عبد مناف بن زُهْرة الزهريّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، ثقة (١) [٣].
رَوَى عن أبيه، وسعد بن أبي وقاص، وأبي رافع مَوْلى النبي ﷺ ، وعنه ابنه جعفر، والزهريّ، وجعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ، وحبيب بن أبي ثابت، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: أمه أمةُ الله بنت شُرَحبيل بن حَسَنة، وتوفي بالمدينة سنة تسعين، وكان قليل الحديث، وكذا أَرَّخه غير واحد، رَوَى له المصنّف هذا الحديث فقط.
١٠ - (أَبُو رَافِعٍ) الْقِبْطيّ، مولى النبيّ ﷺ ، قيل: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، يقال: إنه كان للعباس، فوهبه للنبي ﷺ ، وأعتقه لَمّا بَشَّره باسلام العباس، وكان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أُحُدًا وما بعدها.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن ابن مسعود، وعنه أولاده: الحسن، ورافع، وعبيد الله، والمعتمر، ويقال: المغيرة، وسَلْمَى، وأحفاده: الحسن، وصالح، وعبيد الله، أولاد عليّ بن أبي رافع، وعلي بن الحسين بن علي، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وأبو غَطَفَان بن طَرِيف الْمُرِّيّ، وعَمْرو بن الشَّرِيد بن سُوَيد الثقفيّ، وحُصين والد داود، وسعيد بن أبي سعيد، مولى ابن حَزْم، وشُرَحبيل بن سعد، وغيرهم.
قال الواقديّ: مات بالمدينة بعد قتل عثمان، وقيل: مات في خلافة عليّ، وهو قول ابن حبان، ويقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم، وقيل: سنان، وقيل: يسار، وقيل: صالح، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: قُزمان، وقيل: يزيد، وقيل: ثابت، وقيل: هُرمز، وقال ابن عبد البرّ: أشهر ما قيل في اسمه: أسلم، وقال يحيى بن معين: اسمه إبراهيم، وقال مصعب الزبيريّ:
стр. 912
اسمه إبراهيم، ولقبه بُريه، وهو تصغير إبراهيم، ونقل ابن شاهين عن أبي داود أنه كان اسمه قُزمان، فسُمّي بعده إبراهيم، وقيل: أسلم (١).
وقال مصعب الزبيريّ: كان أبو رافع عبدًا لأبي أُحَيحة سعيد بن العاص، فأعتق بنوه نصيبهم، منهم خالد بن سعيد، فوهب نصيبه لرسول الله ﷺ ، فأعتقه، فكان أبو رافع يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ ، فلما وَليَ عمرو بن سعيد بن العاص المدينة ضَرَب ابنَ أبي رافع ليقول له: إني مولاكم، فأبى إلا أن يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ حتى ضربه خمسمائة سوط، حتى قال له: أنا مولاكم.
هكذا أورد بعضهم هذا في ترجمة أبي رافع هذا، فتعقبه الحافظ، فقال: هذا غلطٌ بيّن؛ لأن أبا رافع القبطيّ كان للعباس بن عبد المطلب، وليس لأبي أُحيحة. فانظر "الإصابة" ٧/ ١١٤، والله تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، و (٣٥٧): "أشوي لرسول الله ﷺ … " و (١٣١٣): "لم يأمرني رسول الله ﷺ … " و (١٦٠٠): "أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء … ".
١١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من تساعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو من أنزل أسانيده، كما سبق في "شرح المقدّمة".
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيوخ المصنّف الثلاثة، فالأولان بغداديان، والثالث كسّيّ، منسوب إلى كِسّ، بكسر، فتشديد سين مهملة، مدينة بما وراء النهر (٢).
٣ - (ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الحارث، عن جعفر، عن عبد الرحمن.
стр. 913
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ صحابيّ عن صحابيّ: أبي رافع، عن ابن مسعود ﵄، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ) الْقِبْطيّ، مولى النبيّ ﷺ ﵁ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ (أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي ما من رسول من الرسل المتقدّمة، ويعني بذلك غالب الرسل، لا كلّهم، بدليل قوله ﷺ في الحديث الآخر الذي أخبر فيه عن مجيء الأنبياء في أممهم يوم القيامة، فإنه قال فيه: "يأتي النبيّ، ومعه الرجل والرجلان، ويأتي النبيّ، وليس معه أحد … " الحديث (١)، فهذا العموم، وإن كان مؤكّدًا من بعد النفي، فهو مُخَصَّص بما ذكرناه. انتهى (٢) (بَعَثَهُ اللهُ فِي أَمَّةٍ) هكذا في رواية مسلم، ووقع في نسخ "المصابيح" بلفظ "في أمته" بالإضافة، وكذا هو في "مسند أبي عوانة" (١٠٠). قال التوربشتيّ: هذا الحرف أعني "في أمة" وجدناه في نسخ "المصابيح" "في أمته" بزيادة الهاء، ونحن نرويه بغير هاء عن كتاب مسلم وغيره، وهو الصواب والأمثل في فصيح الكلام، وقال المظهر: الرواية بالهاء أصحّ، وتعقّبه الطيبيّ، فقال: إن قوله: "نبيّ" نكرة، والمناسب أن يؤتى "أمّة" نكرة؛ إذ المعنى: ما من نبيّ من الأنبياء في أمة من الأمم؛ لاقتضاء "ما" النافية، و"من" الاستغراقيّة ذلك، ولأن قوله: "إن له من أمته" عبارة عن النكرة، فهو كالتعريف باللام بعد النكرة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا فرق بين الوجهين: إثبات الهاء وعدمه، فالكلّ صحيح إن صحّت الرواية بهما، وإلا فما صحت الرواية به متعيّنٌ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَبْلِي) متعلّق بصفة لـ"أمّة" (إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ) جمع حَوَاريّ، وهم خُلْصَانُ (٤) الأنبياءِ الذين أَخْلَصُوا في حُبّ أنبيائهم، وأُخْلِصُوا
стр. 914
ونُقُّوا من كلِّ عيب، وحُوَّارَى الدقيق: هو الدقيق الذي نُخِلَ مرّةً بعد مرّة (١)، قاله الأزهريّ، وقال ابن الأنباريّ: هم المختصّون الْمُفَضَّلون، وسُمِّي خُبْز الْحُوَّارَى؛ لأنه أشرف الخبز، وقيل: هم الناصرون للأنبياء، كما قال ﷺ : "لكلّ نبيّ حواريّ، وحواريي الزبير"، متّفقٌ عليه، وقيل في حَوَاريّ عيسى ﵇ خمسة أقوال: هم البيض الثياب، وقيل: الْمُبيِّضُون لها، وقيل: المجاهدون، وقيل: الصيّادون، وقيل: المخلصون، ذكره القرطبيّ (٢).
وقال النوويّ: وأما الحواريّون المذكورون فاختُلف فيهم، فقال الأزهريّ وغيره: هم خُلْصان الأنبياء وأصفياؤهم، والْخُلْصَان الذين نُقُّوا من كلّ عيب، وقال غيرهم: أنصارهم، وقيل: المجاهدون، وقيل: الذين يَصلحون للخلافة بعدهم. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ: "الحواريّ": الناصر، وأصله أن أصحاب عيسى ﵇ كانوا قَصّارين يُبيّضون الثياب، فلَمّا صاروا أنصاره قيل لكلّ ناصر: حواريّ، وهو الوجه المستقيم؛ لأنهم خُلْصان الأنبياء؛ ولأن حَوَاريّ الرجل صفوته، وخالصته الذي أُخْلِصَ، ونُقِّيَ من كلّ عيب (٤).
(وَأَصْحَابٌ) جمع صَحْبٍ، كفَرْخٍ وأفراخ، قاله الجوهريّ، وقال غيره: أصحاب عند سيبويه جمع صاحب، كشاهد وأشهاد، وليس جمع صَحْب؛ لأن فَعْلًا لا يُجمع على أفعال، إلا في ألفاظ معدودة، وليس هذا منها، والصحبة: الْخُلْطَةُ، والملابسة على جهة المحبّة، يقال: صَحِبه يَصْحَبه صُحْبَةً بالضمّ، وصَحَابَةً بالفتح، وقد يراد به الأصحاب، وجمع الصاحب صَحْبٌ، كراكب ورَكْب، وصُحْبَةٌ بضمّ الصاد، كفَارِهٍ وفُرْهَةٍ، وصِحَابٌ بالكسر، كجائع وجِيَاع، وصُحْبَان، كشابّ وشُبّان، قاله في "المفهم" (٥).
стр. 915
وقال الطيبيّ: يجوز أن يكون "أصحاب" عطف تفسير و"حواريّون"، وأن يكون الأصحاب غير الحواريين. انتهى.
(يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ) أي يعملون بهدي ذلك النبي وسيرته، وقوله: (وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ) عطف توكيد لما قبله؛ لأنه بمعناه.
