وقوله: (خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"؛ أي: في جوف الليل.
وقوله: (فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ) أي: بسبب صلاته، أو مع صلاته ﷺ .
وقوله: (يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ) أي: بما وقع في الليل من صلاة الناس معه ﷺ في المسجد.
وقوله: (مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ) وفي نسخة: "في الليلة"، وهو معنى "من" في النسخة الأولى.
وقوله: (عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ) أي: ضاق المسجد النبويّ عن المصلّين.
وقوله: (فَطَفِقَ) بكسر الفاء، وفتحها، قال في "القاموس": طَفِقَ يفعل كذا، كفَرِحَ، وضَرَبَ طَفَقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصٌّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفِقَ، وبمراده ظَفِرَ، وأطفقه اللَّه به، وطَفِقَ الموضعَ، كفَرِحَ: لَزِمَهُ. انتهى (١).
وقوله: (رِجَالٌ مِنْهُمْ) وفي نسخة: "فطفق منهم رجال".
وقوله: (ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ. . . إلخ) فيه فوائد:
١ - (منها): استحباب التشهد في صدر الخطبة والموعظة، وقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء" (٢).
٢ - (ومنها): استحباب قول "أما بعدُ" في الخطب، وقد جاءت به أحاديث كثيرة مشهورة في "الصحيحين" وغيرهما، وقد عقد الإمام البخاريّ في "صحيحه" بابًا في البداءة في الخطبة بـ "أما بعدُ"، وذكر فيه جملةً من الأحاديث.
٣ - (ومنها): أن السنة في الخطبة والموعظة استقبال الجماعة.
٤ - (ومنها): أنه يجوز أن يقال: جَرَى الليلة كذا، وإن كان بعد الصبح، وهكذا يقال: الليلة إلى زوال الشمس، وبعد الزوال يقال: البارحة، وقد سبقت
стр. 8927
هذه المسألة في أوائل هذا الشرح (١).
وقوله: (فَتَعْجزُوا عَنْهَا) بكسر الجيم، من باب ضرب، وعَجِزَ يَعْجَز، من باب تَعِبَ لغة لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمَت عَجِيزته، قاله في "المصباح" (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٥] (٧٦٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ -وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ- فَقَالَ أُبَيٌّ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي، وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ، لَا شُعَاعَ لَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَبْدَةُ) بن أبي لُبابة الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في "الصلاة" ١٣/ ٨٩٧.
٥ - (زِرُّ) بن حُبيش بن حُباشة الأسدي، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ جليلٌ
стр. 8928
[٢] (ت ١ أو ٢ أو ٨٣) وهو ابن (١٢٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٧.
٦ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عَمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، وأبو الطُّفيل الصحابيّ الشهير، سيّد القرّاء، مات ﵁ سنة (١٩) وقيل: (٣٢)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والبخاريّ، وأبو داود، وعبدة أخرج له أبو داود في "المراسيل".
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: عبدة، عن زرّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، قرأ عليه النبيّ ﷺ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال النبيّ ﷺ لأُبيّ: "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، قال: وسمّاني؟ قال: "نعم"، فبكى، وهو أقرأ الصحابة ﵃ للقرآن، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زِرٍّ) -بكسر الزاي، وتشديد الراء- ابن حُبيش أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) ﵁ (يَقُولُ -وَقِيلَ لَهُ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وهو قوله: "واللَّه الذي. . . . إلخ".
وفي الرواية الآتية في "الصيام" من طريق سفيان بن عيينة، عن عبدة وعاصم بن أبي النَّجُود، سمعا زِرّ بن حُبيش يقول: سألت أُبي بن كعب ﵁، فقلت: "إن أخاك ابن مسعود يقول: من يَقُمِ الحول لصب ليلة القدر. . . ".
وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد، عن عاصم، عن زِرّ، قال: قلت لأُبي بن كعب: أخبرني عن ليلة القدر، يا أبا المنذر، فإن صاحبنا (١) سئل عنها، فقال: "من يقم الحول يصبها. . . ".
стр. 8929
(إِن) بالكسر؛ لوقوعها محكيّةً بالقول، كما قال في "الخلاصة":
أَوْ حُكِيَتْ بِالْكَسْرِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ … حَالٍ كَـ "زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ"
(عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ) أي: جميع ليالي العام، قال الفيّوميُّ ﵀: السنة: الحول، وهي محذوفة اللام، وفيها لغتان:
[إحداهما]: جعل اللام هاء، ويُبْنَى عليها تصاريفُ الكلمة، والأصل سَنْهَةٌ، وتُجْمَع على سَنَهَاتٍ، مثلُ سَجْدَة وسَجَدات، وتُصَغَّر على سُنَيْهَةٍ وتَسَنَّهَتِ النخلةُ وغيرُها: أتت عليها سِنُون، وعاملته مُسَانَهَةً، وأرضٌ سَنْهَاءُ: أصابها السَّنَةُ، وهي الْجَدْبُ.
[والثانية]: جعلُها واوًا يُبْنَى عليها تصاريفُ الكلمة أيضًا، والأصل سَنْوَةٌ، وتُجْمَع على سَنَوَات، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، وتُصَغَّر على سُنَيِّةٍ، وعاملته مُساناةً، وأرضٌ سَنْوَاءُ: أصابتها السَّنَةُ، وتَسَنَّيتُ عنده: أقمت سنين، قال النحاةُ: وتُجْمَع السنةُ كجمع المذكر السالم أيضًا، فيقال: سِنُون، وسِنِين، وتُحْذَف النون للإضافة، وفي لغة تثبت الياء في الأحوال كلها، وتُجعَل النون حرف إعرابٍ، تُنَوِّن في التنكير، ولا تُحذف مع الإضافة، كأنها من أصول الكلمة، وعلى هذه اللغة قوله ﷺ : "اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف". انتهى (١) و"من" شرطيّةٌ، وجوابهما قوله، (أَصَابَ لَيْلَةَ القَدْرِ-) يعني أن من قام الحول كله يُصِبْ ليلة القدر؛ لأنه لا تخرج عن ليالي السنة كلّها، ومعنى هذا أنها تنتقل في ليالي السنة، ولا تختصّ بشهر رمفان فقط، وهذا القول منقول عن بعض السلف، منهم ابن مسعود ﵁، كما بُيّن في رواية المصنّف في هذا الباب، قال الحافظ وليّ الدين ﵀ عند حكاية اختلاف العلماء في ليلة القدر ما نصّه: فأحدها أنها في السنة كلِّها، وهو محكيّ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وتابعه أبو حنيفة وصاحباه، لكن في "صحيح مسلم" وغيره عن زِرّ بن حُبَيشٍ قال: سألت أُبَيّ بن كعب، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يَقُمِ الحولَ يُصِب ليلة القدر، فقال: ﵀ أراد أن لا يتّكل الناس، أَمَا إنه عَلِم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حَلَف لا
стр. 8930
يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأيِّ شيء تقول ذلك، يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول اللَّه ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها. ويَشْهَد لما فَهِمه أُبَيّ ﵁ من كلام عبد اللَّه ما رواه أحمد في "مسنده"، عن أبي عَقْرب قال: غدوت إلى ابن مسعود ذات غداة في رمضان، فوجدته فوق بيت جالسًا، فسمعنا صوته، وهو يقول: صدق اللَّه، وبلّغ رسوله، فقلنا: سمعناك تقول: صدق اللَّه، وبلّغ رسوله، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان، تطلع الشمس غداتئذ صافيةً، ليس لها شعاع، فنظرت إليها، فوجدتها كما قال رسول اللَّه ﷺ "، ورواه البزار في "مسنده" بنحوه (١).
وفي "معجم الطبراني" عن ابن مسعود ﵁ قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن ليلة القدر، فقال: "أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ " فقال عبد اللَّه: أنا بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، حين طلع الفجر، وذلك ليلة سبع وعشرين. والحديث رواه أحمد (٢) وغيره، لكن لم أر التصريح بليلة سبع وعشرين إلا
стр. 8931
في "معجم الطبراني الكبير"، فلذلك اقتصرت على عزوه إليه. انتهى. كلام وليّ الدين ﵀ (١).
وقال النوويُّ ﵀: حلف أُبي بن كعب ﵁ على أنها ليلة سبع وعشرين أحد المذاهب فيها، وأكثر العلماء على أنها ليلة مبهمة من العشر الأواخر من رمضان، وأرجاها أوتارها، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، وثلاث وعشرين، وإحدى وعشرين، وأكثرهم أنها ليلة معينة لا تنتقل، وقال المحقّقون: إنها تنتقل، فتكون في سنةٍ ليلةَ سبع وعشرين، وفي سنة ليلة ثلاث، وسنةٍ ليلة إحدى، وليلة أخرى، وهذا أظهر، وفيه الجمع بين الأحاديث المختلفة فيها. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي استيفاء ذكر بقيّة الأقوال في ليلة القدر حيثما يذكر المصنّف ﵀ أحاديثها أواخر "كتاب الصيام" -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقوله: (فَقَالَ أُبَيٌّ) تأكيد لقوله: "يقول"؛ لطول الفصل، نظير قول اللَّه : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٨٩].
(وَاللَّهِ) الواو واو القسم، ولفظ الجلالة مجرور بها (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا) بالكسر؛ لوقوعها في جواب القسم، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(لَفِي رَمَضَانَ) يعني أنها لا تقع إلا في السنة في شهر رمضان، وفي رواية سفيان المذكورة: "فقال: ﵀ أراد أن لا يتّكل الناس، أما إنه قد عَلِمَ أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني. . . ".
