غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وثانيًا باللين؛ ليؤذن بأن الآيات النازلة، والدلائل المنصوبة ناجعةٌ فيها، وصاحبها مقيمٌ على التعظيم لأمر الله تعالى، فقوله: "الإيمان يمان، والحكمة يمانية"، يشمل حسن المعاملة مع الله تعالى، والمعاشرة مع الناس، فلشدّة شكيمة اليهود، وعنادهم قيل فيهم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وللين جانب المؤمنين وُصفوا بقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. انتهى بتغيير يسير (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(الْإِيمَانُ يَمَانٍ) مبتدأ وخبره، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي معظم أهله يمانون، والقائمون به يمانون، والناصرون له، أو مُستقرّه إن كان المراد الأنصار (٢)، أو مبتدؤه، وظهوره عندهم على ما أشار إليه من قال: إن المراد به مكة والمدينة، وقيل: معناه أهل اليمن أكمل الناس إيمانًا. انتهى (٣).
[تنبيه]: قوله: "يَمَانٍ" بتخفيف الياء عند جماهير أهل العربية؛ لأن الألف المزيدة فيه عِوَضٌ من ياء النسب المشددة، فلا يُجْمَع بينهما، وقال ابن السَّيد في كتابه "الاقتضاب في شرح أدب الكاتب": حَكَى أبو العباس المبرد وغيره أن التشديد لغة، قال ابن الصلاح: وهذا غريب، وإن كان هو المشهور المستعمل عند من لا عناية له بعلم العربيّة. انتهى (٤).
وقال الجوهريّ في "صحاحه": اليمن بلاد للعرب، والنسبة إليها يمنيّ، ويمانٍ مخفّفةً، والألف عوض من ياء النسب، فلا يجتمعان، قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيٌّ بالتشديد، قال أمية بن خلف [من الوافر]:
يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُبُّ كِيرًا … وَيَنْفُخُ دَائِمًا لَهَبَ الشُّوَاظِ
وقوم يمانيةٌ، ويمانون، مثلُ ثمانية وثمانون، وامرأة يمانية أيضًا. انتهى (٥).
стр. 947
وقال الفيّوميّ: اليمن إقليم معروف، سُمّي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ على القياس، ويَمَانٍ بالألف على غير قياس، وعلى هذا في الياء مذهبان:
[أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عِوَضًا عن التثقيل، فلا يُثقّل؛ لئلا يُجمع بين العوض والمعوّض عنه.
[والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة؛ تنبيهًا على جواز حذفها. انتهى (١).
(وَالْفِقْهُ يَمَانٍ) مبتدأ وخبره أيضًا، و"الفقه" هنا عبارة عن الفهم في الدين، واصْطَلَحَ بعد ذلك الفقهاء، وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها، قاله ابن الصلاح (٢).
وقال ابن الأثير: الفقه في الأصل: الفهم، واشتقاقه من الشَّقِّ والفتح، يقال: فَقِه الرجلُ بالكسر يَفْقَهُ فِقْهًا: إذا فَهِمَ وعَلِم، وفَقُهَ بالضمّ يَفْقُهُ: إذا صار فقيهًا عالِمًا، وقد جعله الْعُرف خاصًّا بعلم الشريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع منها. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ: "الفقه": فهم الشيء، قال ابن فارس: وكلُّ علم لشيء فهو فقهٌ، والفقهُ على لسان حَمَلَة الشرع علمٌ خاصٌّ، وفَقِهَ فَقَهًا، من باب تَعِبَ: إذا عَلِمَ، وفَقُهَ بالضمّ مثلُهُ، وقيل: بالضمّ إذا صار الفقه له سَجِيّةً، قال أبو زيد: رجلٌ فَقُهٌ بضمّ القاف وكسرها، وامرأةٌ فَقُهَةٌ بالضمّ، ويتعدّى بالألف، فيقال: أَفقهتُكَ الشيءَ، وهو يتفقّه في العلم مثلُ يتعلّم. انتهى (٤).
(وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ) مبتدأ وخبره أيضًا، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: "الحكمة" عند العرب ما منع من الجهل، والحكيم من منعه عقله وحلمه من الجهل، حكاه ابن عرفة، مأخوذ من حَكَمَة الدّابّة، وهي الحديدة
стр. 948
التي تُجعَل في لجامها؛ لمنعها إياها، وهذه الأحرف ح ك م حيثما تصرّفت فيها معنى المنع، قال الشاعر [من الكامل]:
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ … إِنِّي خَشِيتُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا
وقيل في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٩]: إنها الإصابة في القول، والفهم، وقيل: الحكمة: طاعة الله، والاتّباع له، والفقه في الدين، وقيل: الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه، وقال مالك في الحكمة: الفقهُ في الدين يُدخله الله في القلوب، وقيل غير هذا. انتهى (١).
وقال ابن الأثير: "الحكمة" عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يُحسن دقائق الصناعات، ويُتقنها: حكيم، ومنه في صفة القرآن "الذكر الحكيم": أي الحاكم لكم، وعليكم، أو هو المحكم الذي لا اختلاف فيه، ولا اضطراب، فَعِيلٌ بمعنى مُفْعَل، أي أُحكم، فهو مُحْكَم. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ: الْحُكْمُ: القضاء، وأصله المنع، يقال: حَكَمتُ عليه بكذا: إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك، وحَكَمتُ بين القوم: فَصَلتُ بينهم، فأنا حاكمٌ، وحَكَمٌ بفتحتين، والجمع حُكّامٌ، ويجوز بالواو والنون، و"الْحَكَمَةُ": وِزانُ قَصَبَةٍ للدّابّة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تُذلّلُها لراكبها حتى تمنعها الْجِمَاحَ ونحوَهُ، ومنه اشتقاق "الْحِكْمَةِ"؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل. انتهى (٣).
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى (٤): وأما "الحكمة" ففيها أقوال كثيرةٌ مضطربةٌ، قد اقتَصَرَ كلٌّ من قائليها على بعض صفات الحكمة، وقد صَفَا لنا منها أن الحكمة: عبارة عن العلم المتَّصِفِ بالأحكام المشتمِل على المعرفة بالله ﵎، المصحوب بنَفَاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحقّ، والعمل به، والصَّدِّ عن اتباع الهوى والباطل، والحكيمُ مَن له ذلك،
стр. 949
وقال أبو بكر بن دُرَيد: كلُّ كلمة وَعَظتك وزَجَرتك، أو دعتك إلى مَكْرَمَة، أو نَهَتك عن قبيح، فهي حكمة، وحُكْمٌ، ومنه قول النبيّ ﷺ : "إن من الشعر حِكْمَةً" (١)، وفي بعض الروايات: "حُكْمًا" (٢).
وقال القاري: أراد بالحكمة الفقه في الدين، وقيل: كلّ كلمة صالحة تمنع صاحبها عن الوقوع في الْهَلَكَة، ولَمّا كانت قلوبهم معادن الإيمان، وينابيع الحكمة، وكانت الخصلتان منتهى هممهم، نُسِب الإيمان والحكمة إلى معادن نفوسهم، ومساقط رؤوسهم نسبةَ الشيء إلى مقرّه. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٣/ ١٩٠ و ١٩١ و ١٩٢ و ١٩٣ و ١٩٤ و ١٩٥ و ١٩٦ و ١٩٧ و ١٩٨ و ١٩٩ و ٢٠٠] (٥٢)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٣٠١)، و"المناقب" (٣٤٩٩)، و"المغازي" (٤٣٨٨ و ٤٣٨٩ و ٤٣٩٠)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٩٨٨٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٥ و ٢٦٧ و ٢٧٧ و ٤٧٤ و ٤٨٨ و ٥٤١)، وفي "الفضائل" (١٦١٨ و ١٦٥٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٣ و ١٦٤ و ١٦٥ و ١٦٦ و ١٦٧)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (١٧٩ و ١٨٠ و ١٨١ و ١٨٢ و ١٨٣ و ١٨٤ و ١٨٥ و ١٨٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٤٤ و ٧٢٩٧ و ٧٢٩٩ و ٧٣٠٠)، والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تقدّمت في حديث أبي مسعود ﵁ الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 950
[١٩١] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، كلَاهُمَا عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد البغداديّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ) هو: إسحاق بن يوسف بن مِرْداس المخزوميّ الواسطيّ المعروف بالأزرق، ثقة [٩].
رَوَى عن ابن عون، والأعمش، وشريك، والثوري، ومسعر، وعُمَر بن ذَرّ، وعوف، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، ودُحَيم، وقتيبة، وعمرو الناقد، ويحيى بن معين، وجماعة، آخرهم سَعْدَان بن نصر البزاز.
قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ فقال: إِيْ والله ثقة، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث صدوق، لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك، وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين، وقال ابن سعد: كان ثقة، وربما غَلِطَ، وذكر ابن حبان في "الثقات" أنه رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال البزار: كان ثقة.
وقال وهب بن بقية: وُلد سنة (١١٧)، وقال خليفة ومحمد بن سعد وغير واحد: مات سنة (١٩٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (١)(١٥٨): "ثلاثٌ إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها … "، و (٦١٣): "صلّ معنا هذين اليومين … " و (١١٤٩): "وجب
стр. 951
أجركِ وردّها عليكِ الميراث … " و (١٣٠٩): "أين صلّى الظهر يوم التروية … " و (١٦٦٠): "من قذف مملوكه بالزنا … " و (٢٧٣٤): "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة … ".
٥ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان المزني مولاهم، أبو عون الْخَزّاز البصري، ثقة ثبتٌ، فاضل، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ [٥] (١) (ت ١٥١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (بمثله) يعني أن محمد بن المثنّى، وعمرًا الناقد حدّثاني بمثل حديث أبي الربيع الزهرانيّ، ويحتمل أن يكون المراد حديث ابن عون، يعني حديث ابن عون بمثل حديث أيوب، وحديث ابن عون قد أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ٢٣٥) من رواية ابن أبي عديّ عنه، فقال:
حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكم أهل اليمن، هم أرقُّ أفئدة، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانيةٌ، والفقه يمانٍ". انتهى.
وكذا ساقها أبو نعيم في "المستخرج" (١٨٠) عن محمد بن المثنّى، عن ابن أبي عديّ به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الْأَعْرَج، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَن، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ").
стр. 952
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد المذكور في الباب الماضي.
٣ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المذكور في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ المذكور في الباب الماضي.
٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ثقة ثبتٌ عالم بالأنساب والعربيّة [٣].
روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن مالك بن بُحينة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وخلق كثير.
وروى عنه زيد بن أسلم، وصالح بن كيسان، والزهري، وأبو الزبير، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وموسى بن عقبة، وعمرو بن أبي عمرو، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وأيوب، وجعفر بن ربيعة، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال الْمُقَدَّميُّ: سئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة، فبدأ بابن المسيب، وذكر جماعة، قيل له: فالأعرج؟ قال: دون هؤلاء، وهو ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش: ثقة، وقال ابن عيينة: قال أبو إسحاق: قال أبو صالح، والأعرج: ليس أحد يُحدّث عن أبي هريرة إلا علمنا أصادق هو أم كاذب، وقال ابن حبان في "الثقات": كنيته أبو داود، وقد قيل: أبو حازم، وقد قيل: إن اسم أبيه كيسان، فقال غندر: ثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ثنا عبد الرحمن بن كيسان الأعرج، وقال الحاكم أبو أحمد: عبد الرحمن بن هُرْمز، ويقال: كيسان، وقال الداني: رَوَى عنه القراءة عَرْضًا نافع بن أبي نُعَيم. وقال ابن لَهِيعة عن أبي النضر: كان الأعرج عالمًا بالأنساب والعربية.
стр. 953
قال ابن يونس وغير واحد: مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة، وقال الفلاس وغيره: مات سنة (١١) وهو وَهَمٌ، والأصح الأول.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤٠) حديثًا.
والباقيان ذُكرَا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِق، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَر، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكَير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
والباقيان تقدّما في الذي قبله، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يرو عنه أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
стр. 954
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي الزناد، عن الأعرج، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ) أي في جهة المشرق، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "رأس الكفر إلخ" إشارة إلى من نبّه عليه من أهل نجد، وربيعة، ومُضر؛ لأنهم الذين عاندوا النبوّة، وقَسَوْا عن إجابة الحقّ، وقبول الدعوة، وهم بالصفة التي وَصَفَ أهلُ خيل وإبل، وأصحابُ وَبَر، ونجدٌ مشرقٌ من المدينة، أو من تبوك على ما ذُكِر أنه قال بعض هذا الحديث بتبوك.
والمراد برأس الكفر مُعظمه وشرّه، وقد تأوّل بعضهم أنه قال ذلك، وأهل المشرق يومئذ أهل كفر، وأن مراده بقوله: "رأس الكفر نحو المشرق" فارس، وما ذكرناه أولى لقوله في الحديث: "أهل الوبر قبل مطلع الشمس"، وفارس ليسوا أهل وَبَر، وقوله: "من ربيعة ومضر"، وأن الموصوفين بعد ذلك بالجفاء والخيلاء هم أولئك لا غيرهم، ويؤيّده قوله في الحديث الآخر: "اللهم اشدُد وطأتك على مضر"، قال في الحديث: "وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له"، ويكون هذا الكفر ما كانوا عليه من عداوة الدين والتعصّب عليه، ويعضده حديث ابن عمر ﵁ عنه ﷺ حيث قال: "اللهم بارك لنا في يمننا، وفي شامنا"، قالوا: يا رسول الله: وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: "هنالك الزلازل، والطاعون، وبها يطلع قرن الشيطان"، رواه البخاريّ. انتهى كلام القاضي (١)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال في "الفتح": وفي ذلك إشارة إلى شدّة كفر المجوس؛ لأن مملكة الفُرْس، ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القسوة والتكبّر والتجبّر حتى مزّق مَلِكُهُمْ كتاب النبيّ ﷺ ، فدعا عليهم أن يُمزقوا كلَّ مُمَزَّق، فمزّق الله تعالى ملكهم (٢).
стр. 955
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما سبق عن القاضي أقرب وأحسن من هذا، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "رأس الكفر نحو المشرق": نحو قوله: "رأسُ الأمر الإسلام"، أي ظهور الكفر من قبل المشرق، والمراد باختصاص المشرق به مزيد تسلّط الشيطان على أهل المشرق، وكان ذلك في عهده ﷺ ، ويكون حين يخرج الدجّال من المشرق؛ فإنه منشأ الفتن العظيمة، ومثار الْكَفَرة التُّرْك. انتهى.
(وَالْفَخْرُ) بالخاء المعجمة: هو الافتخار، وعَدُّ المآثر القديمة تعظيمًا، ومنه الإعجاب بالنفس (وَالْخُيَلَاءُ) بضم الخاء المعجمة، وفتح التحتانيّة، والمدّ: أي الكبر، واحتقار الغير، وقال الراغب: "الْخُيلاء": التكبّر عن تخيّل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنها يُتأوّل لفظ الخيل؛ لما قيل: إنه لا يركب أحدٌ فرسًا إلا وَجَد في نفسه نخوة، والخيل في الأصل اسم للأفراس والفُرسان جميعًا. انتهى. (فِي أَهْلِ الْخَيْل، وَالْإِبِل، الْفَدَّادِينَ) أي الذين يُعلون أصواتهم في حروثهم، ومواشيهم، وقد تقدّم أقوال أهل العلم فيه فلا تغفل.
وقال الخطابيّ: إنما ذُمّ هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يقتضي قساوة القلب. انتهى (١).
وقوله: (أَهْلِ الْوَبَرِ) بالجرّ بدل من "أهل الخيل"، وهو بفتحتين: للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل مصدرٌ، من باب تَعِبَ، وبعيرٌ وَبِرٌ بالكسر: كثير الْوَبَر، وناقةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثلُ سبب وأسباب، قاله الفيّوميّ (٢).
وقال أبو عمرو بن الصلاح: فالوَبَرُ، وإن كان من الإبل دون الخيل، فلا يمتنع أن يكون قد وَصَفَهم بكونهم جامعين بين الخيل والإبل والوبر. انتهى (٣).
وقال الحافظ في "الفتح": قوله: "أهل الوبر": أي ليسوا من أهل المدر؛ لأن العرب تعبّر عن أهل الحضر بأهل المدر، وعن أهل البادية بأهل الوبر، واستشكَلَ بعضهم ذكر الوبر بعد ذكر الخيل، وقال: إن الخيل لا وبر لها، ولا
стр. 956
إشكال فيه؛ لأن المراد ما بيّنته. انتهى (١).
(وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ") قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "السكينة": السكون، والطمأنينة، والوقار كما جاء في الحديث نفسه، وهي ضدّ معنى "الفدّادين"، و"أهل الخيلاء"، وقد تكون السكينة بمعنى الرحمة، حكاه شَمِر، فتكون ضدّ "القسوة"، و"الجفاء"، و"الغلظ " في وصف الآخرين. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ: "السَّكِينَةُ" بالتخفيف: المهابة، والرَّزَانة، والوَقَار، وحَكَى في "النوادر" تشديد الكاف، قال: ولا يُعرَف في كلام العرب فَعِّيلَةٌ مثقَّلُ العين إلا هذا الحرف شاذًّا، قاله في "المصباح" (٣).