(ثُمَّ) يجوز أن تكون على التراخي الحقيقيّ في الزمان، وأشار بالتعبير به إلى أن تغيير السنن إنما تكون بعد طول زمن، ويحتمل أن تكون على معنى البعد في المرتبة، أفاده الطيبيّ (إِنَّهَا) الضمير للقصّة والجملة بعدها مفسّرة لها، قاله الطيبيّ، وقال القرطبيّ: الرواية "إنها" بهاء التأنيث فقط، وأعادها على الأمة، أو على الطائفة التي هي معنى "حواريين وأصحاب"، ويحتمل أن يكون ضمير القصّة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونها للقصّة، هو الحقّ، وأما الاحتمال الأول فتكلّف لا داعي له، بل المعنى عليه ركيكٌ كما لا يخفى على من تأمله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(تَخْلُفُ) بضمّ اللام، يقال: خَلَفتُ فُلانًا على أهله وماله، من باب قَعَدَ، خِلافَةً: صِرتُ خليفته، وخَلَفْتُهُ: جئت بعده، والْخِلْفَة: اسمٌ منه، كالقِعْدة لهيئة القعود (١).
(مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد هؤلاء الحواريين والأصحاب (خُلُوفٌ) بضم الخاء جمع خَلْف، بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الرديء من الأعقاب والولد السوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وأما الخَلَفُ بفتح اللام، فيُجمع على أخلاف، وهو الصالح منهم، أيضًا، ومنه ما يُروى: "يَحْمِلُ هذا العلمَ من كلّ خَلَف عُدُوله" (٢)، وحَكَى الفرّاء الوجهين في الذمّ والفتح في المدح لا غير، وحكى أبو زيد الفتح فيهما جميعًا (٣).
وقال النوويّ: وأما الْخُلُوف، فبضمّ الخاء، وهو جمع خَلْف بإسكان اللام، وهو الخالف بشرّ، وأما بالفتح، فهو الخالف بخير، هذا هو الأشهر،
стр. 916
وقال جماعة من أهل اللغة، منهم أبو زيد: يقال كلّ واحد منهما بالفتح والإسكان، ومنهم من جوّز الفتح في الشرّ، ولم يُجوّز الإسكان في الخير. انتهى (١).
وقال الطيبيّ: "الْخَلَفُ" بالتحريك والتسكين، وخُصّ الأول بالْخَلَف الصِّدْق، والثاني بالسُوء، ويُجمع خَلَفٌ على أَخلاف، كسَلَف وأسلاف، وخَلْفٌ على خُلُوف، كعَدْل وعُدُول، والمعنى أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالح أناسٌ لا خير فيهم، ولا خَلاقَ لهم في أمور الديانات. انتهى (٢).
(يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: وَصَفَ الْخُلُوف بوصفين مقابلين لما وصف الأصحاب بهما، فهم تصلّفوا، حيث قالوا: فعلنا ما أُمرنا من واجبات الدين، وفضائل الأعمال، ولم يفعلوا شيئًا من ذلك، بل فَعَلوا ما نُهُوا عنه، وهو الْمَعْنِيُّ بقوله (وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ) إذ فعل ما لم يؤمر به شرعًا من البدع المنهيّ عنها، وهو إيماء إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والآية [آل عمران: ١٨٨]، وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصفّ: ٢ - ٣]، بخلاف السلف الصالح، فإنهم لَمّا اقتدوا بهدي نبيّ الله انخرطوا في سلك الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. انتهى (٣).
والفاء في قوله: (فَمَنْ جَاهَدَهُمْ) واقعة في جزاء شرط محذوف، أي إذا تقرّر ذلك، فمن حاربهم، وأنكر عليهم (بِيَدِهِ) بأن أزال المنكر (فَهُوَ مُؤْمِنٌ) قال الطيبيّ: التنكير فيه للتنويع، فإن الأول دلّ على كمال الإيمان، والثالث على نقصانه، والمتوسّط على القصد فيه، وفي "حبة خردل" على نفيه بالكليّة. انتهى. (وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ) أي أنكر عليهم (بِقَلْبِهِ)
стр. 917
بأن غَضِبَ عليهم، ولو قدر لحاربهم باليد، أو باللسان (فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ") برفع "حبّةُ" على أنه اسم "ليس" مؤخّرًا، و"وراء ذلك" خبرها مقدّمًا، وقوله: "من الإيمان" صفتها قُدّم عليه فأعرب حالًا؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم يُعرب حالًا، كما في قوله:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ
وذهب المظهر إلى أن الإشارةَ بـ "ذلك" إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، ويحتمل أن يُشار به إلى المذكور كلّه، أي ليس وراء ما ذكرت من مراتب الإيمان مرتبة قطّ؛ لأن من لم يُنكر بالقلب رضي بالمنكر، والرضا بالمنكر كفرٌ، فتكون هذه الجملة المصدّرة بـ "ليس" معطوفةً على الجملة قبلها بكمالها، كذا قاله الطيبيّ.
وقال القاري بعد ذكره كلام الطيبيّ هذا: والأول هو الظاهر، أي وراء الجهاد بالقلب، يعني أن من لم ينكر عليهم بالقلب بعد العجز عن جهادهم بيده ولسانه، فلم يكن فيه حبّة خردل من الإيمان؛ لأن أدنى مراتب أهل الإيمان أن لا يستحسن المعاصي، وينكرها بقلبه، فإن لم يفعل ذلك، فقد خرج عن دائرة الإيمان، ودخل فيمن استحلّ محارم الله، واعتقد بطلان أحكامه. انتهى كلام القاري (١).
(قَالَ أَبُو رَافِعٍ) القبطيّ ﵁ (فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، فـ "عبد لله" منصوب على المفعوليّة، والمتعلَّق محذوفٌ، أي بهذا الحديث (فَأنْكَرَهُ) أي هذا الحديث (عَلَيَّ) هذا الإنكار يُحمل على أنه من باب التأكّد في صحّة سياق الحديث؛ إذ يحتمل أن يزيد، أو ينقص، أو يحرّف بعضه؛ لأن الإنسان عُرضة لهذا كلّه، فالنسيان طبيعته، والذهول سجيّته، وليس من باب الردّ عليه لاتهامه؛ لأن أبا رافع ﵁ صحابيّ جليلٌ، رفيعُ القدر، معلوم العدالة والصدق عند ابن عمر ﵄، ونظيره ما وقع لوالده عمر بن الخطّاب ﵁ حيث أنكر على الصحابيّ الجليل أبي موسى الأشعريّ ﵁ في قضية الاستئذان، حتى شهد له أبو سعيد الخدريّ ﵁، وقصّتهما مشهورة في
стр. 918
"الصحيحين"، وغيرهما (١). (فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ) ﵁، أي جاء من الكوفة إلى المدينة (فَنَزَلَ بِقَنَاةَ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في بعض الأصول المحققَّة بقناة - بالقاف المفتوحة، وآخره تاء التأنيث - وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث، وهكذا ذكره أبو عبد الله الْحُمَيديّ في "الجمع بين الصحيحين"، ووقع في أكثر الأصول، ولمعظم رواة كتاب مسلم "بفنائه" - بالفاء المكسورة، وبالمدّ، وآخره هاء الضمير، قبلها همزة - وجمعه أفنية، وهو ما بين أيدي المنازل والدُّور من البراح، وكذا رواه أبو عوانة الإسفراييني في "مستخرجه" على "صحيح مسلم"، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: في رواية السمرقنديّ "بقناة"، وهو الصواب و"قَنَاةُ" وادٍ من أودية المدينة، عليه حرثٌ ومالٌ من أموالها، قال: ورواية الجمهور "بفنائه"، وهو خطأٌ، وتصحيف. انتهى (٢).
(فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ) أي طلب أن أتّبعه (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ﵄ (يَعُودُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي يزوره، وعاد العليل يعوده عَوْدًا، وعيَادةً، وعيادًا: إذا زاره، وقال الفرّاء: يقال: هؤلاء عَوْدُ فلان، وعُوَّادُهُ، مثلُ زَوْرِه، وزُوّاره، وهم الذين يَعُودونه إذا اعتلّ، وفي حديث فاطمة بِنت قيس: "فإنها امرأة يكثُر عُوّادها": أي زُوّارها، وكلّ من أتاك مرّةً بعد أخرى فهو عائدٌ، وإن اشتهر ذلك في عيادة المريض حتى صار كأنه مختصّ به، قاله في "اللسان" (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أفادت عبارة "اللسان" أن العيادة لا
стр. 919
تختصّ بزيارة المريض فقط، كما يوهمه عبارة بعض معاجم اللغة حيث يقيّدونه، فيقولون: عاد المريض: إذا زاره، فيكون معنى "يعوده" في هذا الحديث مطلق الزيارة، فتنبّه.
ثم وجدت عند ابن حبان نصًّا على أن ابن مسعود ﵁ كان مريضًا، من رواية عطاء بن يسار، عن ابن مسعود ﵁، ولفظه: "قال عطاء: فقلت: هو مريضٌ، فما يمنعك أن تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث … ". انتهى (١).
فتبيّن بهذه الرواية أن قوله هنا: "يعوده" مستعمل على معناه الغالب، والله تعالى أعلم.
(فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ) أي ذهبت مع ابن عمر إلى ابن مسعود ﵃ (فَلَمَّا جَلَسْنَا، سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ) أي لإزالة إنكار ابن عمر عليه (فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ) أي من غير زيادة، ولا نقص.