وفي رواية أبي داود المذكورة: "فقال: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن، واللَّه لقد علم أنها في رمضان، ولكن كَرِهَ أن يتكلوا، أو أحب أن لا يتكلوا. . . ".
стр. 8932
(يَحْلِفُ) أي: يُقسم أُبيّ ﵁ مؤكِّدًا لقوله: إنها لفي رمضان (مَا) نافية (يَسْتَثْنِي) أي: لا يُخرج شيئًا من بقيّة الشهور أنها تكون فيه، بل جازم ومقتصر على رمضان فقط، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالاستثناء تعليقه بالمشيئة؛ أي: لا يُعلّق حلفه على المشيئة، فيقول: "واللَّه إنها في رمضان إلا أن يشاء اللَّه"، بل يجزم بكونها فيه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الطيبيُّ ﵀ قوله: "ما يستثني" قيل: هو قول الرجل: إن شاء اللَّه، يقال: حَلَفَ فلانٌ يمينًا، ليس فيها ثني، ولا ثنو، ولا ثنية، ولا استثناء، كلُّها واحدٌ، وأصلها من الثني، وهو الكفّ والرّدّ، وذلك أن الحالف إذا قال: واللَّه لأفعلنّ كذا، إلا أن يشاء اللَّه غيره، فقد ردّ انعقاد ذلك اليمين.
[فإن قلت]: فقد جزم أُبيّ ﵁ على اختصاصها بليلة مخصوصة، وحَمَلَ كلام ابن مسعود ﵁ على العموم، مع إرادة الخصوص، فهل هو إخبارٌ عن الشيء على خلاف ما هو به، فإن بين العموم والخصوص تنافيًا؟.
[قلت]: لا إذا ذهب إلى التعويض، كما قال إبراهيم ﵇ في سارة: "أختي"؛ تعريضًا بأنها أخته في الدين. انتهى كلام الطيبيُّ ﵀ (١)،
(وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟) "أيُّ" مبتدأ خبره "هي"، والجملة معلّق عنها "أعلم" (هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ) أي: بإحيائها، فقوله: (بِقِيَامِهَا) بدل من "بها" بإعادة الجارّ، ثم بيّن تلك الليلة التي أمرهم رسول اللَّه ﷺ بقيامها بقوله (هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) أي: الليلة التي يكون يومها يوم سبعة وعشرين، يعني أنها ليلة سبع وعشرين، و"الصّبِيحة" بفتح الصاد، وكسر الموحِّدة: أولُ اليوم (٢). (وَأَمَارَتُهَا) قال في "المصباح": الأَمَارةُ: كالعلامة وزنًا ومعنًى. انتهى (٣). أي: علامة كون الليلة ليلة القدر، وفي رواية سفيان المذكورة: "فقلتُ: بأيّ شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا بها رسول اللَّه ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها".
وفي رواية أبي داود المذكورة: "قلت: يا أبا المنذر أَنَّى علمت ذلك؟
стр. 8933
قال: بالآية التي أخبرنا رسول اللَّه ﷺ ، قلت لزِرّ (١). ما الآية؟ قال: تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطَّسْت، ليس لها شُعَاع حتى ترتفع".
(أَنْ تَطْلُعَ) بضمّ اللام، من باب قعد (الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا) أي: في أول يوم تلك الليلة (بَيْضَاءَ، لَا شُعَاعَ لَهَا) التقدير: وقد رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين طلعت كذلك؛ إذ لا يكون دليلًا إلا بانضمامه إلى كلامه (٢).
قال الطيبيُّ ﵀: الشعاع هو ما يُرى من ضوء الشمس عند ذُرُورها مثل الحبال والقُضبان، مقبلةً إليك إذا نظرت إليها، قيل: معنى "لا شُعاع لها" أن الملائكة لكثرة اختلافها في ليلتها، ونزولها إلى الأرض، وصُعُودها تستر بأجنحتها، وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس (٣).
وتعقّب القاري قوله: "تستر بأجنحتها. . . إلخ" بأن الأجسام اللطيفة لا تستر شيئًا من الأشياء الكثيفة، نعم لو قيل: غَلَب نور تلك الليلة ضوء الشمس مع بعد المسافة الزمانيّة مبالغة في إظهار أنوارها الربّانيّة لكان وجهًا وجيهًا، وتنبيهًا نَبِيهًا.
قال: وقال ابن حجر -يعني الْهَيْتميّ-: وفائدة كون هذه علامة مع أنه إنما يوجد بعد انقضاء الليلة؛ لأنه يسنّ إحياء يومها، كما يُسنّ إحياء ليلها. انتهى.
قال: وفي قوله: "يسنّ إحياء يومها" نظرٌ يحتاج إلى أثر، والأظهر أن فائدة العلامة أن يشكر على حصول تلك النعمة من قام تلك الليلة، وإلا فيتأسّف على ما فاته من الكرامة، ويتدارك في السنة الآتية، وإنما لم تُجعَل العلامة في أولها؛ إبقاءً لها على إبهامها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القاري ﵀، وهو حسنٌ، ولا سيّما تعقّبه لابن حجر في قوله: يسنّ إحياء يومها، فإنه كلام باطلٌ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الإمام أحمد ﵀: (٢٠٦٨٥) حدّثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن الشعبيّ، عن زِرّ بن حُبيش، عن أُبَيّ بن كعب، قال:
стр. 8934
تذاكر أصحاب رسول اللَّه ﷺ ليلة القدر، فقال أُبي: أنا والذي لا إله غيره أعلم أَيّ ليلة هي؟ هي الليلة التي أخبرنا بها رسول اللَّه ﷺ ليلة سبع وعشرين، تمضي من رمضان، وآية ذلك أن الشمس تُصبح الغد من تلك الليلة، تَرْقْرَق (١)، ليس لها شعاع، فزعم سلمة بن كهيل أن زِرًّا أخبره أنه رَصَدها ثلاث سنين من أول يوم يدخل رمضان إلى آخره، فرآها تطلع صبيحة سبع وعشرين تَرَقْرق، ليس لها شعاع.
في سنده مصعب بن سلام قال فيه ابن معين: ليس به بأس، ووثقه العجليّ، والأجلح وثقه ابن معين، والعجليّ، والباقون رجال الصحيح.
(٢٠٦٨٩) حدّثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدّثني عاصم، عن زِرٍّ قال: قلت لأُبَيّ: أخبرني عن ليلة القدر، فإن ابن أم عبد كان يقول: من يقم الحول يصبها، قال: يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، قد عَلِمَ أنها في رمضان، فإنها لِسَبع وعشرين، ولكنه عَمَّى على الناس لكيلا يتكلوا، فواللَّه الذي أنزل الكتاب على محمد، إنها في رمضان، ليلة سبع وعشرين، قال: قلت: يا أبا المنذر، وأَنَّى علمتها؟ قال: بالآية التي أنبأنا رسول اللَّه ﷺ ، فعددنا، وحَفِظنا، فواللَّه إنها لهي ما يَستَثْنِي، قلت لزرّ: ما الآية؟ قال: إن الشمس تطلع غداتئذ كأنها طَسْتٌ، ليس لها شعاع.
رجاله رجال الصحيح.
(٢٢٢٥٩) حدّثنا حيوة بن شُرَيح، حدّثنا بقية، حدّثني بَحِير بن سَعْد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبادة بن الصامت، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليلةُ القدر في العشر البواقي، من قامهنّ؛ ابتغاء حِسْبتهنّ، فإن اللَّه ﵎ يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلةُ وِتْر، تسع، أو سبع، أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة"، وقال رسول اللَّه ﷺ : "إن أمارة ليلة القدر أنها صافية، بَلْجَةٌ (٢)، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنةٌ، ساجية، لا بَرْد فيها، ولا حرّ، ولا يَحِلّ لكوكب أن يُرْمَى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها،
стр. 8935
تخرج مستوية، ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ". انتهى.
رجال إسناده ثقات، وبقيّة مدلس، وقد صرّح بالتحديث في شيخه، لكنه مطعون بتدليس التسوية.
(٢٠٦٩٥) حدّثنا عبد اللَّه (١)، حدّثني العباس بن الوليد النَّرْسيّ، قال: حدّثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد اللَّه، أنه قال في ليلة القدر: من يقم الحول يصبها، فانطلقت حتى قَدِمتُ على عثمان بن عفان، وأردت لُقِيّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ من المهاجرين والأنصار، قال عاصم: فحدّثني أنه لزم أُبَيّ بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، فزعم أنهما كانا يقومان حتى تغرُب الشمس، فيركعان ركعتين قبل المغرب، قال: فقلت لأُبيّ، وكانت فيه شَرَاسةٌ: اخفِضْ لنا جناحك رحمك اللَّه، فإني إنما أتمتع منك تمتعًا، فقال: تريد أن لا تدع آية في القرآن إلا سألتني عنها، قال: وكان لي صاحبَ صِدْقٍ، فقلت: يا أبا المنذر أخبرني عن ليلة القدر، فإن ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصبها، فقال: واللَّه لقد عَلِمَ عبد اللَّه أنها في رمضان، ولكنه عَمَّى على الناس؛ لكيلا يتكلوا، واللَّه الذي أنزل الكتاب على محمد، إنها لفي رمضان، وإنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: يا أبا المنذر أَنَّى علمتَ ذلك؟ قال: بالآية التي أنبأنا بها محمد ﷺ ، فعددنا، وحفظنا، فواللَّه إنها لهي، ما يَسْتَثنِي، قال: فقلت: وما الآية؟ فقال: إنها تطلع حين تطلع، ليس لها شعاع حتى ترتفع، وكان عاصم ليلتئذ من السحر لا يطعم طعامًا، حتى إذا صلى الفجر صَعِدَ على الصَّوْمَعَة، فنظر إلى الشمس حين تطلع، لا شعاع لها حتى تَبْيَضّ، وترتفع.