وقال في "الفتح": "السكينة": تُطلق على الطمأنينة، والسكون، والوقار، والتواضع، قال: وإنما خصّ أهل الغنم بذلك؛ لأنهم غالبًا دون أهل الإبل في التوسّع والكثرة، وهما من سبب الفخر والخيلاء، وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن؛ لأن غالب مواشيهم الغنم، بخلاف ربيعة ومُضَر، فإنهم أصحاب إبل، وروى ابن ماجه من حديث أم هانئ ﵂ أن النبيّ ﷺ قال لها: "اتّخذي الغنم، فإن فيها بركة" (٤). انتهى (٥).
وأما تخريج الحديث، فقد تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٩٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِق، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَم، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ، أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ").
стр. 957
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) هو المقابريّ البغداديّ [١٠].
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ [١٠].
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو علي بن حُجر السعديّ المروزيّ، من صغار [٩].
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ [٨].
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْجُهنيّ الْحُرَقيّ المدنيّ [٥].
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرَقيّ المدنيّ [٣].
[تنبيه]: هذا الإسناد بنصّه قد تقدّم قريبًا في ٢٠/ ١٨٠، ومن لطائفه أن فيه قوله: "قال ابن أيوب: حدّثنا إسماعيل"، إشارة إلى اختلاف شيوخه في صيغ الأداء، فصرّح يحيى بن أيوب بالتحديث، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء عن أبيه.
وأما شرح الحديث، ومسائله فقد تقدّمت قريبًا أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْفَخْرُ، وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ، أَهْلِ الْوَبَر، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ [١١].
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله الحافظ المصريّ [٩].
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ [٧].
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم الإمام الحجة المدنى [٤].
٥ - (أَبُو سَلَمَة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه [٣].
[تنبيه]: هذا الإسناد بنصّه قد تقدّم قريبًا أيضًا بعد الإسناد الماضي في
стр. 958
٢١/ ١٨١، ومن لطائفه أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن أبي سلمة، وفيه أبو سلمة بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
وأما شرح الحديث، ومسائله فقد تقدّمت قريبًا أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: "الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) (١) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرَام الدارميّ، أبو محمد السمرقنديّ، الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ - بفتح الموحّدة - مولاهم الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [١٠].
رَوَى عن شعيب بن أبي حمزة، وحَرِيز بن عثمان، وعَطّاف بن خالد، وسعيد بن عبد العزيز، وصفوان بن عمرو، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وروى له الباقون بواسطة إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وعبد الله الدارميّ، وعمرو بن منصور، ورجاء بن مُرَجّا، وعمران بن بكار، وأبي علي محمد بن علي بن حمزة المروزيّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، وعبيد الله بن فَضَالة، وعبد الوهاب بن نَجْدَة، والذُّهلي، ومحمد بن عوف الطائيّ، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم، ويحيى بن معين وآخرون.
قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن أبي اليمان؟ فقال: أما حديثه عن
стр. 959
صفوان وحَرِيز فصحيح، قال: وهو يقول: أخبرنا شعيب، واستَحَلّ ذلك بشيء عجيب، قال أبو عبد الله: كان أمر شعيب في الحديث عَسِرًا جِدًّا، وكان علي بن عَيّاش سمع منه، وذكر قصة لأهل حمص، أُراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا، ثم كلموه، وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارْوُوا عني تلك الأحاديث، فقلت لأبي عبد الله: مناولة؟ قال: لو كان مناولة كان لم يعطهم كُتُبًا ولا شيئًا، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني، فأَخَذ كُتُب شُعيب مني بعدُ، وهو يقول: أخبرنا، وقال القاسم بن أبي صالح الهمداني، عن إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع، يقول: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأ عليّ، وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كله: أخبرنا شعيب، وقال المفضل ابن غَسّان، عن يحيى بن معين: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب بن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة، المناولةُ لم أُخرجها لأحد، وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أبي اليمان: كان شعيب عَسِرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة، فقال: هذه كتبي، وقد صححتها، فمن أراد أن يأخذها مني فليأخذها، ومن أراد أن يَعْرِض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني، فإنه قد سمعها مني، وقال شعيب بن عمرو البردعيّ، عن أبي زرعة الرازيّ: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثًا واحدًا، والباقي إجازة، وقال البردعيّ: قلت لمحمد بن يحيى في حديث أنس، عن أم حبيبة - يعني حديث: "أُريتُ ما تَلْقَى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض … " (١) - حدثكم به أبو
стр. 960
اليمان؟ فقال: نعم حدثنا به من أصله، عن شعيب، عن ابن أبي حسين، فقلت: حدَّثنا غير واحد عن أبي اليمان، فقالوا: عن الزهري، قال: لَقَّنُوه "عن الزهري"، قلت: قد رواه عنه يحيى بن معين، فقال: يحيى بن معين لقيه بعدي، وقال أبو زرعة الدمشقيّ عن أحمد، بعد أن رواه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن ابن أبي حسين: ليس لهذا أصل عن الزهري، وكان كتاب شعيب، عن ابن أبي حسين، مُلْصَقًا بكتاب الزهريّ، كأنه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزهري، فكان يَعْذر أبا اليمان، ولا يَحمل عليه فيه، قال أبو زرعة: وقد سألت عنه أحمد بن صالح، فقال لي مثل قول أحمد بن حنبل، وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوريّ: قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم به عن ابن أبي حسين، غَلِطتُ فيه بورقة قلبتها، وكذا قال يحيى بن معين عنه، وقال أبو حاتم: نبيلٌ ثقة صدوقٌ، وقال ابن عمّار: ثقةٌ، وقال العجليّ: لا بأس به، وقال أبو بكر محمد بن عيسى الطَّرَسُوسيّ: سمعت أبا اليمان يقول: صِرْتُ إلى مالك، فرأيت ثَمَّ من الْحُجّاب والْفَرْش شيئًا عجيبًا، فقلت: ليس هذا من أخلاق العلماء، فمضيت وتركته، ثم نَدِمتُ بعدُ.
وقال الآجريّ عن أبي داود: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا كلمةً، وقال الأزديّ: سمعه من شعيب مشاركةً، وقال الخليليّ: نسخة شعيب رواها الأئمة عن الحكم، وتابع أبا اليمان عليّ بن عياش الحمصيّ، وهو ثقة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق هذه الأقوال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١/ ٤٧٠ - ٤٧١) ولم يعلّق عليها شيئًا، مع أنها تحتاج إلى التعليق عليها؛ لأن أبا اليمان قد اعتمده الشيخان، لكنه قد أحسن في "هدي الساري" حيث قال (ص ٥٦٧) بعد ذكره كلام أبي زرعة المذكور ما نصّه: قلت: إن صحّ ذلك، فهو حجة في صحّة الرواية بالإجازة، إلا أنه كان يقول في جميع ذلك: أخبرنا، ولا مشاحّة في ذلك إن كان اصطلاحًا له. انتهى.
وقال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٣٢٥): وبلغنا أن أبا اليمان كَتَب كُتُب إسماعيل بن عيّاش، ولم يَدَع منها شيئًا في القراطيس، وفي "الصحيحين" نحوٌ من أربعين حديثًا عند البخاريّ عن أبي اليمان قد أخرجها مسلم عن الدارميّ، عن أبي اليمان، وجميعها يقول فيها:
стр. 961
أخبرنا شعيب، ما قال قطّ: حدّثنا، فهذا يوضّح لك أنها بالإجازة، وهي منقولة جزمًا من خطّ شُعيب، وكان من أثبت أصحاب الزهريّ، والمقصود من الرواية إنما هو العلم الحاصل بأن هذا الخبر حدّث به فلان على أيّ صفة كان من صفات الأداء، وقد كان أبو اليمان عام وقته بحمص، استقدمه المأمون ليُولّيه قضاء حمص. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله تعالى.
قد تبيّن بهذا أن أحاديث أبي اليمان، عن شعيب صحيحة، لا كلام فيها؛ لأنها وإن لم تكن سماعًا فقد ثبت كونها إجازةً أو مناولةً، وكلتاهما من الطرق الصحيحة المعمول بها عند جمهور المحدّثين، ولا اعتداد بقول من خالفها، وكيف يُعتدّ به، وقد خالف ما ثبت عن النبيّ ﷺ من مناولته وإجازته للصحابة ﵁ ليبلغوه للناس؟ فمن ذلك حديث أمير السريّة، كما هو مشهور في "الصحيحين"، حيث ناوله النبيّ ﷺ كتابه وقال: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس … " الحديث، وقد استدلّ به البخاريّ في "الصحيح" في "كتاب العلم" في "باب ما يُذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان"، وكذا حديث إجازته ﷺ لعليّ ﵁ أن يأخذ الكتاب من أبي بكر ﵁ ويقرأه على الناس في الموسم، وغير ذلك.