(قَالَ صَالِحٌ) بن كيسان (وَقَدْ تُحُدِّثَ) بضم التاء والحاء، مبنيًّا للمفعول، وإنما عبّر به؛ لعدم صحة هذه الرواية؛ لمخالفتها للرواية المشهورة؛ فإن جمهور الرواة رووا الحديث من رواية أبي رافع، عن ابن مسعود، لا من رواية أبي رافع، عن النبيّ ﷺ ، كما أخرجه المصنّف بالطريقين هنا (بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ) ﵁، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى هذا أن صالح بن كيسان قَال: إن هذا الحديث، رُوِي عن أبي رافع ﵁، عن النبيّ ﷺ من غير ذكر ابن مسعود ﵁ فيه، وقد ذكره البخاريّ كذلك في "تاريخه" (٢)، مُخْتَصَرًا، عن أبي رافع ﵁، عن النبيّ ﷺ . انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية البخاريّ المشار إليها أخرجها في "التاريخ الكبير" ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨ فقال رحمه الله تعالى:
قال ابن أبي مريم: حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثني الحارث بن فُضَيل، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن مِسْوَر بن
стр. 920
مَخْرَمة، عن أبي رافع مولى النبيّ ﷺ ، عن النبيّ ﷺ : "ما كان نبيّ إلا له حواريون يهتدون بهديه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٢/ ١٨٧ و ١٨٨] (٥٠) بهذه الأسانيد، و (أحمد) في "مسنده" (٤٣٦٣ و ٤٣٧٩ و ٤٤٠٢)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (١٧٧ و ٦١٩٣)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (٩٨ و ١٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧٧)، و (ابن منده) في "الإيمان" (١٨٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٩٧٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" ١٠/ ٩٠، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في الكلام على هذا الحديث:
قد تكلّم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في هذا الحديث، قال القاضي عياض: وقد قال أبو عليّ الْجَيّانيّ، عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: هذا الحديث غير محفوظ، قال: وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، وابنُ مسعود يقول: "اصبروا حتى تلقوني". انتهى. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى.
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاريّ، وقد أنكره أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فيما بلغنا عن أبي داود السِّجِسْتانيّ في "مسائله عن أحمد" قال: الحارث بن فُضيل ليس بمحفوظ الحديث، وهذا الكلام لا يُشبه كلام ابن مسعود، وذكر أحمد قوله ﷺ : "اصبروا حتى تلقوني".
قال ابن الصلاح: قد رَوَى عن الحارث هذا جماعة من الثقات، ولم نَجِدْ له ذكرًا في كتب الضعفاء، وفي كتاب ابن أبي حاتم، عن يحيى بن معين أنه ثقة، ثم إن الحارث لم ينفرد به، بل توبع عليه على ما أشعر به كلام صالح بن كيسان المذكور.
стр. 921
وذكر الإمام الدارقطني ﵀ في "كتاب العلل" أن هذا الحديث قد رُوي من وجوه أُخَرَ، منها عن أبي واقد الليثيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ .
وأما قوله: "اصبروا حتى تلقوني" فذلك حيث يلزم من ذلك سفك الدماء، أو إثارة الفتن، ونحو ذلك، وما وَرَدَ في هذا الحديث من الحثِّ على جهاد المبطلين باليد واللسان، فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة، على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سَبَقَ من الأمم، وليس في لفظه ذكر لهذه الأمة. انتهى كلام الشيخ أبي عمرو (١).
قال النوويّ بعد نقله كلام ابن الصلاح هذا: وهو ظاهر كما قال، وقَدْحُ الإمام أحمد ﵀ في هذا عَجَبٌ، والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث، وإن تكلم فيه الإمام أحمد، إلا أن غيره من الأئمة قد صححوه، منهم المصنّف، فقد أخرجه هنا، وابن حبّان في "صحيحه"، وأبو عوانة، في "مستخرجه"، وأبو نعيم كذلك في "مستخرجه"، وقال ابن منده في "كتاب الإيمان" بعد إخراجه (١/ ٣٤٦) (١٨٤): هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم من حديث يعقوب، وابن أبي مريم، وتركه البخاريّ، ولا علّة له، ورواه عبد الله بن الحارث الْجُمحيّ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحو معناه. انتهى كلام ابن منده.
والحاصل أن الحديث صحيح، فهو مرويّ عن ابن مسعود ﵁ بطرق، فقد رواه مسلم هنا من طريق عبد الرحمن بن المسور عنه، ورواه ابن حبّان من طريق عطاء بن يسار عنه، فقال في "صحيحه" (١/ ٤٠٣):
(١٧٧) أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عاصم بن محمد، عن عامر بن السِّمْط، عن معاوية بن إسحاق بن طلحة، قال: حدثني، ثم استكتمني أن أحدِّث به ما عاش معاوية، فذكر عامر، قال: سمعته وهو يقول: حدثني عطاء بن يسار، وهو قاضي المدينة، قال: سمعت ابن مسعود، وهو يقول: قال رسول الله ﷺ : "سيكون
стр. 922
أمراء من بعدي، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده".
قال عطاء: فحين سمعت الحديث منه انطلقت به إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته، فقال: أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا؟ كالْمُدْخَل عليه في حديثه، قال عطاء: فقلت: هو مريضٌ، فما يمنعك أن تعوده، قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث، قال: فخرج ابن عمر، وهو يُقَلِّب كفيه، وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يَكْذِب على رسول الله ﷺ . انتهى (١).
وهذا إسناد صحيح، فرجاله رجال الصحيح، غير عامر بن السِّمْط، وهو ثقة، وثقه يحيى القطّان، والنسائيّ، وغيرهما (٢)، فقد تابع عطاءُ بن يسار عبدَ الرحمن بن المسور، في روايته عن ابن مسعود ﵁، وقد ثبت سماع عطاء من ابن مسعود في هذه الرواية، وقد أثبت سماعه منه ابن سعد في "طبقاته" ٥/ ١٧٣، والبخاريّ في "التاريخ الكبير" ٦/ الترجمة (٢٩٩٢)، فقول أبي حاتم في "المراسيل" ص (١٢٩): "لم يسمع منه" مدفوع بهذا.
ورواه البخاريّ في "التاريخ الكبير" ٥/ ٣٤٨: قال: وقال عمرو بن محمد، ويعقوب، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الحارث، عن جعفر، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن أبي رافع نحوه، قال أبو رافع: فحدّثت عبد الله بن عمر، فانطلقت معه، فلما جلسنا سألته، فحدّثنيه كما حدّثتُ ابن عمر.
وقال محمد بن عبد الله: حدثنا عمرو بن طلحة، عن أبي سهيل بن مالك، عن ابن أبي رافع، مولى النبيّ ﷺ ، قلت لعبد الله بن عمر: أخبرني أخوك ابن مسعود، قال: "يكون بعد الأنبياء خَلَف … "، فقَصَّ الحديث (٣).
والحاصل أن الحديث ثابتٌ صحيح من غير شكّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 923
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٨] ( … ) - (وحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْخَطْمِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ، يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ"، مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاجْتِمَاعَ ابْنِ عُمَرَ مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ) الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن عبد الله بن عمر العمري، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وسليمان بن بلال، وإبراهيم بن سويد، ومالك، والليث، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاري، وروى له هو والباقون بواسطة محمد بن يحيى الذُّهْليّ، والحسن بن عليّ الخلال، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن إسحاق الصغانيّ، وغيرهم.
قال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة، وقال الحسين بن الحسن الرازي: سألت أحمد: عمَّن أكتب بمصر؟ فقال: عن ابن أبي مريم، وقال ابن معين: ثقة من الثقات، وقال العجلي: كان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه ومن عبد الله بن عبد الحكم، وقال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم عن الدارقطني: قال النسائي: سعيد بن عُفير صالحٌ، وسعيد بن الحكم لا بأس به، وهو أحب إليَّ من ابن عُفير.
وقال ابن يونس: كان فقيهًا، وُلد سنة (١٤٤)، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين.
стр. 924
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّد) بن عُبيد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله ﷺ : (يهتدون بهديه) - هو بفتح الهاء، وإسكان الدال - أي بطريقته وسَمْته.
وقوله: (مثل حديث صالح … إلخ) يعني حديث عبد العزيز عن الحارث بن الفضيل مثل حديث صالح بن كيسان إلا في عدم ذكر قدوم ابن مسعود، واجتماع ابن عمر ﵃ معه.
[تنبيه]: روايةُ عبد العزيز هذه أخرجها أبو عوانة في "مسنده المستخرج" (١/ ٤٣)، عن شيخ المصنّف، فقال:
(٩٨) حدثنا الصاغانيّ، قال: أنبا ابن أبي مريم، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا الحارث بن فُضيل الْخَطْمِيّ، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن مِسْوَر بن مَخْرَمة، عن أبي رافع، مولى النبيّ ﷺ ، عن عبد الله بن مسعود، أن النبيّ ﷺ قال: "ما كان من نبيّ، إلا وله حَوَاريُّون، يَهْدُون بِهَدْيه (١)، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خُلُوف، يقولون ما لا يفعلون (٢)، ويعملون ما ينكرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل".
[تنبيه آخر]: قوله: (ولم يذكر قدومَ ابن مسعود، واجتماعَ ابن عمر معه) هذا مما أنكره الحريريّ في كتابه "دُرَّة الْغَوَّاص في أوهام الْخَوَاصّ" (٣)، فقال: لا يقال: اجتمع فلان مع فلان، وإنما يقال: اجتمع فلان وفلان، وقد خالفه
стр. 925
الجوهريّ، فقال في "صحاحه": جامعه على أمر كذا: أي اجتمع معه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنكار الحريريّ المذكور غير صحيح، فقد خالفه أرباب اللغة، كالجوهريّ في "صحاحه"، ومجد الدين في "القاموس المحيط"، وابن منظور في "لسان العرب": وعبارته: وجامعه على الأمر: مالأه عليه، واجتمع معه. انتهى (١).