في إسناده حماد بن شعيب، ضعّفه أبو حاتم، وأبو زرعة، وقال البخاريّ فيه نظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 8936
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ١٧٨٥ و ١٧٨٦ و ١٧٨٧] (٧٦٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٧٨)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٣٥١)، و (النسائي) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٧٠٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٧٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٣٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٨٨ و ٢١٩١ و ٢١٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٨٩)، و (عبد اللَّه بن أحمد) في "زوائد المسند" (٥/ ١٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٣٦ و ١٧٣٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣١٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٢٨)، وبقيّة المباحث المتعلّقة بليلة القدر ستأتي مستوفاةً في أواخر "كتاب الصيام" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ، يُحَدِّثُ عَن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، وَأَكْثَرُ عِلْمِي (١) هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ (٢) لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ).
رجال الإسناد: ستّةٌ.
وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون في الباب الماضي، والباقون في السند الماضي.
стр. 8937
وقوله: (قَالَ أُبَيٌّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي: في شأنها، وتعيين وقتها
وقوله: (وَأَكْثَرُ عِلْمِي) هو من قول شعبة، كما يبيّنه بعدُ، قال النوويُّ ﵀: ضبطناه بالمثلّثة، وبالموحّدة، والمثلّثة أكثر. انتهى (١).
وقوله: (وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ) أراد بالحرف الجملة، وهي قوله: "هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي. . . إلخ".
وقوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِها صَاحِبٌ لِي عَنْهُ) هو من شعبة، يعني أنه لَمّا شكّ في سماعه من عبدة بن أبي لُبابة جملة "هي الليلة التي. . . . إلخ" سأل صاحبًا له سمعها من عبدة، فحدّثه بها.
[فإن قلت]: كيف أخرجه المصنّف ﵀ في "صحيحه"، وفيه شكّ شعبة هذا، وكذا جهاله صاحبه؟.
[قلت]: لا يضرّ ذلك؛ لأنه إنما أورده متابعة لرواية الأوزاعي التي لا مطعن فيها، ولأن معاذ بن معاذ رواه عنه بدون شكّ، وأخرجه بدون شكّ أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق النضر بن شُميل، (٣/ ٣٢٩) فقال:
(٢١٨٨) حدّثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا النضر، حدّثنا شعبة، عن عبدة، وهو ابن أبي لبابة، قال: لسمعت زِرَّ بن حُبيش، عن أُبَيّ قال: ليلة القدر إنى لأعلمها هي الليلة التي أمونا بها رسول اللَّه ﷺ هي ليلة سبع وعشرين، انتهى.
فتبيّن بهذا أن شعبة كان تارةً يشكّ، وتارة يجزم، ولعله كان يشكّ، ثم تذكّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٧] (. . . .) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ، وَمَا بَعْدَهُ).
стр. 8938
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر الْعَنبريّ البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد شعبة الماضي، وهو: عن عبدة بن أبي لبابة، عن زِرّ بن حُبيش، عن أُبيّ بن كعب ﵁.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي: حدّث معاذ، عن شعبة، نحو حديث محمد بن جعفر الماضي، عنه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلخ) يعني: أن معاذًا لم يذكر شكّ شعبة في الحرف.
[تنبيه]: رواية معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء الخامس عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الاثنين المبارك ١٦/ ٥/ ١٤٢٧ هـ الموافق (١٢ يونيو - حزيران ٢٠٠٦ م).
أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
стр. 8939
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السادس عشر مفتتحًا بـ (٢٨) - (بَابُ كَيْفِيَّة دُعاء النَّبِيِّ ﷺ وتبتّله فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) رقم الحديث [١٧٨٨] (٧٦٣).
"سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
стр. 8940
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ليلة الثلاثاء المبارك بعد صلاة المغرب ٢٠/ ٥/ ١٤٢٧ هـ أول الجزء السادس عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى.
(٢٨) - (بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ﷺ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٨] (٧٦٣) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ كُرَيْبٍ (١)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي (٢) مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبَيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَتَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَتَى الْقِرْبَةَ، فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، وَلَمْ يُكْثِرْ، وَقَدْ أَبْلَغَ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّي، فَقُمْتُ، فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ، فَتَوَضَّأْتُ، فَقَامَ، فَصَلَّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ، حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَأَتَاهُ
стр. 8941
بِلَالٌ، فَأَذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ، فَصَلَّي، وَلَمْ يَتَوَضَّأَ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِى نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَعَظِّمْ لِي نُورًا"، قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعًا فِي التَّابُوتِ، فَلَقِيتُ بَعْضَ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ، فَذَكَرَ: عَصَبِي، وَلَحْمِي، وَدَمِي، وَشَعْرِي، وَبَشَرِي، وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن الطوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ، صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع (٢٥٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ناقد [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه، إمامٌ عابدٌ حجةٌ، ربّما دلّس، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الْحَضْرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٥/ ٧٠٤.
٥ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄، مات (٦٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده.
стр. 8942
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوي، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: بِتُّ) بكسر الباء الموحّدة، وتشديد التاء، على صيغة المتكلّمَ، من البيتوتة، يقال: بَاتَ يَبِيتُ وَيبَاتُ بَيْتَوتةً (لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) بنت الحارث أمِّ المؤمنين ﵂، تقدّمت ترجمتها في "الحيض" ١/ ٦٨٧. زاد شريك بن أبي نَمِر، عن كريب في الرواية الآتية: "فَرَقَبْتُ رسولَ اللَّه ﷺ كيف يصلي؟ "، زاد أبو عوانة في "صحيحه" من هذا الوجه "بالليل"، وسيأتي للمصنّف من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: بعثني العباس إلى النبيّ ﷺ ، زاد النسائيّ من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن كُريب: "في إبل أعطاه إياها من الصدقة"، ولأبي عوانة من طريق عليّ بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، أن العباس بعثه إلى النبيّ ﷺ في حاجة، قال: "فوجدته جالسًا في المسجد، فلم أستطع أن أكلمه، فلما صلى المغرب، قام فركع حتى أُذِّن بصلاة العشاء"، ولابن خزيمة من طريق طلحة بن نافع، عنه: "كان رسول اللَّه ﷺ وَعَدَ العباسَ ذَوْدًا من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء، وكان في بيت ميمونة"، وهذا يخالف ما قبله، ويُجْمَع بأنه لَمّا لَمْ يكلمه في المسجد أعاده إليه بعد العشاء إلى بيت ميمونة، ولمحمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" من طريق محمد بن الوليد بن نُويفع، عن كريب من الزيادة: "فقال لي: يا بُنَيّ بِتِ الليلةَ عندنا"، وفي رواية حبيب المذكورة: "فقلت: لا أنام حتى انظر ما يصنع في صلاة الليل"، وفي رواية المصنّف الآتية من طريق الضحاك بن عثمان، عن مخرمة: "فقلت لميمونة: إذا قام رسول اللَّه ﷺ ، فأيقظيني"، وكان عزم في نفسه على السهر؛ ليطّلع على الكيفية التي أرادها، ثم خَشِي أن يغلبه النوم، فَوَصَّى ميمونة ﵂ أن توقظه، أفاده في "الفتح" (١).
стр. 8943
(فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، كما تقدّم بيانه (فَأَتَى حَاجَتَهُ) هي البول، كما بيّنها في رواية شعبة، عن سلمة الآتية، بقوله: "فقام، فبال" (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ) قال النوويُّ ﵀: هذا الغسل للتنظيف، والتنشيط للذِّكْر وغيره (ثُمَّ قَامَ، فَأَتَى الْقِرْبَةَ) بكسر القاف، وسكون الراء: ما يُستقى فيه الماء، قاله في "الصحاح" (١)، وقال في "القاموس": الْقِرْبَةُ بالكسر: الْوَطْبُ (٢) من اللبن، وقد تكون للماء، أو هي المخروزة من جانب واحد، جمعها قِرْبَاتٌ بكسر، فسكون، وقِرِبَاتٌ بكسرتين، وقِرَبَاتٌ بكسر، ففتح، وقِرَبٌ بكسر، ففتح أيضًا، وكذلك كلُّ ما كان على فِعْلَة بكسر، فسكون، كفِقْرَة، وسِدْرةٍ، لك أن تفتح العين، وتكسر، وتُسكّن. انتهى بتصرّف (٣).
(فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا) -بكسر المعجمة، وتخفيف النون، ثم قاف-: هو رِبَاط القِربة، يَشُدّ عُنُقها، فشُبِّه بما يُشْنَق به، وقيل: هو ما تُعَلَّق به، ورَجّح أبو عبيد الأول، قاله في "الفتح".
وقال النوويُّ ﵀: هو الخيط الذي تُربط به في الوَتِد، قاله أبو عبيدة، وأبو عبيد، وغيرهما، وقيل: الوِكَاء. انتهى.