والحاصل أن الطعن في أبي اليمان بما ذُكر مما لا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال محمد بن مصفى وغيره: مات سنة (٢١١)، زاد أبو زرعة: وهو ابن (٨٣)، وقال البخاري وغيره: مات سنة (٢٢٢)، زاد محمد بن سعد: في ذي الحجة بِحِمْصَ، له في ابن ماجه حديث واحد في خطبة عليّ ﵁ بنتَ أبي جهل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
٣ - (شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة، واسم أبيه دينار الأموي مولاهم، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ [٧].
رَوَى عن الزهريّ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وأبي الزناد، وابن المنكدر، ونافع، وهشام بن عروة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه بشر، وبقية بن الوليد، والوليد بن مسلم، ومسكين بن بُكير، وأبو اليمان، وعليّ بن عَيّاش الحمصيّ، وعِدّة.
стр. 962
قال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد: رأيت كُتُب شعيب، فرأيتها مضبوطةً مُقَيَّدةً، ورَفَع من ذكره، قلت: فأين هو من الزُّبَيديّ؟ قال: مثله، وقال الأثرم عن أحمد نحو ذلك، وقال محمد بن علي الْجُوزجانيّ عن أحمد: ثبتٌ صالح الحديث، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، مثلُ يونس وعُقيل، يعني في الزهري، وكَتَب عن الزهري إملاءً للسلطان، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: شعيبٌ من أثبت الناس في الزهريّ، كان كاتبًا له، وقال العجليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال عليّ بن عيّاش: كان من كبار الناس، وكان ضَنِينًا بالحديث، وكان مِن صِنفٍ آخر في العبادة، وكان من كُتّاب هشام، وقال أبو اليمان: كان عَسِرًا في الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن شعيب، وابن أبي الزناد؟ فقال: شعيب أشبه حديثًا، وأصحّ من ابن أبي الزناد، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال الخليليّ: كان كاتب الزهريّ، وهو ثقةٌ مُتَّفَقٌ عليه، حافظٌ أثنى عليه الأئمة، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان أصحّ حديثًا عن الزهريّ بعد الزُّبَيْديّ.
قال يزيد بن عبد ربه: مات سنة اثنتين وستين ومائة، وقال يحيى بن صالح وغيره: مات سنة ثلاث، وقال عليّ بن عيّاش: كان قَوِيًّا، قد جاوز السبعين، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة اثنتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
وقوله: (بهذا الإسناد) إشارة إلى الإسناد الذي قبله، وهو إسناد يونس، عن ابن شهاب، يعني أن سند شعيب بن أبي حمزة هو إسناد يونس، عن ابن شهاب، فالزهريّ يرويه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁.
وقوله: (مثله، وزاد إلخ) يعني أن لفظ شعيب مثل لفظ يونس، غير أنه زاد في الحديث قوله: "الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية"، ولفظ شعيب ساقه البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٣٤٩٩) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الفخر، والخيلاء في الفدادين أهلِ الوبر، والسكينةُ في أهل الغنم، والإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية". انتهى.
стр. 963
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "جَاءَ أَهْلُ الْيَمَن، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَم، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَر، قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ").
رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير:
١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار [٣] مات بعد (٩٠) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
وقوله: (السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ) أي السكون، والوقار، والتواضع (وَالْفَخْرُ) أي التفاخر بالآباء الأشراف، وكثرة الأموال، والْخَوَل، والجاه، وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا (وَالْخُيَلَاءُ) بالمدّ وزنه عند سيبويه فُعَلاءُ، وهي التكبّر، والتعاظم، يقال: خال الرجل يخول، فهو خال، وذو خال، ومَخِيلة، ومنه قول طلحة لعمر ﵄: إنا لا نخول عليك، أي لا نتكبّر، ويقال: اختال يختال، فهو مختالٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] (فِي الْفَدَّادِينَ) أي الصيّاحين (أَهْلِ الْوَبَرِ) يعني به أهل ذات الوبر، وهي الإبل، والوبر للإبل كالصوف للغنم، والشعر للمعز، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] (قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ) أي جهة محل طلوعها، وهذا منه ﷺ إخبار عن أكثر حال أهل الغنم، وأهل الإبل، وأغلبه، قاله القرطبيّ (١).
стр. 964
وبقية شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَن، هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ").
رجال هذا الإسناد ستة، وكلهم تقدّموا قريبًا، فأما أبو معاوية، محمد بن خازم الضرير، والأعمش سليمان بن مهران، فتقدّما في الباب الماضي، وأما الباقون ففي هذا الباب، وأبو بكر بن أبي شيبة، هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان، وأبو كُريب هو محمد بن العلاء، وأبو صالح ذكوان السمّان، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَمْ يَذْكُرْ: "رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ").
رجال هذا الإسناد أربعة، وكلهم تقدّموا قريبًا، غير:
١ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّي الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره يَهِمُ من حفظه [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
وزهير بن حرب تقدّم قبل باب، والباقيان تقدّما في هذا الباب.
وقوله: (بهذا الإسناد) الإشارة إلى إسناد أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.
стр. 965
وقوله: (ولم يذكر … إلخ) يعني أن جريرًا، وإن كان حديثه مثل حديث أبي معاوية، إلا أنه نقص منه قوله: "رأس الكفر قبل المشرق".
[تنبيه]: لفظ حديث جرير ساقه ابن منده في "الإيمان"، فقال (١/ ٥٢٨):
(٤٣٩) أنبأنا أبو القاسم، حمزة بن محمد بن العباس، ثنا أحمد بن المثنى، ثنا زهير بن حرب، (ح) وأنبأنا حسان، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا قتيبة، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانيةٌ، أتاكم أهل اليمن، هم أَرَقُّ أفئدةً، وألين قلوبًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ وَزَادَ: "وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِل، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ").
رجال هذا الإسناد ثمانية:
١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) الْعَسْكريّ، أبو محمد الْفَرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ، يُغْرِبُ [١٠].
رَوَى عن غندر، وأبي أسامة، وحسين الجعفي، وشبابة بن سَوّار، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، ويعلى بن عُبيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن خزيمة، وأبو عَرُوبة، وعبدان الأهوازيّ، ومحمد بن يحيى بن مَنْدَه، وابن صاعد، وابن أبي داود، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبالن في "الثقات"، وقال: يُغْرِب عن شعبة، عن الأعمش بأشياء، مات سنة (٢٥٥)، أو
стр. 966
بعدها بقليل، أو قبلها بقليل، وقال إبراهيم بن محمد الكنديّ، أحدُ الرواة عنه: مات سنة (٥٣).
وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
والباقون تقدّموا قريبًا، فأما محمد بن جعفر، وهو غندر، وشعبة بن الحجّاج فتقدّما في الباب الماضي، وأما الباقون ففي هذا الباب.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الإشارة إلى إسناد جرير بن عبد الحميد، يعني أن إسناد شعبة كإسناد جرير، رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.
وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ … إلخ) يعني أن لفظ حديث شعبة مثل لفظ حديث جرير، غير أن شعبة زاد في حديثه قوله: "وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِل، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ".
[تنبيه]: لفظ حديث شعبة ساقه أبو نعيم في "المسند المستخرج"، فقال (١/ ١٤٠):
(١٨٦) حدثنا أبو علي بن الصوّاف، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي (ح) وحدثنا أبو أحمد، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، سمعت ذكوان، يحدث عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "أهل اليمن أَرَقُّ أفئدةً، وألين قلوبًا، والفقه يمانٍ، والإيمان يمان، والخيلاء والكبر في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أصحاب الشاء".
[فائدة]: "الشاء" بالهمزة: جمع شاة بالهاء، قال في "القاموس": الشاة: الواحدة من الغنم، للذكر والأنثى، أو يكون من الضأن، والمعز، والظباء، والبقر، والنعام، وحُمُر الوحش، والمرأة، جمعه: شاءٌ. انتهى باختصار (١).
وقال في "المصباح": الشاة من الغنم يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هذا شاةٌ للذكر، وهذه شاةٌ للأنثى، وشاةٌ ذَكَرٌ، وشاةٌ أُنثى، وتصغيرها شُوَيهةٌ، والجمع شاء، وشِيَاهٌ بالهاء رُجوعًا إلى الأصل، كما قيل: شَفَةٌ، وشِفَاهٌ،
стр. 967
ويقال: أصلها شَاهَةٌ مثلُ عاهَةٍ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١] (٥٣) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غِلَظُ الْقُلُوب، وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِق، وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الإمام الحجة المذكور قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ) هو: عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزوميّ، أبو محمد المكّي، ثقة [٨].