فظهر بهذا أن تعبير مسلم رحمه الله تعالى هنا بقوله: "واجتماع ابن عمر معه" عبارة صحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٢٣ - (بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِيه، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٩] (٥١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ (ح) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا، يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَن، فَقَالَ: "ألَا إِنَّ الْإِيمَانَ هَهُنَا، وَإنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِل، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَان، فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر رجلًا:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد المذكور قبل باب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما دلّس، وكان بآخره يُحدّث من كتب غيره، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
стр. 926
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمَير المذكور قبل باب.
٤ - (أَبُوه) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٥ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
٦ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٧ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثيُّ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٨ - (مُعْتَمِرٌ) بن سليمان بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٩ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
١٠ - (قَيْس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ، مخضرم [٢] مات بعد (٩٠) وقيل: قبلها، وقد جاوز مائة، وتغيّر، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٥.
١١ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الجليل، مات ﵁ قبل (٤٠) وقيل: بعدها (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر فما أخرج له الترمذيّ، ويحيى فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلا يحيى بن حبيب، ومعتمرًا، فبصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وهم تسجة وقد تقدّموا غير مرّة.
стр. 927
٦ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعيّ الذي تفرّد بالرواية عن العشرة المبشرين بالجنة ﵃ كلِّهم على الصحيح، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" بقوله:
وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ
٧ - (ومنها): كتابة (ح) ثلاث مرّات إشارة إلى التحويل، وقد سبق تمام البحث فيها، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) اختُلف في اسم أبيه، فقيل: هُرْمُز، وقيل: سعد، وقيل: كثير، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا) أي ابن أبي حازم، واختُلف في اسم أبيه، فقيل: حُصين، وقيل: عوف، وقيل: عبد عوف، وهو صحابيّ له حديث (يَرْوِي) جملة في محل نصب على الحال، من "قيسًا"، أي حال كونه راويًا (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ، واختُلف في نسبته إلى بدر، فقيل: لشهوده وقعة بدر، وقيل: إنه لم يشهدها، ولكنه سكن بدرًا، والأول هو الأصح، وهو قول البخاريّ رحمه الله تعالى، فقد عدّه في "صحيحه" من البدريين، أنه (قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ) أي إلى جهة اليمن، فيه ردّ على من زعم أن المراد بقوله: "يمان" الأنصار؛ لكون أصلهم من أهل اليمن؛ لأن في إشارته إلى جهة اليمن ما يدلّ على أن المراد به أهلها حينئذ، لا الذين كان أصلهم منها، وسبب الثناء على أهل اليمن إسراعهم إلى الإيمان، وقبولهم (١).
[فائدة]: قال البخاريّ في "صحيحه": سُمّيت اليمن؛ لأنها عن يمين الكعبة، والشام عن يسار الكعبة، والمشأمة الميسرة، واليد اليُسرى الشُّؤْمَى، والجانب الأيسر الأشأم. انتهى (٢).
قال في "الفتح": هو قول أبي عُبيدة، وروي عن قُطرب قال: إنما سُمّيت
стр. 928
يمنًا؛ ليمنه، والشام شأمًا؛ لشؤمه، وقال الهمدانيّ في "الأنساب": لَمّا ظَعَنت العرب العاربة، أقبل بنو قطن بن عامر، فتيامنوا، فقالت العرب: تيامنت بنو قطن، فسمّوا اليمن، وتشاءم الآخرون، فسُمّوا شامًا، وقيل: إن الناس لَمّا تفرّقت ألسنتهم حين تبلبلت ببابل أخذ بعضهم عن يمين الكعبة، فسُمّوا يمنًا، وأخذ بعضهم عن شمالها، فسُمّوا شأمًا، وقيل: إنما سُمّيت اليمن بيمن بن قحطان، وسُمّيت الشام بسام بن نوح، وأصله شام بالمعجمة، ثم عُرّب بالمهملة. انتهى (١).
(فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ هَهُنَا) قال القرطبيّ: قيل: هذه الإشارة صدرت منه ﷺ ، وهو بتبوك، وبينه وبين اليمن مكة والمدينة، ويؤيّد هذا قوله في حديث جابر ﵁: "الإيمان في أهل الحجاز"، أخرجه مسلم، فعلى هذا يكون المراد بأهل اليمن أهل المدينة ومن يليهم إلى أوائل اليمن، وقيل: كان بالمدينة، ويؤيّده أنه كونه بالمدينة كان غالب أحواله، وعلى هذا فتكون الإشارة إلى سُبّاق اليمن، أو إلى القبائل اليمنيّة الذين وفدوا على أبي بكر لفتح الشام، وأوائل العراق، وإليهم الإشارة بقوله ﷺ : "إني لأجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن" (٢)، أي نصره في حياته وتنفيسه عنه فيها وبعد مماته. انتهى (٣).
стр. 929
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني هو الصواب، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى. وأما حديث: "إني لأجد نفس الرحمن إلخ" فقد أخرجه أحمد في "مسنده"، بسند رجاله ثقات، كما قال الحافظ العراقيّ (١)، بلفظ: "وأجد نَفَسَ ربكم من قِبَلِ اليمن".
(وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: القسوة، وغِلَظ القلوب اسمان لمسمّى واحد، وهو نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، والْبَثُّ هو الْحُزن.
ويحتمل أن يقال: إن القسوة يُراد بها أن تلك القلوب لا تلين لموعظة، ولا تخشع لتذكار، وغِلَظها أن لا تفهم، ولا تعقل، وهذا أولى من الأول. انتهى (٢).
(فِي الْفَدَّادِينَ) زعم أبو عمرو الشيبانيّ أنه بتخفيف الدال، وهو جمع فَدّان، بتشديد الدال، وهو عبارة عن البقر التي يُحْرَث عليها، حكاه عنه أبو عبيد، وأنكره عليه، وعلى هذا فالمراد بذلك أصحابها، فحُذف المضاف، والصواب: "الْفَدّادون" بتشديد الدال، جمع فَدّادٍ بدالين، أولاهما مشدّدة، وهذا قول أهل الحديث، وجمهور أهل اللغة الأصمعيّ وغيره، وهو من الْفَدِيد، وهو الصوت الشديد، فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم، ونحو ذلك.
وقال أبو عبيدة، معمر بن المثنى: هم المكثرون من الإبل الذين يملك أحدهم المائتين منها، إلى الألف، قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى (٣).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الفدّادون" مشدّد الدال: جمع فَدّاد، قال أبو عبيدة: هم المكثرون من الإبل، وهم جُفَاةُ أهل الخيلاء، واحدهم فدّاد، وهو الذي يملك من المائتين إلى الألف، وقال أبو العبّاس: هم الْجَمَّالُون، والبقّارون، والحمّارُون، والرّعيان، وقال الأصمعيّ: هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم، وأموالهم، ومواشيهم، قال: والفَدِيدُ الصوت، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فَدِيدًا، وأنشد [من الطويل]:
стр. 930
أَعَاذِلَ مَا يُدْرِيكِ أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ … لِأَخْفَافِهَا فَوْقَ الْمِتَانِ (١) فَدِيدُ
ورجلٌ فَدّادٌ: شديد الصوت، وأما الْفَدَادينُ بتخفيف الدال: فهي البقر التي تَحْرُثُ، واحدها فَدَّان بالتشديد، عن أبي عمرو الشيبانيّ.
قال القرطبيّ: وأما الحديث فليس فيه إلا رواية التشديد، وهو الصحيح، على ما قاله الأصمعيّ وغيره. انتهى (٢).
(عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ) "عند" متعلّق بـ "الفدّادين"، يعني الذين لهم جَلَبَةٌ، وصِيَاحٌ عند أذناب إبلهم في حال سوقهم لها، قاله ابن الصلاح (٣).
وقال القرطبيّ: المراد به - والله أعلم - الملازمون للإبل السائقون لها، ويظهر لي أن الفدّاد هو العامل في غير مكانه المصوّت عند أذناب الإبل سوقًا لها، وحدوًا بها. انتهى (٤).
(حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ) "حيثُ" ظرف متعلّق بـ "الفدّادين" أيضًا، و"يطلُع" بضم اللام، يقال: طلعت الشمس طُلُوعًا، من باب قَعَدَ، ومَطْلِعًا بفتح اللام، وكسرها، وكلُّ ما بدا لك من عُلْوٍ، فقد طَلَعَ عليك، قاله الفيّومي (٥).
وقوله: "قرنا الشيطان" تثنية قَرْن، ومعناه: جانبا رأسه، وقيل: هما جَمْعَاه اللذان يُغْرِيهما بإضلال الناس، وقيل: شيعتاه من الكفار.
والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان، ومن الكفر، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: "رأسُ الكفر نحو المشرق"، وكان ذلك في عهده ﷺ حين قال ذلك، ويكون حين يَخرُج الدجال من المشرق، وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة، ومثار الْكَفَرَة الترك الغاشمة العاتية الشديدة البأس، قاله ابن الصلاح (٦).