وقال الطيبيُّ ﵀: هو الخيط، أو السِّيرُ الذي تُعلّق به القِرْبة، والخيط الذي يُشدّ به فمها، يقال: شَنَقَ القِرْبة، وأشنقها: إذا أوكاها، وعلّقها. انتهى (٤).
(ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ) أي: بين الإفراط بالإسراف والتفريط بالتقتير، كما فسّره بقوله: (وَلَمْ يُكْثِرْ) أي: من صبّ الماء، وهو إيماء إلى عدم الإفراط، (وَقَدْ أَبْلَغَ) أي: أوصل الماء إلى ما يجب إيصاله إليه، وهو إيماء إلى
стр. 8944
عدم التفريط، وهذا معنى قوله فيما يأتي من الروايات، ففي رواية: "وتوضّأ، وأسبغ الوضوء، ولم يُهرق من الماء إلَّا قليلًا"، وفي رواية: "فتوضّأ منها، فأحسن وضوءه"، وفي رواية: "فتوضّأ وضوءًا خفيفًا"، فكلّها ترجع إلى معنى واحد، وهو أنه أتى بمندوبات الوضوء، مع التخفيف في استعمال الماء.
وقال الطيبيُّ ﵀: قوله: "ولم يُكثر، وقد أبلغ" بيان لقوله: "بين الوضوءين"، وهو صفة أخرى (١) و"وضوءًا"، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]، يعني أنه لَمْ يُكثر صبّ الماء، وقد أبلغ الوضوء أماكنه؛ أي: أسبغ الوضوء، وهو الوضوء الحسن (٢). انتهى (٣).
وقال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه قَلَّل من الماء، مع التثليث، أو اقتصر على دون الثلاث في الغسل، ووقع في رواية شعبة، عن سلمة بن كُهيل الآتية بلفظ: "ثم قام إلى القربة، فأطلق شِنَاقها، ثمّ صَبّ في الْجَفْنَة، أو القَصْعة، فأكبّه بيده عليها، ثم توضّأ وضوءًا حسنًا بين الوضوءين"، ووقع عند الطبرانيّ من طريق منصور بن المعتمر، عن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، في هذه القصة: "وإلى جانبه مِخْضَبٌ من بِرَامٍ مُطْبَقٍ، عليه سواك، فاستَنّ به، ثم توضأ".
(ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى) أي: شرع في الصلاة، وفي رواية محمد بن نصر في "قيام الليل": "ثم أخذ بُرْدًا له حَضْرميًّا، فتوشحه، ثم دخل البيت، فقام يصلي" (فَقُمْتُ) أي: من مضجعي (فَتَمَطَّيْتُ) أي: تمدّدت (كَرَاهِيَةَ) منصوب على المفعوليّة من أجله؛ أي: لأجل كراهية (أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ) قال النوويُّ ﵀: هكذا ضبطناه، وهكذا هو في أصول بلادنا "أنتبه" بنون، ثم مثنّاة فوقُ، ثم موحّدة، ووقع في رواية للبخاريّ: "أبقيه" بموحّدة، ثم قاف، ومعناه: أرقُبُهُ، وهو معنى: "أنتبه له". انتهى. وكأنه خَشِيَ أن يترك بعض
стр. 8945
عمله؛ لِمَا جَرَى من عادته ﷺ أنه كان يترك بعض العمل؛ خشيةَ أن يُفْرَض على أمته قاله في "الفتح".
(فَتَوَضَّأْتُ) أي: نحو وضوئه ﷺ ، وفي رواية مخرمة، عن كريب الآتية: "فقمت، فصنعت مثل ما صنع رسول اللَّه ﷺ ، ثم ذهبت، فقمت إلى جنبه" (فَقَامَ، فَصَلَّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ) أي: لعدم علمه بالسنّة في موقف المأموم الواحد (فَأَخَذَ بِيَدِي) أي: من ورائه، ففي رواية عطاء الآتية: "فأخذ بيدي من وراء ظهره، يَعْدِلني كذلك من وراء ظهره إلى الشقّ الأيمن" (فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ) قال ابن الملك: "عن" هنا بمعنى الجانب؛ أي: حوّلني من جانب يساره ﷺ إلى جهة يمينه (فَتَتَامَّتْ) أي: تكاملت، وانتهت، وقال الطيبيُّ ﵀: أي: صارت تامّةً، تَفَاعَلَ من تَمّ، وهو لا يجيء إلَّا لازمًا. انتهى (١). (صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ) أي: في الليل، أو بعضه (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي: مع ركعة الوتر، يسلّم من كل ركعتين، ففي رواية الشيخين: "ثمَّ صلّى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذّن، فقام، فصلّى ركعتين، ثم خرج، فصلّى الصبح".
قال في "الفتح": ظاهره أنه ﷺ فصل بين كل ركعتين، ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع عند ابن خزيمة، حيث قال فيها: "يسلّم من كلّ ركعتين"، ولمسلم من رواية عليّ بن عبد اللَّه بن عبّاس التصريح بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كلّ ركعتين إلى غير ذلك (٢)، كما سيأتي.
ومقتضى التصريح بذكر الركعتين ستّ مرّات، وقوله بعد ذلك: "ثم أوتر" أنه صلّى في هذه الليلة ثلاث عشرة ركعةً مع الوتر، كما وقع التصريح بذلك، وظاهره أيضًا أنه أوتر بركعة واحدة مفصولة؛ لأنه إذا صلّى ركعتين ركعتين ستّ مرّات مع الفصل بين كل ركعتين صارت الجملة اثنتي عشرة ركعة غير ركعة الوتر، وكانت صلاته ﷺ ثلاث عشرة ركعة، فلم يبق الوتر إلَّا ركعة واحدةً.
стр. 8946
وأما رواية مسلم الآتية بلفظ: "ثم أوتر بثلاث" ففي كونها محفوظةً كلامٌ، ولعلّ ذلك من حبيب بن أبي ثابت الراوي عن عليّ بن عبد اللَّه بن عبّاس، فإن فيه مقالًا، وقد اختُلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافًا، قاله في "المرعاة" (١).
(ثُمَّ اضْطَجَعَ) تقدّم الاختلاف في الاضطجاع هل كان قبل ركعتي الفجر، أو بعدهما؟ (فَنَامَ، حَتَّى نَفَخَ) من باب نصر؛ أي: تنفّس بصوت حتى يُسمع منه صوت النفخ بالفم، كما يُسمع من النائم (٢). (وَكَانَ) ﷺ (إِذَا نَامَ نَفَخَ) وفي رواية شعبة المذكورة: "ثم نام حتى نفخ، وكنّا نعرفه إذا نام بنفخه" (فَأَتَاهُ بِلَالٌ) هو ابن رَبَاح، وهو ابن حَمَامة، وهي أمه، مؤذّن رسول اللَّه ﷺ ، مولى أبي بكر الصدّيق ﵄، من السابقين الأولين، شهد بدرًا وما بعدها، ومات بالشام سنة (١٧) أو (١٨) أو (٢٠) تقدّمت ترجمته في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. (فَآذَنَهُ) بالمدّ: أي: أعلم النبيّ ﷺ (بِالصَّلَاةِ) أي: بحضور وقت صلاة الصبح (فَقَامَ) ﷺ (فَصَلَّى) أي: صلاة الصبح بالناس (وَلَمْ يَتَوَضَّأُ) أي: لأن نومه لا ينقض الوضوء، قال في "المرعاة": قيل: إنما لم يتوضّأ، وقد نام حتى نفخ؛ لأن النوم لا ينقض الطهر بنفسه، بل لأنه مظنّة خروج الخارج، ولَمّا كان قلبه ﷺ يقظان لا ينام، ولم يكن نومه مظنّة في حقّه فلا يؤثّر؛ لأنه يعلم بتيقّظ قلبه بقاء وضوئه، وهذا من خصائصه ﷺ . انتهى ببعض تصرّف (٣).
وفي رواية ابن عيينة، عن عمرو بن دينار الآتية: "فصلى الصبح، ولم يتوضّأ، قال سفيان: وهذا للنبيّ ﷺ خاصّةً؛ لأنه بلغنا أن النبيّ ﷺ تنام عينه، ولا ينام قلبه".
وقال الطيبيُّ ﵀: هذا من خصائصه ﷺ ؛ لأن عينه كانت تنام، ولا ينام قلبه، فيَقَظة قلبه تمنعه من الحدث، وإنما مُنع النومَ قلبُهُ لِيَعِيَ الوحيَ إذا أُوحي إليه في منامه، قال عُبيد بن عُمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. انتهى (٤).
стр. 8947
(وَكَانَ فِي دُعَائِهِ) في جملة دعاء النبيّ ﷺ في تلك الصلاة، وفي رواية البخاريّ: "وكان يقول في دعائه"، قال في "الفتح": فيه إشارة إلى أن دعاءه حينئذ كان كثيرًا، وكان هذا من جملته، ومما كان يقوله أيضًا ما يأتي: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض. . . إلخ".
[تنبيه]: اختلفت الروايات في تعيين محلّ هذا الدعاء، فوقع في رواية شعبة، عن سلمة الآتية بلفظ: "ثم خرج إلى الصلاة، فصلّي، فجعل يقول في صلاته، أو في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نورًا. . . إلخ"، وسيأتي من رواية حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عبّاس، عن أبيه أنه قال هذا الدعاء، وهو ذاهب إلى صلاة الصبح، ولفظه: "فأذّن المؤذّن، فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل. . . إلخ".
ويُمكن أن يُجمع بأنه قال هذا الدعاء حين خروجه إلى صلاة الصبح، ثم قاله في صلاته أيضًا.
