج" عن سليمان، وهو الطبرانيّ، عن أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة، عن أبي اليمان، ولفظه زائد على الروايتين، فقال: "لا يقوم أحدكم ليلة القدر، فيوافقها إيمانًا واحتسابًا، إلا غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه".
وقوله في هذه الرواية: "فيوافقها" زيادة بيان، وإلا فالجزاء مرتَّبٌ على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدُق قيام ليلة القدر إلا على من وافقها، والحصر
стр. 8914
المستفاد من النفي والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء، فوضح أن ذلك من تصرف الرواة بالمعنى؛ لأن مخرج الحديث واحدٌ. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
وتعقّبه العينيُّ ﵀ في دعواه تصرّف الرواة، فقال: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائيّ والطبرانيّ، وأن ما رواه البخاريّ بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبويّ، بل الأمر كذا؛ لأن رواية محمد بن عليّ بن ميمون، عن أبي اليمان، لا تعادل رواية البخاريّ عن أبي اليمان، ولا روايةُ أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة عن أبي اليمان، مثل رواية البخاريّ عنه، ويؤيد هذا رواية مسلم أيضًا ولفظه: "من يقم ليلة القدر، فيوافقها -أُراه- إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه"، ولفظ حديث الطبرانيّ ينادي بأعلى صوته بوقوع التغيير، والتصرف من الرواة فيه؛ لأن فيه النفي والإثبات موضع الشرط والجزاء في رواية البخاريّ ومسلم. انتهى كلام العينيُّ ﵀، وهو عندي تعقّبٌ وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "من قام ليلة القدر"، مع قوله: "من قام رمضان"، قال النوويُّ ﵀: قد يقال: إن أحدهما يغني عن الآخر.
وجوابه أن يقال: قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها، سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعَرَفَها سبب للغفران، وإن لم يقم غيرها.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: الأحسن عندي الجواب بأنه ﷺ ذكر للغفران طريقين:
[أحدهما]: يمكن تحصيلها يقينًا إلا أنها طويلة شاقّة، وهي قيام شهر رمضان بكماله.
[والثاني]: لا سبيل إلى اليقين فيها، إنما هو الظن والتخمين، إلا أنها مختصرة قصيرة، وهي قيام ليلة القدر خاصّةً، ولا يَتَوَقّف حصول المغفرة بقيام ليلة القدر على معرفتها، بل لو قامها غير عارفٍ بها غُفر له ما تقدم من ذنبه، لكن بشرط أن يكون إنما قام بقصد ابتغائها، وقد ورد اعتبار ذلك في حديث
стр. 8915
عبادة بن الصامت ﵁ عند أحمد، والطبرانيّ مرفوعًا: "فمن قامها ابتغاءها إيمانًا واحتسابًا، ثم وُفِّقت له غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
قال: معنى توفيقها له، أو موافقته لها أن يكون الواقعُ أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر، هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يَعْلَم هو ذلك. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَيُوَافِقُهَا) قال النوويُّ ﵀: معناه يعلم أنها ليلة القدر. انتهى (٢).
وتعقّبه الحافظ وليّ الدين ﵀، فقال: إنما معنى توفيقها له أن يكون الواقعُ أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يَعْلَم هو ذلك، وما ذكره النوويّ من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللفظ ما يقتضي هذا، ولا المعنى يساعده. انتهى كلام وليّ الدين ﵀، وهو تعقّبٌ وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيُّ ﵀: قوله: "يَقُم" في هذه الرواية، يعني به يطلُب بقيامه ليلة القدر، وحينئذ يلتئم مع قوله: "يوافقها"؛ لأن معنى "يوافقها" يصادفها، ومن صلّى فيها، فقد صادفها، ويَحْتَمِل أن تكون الموافقة هنا عبارة عن قبول الصلاة فيها والدعاء، أو يوافق الملائكة في دعائها، أو يوافقها حاضر القلب، متأهّلًا لحصول الخير والثواب؛ إذ ليس كلُّ دعاء يُسمع، ولا كل عَمَل يُقبل، فإنه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى بُعد هذه الاحتمالات، والحقّ ما سبق من أن معنى "يوافقها" كون تلك الليلة التي قامها قاصدًا لها هي ليلة القدر في الواقع، كما صوّبه وليّ الدين ﵀ في كلامه السابق، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (أُرَاهُ قَالَ: إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) الظاهر أن القائل: "أُراه" هو محمد بن رافع؛ لأن أبا نعيم أخرجه في "مستخرجه" (٢/ ٣٥٥) من رواية رزق اللَّه بن موسى، وأبي مسعود، كلاهما عن شبابة، وليس فيه "أُراه قال"، ولفظه:
стр. 8916
(١٧٣٣) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن العباس، ثنا رزق اللَّه بن موسى، قال: وثنا محمد بن سهل، ثنا أبو مسعود، قالا: ثنا شبابة، ثنا ورقاءُ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من يقم ليلة القدر، فيوافقها إيمانًا واحتسابًا غُفِر له". انتهى.