وقال القرطبيّ: هذا تعيين لمواضعهم، كما قال في الرواية الأخرى: "رأس الكفر قبل المشرق".
واختُلف في قرني الشيطان، فقيل: هما ناحيتا رأسه العليا، وهذا أصل
стр. 931
هذا اللفظ وظاهره، فإن قَرْن الشيء أعلاه في اللغة، فيكون معناه على هذا أن الشيطان ينتصب قائمًا مع طلوع الشمس لمن يسجد؛ ليسجد له، ويُعْبَد بعبادتها، ويفعل هذا في الوقت الذي يَسجُد لها الكفّار، كما قال ﷺ : "إن الشمس تطلُع، ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا قاربت الغروب قارنها، ثم إذا غربت فارقها" (١).
وقيل: القرن: الجماعة من الناس والأمة، ومنه قوله ﷺ : "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … " الحديث (٢)، وعلى هذا فيكون معنى قرني الشيطان في الحديث أنهما أمتان عظيمتان يعبدون غير الله، ولعلهم في ذلك ربيعة ومضر المذكوران في الحديث، أو أمتان من الفرس يعبدون الشمس، ويسجدون لها من دون الله، كما جاء في الحديث: "وحينئذ يسجد لها الكفّار".
وقال الخطّابيّ: قرن الشيطان ضُرب به المثل فيما لا يُحمَد من الأمور.
وقيل: المراد بهذا الحديث ما ظهر بالعراق من الفتن العظيمة، والحروب الهائلة، كوقعة الجمَل، وحروب صفّين، وحروراء، وفِتَن بني أميّة، وخروج الخوارج، فإن ذلك كان أصله ومنبعه العراق، ومشرق نجد، وتلك مساكن ربيعة ومضر إذ ذاك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (٣).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقوله: "قرنا الشيطان" القرنان ناحيتا الرأس، وهو مثل ما تقول: يتحرّك بحركتهم، ويتسلّط كالمعين لهم، وهذا على تأويل الحربيّ في أن الشمس تطلُع بين قرني شيطان، وقد يكون القرنان ها هنا ربيعة ومضر، وأضافهما إلى الشيطان؛ لاتّباعهما له، ويكون القرن أيضًا هنا يعني الجماعة الناجمة، والفئة الطالعة، كما قال في الحديث الآخر: "هذا قرنٌ قد طلع" (٤): أي أصحاب بدعة حَدَثُوا.
стр. 932
ويكون القرن القوّة، فيكون معناه هنا إضافة قوّتهما إلى الشيطان، وعونهما له على ما يهمّ به، وقال الخطابيّ: القرن يُضرَب به المثل فيما لا يُحمد من الأمور، وقد ذهب بعض المتكلّمين على الحديث أن المراد بهذا ما طلع من جهة المشرق ببلاد العراق، من الفِتَن المبيرة في صدر الإسلام، من وقعة الجَمَل، وصِفّين، وحَرُوراء، وفُتون بني أميّة، وكلّ ذلك كان بمشرق نجد والعراق، وقد جاء في حديث الخوارج: "يخرج ناس من المشرق" (١)، ثم خروج دُعاة بني العباس من أقصى المشرق، وارتجاج الأرض فتنةً، ويكون الكفر ها هنا كفر النعم، وأكثر الفِتن والأحداث والبدع إنما كانت من قبل المشرق، قال: وقد يكون الكفر على وجهه، والمراد برأس الكفر الدجّال؛ لأن خروجه من قبل المشرق (٢)، أو يكون على ما ذكره من قدّمنا من أهل فارس، وقد جاء في الحديث المتّفق عليه، بمعنى ما تقدّم أن النبيّ ﷺ قال وهو يشير إلى المشرق: "إن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان"، أو قال: "قرن الشمس"، وهو محمول على ما تقدّم من الوجوه كلّها، ويدلّ على صحّة هذا التأويل أيضًا دعاء النبيّ ﷺ على مضر في غير موطن، وقوله في حديث حُذيفة ﵁: "لا تَدَعُ مُضر عبدًا لله مؤمنًا إلا فتنوه، أو قتلوه"، وقد بيّنه حذيفة ﵁ حين دخلوا عليه عند قتل عثمان ﵁، حتى ملأوا حُجرته وبيته من
стр. 933
ربيعة ومُضر، فقال: ولا تبرح ظلمة مضر كلّ عبد مؤمن تفتنه، أو تقتله (١).
قال الطحاويّ: المراد بمضر هنا بعضهم، كما بيّنه حذيفة، والعرب تقول مثل هذا في الأشياء الواسعة، تُضيف ما كان من بعضها إلى جملتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ولم يُرد الجميع، وكذلك يُحمل على هذا ما ورد في الحديث المتقدّم، والأحاديث يُصدّق بعضها بعضًا على ما رجحناه من التأويل. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (٢).
وقال في "الفتح": وأما قوله: "قرن الشمس": فقال الداوديّ: للشمس قرن حقيقةً، وبحتمل أن يريد بالقرن قُوّةَ الشيطان، وما يستعين به على الإضلال، وهذا أَوْجَه، وقيل: إن الشيطانَ يَقْرُن رأسه بالشمس عند طلوعها؛ ليقع سجود عَبَدَتها له، قيل: ويحتمل أن يكون للشمس شيطانٌ تَطْلُع الشمس بين قرنيه.
وقال الخطابيّ: القرن الأمة من الناس، يَحْدُثون بعد فناء آخرين، وقَرْنُ الحية يضرب به المثل فيما لا يُحْمَد من الأمور، وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهلَ كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أَخْبَر، وأولُ الفتن كان من قِبَل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يُحِبُّه الشيطان، ويفرح به، وكذلك الْبِدَع نشأت من تلك الجهة.
وقال الخطابيّ: نَجْد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مَشْرِق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهَامةُ كلّها من الغَوْر، ومكة من تهامة. انتهى.
وعُرِفَ بهذا وَهَاءُ ما قاله الداوديّ: إن نجدًا من ناحية العراق، فإنه تَوَهَّم أن نجدًا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما
стр. 934
يليه يُسَمَّى المرتفع نجدًا، والمنخفض غورًا. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو تحقيق نفيسٌ.
وقوله: (فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ") بدل من قوله: "في الفدّادين"، أي القسوة في ربيعة ومضر الفدّادين (٢)، أي الذين يرفعون أصواتهم عند سوق إبلهم، قاله ابن الصلاح (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٢٣/ ١٨٩] (٥١)، و (البخاريّ) في (٣٣٠٢ و ٣٤٩٨ و ٤٣٨٧ و ٥٣٠٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"، و (أحمد) في "مسنده" (٨/ ١١٤ و ٥/ ٢٧٣) (٢/ ١٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦١ و ١٦٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٧٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٥٦٤ - ٥٦٩)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٤٢٦ و ٤٢٧)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٨٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تفاضل أهل الإيمان فيه.
٢ - (ومئها): بيان فضل أهل اليمن، لرجحانهم في قوّة الإيمان.
٣ - (ومنها): ذمّ أهل المشرق، وبيان تسلّط الشيطان عليهم، ثم إن ذمّ هؤلاء، ومدح أهل اليمن محمول في ذلك الوقت، حيث استجاب أهل اليمن لدعوة الإسلام، وتمرّد أهل المشرق من ربيعة ومضر، وليس عامًّا في كلّ زمان، فقد ظهر في كلّ منهما ما يخالف وصفهم المذكور، كما لا يخفى على من تتبع التواريخ.
٤ - (ومنها): ذمّ قسوة القلوب وغِلَظِها، وأن سبب ذلك هو الانهماك في
стр. 935
الشهوات، واستيلاء حبّ الدنيا على القلوب، فينيغي للمسلم أن يبتعد مما يكون سببًا لقسوة قلبه، ويكثر من ذكر الله تعالى، وذكر الموت والبلى، فإن ذلك يخرج حبّ الدنيا منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام ما وعدنا من استيفاء ما قاله أهل العلم في نسبته ﷺ الإيمان إلى أهل اليمن:
قد أجاد الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في ذلك، حيث قال: أما ما ذُكِر من نسبة الإيمان إلى أهل اليمن، فقد صَرَفُوه عن ظاهره، من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة، ثم من المدينة - حرسهما الله تعالى - فحَكَى أبو عبيد، إمام الغريب، ثم مَن بعده في ذلك أقوالًا:
[أحدها]: أنه أراد بذلك مكة، فإنه يقال: إن مكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن.
[والثاني]: أن المراد مكة والمدينة، فإنه يروى في الحديث أن النبيّ ﷺ قال هذا الكلام، وهو بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكة والمدينة، فقال: "الإيمان يمانٍ"، ونسبهما إلى اليمن؛ لكونهما حينئذ من ناحية اليمن، كما قالوا: الركن اليماني وهو بمكة، لكونه إلى ناحية اليمن.
[والثالث]: ما ذهب إليه كثير من الناس، وهو أحسنها عند أبي عبيد، أن المراد بذلك الأنصار؛ لأنهم يمانون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم؛ لكونهم أنصاره.