رَوَى عن حنظلة بن أبي سفيان، وداود بن قيس الفَرّاء، والزبير بن سعيد الهاشمي، وسيف بن سليمان المكّي، والضحاك بن عثمان، وطلحة بن عمرو، وابن جريج، وعنبسة بن عبد الرحمن، ويونس بن يزيد، وثور بن يزيد الحمصيّ وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، والشافعيّ، والحميديّ، وحامد بن يحيى الْبَلْخيّ، ويعقوب بن حميد، وعمرو بن الْحُبَاب العَلَّاف، وأبو قُدامة السرخسيّ، وقتيبة بن سعيد وغيرهم.
قال أبو حاتم: عبد الله بن الحارث المخزوميّ أحب إليّ من عبد الله بن الحارث الحاطبي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١٥٢٨): "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يُستَوفَى"، و (٢٢٢٧): "إن كان في شيء ففي الرَّبْعِ والخادم والفرس".
стр. 968
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكّي الفقيه، ثقة فاضلٌ، يدلّس، ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكّي، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الله بن الحارث، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن عبد الله بن الحارث هذا أولى محلّ ذكره في الكتاب، وجملة ما روى المصنّف له من الأحاديث ثلاثة فقط، كما أسلفت بيانها آنفًا.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكّيين غير شيخه، وقد دخل مكة، وجابر ﵁، وإن كان مدنيًّا، إلا أنه سكن مكة مدّةً (١).
٥ - (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، ويقال (٢): إنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃، مات سنة (٩٤)، وقيل غير ذلك، ومن مناقبه ﵁ أنه قال: استغفر لي النبيّ ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرّةً، وليلة البعير هي الليلة التي اشترى النبيّ ﷺ من جابر جَمَلَهُ، وهي مشهورة في "الصحيحين"، وغيرهما، والله تعالى أعلم.
стр. 969
شرح الحديث:
(عَن) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْجٍ) المكّي، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غِلَظُ الْقُلُوبِ) بكسر الغين المعجمة، وفتح اللام، وزان عِنَب مصدر غَلُظ الشيءُ بالضمّ: خلاف دَقَّ، والاسم الْغِلْظةُ بالكسر، وحَكَى في "البارع" التثليث عن ابن الأعرابيّ، وهو غَلِيظٌ، والجمع غِلاظٌ، وعذابٌ غليطٌ: شديدُ الألم، وغَلُظ الرجلُ: اشتدّ، فهو غليظ أيضًا، وفيه غِلْظةٌ: أي غير لَيِّنٍ، ولا سَلِسٍ، قاله الفيّوميّ (١). (وَالْجَفَاءُ) بالفتح، يقال: جَفَا السرجُ عن ظهر الفرس يجفو جَفَاءً: ارتفع، وجافيته، فتجافى، وجفوت الرجل أجفوه: أعرضت عنه، أو طردته، وهو مأخوذ من جُفَاء السيل، وهو ما نفاه السيل، وقد يكون مع بغضٍ، وجَفَا الثوب يجفو: إذا غلُظ، فهو جافٍ، ومنه جفاء الْبَدْو، وهو غِلْظَتهم، وفَظَاظَتهم، قاله الفيّوميّ أيضًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلها تصلح في الحديث، فجفاء القلوب: ارتفاعها، وتكبّرها، وإعراضها عن الحقّ، وطرده ودفعه عنها، فلا تقبله بغضًا له، والله تعالى أعلم.
فقوله: "غلظ القلوب" مبتدأ خبره قوله: (فِي الْمَشْرِقِ) أي كائن في أهل المشرق، وقد سبق بيان المراد بأهل المشرق قريبًا، فلا تنس، وإعراب قوله: (وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ) كسابقه، و"الْحِجَاز" بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الجيم، مشتقّ من حَجَزْتُ بين الشيئين حَجْزًا، من باب قَتَلَ: إذا فَصَلتَ بينهما، وسُمي بذلك لأنه فصل بين نَجْد والسَّرَاة، وقيل: بين الْغَوْر والشأم، وقيل: لأنه احتجز بالجبال، قاله الفيّوميّ (٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه حجة - أي لمن حمل "الإيمان يمان" - على مكة والمدينة، وأن المراد مبدؤه، ومستقرّه، وظهوره؛ لأن مكّة والمدينة من بلاد الحجاز، وقد قالوا: إن حدّ الحجاز من جهة الشام شَغْبٌ
стр. 970
وبَدَا (١)، ومما يلي تِهَامة بَدْرٌ، وعُكَاظُ، قال الْقُتَبيّ: سُمِّي حجازًا؛ لحجزه بين نَجد وتِهَامة، وقال ابن دُريد: لحجزه بين نَجْد والسَّرَاة، قال الأصمعيّ: إذا انحدرت من نجد من ثنايا ذات عِرْق، فقد أَتْهَمتَ إلى البحرين، فإذا استقبلتك الْحِرَارُ، وأنت بنجد، فذلك الْحِجَاز، سُمّيت بذلك؛ لأنها حُجِزت بالْحِرَار الْخَمس (٢).
وقد يكون المراد بالحجاز هنا المدينة فقط، ويؤيّده قوله في الحديث الآخر: "إن الإيمان لَيَأْرِزُ إلى المدينة … " الحديث، متّفقٌ عليه.
وفي هذا الحديث دليل على ترجيح فقه أهل الحجاز، وأهل المدينة، وترجيح فقه مالك رحمه الله تعالى؛ إذ هو يمانيّ النسب، يمانيّ البلد، والمدينة دار أهل اليمن الذين نَسَبَ إليهم النبيّ ﷺ الفقه والحكمة. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القاضي من ترجيح فقه أهل المدينة على غيرهم، قاله أيضًا في كتابه الآخر "ترتيب المدارك" فترجم فيه بقوله: "باب فضل علم أهل المدينة"، "باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة"، "باب ترجيح مذهب مالك، والحجة في وجوب تقليده، وتقديمه على غيره من الأئمة" (١/ ٦١ و ٦٦ و ٧٥)، وبالغ في تقرير ذلك كلّه، ولا يخفى ما فيه من المبالغة التي تحمل العوامّ على التعصّب.
وقد أجاد الحافظ ابن حجر في تعقّبه على القرطبيّ، فقال: وهذا إن سُلّم اختصّ بعصر النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن، وانتشار
стр. 971
الصحابة في البلاد، ولا سيّما أواخر المائة الثانية، وهلُمّ جرًّا، فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انتهى كلامه.
ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في هذه المسألة، وفصّلها تفصيلًا حسنًا جدًّا، وقد نظمت كلامه في "التحفة المرضيّة في نظم المسائل الأصوليّة على طريقة أهل السنّة السنيّة"، فقلت في "مبحث الإجماع":
وَاشْتَرَطُوا كَوْنَهُ قَولَ الْكُلِّ … فَلَيْسَ إِجْمَاعٌ بِقَولِ الْجُلِّ
فَمِنْ هُنَا إِجْمَاعُ أَهْلِ طَيْبَةِ … يَحْتَاجُ تَفْصِيلًا بِدُونِ مِرْيَةِ
كَمَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدْ قَسَّمَهُ … أَرْبَعَةً فَهَاكَ مَا رَسَّمَهُ
أَوَّلُهَا مَا صَارَ مِثْلَ النَّقْلِ عَنْ … نَبِيِّنَا كَالصَّاعِ حُجَّةً قَمَنْ
وَثَانِيهَا عَمَلُهُمْ مِنْ قَبْلِ … أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ فَحُجَّةٌ تُسَنْ
أَعْنِي لَدَى الْجُمْهُورِ إِذْ ذَا سُـ … ـنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةُ
وَلَيْسَ يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالَفَهْ … لِسُنَّةِ الرَّسُولِ يَا ذَا الْمَعْرِفَة
ثَالِثُهَا إِنْ حُجَجٌ تَعَارَضَتْ … عَمَلُهُمْ لِبَعْضِهَا هَلْ رَجَّحَتْ؟
فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَجَّحَا … بِهِ وَنُعْمَانٌ إِبَاءً أَوْضَحَا
أَصْحَابُ أَحْمَدَ لَهُمْ وَجْهَانِ … كَلَامُهُ يَمِيلُ لِلرُّجْحَانِ
رَابِعُهَا عَمَلُهُمْ مُؤَخَّرَا … فَفِي احْتِجَاجِنَا بِهِ خُلْفٌ جَرَى
فَأَحْمَدُ النُّعْمَانُ ثُمَّ الشَّافِعِيْ … أَبَوْا وَرَأْيُهُمْ أَسَدُّ فَاتْبَعِ
وَهْوَ الَّذِي لَدَى الْمُحَقِّقِينَ مِنْ … أَصْحَابِ مَالِكٍ يُرَى الرَّأْيَ الْقَمِنْ
وَبَعْضُ أَهْلِ الْغَرْبِ مِنْ أَصْحَابِهِ … جَعَلَهُ الْحُجَّةَ لَا تَعْبَأْ بِهِ
إِذْ لَيْسَ نَصُّ مَالِكٍ وَلَا دَلِيلْ … أَيَّدَهُ بَلْ مَحْضُ تَقْلِيدِ ذَلِيلْ
فَقَوْلُ أَهْلِ طَيْبَةٍ لِذَا يُرَى … أَصَحَّ أَقَوَالٍ لَدَى الْقَوْمِ جَرَى
فَتَارَةً بِالْقَطْعِ حُجَّةً أَتَى … وَتَارَةً ذَا قُوَّةٍ قَدْ ثَبَتَا
وَتَارَةً مُرَجِّحًا لِمَا يَدُلْ … مُلَخَّصُ التَّفْصِيلِ هَذَا قَدْ كَمُلْ
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
стр. 972
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٣/ ٢٠١] (٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٢ و ٣٣٥ و ٣٤٥) وفي "فضائل الصحابة" (١٦١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٩٦)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٤٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٧) وزاد من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج: "والسكينة في أهل الغنم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٢٤ - (بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَان، وَأَنَّ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبٌ لِحُصُولِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٢] (٥٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنكُمْ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد بنصّه تقدّم في الباب الماضي، ومن لطائفه أنه مسلسل بثقات الكوفيين إلى الأعمش، والباقيان مدنيّان، وأن فيه أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، وكذلك الأعمش أحفظ من رَوَى عن أبي صالح السمان، يقال: روى عنه ألف حديث، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش عن أبي صالح، وأن صحابيّه ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا) نافية، ولذا رُفع
стр. 973
الفعل بعدها (تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا) بحذف النون للنصب بـ "أن" مضمرة بعد "حتى" وجوبًا، لكون الفعل مستقبلًا، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ"
وَتِلْوَ "حَتَّى" حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
وقوله: "لا تدخلون الجنّة إلخ" هو على ظاهره، وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا، وإن لم يكن كامل الإيمان (وَلَا تُؤْمِنُوا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا صحّت الروايات هنا: "ولا تؤمنوا" بإسقاط النون، والصواب إثباتها كما وقع في بعض النسخ؛ لأن "لا" نفيٌ لا نهيٌ، فلزم إثباتها. انتهى (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول والروايات: "ولا تؤمنوا" بحذف النون من آخره، وهي لغة معروفة صحيحة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول القرطبيّ: "والصواب إثباتها" ليس كما ينبغي؛ لأنه إذا صحّت الرواية بالحذف، ووجد في العربيّة له وجه، فلا وجه للتخطئة، فما قاله النوويّ هو الحقّ، وقد أثبت المحقّقون من النحاة جواز حذف نون الرفع بلا ناصب وجازم على قلّة، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في "الكافية" مبيّنًا إعراب الأفعال الخمسة:
بِالنُّونِ رَفْعُ نَحْوِ "يَذْهَبُونَا" … وَ"تَذْهَبَانِ" ثُمَّ "تَذْهَبِينَا"
وَاحْذِفْ إِذَا جَزَمْتَ أَوْ نَصَبْتَا … كـ"لَمْ تَكُونَا لِتَرُومَا سُحْتَا"
وَحَذْفُهَا فِي الرَّفْعِ قَبْلَ "نِي" أَتَى … وَالْفَكُّ وَالإِدْغَامُ أَيْضًا ثَبَتَا
وَدُونَ "نِي" فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا
"أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي"
قال في "شرحه": وقولي: "ودون ني" أي دون اتّصال نون الوقاية بنون الرفع قد حُكي حذفها، ومثال ذلك في النثر ما رُوي من قول النبيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا" (٣)،
стр. 974
الأصل: لا تدخلون، ولا تؤمنون؛ لأن "لا" نافية، و"لا" النافية لا تعمل في الفعل شيئًا، ومثال النظم قول الراجز:
أَبِيتُ أَسْري … البيت.
والأصل "تبيتين" و"تدلُكين"، فحذف النونين دون جازم ولا ناصب. انتهى كلام ابن مالك باختصار (١).
والحاصل أن تخطئة الرواية بحذف النون غير مقبول، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(حَتَّى تَحَابُّوا) بحذف إحدى التاءين، إذ أصله: تتحابّوا؛ أي حتى يُحبّ بعضكم بعضًا، ونونه محذوفة للناصب، كما تقدّم نظيره، قال النوويّ: معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يصلُح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب.
وقال القرطبيّ: الإيمان المذكور أولًا هو التصديق الشرعيّ المذكور في حديث جبريل ﵇، والإيمان المذكور ثانيًا هو الإيمان العمليّ المذكور في قوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبةً"، ولو كان الثاني هو الأول للزم منه أن لا يدخل الجنّة مَن أبغض أحدًا من المؤمنين، وذلك باطلٌ قطعًا، فتعيّن التأويل الذي ذكرناه. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله ﷺ : "ولا تؤمنوا حتى تحابّوا": أي لا يتمّ إيمانكم، ولا يكمُلُ ولا تصلح حالتكم في الإيمان إلا بالتحابّ والأُلفة، ويعضده قوله بعدُ: "أوَلا أدلّكم على شيء … " الحديث. انتهى (٣).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله ﷺ : "لاتدخلون الجنة حتى تؤمنوا"، فهو على ظاهره، وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا، وإن لم يكن كاملَ الإيمان، فهذا هو الظاهر من الحديث.
وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: معنى الحديث: لا يكمل إيمانكم
стр. 975
إلا بالتحابّ، ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك، وهذا الذي قاله محتمل. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: معناه: لا يكمل إيمانكم، ولا يكون حالكم حال من كَمُل إيمانه حتى تفشوا السلام الجالب للمحبّة الدينيّة، والألفة الشرعيّة. انتهى.
(أَوَلَا) بفتح الهمزة والواو، هي "ألا" التي للعرض والتحضيض، والواو للعطف، وأصلها التقديم على الهمزة، إلا أنها أخّرت للزوم تصديرها (أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ) عظيم، فالتنوين للتنكير؛ وعظمته حيث كان سببًا للمحبّة التي هي سبب للإيمان الكامل الذي هو سبب لدخول الجنّة (إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا) بقطع الهمزة المفتوحة فعل أمر من الإفشاء (السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) معنى إفشائه: إظهاره، وإشاعته، وإقراؤه على المعروف وغير المعروف، قاله القرطبيّ.
وقال السنديّ: والمراد نشر السلام بين الناس؛ ليُحيُوا سنته ﷺ ، قال النوويّ: أقلّه أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلَّم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيًا بالسنّة، ذكره السيوطيّ في "حاشية أبي داود" في شرح هذا اللفظ.
قال السنديّ: ظاهره أنه حمل الإفشاء على رفع الصوت به، والأقرب حمله على الإكثار. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأَوْلى حمله على المعنيين؛ إذ لا تنافي بينهما، فيكون المراد بالإفشاء رفع الصوت بالسلام وإكثاره بين الناس، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: اعلم أنه تعالى جعل السلام سببًا للمحبّة، والمحبّة سببًا لكمال الإيمان؛ لأن إفشاء السلام سبب للتحابّ والتوادّ، وهو سبب الأُلفة والجمعيّة بين المسلمين المسبب لكمال الدين، وإعلاء كلمة الإسلام، وفي التهاجر والتقاطع والشحناء التفرقة بين المسلمين، وهو سبب لانثلام الدين، والوهنِ في الإسلام، وجَعْل كلمة الذين كفروا الْعُلْيَا، قال الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ
стр. 976
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]. انتهى (١)، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٤/ ٢٠٢ و ٢٠٣] (٥٤)، و (أبو داود) (٥١٩٣)، و (الترمذيّ) (٥٦٨٨)، و (ابن ماجه) (٦٨ و ٣٦٩٢)، و (ابن أبي شيبة) (٨/ ٦٢٤ و ٦٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩١ و ٤٤٢ وو ٤٧٧ و ٤٩٥ و ٥١٢)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٢٦٠ و ٩٨٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٠ و ١٩١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٢٨ و ٣٢٩ و ٣٣٠ و ٣٣١ و ٣٣٢ و ٣٣٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٣٠٠) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه لا يدخل الجنّة إلا نفسٌ مسلمة، وقد أخرج الترمذي وحسّنه من طريق أبي إسحاق، عن زيد بن أُثيع، قال: سألت عليًّا ﵁: بأيّ شيء بُعِثت؟ قال: بأربع: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة … " الحديث (٢).
٢ - (ومنها): بيان أن محبة المؤمنين بعضهم بعضًا مما يكمل به الإيمان، فهي شعبة من شعب الإيمان.