وأخرجه البيهقيّ في "الكبرى" (٤/ ٣٠٦) من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، وليس فيه أيضًا: "أُراه قال"، ولفظه:
(٨٣٠٧) أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو حامد بن بلال البزاز، ثنا محمد بن حيويه الإسفرائيني في سنة ثمان وخمسين ومائتين، أنبأ أبو اليمان، أنبأ شعيب، أنبأ أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من يقم ليلة القدر، فيوافقها، إيمانًا واحتسابًا يُغْفَر له ما تقدم من ذنبه". انتهى.
(إِيمَانًا) أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة (وَاحْتِسَابًا) أي: إرادةَ وجه اللَّه تعالى، لا لرياء ونحوه، فقد يَفْعَل الإنسان الشيءَ الذي يعتقد أنه حقّ، لكن لا يفعله مخلصًا، بل لرياء، أو خوف، أو نحو ذلك، يقال: احتسبتُ بكذا أجرًا عند اللَّه تعالى، والاسم الْحِسْبة، وهي الأجر، وفي "العُباب": احتسبت بكذا أجرًا عند اللَّه، أي: اعتددته، أنوي به وجه اللَّه تعالى، واحتسبت عليه كذا: أي: أنكرته عليه، قاله ابن دريد، ومنه مُحْتَسِب البلد (١).
(غُفِرَ لَهُ") بالبناء للمفعول جواب الشرط، وهو من الغَفْر، وهو الستر، ومغفرة اللَّه تعالى لعبده: إلباسه إياه العفوَ، وستره ذنوبَهُ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 8917
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ١٧٨١ و ١٧٨٢] (٧٦٠)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٣٢ و ١٧٣٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٣] (٧٦١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"، قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵁، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وكذا لطائف الإسناد تقدّم في شرح حديث أول الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلةً من الليالي، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة ﵂: "أنه صلى في حجرته"، قال في "الفتح": وليس المراد بها بيته، وإنما المراد الحصير التي كان يحتجرها بالليل في المسجد، فيجعلها على باب بيت عائشة ﵂، فيصلي فيه، ويجلس عليه بالنهار.
وقد ورد ذلك مبينًا من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، وهو عند البخاريّ، في "كتاب اللباس"، ولفظه: "كان يحتجر حَصِيرًا بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار، فيجلس عليه".
стр. 8918
ولأحمد من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂: "فأمرني أن أَنْصِبَ له حصيرًا على باب حُجْرتي ففعلت، فخرج. . . " فذكر الحديث.
قال النوويُّ ﵀: معنى يَحْتَجِر يحوط موضعًا من المسجد بحصير يستره؛ ليصلي فيه، ولا يَمُرّ بين يديه مارّ؛ ليتوفّر خشوعه، ويتفرغ قلبه.
وتعقبه الكرمانيّ بأن لفظ الحديث لا يدلّ على أن احتجاره كان في المسجد، قال: ولو كان كذلك للزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال: "فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
ثم أجاب بأنه إن صحّ أنه كان في المسجد، فهو إذا احتجر صار كأنه بيتٌ بخصوصيته، أو أن السبب في كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالبًا، والنبيّ ﷺ منزه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته. انتهى (١).
(فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ) أي: صلّى بعض الصحابة ﵃ مقتدين بصلاة النبيّ ﷺ (ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ) أي: من الليلة المقبلة، وهو لفظ معمر، عن ابن شهاب، عند أحمد، وللبخاريّ في رواية المستملي: "ثم صلى من القابل" أي: الوقت القابل، قال في "القاموس": والقابلة: الليلة المقبلةُ، وقد قَبَلَتْ، وأقبلت. انتهى (٢). (فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ) كذا رواه مالك بالشكّ، وفي رواية يونس، عن ابن شهاب التالية: "فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك"، ونحوه في رواية عمرة، عن عائشة عند البخاريّ، ولأحمد من رواية ابن جريج، عن ابن شهاب: "فلما أصبح تحدثوا أن النبيّ ﷺ صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم"، زاد يونس: "فخرج النبيّ ﷺ في الليلة الثانية، فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلَّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عَجَزَ المسجدُ عن أهله"، ولابن جريج: "حتى كان المسجد يَعْجِز عن أهله"، ولأحمد من رواية معمر، عن ابن شهاب: "امتلأ المسجد
стр. 8919
حتى اغتَصَّ بأهله" (١)، وله من رواية سفيان بن حسين، عنه: "فلما كانت الليلة الرابعة غُصَّ المسجدُ بأهله"، أفاده في "الفتح" (٢).
(فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) زاد أحمد في رواية ابن جريج: "حتى سَمِعتُ ناسًا منهم يقولون: الصلاة"، وفي رواية سفيان بن حسين: "فقالوا: ما شأنه؟ "، وفي حديث زيد بن ثابت عند البخاريّ في "كتاب الاعتصام": "ففقدوا صوته، وظنُّوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح؛ ليخرج إليهم"، وفي حديثه في "كتاب الأدب"، وسيأتي لمسلم أيضًا (٣): "فرفعوا أصواتهم، وحَصبُوا الباب".
(فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ) وفي رواية يونس التالية: "فلم يخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ ، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قَضَى الفجر، أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: أما بعدُ، فإنه لم يَخْفَ عليّ شأنكم الليلة"، وزاد في رواية أبي سلمة: "اكلَفُوا من العمل ما تطيقون"، وفي رواية معمر: أن الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح عمر بن الخطاب ﵁.
قال الحافظ ﵀: ولم أَرَ في شيء من طرقه بيان عدد صلاته في تلك الليالي، لكن رَوَى ابن خزيمة، وابن حبان، من حديث جابر ﵁ قال: "صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في رمضان ثمان ركعات، ثم أوتر، فلما كانت القابلةُ اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا، فقلنا: يا رسول اللَّه. . . " الحديث، فإن كانت القصةُ واحدةً احتَمَلَ أن يكون جابر ممن جاء في الليلة الثالثة، فلذلك اقتصر على وصف ليلتين، وكذا ما وقع عند
стр. 8920
مسلم من حديث أنس ﵁: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي في رمضان، فجئت، فقمت إلى جنبه، فجاء رجل، فقام حتى كنا رهطًا، فلما أحسّ بنا تجوّز، ثم دخل رحله. . . " الحديث (١)، والظاهر أن هذا كان في قصة أخرى.
(فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ) هذا ظاهرٌ في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين.
(أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ") بالبناء للمفعول، ونائب فعله ضمير صلاة الليل، توضّحه رواية يونس التالية، ولفظها: "ولكني خشيتُ أن تُفرض عليكم صلاة الليل، فتَعْجَزوا عنها"، وكذا هو عند البخاريّ من رواية عمرة، عن عائشة: "خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل".
وقوله: "فتعجزوا عنها"؛ أي: تشق عليكم، فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكليّ؛ لأنه يُسقط التكليف من أصله.
ثم إن ظاهر هذا الحديث أنه ﷺ توقع تَرَتُّب افتراض الصلاة بالليل جماعةً على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع مُلْزِمٌ، وفيه نظرٌ (٢).