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: وأنا أقول: لو جَمَعَ أبو عبيد، ومَن سَلَك سبيله طُرُق الحديث بألفاظه، كما جمعها مسلم وغيره، وتأمّلوها، لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولَمَا تركوا الظاهر، ولَقَضَوا بأن المراد اليمن، وأهل اليمن على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك؛ إذ مِنْ ألفاظه: "أتاكم أهل اليمن"، والأنصارُ من جملة المخاطبين بذلك، فهم إذن غيرهم.
وكذلك قوله ﷺ : "جاء أهل اليمن"، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، ثم إنه ﷺ وَصَفَهم بما يَقضي بكمال إيمانهم، ورَتَّبَ عليه: "الإيمانُ يَمَانٍ"، فكان ذلك نسبةً للإيمان إلى من أتاهم من أهل اليمن، لا إلى مكة والمدينة.
стр. 936
ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحملِهِ على أهل اليمن حقيقةً؛ لأن مَنِ اتصف بشيء، وقَوِي قيامه به، وتأكّد اضطلاعه به، نُسِبَ ذلك الشيءُ إليه؛ إشعارًا بتميُّزه به، وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منهم في حياة رسول الله ﷺ ، وفي أعقاب موته، كأُوْيس القَرَنيّ، وأبي مسلم الْخَوْلانيّ ﵄، وشبههما ممن سلم قلبه، وقَوِيَ إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك؛ إشعارًا بكمال إيمانهم، من غير أن يكون في ذلك نَفْيٌ لذلك عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله ﷺ : "الإيمان في أهل الحجاز".
ثم إنّ المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ، لا كلُّ أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه، هذا هو الحقّ في ذلك، ونشكر الله على هدايتنا له. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقد أحسن الإمام الطحاويّ رحمه الله تعالى الكلام في هذا أيضًا في كتابه "شرح مشكل الآثار" (٢/ ٢٦٨ - ٢٧٨) حيث قال:
باب بيان مشكل ما روي عنه ﷺ من قوله: "أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبًا، وأرَقّ أفئدةً، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية"، ثم أورده بأسانيده، وألفاظه المختلفة.
ثم قال: ففيما روينا عن رسول الله ﷺ ذِكرُهُ أهل اليمن بما ذكرهم به في هذا الحديث، فذهب قوم إلى أنه إنما عَنَى به أهل تهامة، منهم سفيان بن عيينة، فنظرنا فيما قالوا من ذلك، هل هو كما قالوه، أم لا؟ ثم أخرج بسنده حديث أبي مسعود ﵁ قال: أشار رسول الله ﷺ بيده نحو اليمن، فقال: "الإيمان ها هنا، ألا وأن القَسْوَة وغِلَظ القلوب في الفدادين، أصحاب الإبل، حيث يطلُع قرن الشيطان، في ربيعة ومضر".
قال: فأضاف القسوة وغِلَظ القلوب إلى الفدّادين من ربيعة ومضر، فكان في ذلك ما قد دَلّ على أن المضاف إليهم من الإيمان، والحكمة، والفقه، أضدادهم الذين ليسوا من ربيعة، ولا من مضر.
стр. 937
وفي ذلك ما ينبغي أن يكون أراد بما في الآثار التي في الفصل الأول أهلَ تهامة؛ لأن أولئك، أو أكثرهم من مضر.
ثم وجدنا عنه ﷺ في هذا المعنى ما هو أكشف من هذا الحديث. ثم أخرج بسنده عن عمرو بن عَبَسة، قال: عُرِضت الخيل على رسول الله ﷺ ، وعنده عيينة بن بدر، فقال رسول الله ﷺ لعيينة: "أنا أفرسُ بالخيل منك"، فقال عيينة: إن تكن أفرس بالخيل مني، فأنا أفرس بالرجال منك، قال: "وكيف؟ " قال: إن خير رجال لَبِسُوا البرود، ووضعوا سيوفهم على عواتقهم، وعَرَضُوا الرِّماح على مناسج خيولهم (١) رجال نجد، فقال ﷺ : "كذبت، بل هم أهل اليمن، الإيمان يمانٍ، إلى لَخْمٍ وجُذَام، وعاملةَ، ومأكول حِمير خير من آكلها، وحضرموت خير من بني الحارث"، وسَمّى الأقيال الأنكال (٢).
стр. 938
قال: ففيما روينا في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ تبيانه أهل اليمن الذين أرادهم بما في الآثار الأُوَل (١) وأنهم أهل هذه القبائل اليمانية، لا من سواهم.
ثم أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فذكر حديثًا طويلًا، فيه: أن رسول الله ﷺ قال: "لَيَأْتِيَنَّ أقوام، تَحْقِرون أعمالكم مع أعمالهم"، قلنا: من هم يا رسول الله، أقريش؟ قال: "لا، أهل اليمن، هم أرَقّ أفئدةً، وألين قلوبًا"، فقلنا: هم خير منا يا رسول الله؟ فقال: "لو كان لأحدهم جبلٌ من ذهب، فأنفقه ما أدرك مُدّ أحدكم، ولا نصيفه، وإن فصل ما بيننا وبين الناس هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية [الحديد: ١٠] " (٢).
قال: فكان في هذا ما قد دَلّ على حقيقة أهل اليمن الذين أرادهم رسول الله ﷺ في الفصل الأول مَنْ هم؟ وأنهم خلاف أهل تهامة على ما ذكره ابن عيينة.
ثم أخرج بسند صحيح عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يَقْدَمُ قوم، هم أرَقُ منكم أفئدة"، فقَدِمَ الأشعريون، فيهم أبو موسى، فجعلوا يرتجزون، ويقولون:
غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّهْ … مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ
قال: ففي ذلك ما قد دَلّ أيضًا على أن أهل اليمن المرادين هم
стр. 939
الأشعريون، وأمثالهم القادمون من حقيقة اليمن، دون من سواهم.
ثم أخرج بسند صحيح أيضًا عن أنس ﵁ قال: لَمّا قَدِمَ أهل اليمن، قال النبيّ ﷺ : "قد أقبل أهل اليمن، هم ألين قلوبًا منكم، وهم أول من جاء بالمصافحة".
قال: وما في هذا الباب من الآثار، فكثير، اكتفينا منها بما جئنا به منها في هذا الباب، مما قد وضح به ما قد ذكرناه من حقيقة أهل اليمن المرادين بما فيها، وأنهم ليسوا أهل تهامة، كما قال ابن عيينة. انتهى كلام الطحاويّ رحمه الله تعالى باختصار (١)، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس.
حاصله أن المراد بأحاديث الباب هم أهل اليمن حقيقةً، وأن من فسّرهم بغيرهم فقد أخطأ، يرذه ما سبق من الأدلة التي لا يَرتاب من تأملها أنها لا يمكن تأويلها على غير ظواهرها، فتبصر بالإنصاف، ولا تَحِد عن الصواب بالاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٠] (٥٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَاءَ أَهْلُ الْيَمَن، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ الحافظ، نزيل بغداد، ثقة، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجة [١٠].
رَوَى عن مالك حديثًا واحدًا، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن زكريا، وجرير بن حازم، وفُلَيح بن سليمان، ويزيد بن زريع، وغيرهم.
стр. 940
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى له النسائي بواسطة علي بن سعيد بن جرير، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرمانيّ، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذُّهْليّ، وموسى بن هارون، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال الآجريّ: سألت أبا داود، عن أبي الربيع، والْحَجَبِيّ: أيهما أثبت في حماد بن زيد؟ فقال: أبو الربيع أشهرهما، والحجبي ثقة، وقال ابن خِرَاش: تكلم الناس فيه، وهو صدوق، وقال ابن قانع: ثقةٌ، صدوقٌ، وقال الساجيّ: سمعت عبد القدوس بن محمد يقول: قال لي عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ: اقرأ على أبي الربيع، فإنه موضعٌ يُقْرَأُ عليه، وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ: ولا أعلم أحدًا تَكَلَّم فيه، بخلاف ما زَعَمَ ابن خِرَاش. انتهى (١).
وقال الحضرميّ وغيره: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
وله في هذا الكتاب (١٣٩) حديثًا.
٢ - (حَمَّادٌ) بن زيد بن درهم الأزديّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
[تنبيه]: كون حماد هنا هو ابن زيد هو الذي صرّح به الإمام ابن حبّان في "صحيحه" ١٦/ ٢٨٩ (٧٣٠٠) قال: أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنّى، حدّثنا أبو الربيع الزهرانيّ، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن أيوب إلخ، وهو الذي اقتضاه صنيع الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" ١٠/ ١٦٤ حيث أورده في ترجمة حمّاد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁.
لكن الذي صرّح به أبو نعيم في "المسند المستخرج" ١/ ١٣٨ (١٧٩) أنه حماد بن سلمة، والذي يظهر لي أن الأول هو الصواب؛ لأنهم ذكروا أن أبا
стр. 941
الربيع الزهرانيّ لم يروِ عن ابن سلمة، وإنما يروي عن ابن زيد فقط، فقد ذكر الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في ترجمة حماد بن زيد من "سير أعلام النبلاء" فصلًا بيّن فيه ما اختصّ بكل من الحمادين من الرواة، فذكر ممن اختصّ بحماد بن زيد، ولم يلق حماد بن سلمة: أبا الربيع الزهرانيّ، وكذلك صرّح في "تهذيب الكمال" ١١/ ٤٢٣، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٩٤ بأنه يروي عن ابن زيد، وكذا الخطيب البغداديّ في "تاريخه" ٩/ ٤٠ صرّح بذلك.