ووقع في رواية الترمذيّ أنه ﷺ قال ذلك حين فرغ من صلاته، ووقع عند البخاريّ في "الأدب المفرد"، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵂: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يصلي، فقضى صلاته، يُثني على اللَّه بما هو أهله، ثم يكون آخر كلامه: "اللهم اجعل في قلبي نورًا. . . " الحديث، قال الحافظ: ويُجمَع بأنه كان يقول ذلك عند القرب من فراغه. انتهى (١).
أو يقال: إنه كان يقول ذلك الدعاء بعد الفراغ من الصلاة أيضًا، قاله في "المرعاة" (٢)، وهذا أقرب، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الطيبيُّ ﵀: باعثه ﷺ على هذا الدعاء، وعلى الصلاة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]-يعني الآيات التي قرأها حين استيقظ من نومه- قال: فإن الفاء الفصيحيّة تقتضي مقدّرًا يرتبط معها، تقديره: ربنا ما خلقت هذا باطلًا، بل خلقته للدلالة على معرفتك، ومن عَرَفك يجب عليه أداء طاعتك، واجتناب
стр. 8948
معصيتك؛ ليفوز بدخول جنتك، ويتوقّى به من عذاب نارك؛ لأن النار جزاء من يُخلّ بذلك، ونحن قد عرفناك، وأدّينا طاعتك، واجتنبنا معصيتك، فقنا عذاب النار. انتهى (١).
("اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) قيل: هو ما يتبيّن به الشيء ويظهر، قال الكرماني ﵀: التنوين فيه؛ للتعظيم؛ أي: نورًا عظيمًا، وقدّم القلب؛ لأنه المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، فإذا تنوّر القلب فاض نوره على جميع الجسد، وإذا حلّ النور في القلب والأعضاء حلّت الهداية فيها؛ لأن النور يقشع ظلمات الذنوب، ويرفع رَيْن الآثام، فنشطت للعبادة، وسعدت السعادت الأبديّة. (وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا) أي: في جانبي، أو في جارحتي (وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا) أي: قُدّامي نورًا يسعى بين يديّ (وَخَلْفِي نُورًا) أي: ليهتدي أتباعي بضوئه، ويستنيروا بإشراقه، والمعنى: اجعل النور يَحُفّني من جميع الجهات الستّ، حتى لا يكون للشيطان سبيل.
(وَعَظِّمْ لِي نُورًا") -بتشديد الظاء المعجمة- ولأبي يعلي، عن أبي خيثمة، عن عبد الرحمن: "وأعظم لي نورًا"، أخرجه الإسماعيليّ، وأخرجه أيضًا من رواية بندار، عن عبد الرحمن، وكذا لأبي عوانة، من رواية أبي حُذيفة، عن سفيان، وفي رواية شعبة، عن سلمة بن كُهيل الآتية للمصنّف: "واجعل لي نورًا" أو قال: "واجعلني نورًا"، هذه رواية غندر، عن شعبة، وفي رواية النضر، عن شعبة: "واجعلني"، ولم يشكّ، وللطبراني في "الدعاء"، من طريق الْمَنهال بن عمرو، عن علي بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، في آخره: "واجعل لي يوم القيامة نورًا"، أفاده في "الفتح".
(قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعًا فِي التَّابُوتِ) وفي رواية البخاريّ: "وسبع في التابوت"، بالرفع، ومعناه: أنه ذكر في الدعاء سبع كلمات نسيتها.
وقد اختُلِف في مراده بقوله: "التابوت"، فجزم الدمياطي في "حاشيته" بأن المراد به الصدر الذي هو وعاء القلب، وسبق ابن بطال، والداوديّ إلى أن
стр. 8949
المراد بـ "التابوت" الصدر، وزاد ابن بطال: كما يقال لمن يَحْفَظ العلم: علمه في التابوت مُستودَع، وقال النوويّ تبعًا لغيره: المراد بالتابوت الأضلاع وما تحويه من القلب وغيره؛ تشبيهًا بالتابوت الذي يُحْرَز فيه المتاع، يعني أن سبع كلمات في قلبي، ولكن نسيتها. وقيل: المراد سبعة أنوار، كانت مكتوبة في التابوت الذي كان لبني إسرائيل، فيه السكينة.
وجَزَم القرطبيّ ﵀ في "المفهم"، وغير واحد بأن المراد بـ "التابوت" الجسد؛ أي: أن السبع المذكورة تتعلق بجسد الإنسان، بخلاف أكثر ما تقدّم، فإنه يتعلق بالمعاني، كالجهات الستّ، وإن كان السمع والبصر من الجسد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تفسير التابوت بالصدر، أو الجسد غير صحيح، والصواب ما فسّر به ابن الجوزيُّ ﵀ قال: يريد بالتابوت الصندوق؛ أي: سبعٌ مكتوبة في حندوق عنده، لَمْ يحفظها في ذلك الوقت.
فهذا هو التفسير الصحيح؛ لأنه صُرّح به في رواية أبي عوانة من طريق أبي حذيفة، عن سفيان الثوريّ، بسند حديث الباب، ونصّه: قال كُريب: وستّةٌ عندي مكتوبةٌ في التابوت، وقال أيضًا: يقال: التابوت فيه كُتُب عليّ بن عبد اللَّه بن عبّاس. انتهى (١).
وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن معنى قوله: "في التابوت" أي: في صحيفة في تابوت، عند بعض وَلَد العباس، قال: والخصلتان: العظم والمخّ، وقال الكرمانيّ: لعلّهما الشحم والعظم، كذا قالا، وفيه نظر.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تفسير الداوديُّ للتابوت بما ذكره هو الحقّ، كما سبق عن ابن الجوزيِّ ﵀، لكن تفسيره للخصلتين، فيه نظر، بل الأولى تفسيرهما باللسان والنفس، كما صحّ من رواية عقيل، عن سلمة الآتية.
والحاصل أن المراد بالتابوت هو الصندوق الذي وُضعت فيه الصحيفة التي كُتبت فيه السبع، وأن الخصلتين هما اللسان، والنفس، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: حاصل ما ذُكر في هذه الرواية عشرة، وسيأتي من طريق عُقَيل،
стр. 8950
عن سلمة بن كُهيل: "فدعا رسول اللَّه ﷺ بتسع عشرة كلمة، حدّثنيها كُريب، فحفظت منها ثنتي عشرة، ونَسِيت ما بَقِي"، قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اجعل لي في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يديَّ نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا".
فقوله: "وفي لساني نورًا" و"واجعل لي في نفسي نورًا"، هاتان اثنتان من السبع التي ذكر كُريب أنها في التابوت مما حدّثه بعض ولد العباس.
وقوله: (فَلَقِيتُ بَعْضَ وَلَدِ الْعَبَّاسِ) قال صاحب "التنبيه": هو عليّ بن عبد اللَّه بن العبّاس، كذا بخطّ العلامة عزّ الدين الحاضريّ عن أبي ذرّ. انتهى (١).
(فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ) هو من قول كريب، صرّح به أبو نعيم من رواية زُهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مهديّ، وأما قول ابن بطّال، وكذا النوويّ: إنه من قول سلمة، وليس من قول كُريب، فليس بشيء، وكذا قول الحافظ: هو مُحْتَمِل، مع أنه قال: وظاهر رواية أبي حُذيفة أن القائل هو كريب.
والحاصل أن الصواب كونه من قول كريب، كما صرح به في رواية زهير المذكورة، لا من قول سلمة، واللَّه تعالى أعلم.
قال ابن بطال ﵀: وقد وجدت الحديث من رواية عليّ بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، قال: فذكر الحديث مطوَّلًا، وظهرت منه معرفة الخصلتين اللتين نسيهما، فإن فيه: "اللهم اجعل في عظامي نورًا، وفي قبري نورًا".
قال الحافظ ﵀: بل الأظهر أن المراد بهما اللسان والنفس، وهما اللذان زادهما عُقيل في روايته عند مسلم، وهما من جملة الجسد، وينطبق عليه التأويل الأخير للتابوت، وبذلك جزم القرطبيّ ﵀ في "المفهم"، ولا ينافيه ما عداه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن تفسير القرطبيّ للتابوت غير صحيح، بل الصواب أنه التابوت المعروف، وهو الصندوق، كما بيّنته رواية أبي عوانة السابقة.
стр. 8951
قال: والحديث الذي أشار إليه، أخرجه الترمذيّ، من طريق داود بن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، عن جدّه، سمعت نبي اللَّه ﷺ ليلةً حين فرغ من صلاته يقول: "اللهم إني أسالك رحمةً من عندك. . . "، فساق الدعاء بطوله، وفيه: "اللهم اجعل لي نورًا في قبري"، ثم ذكر القلب، ثم الجهات الست، والسمع والبصر، ثم الشعر والبشر، ثم اللحم والدم والعظام، ثم قال في آخره: "اللهم عَظِّم لي نورًا، وأعطني نورًا، واجعلني نورًا"، قال الترمذيّ: غريب (١)، وقد رَوَى شعبة، وسفيان، عن سلمة، عن كريب، بعض هذا الحديث، ولم يذكروه بطوله. انتهى.
وأخرج الطبريّ من وجه آخر، عن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، في آخره: "وزدني نورًا"، قالها ثلاثًا، وعند ابن أبي عاصم في "كتاب الدعاء"، من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن كريب، في آخر الحديث: "وهب لي نورًا على نور".