وأجاب المحبّ الطبريّ بأنه يَحْتَمِل أن يكون اللَّه أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحبَّ التخفيف عنهم، فترك المواظبة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع في نفسه، كما اتَّفَقَ في بعض القُرَب التي داوم عليها، فافتُرِضَت.
وقيل: خَشِيَ أن يَظُنّ أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا الأخير نحا القرطبيّ، فقال: قوله: "فتُفْرَض عليكم"؛ أي: تظنونه فرضًا،
стр. 8921
فيَجِب على من ظنّ ذلك، كما إذا ظنّ المجتهد حِلَّ شيء أو تحريمه، فإنه يجب عليه العمل به، قال: وقيل: كان حكم النبيّ ﷺ أنه إذا واظب على شيء من أعمال البرّ، واقتَدَى الناسُ به فيه أنه يُفْرَصْ عليهم انتهى. ولا يخفى بُعْدُ هذا الأخير، فقد واظب النبيّ ﷺ على رواتب الفرائض، وتابعه أصحابه، ولم تُفْرَض.
وقال ابن بطال ﵀: يَحْتَمِل أن يكون هذا القول صدر منه ﷺ لَمّا كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخَشِي إن خرج إليهم، والتزموا معه قيام الليل أن يُسَوِّي اللَّه بينه وبينهم في حكمه؛ لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبيّ ﷺ وبين أمته في العبادة.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون خَشِي من مواظبتهم عليها أن يَضْعُفُوا عنها، فيَعْصِي مَن تركها بترك اتّباعه ﷺ .
وقد استَشْكَل الخطابيُّ ﵀ أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن اللَّه تعالى قال: "هُنَّ خمسٌ، وهنّ خمسون، لا يبدل القول لديّ"، فإذا أُمِنَ التبديلُ، فكيف يقع الخوف من الزيادة؟، وهذا يَدْفَع في صدور الأجوبة التي تقدمت.
وقد أجاب عنه الخطابيُّ ﵀ بأن صلاة الليل كانت واجبةً عليه ﷺ وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، يعني عند المواظبة، فترك الخروج إليهم؛ لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فوض جديد، زائذٍ على الخمس، وهذا كما يوجب المرءُ على نفسه صلاةَ نذرٍ، فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادةُ فرض في أصل الشرع.
قال: وفيه احتمالٌ آخرُ، وهو أن اللَّه فَرَضَ الصلاة خمسين، ثم حَطَّ معظمها بشفاعة نبيّه ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استَوْهَب لها، والتزمت ما استَعْفَى لهم نبيهم ﷺ منه لم يُستَنكَر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التَزَم ناس الرهبانية في قِبَل أنفسهم، ثم عاب اللَّه عليهم التقصير فيها، فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، فخشي ﷺ أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقَطَعَ العمل شفقةً عليهم من ذلك.
قال الحافظ ﵀: وقد تلقى هذين الجوابين من الخطابيّ ﵀ جماعة من
стр. 8922
الشراح، كابن الجوزيّ، وهو مبنيّ على أن قيام الليل كان واجبًا عليه ﷺ ، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كلٍّ من الأمرين نزاع.
وأجاب الكرمانيُّ ﵀ بأن حديث الإسراء يدلّ على أن المراد بقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] الأمن من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة. انتهى.
لكن في ذكر التضعيف بقوله: "هنّ خمسٌ، وهُنّ خمسون"، إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا؛ لأن التضعيف لا ينقص عن العشر.
ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلًا للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض، وفيه نظر؛ لأن قوله: "لا يبدل القول لديّ" خبرٌ، والنسخ لا يدخله على الراجح، وليس هو كقوله مثلًا لهم: صوموا الدهرَ أبدًا، فإنه يجوز فيه النسخ.
قال الحافظ ﵀: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى:
[أحدها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعةً شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت ﵁: "حتى خَشِيت أن يكتب عليكم، ولو كُتب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم"، فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقًا عَليهم من اشتراطه، وَأَمِنَ مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
[ثانيها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية، لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذَهَب إليه قوم في العيد ونحوها.