стр. 977
٣ - (ومنها): أن في قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده" في الرواية التالية إثباتَ اليد لله على ما يليق بجلاله.
٤ - (ومنها): انتفاء كمال الإيمان عمن ليست له محبة لإخوانه المؤمنين.
٥ - (ومنها): إثبات دخول الجنّة للمؤمن الذي حقّق إيمانه بالمحبّة لإخوانه، والتودّد إليهم بما يُدخل السرور عليهم كالسلام مع الالتزام بسائر شرائع الإسلام.
٦ - (ومنها): أن فيه الحثَّ العظيم على إفشاء السلام، وبذله للمسلمين كلهم المعروفين وغير المعروفين.
٧ - (ومنها): أن السلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكُن أُلفة المسلمين بعضهم لبعض.
٨ - (ومنها): أنه يتضمّن رفع التقاطع والتهاجُر والشَّحْنَاء، وفساد ذات البين التي هي الحالقة؛ لأن سلامه لله تعالى لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه به، فيحصل ببركته ذلك.
٩ - (ومنها): أن في إفشاء السلام إظهار شعار المسلمين المميز لهم من غيرهم، من أهل الملل.
١٠ - (ومنها): أن في إفشائه رياضةَ النفس، ولزومَ التواضع، وإعظامَ حرمات المسلمين، وقد ذكر البخاري ﵀ في "صحيحه" (١/ ١٤) عن عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: "ثلاثٌ من جمعهنّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار" (١).
стр. 978
[تنبيه]: قال في "الفتح": قال أبو الزناد بن سراج وغيره: إنما كان مَن جمع الثلاث مستكملًا للإيمان؛ لأن مداره عليها؛ لأن العبد إذا اتّصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقًّا واجبًا عليه إلا أدّاه، ولم يترك شيئًا مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يَجْمَع أركان الإيمان؛ وبذلُ السلام يتضمن مكارم الأخلاق، والتواضع، وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف، والتحابُّ، والإنفاق من الإقتار يتضمن غايةَ الكرم؛ لأنه إذا أنفق مع الاحتياج، كان مع التوسع أكثر انفاقًا، والنفقة أعم من أن تكون على العيال واجبةً ومندوبة، أو على الضيف والزائر، وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق بالله، والزهد في الدنيا، وقَصْرَ الأمل، وغير ذلك من مهمات الآخرة، وهذا التقرير يُقَوِّي أن يكون الحديث مرفوعًا؛ لأنه يشبه أن يكون كلام مُن أوتي جوامع الكلم، والله تعالى أعلم. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإسْنَاد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا"، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٍ).
стр. 979
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد نفسه أيضًا تقدّم في الباب الماضي، و"جرير" هو ابن عبد الحميد.
وقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إلخ) هذا إقسام من النبيّ ﷺ ، أقسم بالله الذي نفسه ﷺ بيده، ففيه إثبات اليد لله على ما يليق بجلاله ، وفيه مشروعيّة الحلف من غير تحليف؛ لبيان عظم الأمر، وتأكيد الحثّ عليه.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٍ) يعني أن حديث جرير عن الأعمش مثل حديثهما عنه.
[تنبيه]: لم أجد من ساق لفظ حديث جرير هذا، وقد أخرجه من طريقه ابن منده في "الإيمان" ١/ ٤٦٣ (٣٣٢) لكنه أحاله على أبي معاوية، فقال: "عن الأعمش نحوه". انتهى.
ويستفاد من قوله: "نحوه" بدل قول المصنّف: "بمثلِ" أن هاتين العبارتين بمعنى واحد، وهذا هو الذي وجدته بتتبع صنيع المصنّف، فما تقدّم في المقدّمة من التفرقة بينهما محلّ نظر، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٢٥ - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ)
[٢٠٤] (٥٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنْ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلًا، قَالَ: فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي، كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّام، ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: "لِله، وَلِكِتَابِه، وَلِرَسُولِه، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن عَبّاد بن الزِّبْرِقَان المكّي، نزيل
стр. 980
بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة الفقيه الثبت، أبو محمد المكّي، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (سُهَيْلٍ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ صدوقٌ، تغيّر حفظه بآخره، وروى له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا [٦] توفّي في خلافة المنصور (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) الليثيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٦.
٥ - (تَمِيمٌ الدَّارِيُّ) هو: تميم بن أوس بن خارجة الداريّ، أبو رُقيّة الصحابيّ المشهور، سكن بيت المقدس بعد قتل عثمان ﵁، قيل: مات ﵁ سنة (٤٠) (خت م ٤) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٦، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من سهيل، والباقيان مكيّان.
٣ - (ومنها): أن سفيان علا على شيخه عمرو بن دينار في هذا الحديث بعد أن سمعه من سهيل؛ لأنه كان أوّلًا بينه وبين عطاء بن يزيد ثلاث وسائط: عمرو، والقعقاع، وأبو صالح، فلما سمعه من سهيل كان بينه وبين عطاء واسطة واحدة، وكان بين عمرو وعطاء واسطتان، فعلا سفيان على عمرو بواسطة، وهذا من مُلَحِ العلوّ، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بتميم في الكتب الستة نحو عشرة، منهم عند الشيخين ستة، صاحب الترجمة هذا، وتميم بن سلمة السلميّ الكوفيّ، وتميم بن حَذْلَم الضبيّ الكوفيّ، علّق لهم البخاريّ، وأخرج لهم المصنّف، وتميم بن أسد أبو رفاعة العدويّ، وتميم بن طَرَفَة الْمُسْليّ، وتميم بن نُذَير أبو قتادة العدويّ، وهؤلاء أخرج لهم المصنّف.
٥ - (ومنها): أنه ليس لتميم الداريّ ﵁ في "صحيح البخاريّ"، عن النبيّ ﷺ شيء، ولا له في "صحيح مسلم" غير هذا الحديث، بل هو من
стр. 981
المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا تسعة أحاديث فقط، هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، والنسائيّ، وحديث: "ما السنة في الرجل يُسْلِم على يدي الرجل؟ … " عند أصحاب السنن، وحديث: "أول ما يحاسب به العبد الصلاة … " عند أبي داود، وابن ماجه، وحديث في آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] عند الترمذيّ، وحديث: "من قال: لا إله إلا الله وحده … " عنده أيضًا، وحديث مسروق قال: قال لي رجل من أهل مكة: "هذا مقام أخيك تميم الداري … " عند النسائيّ، وحديث: "من قرأ منه آية في ليلة … " عنده أيضًا في "عمل اليوم والليلة"، وحديث: "من ارتبط فرسًا … " عند ابن ماجه، وحديث: "يكون في آخر الزمان قوم … " عنده أيضًا، راجع "تحفة الأشراف" ٢/ ١٣٨ - ١٤٢، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عن سُفْيَانَ) بن عيينة رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ) أي ابن أبي صالح (إِنَّ عَمْرًا) أي ابن دينار الْجُمَحيّ المكّي المتوفّى سنة (١٢٦ هـ) تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤ (حَدَّثَنَا عَن الْقَعْقَاعِ) هو: ابن حكيم الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي هريرة - وقيل: لم يلقه -، وجابر، وعائشة، وابن عمر، وعلي بن الحسين، وأبي صالح السّمّان، وسَلْمَى أم رافع، وأبي يونس مولى عائشة، وعبد الرحمن بن وَعْلَة وغيرهم.
ورَوَى عنه زيد بن أسلم، ومحمد بن عَجْلان، وسعيد المقبريّ، وسُهيل بن أبي صالح، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وجعفر بن عبد الله بن الحكم، ويعقوب بن عبد الله بن الأشجّ، وعمرو بن دينار، وأبان بن صالح وغيرهم.
قال ابن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: سُمَيّ أثبت عندك أو القعقاع؟ قال: قعقاع أحبّ إليّ، وقال أحمد وابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد" والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، حديث (٢٦٥): "إذا جلس أحدكم على حاجته … "،
стр. 982
و (٦٢٩): "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى … "، و (٢٠١٤): "غطوا الإناء، وأوكوا السقاء … "، و (٢٧٠٩): "لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات … ".
وأما الحديث فليس من روايته، وإنما ذكره سفيان خلال سؤاله لسهيل بن أبي صالح أن يُحدّثه عن أبيه، ويُسقط عنه رجلين، كما بيّنه بقوله:
(عَنْ أَبيكَ) هو أبو صالح السّمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت المتوفّى سنة (١٠١ هـ) تقدَّمت ترجمته في "المقدمة" ٢/ ٤. (قَالَ) سفيان (وَرَجَوْتُ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير "قلت"، أي قلت لسهيل هذا الكلام حال كوني راجيًا (أَنْ يُسْقِطَ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإسقاط، أي يَحذف من السند (عَنِّي رَجُلًا) أي واسطة واحدة.