والحاصل أن الذي يترجّح عندي أن حمّادًا هنا هو ابن زيد، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قد عقد الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في "سير أعلام النبلاء" في آخر ترجمة حماد بن زيد فصلًا مهمّا يتعلّق بالتمييز بين الحمّادين إذا وقعا في السند مهملين، فقال:
(فصل): اشترك الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، ورَوَى عنهما جميعًا جماعة من المحدثين، فربما رَوَى الرجل منهم عن حماد لم ينسبه، فلا يُعْرَف أيّ الحمادين هو، إلا بقرينة، فإن عَرِيَ السند من القرائن، وذلك قليل لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدِّره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم؛ إذ مسلم قد احتجّ بهما جميعًا.
فمن شيوخهما معًا أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سُويد، وبُرْد بن سِنَان، وبشر بن حرب، وبَهْز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، والْجُريريّ، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النَّجُود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومَطَرٌ الوراق، وأبو جمرة الضُّبَعيّ، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد.
وحَدّث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهديّ، ووكيع، وعَفّان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشيبان، والقعنبيّ، وعبد الله بن معاوية الْجُمَحيّ، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل، لكن ما له عن حماد بن زيد سوى حديث واحد، ومؤمل بن
стр. 942
إسماعيل، وهُدْبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدِّب، وغيرهم.
والحفاظ المختصون بالإكثار، وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحَبّان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمر بن عاصم.
وأما المختصون بحماد بن زيد الذين ما لَحِقُوا ابن سلمة، فهم أكثر، وأوضح، كعلي بن المديني، وأحمد بن عبدة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العَقَدي، وخالد بن خِدَاش، وخَلَف بن هشام، وزكريا بن عدي، وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريريّ، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميّ، ولُوَين، ومحمد بن عيسى بن الطَّبّاع، ومحمد بن عُبيد بن حِسَاب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميميّ، وعِدّة من أقرانهم.
فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة، قد رَوَى عن حماد وأبهمه، عَلِمتَ أنه ابن زيد، وأن هذا لم يُدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا رَوَى رجل ممن لقيهما، فقال: حدثنا حماد، وسكت نُظِر في شيخ حماد من هو؟ فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد، عرفته بشيوخه المختصين به.
ثم عادةُ عفّان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما رَوَى عن حماد بن سلمة، فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن منهال، وهُدْبة بن خالد، فأما سليمان بن حرب فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: حدثنا حماد، فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: حدثنا حماد، فهو ابن سلمة، فهو راويته. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو بحث نفيسٌ ومفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٤ - (مُحَمَّد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة
стр. 943
البصريّ، ثقة ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فلم يرو عنه الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخه هذا أولُ محلّ ذكره من هذا الكتاب، وجملة ما رواه عنه المصنّف فيه (١٣٩) حديثًا، كما أسلفته آنفًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أيوب عن محمد.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ) هذا يردّ قول من قال: إن الذين نُسب إليهم الإيمان هم الأنصار؛ لأن من جملة المخاطبين الأنصار، فالذين جاءوا غيرهم، فالحقّ أن المراد بهم أهل البلد المعروف (هُمْ أَرَقُّ أفئِدَةً) المشهور أن الفؤاد هو القلب، فعلى هذا يكون كرر لفظ القلب في الرواية التالية بلفظين، وهو أولى من تكريره بلفظ واحد، وقيل: الفؤاد غير القلب، وهو عين القلب، وقيل: باطن القلب، وقيل: غشاء القلب، وأما وصفها باللين والزقّة والضعف، فمعناه أنها ذات خشية، واستكانة، سريعة الاستجابة، والتأثر بقوارع التذكير، سالمة من الغِلَظ والشدة والقسوة التي وَصَفَ بها قلوب الآخرين. انتهى (١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ومعنى "أرقّ أفئدةً"، و"ألين قلوبًا"، و"أضعف" متقاربة، وكلّها راجع إلى ضدّ القسوة والغلظ، وذلك أن من
стр. 944
رقّ قلبه ولان قَبِل المواعظ، وخضع للزواجر، وسارع إلى الخير، وصفاء الإيمان والفقه والحكمة، بخلاف من قسا قلبه، وغلُظ، وكَثُفَت حُجُبُ الكبر والفخر والعجب عليه.
وقد يكون ذكر القلوب والأفئدة ها هنا بمعنى واحد، تكرّرت باختلاف اللفظ، كما اختلف اللفظ الذي قبلها، وقد يكون بينهما فرقٌ؛ إذ قيل: إن الفؤاد داخل القلب، فوصف القلب باللين والضعف، والفؤاد بالرّقّة، أي إن قلوبهم أسرع انعطافًا وتقبّلًا للإيمان من غيرها؛ إذ أفئدتها أرقّ وأصفى لقبول الإيمان والحكمة، وأقلّ حُجُبًا، وأغشية من غيرها.
وقد تكون الإشارة بلين القلب إلى خفض الْجَنَاح، ولين الجانب، والانقياد، والاستسلام، وترك الغلوّ، وهذه صفة الظاهر، والإشارة برقّة الأفئدة إلى الشفقة على الخلق، والعطف عليهم، والنصح لهم، وهذه صفة الباطن، فكأنه أشار إلى أنهم أحسن أخلاقًا ظاهرًا وباطنًا.
وقد تكون الإشارة بلين القلوب، ورقّة الأفئدة إلى كثرة الخوف، والانزعاج للمواعظ والأذكار. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأَوْلى حمل رقّة الأفئدة، ولين القلوب، وضعفها على ظاهرها، وأن ما ذكره القاضي من الاحتمالات هي نتائج الرقّة واللين، فلا تنافي بينها، فتأمله، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "هم أرقّ أفئدة" يعني من أهل المشرق، لا من أهل الحجاز؛ لأنه ﷺ قد قال في الحديث الآخر: "الإيمان في أهل الحجاز"، واليمن من الحجاز، وقد وَصَفَ أهل اليمن في هذا الحديث بضدّ ما وَصَفَ به أهل العراق، فإنه قابل وصفي القسوة والغِلَظ بوصفي الرقّة والضعف، والرقّة في مقابلة القسوة، والضعف يقابل الغلظ، فمعنى أرقّ: أخشع، ومعنى أضعف: أسرع فهمًا، وانفعالًا للخير.
و"الأفئدة": جمع فُؤاد، وهو القلب، وقيل: الفؤاد داخل القلب، أي اللطيفة القابلة للمعاني من العلوم وغيرها. انتهى (٢).
стр. 945
ونقل الطيبيّ عن المظهر، قال: وَصَفَ الأفئدة بالرقّة، والقلوب باللين، وذلك أنه يقال: إن الفؤاد غشاء القلب، وإذا رقّ نَفَذَ القول، وخلص إلى ما وراءه، وإذا غلظ تعذّر الوصول إلى داخله، فإذا صادف القلب ليّنًا عَلِقَ به، ونَجَعَ فيه (١).
وقال القاضي البيضاويّ: الرقّة ضدّ الغلظة والصفاقة، واللين مقابل للقساوة، فاستُعير في أحوال القلب، فإذا نَبَا عن الحقّ، وأعرض عن قبوله، ولم يتأثّر عن الآيات والنُّذُر يوصف بالغلظة، فكان شغافه صَفِيقًا لا ينفذ فيه الحقّ، وجرمه صلب لا يؤثّر فيه الوعظ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرّقّة واللين، فكان حجابه رقيقًا، لا يأبى نفوذ الحقّ، وجوهره ليّن يتأثّر بالنصح.
ويحتمل أن يكون المراد بالرقّة جَوْدَةُ الفهم، وباللين قبول الحقّ، فإن رقّة الفؤاد تعين على قبول الحقّ بسهولة، واللين يقتضي عدم الممانعة والانفعال عن المؤثّر بيسر، ولعله لذلك أضاف الرقّة إلى الفؤاد، واللين إلى القلب، فإنه وإن كان الفؤاد والقلب واحدًا، لكن الفؤاد فيه معنى النفاذ، وهو التوقّد، يقال: فَأَدتُ اللحمَ، أي شويته، والقلب فيه معنى التقلّب، يتقلّب حيث حاله بسبب ما يعتريه.
ثم لَمّا وصفهم بذلك أتبعه ما هو كالنتيجة والغاية، وهو قوله: "الإيمان يمان، والحكمة يمانية"، فإن صفاء القلب، ورقّته، ولين جوهره يؤدّي إلى عرفان الحقّ والتصديق به، وهو الإيمان، والانقياد لما يوجبه ويقتضيه، والتيقّظ والإيقان فيما يذره ويأتيه، وهو الحكمة، فتكون قلوبهم معادن الإيمان، وينابيع الحكمة، وهي قلوب منشؤها اليمن، نُسب إليه الإيمان والحكمة معًا؛ لانتسابهما إليه؛ تنويهًا بذكرهما، وتعظيمًا لشأنهما.