[ثالثها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصةً، فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين: "خَشِيت أن يُفْرَض عليكم قيام هذا الشهر"، فعلى هذا يرتفع الإشكال؛ لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس، وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول، واللَّه أعلم
стр. 8923
بالصواب. انتهى. كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ من كون هذا الجواب هو الأقوى، هو الذي لا يظهر لي غيره، فهو أقوى الأجوبة المتقدّمة كلّها، وأما الثاني والثالث، فلا يخفى ضعفهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) يعني أن ما ذُكر من كونه ﷺ صلى في المسجد، وصلى الناس بصلاته تلك الليالي إنما وقع في شهر رمضان.
والظاهر أنه من كلام عائشة ﵂، وقد جزم به في "العمدة"، فقال: هو كلام عائشة ﵂ ذكرته إدراجًا؛ لتبيّن أن هذه القضيّة كانت في شهر رمضان. انتهى (٢).
ويَحْتَمِل أن يكون مدرجًا من كلام غيرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ١٧٨٣ و ١٧٨٤] (٧٦١)، (والبخاريّ) في "الجمعة" (٩٢٤) وفي "التهجّد" (١١٢٩) و"التراويح" (٢٠١٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٧٣)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٠٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٣٤)، و (أبو عوانة) في مسنده (٣٠٤٧ و ٣٠٤٨ و ٣٠٤٩ و ٣٠٥٠ و ٣٠٥١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٣٤ و ١٧٣٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٠٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٩٢ و ٤٩٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٨٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعةً؛
стр. 8924
لأن الخشية المذكورة أُمِنت بعد النبيّ ﷺ ، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب ﵄.
٢ - (ومنها): ما قاله المهلّب ﵀: فيه جوازُ الفوار من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه.
٣ - (ومنها): بيان أن الكبير إذا فَعَلَ شيئًا خلاف ما اعتاده أتباعه أن يَذكُر لهم عذره، وحكمه، والحكمةَ فيه؛ تطييبًا لقلوبهم، وإصلاحًا لذات البين؛ لئلا يظنّوا خلاف هذا، وربّما ظنّوا ظنّ السوء.
٤ - (ومنها): بيان ما كان النبيّ ﷺ عليه من الزَّهَادة في الدنيا، والاكتفاء بما قلَّ منها، والشفقة على أمته، والرأفة بهم.
٥ - (ومنها): تركُ بعض المصالح؛ لخوف المفسدة، وتقديم أهمّ المصلحتين؛ لأنه ﷺ كان رأى الصلاة في المسجد؛ لبيان الجواز، أو لكونه معتكفًا، فلما عَارضه خوف الافتراض عليهم تركه؛ لعظم المفسدة التي تُخاف من عجزهم، وتركهم الفرض.
٦ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: فيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، وهذا صحيح على من مذهبنا، ومذاهب العلماء، ولكن إن نوى الإمام إمامتهم بعد اقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم، وإن لم ينوها حَصَلت لهم فضيلة الجماعة، ولا تحصل للإمام على الأصحّ؛ لأنه لم ينوها، و"الأعمال بالخيات"، وأما المأمومون فقد نووها.
قال وليّ الدين ﵀: هذه واقعة محتملةٌ، فمن أين؟. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: اشتراط نيّة الإمامة محلّ نظرٌ؛ فإن ظواهر النصوص على خلافه، كهذا الحديث، وحديث مبيت ابن عبّاس ﵄ في بيت خالته، وغير ذلك، فتأمّل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صُلِّيت جماعةً.
٨ - (ومنها): جواز النافلة جماعةً، وإن كان الاختيار فيها الانفراد، إلا في نوافلَ مخصوصةٍ، وهي العيد، والكسوف، والاستسقاء، وكذا التراويح عند الجمهور، وذهب ابن حزم الظاهريّ إلى استحباب الجماعة في مطلق النوافل.
٩ - (ومنها): جواز النافلة في المسجد، وإن كان البيت أفضل، ولعل
стр. 8925
النبيّ ﷺ إنما فعلها في المسجد؛ لبيان الجواز، أو أنه كان معتكفًا.