ولفظ أبي نعيم في "مستخرجه": قال سفيان: وكان عمرو حدّثناه أولًا عن القَعْقَاع بن حكيم، عن أبي صالح، فلما أتيت سُهيلًا، قلت: لو سألته لعله يُحدّثنيه عن أبيه، فالحديث أنا وعمرو فيه سواء، فسألته، فقال سهيل: أنا سمعته من الذي سمعه منه أبي، فأخبرني عطاء بن يزيد الليثيّ. انتهى (١).
وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" بسنده عن سفيان بن عيينة، قال: حدّثنا عمرو بن دينار، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، قال: ثم لقيت سُهيلًا، فقلت له: أرأيت حديثًا كان يُحدّثُ عمرو، عن القعقاع، عن أبيك، سمعتَهُ من أبيك؟ قال: سمعته من الذي سمعه منه أبي، صديق لأبي، كان يأتي من الشام، يقال له: عطاء بن يزيد الليثيّ سمعته أخبر بذلك عن تميم الداريّ، عن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن الدين النصيحة، ألا إن الدين النصيحة، ألا إن الدين النصيحة"، قالوا: لمن يا رسول الله؟ … الحديث (٢).
وحاصل المعنى أن سفيان كان سمع هذا الحديث من عمرو بن دينار، عن القَعْقَاع، عن أبي صالح، فكان بينه وبين أبي صالح واسطتان، فأراد أن يسمعه من سهيل عن أبيه، حتى يكون بينهما واسطة واحدة، وهو سُهيل، إلا
стр. 983
أن سهيلًا أفاده أنه سمعه من شيخ أبيه، فأسقط عنه ثلاث وسائط: عمرًا، والقعقاع، وأبا صالح، كما بيّنه بقوله: (قَالَ) سفيان (فَقَالَ) سُهيل (سَمِعْتُهُ) أي هذا الحديث (مِن) الشخص (الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي) أي وهو عطاء بن يزيد (كَانَ) أي ذلك الشخص (صَدِيقًا لَهُ) أي لأبيه (بالشَّامِ) متعلّق بحال محذوف، أي حال كونه مقيمًا بالشام البلد المعروف؛ لأنه انتقل إليه من المدينة، كما أشرنا إليه في ترجمته السابقة.
(ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هذا من كلام محمد بن عبّاد، أي ثم بعد أن حكى سفيان هذه القصّة (حدّثنا عَنْ سُهَيْلٍ) أي ابن أبي صالح (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) الليثيّ المذكور، فأسقط ثلاث وسائط، كما أسلفناه آنفًا (عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) تقدّم في المقدّمة الخلاف في نسبته، فقال الجمهور: إنه منسوب إلى جدّ من أجداده، وهو الدار بن هانئ، وقيل: نسبة إلى دارين مكان عند البحرين، محطّ السفن، ومنهم من قال: إنه دَيريّ، نسبةً إلى دَير كان تميم فيه قبل الإسلام، وكان نصرانيًّا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ") مبتدأ وخبره، ثم الكلام يحتمل أن يكون على المبالغة، أي معظم الدين النصيحة، كما قيل في حديث: "الحجّ عرفة"، ويحتمل أن يكون على ظاهره؛ لأن كلّ عمل لم يُرِد به عاملُه الإخلاص، فليس من الدين.
و"النصيحة" في اللغة: يُطلق على الإخلاص، والصدق، والْمَشُورة، والعمل، يقال: نَصَحتُ لزيد أَنْصَحُ نُصْحًا ونَصيحةً، هذه هي اللغة الْفُصْحَى، وعليها قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وفي لغة يتعدّى بنفسه، فيقال: نصحته، والفاعل ناصحٌ، ونصيحٌ، والجمع نُصَحَاءُ، أفاده الفيّوميّ رحمه الله تعالى (١).
وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: "النصيحة": كلمةٌ يُعبّر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يُعبّر هذا المعنى بكلمة واحدة تَجْمَعُ معناه غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحته، ونصحت له. انتهى (٢).
стр. 984
وقال المازريّ رحمه الله تعالى: "النصيحة" مشتقّة من نصحتُ العسل: إذا صفّيته، يقال: نصح الشيء: إذا خلص، ونصح له القول: إذا أخلص له، أو مشتقّة من النصح، وهي الخياطة بالْمِنْصَحة وهي الإبرة، والمعنى أنه يلُمّ شعث أخيه بالنصح كما تلُمّ الْمِنْصَحَةُ، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يُمَزِّق الدين والتوبة تَخِيطه. انتهى (١).
وقال أبو سليمان الخطابيّ رحمه الله تعالى: النصيحة كلمة جامعة، معناها: حِيَازَةُ الحظّ للمنصوح له، قال: ويقال: هو من وَجِيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردةٌ يُستَوفَى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه، قال: وقيل: النصيحة مأخوذة من نَصَحَ الرجلُ ثوبه: إذا خاطه، فَشَبَّهوا فعل الناصح فيما يَتَحَرّاه من صلاح المنصوح له بما يَسُدُّه من خَلَل الثوب، قال: وقيل: إنها مأخوذة من نَصَحْتُ العسلَ: إذا صَفَّيته من الشَّمَع، شَبَّهُوا تخليص القول من الغِشِّ بتخليص العسل من الْخِلْط، قال: ومعنى الحديث: عمادُ الدين، وقِوَامه النصيحةُ، كقوله: "الحجُّ عرفة"، أي عمادهُ، ومعظمهُ عرفة.
(قُلْنَا) القائلون هم تميم وأصحابه من الصحابة الذين حضروا قوله ﷺ : "الدين النصيحة"، (لِمَنْ؟) هذا دليل على أن معنى النصيحة واسع جامع يصلح لجهات متعدّدة، ولذلك عمم لهم جميع تلك الجهات، فـ (قَالَ) ﷺ ("لِلَّهِ) أي النصيحة كائنة لله ، ومعناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال، والجلال كلها التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ في أحاديثه الصحيحة من غير تكييف، ولا تمثيل ومن غير تعطيل ولا تأويل، وتنزيهه من جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحبّ فيه والبغض فيه، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه، وجهاد من كَفَرَ به، والاعتراف بنعمه وشكره عليها، والإخلاص له في جميع الأمور، ودعاء جميع الناس أو من أمكن منهم إلى جميع الأوصاف المذكورة، والحثّ عليها والتلطُّف في ذلك.
стр. 985
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد، في نصحه نفسه، فالله تعالى غنيّ عن نصح الناصح. انتهى.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد حكى الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزيّ رحمه الله تعالى في كتابه "تعظيم قدر الصلاة" عن بعض أهل العلم هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه، ونحن نَحكيه ها هنا بلفظه - إن شاء الله تعالى - قال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: جِمَاعُ تفسير النصيحة هي: عنايةُ القلب للمنصوح له كائنًا مَن كان، وهي على وجهين:
[أحدهما]: فرضٌ، والآخر نافلةٌ، فالنصيحة المفترضة لله هي شدةُ العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افتَرَضَ، ومجانبة ما حَرَّم، وأما النصيحة التي هي نافلة، فهي إيثار محبته على محبة نفسه، وذلك أن يَعْرِض له أمران: أحدهما لنفسه، والآخر لربه، فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان لنفسه، فهذه جملة تفسير النصيحة لله الفرض منه، وكذلك تفسير النافلة، وسنذكر بعضه لِيَفْهَم بالتفسير مَن لا يَفهَم بالجملة.
فالفرض منها مجانبة نهيه، وإقامة فرضه، بجميع جوارحه، ما كان مطيقًا له، فإن عَجز عن الإقامة بفرضه لآفة حَلَّت به، من مرض، أو حبس، أو غير ذلك عَزَم على أداء ما افتُرض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له، قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] فسمّاهم محسنين؛ لنصيحتهم لله بقلوبهم لَمّا مُنِعوا من الجهاد بأنفسهم، وقد تُرْفَع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات، ولا يرفع عنهم النصح لله، فلو كان مَنْ مَرِضَ بحالٍ لا يمكنه عملُ شيء من جوارحه بلسان ولا غيره، غير أن عقله ثابت لم يسقط عنه النصح لله بقلبه، وهو أن يَنْدَم على ذنوبه، وينوي إن صَحّ أن يقوم بما افتَرَض الله عليه، ويجتنب ما نهاه عنه، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه، وكذلك النصح لرسوله ﷺ فيما أوجبه على الناس، عن أمر ربه، ومن النصح الواجب لله أن لا يَرْضَى بمعصية العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله تعالى ورسوله ﷺ .
وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض، فبذل المجهود بإيثار الله تعالى