وقال الطيبيّ: يمكن أن يراد بالقلب والفؤاد ما عليه أهل اللغة في كونهما مترادفين، فكُرّر ليُنَاط به معنى غير المعنى السابق، فإن الرقّة مقابلة للغلظة، واللين مقابل للشدّة والقسوة، فوصفت أوّلًا بالرقّة؛ ليشير إلى التخلّق مع الناس، وحسن المعاشرة مع الأهل والإخوان، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
стр. 946
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وثانيًا باللين؛ ليؤذن بأن الآيات النازلة، والدلائل المنصوبة ناجعةٌ فيها، وصاحبها مقيمٌ على التعظيم لأمر الله تعالى، فقوله: "الإيمان يمان، والحكمة يمانية"، يشمل حسن المعاملة مع الله تعالى، والمعاشرة مع الناس، فلشدّة شكيمة اليهود، وعنادهم قيل فيهم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وللين جانب المؤمنين وُصفوا بقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. انتهى بتغيير يسير (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(الْإِيمَانُ يَمَانٍ) مبتدأ وخبره، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي معظم أهله يمانون، والقائمون به يمانون، والناصرون له، أو مُستقرّه إن كان المراد الأنصار (٢)، أو مبتدؤه، وظهوره عندهم على ما أشار إليه من قال: إن المراد به مكة والمدينة، وقيل: معناه أهل اليمن أكمل الناس إيمانًا. انتهى (٣).
[تنبيه]: قوله: "يَمَانٍ" بتخفيف الياء عند جماهير أهل العربية؛ لأن الألف المزيدة فيه عِوَضٌ من ياء النسب المشددة، فلا يُجْمَع بينهما، وقال ابن السَّيد في كتابه "الاقتضاب في شرح أدب الكاتب": حَكَى أبو العباس المبرد وغيره أن التشديد لغة، قال ابن الصلاح: وهذا غريب، وإن كان هو المشهور المستعمل عند من لا عناية له بعلم العربيّة. انتهى (٤).
وقال الجوهريّ في "صحاحه": اليمن بلاد للعرب، والنسبة إليها يمنيّ، ويمانٍ مخفّفةً، والألف عوض من ياء النسب، فلا يجتمعان، قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيٌّ بالتشديد، قال أمية بن خلف [من الوافر]:
يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُبُّ كِيرًا … وَيَنْفُخُ دَائِمًا لَهَبَ الشُّوَاظِ
وقوم يمانيةٌ، ويمانون، مثلُ ثمانية وثمانون، وامرأة يمانية أيضًا. انتهى (٥).
стр. 947
وقال الفيّوميّ: اليمن إقليم معروف، سُمّي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ على القياس، ويَمَانٍ بالألف على غير قياس، وعلى هذا في الياء مذهبان:
[أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عِوَضًا عن التثقيل، فلا يُثقّل؛ لئلا يُجمع بين العوض والمعوّض عنه.
[والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة؛ تنبيهًا على جواز حذفها. انتهى (١).
(وَالْفِقْهُ يَمَانٍ) مبتدأ وخبره أيضًا، و"الفقه" هنا عبارة عن الفهم في الدين، واصْطَلَحَ بعد ذلك الفقهاء، وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها، قاله ابن الصلاح (٢).
وقال ابن الأثير: الفقه في الأصل: الفهم، واشتقاقه من الشَّقِّ والفتح، يقال: فَقِه الرجلُ بالكسر يَفْقَهُ فِقْهًا: إذا فَهِمَ وعَلِم، وفَقُهَ بالضمّ يَفْقُهُ: إذا صار فقيهًا عالِمًا، وقد جعله الْعُرف خاصًّا بعلم الشريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع منها. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ: "الفقه": فهم الشيء، قال ابن فارس: وكلُّ علم لشيء فهو فقهٌ، والفقهُ على لسان حَمَلَة الشرع علمٌ خاصٌّ، وفَقِهَ فَقَهًا، من باب تَعِبَ: إذا عَلِمَ، وفَقُهَ بالضمّ مثلُهُ، وقيل: بالضمّ إذا صار الفقه له سَجِيّةً، قال أبو زيد: رجلٌ فَقُهٌ بضمّ القاف وكسرها، وامرأةٌ فَقُهَةٌ بالضمّ، ويتعدّى بالألف، فيقال: أَفقهتُكَ الشيءَ، وهو يتفقّه في العلم مثلُ يتعلّم. انتهى (٤).
(وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ) مبتدأ وخبره أيضًا، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: "الحكمة" عند العرب ما منع من الجهل، والحكيم من منعه عقله وحلمه من الجهل، حكاه ابن عرفة، مأخوذ من حَكَمَة الدّابّة، وهي الحديدة
стр. 948
التي تُجعَل في لجامها؛ لمنعها إياها، وهذه الأحرف ح ك م حيثما تصرّفت فيها معنى المنع، قال الشاعر [من الكامل]:
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ … إِنِّي خَشِيتُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا
وقيل في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٩]: إنها الإصابة في القول، والفهم، وقيل: الحكمة: طاعة الله، والاتّباع له، والفقه في الدين، وقيل: الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه، وقال مالك في الحكمة: الفقهُ في الدين يُدخله الله في القلوب، وقيل غير هذا. انتهى (١).
وقال ابن الأثير: "الحكمة" عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يُحسن دقائق الصناعات، ويُتقنها: حكيم، ومنه في صفة القرآن "الذكر الحكيم": أي الحاكم لكم، وعليكم، أو هو المحكم الذي لا اختلاف فيه، ولا اضطراب، فَعِيلٌ بمعنى مُفْعَل، أي أُحكم، فهو مُحْكَم. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ: الْحُكْمُ: القضاء، وأصله المنع، يقال: حَكَمتُ عليه بكذا: إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك، وحَكَمتُ بين القوم: فَصَلتُ بينهم، فأنا حاكمٌ، وحَكَمٌ بفتحتين، والجمع حُكّامٌ، ويجوز بالواو والنون، و"الْحَكَمَةُ": وِزانُ قَصَبَةٍ للدّابّة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تُذلّلُها لراكبها حتى تمنعها الْجِمَاحَ ونحوَهُ، ومنه اشتقاق "الْحِكْمَةِ"؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل. انتهى (٣).
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى (٤): وأما "الحكمة" ففيها أقوال كثيرةٌ مضطربةٌ، قد اقتَصَرَ كلٌّ من قائليها على بعض صفات الحكمة، وقد صَفَا لنا منها أن الحكمة: عبارة عن العلم المتَّصِفِ بالأحكام المشتمِل على المعرفة بالله ﵎، المصحوب بنَفَاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحقّ، والعمل به، والصَّدِّ عن اتباع الهوى والباطل، والحكيمُ مَن له ذلك،
стр. 949
وقال أبو بكر بن دُرَيد: كلُّ كلمة وَعَظتك وزَجَرتك، أو دعتك إلى مَكْرَمَة، أو نَهَتك عن قبيح، فهي حكمة، وحُكْمٌ، ومنه قول النبيّ ﷺ : "إن من الشعر حِكْمَةً" (١)، وفي بعض الروايات: "حُكْمًا" (٢).
وقال القاري: أراد بالحكمة الفقه في الدين، وقيل: كلّ كلمة صالحة تمنع صاحبها عن الوقوع في الْهَلَكَة، ولَمّا كانت قلوبهم معادن الإيمان، وينابيع الحكمة، وكانت الخصلتان منتهى هممهم، نُسِب الإيمان والحكمة إلى معادن نفوسهم، ومساقط رؤوسهم نسبةَ الشيء إلى مقرّه. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٣/ ١٩٠ و ١٩١ و ١٩٢ و ١٩٣ و ١٩٤ و ١٩٥ و ١٩٦ و ١٩٧ و ١٩٨ و ١٩٩ و ٢٠٠] (٥٢)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٣٠١)، و"المناقب" (٣٤٩٩)، و"المغازي" (٤٣٨٨ و ٤٣٨٩ و ٤٣٩٠)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٩٨٨٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٥ و ٢٦٧ و ٢٧٧ و ٤٧٤ و ٤٨٨ و ٥٤١)، وفي "الفضائل" (١٦١٨ و ١٦٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٣ و ١٦٤ و ١٦٥ و ١٦٦ و ١٦٧)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (١٧٩ و ١٨٠ و ١٨١ و ١٨٢ و ١٨٣ و ١٨٤ و ١٨٥ و ١٨٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٤٤ و ٧٢٩٧ و ٧٢٩٩ و ٧٣٠٠)، والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تقدّمت في حديث أبي مسعود ﵁ الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 950
[١٩١] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، كلَاهُمَا عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد البغداديّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ) هو: إسحاق بن يوسف بن مِرْداس المخزوميّ الواسطيّ المعروف بالأزرق، ثقة [٩].
رَوَى عن ابن عون، والأعمش، وشريك، والثوري، ومسعر، وعُمَر بن ذَرّ، وعوف، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، ودُحَيم، وقتيبة، وعمرو الناقد، ويحيى بن معين، وجماعة، آخرهم سَعْدَان بن نصر البزاز.
قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ فقال: إِيْ والله ثقة، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث صدوق، لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك، وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين، وقال ابن سعد: كان ثقة، وربما غَلِطَ، وذكر ابن حبان في "الثقات" أنه رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال البزار: كان ثقة.
وقال وهب بن بقية: وُلد سنة (١١٧)، وقال خليفة ومحمد بن سعد وغير واحد: مات سنة (١٩٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (١)(١٥٨): "ثلاثٌ إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها … "، و (٦١٣): "صلّ معنا هذين اليومين … " و (١١٤٩): "وجب