ويجتمع من اختلاف الروايات كما قال ابن العربيّ خمس وعشرون خصلةً، قاله في "الفتح" (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "خمس وعشرون خصلةً" فيه نظر؛ لأن الأحاديث التي ذُكرت ضعاف، لا يستفاد منها زيادة على ما أورده المصنّف في هذا الباب، من رواية عُقيل، عن سلمة بن كُهيل، وهي تسع عشرة خصلة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
(فَذَكَرَ) أي: بعض ولد العبّاس (عَصَبِي) بفتح المهملتين، وبعدهما موحّدة، قال ابن التين: هي أطناب المفاصل (وَلَحْمِي، وَدَمِي، وَشَعْرِي) -بفتح العين المهملة، وسكونها- (وَبَشَرِي) -بفتح الموحدة والمعجمة-: ظاهرُ الجسد (وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ) أي: مع هذه الخمسة؛ تكملةَ السبعة، وقد سبق أنهما "اللسان، والنفس" فتنبّه.
[تنبيه]: قال القرطبيُّ ﵀: هذه الأنوار التي دعا بها رسول اللَّه ﷺ
стр. 8952
يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل اللَّه تعالى أن يَجعَل له في كل عضو من أعضائه نورًا يستضيء به يوم القيامة في تلك الظّلَم، هو ومن تبعه، أو من شاء اللَّه منهم، قال: والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: علمًا وهدايةً، قال: والتحقيق في معنى النور: أن النور مُظْهِر ما يُنْسَب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور الشمس مُظهِر للمبصرات، ونور القلب كاشفٌ عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات، فكأنه دعا بإظهار الطاعات عليها دائمًا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الطيبيّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ (١).
وقال الطيبيُّ ﵀: معنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا أن يتحلَّى بأنوار المعرفة والطاعات، ويتعَرَّى عن ظلمة الجهالة والمعاصي؛ لأن الإنسان ذو سهو وطغيان، قد أحاطت به ظلمات الجبلّة، مُعتوِرةً عليه من فرقه إلى قدمه، والأدخنة الثائرة من نيران الشهوات من جوانبه، والشيطان يأتيه من الجهات الست بوساوسه وشُبُهاته، ظلمات بعضها فوق بعض، فلم ير للتخلُّص منها مساغًا إلَّا بتلك الأنوار السادّة لتلك الجهات، فسأل اللَّه أن يُمِدّه بها؛ ليستأصل تلك الظلمات؛ إرشادًا للأمة، وتعليمًا لهم، قال: وكلّ هذه الأمور راجعةٌ إلى الهداية والبيان، وضياء الحقّ، والى ذلك يرشد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النور: ٣٥]، وإلى أودية تلك الظلمات يلمح قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ -إلى قوله-: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ الآية [النور: ٤٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، اللهم إنا نعوذ بك من تلك الظلمات، ونسألك هذه الأنوار. انتهى كلام الطيبيُّ ببعض تصرّف (٢).
وقال الطيبيّ أيضًا: خَصَّ السمع والبصر والقلب بلفظ بـ "في" الظرفيّة؛ لأن القلب مَقَرُّ الفِكَرِ في الماء اللَّه ونعمائه، ومكانها ومعدنها، والبصر
стр. 8953
مسارح آيات اللَّه المنصوبة المبثوثة في الآفاق، والأنفس ومحلها، والأسماع مراسي أنوار وحي اللَّه تعالى، ومحطّ آياته المنزّلة على أنبياء اللَّه تعالى، قال: وخُصّ اليمين والشمال بـ "عن"؛ للإيذان بأنه تجاوزت الأنوار عن قلبه وسمعه وبصره إلى مَن عن يمينه، وشماله، من أتباعه، وعُزلت "فوقُ"، و"تحتُ"، و"أمامُ"، و"خَلْفُ"، من الجارّة؛ ليستمدّ استنارته وإنارته من اللَّه وللخلق، ثم أجمل في آخره بقوله: "واجعل لي نورًا" فَذْلَكَةً لذلك، وتوكيدًا له. انتهى كلام الطيبيُّ ﵀ ببعض تصرّف أيضًا (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٧٨٨ و ١٧٨٩ و ١٧٩٠ و ١٧٩١ و ١٧٩٢ و ١٧٩٣ و ١٧٩٤ و ١٧٩٥ و ١٧٩٦ و ١٧٩٧ و ١٧٩٨ و ١٧٩٩ و ١٨٠٠ و ١٨٠١ و ١٨٠٢] (٧٦٣)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٣٨) و"الأذان" (٦٩٨ و ٧٢٦ و ٨٥٩) و"الوتر" (٩٩٢) و"العمل في الصلاة" (١١٩٨) و"التفسير" (٤٥٦٩) و"الأدب" (٦٢١٥) و"الدعوات" (٦٣١٦) و"التوحيد" (٧٤٥٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٦٧ و ٥٠٤٣)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٢٥٨)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٢٣)، و"إقامة الصلاة" (٥٠٨ و ١٣٦٣)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (١١٢١)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢١ و ١٢٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٧٠٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٧٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٧٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٨٤ و ٣٦٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٣٣ و ١٥٣٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٧٩ و ٢٥٩٢ و ٢٦٢٦) و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣١٥ و ٣١٧ و ٣١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٣٨ و ١٧٣٩ و ١٧٤٠ و ١٧٤١ و ١٧٤٢ و ١٧٤٣ و ١٧٤٤
стр. 8954
و ١٧٤٥)، و (الطبرانيّ) (١٢١٩٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كيفية صلاته ﷺ ، ودعائه في الليل.
٢ - (ومنها): جواز مبيت مَن لَمْ يَحْتَلِم عند ذوات محارمه.
٣ - (ومنها): جواز المبيت عند الرجل، ومعه أهله.
٤ - (ومنها): فضل ابن عباس ﵄، حيث بات يراقب النبيّ ﷺ في أفعاله؛ ليقتدي به مع صغر سنّه.
٥ - (ومنها): مبالغة العبد في طلب الأنوار من اللَّه تعالى، حتى تكون محيطة به ظاهرًا وباطنًا؛ ليكون على بصيرة من أمره.
٦ - (ومنها): بيان أن نومه ﷺ مضطجعًا لا ينقض الوضوء، وكذا سائر الأنبياء ﵈، فيقظة قلبهم تمنعهم من الحدَث، ولهذا قال عُبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، وقال الخطابيُّ ﵀: إنما مُنِع النومُ من قلب النبيّ ﷺ ؛ لِيَعِيَ الوحي إذا أوحي إليه في المنام.
٧ - (ومنها): أن فيه تواضعَه ﷺ ، وما كان عليه من مكارم الأخلاق.
٨ - (ومنها): أن فيه صلةَ القرابة.
٩ - (ومنها): بيان الاقتداء بأفعاله ﷺ .
١٠ - (ومنها): جواز الإمامة في النافلة، وصحة الجماعة فيها.
١١ - (ومنها): جواز ائتمام واحد بواحد.
١٢ - (ومنها): جواز ائتمام الصبي بالبالغ، وعليه ترجم البيهقيُّ في "سننه".
١٣ - (ومنها): أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وعن سعيد بن المسيب أن موقف الواحد مع الإمام عن يساره، ويردّه هذا الحديث، وعن أحمد: إن وقف عن يساره بطلت صلاته.
١٤ - (ومنها): استحباب التخفيف في استعمال ماء الوضوء، مع استيعاب محلّ الفرض.
١٥ - (ومنها): تعليم الإمام المأموم وهو يصلي كيف يقوم إلى جنبه.
стр. 8955
١٦ - (ومنها): جواز التعليم في الصلاة إذا كان من أمرها.
١٧ - (ومنها): استحباب إيذان المؤذّن الإمام بحضور الصلاة.
١٨ - (ومنها): قيام الإمام مع المؤذّن إذا آذنه إلى الصلاة.
١٩ - (ومنها): جواز الجمع بين النوافل والفرض بوضوء واحد، ولا خلاف في ذلك.
٢٠ - (ومنها): أن النوم الخفيف لا يجب فيه الوضوء، قاله الداوديّ في "شرحه"، وفيه نظرٌ؛ لأنه ﷺ اضطجع، فنام حتى نفخ، وهذا لا يكون في الغالب خفيفًا.
٢١ - (ومنها): أن فيه المبيت عند العالم؛ ليراقب أفعاله، فيقتدي بها.
٢٢ - (ومنها): أن فيه طلبَ العلو في السند، وطلب اليقين، والقطع في أحكام الشريعة متى قدر على ذلك، ورفعه على درجة خبر الواحد؛ فإنه كان يكفي ابن عبّاس ﵄ سؤال خالته ميمونة أم المؤمنين ﵂، ولكنه طلب بنفسه.
٢٣ - (ومنها): أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه ﷺ لَمْ يتكلم.
٢٤ - (ومنها): أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، ذكره الخطابيّ، وفي الاستدلال عليه بهذا الحديث نظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ (١) فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ
стр. 8956
اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، استَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ (١) بِأُذِنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (مَخْرَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الأسديّ الوالبيّ -بكسر اللام، والموحّدة- المدنيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وأسماء بنت أبي بكر، والسائب بن يزيد، وكُريب مولى ابن عباس، وإبراهيم بن محمد بن طلحة، والأعرج، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن شعيب، ومات قبله، وعبد ربه بن سعيد، وسعيد بن أبي هلال، وعياض بن عبد اللَّه الفِهْريّ، ومالك بن أنس، والضحاك بن عثمان الْحِزَاميّ، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وغيرهم.
قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الواقديّ: قتلته الْحَرُورية بقُدَيد سنة ثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنةً.
стр. 8957
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكرّره ثلاث مرّات.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَن ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) ﵂ (وَهِيَ خَالَتُهُ) قَالَ: (فَاضْطَجَعْتُ) قائل ذلك هو ابن عباس ﵄، وفيه التفات؛ لأن أسلوب الكلام كان يقتضي أن يقول: فاضطجع؛ لأنه قال قبل ذلك: أنه بات. . . إلخ (فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ) قال النوويُّ ﵀: هكذا ضبطناه عَرْض -بفتح العين- وهكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين، قال: ورواه الداودي بالضم، وهو الجانب، والصحيح الفتح. انتهى.
وقال في "الفتح": في "عَرْض الوسادة" -بفتح أوله- على المشهور، وبالضم أيضًا، وأنكره الباجيّ من جهة النقل، ومن جهة المعنى أيضًا، قال: لأن العُرْض بالضم هو الجانب، وهو لفظ مشترك، قال الحافظ: لكن لَمّا قال: "في طولها" تَعيَّن المراد، وقد صحت به الرواية فلا وجه للإنكار. انتهى.
وفي رواية محمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" من طريق محمد بن الوليد بن نُويفع: "وسادة من أَدَمِ حشوُها لِيفٌ"، وفي رواية ابن خزيمة: "ثم دخل مع امرأته في فراشها، وزاد أنها كانت ليلتئذ حائضًا"، وفي رواية للبخاريّ في "التفسير": "فتحدث رسول اللَّه ﷺ مع أهله ساعة". انتهى (١).
قال النوويُّ ﵀: المراد بالوسادة: الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرؤوس، ونقل القاضي عن الباجيّ والأصيليّ وغيرهما أن الوسادة هنا: الفراش؛ لقوله: "اضطجع في طولها"، وهذا ضعيفٌ، أو باطلٌ.
وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها، وإن كان مُمَيِّزًا، قال القاضي: وقد جاء في بعض روايات هذا
стр. 8958
الحديث: "قال ابن عباس: بِتُّ عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضًا"، قال: وهذه الكلمة وإن لَمْ تَصِحّ طريقًا فهي حسنة المعنى جدًّا؛ إذ لَمْ يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبيّ ﷺ فيها حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبوه إلَّا إذا عَلِمَ عدم حاجته إلى أهله؛ لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة، مع أنه كان مُراقبًا لأفعال النبيّ ﷺ مع أنه لَمْ يَنَمْ، أو نام قليلًا جدًّا. انتهى (١).
(وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ) وفي نسخة: "هو وأهله" (فِي طُولِهَا) أي: طول الوسادة (فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ) وفي رواية للبخاريّ: "حتى انتصف الليل، أو قريبًا منه"، قال في "الفتح": جزم شريك بن أبي نَمِر في روايته بثلث الليل الأخير، ويُجمَع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرّتين، ففي الأولى نظر إلى السماء، ثم تلا الآيات، ثم عاد لمضجعه فنام، وفي الثانية أعاد ذلك، ثم توضأ، وصلي، وقد بيّن ذلك محمد بن الوليد في روايته، وفي رواية الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، عن كريب في "الصحيحين"، وهي الرواية الماضية للمصنّف: "فقام النبيّ ﷺ من الليل، فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القربة. . . " الحديث، وفي رواية سعيد بن مسروق، عن سلمة الآتية في هذا الباب: "ثم قام قومةً أخرى"، ورواية شعبة، عن سلمة: "فبال"، بدل "فأتى حاجته".
(اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ) أي: يمسح بيده عينيه، من باب إطلاق اسم الحالّ على المحلّ، أو أثر النوم، من باب إطلاق السبب على المسبب، قاله في "الفتح"، وقال النوويُّ ﵀: معناه: يمسح أثر النوم، وفيه استحباب هذا، واستعمال المجاز. انتهى.
(ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) أولها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر السورة.
قال النوويُّ ﵀: فيه جواز القراءة للمحدث، وهذا إجماع المسلمين، وإنما تَحْرُم القراءة على الجنب والحائض، وفيه استحباب قراءة هذه الآيات
стр. 8959
عند القيام من النوم، وفيه جواز قول: "سورة آل عمران"، و"سورة البقرة"، و"سورة النساء"، ونحوها، وكَرِهه بعض المتقدمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يذكر فيها آل عمران، والتي يذكر فيها البقرة، والصواب الأول، وبه قال عامّة العلماء من السلف والخلف، وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا لبس في ذلك. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قال ابن بطال، ومن تبعه: فيه دليل على ردّ من كره قراءة القرآن على غير طهارة؛ لأنه ﷺ قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ.
وتعقبه ابن المنير وغيره بأن ذلك مُفَرَّع على أن النوم في حقه ينقض، وليس كذلك؛ لأنه قال: "تنام عيناي، ولا ينام قلبي"، وأما كونه توضأ عقب ذلك، فلعله جدَّد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك، فتوضأ.
قال الحافظ: وهو تعقب جيّد بالنسبه إلى قول ابن بطال بعد قيامه من النوم؛ لأنه لم يتعيّن كونه أحدث في النوم، لكن لما عَقَّب ذلك بالوضوء كان ظاهرًا في كونه أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث، وهو نائم، نعم خصوصيته أنه إن وقع شَعَرَ به بخلاف غيره، وما ادَّعَوه من التجديد وغيره الأصل عدمه. انتهى (٢).
(ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) زاد محمد بن الوليد: "ثم استفرغ من الشّنّ في إناء، ثم توضأ"، قال النوويُّ ﵀: إنما أنّثها على إرادة القِرْبة، وفي رواية بعد هذه: "شَنّ مُعَلَّق" على إرادة السقاء والوعاء، قال أهل اللغة: الشَّنّ: القربة الْخَلَق، وجمعه شِنَان. انتهى.
(فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) وفي رواية محمد بن الوليد، وطلحة بن نافع جميعًا عن كريب: "فأسبغ الوضوء"، وفي رواية عمرو بن دينار، عن كريب: "فتوضأ وضوءًا خفيفًا"، وُيجْمَع بين هاتين الروايتين برواية سلمة بن كُهيل، عن كريب الماضية بلفظ: "فتوضأ وضوءًا بين وضوءين، لم يكثر وقد
стр. 8960
أبلغ"، وفي رواية عياض، عن مخرمة الآتية: "فأسبغ الوضوء، ولم يَمَسّ من الماء إلَّا قليلًا"، وزاد فيها: "فتسوّك"، وكذا لشريك عن كريب: "فاستَنّ" (ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى) لفظ البخاريّ: "ثم قام يُصلي"، وفي رواية محمد بن الوليد: "ثم أخذ بُرْدًا له حَضْرميًّا، فتوشحه، ثم دخل البيت، فقام يصلي".
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) هذا يقتضي أنه صنع جميع ما ذكر من القول والنظر والوضوء والسواك والتوشُّح، ويَحْتَمِل أن يُحْمَل على الأغلب، وهذا أقرب (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ) وفي نسخة: "فأخذ" (بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، قيل: إنما فتلها تنبيهًا له من النعاس، وقيل: ليتنبه لهيئة الصلاة، وموقف المأموم، وغير ذلك، قال النوويّ ﵀: والأول أظهر؛ لقوله في الرواية الأخرى: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأظهر أنه فعل ذلك لأجل التنبيه من النعاس، ولمؤانسته في الظلام، ففي رواية محمد بن الوليد: "فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليُؤنسني بيده في ظلمة الليل"، وفي رواية الضحاك بن عثمان: "فجعلتُ إذا أغفيت أخذ بشَحْمَة أذني"، فتبيّن بهاتين الروايتين أنه إنما فعل ذلك للأمرين، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ ﵀: وفي هذا ردّ على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين؛ متمسكًا برواية سلمة بن كُهيل، حيث قال: "فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه"، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مَسْك أذنه؛ لما ذكره من تأنيسه وإيقاظه؛ لأن حاله كانت تقتضي ذلك؛ لصغر سنّه، قاله في "الفتح" (١).
(فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ) كذا في هذه الرواية، وظاهره أنه فصل بين كل ركعتين، ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع، حيث قال فيها: "يسلّم من كل
стр. 8961
ركعتين"، وفي رواية عليّ بن عبد اللَّه بن عباس الآتية لمسلم التصريح بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كل ركعتين إلى غير ذلك.
ثم إن هذه الرواية فيها التصريح بذكر الركعتين ستّ مرات، ثم قال: "ثم أوتر"، ومقتضاه أنه ﷺ صلى ثلاث عشرة ركعةً، وقد صرَّح بذلك في رواية سلمة الماضية حيث قال: "فتتامّت صلاته ثلاث عشرة ركعةً"، وفي رواية عبد ربه بن سعيد الآتية: "فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعةً"، وفي رواية محمد بن الوليد، عن كريب مثله، وزاد: "وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح"، وهي موافقة لهذه الرواية؛ لأنه قال بعد قوله: "ثم أوتر": "فقام، فصلى ركعتين خفيفتين"، فاتّفَقَ هؤلاء على الثلاث عشرة، وصَرَّح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرها.