١٠ - (ومنها): أنه استدلّ الجمهور به على استحباب الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، وقد قدّرنا أن الأفضل كونها في البيت على الراجح، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (٢) يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ (٣) الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ، عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ (٤) يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا،
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 8926
وقوله: (خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"؛ أي: في جوف الليل.
وقوله: (فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ) أي: بسبب صلاته، أو مع صلاته ﷺ .
وقوله: (يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ) أي: بما وقع في الليل من صلاة الناس معه ﷺ في المسجد.
وقوله: (مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ) وفي نسخة: "في الليلة"، وهو معنى "من" في النسخة الأولى.
وقوله: (عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ) أي: ضاق المسجد النبويّ عن المصلّين.
وقوله: (فَطَفِقَ) بكسر الفاء، وفتحها، قال في "القاموس": طَفِقَ يفعل كذا، كفَرِحَ، وضَرَبَ طَفَقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصٌّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفِقَ، وبمراده ظَفِرَ، وأطفقه اللَّه به، وطَفِقَ الموضعَ، كفَرِحَ: لَزِمَهُ. انتهى (١).
وقوله: (رِجَالٌ مِنْهُمْ) وفي نسخة: "فطفق منهم رجال".
وقوله: (ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ. . . إلخ) فيه فوائد:
١ - (منها): استحباب التشهد في صدر الخطبة والموعظة، وقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء" (٢).
٢ - (ومنها): استحباب قول "أما بعدُ" في الخطب، وقد جاءت به أحاديث كثيرة مشهورة في "الصحيحين" وغيرهما، وقد عقد الإمام البخاريّ في "صحيحه" بابًا في البداءة في الخطبة بـ "أما بعدُ"، وذكر فيه جملةً من الأحاديث.
٣ - (ومنها): أن السنة في الخطبة والموعظة استقبال الجماعة.
٤ - (ومنها): أنه يجوز أن يقال: جَرَى الليلة كذا، وإن كان بعد الصبح، وهكذا يقال: الليلة إلى زوال الشمس، وبعد الزوال يقال: البارحة، وقد سبقت
стр. 8927
هذه المسألة في أوائل هذا الشرح (١).
وقوله: (فَتَعْجزُوا عَنْهَا) بكسر الجيم، من باب ضرب، وعَجِزَ يَعْجَز، من باب تَعِبَ لغة لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمَت عَجِيزته، قاله في "المصباح" (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٥] (٧٦٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ -وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ- فَقَالَ أُبَيٌّ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي، وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ، لَا شُعَاعَ لَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَبْدَةُ) بن أبي لُبابة الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في "الصلاة" ١٣/ ٨٩٧.
٥ - (زِرُّ) بن حُبيش بن حُباشة الأسدي، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ جليلٌ
стр. 8928
[٢] (ت ١ أو ٢ أو ٨٣) وهو ابن (١٢٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٧.
٦ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عَمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، وأبو الطُّفيل الصحابيّ الشهير، سيّد القرّاء، مات ﵁ سنة (١٩) وقيل: (٣٢)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والبخاريّ، وأبو داود، وعبدة أخرج له أبو داود في "المراسيل".
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: عبدة، عن زرّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، قرأ عليه النبيّ ﷺ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال النبيّ ﷺ لأُبيّ: "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، قال: وسمّاني؟ قال: "نعم"، فبكى، وهو أقرأ الصحابة ﵃ للقرآن، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زِرٍّ) -بكسر الزاي، وتشديد الراء- ابن حُبيش أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) ﵁ (يَقُولُ -وَقِيلَ لَهُ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وهو قوله: "واللَّه الذي. . . . إلخ".
وفي الرواية الآتية في "الصيام" من طريق سفيان بن عيينة، عن عبدة وعاصم بن أبي النَّجُود، سمعا زِرّ بن حُبيش يقول: سألت أُبي بن كعب ﵁، فقلت: "إن أخاك ابن مسعود يقول: من يَقُمِ الحول لصب ليلة القدر. . . ".
وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد، عن عاصم، عن زِرّ، قال: قلت لأُبي بن كعب: أخبرني عن ليلة القدر، يا أبا المنذر، فإن صاحبنا (١) سئل عنها، فقال: "من يقم الحول يصبها. . . ".
стр. 8929
(إِن) بالكسر؛ لوقوعها محكيّةً بالقول، كما قال في "الخلاصة":
أَوْ حُكِيَتْ بِالْكَسْرِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ … حَالٍ كَـ "زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ"
(عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ) أي: جميع ليالي العام، قال الفيّوميُّ ﵀: السنة: الحول، وهي محذوفة اللام، وفيها لغتان:
[إحداهما]: جعل اللام هاء، ويُبْنَى عليها تصاريفُ الكلمة، والأصل سَنْهَةٌ، وتُجْمَع على سَنَهَاتٍ، مثلُ سَجْدَة وسَجَدات، وتُصَغَّر على سُنَيْهَةٍ وتَسَنَّهَتِ النخلةُ وغيرُها: أتت عليها سِنُون، وعاملته مُسَانَهَةً، وأرضٌ سَنْهَاءُ: أصابها السَّنَةُ، وهي الْجَدْبُ.
[والثانية]: جعلُها واوًا يُبْنَى عليها تصاريفُ الكلمة أيضًا، والأصل سَنْوَةٌ، وتُجْمَع على سَنَوَات، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، وتُصَغَّر على سُنَيِّةٍ، وعاملته مُساناةً، وأرضٌ سَنْوَاءُ: أصابتها السَّنَةُ، وتَسَنَّيتُ عنده: أقمت سنين، قال النحاةُ: وتُجْمَع السنةُ كجمع المذكر السالم أيضًا، فيقال: سِنُون، وسِنِين، وتُحْذَف النون للإضافة، وفي لغة تثبت الياء في الأحوال كلها، وتُجعَل النون حرف إعرابٍ، تُنَوِّن في التنكير، ولا تُحذف مع الإضافة، كأنها من أصول الكلمة، وعلى هذه اللغة قوله ﷺ : "اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف". انتهى (١) و"من" شرطيّةٌ، وجوابهما قوله، (أَصَابَ لَيْلَةَ القَدْرِ-) يعني أن من قام الحول كله يُصِبْ ليلة القدر؛ لأنه لا تخرج عن ليالي السنة كلّها، ومعنى هذا أنها تنتقل في ليالي السنة، ولا تختصّ بشهر رمفان فقط، وهذا القول منقول عن بعض السلف، منهم ابن مسعود ﵁، كما بُيّن في رواية المصنّف في هذا الباب، قال الحافظ وليّ الدين ﵀ عند حكاية اختلاف العلماء في ليلة القدر ما نصّه: فأحدها أنها في السنة كلِّها، وهو محكيّ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وتابعه أبو حنيفة وصاحباه، لكن في "صحيح مسلم" وغيره عن زِرّ بن حُبَيشٍ قال: سألت أُبَيّ بن كعب، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يَقُمِ الحولَ يُصِب ليلة القدر، فقال: ﵀ أراد أن لا يتّكل الناس، أَمَا إنه عَلِم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حَلَف لا
стр. 8930
يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأيِّ شيء تقول ذلك، يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول اللَّه ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها. ويَشْهَد لما فَهِمه أُبَيّ ﵁ من كلام عبد اللَّه ما رواه أحمد في "مسنده"، عن أبي عَقْرب قال: غدوت إلى ابن مسعود ذات غداة في رمضان، فوجدته فوق بيت جالسًا، فسمعنا صوته، وهو يقول: صدق اللَّه، وبلّغ رسوله، فقلنا: سمعناك تقول: صدق اللَّه، وبلّغ رسوله، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان، تطلع الشمس غداتئذ صافيةً، ليس لها شعاع، فنظرت إليها، فوجدتها كما قال رسول اللَّه ﷺ "، ورواه البزار في "مسنده" بنحوه (١).
وفي "معجم الطبراني" عن ابن مسعود ﵁ قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن ليلة القدر، فقال: "أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ " فقال عبد اللَّه: أنا بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، حين طلع الفجر، وذلك ليلة سبع وعشرين. والحديث رواه أحمد (٢) وغيره، لكن لم أر التصريح بليلة سبع وعشرين إلا