لكن رواية شريك بن أبي نَمِر عند البخاريّ في "التفسير" عن كريب تخالف ذلك، ولفظه: "فصلى إحدى عشرة ركعةً، ثم أذَّن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج"، فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف، وقد عُرِف أن الأكثر خالفوا شريكًا فيها، وروايتهم مقدمة على روايته؛ لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعوى الحافظ ﵀ تفرّد شريك بذكر إحدى عشرة ركعةً فيه نظر لا يخفي، فقد تابعه مخرمة بن سليمان عن كريب، فذكرها، وهي الرواية الآتية للمصنّف بعد حديثين، ولفظه: "قال: فصلى إحدى عشرة ركعةً، ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا، فلما تبيّن له الفجر صلى ركعتين خفيفتين"، فظهر بهذا أن شريكًا لَمْ ينفرد بها، فتفطّن.
قال: وقد حَمَل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفى بُعْدُه، ولا سيما في رواية مخرمة في حديث الباب إلَّا إن حمل على أنه أخّر سنة العشاء حتى استيقظ، لكن يَعْكُر عليه رواية المنهال الآتية قريبًا.
وقد اختُلِف على سعيد بن جبير أيضًا: ففي "التفسير" من طريق شعبة، عن الحكم، عنه: "فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم صلى خمس ركعات"، وقد حَمَلَ محمد بن نصر هذه الأربع على أنها سنة العشاء؛ لكونها وقعت قبل النوم، لكن يَعْكُر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو، عن عليّ بن
стр. 8962
عبد اللَّه بن عباس، فإن فيه: "فصلى العشاء، ثم صلى أربع ركعات بعدها، حتى لَمْ يبق في المسجد غيره، ثم انصرف"، فإنه يقتضي أن يكون صلى الأربع في المسجد، لا في البيت.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن حمل محمد بن نصر ﵀ المذكور صحيح، فقد أخرج البخاريّ رواية شعبة، عن الحكم هذه في "كتاب العلم" من "صحيحه"، وفيه التصريح بأنه ﷺ صلى أربع ركعات في البيت بعدما رجع من المسجد، ولفظه: "قال: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، زوج النبيّ ﷺ ، وكان النبيّ ﷺ عندها في ليلتها، فصلى النبيّ ﷺ العشاء، ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم نام. . . " الحديث.
فدلّ على أنه صلى في البيت، ولا ينافيه ما رواه المنهال؛ لاحتمال أن يكون صلى في المسجد وفي البيت أيضًا، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ورواية سعيد بن جبير أيضًا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظرٌ، وقد رواها أبو داود من وجه آخر، عن الحكم، وفيه: فصلى سبعًا، أو خمسًا، أوتر بهنّ، لَمْ يسلم إلَّا في آخرهنّ.
قال: وقد ظهر لي من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال، ويوضح أن رواية الحكم وقع فيها تقصير، فعند النسائيّ من طريق يحيى بن عباد، عن سعيد بن جبير: "فصلى ركعتين ركعتين، حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس، لَمْ يجلس بينهنّ"، فبهذا يُجمَع بين رواية سعيد ورواية كريب.
وأما ما وقع في رواية عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عند أبي داود: "فصلى ثلاث عشرة ركعةً، منها ركعتا الفجر"، فهو نظير ما تقدّم من الاختلاف في رواية كريب.
وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل، ورواية كريب مُحْتَمِلةٌ، فتُحْمَل على رواية سعيد.
وأما قوله في رواية طلحة بن نافع: "يسلِّم من كل ركعتين"، فيَحْتَمِل تخصيصه بالثمان، فيوافق رواية سعيد، ويؤيده رواية يحيى بن الجزار الآتية.
قال: ولم أر في شيء من طرق حديث ابن عباس ما يخالف ذلك؛ لأن
стр. 8963
أكثر الرواة عنه لَمْ يذكروا عددًا، ومن ذكر العدد منهم لَمْ يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة، إلَّا أن في رواية على بن عبد اللَّه بن عباس، عند مسلم ما يخالفهم، فإن فيه: "فصلى ركعتين، أطال فيهما، ثم انصرف، فنام حتى نفخ، ففعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآياتِ، يعني آخر آل عمران، ثم أوتر بثلاث، فأَذَّن المؤذِّن فخرج إلى الصلاة". انتهي، فزاد على الرواة تكرار الوضوء وما معه، ونقص عنهم ركعتين، أو أربعًا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضًا، وأظن ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالًا، وقد اختُلِف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافًا تقدم ذكر بعضه.
ويَحْتَمِل أن يكون لَمْ يذكر الأربع الأوَلَ كما لم يذكر الحكم الثمان كما تقدم، وأما سنة الفجر فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى، عن علي بن عبد اللَّه، عند أبي داود.
والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها، ولا شك أن الأخذ بما اتَّفَق عليه الأكثر، والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم، ولا سيما إن زاد أو نقص، والْمُحَقَّق من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية ثلاث عشرة، فيَحْتَمِل أن يكون منها سنة العشاء ويوافق ذلك رواية أبي جمرة عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "كانت صلاة النبيّ ثلاث عشرة"، يعني بالليل، ولم يُبَيِّن هل سنة الفجر منها أو لا؟ وبيّنها يحيى بن الجزار، عن ابن عباس، عند النسائيّ بلفظ: "كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح".
قال: ولا يَعْكُرُ على هذا الجمع إلَّا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يُحْمَل قوله: "صلى ركعتين، ثم ركعتين"؛ أي: قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: "ثم ركعتين. . . إلخ"؛ أي: بعد أن قام.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى بُعد هذا الجمع؛ لأن ظاهر السياق يأباه، فالأولى الترجيح، فرواية من روى أنه صلى ثلاث عشرة ركعةً أقوى، فترجّح على رواية إحدى عشرة، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8964
وجمع الكرمانيُّ ﵀ بين ما اختَلَف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس ﵄ به فيه، وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميع مجملًا، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الوجه الذي ذكره أقرب مما قاله الكرمانيُّ ﵀ أيضًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ) تقدّم أنه بلال ﵁ (فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) فيه استحباب تخفيف ركعتي الفجر (ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) أي: صلى بالناس جماعة.
قال النوويُّ ﵀ في "شرحه": فيه أن الأفضل في الوتر وغيره من الصلوات أن يسلم من كل ركعتين، وإن أوتر يكون آخرَه ركعةً مفصولةً، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: ركعةً موصولةً بركعتين كالمغرب.
وفيه جواز إتيان المؤذِّن إلى الإمام؛ ليَخْرُج إلى الصلاة، وتخفيف سنة الصبح، وأن الإيتار بثلاث عشرة ركعةً أكمل، وفيه خلاف لأصحابنا، قال بعضهم: أكثر الوتر ثلاث عشرة؛ لظاهر هذا الحديث، وقال أكثرهم: أكثره إحدى عشرة، وتأولوا حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ صلى منها ركعتي سنة العشاء، وهو تأويل ضعيفٌ، مباعد للحديث. انتهى كلام النوويُّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
وقال في "الفتح": وفي حديث ابن عباس من الفوائد غير ما تقدّم ففيه جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوّع، ويَحْتَمِل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره، ممن يَحِلّ له أخذ ذلك.
وفيه جواز تقاضي الوعد، وإن كان مَن وَعَد به مقطوعًا بوفائه.
وفيه الملاطفة بالصغير، والقريب، والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والردّ على من يؤثر دوام الانقباض.
وفيه مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها، وجواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميزًا بل مراهقًا.
стр. 8965
وفيه صحة صلاة الصبيّ، وجواز فتل أذنه؛ لتأنيسه وايقاظه، وقد قيل: إن المتعلم إذا تُعوهد بفتل أذنه كان أذكى لفهمه.
وفيه حَمْلُ أفعاله ﷺ على الاقتداء به، ومشروعية التنفل بين المغرب والعشاء.
وفضل صلاة الليل، ولا سيما في النصف الثاني، والبداءة بالسواك، واستحبابه عند كل وضوء، وعند كل صلاة، وتلاوة آخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل، واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم، وهو محدث، ولعله المراد بالوضوء للجنب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال في "الفتح": ولعلّه. . . إلخ، فيه نظر لا يخفي، بل الصواب أن الوضوء الذي أُمر به الجنب عند إرادة النوم هو الوضوء الشرعيّ الذي تصحّ به الصلاة، فالأحاديث الصحيحة مصرّحة بأنه يتوضّأ وضوءه للصلاة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وفيه جواز الاغتراف من الماء القليل؛ لأن الإناء المذكور كان قَصْعة، أو صَحْفة، واستحباب التقليل من الماء في التطهير، مع حصول الإسباغ، وجواز التصغير والذكر بالصفة، فقد قال ﷺ : "نام الغليم" يعني ابن عباس ﵄، وبيان فضل ابن عباس ﵄، وقوة فهمه، وحرصه على تعلم أمر الدين، وحسن تأتيه في ذلك.
وفيه اتخاذ مؤذِّن راتب للمسجد، وإعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة، واستدعاؤه لها، والاستعانة باليد في الصلاة، وتكرار ذلك.
وفيه مشروعية الجماعة في النافلة، والائتمام بمن لم ينو الإمامة، وبيان موقف الإمام والمأموم.
واستُدِلّ به على أن الأحاديث الواردة في كراهية القرآن على غير وضوء، ليست على العموم في جميع الأحوال.
وأجيب بأن نومه كان لا ينقض وضوءه، فلا يتم الاستدلال به، إلَّا أن يثبت أنه قرأ الآيات بين قضاء الحاجة والوضوء، واللَّه أعلم. انتهى الكلام على حديث ابن عباس ﵄ مأخوذًا من "الفتح" (١)، وإن كان تقدّم بعضه، إلَّا